لأمير واحد لم يبق لأحد من العرب بهم قبل ولا طاقة. ولما توجه إلى حلب لإمساك طشتمر (١) أتاه مشاهير بني كلاب مثل أحمد بن نصير وندي بن ضحاك وغيرهم، فكانوا أعوانه وظهراءه. ولم يزالوا معه حتى حقت عليه النوبة ففارقوه من المعيصرة وكان ذلك بمباطنة من سليمان بن مهنا لهم. وكانوا قد صاروا أحلافًا له، وكان الملك الناصر قد أمره على عرب بني كلاب، وجعل عليه حفظ جعبر وما جاورها.
وآل بشار (٢) ديارهم الجزيرة والأخص (٣) ببلاد حلب. والأحلاف منهم حالهم في عدم الانقياد لأمير واحد حال بني كلاب، ولو اجتمعوا لما أمن بأسهم. وهم على تفرق كلمتهم، وتشتت جماعتهم لا يزال آل فضل منهم على وجل. وطالما باتوا وقلوبهم منهم ملأى من الحذر، وعيونهم وسنى من السهر، وبينهم دماء. وهم وبنو ربيعة وبنو عجل جيران. وديارهم من سنجار وما يدانيها إلى البازار قريب الجزيرة العمرية إلى أطراف بغداد.
غَزِيَّة (٤)، قال الحمداني: وهم بطون وأفخاذ ولهم مشايخ، منهم من وفد على السلاطين في زماننا. وهم متفرّقون في الشام والحجاز وبغداد، وفيما بين العراق والحجاز. وأما شيوخ غزيَّة الذين في طريق بغداد إلى الحجاز الذين مياههم اليحموم، واللصف والنخيلة والمغيثة مياه البطنين ومياه الأجود لينة، والثعلبية، وزرود (٥).
فمن غزية البطنين منهم آل دعيج - وكان شيخهم مانع بن سليمان قد وفد الديار المصرية سنة ثلاث وستمائة، ويل روق، وآل رفيع (٦)، وآل سرية،
стр. 1332
وآل مسعود، وآل تميم، وآل شمر دل - هذه البطنين من غزية.
بطون الأجود بن غزية (١): آل منيع، وآل سنيل، وآل سند، وآل منان، وآل أبي الحزم، وآل علي، وآل عقيل، وآل مسافر. هؤلاء هم المشهورون من بطون غزية، والله أعلم. هذا ما ذكره الحمداني.
قلتُ: وذكر لي نصر بن برجس المشرقي زيادةً: أولاد الكافرة، وساعدة (٢)، وبنو جميل، وآل أبي مالك. وأما أحلاف آل فضل فقد قدمنا ذكرهم فيهم. وديار آل أجود (٣) منهم الرخيمية، والوقبى (٤)، والفردوس، ولينة، والحدق، وآل عمرو بالجوف. وديار بقاياهم اللصف، والكمن، واليحموم، والإم، والمغيثة.
وبينهم ساعدة، ويدارهم من الخضراء إلى برية زرود - ولا محيد للركب العراقي عنها، إلى سعارة، إلى النقعاء، إلى الثيب، إلى السائبة، إلى حفر. وخالد ودارها التنومة، وضئيدة، وأبو الزيدان، والقوبع، وضارج، والكوارة، والنبوان إلى ساقة العرفة، إلى الرسوس، إلى عنيزة، إلى وضاخ، إلى جبلة، إلى السر، إلى العردة، إلى العشيرية، إلى الأنحل.
وخفاجة وعبادة (٥) عرب بغداد والعراق. وقال ابن عرام (٦): منازل عبادة من بغداد إلى الموصل. وبمرج دمشق قوم من عبادة. وخفاجة من هيت والأنبار إلى الحلة
стр. 1333
إلى بئر ملاحا إلى الكوفة، إلى قائم عنقاء والثرثار، إلى المثنى دون البصرة، وهو غاية مرماهم ونهاية بعدهم.
قال الحمداني: إنّهم وفدوا (١) على الدولة الظاهرية بعد كسرة الخليفة المستنصر المجهز من مصر لاستفتاح العراق. وكان كبير جماعتهم خضر بن بدران بن مقلّد بن سلمان بن مهارش العبادي، وشهري بن أحمد الخفاجي في أشياخ منهم: مقبل بن سالم، وعياش بن حديثة، ووشاح وغيرهم. فأنعم الملك الظاهر عليهم وفتاهم. ثم كانوا عينًا له على التتار، وأعوانًا له للانتصار.
عربان العذار (٢): وهم عرب المسيب بالبطائح. وقد كانوا يعصون على الخلفاء وملوك التتار لتمنعهم بالماء والمقاصب المعلقة والأجم المتأشبة ومقدمهم ابن رؤوف، وهم من سنبس والجبور، وآل نطاح إلى بطون أخرى. وقد صاروا أهل مدرة، وحلال دارة لا يبارحونها، ورزقهم مقدر عليهم.
عرب العارض والعارض وراء الوشم (٣). والوشم هو الذي ينتهي إليه آل فضل إذا توسعوا في البرّ، وهم بنو زياد والجميلة، وعرب الخرج (٤)، وهم العقفان والبرحان (٥). ومن بلادهم البريك والنعام (٦)، وهما قريتان في واد منيع إذا حصن مدخله بسور كان أمنع بلاد الله.
قال ابن عرام وإلى هذا الوادي أزمع تنكز (٧) على الهرب حين خاف من الملك الناصر. وعليه طريق ركب الحسا، وعليه ممر الركب من الحسا والقطيف. وفيه يقول بعضهم: [من الطويل]
стр. 1334
لعلَّكَ تُوطيني نعامًا وأهله … ولو بان بالحجاج عنه طريق
عائذ بني سعد (١): دارهم من حرمة إلى جلاجل (٢)، والتويب ووادي القرى، وليس [المعني] بالوادي المقارب للمدينة الشريفة النبوية - زادها الله شرفًا - ويُعرف بالعارض ورماح والحفر (٣).
قلت: وحدثني (٤) أحمد بن عبد الله الواصلي أن بلادهم بلاد خير ذات زرع وماشية بقرى عامرة، وعيون جارية، ونعم سارحة. ولأرضهم بذلك الوادي مَنْعةٌ وحصانة. قال: وقد كان المظفّر بيبرس الجاشنكير (٥) اهتم بقصده واللحاق به والمقام فيه، وأن يكون فيه كواحد من أهله مرتزقًا من سوائم الإبل والشاء. قال: ثم انثنى رأيه عن ذلك آخر وقت، ولو وجه إليه وجهه كان أحمد لمنتجعه، وأدنى لعوده إلى صلاح الحال ومرتجعه.
стр. 1335
بنو يزيد (١): ودارهم (٢) ملهم، وبنيان، وحجر، ومنفوحة، وصباح، والبرة، والعويند، وجو.
المزايدة: دارهم (٣) البخراء، وحرمة، وهي حرمة أخرى غير الذي تقدم ذكرها، وسبخة الدبيل، والحلوة، والهزيم، والبريك، والنعام، والخرج.
عقيل: وهم من آل عامر (٤).
قال الحمداني: وهي غير عامر المنتفق وغير عامر بن صعصعة. قال: ومنهم القديمات، والنعائم، وقبات، وقيس، ودفنل، وحرثان، وبنو مطرق وذكر أنهم وفدوا في الأيام الظاهرية صحبة مقدمهم محمد بن أحمد بن العقدي بن سنان بن عقيلة بن شبانة بن قديمة بن نباتة بن عامر، وعوملوا بأتمّ الإكرام، وأفيض عليهم سابع الإنعام، ولحظوا بعين الاعتناء.
قلت: وتوالت وفاداتهم على الأبواب العالية الناصرية، وأغرقتهم تلك الصدقات بديمها، فاستجلبت النائي منهم. وبرز الأمر السلطاني إلى آل فضل بتسهيل الطريق لوفودهم، وقصادهم، وتأمينهم في الورد والصدر، فانثالت عليه جماعتهم، وأخلصت له طاعتهم، وأتته بأجلاب الخيل والمهارى، وجاءت في أعنتها وأزمتها تتبارى، فكان لايزال منهم وفود بعد وفود، وكان منزلهم تحت دار الضيافة لا يزال يسد
стр. 1336
فضاء تلك الرحاب، وتغص بقبابه تلك الهضاب بخيام مشدودة بخيام، ورجال بين قعود وقيام. وكانت الإمرة فيهم في أولاد مانع إلى بقية أمرائهم وكبرائهم ودارهم (١) الأحساء والقطيف، وملج، وأنطاع، والقرعاء، واللهابة، وجودة، ومتالع.
شمر (٢) ولأم (٣) من عرب الحجاز. وديارهم جبلا طيئ، أجأ وسلمي. وظفير من بني لأم ومنزلهم الطعن قبالة المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
حرب (٤): وهي ثلاثة بطون، بنو مسروح وهم بنو سالم، وبنو عبد الله ومنهم زبيد الحجاز، وبنو عمرو وهم أكثر العرب عددًا، وأجرأهم رجلًا باطشةً ويدًا - ومساكنهم الحجاز.
أما بقية عرب الحجاز والمصارحة، والمساعيد، والرزاق، وآل عيسى، ودغم، وآل جناح، والجبور، فدارهم تتلو بعضُها بعضًا بالحجاز. وقد تقدم من ذكر هؤلاء ما تقدم في آل ربيعة.
وأما أكلب فبطون كثيرة وهم من خثعم بن أنمار (٥). وقيل: من ربيعة خثعم. قال الحمداني: ومنهم خليجة، وجماعة قروة، وبنو هزر - ومنازلهم بيشة (٦) شرقي مكة
стр. 1337
المعظمة. وأما خثعم (١) فمنهم بنو منبه، والفرع، وبنو فضيلة، ومعاوية، وآل مهدي، وبنو نضر، وبنو حام، والموركة وآل زياد، وآل العصافير، والسما، وبلوس، ودارهم غير متباعدة ممن تقدم.
قلت: وبالشام من صليبة العرب أقوام شتى في البلاد قد خرجوا بها عن حكم العرب، وصاروا بها أهل حاضرة ساكنة، وعمار ديار قاطنة. فمدينة غزة وبلد الخليل ﵇ معمور بني تميم الداري ﵁. وبوادي بني زيد فرقة من بني جعفر بن أبي طالب، وفرقة من بني عمر بن الخطاب ﵄. وبالقدس منهما، وبنابلس كثير من قحطان وطائفةٌ من مضر بن نزار. وبجينين وبلادها أقوام من حارثة ومن بكر بن وائل. وبجبل عاملة صليبة عاملة. وبالأغوار أخلاط من الموالي. وبعجلون فرقة من بني عمر بن الخطاب. وبالبلقاء منهم، ومن بني أمية ومن غسان. وبصرخد وبلادها من عامر بن هلال يدعون أنهم من بني جعفر بن أبي طالب. وبعثليث (٢) وما ينضم إليها من بني أسد. وبزرع (٣) وبصرى أقوام من تغلب ومن الأزد. وبأذرعات قوم من بني جمح من قريش، وفي بعض قراها قوم يدعون أنهم من بني جعفر بن أبي طالب. وباليرموك صليبة من غسان بنوى (٤) قوم يذكرون أنهم من بني المنذر بن ماء السماء. وبالشعراء (٥) قوم من بني أمية. وباللجون (٦) قوم ينتسبون إلى كندة. وبمرج دمشق أخلاط من طوائف العرب. وبحمص قوم من غسان. وبحماة أقوام من عبد الدار ومن جهينة وشداد من الأنصار. وبشيزر قوم من بني كلب وفرقة من بني مازن. وبالجبل المعروف بالظنيين (٧) فرقة من همدان. وبسلمية من بني الحسين بن علي، وبالمعرة صليبة تنوخ، وبحلب وبلادها من بني الحسين بن علي، ومن بني عقيل ومن بني كلاب وكلب [ومن جهينة ومن بني قرة، وبتدمر والمناظر رجال من أسلم وقوم من بني كلب] (٨) وبالقريتين نفر من بني تغلب. وبالرحبة المعروفة بمالك بن طوق قوم
стр. 1338
من بكر بن وائل ورجال من مضر وآخرون من ربيعة - وعامة أهلها من أبناء اليهود على ما يقال. وذكرتُ هذا مثالًا لا استيعابًا إذ لا قدرة على تحقيقه والإتيان [على جمعه] (١).
وأما مصر ودمشق فمصران جامعان ولا يخلوان من بيوت العرب وذوي الحسب منهم والنسب.
عرب مصر: قيل، وبدمياط سنبس (٢)، وهم من الغوث بن طيئ. وكان لهم أيام الخلفاء الفاطميين شأن وأيام، وهم الخزاعلة، وجموح، وعبيد، وحلفاؤهم من عذرة فرقة غير من تقدم ذكره - ومدلج. وديار هؤلاء من ثغر دمياط إلى ساحل البحر. وتجاورهم فرقة من كنانة بن خزيمة أتوا أيام الفائز الفاطمي في وزارة الصالح بن رزيك ومقدمهم لاحق. ومن ولده قاضي القضاة شمس الدين بن عدلان (٣)، وفرقة من بني عدي بن كعب، وفيهم رجال من بني عمر بن الخطاب ومقدمهم خلف بن نصر العمري، فنزلوا بالبرلس وكانوا هم والكنانيون من ذوي الآثار نوبة دمياط.
قلت: ونحن من ولد خلف بن نصر المذكور، وهو شمس الدولة أبو علي. وقد وجد خاصة والوفد الكناني عامة من ابن رزيك فوق الأمل، وحلُّوا محل التكرمة عنده على مباينة الرأي ومخالفة المعتقد. وقد أتيت بذلك مفصلًا في كتاب «فواضل السمر في فضائل آل عمر» قلت: إنما قدمت هذا الفصل لغرض هو تعلقه بنسبي وقومي الذين أنا منهم.
قال الحمداني: اول من سكن مصر جذام حيث جاءوا مع عمرو بن العاص، وأقطعوا فيها بلادًا بعضها بأيدي بنيهم إلى الآن. ثم عد من بها بالصعيد من العربان في زمانه، فقال: أولهم (٤) بنو هلال، ولهم بلاد أسوان وما تحتها. ثم بلي، ولهم بلاد
стр. 1339
إخميم وما تحتها. ثم جهينة، ولهم بلاد منفلوط وأسيوط. ثم قريش، ثم بلاد الأشمونين. ثم لواثة، ويقال فيهم «الواثا» ولهم معظم بلاد البهنسا. ومنهم أناس بالجيزة وأناس بالمنوفية، وأناس بالبحيرة. وهم قبائل متفرقة يجمعهم لواثة. ثم بنو كلاب، ولهم بلاد الفيوم. قال: وهؤلاء القبائل المشهورة في الصعيد. ثم ذكر جملًا من أحوالهم، وقال:
فأما بنو هلال (١) فيرجعون إلى عامر بن صعصعة من قيس عيلان. وكانوا أهل بلاد الصعيد كلها إلى عيذاب. وبإخميم منهم بنو قرة. وبساقية قلتة منهم بنو عمرو وبطونهم وهم بنو رفاعة وبنو حجير وبنو غرير. وبأصفون وأسنا بنو عقبة وبنو جميلة. ثم بنو جميلة منهم نجم الدين الأصفوني الوزير (٢). وكان فقيهًا كاتبًا عارفًا بأمور الديوان، ضابطًا للأموال، ثقل على الشجاعي، وكان مُشدًّا معه ولم تمتد له معه يد في مال السلطان. فدس له سُمًّا في كعكة وأعطى عبدًا كان له مائة دينار ليطعمها له بكرة يكون فطره عليها وأوهمه أنها عملت للتأليف بينهما! فأطعمها ذلك العبد الجاهل سيده فكان فيها حتفه. واحتاط الشجاعي (٣) تركته وأمسك العبد وقتله وأخذ ما كان يملكه، ووجد معه الدنانير بصرتها فأخذها.
وأما بلي (٤) فمن قضاعة، وكانوا مفرقين فاتفقت هي وجهينة فصار لبلي من جسر
стр. 1340
سوهاي غربًا إلى قريب قمولة. وصار لها من الشرق من عقبة قاو الخراب إلى عيذاب.
قال: والموجود اليوم في هذه البلاد من أصول بلي بن عمرو: بنو هني، وبنو هرم، وبنو سوادة، وبنو خارفة، وبنو رايس، وبنو ناب، وبنو شاد - وهم الأمراء الآن - وبنو عجيل بن الذيب وهم العجلة وفيهم الإمرة أيضًا. ثم قال: ويقال إن بني شاد من بني أيمة - وصل، يعني إذ طردوا إلى القصر الخراب المعروفة بهم، وكان معه رجل من ثقيف معه قوس فسموه القوس. وذريته يعرفون بالقوسية والقوسة. ودعوتهم لبني شاد وهم بطوخ. وكذلك يدعى لهم خلق سواهم منهم هذيل وهم بطوخ أيضًا. ومنهم بنو حماد وبنو فضالة بمنفلوط، وبنو خيار بفرشوط.
وقال: إن قومًا زعموا أن بني شادٍ من بني العجيل بن الذيب وإنّما هم إخوتهم. وإنما العجيل كان قد تزوج أخت إبراهيم بن شاد فولدت منه ولدًا سمته شاديًا فوهم الجهلة لذلك.
قال: وقد قال قومٌ: إن عُجيل بن الذيب من ولد الشمر قاتل الحسين ﵇ وليس كذلك!
وأما جهينة (١) فمن قضاعة. وهم أكثر عرب الصعيد. وكانت مساكنهم في بلاد قريش فأخرجتهم قريش بمساعدة عسكر الخلفاء المصريين فهم اليوم في بلاد إخميم أعلاها وأسفلها. قال: وروي أن بليًا وبطونها كانت بهذه الديار، وجهينة بالأشمونين جيرانًا بمصر كما هم بالحجاز، فوقع بينهم واقع أدّى إلى دوام الفتنة. فلما أتى العسكر المصري لإنجاد قريش على جهينة خافت بلي فانهزمت في أعلى الصعيد إلى أن أديلت قريش وملكت دار جهينة. ثم حصل بينهم جميعًا الصلح على مساكنهم هذه التي هم بها الآن، وزالت الشحناء.
قلتُ، وفي المثل: «وعند جهينة الخبر اليقين» (٢)
قال أبو عبيدة: خرج حصن بن عمر بن معاوية بن كلاب ومعه رجل من جهينة فنزلا منزلًا فقتل الجهيني الكلابي وأخذ ماله. وكانت للكلابي أخت اسمها صخرة فجعلت تبكيه في المواسم، فقال الأخنس الجهني فيها (٣): [في الوافر]
стр. 1341
كصخرة إذ تساءل في مراح … وفي جرم وأعلمها ظنُونُ
تُساءل عن حصينٍ كلَّ حيّ … وعند جُهينة الخبر اليقين
وقيل: بل كان جهينة يخدم ملكًا يمانيًا، وكان له وزير إذا غاب الملك خلفه الوزير على حظاياه فتبعه جهينة بحيث لم يره، فلما جلس الوزير على مقعد الملك في لبسه والحظية إلى جانبه غنّى وقد أخذ منهما السكر: [من الوافر]
إذا غاب المليك خلوت ليلي … أضاجع عنده ليلي الطويل
كأن مطارح الوشحات منها … هيالٌ يطَّردن على وهيل
فلما دخل فيهما السكر قام جهينة فقتل الوزير ودفن رأسه تحت وسادة الملك! فلما أتى الملك وفقد الوزير جهد في تعرف خبره، فلم يقف عليه حتى سكر جهينة ليلةً عنده فقال: [من الوافر]
تساءل عن نُجيدة كلَّ وقتٍ … وعندَ جُهينة الخبر اليقين
فسمعه بعض الندماء، فأخبر الملك، فأوقفه على الخبر، فأمره على بلاد كثيرة وأجزل له العطاء.
وأما قريش (١) فمنهم الجعافرة، وهم من الزيانبة (٢)، ومنهم الزيانية، ومنهم الشريف تغلب صاحب ذروة سربام، ومسكنهم المتمرع من بحري منفلوط إلى سملوط غربًا وشرقًا. قال: ولهم أيضًا حدود ببلاد أخرى يسيرة. قال: وبحرجة منفلوط (٣) قوم من بني الحسن بن علي. وفي سيوط أناس من أولاد إسماعيل بن جعفر الصادق (٤)، ويعرفون بأولاد الشريف قاسم. ثم ذكر بطون الجعافرة فقال: منهم بنو أيمن وهم الحيادرة منسوبون إلى جدهم حيدرة. ومنهم السلاطنة أولاد أبي جحيش، والإمرة فيهم في بني تغلب (٥). وسمت نفوسهم إلى الملك وخصوصًا الشريف حصن
стр. 1342
الدين. وقد كان أنف من إمارة المعزّ والدولة التركية، وكاتب الملك الناصر ابن العزيز (١)، وأرسل إليه الفائزي الوزير وغيره في جيوش، وكانت له ولهم أيام. وآخر أمره نصب له الظاهر بيبرس حبائل الغدر، وصاده بغوائل المكر حتى شنقه بالإسكندرية.
قال: وهذه نبذة من أخبار الأشراف بالصعيد، وحدوده بلادهم، وبلاد مواليهم وأتباعهم وحلفائهم من بلاد الأشمونين بالصعيد إلى بحري إتليدم وما انحدر. ومعظمهم بالذروة.
قال: وأما غير الأشراف من قريش الساكنين بالصعيد فمنهم بنو طلحة وبنو الزبير، وبنو شيبة، وبنو مخزوم، وبنو أمية، وبنو زهرة، وبنو سهم. ومن موالي بني هاشم بنو شيبة وهم بنو قنبر مولى عليّ بن أبي طالب ﵁.
فأما بنو طلحة (٢)، فمن بني طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق (٣) ﵁، وهم ثلاث فرق هم وأقرباؤهم، وأطلق على الكل اسم بني طلحة. فالأولى بنو إسحاق. ويقال: إنّ اسم إسحاق ليس بجد لهم، ولكنه موضع تحالفوا عنده سموه إسحاق كنايةً - كما تحالفت الأزد عند أكمةٍ سموها مذحجًا. والثانية قضا طلحة، وهم بطون كثيرة وأكثرهم أشتات في البلاد لاحد لهم. والثالثة يعرفون ببني محمد من ولد محمد بن أبي بكر الصديق ﵄. ومنازل بني طلحة بالبرجين، وسفط سكرة، وطحا المدينة (٤).
وأما بنو الزبير (٥) فمنهم بنو عبد الله بن الزبير، وهم بنو بدر، وبنو مصلح، وبنو رمضان. ومنهم بنو مصعب بن الزبير، ويعرفون بجماعة محمد بن رواق. وبنو عروة بن الزبير وهم بنو غني وبلادهم بالبهنسا وما يليها، وأكثرهم ذوو معايش وأهل فلاحة وزرع وماشية وضرع.
وأما بنو مخزوم (٦) فيدعون بنوة خالد بن الوليد. وكذلك ادعى ذلك خالد
стр. 1343
الباب الخامس عشر: في ذكر العرب الموجودين في زماننا وأماكنهم بالحجاز، وخالد حمص، وغير هؤلاء وقد أجمع أهل العلم بالنسب على انقراض عقبه (١) ولعلهم من سواهم. فهم من أكثر قريش بقية وأشرفهم جاهلية. بلادهم متاخمة لما بينهم وفيهم بأس ونجدة.
وأما بنو شيبة (٢) فيعرفون بجماعة نهار، وهم من جماعة شيبة بن عبد الدار، وديارهم نواحي سفط (٣) وما يليها ويقاربها ويدانيها.
وأما بنو أمية فمن بني أبان بن عثمان بن عفان (٤)، وبني خالد بن يزيد بن معاوية (٥)، وبني مسلمة بن عبد الملك (٦)، وبني حبيب بن الوليد بن عبد الملك (٧)، وديارهم تندة وما حولها. قال: ومن هؤلاء المراونة من ولد مروان بن الحكم، ولهم قرابات بالأندلس وأشتات في المغرب. ومرت الدولة الفاطمية وهم بأماكنهم من ديار مصر لم يروع لهم سرب، ولم يكدر لهم شرب، وهم إلى الآن.
وأما بنو سهم (٨) فمن ولد عمرو بن العاص وهم بالفسطاط وفرق منهم أشتات بالصعيد ولهم حصة في وقف عمرو بن العاص على أهله بمصر. قلت: وقد ذكر القضاعي في خطط مصر دور السهميين، قال: وهي حول المسجد حيث كان الفسطاط وهو موضع المحراب وما يليه من جانبيه إلى حيث السواري القبلية.
قال: وفي بلاد قريش أخلاط من الناس سواهم. وذكرهم فقال: وأما كنانة طلحة فهي من كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهم بنو الليث، وبنو ضمرة - وهما ابنا بكر بن عبد مناة بن كنانة (٩)، وبنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن
стр. 1344
الحارث بن مالك بن كنانة (١). وفي بني فراس يقول علي بن أبي طالب ﵁ لبعض من كان معه: لوددت أن لي بألفٍ منكم سبعةً من بني فراس بن غنم بن ثعلبة! قال: ولم تمكنهم قريش من التعدية إلى بلادها إذ أتوا من بلاد بادية الحجاز إلا بمراسلة بني إبراهيم بن محمد. وكان مع كنانة جماعة من أخلاط العرب دخلت في لفيفها، وديارهم ساقية قلتة وما يليها، وبنو الليث ومنهم خاصةً سكان ساقية قلتة.
وأما الأنصار (٢) فمنهم بنو محمد وبنو عكرمة بحري منفلوط. قال: وبنو محمّد من بني حسان بن ثابت ﵁. وبنو عكرمة ينتمون إلى سيد الأوس سعد بن معاذ ﵁.
وأما عوف فمن بني سليم. وفي سليم عوف أخرى (٣). قال: ومنهم في الصعيد، والفيوم، والبحيرة أناس كثير. وفي برقة إلى الغرب منهم ما لا يحصى.
وأما فزارة فمن سعد بن قيس عيلان: فمنهم جماعة بالصعيد وجماعة بضواحي القاهرة في قليوب وما حولها، وبهم عرفت البلد المسماة بخراب فزارة.
قال: وقد مضى ذكر قريش ومن ساكنها.
وأما لَوَاثَة (٤) - وهم يقولون: إنهم من قيس بن غطفان بن سعد بن قيس. وقال بعض النسابين (٥): هم من ولد بر من ولد قيذار بن إسماعيل كان قد ارتكب معصية فطرده أبوه وقال له: البر البر! اذهب يابر! فما أنت بر! فأتى فلسطين فتزوج امرأةً من العماليق فولد له منها أولاد منهم لواثة، ومزاتة، وزنّارة (٦)، وهوارة، وزويلة (٧)، ومغيلة، ومليكة وكتامة، وغمارة، ونفوسة. وكانوا من ذوي جالوت، فلما قتل دخلوا المغرب. وقيل: إن البربر من ولد قفط بن حام! وقيل غير هذا كله.
стр. 1345
عاد الحديث إلى لواثة. وهم بنو بلار وحدو خاص، وبنو مجدول (١)، وبنو حديدي، وقطوفة، وبركين، وما لو، ومزورة. قال: وبنو حديدي مجمع أولاد قريش، وأولاد زعازع - وهم أشهر من في الصعيد. وقطوفة تجمع مغاغة وواهلة، وبركين تجمع بني زيد وبني روحين، ومزورة تجمع بني وركان وبني عرواس.
قال: وأما بنو بلار ففرقتان فرقة بالبهنساوية، وفرقة بالجيزية. فالفرقة البهنساوية بنو محمد، وبنو عليّ، وبنو نزار، ونصف بني ثهلان. وأما الفرقة التي بالجيزية فبنو مجدول وسفارة، وبنو أبي كثير وبنو الجلاس، ونصف بني ثهلان. قال: (ويقال لهذه الفرقة حدو خاص) ويقال للأولى البلارية. ومنهم مغاغة ولهم سملوط إلى الساقية. ولبني بركلين أقلوسنا وما معها إلى بحري طنبدي. ولبني حدو خاص الكفور، وسفط بوجرجة إلى طنبدي وإهريت. ومنهم بنو محمد وبنو علي المقدم ذكرهما. وأمراؤهم بنو زعازع.
قال: ومزورة (٢) بنو وركان، وبنو عراوس، وبنو جماز، وبنو الحكم، وبنو الوليد، وبنو الحجاج، وبنو المحربية.
قال: ويقال: إنّ بني الحجاج من بني حماس، ولهذا يؤدون معهم القطائع.
وقال: وبنو نزار في إمارة بني زعازع، وهم من بني زربة. ومنهم نصف بني عامر، والحماسنة، والضباعنة. وأفرد قوم منهم لإمارة تاج الملك عزيز بن ضبعان ثم ولده.
ومنهم أيضًا بنو زيد وأمراؤهم أولاد قريش ومساكنهم نويرة دلاص. وكان قريش عبدًا صالحًا كثير الصدقة، وهو والد سعد الملك الباقي بنوه.
قال: وفي المنوفية من لواثة أيضًا جماعة يأتي ذكرهم في مكانهم.
قال: وبالصعيد من لخم (٣) قوم سكنهم بالبر الشرقي. ومنهم من بني سماك بنو مُرّ، وبنو مليح، وبنو نبهان وبنو عبس، وبنو كريم، وبنو بكر. ويدارهم من طارف ببا إلى منحدر دير الجميزة من البر الشرقي. ومنهم من بني حدّان بنو محمد، وبنو علي، وبنو سالم، وبنو مدلج، وبنو عبس وديارهم من دير الجميزة إلى ترعة صول.
ومنهم من بني راشد بنو معمر، وبنو واصل، وبنو مرا، وبنو حبّان، وبنو معاذ، وبنو البيض، وبنو حجرة، وبنو سنوة. وديارهم من مسجد موسى إلى أسكر - ونصف بلاد
стр. 1346
أتفيح. ولبني البيض الحي الصغير. ولبني سنوة من ترعة شريف إلى معصرة بوش. ومنهم من بني جعد بنو مسعود، وبنو جرير، وبنو زبير، وبنو نمال، وبنو نصار، وسكنهم ساحل أتفيح. ومنهم من بني عدي بنو موسى، وبنو محرب. ومساكنهم بالقرب منهم، من بني بحر بنو سهل، وبنو معطار، وبنو فهم، وبنو عشير، وبنو مسند، وبنو سباع - ومسكنهم الحي الكبير. ومنهم قسيس ومساكنهم بلاد الأسكر. ولبني غنيم منهم العدوية ودير الطين إلى جسر مصر. ومنهم بنو عمرو، ومساكنهم من الرستق، ولهم نصف حلوان. ولبني حجرة النصف الثاني، ونصف طرا.
وأما عرب الحوف (١) فمنهم جذام (٢). وجذام من كهلان من اليمن. وقد قيل:
إنهم من ولد يعفر بن مدين بن إبراهيم الخليل (٣) ﵇. وروى محمد بن السائب أنه وفد على رسول الله ﷺ وفد من جذام فقال (٤): مرحبًا بقوم شعيب وأصهار موسى. وزعم بعضهم أنهم معد وفي ذلك يقول جنادة بن خشرم: [من الوافر]
ألا من مبلغ المضرين أنا غضبنا … كل أجوف كالهلال
وما قحطان لي بأب وأم … ولا يصطادني شَبَه الضلال
وليس إليهم نسبي ولكن … مَعَدّيًا وجدتُ أبي وخالي (٥)
قال: ومن إقطاعهم هربيط، وتل بسطة (٦)، ونوب، وأم رماد وغير ذلك. وجميع إقطاع ثعلبة كان في مناشير جذام من زمن عمرو بن العاص، وإنما السلطان صلاح الدين وسع لثعلبة في بلاد جذام، ولذلك كانت فاقوس وما حولها لهلبا سويد.
قال: ونبدأ قبل كل شيء بولد زيد بن حرام بن جذام: وهم سويد، وبعجة، وبرذعة، ورفاعة، ونائل (٧). ومن هؤلاء بطون كثيرةٌ فمنهم هلبا مالك، ومالك هو ابن سويد. ومنهم الحسنيون، والغوارنة - وهم أولاد الحسن والغور ابني بكر بن موهوب بن
стр. 1347
عبيد بن مالك بن سويد ومنهم بنو أسير، وهو ابن عبيد بن مالك بن سويد. ومنهم العقيليون، وهم بنو عقيل بن قرة بن موهوب بن عبيد بن مالك بن سويد - وفيهم إمرة، وهم في نجم وبنيه. وفيهم من أمر بالبوق والعلم، وهو أبو رشد بن حبشي بن نجم بن إبراهيم بن مسلم بن يوسف بن وافد بن غدير بن عقيل بن قرة. ودحية وثابت ابني هانئ بن حوط بن نجم بن إبراهيم.
عدنا إلى بقية بطونهم. ومنهم اللبيديون، ومنهم البكريون. وعد من أحلافهم أولاد الهويرية، والرداليين، والحليفيين، والحصينيين والربيعيين. قال: ويعرفون بحلف بني الوليد، وهم أولاد شريف النجابين. وذكر أن لهم نسبًا في قريش إلى عبد مناف بن قصي. وذكر من ولد الوليد بن سويد طريف المكنون الملقب رزين الدولة (١). قال: وكان من أكرم العرب، وكان في مضيفته أيام الغلاء اثنا عشر ألفًا تأكل عنده كل يوم. وكان يهشم الثريد في المراكب. ومن أولاده فضل بن شمخ بن كمونة، وإبراهيم بن غالي، وأمر كل منهم بالبوق والعلم.
عدنا إليهم. ومنهم الحيادرة من ولد حيدرة بن معروف بن حبيب بن الوليد بن سويد، وهم طائفة كبيرة. وبنو عمارة بن الوليد، وفيهم عدد. ولهم البيروم. والحييون من بني حية بن راشد بن الوليد. وأولاد منازل - وكان منهم معيد بن منازل، وأمر ببوق وعلم.
وهلبا سويد. ومنهم العطويون، والحميديون والجابريون، والغثاورة. ويقال لهم أولاد طراح المكوس. وحمدان، ورومان، حمران، وأسود - ويعرف هؤلاء الأربعة بالأخيوة، واللكين، والقتلان.
قال: ومن بطون الحميديين أولاد راشد. ومنهم البراجسة، وأولاد سرير، والجواشنة، والكعوك، وأولاد غانم، وآل حمود، والأخيوة، والزرقان، والأساودة، والحماديون. ومن بني راشد الحراقيص، والحنافيش، وأولاد غالي، وأولاد جوال، وآل زيد. ومن النجابية أولاد نجيب، وبنو فضل.
قال: ومن ولد مالك بن هلبا بن مالك بن سويد نمي أبو خثعم، وأقطع خثعم وأمر، اقتنى عددًا من المماليك الأتراك والروم وغيرهم، وبلغ من الملك الصالح أيوب منزلةً. ثم حصل عند الملك المعز على الدرجات الرفيعة، وقدمه على عرب الديار المصرية. ولم يزل على هذا حتى قتله غلمانه، فجعل المعزُّ ابنيه سلمى ودغش عوضه،
стр. 1348
فكانا له نعم الخلف. ثم قدم دغش دمشق فأمره الملك الناصر ببوق وعلم، وأمر المعز أخاه سلمى كذلك فأبى حتى يؤمر مفرج بن سالم بن راضي مثله! فأمره! ثم أمر مزروع بن نجم كذلك - في جماعة كثيرة من جُذام وثعلبة. قال: فهذه هلبا سويد بأنفارهم.
قال: وأما هلبا بعجة بن زيد بن سويد بن بعجة فهم هلبا، ومنظور، ورداد، وناثل. فمن ولد هلبا مفرج بن سالم المقدم ذكره. ثم خلفه على إمرته ولده حسان. ومنهم أولاد الهريم من بني غياث بن عصمة بن نجاد بن هلبا بن بعجة. وجوشن صاحب السراة المضروب به المثل في الكرم والشجاعة من منظور بن بعجة. والغويثية في عدد رداد بن بعجة.
قال: ولناتل البئر المعروف ببئر ناتل على رأس السرة. ومن ولده مهنا بن علوان بن علي بن زبير بن حبيب بن ناتل. وكان جوادًا، كريمًا طرقته ضيوف في شتاء ولم يكن عنده حطب يقده لطعام أراد أن يصنعه لهم فأوقد أحمال بر كانت عنده وكان له كفر برسوط بنواحي مرصفا. وبنو، رديني، وهم من بني رديني بن زياد بن حسين بن مسعود بن مالك بن سويد. ومنهم أولاد جياش بن عمران ولهم تل محمد.
وأما أولاد محرية أخي زيد - وهو ابن أمية، وقيل: مية، وقيل: ليس هو بأخي زيد بل هو ابن زيد بن أمية أو مية، وقيل: هو وزيد ابنا الضبيب. وقيل: بل الضبيب ابو أمية. ومن بني محرية أخي زيد رفاعة بن زيد بن ذؤيب (١) … جد بني روح، وهو الذي وفد على النبي ﷺ وعقد له على قومه فتوجه إليهم فأسلموا على يديه. ووهب لرسول الله ﷺ مدعمًا العبد - صاحب الشملة التي فيها الحديث (٢) - الذي قتل بخبير.
ومنهم الشواكرة من شاكر بن راشد بن عقبة بن محرية. ولهم شنبارة بني خصيب. ومنهم أولاد العجار أدلاء الحاج من زمن السلطان صلاح الدين وهلم جرًا إلى الآن. ومنهم حميدة بن صالح بن أسد بن عقبة. وفي عقبة هذا عدد يعرفون به. وفرقة منهم بالحجاز من واصل بن عقبة.
قال: فيما نقله عن المحدثين من ذوي المعرفة - كما قال - إن عمرو بن مالك بن الضبيب، وعسرة وزهير، وخليفة، وحصن أفخاذ من الضبيبيين، وأن بني خليفة وحصن قد انضافوا إلى بني عبيد بالحلف، ولهم موضع من حقوق هربيط يعرف بالأحراز.
стр. 1349
قال: وأما زهير فأكثرهم بالشام، والذين بمصر امتزجوا بولد زيد، وهم بحري الحوف إلى ما يلي أشموم، ومنهم بنو عرين.
قال: ومن بني جُذام بنو سعد. وفي جذام خمس سعود: سعد بن إياس بن حرام بن جذام، وسعد بن مالك بن زيد بن أفصى بن سعد بن إياس بن حرام بن جُذام، وإليه ينسب أكثر السعديين. وسعد بن مالك بن حرام بن جُذام. وسعد بن أبامة بن عنيس بن غطفان بن سعد بن مالك بن حرام بن جذام. وسعد بن مالك بن أفصى بن سعد بن إياس بن حرام بن جذام.
قال: والخمسة اختلطت عندنا بمصر وأكثرهم مشايخ بلاد وخفراؤها، ولهم مزارع، ومآكل، وفسادهم كثير. من مقدميهم أولاد فضل السلامة وسكنهم من منية غمر إلى زفيتا، ومنهم شاور الوزير العاضدي وإليه ينسب بنو شاور كبار منية غمر وخفراؤها. وذكر ابن خلكان أنّه من سعد حليمة مرضع النبي ﷺ (١). ومنهم بنو عبد الظاهر الموقعين (٢). قلت: رأيته ينسب نفسه إلى روح بن زنباع. ومنهم أهل برهمتوش ومشايخها، ومن هؤلاء بنو شاس.
قال (٣): وفي بني سعد عشائر كثيرة منهم بنو شاس، وجوشن، وعلان، وفزارة بني سعد تل طنبول إلى نوب طريف. ومنهم بدقدوس، ودمريط، ووليه، ولسوس. وهؤلاء جميعهم ديارهم ضواحي القاهرة إلى أطراف الشرقية. وبالإسكندرية من جذام ولخم أقوام ذوو عدد وعدة، وأهل شجاعة وإقدام، وضرب بالسيف ورشق بالسهام. ولهم ايام معلومة، وأخبار معروفة، ووقائع في البر والبحر مشهورة. وبرشيد القراططة، ومصفونة من مزديش. وبالبحيرة والغربية طوائف من مزاتة. وبقليوب طوائف من فزارة، ومنهم بنو بعاية، وفيهم أعيان ودراهم أطراف الشرقية وما أخذ شرقًا وقبلة.
وأما العائذ فكثير في العرب (٤). والمشهور منها بمصر عائذ جذام. وبالحجاز عائذ ربيعة. وأما عائذ فرير فلما تنافرت ثعلبة وجذام ادعوا في ثعلبة.
وبالمنوفية - كما تقدم - فرقة من لواثة (٥)، منهم بنو يحيى، والوسوة وعدة، ومصلة، وبنو مختار.
стр. 1350
قال: ومعهم في البلاد أحلاف من مزاتة، وزنارة، وهوارة، وبني الشعرية - إلى قوم آخرين: ومن زنّارة مزديش، وبنو صالح، وبنو مسام، وزمران، وورديغة، وعرهان، ولقان ومن هوارة بنو محريش، وبنو اشراث، وبنو قطران، وبنو كبريث.
وأما ثعلبة مصر والشام فمن طيئ (١). وفي كل من خندف، وقيس، ومراد، ويمن وثعلبة. قال: وكانوا كما ذكر - يعني ثعلبة مصر - يدًا مع الفرنج قديمًا، لكنني لم أرهم إلا غزاة مجاهدين لهم آثار في الفرنج. وهي بطنان درما، وزريق - ابنا عوف بن ثعلبة. ويقال: بل ابنا ثعلبة لصلبه. واسم درما عمرو، وإنما غلب عليه اسم أمه درما. ومن أفخاذ درما بمصر: سلامة، والأحمر، وعمرو، وقصير، وأويس. ومن أفخاذ زريق بها أشعث ولبنى.
قال: وثعلبة، وعنين، ونيل إخوة الثلاثة أولاد سلامان.
قال: ومن درما البقعة، وسبل - ولد نافع - قروان والحنابلة وجدهم حسين. والمراونة جدهم مروان والحيانيون من ولد حيان بن درما. ومن زريق بنو وهم، والطلحيون. وفي الطلحيين آل حجاج، وآل عمران وآل حصيناة، والمصافحة، وكان مقدمهم سقير بن جرجي، وأمر بالبوق والعلم. عدنا إلى بني زريق. ومنهم الصبيحيون. وفي الصبيحيين الغيوث، والرموث، والروايات والنمول، والسحميين، والسعالى، وهم بنو حصن، والرمالى والوريثيين، والسنديين، والبحابحة.
عدنا إلى بني زريق. ومنهم العقيليون والمساهرة، والجحافرة. ومنهم العليميون وكان مقدمهم عمرو بن عسيلة وأمر بالبوق والعلم. وفي العليميين القمعة، والرياحين بني مالك، والفرقة المعروفة بالأشعث بن زريق. وفيهم رجال ذوو ذكر ونباهة، خدموا الدول، وعضدوا الملوك، وقاموا ونصروا.
قال: ومن ثعلبة الجواهرة - جماعة سنجر بن عمر بن هندي وأما بنو بياضة والأحادسة فبقطيا. وبنو صدر بالبدرية، وهو طريق البر من الشام إلى مصر.
وأما حرام ففي جذام (٢)، وقليل في عرب مصر من يعرفها. وفي الخزرج حرام وحرام. قال: وما يدري أحد من أيهما هذه التي بمصر. وفي خندف حرام، وفي تميم
стр. 1351
حرام. قال: وحرام هذه القاطنة بمصر من الخزرج، وهم بنو حية وبنو ذبيان. قال: وهم أشتات بمصر وفيهم مشايخ بلاد وخولة، وقضاة، وفقهاء، وعدول. وليست لهم دار خاصة ولا مكان معروف. وقد عد الحمداني جماعة منهم ليس فيهم شهير.
وفي الدقهلية (١)، والمرتاحية عرب يدعون الجمارسة، وقوم ينسبون إلى قريش، وهم نفر من بني عذرة - وهم من كنانة بن عذرة لا كنانة بن خزيمة، ومنهم بنو شهاب، وبنو زيدة، والرواشدة، وهم غير رواشدة هلبا سويد، وبنو عصا، وبنو محمد، وبنو سنان، وبنو حمزة، وبنو فراس، وهم بمنية محمود، ومنية عدلان. وبنو لأم وليسوا بلأم الحجاز، وبنو شمس، والفضليون - وقرارتهم كوم الثعالب وما داناها. وبها فرق من عمرو وزهير المقدم ذكرهم والحصنيين. ورذالة، والأحامدة - وليسوا بأحامدة هلبا، والحمارنة - وهم بنو حمران، وبعضهم أصحاب إقطاع. وفي بني زهير هؤلاء من بني عزيز، وبني شبيب، وبني عبد الرحمان، وبني مالك، وبني عبيد غير عبيد المقدم الذكر، وبني عبد القوي، وبني شاكر - وهم غير شاكر عقبة، وبني حسن، وبني شماء - وهم غير شماء آل ربيعة.
بنو سليم (٢) - وهم أكثر قبائل قيس. قال: ومساكنهم ببرقة مما يلي الغرب وممايلي مصر. وفيهم الأبطال الأنجاد والخيل الجياد والإمرة فيهم في أولاد عزاز بن مقدم. ومنهم مزيد بن عزاز (٣) - وكان رجلًا جليل القدر، جميل الذكر، معظمًا في الدول. وبنوه زايد، وحميد، وريان، وكلُّهم كرام، سراة، أماجد. وعطاء الله بن عمر بن عزاز - وكان للقرى والقراع، مطاعًا في قومه، وهو أبو خالد. وهم أل بيت فيهم عدد جم من ذوي القدر. وبنوه معز وعُمر. ومن المشاهير منهم علوي بن إبراهيم بن عزاز، وسلطان بن زيدان بن عزاز، وعمر بن مشعل بن عزاز. ومن أكابر جماعاتهم جماعة ابن مليح المنصوري أصحاب غازي بن نجم وعليان بن عريف، وبلبوش - وكان قد هرب من الملك الظاهر بيبرس فأنهد جيشًا وراءه فقاتله، ثم نصر الجيش عليه وأمسك واعتقل، ثم أفرج عنه. وهو والد زيد بن بلبوش، وجماعة سعيد بن العريب بن الأحمر يقاربه. ومن ذوي مخالفيهم جماعة محمد الهواري.
стр. 1352
قلت: وكان آخر عهدي أن الإمرة على عربان البحيرة لقائد بن مقدم وخالد بن أبي سلمان - وكانا أميرين سيدين جليلين، ذوي كرم وأمن يلاذ به ويتحرم إلى شجاعة وإقدام، وثبات رأي وأقدام، ثم لم أعلم ما حالت به الأحوال، وجرت بعدي به تصاريف الدهور.
فأما منازل العرب من لدن الجيزية ضاحية القاهرة على البحيرة آخذًا إلى أقصى الغرب، فسأذكر منه ما أملاه الشيخ المقرئ الورع أبو يحيى زكرياء المغربي أحد الأئمة بقلعة الجبل - حرست.
قبائل العربان من مصر إلى أقصى المغرب (١): جماعة قائد: زنارة، ومزاتة، وخفاجة، وهوارة، وسماك - ومنازلهم من الإسكندرية إلى العقبة الكبيرة. ثم لبيد (٢) وهم جماعة سلام: فزارة، محارب، قطاب، الزعاقبة، بشر، الجواشنة، والبعاجنة، القبايص، أولاد سلمان، القصاص، العلاونة - ومنازلهم من العقبة الكبيرة إلى سوسة.
ثم جماعة جعفر بن عمر وهم (٣): قتيل، المثانية، الباسة، عرعرة، العظمة، العكمة، المزابيل، العزة. ومن جملة هؤلاء العزة الجعافرة جماعة جعفر بن عمر. ومنهم البداري أيضًا. وكذلك منهم السهاونة، والجلدة منهم أيضًا، وكذلك منهم أولاد أحمد أيضًا. ومنازلهم من سوسة إلى بئر السدرة - وهي آخر حدود الديار المصرية. ومسافتها عن الإسكندرية نحو شهر بسير القوافل. ثم منها طيموم العلاونة - وهم غير أولئك، المهاملة، بنو بدر، ناصرة. وانتهاؤهم إلى قصر ابن أحمد في طرف مسراتة من الساحل. ومن القبلة أرض فزان وودان - وحكمها لأرض البرنو السودان. ومسافة ما بين بئر السدرة وبين مسراتة عشرة أيام.
ومنهم (٤) من أرض مسراتة إلى بلاد طرابلس سليمان (٥) جماعة غانم بن زايد، ولهم الأرض من مسراتة إلى باب مدينة طرابلس. ثم من طرابلس إلى قابس ذباب (٦)،
стр. 1353
وهي تجمع المحاميد والجواري جماعة عبد الله بن صابر وملغم بن صابر - وليسوا بأخوين بل هم بنو عم من القبيلة.
قال الشريف أبو عمر عبد العزيز الحسني الإدريسي - وهو من أهل غرناطة وله تعلق بخدمة السلطان أبي الحسن المريني، قال: ذباب مشيختهم لعبد الله بن رفيعة وأخيه إبراهيم، وأصلهم من سليم، وأرضهم من طرابلس إلى قابس، ويجاورهم في هذه الأرض الجواري، والمحاميد وشيخ الجواري عبد الله بن سعيد، وشيخ المحاميد عطية بن سعيد.
ثم تنقسم الطريق من قابس، فطريق جنوبية على الجريد، وطريق شمالية على الساحل. فالجنوبية الآخذة على الجريد أول قبائلها آل حجر وفيهم عدة أشياخ ومنهم مرغم وذؤيب ابنا جعفر، وسفيان بن عطاء الله ورثيمة بن يخلف - وأرضهم من قابس إلى بشري (١) وتأخذ في الساحل على الثنية وبينهم أولاد صورة ومشيختهم في ابن مهلهل وأخيه جرموز.
قال: وهم فرقة يسيرة وبينهم الكعبيون ويعرفون بالككعوب - وهم أكبر بيت بإفريقية من العرب، ومشيختهم في قوم يعرفون بأولاد أبي الليل وهم أربعة إخوة: يعقوب، وأحمد، وخالد، وقتيبة. [ويجاورهم قوم] هم أعداء لهم يعرفون بأولاد أبي طالب، ولهم شيوخ شتى، يعقوب ومحمد ابنا طالب، وبنو عمهم سمير بن عبد الله، ويعقوب بن الحصين، والحاج علي بن شيحة. وأرضهم من بشري إلى بسكرة. ولهم في داخل البلاد إلى باب تونس، ولهم أماكن بها.
ويليهم فرقة كبيرة تعرف برياح (٢). وفيهم ملك العرب القديم بالمغرب، وشيخهم يعقوب بن علي بن أحمد - وكان أبوه في غاية الكرم بعث إليه ملك إفريقية بثلاثين حملًا من البز الرفيع والتحف السنية فوهبها ثلاثة من المستعطين لوقته. ويجاوره ابنا عمه حلوف بن علي بن جابر ونطاح أخوه - وهم أهل إبل يكون عند الرجل منهم نحو ستين ألف بعير. هكذا ذكر وعليه عهدته!
قال: ويليهم عرب الغرب الداخل وأول بلادهم وطاة حمزة (٣)، وسكانها فرقة يسيرة تعرف بمغراوة تنزل حول قلعة حماد. ويليهم عرب بلاد ريغو وواركلة (٤). وهما
стр. 1354
مدينتان داخلتان في الصحراء، وهم من فزارة وشيخهم طلحة بن معهود. قال: وهو رجل من أولياء الله والصالحين من عباده، وتنتهي أرضهم إلى المدية في الساحل.
ويليهم سويد وشيخهم عريف بن عبد الله أبو زيدان، وهو رجل جليل القدر، نبيه الذكر، وافر العقل، مشارك في أنواع العلم والأدب والتاريخ والمعرفة بأيام العرب، ووقائع الناس، وصحبته في الحج سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، فرأيت منه ما يملأ الصدر، ويقر العين، وهو بمنزلة من السلطان أبي الحسن المريني لا تطاول ولا تحاول، ولا يطمع بها طامح ولا طامع. وينتهي حدهم إلى تافيللت من ارض سجلماسة.
قال هذا الشريف: ولأبي زيدان عدو من بني عمه يسمى صقير بن عبد الله (١). قال: وهو أكبر سنًا منه وحسبًا. ويليهم عرب تعرف بالفرايض يملكون إلى البحر المحيط وبلادهم حاحا، وركراكة، وشفشاوة، ومسوفة.
ومسوفة هذه أهل لثام وبرقع أزرق لاتزال تمشي الرجال بتلك البراقع والنساء مكشفات الوجوه. قال: وسبب براقعهم إظهار الحزن على المهدي بن تومرت.
قال: وأما الطريق الثانية الشامية الآخذة من قابس على الساحل فغالب أهلها بربر، ومصامدة سكان مدرة وأهل زرع وحرث.
قال: يلي آل حجر الآخذين من قابس إلى إسفاقس فيما هو إلى المهدية طائفة تعرف بحكيم وشيخهم سحيم (٢)، وكان قد دخل الأندلس غازيًا وحضر يوم طريف. ولهذه الطائفة إلى القيروان.
ويليهم. دلاج. وكان شيخهم الحمير، ثم قتل وقام ولداه عبد الله ويحيى ابنا الحمير (٣). قال: وهم رماة يرمون بقوس اليد رميًا صائبًا، ولهم تفرد بذلك دون بقية عرب الغرب. وأرضهم من سوسة إلى الحمامات إلى الجزيرة القبلية إلى تونس.
ويليهم طائفة من البربر من تونس إلى تبسة إلى بلد العناب. قال: وهؤلاء من هوارة، ولهم أشياخ كثيرة، ومرجعهم إلى أولاد حمزة والكعوب.
ويليهم طائفة أخرى زراع من البربر وألهاصة (٤) - وشيخهم صخر بن موسى.
стр. 1355
ويليهم سدويكش (١). وبلادهم من قسطنطينية (٢) إلى بجاية. وشيخهم عبد الكريم بن منديل (٣). وله اعتلاق بخدمة السلطان (أبي) الحسن.
ويليهم في جبال زواوة بربر من بني حسن، وزواوة.
ويليهم أرض متيجة (٤)، وسكانها بنو عبد الواد أصحاب تلمسان، وبنو عياد (٥)، وفرقة تعرف بمغراوة (٦). قال: ومغراوة نحو ثلاثين ألف فارس.
ويليهم تجين (٧) وهم بأرض تلمسان على وادي شلف (٨).
قال: وكلهم من بني عبد الواد وهم من زناتة. ويليهم بإفراطة من تلمسان إلى فاس.
وأما مسون (٩) فخالية من العرب.
ويليهم من فاس إلى مراكش رياح أيضًا ثم المصامدة من مراكش إلى البحر المحيط.
فهذا ما ذكره الشريف أبو عمر عبد العزيز الإدريسي. وحدثني بذلك كله في صفر سنة تسع وأربعين وسبعمائة.
وأما عرب الطرق المسلوكة التي تتوجه فيها المحامل إلى مكة المعظمة. فقد ذكرنا فيما تقدّم أنها أربعة طرق، ولا تقصد مكة غالبًا إلا منها. وهي أربع جهات: مصر، ودمشق وبغداد، وتعزّ. وقد ذكرنا آنفًا من العربان الذين بهذه الطرق من ملاكها ومن يتحكم عليهم إذا حلّ بأرضهم كال فضل، وآل مرا، وبني عقبة من لم يكن بد من ذكره فيما تقدم. ونحن الآن نسوقهم طريقًا طريقًا وفريقًا فريقًا فيكون أوضح إذ ذكر هذه الطرق وعربانها من المهم المقدم.
стр. 1356
فأما طريق الركب المصري (١): من القاهرة إلى عقبة أيلة لعايذ، ومن العقبة إلى الدأماء ما دون القصب لبني عقبة، ومن الدأماء إلى أكدى وهي فم الضيقة لبلي، ومن أكدى إلى نما - وهي آخر الوعرات - لجهينة، ومن نما على نهاية بدر على الفرعاء وإلى نهاية الصفراء على نقب علي لبني حسن أصحاب الينبع، ويليهم أقاربهم من بني حسن أصحاب بدر إلى رملة عالج (٢) في طرف قاع البزوة (٣) .. ومن الصفراء إلى الجحفة ورابغ لزبيد الحجاز. ومن الجحفة على قديد وما حولها إلى الثنية المعروفة بعقبة السويق لسليم. ومن الثنية على خليص المشرفة على عسفان للشريف جسّار من بني حسن (٤) ومن الثنية المشرفة على عسفان إلى الفجّ وهو المسمى بالمحاطب لبني جابر. وهم في طاعة صاحب مكة المعظمة، وبني حسن.
وأما طريق الركب الشامي (٥):
* * *
стр. 1357
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد:
فهذا هو السفر الخامس من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وهو عبارة عن تاريخ وتراجم لمشاهير القراء والمحدثين.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على مخطوطتين هما:
١ - مخطوطة آيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٣٤١٨.
وقد وقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زاده، المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
٢ - مخطوطة أحمد الثالث - طو بقبو سراي - استانبول رقم ٢٧٩٧ وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي، الملك المؤيد شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ) ١٤٢١ م، ووقفها الملك المؤيد على طلبه العلم بجامعة (المؤيدي) في القاهرة.
والتي قام بنشرها مصورة العلامة الدكتور فؤاد سزكين - معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الاتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م وعليها كان جل اعتمادنا.
* * *
стр. 1358
أما طريقتي في تحقيقه فقد ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الكتاب ولا داعي لتكرارها.
* * *
هذا ما استطعت تقديمه إلى القارئ الكريم والباحث الفاضل، وما تمكنت منه، فَعَلَيَّ الجِدُّ والاجتهاد، ومن الله التوفيق والسداد.
وهو حسبي ونعم الوكيل عليه توكلت وإليه أنيب.
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 1359
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الثاني من الكتاب في سكان الأرض من طوائف الأمم
وهو أنواع:
«النوع الأول» في الإنصاف بين المشرق والمغرب؛ هذا النوع له شبهان:
شبه بالقسم الأول بحسب موضوعه، وما اندرج معه، وتعلّق بذيل المفاخرة بين الجانبين من النبات والمعدن.
وله شبه بالقسم الثاني بحسب ما اندرج فيه من ذكر طوائف العلماء الذين هم أعيان الناس، وذكر سائر الحيوان؛ إلا أن هذا الشبه أقوى؛ لأن المقصود من المكان ساكنه، فألحقناه بهذا القسم.
وفيه فصلان:
«الفصل الأول» خطابي.
«الفصل الثاني» على حكم التحقيق.
* * *
стр. 1360
الفصل الأول
وهو الخطابي
اعلم أنَّ هذا مغلق لم يكن في عزمي أن أفتح بابه، ولا أتعرَّض إليه لأمرين:
أحدهما لأني أخشى توعُّر صدر عليّ.
والثاني: لأنَّ فضل الشرق ظاهر كوضوح الشمس منه، فلا يحتاج إلى قولٍ، ثم إني رأيت من أهل المغرب من يطاول ممتد الشرق بباعِه القصير، ويكاثر بحره الزاخر بوَشلِه (١) القليل، على أننا لا نجحد أنَّ لكل منهما فضلًا، وأنَّ في كل منهما للمدح والذم أهلًا؛ ولكن الأغلب يُغَلِّبُ، وقد ذكر الله تعالى المشارق والمغارب في غير موضع من القرآن فبدأ بالمشارق، وإن لم تكن الواو تقتضي الترتيب، ولكن مداومة تقديم المشارق لا يخفى ما فيها من معنى، ومحاسن كل شيء غالبًا في الشرق أكثر، ودَسْتُ (٢) كل سلطنة بها أعظم، ولا يخالف في هذا من لم ينازع الحق أهله ولقد هم ابن سعيد (٣)
стр. 1361
في كتاب «المَغْرِب» (١) بالتعصّب لبلاده، ثم منعه الإنصاف، وإن كان في بعض الكلام قد أشار وما صرّح مثل قوله، وقد ذكر بعض الأقوال في مساحة الأرض من البحر المحيط بالصين إلى البحر المحيط بالأندلس وبر العدوة، وأن نصفها للمشرق من البحر المحيط بالصين إلى آخر الشام على البحر السبتي، والنصف الآخر للمغرب من أول الديار المصرية وبلاد الحبشة وما في غرب خليج القسطنطينية، وما في خطيه عرضًا مارًّا في الطول إلى البحر المحيط بالأندلس وبر العدوة.
قال: - وقد ذكر البيهقي (٢): أن من أصحاب المساحة من قال: إنّ المشرق أطول وأعرض من المغرب.
ثم قال ابن سعيد: وقيل: إن الذي نقص من طول المغرب دخول البحر المحيط فيه من جزائر الخالدات التي هي منتهى العمارة إلى بر طنجة، وإنّ قسم المشرق من أول المشرق إلى الجزائر التي في البحر المحيط بالصين المعروفة «بصين الصين» هي أقرب في ذلك إلى المشرق من الجزائر الخالدات إلى أكثره في المغرب.
стр. 1362
ثم قال: - وقد ذكر الإقليم الرابع الذي هو معظم العمارة والاعتدال -: إنه ليس بالمغرب فيه إلا بعض الأندلس وبعض ساحل برّ العدوة، وجمهوره غلب عليه البحر.
وقد ذكر البحر الرومي - يعني الشامي - الذي سماه - هنا - السبتي قال: وفيه جزائر ليست مما تقارب جزائر الهند في الكثرة.
ثم قال: والإقليم الرابع في المشرق بضدّ ذلك - يعني ضدّ ما هو عليه في المغرب - لأنه ليس فيه بحر يعطّله عن اتصال العمارة، وكثرة المدن المتوالية من الشام إلى الجزيرة إلى عراق العجم إلى خراسان إلى ما وراء النهر متصلًا في بلاد الأتراك إلى يأجوج ومأجوج؛ فلهذا كان الشرق أعظم عمارة من المغرب، وأكثر مدنًا.
ومعنى كلامه: أن البحر الرومي جاء في الجانب الغربي في موضع الإقليم الرابع إلا قليلًا منه، فلم تبق به مدن بخلاف الشرق؛ فإنه خالٍ من تعطيل البحر لأرضه؛ فقد جاء كله مدنًا أهلة، وقُرى عامرة، ورساتيق متصلة.
قال ابن سعيد: فوجب التسليم من المغاربة في هذه المزية.
ولما ذكر ابن سعيد: أن بعض الحكماء شبه الأرض بجسد آدمي وعددُ أعضائه، وجعل الصين والهند رأسه، والغرب رجله، كما تقدم ذكره في هذا الكتاب.
قال: وبهذا التشبيه للمشرق غاية الفخر إن سلّمه إليهم المغاربة.
قلت: وفي قول ابن سعيد: «إنّ تسليمه إليهم المغاربة» في هذا الموضع، وقوله فيما تقدّم -: «فوجب التسليم من المغاربة في هذه المزية» من التنفس بمضاهَاة الشرق ما فيه، ولو اكتفينا بهذه المزية، لكان فيها كفاية؛ لأنه أية مماثلة لجهة أكثر ما فيها بحارٌ مِلْحٌ غامرة بجهة كلها أقاليم ممتدة عامرة بالمدن والقرى والثمار والزروع والأناسي والدواب، يسافرها المسافر كيف شاء، ويضطرب فيها حيث أراد. وكيف تستوي بلاد جنوبها الهند وهم من أهل العلم والحكمة مع صفاء الألوان وحسن الصور، وكمال التخطيط، يعمّ الأرض طيبه، وينفحها أَرْجُه، ويُداوِي مرضاها عقاقيره، ويصلح أغذيتها أفاويهه، ويزين أسرة ملوكها جوهرة، ببلاد جنوبها خثالة السودان المحترقة ألوانهم، المشوهة صورهم، المختلفة تخاطيطهم غاية الجهالة والنفوس البهيمية لا عقول لهم ولا أفهام، هم أقرب شبهًا من بني آدم بالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلًا، وأذلُّ قبيلًا، وأقلُّ للمعارف تأويلًا، ولو أنصف ابن سعيد حقّ الإنصاف، وأذعن لواجب الاعتراف، لما قال: «فوجب التسليم من المغاربة للمشارقة» لأنه يجب للمشارقة على المغاربة التسليم في كل شيء شاؤوا أو أبوا؛ اللهم إلا في القليل النادر الذي لا حكم له، أوليس مظاهر الأنبياء - صلوات الله عليهم جميعًا - بالمشرق إلا
стр. 1363
يوسف وموسى وهارون - عليهم الصلاة والسلام - فإنهم كانوا بمصر، وليس واقعة في القسم الغربي على قول ابن سعيد: إن سلم أهل مصر أنها من المغرب، أو سلم هذا إلى من يدعيه فيها، وعلى تقدير أن يسلم أن مصر من المغرب، فهذه السادة الأنبياء من الشرق، وكان من الشام مُنبَعهم، وإليه عاد مَرجعهم؛ فمجموع الأنبياء - صلوات الله عليهم - من الشرق فيه مواليدهم، وإليه مَباعث الرسل منهم، وبه قبورهم، ومهابط الوحي والتنزيل عليهم.
وأما دخول يعقوب والأسباط ويوشع والمسيح - عليهم الصلاة والسلام - إلى مصر، فإنه ليس بدخول استقرار، ولا كانت لهم بدار قرار؛ فهم لا يعدون في أنبيائها، ولا يذكر خبرهم في أبنائها، وبالشرق معارج الملائكة - صلوات الله عليهم - وبه أنزلت كتب الله المُنَزَّلة، ومُدَّت ينابيع الشرائع، وعُلّت سرادقات الدين ونُشِرَت ملاءات المِلَل، وتفرعت العلوم، وانبثّت التصانيف شَرْقًا وغَرْبًا، وبه جزيرة العرب، والسلطان سلطانها، واللسان لسانها.
فأما الشِّعر فمنهم طالَت نَبْعَتُهُ، وعنهم طارت سمعته، والشعر هو نبعة البيان، وحلية الفضل؛ ولله درُّ العماد الكاتب (١) حيث تعصب لمشرقيته، والحقُّ قال: إذ ذكر
стр. 1364
المغرب، قال في كتاب كتبه: «وأما المغاربة فعلى مشارع المشارقة مغار حُلِيّها، ومن مساربها معاذ سُبُلها، ومن حررها شرقها، وفي موج لُجّها غرقها، وعندها سور النور وفيضه، في غياضها تفور، وحسبها أن الغزالة الراتعة في رياض الفلك، الكارعة من حياض الملك، إذا وصلت إلى وردها، توردت بالشفق واصفرّت للفراق من الفرق، وأصابت عينها عين المحامية، وعانقتها عنقاء مُغرَب المعادية، ووقعت في قبضة طفل الطفل كالعصفورة، ومرت هنالك، ثم معادها غداة غد يوم النشور، إنّ الله يأتي بالشمس من المشرق حجة بالغة، وبحجة واضحة للحق المحقق، والمنصف المصدق؛ فإن تعلق المغربيون بأذيال السماء وقالوا الأنوار أجزاء، فالمشرقيون اجتابوا خللها القشب أولًا، وإن تعلّقوا على أسوار آسارها، فالعراقيون فتحوها مَعقَلًا».
ثم ها أنا لي في كلمة قلتها: [من مجزوء الكامل]
وَالصُّبْحُ قَدْ وَافَى الْبَشِيرُ … بِقُرْبِهِ وَاللَّيْلُ ذَائِبْ
وَسَرَى النَّسِيمُ كَأَنَّهُ … شَكْوَى الْحَبَائِبِ لِلْحَبَائِبْ
قَدْ جَاءَ مَنْ نَالَ الرِّدَا … أَتَقُولُ قَدْ لَمَسَ السَّحَائِبْ؟
وَأَمْسَى كَغُرَّةِ أَدْهَمَ … فَجُرَّدِي فِي الْغَيَاهِبْ
أَوْ مَا تَرَى ضَوْءَ النَّهَارِ … وَقَدْ بَدَا مِنْ كُلِّ جَانِبْ؟
стр. 1365
وَسَرَتْ سَرَايَاهُ وَقَدْ … غَضِتْ مِنَ اللَّيْلِ الْكَوَاكِبُ
وَبَدَا لَنَا وَقْتَ الصَّبَاحِ … كَأَنَّهُ سَمْرَاءُ كَاعِبُ
وَرَأَيْتُ ثَعْلَبَ فَجْرِهِ … آكَلَ الثُّرَيَّا وَهُوَ لَاعِبُ
وَكَأَنَّمَا زَهْرُ النُّجُومِ … دَرَاهِمٌ فِي كَفِّ هَارِبِ
وَانْظُرْ إِلَى قَوْسِ الْهِلَالِ … كَأَنَّهُ لِلصُّبْحِ حَاجِبُ
هَذِي الْمُجَرَّةُ نَهْرُهَا … مَا فِيهِ مِنْ رِيٍّ لِشَارِبِ
لَكَأَنَّمَا الشَّرْقُ الْمُنِيـ … ـرُ أَتَى يَدُقُّ قُفَا الْمَغَارِبِ
ثم ها أنا أرجع إلى الجدّاد (١)، فأقول: وهل وقعت في غير الشرق الجهات الشريفة المعظّمة كالحرمين الشريفين مكة والمدينة وبيت المقدس؟!، الذي لا تشدُّ الرحال إلا إليها، وكذلك جبل الطور - وهو بين القدس والحجاز-.
فأما الجانب الغربي في قوله تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ (٢) فالغربي هنا بالنسبة إلى المكان المخصوص لا إلى مطلق الغرب.
وكان موسى حينئذ بالشام، ثم إلى جهة الشام فر من فرعون وملئه، ومن أي القطرين جماعة الحواريين، ثم الصحابة ﵃ وقد سمعنا فيهم بفارسي ورومي، ولم نسمع بمغربي؟ وهل كانت عباديد الرجال، وصناديد الأبطال إلا في جزيرة العرب، وما والاها من الجانب الشرقي؟ وهل جماهير الكرماء ومشاهير العظماء إلا منهم؟ فمن كرمائهم: حاتم طيئ، وكعب بن مامة، ثم عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن العباس، ومصعب بن الزبير، وغير هؤلاء ممن لا يحصر.
وأما من عظمائهم فما لا يعد كثرة كالأكاسرة والقياصرة، والتبابعة، وملوك الترك، وفرسان العرب، وبهالويل العجم، وهل في الغرب مثل عنترة، وذي الخمار شبيع بن الحارث، وعمرو بن ود العامري، ودريد بن الصمة، ومهلهل، وبسطام بن قيس، وزيد الخيل - المسمى بزيد الخير - وعمرو بن معدي كرب، والزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وخارجة بن حذافة، وقيس بن سعد، والأشتر النخعي، أو مثل رستم بن وستان - المسمى أبو هزال - واسفنديار بن كشتاسب، وبهرام جوبين، وبهرام الارميني مقاتل سعد بن أبي وقاص.
وهل شموس الأمة، وأقمار الأئمة إلا من المشرق مثل أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وبقية الأئمة الذين انقطعت الآن مذاهبهم، وبقيت في أسماء
стр. 1366
التصانيف كواكبهم مثل: الحسن البصري، وسفيان الثوري، وطاووس ومن عاصرهم أو تقدم أو تأخر عنهم، أو انسحب على آثارهم من ذوي العلوم المتقنة، والأقوال المرجحة؛ وكذلك أئمة المحدثين، وأعلام الحفاظ، وحسبك أصحاب الكتب الصحاح. الشرق دارهم، وعنه امتدت أنهارهم، وانظر إلى تفاوت درجة الرواة بين أهل القطرين تعرف ما بين الأوج والحضيض، وتعلم أيهما الصحيح والمهيض. وكفى المشارقة فخرا اتصال نسبهم القريب بالنبي ﷺ في الرواية.
وهل اطلع الغرب: مثل ما اطلع الشرق من السادات الأولياء أقطاب الأرض من مشايخ الطريق وأئمة التحقيق (١) مثل: عبد الله بن المبارك، وعتبة الغلام، وأبي القاسم الجنيد، وأبي يزيد البسطامي، وأبي الحسن النوري، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، وسري السقطي، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سعيد بن الجلاء. ومن كان قبلهم أو معهم أو جاء بعدهم من أهل هذا النمط.
وتأمل رسالة القشيري (٢)، وحلية الأولياء (٣) لأبي نعيم، وتاريخ السلمي (٤)، والمعارف (٥) للسهروردي، وما في معناها، هل تجد للغرب مثل ما سبق الشرق بإدراك فضله وتحليه به من أهله أهله؛ على أن لكل أرض أقطابا عليهم مدارها، ولكنهم بالشرق أشهر، ومع مكاثرة أنوار النبوة بها أظهر، وأي القطرين أقدم إسلاما، وأقوم أعلاما، وأكثر أولادا كراما، وآثر مآثر باقية وأياما، وأيهما بادر إلى تلقي راية الفصاحة، وتلقن آية السماحة.
وهل وصل إلى الغرب من السؤود إلا ما فضل عن الشرق، أو لبس إلا ما أعاره من الخليع المبتذل لما دخل إليه عبد الرحمن الداخل من بني مروان إلى جزيرة الأندلس واجتمع إليه من شذاذ القوم من لفظتهم مزاود المشارق، ولفظتهم أسرة الملك،
стр. 1367
فحينئذ صار الناس بالغرب ناسًا، وإلا فقد كانوا كالبُهم السائمة؛ فمن ذلك الوقت تكلّموا باللغة العربية، وامتازوا بالنطق على كثير الحيوان، وكان ما أخلقه الشرقُ لهم جديدًا. هذا بالأندلس، وأبقيت بقية الغرب على ما هم عليه، ما تحلّى لهم عاطل، ولا عرف منهم إنسان إلى المائة الرابعة، فدبّ فيهم ماء الإنسانية، وراقت فيهم بشاشة الأدب، وأضحت تعدّ مع المدن قراها، وتكلم مع الناس أهلها إلى أيام المرابطين، ثم الموحدين، ثم ملوكها الآن من بني مرين؛ فانهم مَصَّروا مدنها ومُدّنوا قراها وأجلوا جليلها، وكثروا قليلها فصارت لا تُقَصَّر في مضمار، ولا تُردّ عن غاية.
وهل في الغرب من الفلاسفة والحكماء مثل الشرق؟ فأما قبل الإسلام، فالمرجع إلى حكماء اليونان والهند، ومن اليونان مثل: فيثاغورس، وأرسطيغوس، وديوجانس، وفورون، وأرسطاطاليس، وسقراط.
ومن الهند مثل: كنكة الهندي، وطمطم الهندي، وصاحب كتاب السند هند في الفلك، وصاحب كتاب باقر في الموسيقى، وصاحب كتاب العدد، وصاحب كتاب كليلة ودمنة؛ وهل مثل هذا الكتاب في إصلاح الأخلاق وتهذيب النفوس؟!.
وأما من كان في الإسلام فمثل: عبد الله بن المقفع، ومحمد بن إبراهيم الفزاري، والحسن بن الآدمي، وأبي جعفر محمد بن موسى الخوارزمي، ويحيى بن أبي منصور المنجم، وخالد بن عبد الله المروزي، والعباس بن سعيد الجوهري، وأحمد بن مروان السرخسي، ومحمد بن زكريا الرازي - طبيب المسلمين غير مدافع - وأبي نصر محمد بن نصر الفارابي - فيلسوف المسلمين غير مدافع - ويعقوب بن طارق - صاحب كتاب المثالات - وما شاء الله الهندي، وأبي محمد بن ذي الدمينة الهمداني، وعمر بن فرحان الطبري، وأبي سهل بن نوبخت، وأبي جعفر بن محمد البلخي - منجم المسلمين غير مدافع - وطراز الدهر الرئيس أبي علي بن سينا، والإمام الحجة فخر الدين محمد بن عمر بن خطيب الري الرازي.
هل وَلَدَ الغرب أمثالهم؟! أم حذا في الأنموذج؟، إنَّ الدهر بمثلهم لعقيم، ولا عصبية للعظم الرميم، بل هو منهج الحق القويم، ومبهج الصدق المستقيم.
فان قلت أيها القائل: لِمَ خلطت بهؤلاء اليونان ومدنيتهم واقعة في الغرب بلا خلاف؟!.
قلنا: قد نسلِّم إليك أنَّ في الغرب مدنيتهم، ومن أرضه طينتهم، ولكن من الشرق أصل مددهم، وحاصل ذات يدهم؛ فإنهم إنما أخذوا عن حكماء الهند غالب علومهم، وغامض معقولهم، ومنهم أوقدوا مصابيح أفهامهم.
стр. 1368
قال لي شيخنا الحجة فريد الدهر وارث العلم والحكمة أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني - أطال الله بقاءه -: إِنَّ أرسطو استأثر بكتب الهند لما غلب الإسكندر على أرضهم واستفاد ما فيها، ثم أمر بها فَحُرِقَتْ حتى لا تنسب حكمتها إلا إليه، ولا تعرف إلا به.
فاعرف من أين الأصل؟، ولأي الأفقين الحكم الفصل؟ هذا إذا لم يَرُدَّ عليك من يأتي بنيانك من القواعد، ويقول: صحيح إِنَّ مدينة اليونان في الغرب؛ ولكن قد تدبر الجانب الشرقي منهم أناس، وسكن شرقي الخليج القسطنطيني منهم فرق.
وقد قرر ابن سعيد المتعصب لكم، والمنتصر لبلادكم: أَنَّ الخليج القسطنطيني فاصل بين الشرق والغرب، فأما غالب المتأخرين، بل جملة الآخرين، فإنهم في الشرق بلا نزاع ولا دفاع، وفيهم من بَدْ الأوائل، واستدرك ما فاتهم من الفضائل.
وأما حكماء الهند - وهم قبل اليونان السابقون الأولون، والحفظة المحصلون - فما سمع أن أحدًا منهم تزحزح عن مكانه، ولا رضي مثلما رضوا به بدلًا من أوطانه، وهذا فخر لا يُدْفَعُ، ودليل لا يُرفع، وعلى تقدير أن يسلّم أن مدينة اليونان مُفضَّلة بهم وإن نزحوا عنها، وأن لليونان الفضل الباهر - اتبعوا أم ابتدعوا - فمدينتهم لتُوغلها في الشمال أشبه بأن تنسب إليه من الغرب، وهي حقيقة أقرب إلى المحيط بالشمال منها إلى المحيط بالغرب، وذلك مؤيد - فيما ذكرنا - لكل مقال، قاطع لكل جدال؛ فهي شمالية لا مغربية، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ (١).
فأما أصحاب الموسيقى وإجادة الغناء، فلمن تقدم من هؤلاء الحكماء في الموسيقى ما يؤخذ عنهم علمه اليقين. وأما توقيع الألحان، وترتيب الأنغام، فإذا طالعت جامع أبي الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني، هداك النفس الطيب، وعلمت إلى الشرق أم إلى الغرب يميل سمعك، وبأيهما يهتز عطفك، وما قصبات السبق إلا لمعبد مثل: ابن مسجح، وابن محرز، وابن سريج الهذلي، والغريض، ومالك بن أبي السمح، ومعبد، وحنين الحيري، وحكم الوادي، وإبراهيم الموصلي، وابن إسحاق، وابن جامع، ويحيى المكي، ومخارق، وعزة الميلاء، وبصبص، وسلامة، وحبابة، والزرقاء جارية ابن زامين، وعنان جارية الناطفي، وبدل الكبيرة، وغريب، وغير هؤلاء ممن تصغي الصم لسماعه، وتغني الطير على إيقاعه. يتمنى كل ذي أذن لو كان له
стр. 1369
مُستَمِعًا، ويودُّ كل عضوٍ لو تحول لأجله مُسمعًا، تُمَلَّى نغماته على الأوتار، وتتحلى أوقاته بالمسار، يطْرفُ السمع بطرائف الأناشيد، ويطربُ الجمع بلطائف الأغاريد. يسكر سامعه وما شرب بنتَ حان، ويهتزُّ وما حَرَّكه سوى ألحان، تأخذ منه السعود بنصيب، ويعيد على العود شبابه وهو غَضٌّ رَطِيبٌ، من كل مطرب ومطربة فاقا، وفاتا في صناعتهما حذاقا؛ كما قال الحريري في جارية قارئة، قال: إن قرأت شَفَت المفؤود، وأحيت الموءود، وخلتها أوتيت من مزامير آل داود، وإن غنَّت ظلَّ مُعَبَّدٌ لها عبدًا، وقيل: سحقا لإسحاق وبعدا، وإن زمَرَت أضحى زنام عندها زنيمًا، بعد أن كان لحيله زعيما، وبالأطراب زعيما، وإن رقصت أمالت العمائم عن الرؤوس، وأنسَتكَ رقصَ الحَبِّ في الكؤوس.
[وهذا أديب الأندلس - بل الغرب - أبو الحسن علي بن بسام (١)، قد قال في خطبة كتاب الذخيرة (٢)، وقد ذكر ما لأهل الأندلس من فضل أدب، فقال (٣): لعبوا بأطراف الكلام المُشَقِّق لعبَ الدجى بجفونِ المُؤَرِّق، وحدوا بفنون السحر المُنَمَّق، حُدَاء الأَعْشَى ببناتِ المحلَّق، فصَبَّوا على قوالب النجم غرائبَ المنثور والمنظوم، وباهوا غرَرَ الضُّحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل، نَثْرُ لو رآه البديع لنسِيَ اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولا حكمه، ونَظْمٌ لو سمعه كُثَيْرٌ ما نَسِبَ، ولا مدح، أو تتبعه جُرْوَلٌ ما عوى ولا نَبَحَ، إِلَّا أنَّ أهل هذا الأُفُقِ أبَوا إِلَّا متابعةَ أهلِ المشرق، يرجعونَ إلى أخبارهم المعتادة رُجُوعَ الحديث إلى قتادة حتى لو نطقَ بذلك الآفاقُ غِرابٌ، أو طَنَّ بأقصى الشام والعراق ذُبابٌ، لجثَوا على هذا صَنَمًا، وتلَوا ذلكَ كتابًا محكمًا.
ثم قال (٤): فغاظني منهم ذلك، وأنفتُ مما هنالك، وأخذتُ نفسي بجمعِ ما وجدتُ من حسناتِ دهري، وتتبعِ محاسن أهلِ بلدي وعَصري، غيرةً لهذا الأُفُقِ الغريبِ أن تعودَ بدورُه آهلةً، وتصبحَ بُحُورُه ثَمادًا مُضمحلَّةً. ثم قال: وليت شعري من قصر
стр. 1370
العلم على بعض الزمان، أو خصّ أهل المشرق بالإحسان.
قلت: وكفى المشرق قضاء هذا الأديب الفريد على أهل الأندلس؛ وهم صفوة أهل المغرب ببولعهم بما لأهل المشرق حتى لو نعق غراب، أو طَنَّ ذباب مع تصديقه لأبي علي البغدادي في قوله، وقد قصد الأندلس (١): لما وصلت إلى القيروان وأنا أعتبر من مرَّ بي من أهل الأمصار فأجدهم درجات في الغباوة وقلَّة الفهم بحسب تفاوتهم في المواضع بالقرب والبعد حتى كأنَّ منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصَّة ومقايسة.
قال (٢): فقلت: إنَّ نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم، فسأحتاج إلى ترجمان في هذه الأوطان.
ثم قال ابن بسام عنه (٣): وبلغني أنه كان يُتبع كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق في ذكائهم، ويتغطّى عنهم عند المباحثة والمفاتشة، ويقول لهم: إنَّ علمي لعلم رواية، وليس بعلم دراية فخذوا عني ما نقلت فلم آل لكم إنْ صحَّحت.
قلت: فهذه شهادة لا ترد من أبي علي على أهل المغرب إلا الأندلس وإقرار ابن بسام له على قول شهادة معه، وهذا قضاء على كثير المغرب لأهل المشرق.
فأما أهل جزيرة الأندلس فيكفي ما قاله ابن بسام عن فضل أهلها آنفًا، أنه لو نعق بالمشرق غراب، أو طَنَّ ذباب لجثوا عليه صنمًا، وتلوه كتابًا محكمًا.
وأما ما زعم أنَّ أبا علي البغدادي كان يتغطى عنهم عند المباحثة والمفاتشة، ويقول: إنَّ علمي لعلم رواية، وليس بعلم دراية، فهذا إنْ صحَّ وسلم إليه، عنه جوابان.
الأول: أنَّ أبا علي كان كما قال: صاحب علم رواية ليس عنده إلا ذلك، وقد يكون بُلِيَ برجل جدل أو رجال كذلك فقصرت حُجَّته عندهم بحق وبمعاياة، فقال ذلك: ولا يخلو قطر من ذي جدل فيه، فأمّا لو رموا بمثل ابن سينا وأضرابه، والفارابي وأشباهه، لذابت حصاتهم، ونامت خفافيشهم.
والجواب الثاني: - أنهم قد الجأوه في وقت إلى تأويل باطل لم يقنعهم منه إلا التسليم إليهم فيه، فلم يستجز ذلك، فقطعهم بذلك القول من ألحانيه إلى الباطل.
ويعجبني ما حكي عن الصاحب بن عباد، قيل: إنه سمع بكتاب العقد، فحرص حتى حصل عنده؛ فلمَّا تأمله، قال: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ (٤) ظننت أنَّ هذا