← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

التصانيف كواكبهم مثل: الحسن البصري، وسفيان الثوري، وطاووس ومن عاصرهم أو تقدم أو تأخر عنهم، أو انسحب على آثارهم من ذوي العلوم المتقنة، والأقوال المرجحة؛ وكذلك أئمة المحدثين، وأعلام الحفاظ، وحسبك أصحاب الكتب الصحاح. الشرق دارهم، وعنه امتدت أنهارهم، وانظر إلى تفاوت درجة الرواة بين أهل القطرين تعرف ما بين الأوج والحضيض، وتعلم أيهما الصحيح والمهيض. وكفى المشارقة فخرا اتصال نسبهم القريب بالنبي ﷺ في الرواية. وهل اطلع الغرب: مثل ما اطلع الشرق من السادات الأولياء أقطاب الأرض من مشايخ الطريق وأئمة التحقيق (١) مثل: عبد الله بن المبارك، وعتبة الغلام، وأبي القاسم الجنيد، وأبي يزيد البسطامي، وأبي الحسن النوري، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي، وسري السقطي، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سعيد بن الجلاء. ومن كان قبلهم أو معهم أو جاء بعدهم من أهل هذا النمط. وتأمل رسالة القشيري (٢)، وحلية الأولياء (٣) لأبي نعيم، وتاريخ السلمي (٤)، والمعارف (٥) للسهروردي، وما في معناها، هل تجد للغرب مثل ما سبق الشرق بإدراك فضله وتحليه به من أهله أهله؛ على أن لكل أرض أقطابا عليهم مدارها، ولكنهم بالشرق أشهر، ومع مكاثرة أنوار النبوة بها أظهر، وأي القطرين أقدم إسلاما، وأقوم أعلاما، وأكثر أولادا كراما، وآثر مآثر باقية وأياما، وأيهما بادر إلى تلقي راية الفصاحة، وتلقن آية السماحة. وهل وصل إلى الغرب من السؤود إلا ما فضل عن الشرق، أو لبس إلا ما أعاره من الخليع المبتذل لما دخل إليه عبد الرحمن الداخل من بني مروان إلى جزيرة الأندلس واجتمع إليه من شذاذ القوم من لفظتهم مزاود المشارق، ولفظتهم أسرة الملك،

стр. 1367

فحينئذ صار الناس بالغرب ناسًا، وإلا فقد كانوا كالبُهم السائمة؛ فمن ذلك الوقت تكلّموا باللغة العربية، وامتازوا بالنطق على كثير الحيوان، وكان ما أخلقه الشرقُ لهم جديدًا. هذا بالأندلس، وأبقيت بقية الغرب على ما هم عليه، ما تحلّى لهم عاطل، ولا عرف منهم إنسان إلى المائة الرابعة، فدبّ فيهم ماء الإنسانية، وراقت فيهم بشاشة الأدب، وأضحت تعدّ مع المدن قراها، وتكلم مع الناس أهلها إلى أيام المرابطين، ثم الموحدين، ثم ملوكها الآن من بني مرين؛ فانهم مَصَّروا مدنها ومُدّنوا قراها وأجلوا جليلها، وكثروا قليلها فصارت لا تُقَصَّر في مضمار، ولا تُردّ عن غاية. وهل في الغرب من الفلاسفة والحكماء مثل الشرق؟ فأما قبل الإسلام، فالمرجع إلى حكماء اليونان والهند، ومن اليونان مثل: فيثاغورس، وأرسطيغوس، وديوجانس، وفورون، وأرسطاطاليس، وسقراط. ومن الهند مثل: كنكة الهندي، وطمطم الهندي، وصاحب كتاب السند هند في الفلك، وصاحب كتاب باقر في الموسيقى، وصاحب كتاب العدد، وصاحب كتاب كليلة ودمنة؛ وهل مثل هذا الكتاب في إصلاح الأخلاق وتهذيب النفوس؟!. وأما من كان في الإسلام فمثل: عبد الله بن المقفع، ومحمد بن إبراهيم الفزاري، والحسن بن الآدمي، وأبي جعفر محمد بن موسى الخوارزمي، ويحيى بن أبي منصور المنجم، وخالد بن عبد الله المروزي، والعباس بن سعيد الجوهري، وأحمد بن مروان السرخسي، ومحمد بن زكريا الرازي - طبيب المسلمين غير مدافع - وأبي نصر محمد بن نصر الفارابي - فيلسوف المسلمين غير مدافع - ويعقوب بن طارق - صاحب كتاب المثالات - وما شاء الله الهندي، وأبي محمد بن ذي الدمينة الهمداني، وعمر بن فرحان الطبري، وأبي سهل بن نوبخت، وأبي جعفر بن محمد البلخي - منجم المسلمين غير مدافع - وطراز الدهر الرئيس أبي علي بن سينا، والإمام الحجة فخر الدين محمد بن عمر بن خطيب الري الرازي. هل وَلَدَ الغرب أمثالهم؟! أم حذا في الأنموذج؟، إنَّ الدهر بمثلهم لعقيم، ولا عصبية للعظم الرميم، بل هو منهج الحق القويم، ومبهج الصدق المستقيم. فان قلت أيها القائل: لِمَ خلطت بهؤلاء اليونان ومدنيتهم واقعة في الغرب بلا خلاف؟!. قلنا: قد نسلِّم إليك أنَّ في الغرب مدنيتهم، ومن أرضه طينتهم، ولكن من الشرق أصل مددهم، وحاصل ذات يدهم؛ فإنهم إنما أخذوا عن حكماء الهند غالب علومهم، وغامض معقولهم، ومنهم أوقدوا مصابيح أفهامهم.

стр. 1368

قال لي شيخنا الحجة فريد الدهر وارث العلم والحكمة أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني - أطال الله بقاءه -: إِنَّ أرسطو استأثر بكتب الهند لما غلب الإسكندر على أرضهم واستفاد ما فيها، ثم أمر بها فَحُرِقَتْ حتى لا تنسب حكمتها إلا إليه، ولا تعرف إلا به. فاعرف من أين الأصل؟، ولأي الأفقين الحكم الفصل؟ هذا إذا لم يَرُدَّ عليك من يأتي بنيانك من القواعد، ويقول: صحيح إِنَّ مدينة اليونان في الغرب؛ ولكن قد تدبر الجانب الشرقي منهم أناس، وسكن شرقي الخليج القسطنطيني منهم فرق. وقد قرر ابن سعيد المتعصب لكم، والمنتصر لبلادكم: أَنَّ الخليج القسطنطيني فاصل بين الشرق والغرب، فأما غالب المتأخرين، بل جملة الآخرين، فإنهم في الشرق بلا نزاع ولا دفاع، وفيهم من بَدْ الأوائل، واستدرك ما فاتهم من الفضائل. وأما حكماء الهند - وهم قبل اليونان السابقون الأولون، والحفظة المحصلون - فما سمع أن أحدًا منهم تزحزح عن مكانه، ولا رضي مثلما رضوا به بدلًا من أوطانه، وهذا فخر لا يُدْفَعُ، ودليل لا يُرفع، وعلى تقدير أن يسلّم أن مدينة اليونان مُفضَّلة بهم وإن نزحوا عنها، وأن لليونان الفضل الباهر - اتبعوا أم ابتدعوا - فمدينتهم لتُوغلها في الشمال أشبه بأن تنسب إليه من الغرب، وهي حقيقة أقرب إلى المحيط بالشمال منها إلى المحيط بالغرب، وذلك مؤيد - فيما ذكرنا - لكل مقال، قاطع لكل جدال؛ فهي شمالية لا مغربية، ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ (١). فأما أصحاب الموسيقى وإجادة الغناء، فلمن تقدم من هؤلاء الحكماء في الموسيقى ما يؤخذ عنهم علمه اليقين. وأما توقيع الألحان، وترتيب الأنغام، فإذا طالعت جامع أبي الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني، هداك النفس الطيب، وعلمت إلى الشرق أم إلى الغرب يميل سمعك، وبأيهما يهتز عطفك، وما قصبات السبق إلا لمعبد مثل: ابن مسجح، وابن محرز، وابن سريج الهذلي، والغريض، ومالك بن أبي السمح، ومعبد، وحنين الحيري، وحكم الوادي، وإبراهيم الموصلي، وابن إسحاق، وابن جامع، ويحيى المكي، ومخارق، وعزة الميلاء، وبصبص، وسلامة، وحبابة، والزرقاء جارية ابن زامين، وعنان جارية الناطفي، وبدل الكبيرة، وغريب، وغير هؤلاء ممن تصغي الصم لسماعه، وتغني الطير على إيقاعه. يتمنى كل ذي أذن لو كان له

стр. 1369

مُستَمِعًا، ويودُّ كل عضوٍ لو تحول لأجله مُسمعًا، تُمَلَّى نغماته على الأوتار، وتتحلى أوقاته بالمسار، يطْرفُ السمع بطرائف الأناشيد، ويطربُ الجمع بلطائف الأغاريد. يسكر سامعه وما شرب بنتَ حان، ويهتزُّ وما حَرَّكه سوى ألحان، تأخذ منه السعود بنصيب، ويعيد على العود شبابه وهو غَضٌّ رَطِيبٌ، من كل مطرب ومطربة فاقا، وفاتا في صناعتهما حذاقا؛ كما قال الحريري في جارية قارئة، قال: إن قرأت شَفَت المفؤود، وأحيت الموءود، وخلتها أوتيت من مزامير آل داود، وإن غنَّت ظلَّ مُعَبَّدٌ لها عبدًا، وقيل: سحقا لإسحاق وبعدا، وإن زمَرَت أضحى زنام عندها زنيمًا، بعد أن كان لحيله زعيما، وبالأطراب زعيما، وإن رقصت أمالت العمائم عن الرؤوس، وأنسَتكَ رقصَ الحَبِّ في الكؤوس. [وهذا أديب الأندلس - بل الغرب - أبو الحسن علي بن بسام (١)، قد قال في خطبة كتاب الذخيرة (٢)، وقد ذكر ما لأهل الأندلس من فضل أدب، فقال (٣): لعبوا بأطراف الكلام المُشَقِّق لعبَ الدجى بجفونِ المُؤَرِّق، وحدوا بفنون السحر المُنَمَّق، حُدَاء الأَعْشَى ببناتِ المحلَّق، فصَبَّوا على قوالب النجم غرائبَ المنثور والمنظوم، وباهوا غرَرَ الضُّحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل، نَثْرُ لو رآه البديع لنسِيَ اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولا حكمه، ونَظْمٌ لو سمعه كُثَيْرٌ ما نَسِبَ، ولا مدح، أو تتبعه جُرْوَلٌ ما عوى ولا نَبَحَ، إِلَّا أنَّ أهل هذا الأُفُقِ أبَوا إِلَّا متابعةَ أهلِ المشرق، يرجعونَ إلى أخبارهم المعتادة رُجُوعَ الحديث إلى قتادة حتى لو نطقَ بذلك الآفاقُ غِرابٌ، أو طَنَّ بأقصى الشام والعراق ذُبابٌ، لجثَوا على هذا صَنَمًا، وتلَوا ذلكَ كتابًا محكمًا. ثم قال (٤): فغاظني منهم ذلك، وأنفتُ مما هنالك، وأخذتُ نفسي بجمعِ ما وجدتُ من حسناتِ دهري، وتتبعِ محاسن أهلِ بلدي وعَصري، غيرةً لهذا الأُفُقِ الغريبِ أن تعودَ بدورُه آهلةً، وتصبحَ بُحُورُه ثَمادًا مُضمحلَّةً. ثم قال: وليت شعري من قصر

стр. 1370

العلم على بعض الزمان، أو خصّ أهل المشرق بالإحسان. قلت: وكفى المشرق قضاء هذا الأديب الفريد على أهل الأندلس؛ وهم صفوة أهل المغرب ببولعهم بما لأهل المشرق حتى لو نعق غراب، أو طَنَّ ذباب مع تصديقه لأبي علي البغدادي في قوله، وقد قصد الأندلس (١): لما وصلت إلى القيروان وأنا أعتبر من مرَّ بي من أهل الأمصار فأجدهم درجات في الغباوة وقلَّة الفهم بحسب تفاوتهم في المواضع بالقرب والبعد حتى كأنَّ منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصَّة ومقايسة. قال (٢): فقلت: إنَّ نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم، فسأحتاج إلى ترجمان في هذه الأوطان. ثم قال ابن بسام عنه (٣): وبلغني أنه كان يُتبع كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق في ذكائهم، ويتغطّى عنهم عند المباحثة والمفاتشة، ويقول لهم: إنَّ علمي لعلم رواية، وليس بعلم دراية فخذوا عني ما نقلت فلم آل لكم إنْ صحَّحت. قلت: فهذه شهادة لا ترد من أبي علي على أهل المغرب إلا الأندلس وإقرار ابن بسام له على قول شهادة معه، وهذا قضاء على كثير المغرب لأهل المشرق. فأما أهل جزيرة الأندلس فيكفي ما قاله ابن بسام عن فضل أهلها آنفًا، أنه لو نعق بالمشرق غراب، أو طَنَّ ذباب لجثوا عليه صنمًا، وتلوه كتابًا محكمًا. وأما ما زعم أنَّ أبا علي البغدادي كان يتغطى عنهم عند المباحثة والمفاتشة، ويقول: إنَّ علمي لعلم رواية، وليس بعلم دراية، فهذا إنْ صحَّ وسلم إليه، عنه جوابان. الأول: أنَّ أبا علي كان كما قال: صاحب علم رواية ليس عنده إلا ذلك، وقد يكون بُلِيَ برجل جدل أو رجال كذلك فقصرت حُجَّته عندهم بحق وبمعاياة، فقال ذلك: ولا يخلو قطر من ذي جدل فيه، فأمّا لو رموا بمثل ابن سينا وأضرابه، والفارابي وأشباهه، لذابت حصاتهم، ونامت خفافيشهم. والجواب الثاني: - أنهم قد الجأوه في وقت إلى تأويل باطل لم يقنعهم منه إلا التسليم إليهم فيه، فلم يستجز ذلك، فقطعهم بذلك القول من ألحانيه إلى الباطل. ويعجبني ما حكي عن الصاحب بن عباد، قيل: إنه سمع بكتاب العقد، فحرص حتى حصل عنده؛ فلمَّا تأمله، قال: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ (٤) ظننت أنَّ هذا

стр. 1371

الكتاب يشتمل على شيءٍ من أخبار بلادهم، فإذا هو لا يشتمل إلا على أخبار بلادنا. لا حاجةَ لنا فيه فردهُ] (١). وليس في الغرب أحد في هذا الباب يذكر، ولا سمع له ما يُذم ولا ما يشكر، اللهمَّ إلا ما تكلفت له على ما يأتي. ثم نأخذ الآن في أصحاب الصنائع العملية، وأشرفها رسم الكتابة، وما أظن المغاربة تتطاول إلى مفاخرة أهل الشرق فيها، ولا تنازع أهلها في القطر الشرقي مثل أبي الحسن علي بن هلال الكاتب المعروف بابن البواب، والولي علي التبريزي، والشيخ الكاتب عماد الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن هبة الله بن الشيرازي، وجمال الدين ياقوت المستعصمي، وشرف الدين محمد بن الوحيد الزرعي، وغير هؤلاء من الكتاب، ومن يطرب وضع خطهم الألباب. فأما سائر أصحاب الصنائع والمهن فأجلُّ الصنائع الفلاحة، ولا يقال إلا الفلاحة النبطية أو الفلاحة الرومية؛ وهي قوام المعايش، ومادة الرزق، وسبب العمارة، وحفظ بقاء النوع. وسمعنا يقال: سيف هندي، ورمح يزني، وقوس عربية، وسردة داودية، وبيضَة عادية، وديباج خسرواني، وأطلس رومي، وصوف آذري، وقطن سابوري، وكتان روسي، وتوصف ملاءات الهند، وحبرات اليمن، وأبراد صنعاء، ووشي العراق، وغضار الصين، وفخار قاشان، وزجاج الشام، ولا أسمع للمغرب هاتفة، ولا أحسّ به نابسة إلا ما كان يقال من قباطي مصر، ثم في آخر العهد من قماش تنيس، ثم الإسكندرية الآن. هذا إن سلَّم أن مصر من الغرب وإلا فدون التسليم السنة قالةً، وحجج قاطعة. فأما الملك فما أظنَّ مغربيًا تسمو به همته إلى المجادبة في هذا بأطراف النزاع، ولا تعرض لإطراق الشجاع، وبالشرق دست قواعد الخلافة مستقرُّ الخلفاء الراشدين، وبني أمية، والدولة العباسية، وما لمغربي أن يقول: كيف تلبس الشرق حلل الخلافة وتُعرِّي معاطف الغرب وبها دولة الخلفاء من بني أمية، وبني حمود، وبني عبد المؤمن.

стр. 1372

فجوابه: إِنَّنا لم نَذْكُر إِلاَّ الخلافة المجمّع عليها، ولم نذكر خلافة الناجمين بالشرق كالعلويين بأمل كرسي مازندران المسماة بطبرستان، وبني الأخِيضر العلويين باليمامة، وأئمة الزيديين باليمن؛ إِذْ كل خلافة سوى المجمّع عليها شذوذ. [ولو أنَّنا أيها المُدَّعِي للغَرْبِ على الشرقِ نظرنا فيمن بويع بالجهتين، ونظرنا بين الفتنتين، لمَحَيت سطوركم، ومحقت بدوركم، وتوهّنت ربابُكم، وتوهنت صِباكم، بما نحن به نردُّكم إذعانًا، ونسف طائركم خفقانًا، وانقطعتُم دونَ الغاية، وأجمعتُم وما رفعت لكم راية، والتحقتُم بالعدم وجودكم، والتحف جناح الخمول بجيدكم؛ ولاتَ حينَ مناص، وهيهاتَ من يدِ المؤاخذةِ خلاصٌ]. وأما السلطنة والملك، فقد قال ابن سعيد عن السلطنة: إنَّ الاصطلاح أنْ لا تطلق هذه السمة إِلاَّ على مَنْ يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك، فيملك مثل الشام، أو مثل مصر أو مثل إفريقية أو مثل الأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها، فإِنْ زاد بلادًا أو عددًا في الجيش كان أعظم في السلطنة، وجاز أنْ يطلق عليه السلطان الأعظم؛ فإِنْ خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة، ومثل خراسان وعراق العجم وفارس، ومثل إفريقية والغرب الأوسط والأندلس، كان سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية. وقال: وإِذا قايسنا بين سلاطين المشرق وسلاطين المغرب، كان الفضل للشرق. قلتُ: وهذا القول، وإِنْ أنصف فيه ابن سعيد، فإِنَّه ما وفي الشرق حقَّه ولا أوصل إِليه مستحقه؛ لأنه لا نسبة لأوضاع السلطنة في المغرب بالنسبة إِلى السلطنة في المشرق، وأين وأين، وبعد بين الأرض والسماء، والدرّ والحصباء، وإِنْ كنا لا نغمط الغرب حقه، ولا نجحد له فضله، وها قد نُقلت عن الثقات من أهل كل قطر ما هو عليه، والمنصف لا يلج في الباطل، ولا يجنح إِلى النزاع. وأما الخلافة فأي خلافة طاولت بني العباس، وقد عمّت غالب الأرض دعوتهم، والسلطنة الشرقية عجمية الأوضاع، والسلطنة الغربية عربية الاتضاع، وفي التواريخ والسير النبأ الصادق. وهل أحد من سلاطين المغرب يماثل السلطان محمود بن سبكتكين في عظمة سلطانه، واتساع بلاده ومهابة أوضاعه؟! ومَن شكَّ فليسأل أبا نصر العتبي في تاريخه اليميني الموضوع باسم هذا السلطان مما تقشعر الأرض وترجف به الآفاق. ولقد حكى الصابي عن بعض الرسل؛ قال: دعينا إِلى باب مسعود - يعني ابن محمود بن سبكتكين - بغزنة فشاهدنا بالباب أصناف العساكر وملوك جرجان وطبرستان

стр. 1373

وخراسان والهند والترك، وقد أُقيمت الفيلةُ عليها الأَسِرَّةُ والعِمَّارِيَّات المُلَبَّسةُ بالذهب، مرصعة بأنواع الجواهر؛ وإذا بأربعة آلاف غلام مردٍ وقوفٍ سَماطين، وفي أوساطهم مناطق الذهب، وبأيديهم أعمدة الذهب، ومسعود جالس على سريرٍ من الذهب لم يوضع على الأرض مثله، وعليه الفرش الفاخرة، وعلى رأسه تاج مرصع بالجواهر واليواقيت، وقد أحاط به الغلمان الخواص بأكمل زينة، ثم قام مسعود إلى سماط من فضة عليه خمسون خوانًا من الذهب، على كل خوان خمسة أطباق من ذهب فيها أنواع من الأشربة، فسقاهم الغلمان، ثم قام مسعود إلى مجلس عظيم الأقطار فيه ألف دست من الذهب وأطباق كبارٍ خُسْروانية فيها الكيزان، وعلى كل طبق زرافة ذهب، وأطباق ذهب فيها المسك والعنبر والكافور وأشجار الذهب مرصعة بالجواهر واليواقيت، وشموع من ذهب في رأس كل شمعة قطعة من الياقوت الأحمر تلمع لمعان النار، وأشجار العود قائمة بين ذلك، وفي آخر المجلس رحى من ذهب تطحن المسك والكافور والعنبر، وفي جوانب المجلس بحيرة في جوانبها من الجواهر والعنبر والفصوص واللؤلؤ شيء يقصر الوصف عنها. وذكر أشياء تحيّر الأسماء والأسماع، ثم قال: فما بقين ولا بقوا. أو هل أحد مثل السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان وما ضمّ سلطانه من الأقطار وحواه مما تشتمل عليه بردة الليل والنهار، فلقد ملك من الصين إلى آخر الشام، وهو مسيرة نصف يوم للشمس أو أزيد، وخطب له على منابر هذه الممالك من خان بالِق إلى غزّة، وفتح له الحجاز واليمن، ومات وهو يخطب له باليمن، ولا يعلم بموته؛ لبعد الديار وتنائي البلاد. وحدثني شيخنا العلامة فريد الدهر نخبة الآفاق أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصبهاني - أطال الله مدته - وقد ذكر حسن تدبير الوزير نظام الملك وزير هذا السلطان: أنّ السلطان ملكشاه كان في بعض صيوده بخان بالِق في الصين وأنعم على بَيازِرتَه، وهم البَزازِرة بمال فأحالهم نظام الملك الوزير على أنطاكية من الشام فشكوا إلى السلطان، فلام نظام الملك على البعد العظيم عنهم، فقال له: يا سلطان العالم أنا قصدت هذا حتى يقال: إنك كنت بالصين ومراسمك نافذة بالشام. وهذه بارقة تدلّ على ما بعدها وعنوان ينطق بما في المضمون (١). أو هل يوجد مثل السلطان علاء الدين خوارزم شاه، أو ولده السلطان جلال الدين محمد؟، وكانت جريدة كل واحد منهما ستمائة ألف فارس يجري عليهم.

стр. 1374

ديوانه، ويفترض لهم إحسانه سوى من ينضم إليهم، وينتظم من أجناس الأمم فيهم، وما بالعهد من قدم، ولا بآثارها خفاء؛ ولقد كانا على الإسلام السور المنيع، والحجاب المسبل. وقد حكى لي الملك الكامل محمد بن السعيد عبد الملك (١): أن السلطان الملك العادل أبا بكر بن أيوب ﵀ كان يقوم بالليل فيتوضأ ويصلي ويدعو الله، ويقول في دعائه: اللهم انصر عبدك محمدًا، وأيده وظفره بأعدائه ومكن سيوفه من أعناقهم ومقاتلهم، وما هذا معناه؛ فلما تكرّر هذا منه، قالت له أم ولده الصالح إسماعيل: مسكين إسماعيل - عن ابنها - فقال لها: كيف؟ فقالت: لأنك ما تدعو إلا لولدك الكبير. تعتقد أنه يدعو للملك الكامل أبي المعالي محمد، فقال: ما أقلَّ عقلكِ، أبالله في ظَنِّكِ أنني أدعو لابني محمد، فقالت: نعم وإلا فَلِمَنْ؟! فقال: لا والله، لا والله أنا ما أدعو إلا للسلطان جلال الدين محمد خوارزم شاه؛ فإنه السد بيننا وبين التتار، وهو الستر الجميل على الإسلام، فوالله ما بيننا وبين رواج البلاد من أيدينا إلا أن ينكسر، وإلا فما دام قائمًا نحن بخير، نحن بخير يكررها، فلهذا أدعو له آناء الليل والنهار. قلت: ولقد صدق الملك العادل ﵀ في قوله، فهكذا كان وما زال حمى الخلافة مصونًا والبلاد محمية الأطراف متماسكة القوى حتى مات السلطان علاء الدين تكش، ثم ابنه السلطان جلال الدين محمد - رحمهما الله - فمالت التتار على الآفاق وطمى سيلهم على الأرض فانتهكت حرمة الإسلام، وأخذت دار السلام، وانهرت أوداج الأرض بالدماء، وسبّيت الكرائم، وترامت الهاشميات إلى دجلة، وقتل الخليفة وتشوهت الخليقة، وماج الثقلان، وكان ما كان. فرحم الله الملوك الخوارزمية، لقد جاهدوا في الله حق جهاده، وقاوموا التتار مدة سنين إلى أن علا السيل الرُّبى، وبلغ الحزام الظبيين، ولو شاء ربُّكَ ما فعلوه؛ فهل في الغرب من بلغ سلطانه هذا المبلغ، وعظم في الملك شأنه إلى هذا الحد؟، وهل فاض الملك من الشرق على الغرب؟، أم من الغرب على الشرق؟ قُلْ وانصِفْ أيها المسؤول، ولا تقل عن المستنصر الفاطمي لما خطب له ببغداد؛ فتلك سِتة وظلمة كان سببها أرسلان البساسيري؛ لعداوة ابن رئيس الرؤساء، ثم عاد الحق إلى أهله بيد بني سلجوق، وقام القائم في مقامه، وقال المعاند في حر انتقامه، ولم تكن تلك العارضة إلا شبيهة بقضية

стр. 1375

سليمان ﵇ إذ ألقي الجسد على كرسيه. وقد قال ابن سعيد: إن السلطان من بلغ جيشه عشرة آلاف، فأين هو ممن بلغ ستمائة ألف؟، ولكنه تكلَّم على أعظم ما عنده مما رآه في بلاده، ولو تخطَّى خطى إلى المشرق، لما قال هذا المقال، ولا ضرب عن ضرب مثل هذا المثال. ومن الشرق الأنوار تفيض، وفي الغرب تفيض فالشمس لا تصل إلى الغرب إلا وقد ضعف فعلها، وقلَّ تأثيرها، فلا يقابلها أهل المغرب إلا منكبة على أفقها، مولية هرمة، وشتان ما بين الحالين، على أدبارها؛ فهي في الشرق فتية، وهي في الغرب هرمة، وشتان ما بين الحالين، وبون كثير بين الجانبين؛ فلهذا لا يقاس أهل الغرب بأهل الشرق في حسن الصور، وبهجة المرأى، ويكفيك النظر إلى الوجوه والشمائل. وحسبنا حكاية حكاها ابن سعيد في المغرب، قال: إن تاجرًا من أغنياء العجم سمع بسلطنة بني عبد المؤمن، فانتخب بالمشرق ظرفًا تليق أن تُهدى إلى الملوك، وكتب الله سلامته حتى وصل إلى مراكش، وبها حينئذ العادل ابن المنصور، وهو يُخطب له بالخلافة، فقدّم له تلك الهدايا، وفي جملتها مملوك تركي زعم أن قيمته عليه عشرون ألف درهم مغربية، فلم يقبله العادل، ولا وجد من يبتاعه منه، وصار إذا مشى به تعجب الناس من زيه، وذهلوا في صورته التي لم يعتادوها؛ فبلغ ذلك قاضي القضاة، وكان صاحب ناموس مغربي، فأمره أن يغير زيه بالزي المغربي، فقال ابن حوط كاتب العادل فيه: [من الخفيف] بِأَبِي شَادِنٌ مَنِ التُّرْكِ أَبْدَى … زِيَّهُ زَهْرَةً حَوَتْهَا كَمَامَةْ مَيَّزُوا رِدْفَهُ فَأَبْدَوْا جِبَالًا … حِينَ سَارَتْ فَقَامَتْ عَلَيْنَا الْقِيَامَةْ فلما لبس الزي المغربي، قال أبو الربيع الداني: [من البسيط] يَا حَاكِمَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ … وَبَيْنَ جَائِرٍ حَكَمَ أَنْتَ مَظْهَرُهُ غَيَّرْتَ زِيًّا لِظَبْيٍ التُّرْكِ ذَا بِدَعٍ … يَسْبِي نَوَاظِرَ أَهْلِ اللُّطْفِ مَنْظَرُهُ قَدْ كَانَ مَيَّزَ مِنْهُ كُلَّ جَارِحَةٍ … بِشَكْلِهِ يَقْرَأُ التَّفْسِيرَ مُبْصِرُهُ حَجَبْتَهُ عَنْ أَعْيُنِ الْعُشَّاقِ إِنْ قَدَرَتْ … قَسَاوَةٌ مِنْكَ دُونَ النَّاسِ تَهْجُرُهُ وفيه قيلت هذه الأبيات مرادفة: [من مجزوء الخفيف] فِتْنَةُ التُّرْكِ قَدْ أَتَتْ … مِنْ بِلادِ الْمَشَارِقِ أَيُّ شَخْصٍ بَدَالَهُ … دِينَهُ لَمْ يُفَارِقْ إِنْ أَحْداقَنَا بِهِ … أَبَدًا فِي حَدَائِقِ

стр. 1376

لَمْ نُطِقْ عَنْهُ سُلْوَةً … مُذْ بَدَا فِي الْمَنَاطِقِ فها أنتم أهل المغرب رأيتم واحدا من أهل المشرق بزيه فتنتكم حسنه حتى خاف قاضيكم المشفق عليكم الفتنة بحسنه وبحسن زيه، وقال فيه شعراؤكم ما قالوا حتى عرض أحدهم بمفارقة الدين في هواه، وما ترك خليفتهم، والله أعلم، قبوله بخلًا بالعوض عنه، ولكن خوف الفتنة به لإبداع حسنه في رأي عيون أهل المغرب؛ إذ لا نظير له عندهم فيقع في ظنونهم أن مثل هذا لا صبر لأحد عنه؛ ولعلَّ هذا المملوك ما كان أحد نفسه، ولا واحد جنسه، وهل هو إلا واحدٌ من أهل بلادٍ لا ينظر إليه فيها بعين الاستحسان، ولا يفرّق فيها بينه وبين غيره من الغلمان؟ هذا وقد قال قائلكم واحتفل: إِنَّ قيمة ذاك المملوك على زعم تاجره عشرون ألف درهم مغربية، ولعمرك لقد كثر غير كثير، وعظُم غير عظيم، هل الدراهم المغربية إلا كالدراهم السود؛ كل ثلاثة بدرهم نقرة من نقد مصر. وكان الترك في ذلك الوقت أغلى قيمة من وقتنا هذا بأضعاف مضاعفة؛ ولعلَّه لو كان بمصر اليوم لما ساوى أكثر من ألفي درهم، وكم في اسطبلات آحاد الأمراء مملوك بألفين وفوق الألفين، بل فيها من ثمنه عشرة آلاف درهم وما يزيد وينقص؛ فكيف لو رأيتم اليوم المماليك بمصر؟! وفيهم مع كثرة الجلب ورخص القيمة من بلغ ثمنه ثمانين ألف درهم عنها من دراهمكم مائتا ألف وأربعون ألف، لكنتم ترون ما تحار فيه عقولكم، ويُعشِي لمعانه أبصاركم، وأحسن ما فعله قاضيكم في تغيير زي هذا المملوك المشرقي بالزي المغربي لو كان غير زيكم المغربي بالزي المشرقي، فبدل القبيح بالحسن، ولا يعترض قائل: [من الرمل] حُسْنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ (١) وكل أحدٍ يقول: إِنَّ زيَّه هو الحسن؛ فجوابه: أنه لو لم يكن في زي ذلك المملوك معنى يزيد في الحسن، لما أمر قاضيكم بتغييره. خوفَ الفتنة عليكم، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في حلق رأس نصر بن حجاج، لما سمع الهاتفَة باسمه وهي تقول: [من الخفيف] هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إِلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا … أَمْ هَلْ سَبِيلٌ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ

стр. 1377

ولقد أجاد قاضيكم لكم الاختيار، إذ لم يأمركم بتغيير زيكم بمثل زي الرشا الأغن الأغيد، فإنكم لو لبستم ذلك الزي، لم يناسب معاطفكم الرشاق، وخصوركم الدقاق، ولكنه ﵀ أحسن لكم النظر، ولم يخطئ لكم في الاختيار. ثم نرجع إلى ما كنا فيه فنقول: وبالشرق ما لا يماثله في الغرب من: الحيوان، والنبات، والمعادن. فأما الحيوان، فأشرفه الإنسان، وقد بينا فضل أهل المشرق منهم على أهل المغرب بمواهب الله من النبوة والولاية والخلافة والعلوم على أنواعها، والصور الجميلة على إطلاقها. فأما ما عدا الإنسان، فللشرق أيضًا في أكثره، بل كله التفضيل من الخيل العراب بالحجاز، ونجد، والبحرين، وبلاد الفرات، والشام، وأطراف الجزيرة، وبرازين الروم، وكيلان، وبغال الروم، وأرمينية، والعواصم والشام، والجمال البغراوات البساريك، والبخت ذوات السنامين، وذوات السنم، والعباديات، وجمال بغداد وحلب ومهاري بلاد مهرة، وعمان والبحرين، وأطراف العراق والشام، والأغنام التركية ذوات اللوايا المستديرة، بخلاف أغنام المغرب اللواتي كأنها المعز لا لَوَايَا لها، وغير ذلك من الحيوانات التي لا يفتخر شيء من الملابس على جلودها، كالسُّمُورِ، والقندس، والقاقم، والوَشَق، والسنجاب، والبرباطسي والجلد الواحد من هذا الحيوان يقسم على أنواع كلها حسن جميل، وغزال المسك، ودابة العنبر، وقط الزباد، وحيوان اللؤلؤ، ودود الحرير، ووحش الخرّوت، والسرطان البحري المجلوب من الصين. وأما المعادن فكثرة في الأرض. والذهب موجود في أماكن كثيرة بالجنوب، فبالشرق بالهند وبالدامغان، وبالغرب في غانة وبلاد السودان، وكذلك معادن الفضة في مواضع، وحظُّ الشمال وافر منه، على أن المحيط يقذف منه ذهبًا في بعض الأقطار الشمالية على ما قدمنا ذكره. فأما الجوهر، فللشرق معظمه، وأثمنه وأعظمه وأحسنه من البهرمان، واليواقيت على اختلاف أنواعها، والماس، واللعل المسمى بالبلخش، والفيروزج، وما يندرج في ذلك من الأحجار. ومن ممتهنات الأحجار: اليشم واليصم، ولو أنصفا لألحقا بالجواهر، والفولاذ، والرصاص القلعي؛ ومن منابت الشرق العود الهندي، واليلنجوج، والصندل، والكافور، والراوند التركي، والجوزبوا، والبسباسة، والكبابة، واللبان

стр. 1378

الذي يزيد على الجاوي، والسنبل والقرنفل، والفوفل، والفلفل، وأنواع الطيب والأفاوية، والعقاقير النافعة، والمفردات التي لا تكاد تعدّ فهل في الغرب ما يضاهي هذه المحاسن على أنني سأورد في ذكر كل جانب ما فيه، فإذا تأمّله الناظر بعينه، وتدبره بفهمه، علم أني لم أعدل عن الإنصاف، ولا قلتُ بالجزاف، وأي حاجة بنا إلى هذا؟ نعوذ بالله من الجور في الحكم، والميل مع كفة الظلم. وقد قلنا ما بجنوب المغرب من معادن الذهب، وفي بر العدوة، ومعادن الفضة؛ ولكنه لا يعود لها عائد نفع؛ لكثرة ما يخرج على ما يتحصل منها مثل معدن الذهب بالدامغان، وما بين مصر، وما يليها من بلاد السودان معدن الزمرد، والزبرجد، وبالهند معدن زمرد، وزبرجد؛ وهو الزمرد الذي يسمى المكي، والذي بجهة مصر أفضل. وإن صح أن مصر من بلاد المغرب، فهذا مما لا يجحد من فضائلها؛ لعظيم نفع الزمرد، خصوصًا الذبابي منه وما نصّت عليه الأطباء؛ ولكنه وإن عظم نفعًا، وغلا قيمة، فإنه لا يبلغ أكثر من قيمة البَلخش، أو بعض أنواع اليواقيت، والذبابي ولو غلا ما غلا، وعلا ما علا، لا يبلغ قيمة البهرمان، ولا يدانيه في علو الأثمان. فإن قال بعض المغاربة: فلم لا ذكرت مع هذه المسميات ما عندنا من البلور والمرجان؟ قلنا له: صحيح، ولكن انظر إلى تفاوت الأثمان، فإن تشبّع بما ليس له، وقال: فأين أنت من الزمرد الذبابي؟ قلنا له: فأين أنت من الياقوت البهرمان؟ وهل يضرب إلّا به المثل، وتنشّق إلّا عليه مرارة الزمرد، ويحمّر خَدّ البَلخش من الخجل؟ ومع ثبوت هذه المحاسن للشرق فما نسلب المغرب حقه، ولا ننقصه حقه، ولا ندّعي ما ليس له بالمغرب في وقتنا مَلَكَ صُبَّ على عبّاد الصليب، يدرأ في نحور الأعداء، ويجاهد في سبيل الله من جاوره منهم برًا وبحرًا. والغرب هو أحد جناحي الأرض، وبه من كرائم الخيل، والمعادن، ويقذف بحره العنبر، ويجيء منه الشكرلاط المنوع الذي لا يوجد في غير جزائر القطر العربي، والمصطكًا، والزعفران المنقول إلى الآفاق، وبه الدهنج الأفرنتي، وأين هو؟. ومتى يوجد؟ وبه أنواع من العقاقير النافعة، والكتّان المعدوم المثل إن صح أن مصر في القسم الغربي، على أن الهند والصين ومواضع من فارس بها الزعفران، وبأودية سرنديب البلور. وقد وردت من الآيات والأخبار النبوية في فضل المغرب وجنده ما جاء مثله أو أزيد في مواضع بالشرق، كمكة، والمدينة، والقدس، والشام، واليمن. وسنورد في كل موضع ما يليق به، ونذكر في خصائص كل أرض ما بها، ولا

стр. 1379

تنكر أن بالمغرب سادة أجلاء، وأئمة فضلاء من ذوي العلم والحكمة، وأجادوا في النحو والأدب، ومنهم الصلحاء الأفراد، وفيهم بقايا المسكة في الدين، والتشدد في الحق، ولقد كان للأندلس بأهله حلية كأنما شعشعها الأصيل بذهبه، أو حلاها الأفق بدرره، أو حباها النهار بشمسه، وحيّاها الليل بقمره زمان بني أمية بقرطبة، وملوك الطوائف بعدهم، وأكثر ما أعني بني عباد بإشبيلية، فلقد كان الأدب بهم غضًا جديدًا، والإحسان طارفًا تليدًا؛ فشتت الدهر جمعهم، وطمس آثارهم، وبدَّلهم بعبّاد الصليب والكنائس بالمساجد، والمذابح بالمحاريب. والله يُؤَيِّدُ مَنْ يقوم لاسترجاع هذه الضالة، وانتزاع هذه الأخذة، إنه على ما يشاء قدير. وأما برُّ العدوة الآن، فهو على ما تقدم تفصيل حاله في موضعه من اتساع الرقعة، وعظم السلطان، وكثرة العساكر والجيوش من شجعان الرجال المعدود كل واحد منهم برجال ممن لا يقضُّ بهم للغرب جناح، ولا يقصر طماح، وإن لم يكن كالشرق في اليسار، ولا هو من الطائر قادمته اليمين فهو قادمته اليسار. وفيما ذكرنا. كفاية. * * * الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق والذي نقوله على سبيل التحقيق: إنَّ الذي صُوِّرَ في لوح الرسم على ما رسمه صاحب جغرافيا هو قسمة المعمور على قسمين: - شرقي وغربي، يلاقي فيه خطان وهميان في الطول والعرض على زوايا قائمة، وهما: - خطأ الأطوال والعروض، سموا ملتقى الخطين حيث انفرق المعمور على قسمين بقبة أرين؛ وهو وسط نقطة خط الاستواء الخارجة عنه الأقاليم إلى الشمال، والمقدران بإقليمين إلى جهة الجنوب، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في مواضع في هذا الكتاب. فلما انقسمت المعمورة بقسمين وقع في الغربي منها أشرف البقاع؛ مكة، والمدينة، والقدس، والطور، ومصر، وطور سيناء. والمواضع المذكورة بصريح الاسم في القرآن، والمدائن المذكورة في الحديث المشهور على قائله أفضل الصلاة والسلام. وأجل الأقاليم الغربية كفارس، والعراق، والشام، وجزيرة العرب.

стр. 1380

ولم يبقَ للمشرق بقية يُباهي بها المغرب. على أنَّ الأمر ليس كذلك، - والله أعلم - فإنَّ كلًا من الشرق والغرب من حيث هو أمر نسبي؛ ألا ترى أنَّ أهل إفريقية يعدّون بر العدوة غربًا وبرقة شرقًا؟ وأهل برقة يعدُّون إفريقية ومصر شرقًا؟ وأهل مصر يعدُّون برقة غربًا وأهل الشام شرقًا؟ وأهل الشام يعدُّون مصر غربًا والعراق شرقًا؟ وهلمّ جرا - إلى نهاية المشرق. فيتبيّن حينئذٍ أن قول الشرق والغرب أمر نسبي؛ وإذا تبيَّن هذا وقد تقرَّر أن العالم كُرِيٌّ، وأنه لا يمتنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الناحية الأخرى مسكونًا، صار مشرق هذا العالم مغربًا لتلك الجهة، ومغربه مشرقًا، فكيف يجوز الإطلاق، ولم يبقَ إلا المصطلح العُرفي؟ والمغاربة على هذا المصطلح، أعني سكان الجانب الغربي عن مصر غاية ما سمت همتهم إليه، وتعلقت أيديهم بنسبته إلى قطرهم هو إقليم مصر. ألا ترى ما قدمناه في الفصل الذي قبل هذا من قول ابن سعيد: إن مصر أول المغرب، والشام أول المشرق؛ وكذلك مما قال في هذا المعنى غير ذلك. وابن سعيد هو واحد فضائلهم في هذا الشأن؛ وقد تعصَّب لأفقه غاية التعصُّب، ووضع في ذلك كتابه المسمى بـ «المغرب في حُلى المغرب» ومع هذا فما زاد على ما ذكرنا على أنه لم يألُ جهدًا، ولا ترك قدرة في المقال؛ ولو وجد حجة لأتى بها، أو شبهة لاستند إليها. وقال ابن سعيد في كتاب «المشرق في حُلى المشرق» جملة الحدّ في كتبهم: أنَّ الله قسم المشرق من المغرب بالبحار فما كان في شرقي بحر الإسكندرية، وخليج القسطنطينية، فهو من حساب المشرق، وما كان في غربي ذلك فهو من حساب المغرب. قال البيهقي: فيكون المشرق على هذا أطول من المغرب؛ لأنَّ جملة المعمور اثنا عشر ألف ميل، وطول بحر الإسكندرية إلى وقوفه بسواحل الشام حيث أول المشرق أربعة آلاف ميل، فيبقى للمشرق ثمانية آلاف ميل. ويعضد ذلك الحساب بالدرج في الطول؛ وذلك أنَّ العمارة تنتهي في الطول إلى مائة وثمانين درجة، فنحتاج أن يكون النصف حين ينتهي إلى تسعين درجة؛ وذلك في خراسان حيث مرو وجهاتها. ووجدنا بساحل البحر الشامي حيث عسقلان ينتهي في الطول إلى خمس

стр. 1381

وستين درجة؛ فهو قدر الثلث، والمشرق الثلثان. والمغرب - مع ذلك - أعمرُ من المشرق؛ وذلك أنَّ الله تعالى قرن عمارة الأرض بقربها من البحار، وأنَّ البحر إذا بُعِدَ من الأرض أكثر من خمسة عشر يومًا بطلت عمارتها. والمشرق قد جعل الله في مواضع الحرارة منه - حيث قلة السكنى في الإقليمين الأول والثاني - بحار الهند ما لصين والزنج التي خُصَّت بكثرة الجزر العامرة، وما يقابل هذا المكان من المغرب صحارٍ مُقْفرة إلا خيط النيل المغربي بما على ضفتيه من بلاد السودان. والإقليم الرابع الذي هو معظم العمارة والاعتدال استولى على أكثره بحر الزقاق؛ وهو في المشرق بضد ذلك من اشتباك العمارة المتصلة. والمناظرة بين المشرق والمغرب تحتمل كتابًا، وقد صنّفته بالشام لضرورة دعت إلى ذلك من شدّة اتحاد المشارقة على المغاربة من كلّ جهة حتى قال ابن دحية في خطبة كتابه «في أخبار المغرب» يخاطبهم (١): [من الطويل] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي العَدِّ أَكْثَرَ مَفْخَرًا … فَلَا تَظْلِمُونَا فِي القَلِيلِ الَّذِي لَنَا وسَميت الكتاب الذي وضعته في ذلك «الشهب الثاقبة في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة». والذي يسع هذا المكان أن نذكر ما استدلَّ به المشارقة واستظهروا. قال البيهقي: للمشرق الفخر بتقدمهم في القرآن والحديث، وفي الحديث النبوي: "خيرُ الأرض مشارقها". قال: وهي مطلع الأنوار، وإليها كانت قبلة الأوائل، وأتى للمغرب بمفاخرة المشرق؟ وعندنا ظهرت مباعث النبوة، وفينا نبتت شجرة الأبوة، ومنّا نشأت الدول والملل، ومن أفقنا طلع العلم والعمل؛ وكل شيء يُفْخَرُ به، فإنَّ المشرق فيه للمغرب رأس، وكلُّ ما أحكم عندكم بنيانه وإتقانه، فمنا كان فيه الأساس. وفاخر مُشرقيٌّ مغربيًا، فقال بينهما الكلام إلى أن قال المشرقي: لو لم يكن لنا عليكم من الفضل إلا أنَّ الشمس التي بها إنارة العالم وحياتهم تطلع من عندنا، فقال المغربي: ونحن أيضًا تطلع من عندنا في وقت، فقال المشرقي: الله لا يرينا ذلك الوقت.

стр. 1382

قال: وأنشدني العماد السلماسي لنفسه: [بحر المتقارب] إِذَا ذُكِرَ الْمَغْرِبُ فِي مَحْفَلٍ … فَلَا يَذْكُرَنَّ بِهِ الْمَشْرِقُ طُلُوعُ الْغَزَالَةِ فِي أُفْقِنَا … وَفِي أُفْقِكُمْ أَبَدًا تَغْرُبُ وَتُشْرِقُ أَنْوَارُهَا عِنْدَنَا … وَعِنْدَكُمُ نُورُهَا يُسْلَبُ ثم قال ابن سعيد - ما صورته: فصل جامع مختصر يليق بهذا المكان -: أمعنتُ النظر فيما دخلته من بلاد المغرب والمشرق من البحر المحيط إلى خراسان، فرأيت المحاسن مقسّمة لم يقصرها الله على مكان ولا إنسان، لكن الأغلب على البلاد المشرقية التظاهر بالمروءات، والتكاثر بالمزارات والمشاهد، والمدارس، والرُبط، والأوقاف الدارة التي تعيش بها الفقراء، وتستعين بها العلماء والمتعلمون، ويجدها الملوك في بعض الأوقات الضرورية؛ ولكن أسباب الرئاسة والرفاهية جبارية الإمكان، غالية الأثمان، ومرافق المغرب في المركوب والملبوس والمأكول والمشروب أرخص وأقرب مرامًا، ويمكن المرء أن يتجزأ في المغرب بما لا يمكنه أن يتجزأ بأضعافه في المشرق؛ لكثرة تجبّرهم في العظمة الكسروية، والنعم التي لا تطمع إليها نفوس المغاربة، ولا يألفها في المغرب والمشارقة لهم التظاهر بأمور الرفاهية في مركبهم ومجالسهم، فإذا دخلت منازلهم، تعجبت من تفاوت بواطنهم عن ظواهرهم، بضد المغاربة. والأغلب على المشارقة التغاضي، وترك الحقد، وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من المسامحة في القول، والإخلاف للوعد، وقلة المبالاة والارتباط، ونبذ الحقوق، ومراعاة الآداب الإنسانية ما يقطع النفس حسرات. ولهم من القيام والبشاشة في السلام ما يطول ذكره إلا أهل بغداد. وقال في المغرب (١): " يا لله لأهل المشرق قولة غاص بها شرق هلًا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، ولم يخرجهم الازدراء بالمكان عن حدّ الإمكان؟ لئن أرهقت بصائرهم البصرة، وأرَّقها الرقتان، ومرجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، فإن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، وينشد ما قاله بعض شعرائنا في هذا الشأن: [من الطويل] فَزَادَ لِفَضْلٍ أَنْ يَكُونَ لَدَيْكُمُ … فَمَا بِالْكُمُ تَأْبُوْنَ إِنْ كَانَ عِنْدَنَا وَإِنْ كُنْتُمْ فِي الْعَدِّ أَكْثَرَ مَفْخَرًا … فَلَا تَظْلِمُوْنَا فِي الْقَلِيْلِ الَّذِي لَنَا قلت: والذي قاله ابن سعيد منقوض عليه في أكثره؛ أما قوله: - إن المحاسن مقسّمة لم يقصرها الله على مكان ولا إنسان لكن الأغلب على البلاد المشرقية التكاثر

стр. 1383

بالمزارات والمشاهد - إلى غير ذلك مما ذكره - فصحيح، وإنما الكثير الغالب قسم الشرق في المحاسن، ومن نظر بعين التحقيق إلى الحيوان والنبات والمعادن، وعد ورجح الأكثر علم أنّ حظّ الشرق أوفر. وأما قول ابن سعيد: إنّ أسباب الرياسة والرفاهية في المشرق جَبَارِيَّةً غالية، ومرافق المغرب أرخص وأقرب مرامًا، فحسبنا منه هذا القول؛ فإنّ المعالي غير رخيصة، ولا يخفى على ذي عقل سليم وفكر صحيح، أنّ المدح الصريح للشرق فيما ذكره ابن سعيد. وقد كفانا الرجل بقوله هم البحث معه ومناقضته فإنه فرق بين من يلبس الحرير، والسمور، والفنك، ويركب جياد الخيل، ويقتني الغلمان الأتراك، ويأكل لحم الضأن، والدجاج، والأوز، والحَلْوَاء، ويتخذ الطهاة لأنواع المآكل [ويفخر بعضهم على بعض بكثرة الإنفاق، ولا يقنع في شيء بالقليل، وبين من يقضي أوقاته بضد ذلك. ويدخن بالعنبر واليلنجوج، ويتطيب بالمسك، ويدّهن بالغالِية. جل ملابسه الصوف والقطن، وأطيب ما كله العجين، والزيت، والسمن، وأكثر ما يفتخر الرجل منهم إذا كانت له فرس واحدة أو اقتنى عبدًا زنجيًا أو علجًا فرنجيًا، فإن دخن كان باللادن، وإن تطيب كان بالغسول، وأدهن كان بالزيت، لا يتنافسون في فخار، ولا يحصلون من دنياهم على طائل]. ويفتخر بعضهم على بعض بكثرة الإنفاق، ولا يقنع في شيء بالقليل، وبين من يقضي أوقاته بضد ذلك جل ملابسه. وأما قوله: والمشارقة لهم التظاهر بأمور الرفاهية في مراكبهم ومجالسهم فإذا دخلت منازلهم تعجبت من تفاوت بواطنهم عن ظواهرهم بضد المغاربة فهذا كلام باطل منقوض؛ فإن المشارقة لهم في بيوتهم من الفرش الغالية، والخدم والقيان والمطربات، وغير ذلك من أنواع الرفاهية ما لا هو لأهل المغرب، بل ولا تسمح نفوس ملوكهم في هذا بما تسمح به نفوس آحاد من أنعم الله عليه من المشارقة من السوقة وعوام الناس. ولعل خرج توظيف الوظائف، وترتيب طبقات الخدم إلا من المشرق كالطشتخاناة، والفراش خاناة، والشراب خاناة، وسوى ذلك، فهل للمغاربة هذا التوظيف في باطن أمر أو ظاهره؟ ويا ليت شعري هل صنف كتاب الأغاني في بواطن أحوال المشارقة أو المغاربة، وكله بل غالبه وصف أحوال المشارقة في مجالس أنسهم، وأوقات خلواتهم بالمطربين والمطربات والجواري الحسان المثمنات، وتفريق الجوائز والصلات؛ فهل للمغاربة شيء من ذلك؟ وإن كان لبعض ملوكهم تَلَذُّذ فلعله لا يبلغ ما لبعض سوقة المشارقة.

стр. 1384

وأما قوله: الأغلب على المشارقة التغاضي، وترك الحقد، وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من المسامحة في القول، والإخلاف للوعد وقلة المبالاة والارتباط ونبذ الحقوق، ومراعاة الآداب الإنسانية ما يقطع النفس حسرات، فأول هذا القول صحيح لا شك فيه، إنَّ عندهم التغاضي وترك الحقد وقلة المؤاخذة، وهذا دليل على رزانة حلومهم، وكرم شيمهم، ومؤاخذة الآباء للأبناء بحسن التخلّق بأخلاق الكرماء، والتأدب بآداب الآباء والعظماء حتى صار هذا طبعًا لهم يتوارثه منهم خلف عن سلف. وأما آخر هذا الكلام، فهو غير مُسلّم، والدليل عليه سير الخلفاء والملوك في الأفقين. وما يعجبني من حسن وفاء المغاربة إلا ما فعله يوسف بن تاشفين - ملك المغرب وبر العدوة - مع بني عبّاد ملوك الأندلس؛ فإنهم أدخلوه إلى بلادهم وبذلوا له الطاعة وقدموا له نفائس الأموال وأخدموه البنين والبنات، فكافأهم بانتزاع الملك، وأخذ ابن عباد وأهله الأخذة الرابية، وقيده بالحديد، وغلّه وسلسله وحمله هو وأهله في الفلك إلى أن سجنه بأغمات، ورمى أهله بالتفرق والشتات، ولم يجر عليه وهو في حبسه ولا رغيفًا واحدًا من الخبز، حتى كنَّ بناته يغزلن للناس بالأجرة، ويطعمن آباءهم. ودخل إليه بعض بناته في يوم مطير ذا لثق ووحل، وهي حافية القدم؛ لعدم قدرتها على مشتري حذاء فبكى على حاله، وقال في ذلك الأشعار المشهورة، والأقوال المذكورة، وأدى حال بعض بنيه - بعد الملك الضخم - إلى أن صار أجير صانع يعمل بالأجرة. ولابن اللبانة شاعره في وصف حاله، وحال أولاده ما يبكي السامع، ويحزن الفرح المسرور؛ فهذا من وفاء المغاربة. وعليه فقس بقية الأمور. وأما قوله: ولهم من القيام والبشاشة في السلام ما يطول ذكره فصحيح، وهو مما تقدم القول فيه من مكارم الأخلاق وحسن التخلق مع الناس، وللناس الظاهر، ولله متولي السرائر، والله القائل: [من البسيط] لقد أطاعك مَنْ يُرضيك ظاهِرُهُ … وقَدْ أجلَّكَ مَنْ يُعصيكَ مُسْتَتِرَا وإن سُلِّم إلى ابن سعيد: أنَّ للمشارقة حسن الظاهر دون الباطن؛ فلقائل أن يقول: صدقت، للمشارقة حسن الظاهر دون الباطن، والمغاربة لا لهم ظاهر ولا باطن.

стр. 1385

وأما قوله: نحن بحيث ﴿مَرَجَ البَحرَينِ يَلتَقِيَانِ (١٩)﴾ (١)، ومنهما يخرج اللؤلؤ والمرجان (٢) فصحيح أن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، وإنما اللؤلؤ من البحر الهندي وما خرج منه. وأما البحر المغربي فليس فيه إلا المرجان ليس إلا فتأمل فرق ما بين الأثنين في اللون والكون والقيمة، وإنما تكثر ابن سعيد بما ليس له، ولو اقتصر على المرجان لسلمنا إليه؛ فإنه في بحر المغاربة وإلا من أين هو واللؤلؤ وهو من بحر المشارقة؟ والذي يظهر في معنى قوله تعالى ﴿مَرَجَ البَحرَينِ﴾ أنه عن الهندي والشامي، وحيث يلتقيان في المحيط لمخرجهما منه. وأما قول ابن سعيد: فإن كنتم في العدد أكثر مفخرا، البيت؛ فـ[هذا] إقرار صريح صحيح منه، وممن قاله للمشارقة. ثم قال: وللمشرق على المغرب الفخر في كتاب الله تعالى في قوله ﴿رَبُّ المَشرِقَينِ وَرَبُّ المَغرِبَينِ﴾ (٣)، وإن كانت الواو لا ترتب فلا يخفى ما في التقدم، لا سيما إذا تكرر في أماكن من الأعتناء، وقد تقدم مثل هذا. ثم قال: وأما الحديث فللمغرب الفخر على المشرق، وهو قوله ﷺ : «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» رواه ابن بشكوال مما خرجه مسلم في صحيحه (٤). وقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير (٥) عن عمرو بن الحمق الخزاعي عن النبي ﷺ أنه قال: «ستكون فتنة خير الناس فيها الجند المغربي». وعن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال عصابة من أمتي بالغرب يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يروا قوما قياما فيقولون: غشيتم، فيبعثون سرعان خيلهم، فينظرون ويرجعون إليهم، فيقولون: الجبال سيرت فيخرون سجدا، فتقبض أرواحهم». قال: وقال رسول الله ﷺ : «خير الأرض مغاربها»، وكان رسول الله ﷺ يتعوذ من فتنة المشرق. وقال ابن سعيد: حسب المغرب وأهله هذه الأحاديث التي لا يوجد مثلها في ذكر المشرق. وفي أماكن من المشرق وأماكن من المغرب ما هو مذكور في القرآن

стр. 1386

والحديث مثل: مكة، والمدينة، وبابل من الشرق، ومصر من الغرب، ومكة والمدينة والشام من الشرق، وذلك كثير. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع مدائن من الجنة: مكة، والمدينة، وبيت المقدس، ودمشق، وأربع مدائن من النار: رومية، وقسطنطينية، وأنطاكية، وصنعاء». وقد قال أدريس: يعني أنطاكية المحرقة. وقال أبو عبد الله السقطي: إن المراد صنعاء بأرض الروم، وليست التي باليمن. قال ابن سعيد: فخرج من هذا الحديث أن ليس بالمغرب مدينة من هذه المدن التي هي من أهل الجنة، كما أن لهم الفخر أيضا بأن أنهار الجنة على ما جاء في الحديث: الفرات، وسيحان، وجيحان، والنيل، وليس منها في المغرب إلا واحد وهو النيل. قلت: فانظر إلى ابن سعيد مع فرط نصبه للمغرب وأهله ما قدر أن يدعي أن من المغرب أشرف البقاع ولا مدن الجنة؛ فلما ذكر الأنهار الأربعة قال: وليس منها في المغرب إلا واحد وهو النيل، فما تجاوز مصر في الدعوى على كثرة ما نظر في لوح الرسم المصور، وطالع الكتب الموضوعة عليه والمقالات المتفرعة فيه، ولكنه ما تحلى بما ليس له كلابس ثوب زور، ولا ادعى دعوى يفضحه فيها الحق، وهذا منه غاية الإنصاف والإذعان للحق وأهله، ولو وجد سبيلا بحق إلى سوى هذا لقاله؛ فإذا لم يدع هذا للمغرب مغربي لا يدعيه له مشرقي. ثم قال ابن سعيد - نقلا عن البيهقي -: إن حد المغرب من الجهة التي ذكرها بطليموس في أن الله تعالى قسم الأرض نصفين: بحر جدة، وخليج القسطنطينية على أن يجعل الديار المصرية أول الغرب. وكل هذا يؤيد بعضه بعضا في إثبات الفخار للمشرق لاشتماله على أشرف البقاع ومدن الجنة، وأجل الأقاليم العرفية كالشام، والعراقين، وأذربيجان وخراسان إلى نهاية المشرق. وكلام ابن سعيد كله لمن تأمله إثبات لفضل المشرق وأهله على المغرب وأهله، وهو الحق الذي لا يمتري فيه. وقد قال الرئيس أبو علي بن سينا: «المدن المشرقية صحيحة جيدة الهواء، تطلع على سكانها الشمس في أول النهار، وتصفي هواءهم، ثم تنصرف عنهم وقد تصفى،

стр. 1387

وتهب عليهم رياح لطيفة ترسلها عليهم الشمس آخر النهار، ثم يتبعها طلوع الشمس في أول النهار الثاني، وحال خروج الشمس عنهم حال دخول الهواء إليهم، فهي صحيحة لذلك والمدن المغربية لا توافيها الشمس إلا حين تنكب، وكما يوافيها يأخذ في القصد عنها، لا في القرب إليها، فلا يلطف هواءها، ولا تخففه، بل تتركه رطبًا غليظًا، وإن أرسلت رياحًا إليهم، أرسلتها رديَّة، وأرسلتها ليلًا فيكون أحكامها أحكام البلاد الرطبة المزاج، الغليظة المعتدلة الحرارة، ولولا ما يعرض من كثافة الهواء، لكانت تشبه طباع الربيع، لكنها تقصر عن صحة هواء البلاد المشرقية قصورًا كبيرًا فلا يجب أن يلتفت إلى قول من قال: إنَّ قوَّة هذه البلاد قوَّة الربيع قولًا مطلقًا، بل إنها بالقياس إلى البلاد التي في الأغوار جيدة، ومن المعنى المذموم أن الشمس لا توافيهم إلا وهي مسئولية على تسخين الأقاليم لعلّوها فطلع عليهم لذلك دفعة بعد برد الليل، ولرطوبة أمزجة هوائهم تكون أصواتهم باحة وخصوصًا في الخريف، ويكثر في بلادهم النوازل» انتهى كلام ابن سينا. قد ذكرنا في الفصل المتقدم ما ذكره ابن سعيد من أن المشرق أتَمُّ وأعمر، وأنّ الجزائر بالبحر الهندي أعظم وأكبر، وبيّنا السبب في اتساع الشرق بما اقتطعه البحر الشامي من أجل الأقاليم المعمورة كالثالث، والرابع، والخامس، والواقع فيها معظم العمارة، ووقوع البحر بالشرق في جنوبه حيث لا مبالاة به من الأول والثاني، فتعطّل في المغرب المعمورة، ولم يتعطل في الشرق إلا العاطل بل زاد موقع البحر هناك بالشرق عمارة للشّرق حسبما قدمنا القول فيه؛ لأنه رطبٌ هواؤه، وأَنبَع ماءه، وزاده عمارة، وزانه نضارة، وأوجب به العمارة وراء خط الاستواء، وعمّر من الجزائر فيما هو داخل الإقليمين اللذين أخذ فيهما ما لو قيس بالمعمور فيهما بالمغرب لزاد عليه. فإن قيل كيف تكون جزائر في البحر أوسع من العمارة في البرّ المتصل؟ قلنا، الجواب: إن العمارة في البرّ المتصل بالإقليم الأول، والثاني ليست متصلة بعضها ببعض، بل يتخلل بين العمارة والعمارة من البراري والقفار أكثر مما يتخلل بين الجزيرة والجزيرة من المياه والبحار. فأما الحيوان والنبات والمعادن، فإنها بتلك الجزائر أعظم مما في عمارة البرّ المتصل المسامتة لها بلا نزاع، وانظر أشرف الحيوان - وهو الإنسان كيف صور أهل الأقاليم الأول والثاني بالغرب من شدة سواد الألوان، وقحل الأجسام، وتغلغل الشعر، وتشقق مواطيء الأقدام، وبشاعة المنظر، وخفة العقل، وكيف هم أهل الجزائر فيهما

стр. 1388

بالشرق من حسن السمرة، ونعومة الأجسام، واسترسال الشعر، والتئام مواطئ الأقدام، وبهجة المنظر، ورزانة العقل، وهكذا الفرق بين بقية الحيوان بالجهتين. وأما النبات، فلا نزاع أن منابت الجزائر الشرقية، وما هو في معناها كلها فاضلة، كالعود الهندي، والصندل، والفلفل، والكباية، والإهليلجات والنارجيل والفواكه المستطابة، وليس هذا هكذا في الجانب الغربي. وكذلك المعادن في الجهات الشرقية أفضل مما هي في الجهة الغربية؛ فإن قيل: معادن التبر بغانة في الغرب، قلنا: وسفالة التبر بالشرق، وهي كما نقله أصحاب هذا الشأن، أكثر مما في غانة مما لا يقاس، ويزيد بأرض الزنج فمنها ما يكون ترابه حيث أوقدت به النار فضة خالصة لوقتها من غير ريث. وقد ذكرنا من هذا في أوائل هذا الكتاب عند ذكر تقسيم الأقاليم ما فيه كفاية، وبجميع ما ذكرناه للشرق على الغرب الفضل بلا نزاع، وبه القول الفصل بلا دفاع، فكان موقع البحر بالشرق زيادة فيه، وموقع البحر بالغرب نقصًا له. وأهل المغرب أحسن رقمًا لديباجة الألفاظ، وأهل المشرق أحكم لقواعد المعاني؛ لأن الغالب على أهل المغرب العربية وما هو منها من النظم والنثر، والغالب على أهل المشرق المعقولات وما هو منها، وإن كان في المشارقة من لا يُقصّر في غاية، وفي من مضى منهم أكثر أفرادًا كبشّار، ومسلم بن الوليد، وأبي نواس، وأبي عبادة، وعلي بن الرومي، وابن المعتز، والمتنبي، ومن هم بهذا النمط العالي والسمط الغالي سوى القدماء؛ ولكن لأهل الأندلس لطائف دقت عن تلك الأفهام، ورقت عن مزاح ذلك الكلام، وإن كان من المشرق أصل ما عندهم من الأدب: [من البسيط] ففِي السُّلَافَةِ مَغْنَىً لَيْسَ فِي العِنَبِ فلقد لطفوا مسالك الأدب، وأفادوا شرف الحضارة محاسن الغرب، وقلبوا الأعيان، وسحروا الألباب بالبيان، فجاؤوا بأعجب العجب، وزادوا بحسن السبك خالص الذهب، وإن كان الشرق قد أنتج من طبقة أهل الأندلس من لا تحجم به المفاخر ولا تحجب به المفاخر؛ ولكن للأندلسيين لطائف أعلق بالقلوب وأدخل على النفوس في كل أسلوب. وأما العلوم العقلية، كالطبيعي، والرياضي، والإلهي، فلا نزاع في تقدم أهل المشرق فيها، وإن كان قد نشأ له بالغرب أناس، وبرقت له في الأندلس على عهد الحكم بن هشام لامعة، فالشرق فيه لا يكابر ولا يكاثر، ولا يناضل، ولا يناظر.

стр. 1389

وقد تقدم في الفصل الخطابي الأول في هذا الباب ما إن قيل إنه خطابي، فهو الحق الذي لا يُجْحَد، والصحيح الذي لا يَكْذِب. قال ابن سعيد: وأما المتنزهات التي تقع المناظرة فيها بين الشرق والمغرب؛ فإِنَّا نبني الكلام فيها على ما ورد في الكتب من أن المتنزهات المشهورة بالحسن والتقديم على سواها أربعة، وهي: غوطة دمشق بالشام، والأبلة بالعراق، وشعب بوان بأرض فارس، وصغد سمرقند وراء النهر. وقد ذكر أبو بكر الخوارزمي: أنه رأى جميعها، فكان فضل غوطة دمشق عليها كفضل سائرها على متنزهات العالم. وجميع هذه الأماكن الأربعة قد أطنب في ذكرها البيهقي، وعظمها على غيرها. وقد رأيت غوطة دمشق، وتقدم أنها أفضلها فبنى الحكم عليها والتي تشبه بها من أماكن المغرب غرناطة، فنتكلم في المدينتين - ظاهرًا وباطنًا - كلامًا موجزًا يحتمله هذا الموضع، وكلاهما قد أبصرته وحررت المناظرة بينهما. أما مَسْوَرٌ بَمَسْوَرٍ؛ فإنَّ غرناطة أحسن من جهة أنَّ سُورَها غير كدر اللون كسور دمشق، تنبو عنه العين. ومن جهة أن المدينة موضوعة على جبل ممتد سهل الأعلى بحيث تمهدت فيه الشوارع، وترتبت الأسواق، وقسمه النهر المعروف بنهر الذهب، وعليه قناطر يعبر الناس عليها، وهواؤها - من أجل ارتفاعها - أطيب وأصح، ولها زيادة أنها في وسط الإقليم الرابع المعتدل، ودمشق في الثالث، ولها كونها مكشوفة من جهة الشمال لا جبل يفصل بينها وبين هبوب النسيم الرطب، ولها في الجنوب جبل الثلج يهبّ منه في الصيف نسيم يتنسم منه رَوْح الحياة، وهو الذي روق أمزجة أهلها وأكسبهم الألوان البديعة من امتزاج الحمرة بالبياض التي تخجل ورد الرياض، وتزيد عليها بأنّ المياه لا تنقطع منها صيفًا ولا شتاء؛ لأنّ الأنهار تشقها وتدير الأرجاء في داخل السور، ودمشق مجموعة من الشمال، منخفضة إذا انقطع عنها الماء المجلوب لها في القنوات، بقيت جيفة، وتزيد عليها غرناطة بكثرة الأنهار؛ فإن أنهار دمشق سبعة، وأنهار غرناطة التي تنصب إليها من جبل الثلج أكثر من ذلك، وإن أنهار غرناطة تنصب من الجبل على رؤوسها في صخور يحسن بتقطيعها عليها، وجريتها ما بين الجنادل والحصى، وأنهار دمشق تأتي بين دِمَنِ البساتين في أرض سهلة رخوة، فيثقل ماؤها ويحدث منه من الوخامة ما هو مشهور.

стр. 1390

وكان القاضي الفاضل يقول: ماء دمشق يتخلل منه؛ أراد أن الأزبال التي تتخذ للبساتين تمتزج معه؛ لأن أنهار الغوطة تشق بكليتها بساتينها، وأنهار غرناطة منها مذائب تنقى في تصرفها، وتبقى جماهير الأنهار تتخلل مروج البسائط. وتزيد غرناطة على دمشق في الفرجة العظمى بأنها تاج مشرف على بسيط يمتد نحو يومين لا ترى فيه إلا أبراجا كبروج السماء، وأنهارا كأنهار المجرة، ومروجا كبسط الحز، وأشجارا كالعرائس، وأطيارا كالقيان. يسافر في جميع ذلك بصرك في دفعة واحدة من غير انعطاف. فسبحان من أفرغها في قالب الحسن الذي لم تر له عيني مثالا. وَفِيهَا يَقُولُ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ سَعِيدٍ: [مِنَ الْكَامِلِ] سَرِّحْ لِحَاظَكَ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ … فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَحْظَةٌ مُتَأَمِّلُ وَفِيهَا يَقُولُ ابْنُ أَخِيهِ: [مِنَ الْمُجْتَثِ] غِرْنَاطَةُ الْحُسْنِ تَيَّهِيْ … عَلَى ذَرَارِي النُّجُومِ أَشْرَقْتِ مِثْلَ عَرُوسٍ … عَلَى بَسَاطٍ رَقِيمِ وَكُلُّ نَهْرٍ عَلَيَّهِ … كَمِثْلِ سِلْكٍ نَظِيمٍ مَا جُرِّدَتْ كُسْوَفٍ … إِلَّا لقَتْلِ الهُمُومَ وقلعة غرناطة في أعلاها شديدة الامتناع، وقلعة دمشق مساوية معها، يأخذها القتال، وتركبها المجانيق، لكنا لا نغبن دمشق حسن واديها، والشرفين المحتدقين به، وما احتوى عليه ذلك المنظر من القصور الزاهرة، والبساتين الفتانة، مع حسن ترتيب الأنهار واحدا تحت آخر، ومرورها في البساتين بمعظمها. ولقد نظرت من نهر ثوري في مروره بمعظمه على البستان السلطاني المعروف بالنيرب، وما عليه من المصانع الملوكية، ونبع ماء يزيد من قلبه بحركات بديعة إلى منظر لم أر مثله في غرناطة، وتأملت الربوة - حيث مقسم الأنهار وانحدار نهر يزيد في مبانيها وانصبابه على رأسه منها - فرأيت منظرا فتانا يجب أن يفتخر به ويذكر؛ وإذا صعد المتأمل هذه الربوة، امتد بصره في ألفاف الأشجار المنخفضة عنه نحو مسيرة يوم، وبيان له من ذلك الموضع المرتفع ما لا يوجد في غرناطة لمن أشرف على بسيطها إلا أنه لا يتبين له أنهارها؛ لتكاثف الأشجار عليها، كما تبين في بسيط غرناطة؛ وكل واحدة منها مما يجب أن يتمثل فيه: [من الوافر] وَلَوْ أَنِّي نَظَرْتُ بِأَلْفِ لَحْظٍ … لَمَا اسْتَوْفَيْتُ مَحَاسِنَكَ الْعُيُونُ وفي المشرق والمغرب متنزهات كثيرة هذان أشرفها، ولو لم يكن في الأندلس

стр. 1391

إلا مدينة بلنسية، وما في ظاهرها من المياه والبساتين والبحيرة التي تقابلها الشمس، فيكثر فيها نور بلنسية، لكفاها، فكيف وكل مكان بها ترتاح إليه النفس ويعظم به الأنس. وفي بر العدوة أماكن للفرجة متعددة آخذها بمجامع القلوب، وأزمة الابهار بليونس، متنزه بظاهر سبتة على البحر في نهاية من حُسن الوضع وانحدار المياه التي لها على الصخور ذي، والتفاف الأشجار، وتزخرف المباني، وكثرة الفواكه الطيبة المختلفة الأنواع. واجتمع علي بن سعيد صاحب كتاب المغرب مع العماد السلماسي في مجلس جرى بين أهله ذكر المشرق والمغرب، وزاد في ذلك المجلس من التنقص والتهكم بالمغرب حتى كاد تقوم بينهم الحرب فكتب إليه علي بن سعيد: [من الوافر] وَلَوْ تُرِكَ القِطا لَيْلًا لَنَامَا وهذا مما أثاره ذلك المجلس، ولا ملام العجب ممن سأل عن المغرب في ذلك المجلس المغرب، هل فيه انهار مثل المشرق، أو ليس فيه أنهار بسؤال يُظلم الجور على صفحاته، ويجول الازدراء في جنباته: [من الطويل] رَمَتْنِي سِهَامُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لا أَرَى … فَمَا بَالُ مَنْ يُرمَي وَلَيْسَ بْرَامِ وإني لأقسم بمن أجرى الأنهار من الصُّمّ الجبال، وسلك بها في بُسْط الأرض ذات الجنوب والشمال؛ لو أن السائلين عن المغرب هل به أنهار عاينوا من نهر إشبيلية نهرًا يصعد من البحر المحيط فيه سبعون ميلًا عابرًا على المدينة مصعدًا إليها السفن بالأرزاق والبضائع من البحر دون مكابدة، ثم يحدر أمثالها الجزر دون جهد، ولم يتغير عذوبة الماء بالبحر الملح، وقد طرّز الله جانبيه بطراز من ألفاف البساتين ذوات الثمر والظلال، ورصعها - فيما بين ذلك - بمصانع درّية الألوان، كأنما وضعها الخالق - جل وعلا - من خيم الجنان؛ لأقرّوا بالتسليم إلى ذلك وأحالوا بالتقديم على ما هنالك، ولو عاينوا حضرة سرقسطة التي حفت بها من الجهات الأربع أربعة أنهار، كأنما تغايرت عليها، فمالت بالمصافحة والتقبيل من كل جهة إليها، لعذروا القائل: [من الكامل] نَهْرٌ يَهِيمُ بِحُسْنِهِ مَنْ لَمْ يَهِمْ … وَيُجِيدُ فِيهِ الشِّعْرَ مَنْ لَمْ يَشْعُرِ مَا أَصْفَرَ وَجْهَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا … إِلَّا لِفُرْقَةِ حُسْنِ ذَاكَ الْمَنْظَرِ وليس هذا بموضع الإطناب. وقد عزمت أن أفرغ الفكر لكتاب أجعله بين الخصمين ميزانًا وأخلده عن الجهتين عنوانًا: [من الرجز]

стр. 1392

أَلْفَيْتُ قَلِيلًا يُدْرِكُ الهَيْجَا حُمَّلْ وأجابه العماد السلماسي: كفى جوابًا قول الله _ _ ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (١)، لو لم يكن للمغرب إلا طلوعك علينا منه، لصمتنا له عن كل نقيصة، وأغمضينا عنه، فكيف وقد ملئ فضائل، وطلعت علينا منه نجوم فوائد غير أوافل، نحن أولى بالثناء عليه من الذم. وماذا يبلغ من التكدير من رمى بحجر في اليم. وقد رأيت أن اشتغل برسالة اثني فيها على الغرائب التي استفدناها من المجلس، وأفرد فيها من ملح فضلاء المشرق ما يستغرب بالمغرب، إلا أني وقع لي معنى يفخر به المشرق على المغرب نظمته على جهة المداعبة، وبعثته طلبًا للمجاوبة: [من المتقارب] إِذَا ذَكَرْتُ الشَّرْقَ فِي مَحْفَلِ … فَلَا يُذْكَرَنَّ بِهِ المَغْرِبُ طُلُوعُ الغَزَالَةِ فِي أُفْقِنَا … وَفِي أُفْقِكُمْ نُورُهَا يَغْرُبُ وَشَرِقٌ أَنْوَارُهَا عِنْدَنَا … وَعِنْدَكُمْ حُسْنُهَا يُسْلَبُ فأجابه ابن سعيد: [من المنسرح] يَفْخَرُ بِالشَّرْقِ أَهْلُ فَخْرٍ … قَوْلُهُمْ بَهْزَجٌ شَتَيْتُ قَالُوا: لَنَا الشَّمْسُ فِي طُلُوعٍ … قُلْنَا: لَهُمْ عِنْدَ مَنْ تَبَيَّتُ تَبَيَّتْ حَيْثُ الْمِهَادُ رَحْبٌ … وَاللَّيْلُ فِيهِ مُسْكٌ فَتَبَيْتُ [قلت: وقد أنصف الوداعي (٢) _ أحد شعرائنا المتأخرين _ إذ قال: [من الوافر] حَوَى كُلَّ مِنْ الْأُفْقَيْنِ فَضْلًا … يُقَرَّبُهُ الغَرْبِيُّ مَعَ النَّبِيهِ فَهَذَا مَطْلِعُ الْأَنْوَارِ مِنْهُ … وَهَذَا مَنَبَعُ الْأَنْوَاءِ فِيهِ

стр. 1393

وَكذَلكَ لقد أَرْضَى جِيراننا المغاربةَ بقَوله (١): [من المنسرح] في المَغرِبِ خَيْرٌ وعِندَ سَاكنِهِ … أَمَانَةٌ أُوْجِبَتْ تَقدُّمه فالشرقُ مِنْ نَيْرِهِ عندَهُمُ … يُودِعُ دِينارَهُ وِدْرهَمهُ ثم نعودُ إلى ما كنا فيه، وما نحن بصدده]: قال صاحب الكمائم: إنَّ الله تعالى جعل المعمورَ من الأرض مقسومًا على سبعة أقاليم آخذةً من مغرب الشمس إلى مشرقها، والمغربُ والمشرقُ مشتركان فيها بالسواء؛ لأن كل إقليم منها للمشرق والمغرب فيه حظٌ، وأحكامه في المشرق من جهة الإقليمية والتأثيرات النجومية أحكامه في المغرب إلا أنَّ لمشارق الشمس في مطالعها بالمشرق في تصفية الألوان والأذهان حكم يشبه الشمس عند شروقها، ولمغاربها بالمغرب في ضدِّ ذلك حكم يشبه الشيء في غروبها. قال ابن سعيد: وقد أقرَّ بهذا الشأن لأهل المشرق على أهل المغرب الحافظ أبو محمد بن حزم الأندلسي في رسالته حيث قال (٢): فإنَّ قرطبةَ مسقط رؤوسنا، ومعقَل تمامنا مع سرِّ من رأى في إقليمٍ واحدٍ، قلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطلعها على الجزء المعمور، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها. وقد جعل صاحب الكمائم ذلك سببًا لتكدير أخلاق المغاربة في سائر أقاليمهم، وصيَّر ذلك متعديًا إلى مياههم. وقال: إنَّ الإقليم الرابع وإن كان أعدل الأقاليم فإن فعله في الألوان والخلق في رأس المشرق فوق فعله في ذنب المغرب؛ فقد عاينت من يرد من الغلمان الذين يفتنون الناظر من الأتراك والخطا الذين يسكنون الإقليم الرابع عن يمين خوارزم وجهات تركستان، وعاينت جماعة ممن يصلون من إشبيلية وقرطبة إلى بغداد وإلى بلاد العجم، فكان بين الجنسين بالنظر إلى صفاء الألوان وحسن الصور بونٌ لا يخفى على الناقد. قال ابن سعيد: نظر البيهقي من غلمان الأتراك والخطا الصور التي تُنتخب في عنفوان شبابها وبهجتها، وتُهدى إلى الملوك، وأراد أن يقيسهم مع أشياخ وكهول يصلون من إشبيلية وقرطبة بعد ما قطعوا أكثر طول الأرض، وقد شربت الأهواء المختلفة، وأعالي السني المتوالية مياه وجوههم، وسوّدت بشائر الحسن خدودهم،

стр. 1394

فَكَسَفَتْ شُموسهم، وخسفَتْ بدورهم، وذَوَتْ غُصونهم، وذَبُلَ وَرْدُهم، فكانوا كما قال ابن حريق البلنسي (١) في محبوبةٍ له نظر إليها وقد أخذ منها السن، وصوّرها في الدرك الأسفل من الْحُسْنِ: [من الرمل] إِنَّ مَا قَدْ كَانَ فِي وَجْنَتِهَا … وَرَدتْهُ اليُبْسُ حَتَّى نَشِفَا وَذَوَى العُنَّابُ مِنْ أَنْمُلِهَا … فَأَعَادَتْهُ اللَّيَالِي حَشِفَا وأقسم بما ضمنته الخدود من وَرْدها، واشتملت عليه الثغور من وَرْدِها، وأقفلته الغصون من بدورها، واحتوت عليه الأزرار من عاج صدورها، لو نظر البيهقي إلى غلمان إشبيلية وما وشاهم الحسن به من بديع التوشية لعدل بالتفضيل إليهم، وأحال بالتقديم عليهم، وأنشد في كل واحد من سربهم ما قاله أبو القاسم بن طلحة الصقلي، وقد طلعت عليه إحدى شموسهم من أقصى مغربهم: [من البحر السريع] أَيَّتُهَا النَّفْسُ إِلَيْهِ أَذْهَبِي … فُحُبُّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِي مُفْضِضُ الثَّغْرِ لَهُ مِسْكَةٌ … قَدْ طُبِعَتْ فِي خَدِّهِ الْمُذْهَبِي أَيَا سَنِي التَّوْبَةِ عَنْ حُبِّهِ … طَلَوْعَةُ شَمْسٍ مِنَ الْمَغْرِبِ ولقد رأيت بالقاهرة غلمانًا وصلوا إليها مع رسول الإمبراطور من جزيرة صقلية - وهي في الإقليم الرابع - قضيت العجب من كمال الحسن فيهم بين اعتدال قدودهم، وهيف خصورهم، وصفاء ألوانهم المشربة بالحمرة التي تتعشقها النفس، وتسرح فيها العين، وحسن مجموع صورهم وتفاريقها؛ فتبارك الله أحسن الخالقين. وكان أهل القاهرة يتعجبون فيهم، وتهالك في الوجد بهم جماعة من الأمراء، وتوصلوا إلى إحضارهم في مجالس أنسهم، وكانوا يحسنون الكلام بالعربية، ويعلمون مواقع النوادر على عادة نصارى صقلية، وخفي عن الناس هنالك مراد الإمبراطور بتوجيههم، وإنما أرادوا أن يتكشفوا من الأحوال الباطنة على ما لا يتوصل إليه غيرهم ممن لا يشفع في تقريبه حسنه. فما انفصلوا عن القاهرة إلا وقد

стр. 1395

حصلوا من الأخبار ما سهَّل طريقه إليهم شفيع الحسن الذي لا يُردُّ. على أني أبصرتُ من غلمان الأتراك ذوي الأثمان الغالية ما أرجع فيه إلى الإنصاف، وأفضلُهم على غلمان أصناف الروم الذين يجلبون إلى ملوك الأندلس وسلاطين بَر العدوة. ولقد أخبرتُ أنه كان بحلب منذ مدة قريبة مملوك تركي، حلف لي أحد المغاربة النقّاد أنه لم يَرَ أحسن من صورته في شرق ولا غرب، وأنه أعطى مولاه فيه ثلاثين ألف درهم ناصرية، فامتنع من بيعه، فمات على أثر ذلك. ولو قيل بالمغرب أن مملوكًا بلغ هذا الثمن لو يَصَدِّق الناس ويضحكون عليه من هذا الحديث؛ إذ المعتاد في المغرب ما خلا الديار المصرية أن يكون المملوك الحسن الصورة من الإفرنج وغيرهم بخمسمائة درهم من هذه الدراهم؛ وهي ألف من الدراهم المغربية؛ فيكون عند الملك بدل هذا المملوك الذي هو بثلاثين ألف درهم كتيبة فرسان من ستين فارسًا. على أنهم أكثر ما يبتاعون المماليك الذين قيمة الواحد منهم خمسمائة درهم مغربية وستمائة ونحو ذلك. قال: وهم أهل المشرق في هذا الشأن مسلمة لهم، وكل هذا الذي ذكرناه هنا مما ذكره ابن سعيد. قلتُ: [أما قوله: «عن غلو ثمن المملوك ثلاثين ألف درهم ناصرية»، فهو معذور فيه، ولكنه ما عمر إلى أيام سُلطاننا ورأى ما جُلِب إليه، وما بَذَل من الأثمان، ولو رأى ذلك لاحتقر ما استكبر، واستقلَّ ما استكثر. وأما قوله: «إن الدرهم الناصري بدرهمين مغربية» فقد قدمنا القول: إن الدرهم الكاملي معاملتنا اليوم بثلاثة دراهم مغربية عتيق، وهو بدرهمين مغربية جدد، ولعله أراد الجدد؛ وإلا فحيث لا يقال إنها جدد لا تكون إلا ثلاثة بدرهم، والناصرية التي ذكرها ضرب الناصر ابن العزيز، وهي دون الكاملية بقليل. وأما الذي] ذكره من حُسن غلمان الروم فغير منكور، وإنّما التُركُ أتمُّ صورًا، وأكمل تخطيطًا، وللترك حُسن الوجوه، وللروم حُسن الأبدان؛ فمحاسن الترك أفضل؛ لأنها لا تُغطَّى ولا تُحجَّب، ومحاسن الروم أخفى لأنها تُغطَّى وتُحجَّب. فأما شرف الجنس وبعد الهمة، ووفور العقل والشجاعة، فأين الروم مما وهبه الله الترك من ذلك حتى أنّ الاسكندر، وهو أجلَّ ملوك الروم بل الأرض، ولا خلاف في حكمته وفضله وقد أقرَّ للترك على نفسه؛ فإنه لا تطمح نفس أحد من الفرس إلى

стр. 1396

مطاولة الترك، وقد طاولت الروم وكان لها الغلب على الروم غالبًا. ولما أتى الإسكندر بلاد الفرس رأى من رجالهم ما بهر عقله، فكتب إلى معلمه ووزيره أرسطو يعلمه أنه شاهد بإيران شهر رجالًا ذوي أصالة في الرأي، وجمالًا في الوجوه؛ لهم مع ذلك صرامة وشجاعة، وأنه رأى لهم هيئات وخلائق، ولو كان عرف حقيقتها لما غزاهم، إنما ملكها بحسن الاتفاق والبخت، وأنه لا يأمن إن ظعن عنهم وثوبهم، ولا يسكن نفسه إلا ببوارهِم. فكتب إليه أرسطو: فهمت كتابك في رجال فارس؛ فأما قتلهم فهو من الفساد في الأرض، ولو قتلتهم جميعًا، لأنبت البلد أمثالهم؛ لأن أقاليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرجال من أهل العقول والسداد في الرأي والاعتدال في التركيب، فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع؛ لأنك تكون قد وترت القوم، وأكثرت الأحقاد على أرض الروم منهم، وممن بعدهم وإخراجك إياهم في عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك؛ ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ لك في كل ما تريد من القتل؛ وهو أن تستدعي أولاد الملوك، ومن يستصلح للملك، وهو مرشح له فتقلدّهم البلدان، وتولّهم الولايات، ليصير كل واحد منهم ملكًا برأسه، فتفرق كلمتهم، ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدي بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على رأي واحد، ولا تجتمع كلمتهم؛ ففعل الاسكندر ذلك فتمّ أمره. فانظر إلى ما في هذا الابتداء والجواب من تعظيم الإسكندر وأرسطو لرجال فارس، وقول أرسطو: «إنَّ أرض بابل تولد مثل هؤلاء الرجال» وهذا الاسكندر قد جال الأرض غربًا وشرقًا فما رآه أكبر إلا أهل الشرق، ولا أعظم إلا لهم، وإذا كان هذا قوله في فارس، فكيف كان قوله في الترك وفي الهند مع ما هو مشهور من حكايات الاسكندر مع صاحب الصين مما اعترف له فيه بالحكمة وأقرّ له بالفضل مما ليس هذا موضع ذكره؟ فيا هل تراه ذكر أهل المغرب او وصفهم بقول أو فعل؟ وقد ذكر ابن سعيد أيضًا: أنَّ الأرضَ تُشبهُ بطائر رجلاه بر العدوة والأندلس _ وقد تقدم ذكر هذا التشبيه _. ثم قال: ولا أسلم في تشبيه الأندلس برجل إلا إن أرادوا في الاعتماد عليها وعمارتها بمثل ما تعمره رجل العروس الخالية من الخلاخل، وأشباه ذلك. وأنشد قول الصولي يخاطب القائم بن عبيد الله الإسماعيلي الذي خطب له بالخلافة في المغرب، وكان قد وجه لبغداد قصيدة يفخر فيها ببيته، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها: [من الطويل]

стр. 1397

فلو كانت الدُّنْيَا مثالًا لطائر … لَكان لَكُمْ منها بِمَا حُزْتُم الذَّنبْ قال ابن سعيد: وأنا أستحسن هذا البيت؛ فإنه وقع في موضعه؛ لكون البلاد التي كانت بيد القائم في ذلك الزمان من الأرض بمنزلة ذنب الطائر؛ لكونها في آخر المعمور، وكونها رقيقة ضيقة العرض في المساحة قد خنقتها البحر من جهة الشمال، والصحراء من جهة الجنوب. وهذا البيت هو الذي حَرَّكَ هِمَّة القائم، وقال: والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت وإلا أهلك دونه؛ فكابد على الديار المصرية من الحروب أهوالًا، ومات ولم يظفر بحضرتها، وإن كان قد عاش في أطرافها برًّا وبحرًا على ما هو مذكور في التواريخ. وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه فشغلته الفتن التي دهمته في إفريقية، فكان الظافر بالديار المصرية المعزٌّ بن المنصور بن القائم، وتوالت عليها خلفاؤهم، وخُطِب لهم باليمن والحجاز والشام والجزيرة والعراق، وخُطِب لمستنصرهم الذي حاز في الخلافة ستين سنة في حضرة الإمامة بغداد، وخُطِب للنزارية الإسماعيلية منهم ببلاد العجم. قال ابن سعيد: وهم إلى الآن في بلد ألموت، ولهم يخطب هؤلاء الإسماعيلية الذين في قلاع الشام، وكان حديثهم المترتب على ذلك البيت من عجائب الدنيا. ولم تزل إمامتهم التي كانت قد رسخت في الأرض ودوّخت الملوك إلا السلطان الأعظم الناصر صَلاحُ الدين بن أيوب - رحمة الله عليه - وملأ البلاد التي كانت بأيديهم بالخطب العباسية. [قلت: لقد مرّت به ليال طوال من حذر لإسماعيلية، وخوف ما يتوقاه بهم من غوائل البلية، ثم ما زال منذ ظَهَرَ مصر من تلك الأدناس، ونظفها من وسخ أولئك الناس حتى انقاد معها له ما وراءها، وتبعها ما خلفها] وأعاد إليها طلاوة الدين، ورونق الإيمان. على أننا لا ننكر لأواخر تلك الدولة المصرية فضلًا سلف إلى سلفنا، وقد ورد إليهم من المدينة الشريفة، فأكرموا وفادتهم، وأجزلوا صنائع الإحسان إليهم؛ ولكن الحق أحق أن يتبع، وما على قائل القول الصدق جناح، فرحم الله صلاح الدين، لقد أصلح الدين، وأصلى نار الكمد قلوب المعتدين. قال ابن سعيد أيضًا: ومما يتكلم فيه من أحكام المناظرة بين المشارقة والمغاربة النبوة، وهذا الفخر سَلَّم للمشرق.

стр. 1398

ذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف (١): أنَّ الأنبياء ﵈ مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألف نبي، الرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر، منهم خمسة عبرانيون، وهم: آدم، وشيت، وأدريس، ونوح، وإبراهيم، وخمسة من العرب: هود، وصالح، واسماعيل، وشعيب، ومحمد، وغيرهم من بني إسرائيل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقد عد صاحب الكمائم مَباعث الأنبياء في الأرض، وهي المواضع التي بعثوا فيها، ولم نذكر بالمغرب إلا مَنف حاضرة مصر التي بُعِثَ فيها موسى ﵇ لفرعون، ويوسف ﵇ ودخلها يعقوب والأسباط ويوشع، وفرت مريم ﵍ بابنها المسيح إلى البهنسا من أرض مصر. فجمهور مَباعث الأنبياء ﵈ بالمشرق والفضل العام منه للشام والخاص لجزيرة العرب بخيرة الرسل ﷺ وعليهم أجمعين. ومَباعثُ جَزِيرَةِ العرب مكة بعث فيها آدم ﵇ إلى ولده، وبعده ابنه شيث، وبعث بها اسماعيل إلى إخوانه، وبعث فيها محمد ﷺ . وذكر الأزرقي في كتاب مكة (٢): أن ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيًا جاءوا حجاجًا فقبروا هنالك. وتَفْخَرُ المدينة - وإن لم تكن مَبعثًا لنبيّ - بأنها مهاجر سيد المرسلين، وخاتم النبيين ومدفنه ﷺ . ومَبعثُ هود بالأحقاف مما يلي اليمن، وهنالك قبره؛ ومَبعث صالح بوادي القرى بالحجاز؛ ومَبعث شعيب في أرض مَدين التي تلي أرض مصر والشام. وقد عدَّ الماوردي أنبياء جملة بعثوا إلى أرض سبأ باليمن وإن أهلها ما نزل بهم العذاب حتى كَذَّبوهم. والرَّس من جهة عمان مَبْعث نبي، وكذلك حضور، وعدن، وبلاد بني عبس. وأمَّا الشام فالفخر الأعظم منها للبيت المقدس بناء داود، وأتمَّه سليمان ﵉ وتوارثه بنوه، وهو كان يجمع أنبياء بني إسرائيل ﵈. وولد المسيح ﵇ ببيت لحم على مقربة منه، وقبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف في المكان المعروف بالخليل، ومدائن لوط محسوبة من الشام،

стр. 1399

والبشنية من عمل دمشق موضع أيوب - على جميعهم السلام - وبعلبك بعث إليها يحيى ابن زكريا ﵉ وبها قتل، ونينوى من بلد الموصل بعث إليها يونس ﵇ وبابل بعث إلى نمرودها إبراهيم ﵇. ومواضع الأنبياء والصحابة ورؤوس الصالحين مسلم الفخر الجمهوري فيها للمشرق، وقد كان بالمغرب الأقصى والأندلس من ادعى النبوة مثل صالح البرغواطي والمعلم الشنتبري، ولا نعلم نبيًا ظهر بالمغرب ما خلا الديار المصرية على ما ذكر قبل. قلت: وهذا صالح البرغواطي والمعلم الشنتبري كلاهما نكرة لا يتعرف، ومجهول لا يعرف، وفي أفسح العذر من سمع بهما، فقال: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ (١). قال: وأما الخلافة، فشأنها أيضًا مسلّم للمشرق؛ إذ الخلفاء الأربعة - رضوان الله عليهم - منه ظهروا، وفيه كانت أقطاب خلافتهم؛ فأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ كان قطب خلافتهم المدينة وبها قبورهم. وعلي ﵁ فكان قطب خلافته الكوفة، وبها قتل، وفيها قبره على الاختلاف الذي جاء فيه. وفيها بويع بالخلافة الحسن بن علي - كرم الله وجهيهما -. وأخذ ابن سعيد يذكر ما استقرت عليه قواعد الخلافة بالشام ثم بالعراق مما كله بالمشرق، وقد تقدمت الإشارة إلى مثل ذلك. ثم قال: وهذا هو الفخر المسلم. ثم قال: وقد كان بالمشرق أقطاب خلافة غير مجمع عليها إلا أنها كانت ظلال سحائب، ولمع بوارق. وأما المغرب في شأن الخلافة، فلم يكن له قط خليفة يجتمع عليه، وكان فيه من الخلفاء المنفردين به إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي - رضوان الله عليهم - وبنوه، خطب لنفسه بالخلافة في سبتة وجهاتها من المغرب الأقصى في مدة هارون الرشيد، وتوارث بنوه الخلافة هنالك، ودارت أقطابهم بين سبتة، وبصرة المغرب، وفاس، وتلمسان، وما قطع الخطبة لهم من المغرب إلا ظهور الخلافة

стр. 1400

العبيدية التي أولها عبيد الله المهدي الإسماعيلي من ولد الحسين - رضوان الله عليه - توارثها بنوه بعده بالمغرب، ودارت أقطاب خلافتهم بين رقادة، والمهدية، والمنصورية، والقاهرة بمصر، إلى أن أزالها السلطان الأعظم صلاح الدين - رحمة الله عليه - بخلع العاضد آخر خلفائهم. ولم تكن خلافة أعظم منها؛ لأنه كان يخطب لهم من الديار المصرية إلى البحر المحيط جميع نصف المعمور في الطول، وخطب لهم بجزيرة صقلية، وفاضت خلافتهم من المغرب على المشرق، فخطب لهم باليمن، والحجاز، وعمان، والبحرين، والشام، والعراق، والجزيرة، وخطب لهم في بغداد في أيام فتنة البساسيري، وإخراج الخليفة القائم منها إلى جزيرة عَنَّة. وما ردَّ الخلافة العباسية إلى بغداد مع الاعتناء الإلهي إلا الدولة السلجوقية، إلا أنهم لم يخطب لهم بجزيرة الأندلس؛ لأن أعداءهم بني أمية كانوا قد استولوا عليها وتوارثوها، وأول من اقتطعها عبد الرحمن الداخل المرواني فتوارثها بنوه، ولم يخطب لهم بالخلافة إلى أن ولي الناصر عبد الرحمن المرواني، فخطب له بالخلافة في مدة المقتدر، وتوارث بنوه هذه السمة إلى أن وقعت الفتنة فيما بينهم، فدخلت عليهم الخلافة الحمُّودية، وبنو حمود من ولد إدريس الحسنيين المتقدمي الذكر. وعادت الدولة المروانية، ثم انقرضت، وأقطاب الخلافة بين دائرة على قرطبة، والزهراء، أو الزاهرة. ثم ضعفت خلافة بني حمود، وبقيت في مالقة وسبتة، ثم انقطعت إلى أن نشأت خلافة بني عبد المؤمن بقيام مهديهم محمد بن تومرت؛ وهو يُنسب إلى بني إدريس الحسنيين، وقد أثبت نسبه الشريف الإدريسي صاحب كتاب «أجار»، وكتاب «الدوحة المايسة في أخبار الأدارسة»؛ ولم يُسمَّ بخليفة، ولا أمير المؤمنين، بل خطب له بالمهدي المعلوم للإمام المعصوم، وعهد بالخلافة لعبد المؤمن. قلت: وهو - أعني عبد المؤمن - رجل قيسي كومي ليس بقرشي فلا تصح له خلافة. ثم قال: فتوارثها بنوه، وخطب لهم من برقة إلى البحر المحيط وبجميع الأندلس؛ وإذا تعرضنا للمناظرة في الأشخاص، سلمنا جمهور الفخر أيضًا للمشرق؛ إذ الخلفاء الأربعة فيه، وغيرهم من الخلفاء المرضيين؛ إلا أنهم شبهوا الناصر المرواني في حزمه وجبره للدولة وصولته بالمعتضد، وشبهوه في طول المدة في الأمر بالناصر؛ لأنه ملك خمسين سنة ونصفًا، وشبهوه في كثرة البنيان، وعظمة ما أنفق عليه بالمتوكل،

стр. 1401

وشبهوه بالحركات والغزوات بالمعتصم، وشبهوه في الجود بالرشيد، وشبهوا ابنه المستنصر في العدل، والزهادة، ورد المظالم، وتغيير المنكر بالمهدي، وشبهوه في حب العلوم واقتناء كتبها بالمأمون. وشبهوا المستعين في التجرد ولطلب ما خاصمه فيه الزمان من الخلافة ومآل أمره إلى القتل بسميّة المستعين، وشبهوه في الشعر بالرشيد، وأنشد صاحب الذخيرة (١) قول المستعين: [من الكامل] عَجَبًا يَهَابُ اللَّيْثُ حَدَّ سِنَاني … وأَهَابُ سِخْرٍ فَوَاتِرَ الأَجْفَانِ وَأُقَابِلُ الأَهْوَالَ لَا مُتَهَيِّبًا … مِنْهَا سِوى الأَغْرَاضِ وَالهِجْرَانِ وَتَمَلَّكَتْ نَفْسِي ثَلَاثٌ كَالدُّمَى … زُهْرُ الْوُجُوهِ نَوَاعِمُ الأَبْدَانِ هَذِي الهِلَالُ وتِلْكَ شِبْهُ المُشْتَرِي … حُسْنًا وَهَذِي أَخَذَتْ غُصْنَ الْبَانِ حَاكَمْتُ فِيهِنَّ السُّلُوَّ إلى الهَوَى … فَقَضَى بِسُلْطَانٍ عَلَى سُلْطَانِي وَأَبْخَنَ مِنْ قَلْبِي الحِمَى وَتَرَكَتْنِي … في عِزّ مُلْكِي كَالأَسِيرِ العَانِي إِنْ لَمْ أُطِعْ فِيهِنَّ سُلْطَانَ الهَوَى … كَلَفًا بِهِنَّ فَلَسْتُ مِنْ مَرْوَانِ وقول الرشيد: [من الكامل] مَلَكَ الثَّلَاثُ الأَنِسَاتُ عِنَاني … وحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِي بِكُلِّ مَكَانِ مَالِي تُطَاوِعُني البرِيَّةُ كُلُّهَا … وَأُطِيعُهُنَّ وَهُنَّ فِي عِصْيَانِي مَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الهَوَى … وَبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي وفضل أبيات المستعين وزهوه لها، وأطنب في الثناء عليها. وكان في خلفاء العبيديين من ذكرت صولته، وعظمت آثاره المنصور بن القائم عبيد الله المهدي؛ وهو مشبه عندهم بالمنصور العباسي؛ لأن كلًا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكاد يُسَلّ من خلافته، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف. وأخبارهما في ذلك مذكورة مشهورة. والمعز بن المنصور طمحت همته إلى أن ترك إفريقية لبعض غلمانه وخدامه، وتجهز إلى مصر، بعد ما أنهض لها مولاه جوهرًا، ففتحها، وبنى له حضرة القاهرة. وسفرته من إفريقية إلى مصر وما ظهر منه من حسن التدبير، وهبوب النصر والحزم، والاستيلاء كسفرة المأمون من خراسان إلى بغداد، وتسكينه ما اشتعل من نار الفتنة.

стр. 1402

وظهر من ابنه العزيز من حسن المداراة والتسكين للناس ما ضرب من أجله المثل بأيامه في مصر، وصار يقال: أحسن من أيام العزيز. وكان من عجائبهم المستنصر؛ فإنه جاوز في أمر الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة في المشرق. وكانت له من خزائن الأموال وعظم الأمر ونفوذه، واتساع الخطبة وفيضها. في أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره. ثم انعكس عليه ذلك فاقتنصت البلاد بالمشرق والمغرب منه، واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة وافتقر وضعف أمره وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشيء: والله لقد أصبحت لا ينفذ لي أمر إلا من مكاني إلى باب قصري، ولا أملك مالًا إلا ما تراه علي وتحتي. وعبيد الله المهدي أول خلفائهم يُشبه بالسفاح أول خلفاء بني العباس؛ فإنّ السفاح خرج من الحميمة بالشام طالبًا الخلافة، والسيف يقطر دمًا، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلال يؤسس له الأمر، ويُثبت دعوته، وعبيد الله خرج من سلمية في الشام، وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قد أذكت عليه، وأبو عبد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر، وبايعه صاحب دعوته، وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته؛ وأصبح أبو سلمة مقتولًا في حضرة السفاح فيُنسب قتله إليه. وأما أدارسة الغرب، فإنّ إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵃ فرّ من وقعة فخ بظاهر مكة حين كانت الهزيمة على العلويين من قبل أصحاب الهادي، وقتل سليمان بن عبد الله بن الحسن، طالبًا الخلافة، فتنكّر إدريس وصار ملاجًا في بحر جدة، وتنقل في بلاد المغرب، إلى أن ثار وأدرك الخلافة بسبقة أقصى المغرب، وتوارثها بنوه، فكان أحد رجال العالم المتغلغلين في طلب الأمر حتى أدركوه؛ وهو مشبّه بالسفاح والمهدي في افتراع الدول، والابتداء لها، إلا أنهما كان لهما داع ووَطَّدَ دولتيهما، وإدريس لم يكن له داع إلا نفسه. وكان من عجائب الأدارسة بالمغرب جنون بن أبي العيش بن جنون بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس، فقدمه جميع بني إدريس عليهم وصَحَّت له الخلافة فيهم. وكان له خمسة وعشرون ولدًا ذكرًا، منهم: جنون بن جنون الذي أضرم المغرب نارًا.

стр. 1403

ومِنهُم: محمد بن جَنُّون نازع أباه رداء الخلافة، وحاربه واستولى على بصرة المغرب، وعظم فيها أمره. ومِنهُم: الحسن الأعور بن جَنُّون ادَّعى النبوَّة في تاولا في المغرب. ومن عظماء الأدارسة الذين يجب أن يَنُوّه بأفعالهم الناصر علي بن حمُّود، جاز من سبتة البحر إلى الأندلس، وقلب الدولة المروانية، وصيّرها علوية، واستولى على قطب الخلافة قرطبة، وسيق إليه الخليفة المستعين المرواني، فضربت عنقه بين يديه، ورسخت الدولة الحمُّودية بالأندلس. وكان منهم العالي إدريس بن يحيى بن علي الناصر بن حمُّود، خطب له بالخلافة بمالقة وغرناطة وسبتة، وكان من ألطف الخلفاء مجالسة، وأحبّهم في الأدباء والشعراء، وكان يُشَبَّه بالراضي العباسي، وهو الذي لما أنشده ابن مقانا (١) الشاعر قصيدته التي منها (٢): [من الرمل] وكأنَّ الشَّمْسَ لَمَّا أَشْرَقَتْ … فَانْثَنَتْ عَنْهَا عُيُونُ النَّاظِرِينَ وَجْهَ إِدْرِيسَ بنِ يَحْيَى بنِ عَلِـ … ــيّ بنِ حَمُّودٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ والعالي وراء الحجاب على عادة خلفائهم في ذلك؛ فلما بلغ الشاعر إلى قوله: أَنْظِرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ … إِنَّهُ مِنْ نُورِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أمر برفع الحجاب حتى نظر إليه. وأما بنو عبد المؤمن - وهم ينتسبون إلى بني سُليم بن قيس - فإنَّ مهديهم نَصَّ على عبد المؤمن، فولي الخلافة وتوارثها بنوه، وهو الذي افتتح البلاد، وقهر العباد، واستولى على حاضرة مراكش، وقتل أمير المسلمين تاشفين، وأخذ الأندلس من أيدي الثوار بها، والغرب الأقصى، والغرب الأوسط، وإفريقية، والمهدية استرجعها من أيدي الفرنج، فكان ممن عظم صيته وأغربت أخباره. وأعظم ولده الموسومين بالخلافة المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، ظهرت منه شهامة عظيمة، وهمة عالية، واعتناء بالعلوم، وبنى المنابر العظيمة بمراكش، ورباط

стр. 1404

الفتح، وأشبيلية، وضبط الأمر الأمر بهيبة تملأ الصدور، وغزا بنفسه نصارى الأندلس، فهزمهم الهزيمة التي أذلتهم، وأناخ بعساكره على قاعدة أعظم ملك لهم، وهي طليطلة، فحصرها، وقطع أشجارها، وعاث أجناده في ظواهرها، وفتح ما فتح من قلاعها. وكان منهم المأمون بن المنصور، قلب الدولة عن قواعدها، وأسقط اسم مهديهم من الخطبة، وسفك الدماء، وارتكب من الأهوال ما لا يسع ذكره إلا ترجمته؛ وهو مشبه بمأمون بني العباس في القيام على أخيه والنهوض في الفتن، وقلب الدول؛ لأن المأمون صير الدولة علوية، وأزالها عن بني العباس. وكان قد نزع منتزع المأمون في التنويه بالعلماء، والمناظرة في مجلسه، وإدرار الأرزاق عليهم، وكان للشعراء منه حظ عظيم. قال ابن سعيد: وإذا قايسنا بين سلاطين المشرق وسلاطين المغرب، كان الفضل للمشرق، وذلك أن ما كان بأيدي المسلمين منه هو سلطنة السند التي تداولها القرشيون وتوارثوها، وكان سريرهم بها مدينة المنصورة، وما زالوا يتوارثونها إلى أن غلبت عليهم سلاطين العجم، وأضافها السلطان محمود بن سبكتكين إلى بلاده، وملكها شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، وآل أمرها إلى أن ملكها خوارزم شاه محمد بن تكش؛ ولما فر أمام التتر ومات في بحر طبرستان، وتماسك ابنه جلال الدين بما بقي من العساكر والبلاد، تبعه التتر وقاتلوه في بلاد السند، وهزموهم، وهزموه، وآل حاله معهم إلى أن أسلمها لهم، وطلب الغرب نحو آذربيجان، وبلاد الكرج وأرمينيه. فكان الذي بأيدي المسلمين من بلاد الهند يستحق أن يسمى سلطنة؛ لأنه كان عدة ممالك جليلة، ولا سيما مذ فتح فيها محمود بن سبكتكين ما فتح، وأضاف إلى ذلك شهاب الدين الغوري ما أضاف. وآل أمرها إلى أن ملكتها امرأة، واستولى عليها التتر بضرائب معلومة لهم. وما وراء النهر كان سلطنة عظيمة ذات ممالك كبيرة افتتحت مذ أول الإسلام في زمن قتيبة ابن مسلم، وعظمت شيئا فشيئا. وكان كرسي سلاطين بني سامان فيها حضرة بخارى. ومن بني سامان أخذها الأتراك الخانية، وكان بينهم وبين محمود بن سبكتكين مرة حرب، ومرة صلح، إلى أن استولى عليها السلجوقيون، ثم صارت بعدهم لخوارزم شاه محمد بن تكش، ومنه أخذها التتر. وأما خراسان، فإنها سلطنة عريضة نابهة الذكر في القديم والحديث.

стр. 1405

وفيها قتل يزدجرد آخر سلاطين الفرس، فانقرضت دولتهم، وكان سريرها في مدة طاهر بن الحسين وبنيه مرو، ثم نيسابور إلى أن أخذها منهم الصفار، ثم قبض عليه بنو سامان، فانضافت إليها، واستولى عليها محمود بن سبكتكين بعد ذلك، وتداول عليها ولاة بيته، وسرير سلطانهم بمدينة غزنة، إلى أن استولى عليها السلجوقية، وعاث فيها الخطا بعد ذلك. وكانت فيها فتن إلى أن انضافت للسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش، ومنه أخذها التتر. وأما غزنة وما انضاف إليها من بلادها وجهاتها، وبلاد الغور، فإنها كانت في الدولة السامانية مخصوصة بسبكتكين. ولما استولى محمود على الممالك الجليلة، والسلطنات العظيمة، اتخذ غزنة سريرًا له، وكذلك فعل بنوه إلى أن دخلها سنجر شاه سلطان السلجوقية، وآل أمرها بعد ذلك إلى أن ملكها الغوريون، واستحوذ عليها التتر عند حروبهم على خوارزم شاه. وأما خوارزم، فقد كان السلاطين الذين ملكوها في مدة السامانية يدارونهم، ويخطبون لهم؛ لعظم السامانية، إلى أن صارت لهم، ثم صارت لمحمود بن سبكتكين، ثم للسلجوقية، ثم ملكها تكش، ثم ابنه محمد المعروف بخوارزم شاه. وجاءت الممالك إليه، وأنثالت من كلّ جهة عليه، وصارت له خوارزم، وما وراء النهر، وغزنة، وخراسان، وجرجان، وما انضاف إليها من بسطام، ودهستان، ومازندران، وعراق العجم، وكرمان، وسجستان، وفارس، فعظم أمره، وعزم على قصد العراق فرده الله عنه. ثم دهمه خروج التتر، فتشاغل بهم؛ فلما هزموه، وفرّ أمامهم إلى بحر طبرستان، فمات في جزيرة هنالك، فاض التتر على بلاد هلك رأسها. وكان سرير سلطانه مدينة خوارزم على نهر جيحون، غرّقها التتر بالنهر المذكور. وأما سجستان، فإنها سلطنة مذكورة، وعظمت فيها دولة بني الصفار وتوارثوها، وهي الآن من البلاد التي صارت في حكم التتر. وأما كرمان، فإنها سلطنة مشهورة عظمت فيها دولة بني اليسع، وكانت في مدة مضافة إلى بلاد بني بويه. وأما ديلمان، فهي سلطنة كبيرة سريرها مدينة الريّ، وينضاف إليها بلاد جرجان، وبسطام، ودهستان، وجبال الديلم، وجبال جيل وجيلان. وفيها قلعة ألموت
следующие страницы →