وشبهوه بالحركات والغزوات بالمعتصم، وشبهوه في الجود بالرشيد، وشبهوا ابنه المستنصر في العدل، والزهادة، ورد المظالم، وتغيير المنكر بالمهدي، وشبهوه في حب العلوم واقتناء كتبها بالمأمون.
وشبهوا المستعين في التجرد ولطلب ما خاصمه فيه الزمان من الخلافة ومآل أمره إلى القتل بسميّة المستعين، وشبهوه في الشعر بالرشيد، وأنشد صاحب الذخيرة (١) قول المستعين: [من الكامل]
عَجَبًا يَهَابُ اللَّيْثُ حَدَّ سِنَاني … وأَهَابُ سِخْرٍ فَوَاتِرَ الأَجْفَانِ
وَأُقَابِلُ الأَهْوَالَ لَا مُتَهَيِّبًا … مِنْهَا سِوى الأَغْرَاضِ وَالهِجْرَانِ
وَتَمَلَّكَتْ نَفْسِي ثَلَاثٌ كَالدُّمَى … زُهْرُ الْوُجُوهِ نَوَاعِمُ الأَبْدَانِ
هَذِي الهِلَالُ وتِلْكَ شِبْهُ المُشْتَرِي … حُسْنًا وَهَذِي أَخَذَتْ غُصْنَ الْبَانِ
حَاكَمْتُ فِيهِنَّ السُّلُوَّ إلى الهَوَى … فَقَضَى بِسُلْطَانٍ عَلَى سُلْطَانِي
وَأَبْخَنَ مِنْ قَلْبِي الحِمَى وَتَرَكَتْنِي … في عِزّ مُلْكِي كَالأَسِيرِ العَانِي
إِنْ لَمْ أُطِعْ فِيهِنَّ سُلْطَانَ الهَوَى … كَلَفًا بِهِنَّ فَلَسْتُ مِنْ مَرْوَانِ
وقول الرشيد: [من الكامل]
مَلَكَ الثَّلَاثُ الأَنِسَاتُ عِنَاني … وحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِي بِكُلِّ مَكَانِ
مَالِي تُطَاوِعُني البرِيَّةُ كُلُّهَا … وَأُطِيعُهُنَّ وَهُنَّ فِي عِصْيَانِي
مَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الهَوَى … وَبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي
وفضل أبيات المستعين وزهوه لها، وأطنب في الثناء عليها.
وكان في خلفاء العبيديين من ذكرت صولته، وعظمت آثاره المنصور بن القائم عبيد الله المهدي؛ وهو مشبه عندهم بالمنصور العباسي؛ لأن كلًا منهما اختلت عليه الدولة، وأصفقت عليه الحروب، وكاد يُسَلّ من خلافته، فهبّ له ريح النصر، وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف. وأخبارهما في ذلك مذكورة مشهورة.
والمعز بن المنصور طمحت همته إلى أن ترك إفريقية لبعض غلمانه وخدامه، وتجهز إلى مصر، بعد ما أنهض لها مولاه جوهرًا، ففتحها، وبنى له حضرة القاهرة.
وسفرته من إفريقية إلى مصر وما ظهر منه من حسن التدبير، وهبوب النصر والحزم، والاستيلاء كسفرة المأمون من خراسان إلى بغداد، وتسكينه ما اشتعل من نار الفتنة.
стр. 1402
وظهر من ابنه العزيز من حسن المداراة والتسكين للناس ما ضرب من أجله المثل بأيامه في مصر، وصار يقال: أحسن من أيام العزيز.
وكان من عجائبهم المستنصر؛ فإنه جاوز في أمر الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة في المشرق.
وكانت له من خزائن الأموال وعظم الأمر ونفوذه، واتساع الخطبة وفيضها. في أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره.
ثم انعكس عليه ذلك فاقتنصت البلاد بالمشرق والمغرب منه، واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة وافتقر وضعف أمره وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشيء: والله لقد أصبحت لا ينفذ لي أمر إلا من مكاني إلى باب قصري، ولا أملك مالًا إلا ما تراه علي وتحتي.
وعبيد الله المهدي أول خلفائهم يُشبه بالسفاح أول خلفاء بني العباس؛ فإنّ السفاح خرج من الحميمة بالشام طالبًا الخلافة، والسيف يقطر دمًا، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلال يؤسس له الأمر، ويُثبت دعوته، وعبيد الله خرج من سلمية في الشام، وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قد أذكت عليه، وأبو عبد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر، وبايعه صاحب دعوته، وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته؛ وأصبح أبو سلمة مقتولًا في حضرة السفاح فيُنسب قتله إليه.
وأما أدارسة الغرب، فإنّ إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵃ فرّ من وقعة فخ بظاهر مكة حين كانت الهزيمة على العلويين من قبل أصحاب الهادي، وقتل سليمان بن عبد الله بن الحسن، طالبًا الخلافة، فتنكّر إدريس وصار ملاجًا في بحر جدة، وتنقل في بلاد المغرب، إلى أن ثار وأدرك الخلافة بسبقة أقصى المغرب، وتوارثها بنوه، فكان أحد رجال العالم المتغلغلين في طلب الأمر حتى أدركوه؛ وهو مشبّه بالسفاح والمهدي في افتراع الدول، والابتداء لها، إلا أنهما كان لهما داع ووَطَّدَ دولتيهما، وإدريس لم يكن له داع إلا نفسه.
وكان من عجائب الأدارسة بالمغرب جنون بن أبي العيش بن جنون بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس، فقدمه جميع بني إدريس عليهم وصَحَّت له الخلافة فيهم.
وكان له خمسة وعشرون ولدًا ذكرًا، منهم: جنون بن جنون الذي أضرم المغرب نارًا.
стр. 1403
ومِنهُم: محمد بن جَنُّون نازع أباه رداء الخلافة، وحاربه واستولى على بصرة المغرب، وعظم فيها أمره.
ومِنهُم: الحسن الأعور بن جَنُّون ادَّعى النبوَّة في تاولا في المغرب.
ومن عظماء الأدارسة الذين يجب أن يَنُوّه بأفعالهم الناصر علي بن حمُّود، جاز من سبتة البحر إلى الأندلس، وقلب الدولة المروانية، وصيّرها علوية، واستولى على قطب الخلافة قرطبة، وسيق إليه الخليفة المستعين المرواني، فضربت عنقه بين يديه، ورسخت الدولة الحمُّودية بالأندلس.
وكان منهم العالي إدريس بن يحيى بن علي الناصر بن حمُّود، خطب له بالخلافة بمالقة وغرناطة وسبتة، وكان من ألطف الخلفاء مجالسة، وأحبّهم في الأدباء والشعراء، وكان يُشَبَّه بالراضي العباسي، وهو الذي لما أنشده ابن مقانا (١) الشاعر قصيدته التي منها (٢): [من الرمل]
وكأنَّ الشَّمْسَ لَمَّا أَشْرَقَتْ … فَانْثَنَتْ عَنْهَا عُيُونُ النَّاظِرِينَ
وَجْهَ إِدْرِيسَ بنِ يَحْيَى بنِ عَلِـ … ــيّ بنِ حَمُّودٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
والعالي وراء الحجاب على عادة خلفائهم في ذلك؛ فلما بلغ الشاعر إلى قوله:
أَنْظِرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ … إِنَّهُ مِنْ نُورِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
أمر برفع الحجاب حتى نظر إليه.
وأما بنو عبد المؤمن - وهم ينتسبون إلى بني سُليم بن قيس - فإنَّ مهديهم نَصَّ على عبد المؤمن، فولي الخلافة وتوارثها بنوه، وهو الذي افتتح البلاد، وقهر العباد، واستولى على حاضرة مراكش، وقتل أمير المسلمين تاشفين، وأخذ الأندلس من أيدي الثوار بها، والغرب الأقصى، والغرب الأوسط، وإفريقية، والمهدية استرجعها من أيدي الفرنج، فكان ممن عظم صيته وأغربت أخباره.
وأعظم ولده الموسومين بالخلافة المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن، ظهرت منه شهامة عظيمة، وهمة عالية، واعتناء بالعلوم، وبنى المنابر العظيمة بمراكش، ورباط
стр. 1404
الفتح، وأشبيلية، وضبط الأمر الأمر بهيبة تملأ الصدور، وغزا بنفسه نصارى الأندلس، فهزمهم الهزيمة التي أذلتهم، وأناخ بعساكره على قاعدة أعظم ملك لهم، وهي طليطلة، فحصرها، وقطع أشجارها، وعاث أجناده في ظواهرها، وفتح ما فتح من قلاعها.
وكان منهم المأمون بن المنصور، قلب الدولة عن قواعدها، وأسقط اسم مهديهم من الخطبة، وسفك الدماء، وارتكب من الأهوال ما لا يسع ذكره إلا ترجمته؛ وهو مشبه بمأمون بني العباس في القيام على أخيه والنهوض في الفتن، وقلب الدول؛ لأن المأمون صير الدولة علوية، وأزالها عن بني العباس.
وكان قد نزع منتزع المأمون في التنويه بالعلماء، والمناظرة في مجلسه، وإدرار الأرزاق عليهم، وكان للشعراء منه حظ عظيم.
قال ابن سعيد: وإذا قايسنا بين سلاطين المشرق وسلاطين المغرب، كان الفضل للمشرق، وذلك أن ما كان بأيدي المسلمين منه هو سلطنة السند التي تداولها القرشيون وتوارثوها، وكان سريرهم بها مدينة المنصورة، وما زالوا يتوارثونها إلى أن غلبت عليهم سلاطين العجم، وأضافها السلطان محمود بن سبكتكين إلى بلاده، وملكها شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، وآل أمرها إلى أن ملكها خوارزم شاه محمد بن تكش؛ ولما فر أمام التتر ومات في بحر طبرستان، وتماسك ابنه جلال الدين بما بقي من العساكر والبلاد، تبعه التتر وقاتلوه في بلاد السند، وهزموهم، وهزموه، وآل حاله معهم إلى أن أسلمها لهم، وطلب الغرب نحو آذربيجان، وبلاد الكرج وأرمينيه.
فكان الذي بأيدي المسلمين من بلاد الهند يستحق أن يسمى سلطنة؛ لأنه كان عدة ممالك جليلة، ولا سيما مذ فتح فيها محمود بن سبكتكين ما فتح، وأضاف إلى ذلك شهاب الدين الغوري ما أضاف.
وآل أمرها إلى أن ملكتها امرأة، واستولى عليها التتر بضرائب معلومة لهم. وما وراء النهر كان سلطنة عظيمة ذات ممالك كبيرة افتتحت مذ أول الإسلام في زمن قتيبة ابن مسلم، وعظمت شيئا فشيئا.
وكان كرسي سلاطين بني سامان فيها حضرة بخارى.
ومن بني سامان أخذها الأتراك الخانية، وكان بينهم وبين محمود بن سبكتكين مرة حرب، ومرة صلح، إلى أن استولى عليها السلجوقيون، ثم صارت بعدهم لخوارزم شاه محمد بن تكش، ومنه أخذها التتر.
وأما خراسان، فإنها سلطنة عريضة نابهة الذكر في القديم والحديث.
стр. 1405
وفيها قتل يزدجرد آخر سلاطين الفرس، فانقرضت دولتهم، وكان سريرها في مدة طاهر بن الحسين وبنيه مرو، ثم نيسابور إلى أن أخذها منهم الصفار، ثم قبض عليه بنو سامان، فانضافت إليها، واستولى عليها محمود بن سبكتكين بعد ذلك، وتداول عليها ولاة بيته، وسرير سلطانهم بمدينة غزنة، إلى أن استولى عليها السلجوقية، وعاث فيها الخطا بعد ذلك.
وكانت فيها فتن إلى أن انضافت للسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش، ومنه أخذها التتر.
وأما غزنة وما انضاف إليها من بلادها وجهاتها، وبلاد الغور، فإنها كانت في الدولة السامانية مخصوصة بسبكتكين. ولما استولى محمود على الممالك الجليلة، والسلطنات العظيمة، اتخذ غزنة سريرًا له، وكذلك فعل بنوه إلى أن دخلها سنجر شاه سلطان السلجوقية، وآل أمرها بعد ذلك إلى أن ملكها الغوريون، واستحوذ عليها التتر عند حروبهم على خوارزم شاه.
وأما خوارزم، فقد كان السلاطين الذين ملكوها في مدة السامانية يدارونهم، ويخطبون لهم؛ لعظم السامانية، إلى أن صارت لهم، ثم صارت لمحمود بن سبكتكين، ثم للسلجوقية، ثم ملكها تكش، ثم ابنه محمد المعروف بخوارزم شاه.
وجاءت الممالك إليه، وأنثالت من كلّ جهة عليه، وصارت له خوارزم، وما وراء النهر، وغزنة، وخراسان، وجرجان، وما انضاف إليها من بسطام، ودهستان، ومازندران، وعراق العجم، وكرمان، وسجستان، وفارس، فعظم أمره، وعزم على قصد العراق فرده الله عنه.
ثم دهمه خروج التتر، فتشاغل بهم؛ فلما هزموه، وفرّ أمامهم إلى بحر طبرستان، فمات في جزيرة هنالك، فاض التتر على بلاد هلك رأسها. وكان سرير سلطانه مدينة خوارزم على نهر جيحون، غرّقها التتر بالنهر المذكور.
وأما سجستان، فإنها سلطنة مذكورة، وعظمت فيها دولة بني الصفار وتوارثوها، وهي الآن من البلاد التي صارت في حكم التتر.
وأما كرمان، فإنها سلطنة مشهورة عظمت فيها دولة بني اليسع، وكانت في مدة مضافة إلى بلاد بني بويه.
وأما ديلمان، فهي سلطنة كبيرة سريرها مدينة الريّ، وينضاف إليها بلاد جرجان، وبسطام، ودهستان، وجبال الديلم، وجبال جيل وجيلان. وفيها قلعة ألموت
стр. 1406
التي يتوارثها النزارية، ولم يبرح التشيع فيها قديمًا.
وأعظم السلاطين الذين اشتهروا بملكها بنو بويه الذين منهم عضد الدولة. وآل أمرها إلى أن ملكها السلجوقية، ثم خوارزم شاه، ثم التتر إلا قلعة ألموت، وما صعب من جبال الديلم، فإنها في نهاية الامتناع.
وقد كان أنو شروان - عظيم سلاطين الفرس - ملك ما بين العراق ونهر جيحون إلا جبال الديلم، فإنها امتنعت عليه.
وأما مازندران، فهي البلاد المعروفة بطبرستان. وتوالى عليها من أئمة العلويين الذين كانوا يخطب لهم بالإمامة بها، ولم تزل في معظم حالها مخصوصة بأئمة العلويين؛ لأن أهلها على التشيع، وعلى هذا المذهب، فكانوا لا يرون عنه بديلًا، وكانت من البلاد التي صارت لخوارزم شاه، وبها استجاز أمام التتر، وركب مركبًا في بحرها إلى جزيرة هلك بها، وكانت مدينة آمل من مدنها قطبًا لأئمة العلويين بها.
وأما عراق العجم فهو المعروف في الكتب بالجبال وهي سلطنة تلاصق العراق وأعظم من توارث السلطان فيها بنو بويه، وكان سريرهم بها أصفهان، ولما صارت للسلوجقية واختاروا الإقامة فيها في أكثر الأحيان؛ لتوسطها بين بلادهم اتخذوا همذان سريرًا، وهي من البلاد التي صارت لخوارزم شاه فاستولى عليها التتر.
وأما فارس فهي سلطنة القوم الذين عرفت باسمهم، وأعظم من ملكها في الإسلام وتوارثت بها دولهم بنو بويه.
وملكها السلجوقية، وكان فيها من بقاياهم من امتنع بالحصون الشامخة، وجرت فيها خطوب طويلة.
وأما خوزستان فهي المعروفة في الكتب بالأهواز، وكان يعقوب الصفار الذي خرج من سجستان، وعاث في الأرض اختار الإقامة فيها، وبها مات، وسرير السلطنة فيها مدينة تستر - التي تقولها العامة بإعجام السين -.
وأما العراق، فهي السلطنة العظمى التي هي من الدنيا بمنزلة القلب من الجسد، ومن ملكها، فله الفضيلة على سلاطين العالم.
وبها كانت أكاسرة الفرس وسريرهم المدائن، وكانت قبلها مدينة بابل سريرًا، ثم صارت في مدة بني العباس - أدامها الله مقرًا للخلافة. وقطبها مدينة بغداد، وسامراء في بعض الأحيان.
وأما شهرزور، فإنها سلطنة تغلب عليها الجبال وأكثر ما كان سلاطينها من الكرد
стр. 1407
على ما يذكرون، وآل أمرها إلى أن كانت للسلطان الأعظم صلاح الدين - رحمة الله عليه - وصارت لبيت آق سنقر، وهم المعروفون بالأتَابَكية.
وأما الجزيرة، فإن سلاطين الأثوريين تداولوها قبل الإسلام فعرفت بجزيرة أثور.
وكانت الأكاسرة والأقاصرة يتجاذبون بلادها بينهم، وتغلب كل منهم على ما يلي بلاده، وعظمت فيها سلطنة بني حمدان إلى أن انقرضت وتوارثها سلاطين بني عُقَيل إلى أن غلبت عليها السلجوقية وأسندوا أمرها إلى أتابك آق سنقر، وكانوا يجعلون فيها أولادهم والأتَابكية لآق سنقر ومن بعده من ولده فتوارثوها إلى أن كان منهم السلطان الأعظم محمود بن زنكي، وآل أمرها إلى أن ملكها بدر الدين لؤلؤ - الملقب بالملك الرحيم - ولم تكمل له سلطنتها؛ ولكن معظمها له.
وأما الشام، فهي سلطنة جليلة كان فيها خلفاء بني أمية، واختاروها على غيرها، وقطب إمامتهم دمشق.
وكان منهم من يسكن البرية كهشام في الرصافة، وسليمان في مرج دابق. وتوالت عليها ولاة بني العباس، وعظم فيها سلطان بني طغج الذين ملكوا الديار المصرية، وكذلك بنو طولون، وسيف الدولة بن حمدان، وكان سرير سلطانه حضرة حلب، وكان له معظم الشام لما ملك دمشق، ثم خرجت عن يده، وجرت بعده فتن، فلم تخلص السلطنة بكليتها لأحد، إلى أن ملكها السلجوقية، ثم آل أمرها ١ أن استولى عليها السلطان محمود بن زنكي، ثم انضافت إلى البلاد التي استولى عليها السلطان الأعظم صلاح الدين، ولم تكمل بعده لسلطان، إلى أن ملك معظمها السلطان الأعظم الناصر صلاح الدين ابن الملك العزيز ابن الملك الظاهر ابن السلطان الأعظم صلاح الدين، وملك من سلطنة الجزيرة مملكة ديار مُضر.
وأما جزيرة العرب فإنها قطعة عظيمة، الحجاز منها سلطنة، ولكنها قليلة الخراج والعمارة، كثيرة البركة بالبيت الشريف، والنور المحمدي، زاده الله إشراقًا وفيضًا على أقطار الأرض، وقد كانت مقرًا للخلفاء المرضيين ﵃.
والمدينة مهاجر رسول الله ﷺ وقطب الخلافة، وكان فيها من الطالبين الإمامة من هو مذكور في موضعه، والغالب فيها أن تكون مقسومة غير كاملة لسلطان من العلويين بل هي على ما يذكر.
واليمن سلطنة ثانية من جزيرة العرب فيها كانت تبابعة العرب في الجاهلية، وسريرهم ظفار وصنعاء وسبأ، وتداولت عليها ولاة الإسلام.
стр. 1408
في سُكَّان الأرض من طوائف الأمم وكان فيها من الملوك الذين توزعوا ممالكها جملة، وكملت سلطنتها لبني زياد الدعّي، ودامت وكملت للصليحيين والزُّريعِيّين إلا أن يكون أحد المندسّين في قلعة أو جهة لا يخلّ بمعظم السلطنة، وعظم فيها أمر بني مهدي، وادّعوا الخلافة، وخطب لهم بأمير المؤمنين، فكانوا من الخوارج، ومنهم أخذها السلطان الأعظم صلاح الدين فصارت مضافة إلى بلاده.
وآل أمرها إلى أن كانت للسلطان المسعود ابن السلطان الأعظم الملك الكامل، فورثها عنه نور الدين بن الرسول، وكان سريرها في مدة بني زياد مدينة زبيد، وفي مدة الصليحيين صنعاء وجبلة، وفي مدة الزريعيين الدمْلوة، وفي مدة المسعود تعز.
وحضرموت سلطنة ولكنها طويلة ضيقة متجاذبة البلاد من جيرانها، وكذلك الشحر.
وعمان سلطنة أضخم وأنبه من حضرموت والشحر، إلا أنها لا تجتمع لسلطان واحد؛ لأن الخوارج استولوا على جبالها، وتوارثوا هنالك دولتهم.
وهجر سلطنة - وتعرف أيضًا بالبحرين - وأعظم دولة استبدت بها دولة القرامطة، دامت وورثت، ومن أصحابها من ملك الشام والحجاز مُلْك فنك ونهب، وأخبارهم هائلة.
واليمامة سلطنة صغيرة، وقد كان اقتطعها بنو الأخيضر العلويون، وتوارثوا بها الإمامة. وأما البلاد التي في شمال الشام والجزيرة، فإن أنبهها ذكرًا وأعلاها لجهة الشرق.
وأذربيجان وهي سلطنة جليلة، وكان فيها صيت عظيم لأبي الساج، وبنيه وبني البهلوان، وكانت من البلاد التي ملكها السلجوقية، وكان سريرها مدينة المراغة.
وأما البيلقان، فسلطنة تجاورها، سريرها مدينة شروان.
وأما باب الأبواب وما انضاف إليها من بلاد الخزر، فسلطنة سريرها مدينة الباب.
وأما الرّان، فسلطنة سريرها بردعة وتفليس وقد يضاف إليها البيلقان والباب. وهذه كلها جهات متقاربة قد غلب عليها التتر.
وأما أرمينية فسلطنة كبيرة سريرها خلاط، وكانت من البلاد التي انضافت إلى بني أيوب ﵏ وجرت فيها فتن كثيرة، وهي من بلاد التتر الآن.
стр. 1409
وأما البلاد المعروفة ببلاد الروم التي في شرقي الخليج القسطنطيني، فإن السلجوقية افتتحوها وهي بأيديهم إلى الآن. يعني ابن سعيد في زمانه.
وأما الآن، فهي للتتر، وسرير سلطنتها قونية وقيصرية، ويشركهم فيها ملوك الأتراك بكلمة شتى، ورأي مختلف يخاطبون بالإمارة.
قال ابن سعيد: وفي شمال هذه البلاد من بلاد أضاف الخزر، والترك، والبلغار، والصقالب - ما ذكر في هذا الكتاب في أوله - ولم يكن فيهم مسلمون إلا البلغار، وقد وصل التتر إلى بلادهم.
وفي الهند والصين التي بأيدي الكفار ممالك كثيرة عامرة جليلة. وقد داخل التتر أهل الصين في بلادهم وسلطنة التتر طمغاج، وسريرهم قرافرم، ومعناه الرمل الأسود.
وأما سلطنات المغرب؛ فأولها مما بأيدي المسلمين الديار المصرية، وهي عظيمة في الجاهلية والإسلام، وكان يعرف سلاطينها في الجاهلية بالفراعنة، وكان سريرهم مدينة منف، وجاء الإسلام وسرير سلطَانِهَا المقوقس مدينة الإسكندرية، ومدينة مصر التي تعرف الآن بالفسطاط، والجهة القديمة منها معروفة عندهم، ودام السرير بها في الإسلام.
وأعظم من ملكها بنو طولون، وبنو طغج، ومنهم أخذها العبيديون الذين خطب لهم بالخلافة، وصيروا القاهرة قطبًا لإمامتهم إلى أن أخذها منهم السلطان الأعظم الملك الناصر صلاح الدين فأبقاها سريرًا لسلطانه، وكذلك من بعده إلى أن سكن السلطان الكامل قلعة الجبل.
وتجاور الديار المصرية برقة، وهي سلطنة طويلة قد استولت عليها العرب، وكان سريرها في القديم مدينة طبرق.
وتليها إفريقية، وهي سلطنة جليلة شهيرة، كان يقال لسلطانها في الجاهلية جرجير، وكان سريره مدينة سبيطلة.
ومدينة قرطاجنة، وصار سريرها في الإسلام القيروان، ثم هي الآن مدينة تونس، وتوارثت سلطنتها في الأول بنو عقبة القرشيون، وتوارثها بنو الأغلب التميميون، وأخذها منهم عبيد الله المهدي الإسماعيلي، فتوارت بها الإمامة بنوه إلى أن رحل المعز العبيدي إلى مصر فولى على إفريقية صنهاجة من برابرة إفريقية، وكان أعظمهم في الشهرة، وحب الفضل المعزّ بن باديس، ثم أفسدت العرب سلطنته، وتوزعتْهَا بين ممالك، وبقى لابنه تميم المهدية، وما قرب منها، وتوارثها بنوه، وزال رسم السلطنة
стр. 1410
منهم إلى أن استولى عبد المؤمن عليها، فتوالت بها ولاته وولاته بنيه. وكان يحيى بن غانية الميورقي الملثم يناكدهم فيها إلى أن صفت للسلطان الأعظم الأمير أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص، وقد أضافت إليها همّته العلية وسعادته العلوية بلادًا من برقة، ومن الجزر البحرية، ومن الغرب الأوسط، ومن المغرب الأقصى، ومن الأندلس. وسرير ملكه كان تونس.
ويليها الغرب الأوسط، كان في صدر الإسلام قد اقتطعه بنو رستم، وكانوا خوارج ادعوا الخلافة، وكان قطب إمامتهم مدينة تيهرت، إلى أن أزال أمرهم الشيعي القائم بدعوة العبيديين. ومن أعظم من ملك سلطنتها جعفر بن علي الذي يمدحه ابن هانئ الأندلسي وكان سريره مدينة المسيلة.
قلت: [ومن قوله فيه: [من الكامل]
الْمُدْنِفَانِ مِنَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا … جِسْمِي وَطَرْفٌ بِابْلِيٌّ أَحْوَرُ
وَالْمُشْرِقَاتُ النَّيِّرَاتُ ثَلَاثَةٌ … الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ الْمُنِيْرُ وَجَعْفَرُ
ثم نعود إلى تتمة كلام ابن سعيد. قال ﵀:] ومَلَكَها بعد رحيل المعز العبيدي إلى مصر بنو حمّاد الصنهاجي، وتوارثوها، وكان سريرهم قلعة حمّاد المنسوبة إلى جدّهم، ثم صار مدينة بجاية.
ويليها سلطنة المغرب الأقصى، وهو المعروف ببر العدوة، وهذه الجهة أعظم جهات المغرب؛ لأنها ذات حواضر جليلة، وجبال مشمونة، وعرض وطول.
وكانت قد اجتمعت للأدارسة الذين خُطِب لهم بالخلافة، ثم اقتطع منها بنو مدرار مملكة سجلماسة، وحاكاهم غيرهم، فاختل عليهم نظامها، إلى أن صارت للعبيديين.
وكان بنو أمية - أصحاب الأندلس - ينازعونهم فيها، وصفت لأمير المؤمنين يوسف بن تاشفين، وكان سريره حضرة أغمات، فبنى حضرة مراكش، وانتقل إليها، وتداول عليها ولده إلى أن أخذها منهم عبد المؤمن الذي خُطِب له بالخلافة.
وأما بلاد السودان، فأعظمها عندهم من جهة قواعد السلطنة أرض الحبشة، وسمة سلطانهم النجاشي، وسريره مدينة جَرْمي.
وأرض علوة، وما ينضاف إليها سلطنة، وكذلك أرض النوبة. سريرها دنقلة.
وأرض الدمادم الذين خرجوا على أصناف السودان، فأهلكوا بلادهم، وهم يُشبهون بالترك، وكان خروج الفريقيّن في عصر واحد.
стр. 1411
وأرض الكانم، وما انضاف إليها من بلاد التكرور سلطنة طويلة ضيقة على ضفتي النيل، طولها أربعون يومًا، سلطانها مسلم من ولد سيف بن ذي يزن سلطان اليمن.
وأرض كفار التكرور سلطنة، ويليها من الأمم الكافرة إلى غانة إلى البحر المحيط مع طول النيل.
وأما جزيرة الأندلس فهي قطعة عظيمة انقسمت على سلطنتين:
سلطنة للمسلمين، وسلطنة للنصارى، فكانت سلطنة المسلمين من أولها عند الباب الذي يدخل منه إليها الأرض الكبيرة مع الساحل الجنوبي.
وكان السرير فيها قبل الإسلام أشْبيلية، وماردة، وطُليطلة، وفي الإسلام أشبيلية قليلًا، ثم استقر بقرطبة، وتوالت عليها ولاة بني أمية من المشرق إلى أن ملكها عبد الرحمن بن معاوية المرواني، وتوارثها بنوه، ثم خُطب لهم بالخلافة.
واستولى المنصور بن أبي عامر على خلافة المؤيد المرواني، فلم يكن له أمْرٌ، وورثت السلطنة عنه ابنه المظفر، ثم الناصر بن المنصور، فقتل وانقرضت سلطنتهم.
ولم تجتمع بعد ذلك سلطنة الأندلس بغير خلفاء بني مروان، إلى أن ملكها بنو عبد المؤمن.
ولما ثار عليهم المتوكل بن هود، اجتمعت سلطنة الإسلام بها، ولم يشذ عنه إلا مملكة بَلَنْسِية، وكورة طُبَيْرَة، وما انضاف إليها، فاستحق اسم السلطنة بمعظمها.
ولما مات توزعها ملوك.
وأما الأرض الكبيرة ذات الألسن الكثيرة، فهي سلطنات مختلفات كثيرة كسلطنة رومية والقسطنطينية، وسلطنة النّباذقة، وسلطنة الأنكردا، وسلطنة الباشقرد. والإسلام كثير في هذه السلطنة.
قال ابن سعيد: وأما الجندية، فإنها في المشرق أرفه وأضخم، وفي المغرب أضبط وأنجد، وذلك أنَّ القاعدة لهم في المشرق بمثل ما شاهدته في حلب، فقد أجمع المسافرون على رفاهية جندها وضخامتهم، أن يكون للفارس الواحد من عامة الفرسان فرس يركبه، وفرس يركبه غلامه، وبندقه في يده، وفرس يجنبه إلا لجندي حظي ذي همة.
وأكثر الجند عندنا بالأندلس أن يكون للجندي فرس يركبه، وفرس يركبه الذي ي حمل سلاحه، وفي بر العدوة الحال أخف من ذلك.
стр. 1412
أكثر جند إفريقية والمغرب الأوسط والمغرب الأقصى لا يكون للواحد منهم إلا فرس واحد، ويكون فارس الأندلس مدرعًا، وإن كان ذا همة وقدرة فيكون لفرسه درع واعتماده على الرمح الغليظ الطويل والترس على عادة النصارى الذين يقاتلونهم.
ولا يكون مدرعًا من فرسان البربر إلا أولو الهمة والقدرة، ولا يقاتلون بترس، ولا رمح طويل غليظ، بل بالسيوف والأرماح الخفيفة يزرقون بها زرقًا عجيبًا لا يكاد يخطئ، ويكون لهم بدل التراس درق تُصنع في المغرب من جلد حيوان يُعرف باللمط تنبو عنها السيوف، والرماح، وأكثر السهام.
وفرسان برّ المغرب البربري أحسن تصرفًا على الخيل من فرسان البر الأندلسي؛ لأن الأندلسي يثقله الترس والرمح الطويل الثقيل والدرع، فلا يستطيع التصرف، وإنما يحرص على الثبات، وأن يكون مثل الجوشن على فرسه؛ وربما كان له في السرج مخاطيف ينشبها في وسطه حتى لا يسقط إذا طعن.
وسروج جند الأندلس عالية المؤخر حفظًا من الطعن، وليست كذلك سروج البربر.
وركاب الأندلسي طويل، وركاب البربري قصير، والأمير عندهم في المشرق يباح له ضرب الطبول، ولا يباح ذلك في المغرب إلا لمن يلي مملكة، أو من يحلّ محله من عظماء قواده.
والأمير في الشرق تكون له في خاصته ما لا يكون للقائد في المغرب لجميع جماعته.
فقد سمعت أنه يكون للأمير بحلب في خاصته ما لا يكون ذلك للقائد، وجميع جماعته ثمانون ألف درهم في السنة. والجندي في المشرق يحتاج أن يكون معه رأس مال من خيل وعُدّة، والأمير في المشرق يلزمه كلفة عظيمة من مدّ السماط بالطعام في كل يوم، والتجمل الكبير في الثياب الحريرية الرفيعة، ويكون معه في السفر خزانة لأمور الطبخ، وخزانة للأسلحة، وخزانة للفرش، وآلات اللباس.
وإن كان ذا همة كان معه من أنواع الأشربة والمعاجن والترياق، ويكون له مملوك يحمل معه بقجة للباسه، ويكون وراءه، وكذلك مملوك آخر يحمل على رأسه السلاح، والفضيلة في جميع هذا تبيّن للمشارقة على المغاربة.
ثم قال ابن سعيد أيضًا: وإنما قلت: إن جُند المغرب أضبط وأنجد؛ لأنهم في
стр. 1413
نهاية من البعد عن الراحة والذم للرفاهية وخصوصًا الأندلس يصيخون لداع كلما سمعوا شعار الحركة بادروا، ومن أقام مقدارًا يزيد على العادة عوقب أشدَّ العقاب؛ وربما أحلَّ ماله ودمه. ويقيم الواحد منهم في الحصن الواحد عشر سنين وأكثر وأقلُّ. لا ناصر لهم إلا سلاحهم، ومنعة قلعتهم، لا يسأمون الحصار، ولا يتذلَّلون للغلبة.
[قلت: لو استحيا هذا الفاضل، لما ذكر مع فخامة جند الغرب إلا أن جعل مصر - كما قرر من المغرب - وما ذكر ذلك هنا، ولو احتاج هذا إلى مؤاخذة له، وإقامة الدليل عليه، لواخذته، وأقمت الدليل عليه، ولكنه أوضح من النهار الشارق، وأظهر من الجبل الشاهق.
والله لقد كان عند أمير من أمراء الدولة الناصرية بمصر مملوك محظي أخبرت أنَّ عنده ثمانين عليقة، وكان عند أمير آخر مملوك محظي أخبرت أنه عنده أربعين عليقة.
فأما قوله: إنَّ للأمير ثمانين ألف درهم في السنة لخاصته، فقول حقٌّ؛ ولكن أين هو عما يبلغ خواص الأمراء عندنا مما يزيد خاص الرجل منهم في السنة عن مائتي ألف دينار جيشية كما كان لبكتمّر الساقي، وقوّصون، وبشتاك؟! وأمّا من دون هؤلاء، فعدد جمّ لهم الخواص الكبيرة، منهم من يزيد خاصه على مائة ألف دينار، ومنهم من ينقص؛ فأمَّا من لا ثمانون ألف درهم منهم، فمن لا يرمق بطرف، ولا يرمى بالتفات، فأما أمراء الممالك الهولاكوية فلونينا تهم البحور التي لا يُدرَك أعماقها، والخزائن التي لا يُنفَد إنفاقها، فأمَّا الهند، فعلى قدره، وكفى قولنا هذا في تعظيم أمره.
وأما قوله: إنَّ الأمير يكون له مملوك يحمل لباسه، ومملوك يحمل سلاحه، وكلام قاله على ما رأى أو ظنَّ، فأمَّا أمراؤنا، فمنهم ملك ثمانمائة مملوك، ثم كلٌّ على قدره.
قال ابن سعيد:] وأما الوزارة، فالسفاح أول من استوزر بالمشرق، وهي بها أعظم من المغرب، كأنَّ الوزير نائبٌ للخليفة أو الملك.
قلت: وهذا مما لا يفاضل فيه؛ فإنَّ وزراء الغرب لو جمعوا أولهم وآخرهم وباقيهم وغابرهم ما «جاؤوا» بواحد من مشاهير وزراء الشرق، ولا أقول هذا إلا بحقٍّ، وسأذكر من هؤلاء وهؤلاء، ما تعرف به القول الصدق؛ ليعلم من أجاد في هذا المكان نظره، وحقق منه خبره، في أي القطرين الوزراء الذين تفتقر إليهم الدول، ويقتصر عليهم الأمل، وتقرطس إلى الغايات سهامهم، وتطرق بحلّي التصرف أيامهم، ويفسح ديمهم نوالًا، وتشْمَخ هممهم بما بَعُدَ منالًا، قد أرغمت أقلامهم معاطس الرماح حنقًا، وأخرجت صدور السيوف وأغصنتها شرقًا، فاحتاجت الملوك إلى مؤازرتهم،
стр. 1414
واحتالوا على إدناء مجالسهم ومزاورتهم، وكان منهم أرباب سيوفٍ، وأقلام كلاهما ماضية، وبالبؤس والنعيم قاضية، وترفعوا عن رتبة الوزارة إلى الملك والإمارة، وخرجت التواقيع تارةً عنهم، وتارةً مطرزةً من أسمائهم بالإشارة، فبلغوا مبلغًا عظيمًا، وحكموا في الممالك حكمًا عميمًا، ومنهم من أعطى الأقاليم، وأمطى المعاقل، ووهب الجسيم، واستأثروا دون الخلفاء والملوك ببعد السمعة والصيت، وحجتهم الوفود، ووقّت إليهم المواقيت، وقبلت لديهم الأرض، وشرقت حصاها على الدُّرر واليواقيت، ومدحتهم الشعراء بغُرِّ القصائد، ونصبت على سَواغِ جودهم أشراك المصايد، وتناقلت الرواة سيرهم، ودونت تواريخهم، واستكفت غيرهم، وكانوا مصابيح صباحه، ومجاديح سماحه، ومفاتيح أبواب الرزق والراحة، وكان منهم قادة جنود كُثرٍ، وجيوش دُثَّر.
وأما الكتاب بالمشرق ففيهم من يندى قلمه غضارةً، ويُبْدِي كَلِمُهُ كالروض المبتل نضارةً، ويلتقف من أفواههم سحر الكلام، ويلتقط من أشباههم نجوم الظلام، ما منهم إلا من إذا كَبَتْ كُتُبُ الصفائح، وكَبَّتْ وراءه القرائح.
يجيد متسرعًا، ويجيء بالدرر، ولا تلقاه للناس إلا متورعًا، تخرجُ زَهْرَهُ من أكمامه، وتخلّف زُهْرَةَ النّهارِ إذا وراه جُنْحُ ظَلامِهِ، أو جَنَاحُ غَمامِهِ.
وقد جاء في المتأخرين منهم من لم يرضَ طرف المتقدمين، ولم يُرْضَ جامع فكره حتى يلين، بل جاء بما هو أرق من النسيم نَفْسًا، وأعذب مما ذاب في كؤوس الغور لُعْسًا، وتفنن في الأساليب، وحكى ملحمة حربٍ، ولا يظنُّ سامعُه إلا أنه فضل غزلٍ أو نسيبٍ مع أحكام المعاني، واِتعاب من لها يعاني، واستيفاء شرط المعركة، وخط شواجر الرماح المشتبكة، لكن يكسوها من حلل ألفاظه ما يوهم السامع أن الحماسة غزل، وأن الأجفان الأجفان، والسيوف المقل، فيفيدها حلاوةً من نُطف ألفاظه العذاب، ولطف بدائعه التي تبدو في فيه كأنها الأُرْيُ المذاب، واخترعوا أنواعًا من البديع زادت كلامهم رونقًا، ونشرت منه روضًا مونقًا، وجرت من ينابيع خواطرهم سلسلًا متدفقًا، وسَيْلًا سبق ارتداد الطرف وكأنه جاء مترفقًا، وأتوا في هذا بما لا قدرت عليه الأوائل، وربما أتي لهم وما أتوا فيه ببطائل، وإن كان أصل ما جاء للمتأخرين ما غبر، فإن السيوف تحزُّ الرقاب وتعجز عما تنال الإبر.
وكذلك إذا نظرت بعين المنصف، واطرحت هوى النفس لا تجد للمغرب مع المشرق يدًا في فضل ولا باعًا في علياء، وإن كنت قد ذكرت هذا مجملًا، فسأفصله، أو مبهمًا فسأبينه.
стр. 1415
والله علي أن لا أعدل عن صراط الحق السوي، ولا أنكب عن قصد الإنصاف الأمم، ولا أدعي ذلك في الإفراد بل في الجملة، ولا في الجزء، بل في الكل، وبالله أسترشد، ومنه أسأل الإعانة.
ثم إني لا أقصر ما وجدت طلقًا ممتدًا إلا إذا خشيت أن أمل، ولا أطيل ما رأيت إيجازًا مغنيًا إلا إن خفت أن أضل.
وها أنا أقول: إن الذي يُعرف به التفاضل منحصر في الحيوان. والنبات والمعدن، وأشرف الحيوان الإنسان، وهو طبقات متفاوتة، أعلاها ذروة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم بعدهم أصحابهم، ثم الناس أشباه، وإن تفاوتت درجاتهم، وتباينت أقدارهم، لا يفضل فيهم إلا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والنفع بهم أعم من الأولياء.
فأما الأنبياء - صلوات الله عليهم - فقد تقدم ما فيه كفاية من تقرير شرف المشرق بهم، وشرف المغرب بسببهم؛ إذ كان بالشرق مواضعهم ميلادًا، ومباعثهم أحياءًا، ومدافنهم أمواتًا؛ إلا من كان بمصر، أو دخل إليها ممن ليس من أهلها، ثم خرج منها على ما بين فيما تقدم ببعض تفصيل فيه غنى.
وكذا الشأن في الصحابة الفائزين بفضل السابقة، وقد مضت في هذا لُمع وأَوْمَضَتْ أشعتها، ومضت وبقيت في الآذان سمعتها، ولو عُدلوا بنظير في المغرب، لذكرناهم، فإذا لم يكن، فلنضرب عن ذكرهم صفحًا، ولنكن لهم دون منبلج الليل صبحًا، اللهم إلا من لزم ذكره مع طائفة لم يكن من ذكره معدٌّ بد، ولا لسبيل هذا التصنيف عنه مردّ؛ [فإن انتصر للمغرب فقال: لا يلزم من عدم الإطلاع على أن من المغرب أنبياء، أنه لم يكن به أنبياء لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (١) ومن المحقق أن الغرب لم يزل فيه أمة بعد أمة.
فالجواب: أنه ليس في الآية ما يدل على ذلك؛ لأنه - تعالى - قال:
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٢)، ولم يقل «منها» التي هي للتبعيض، ليكون النذير من أمة الغرب، كما هو في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (٣) بـ «من» التي هي للتبعيض؛ وقد قرأ بعض القراء «من أنفسكم» بفتح الفاء فأفاد أنه منهم من أشرفهم، فاحتمل أن يكون النذير «فيها» وليس «منها»، ويبقى أن يكون النذير الذي فيها.
стр. 1416
«منها» موقوفًا على النقل، ولم نعلمه فهذا أمر الأنبياء بالجانب الغربي].
وأما من بعدهم، فأعلاهم كعبأ القراء، ثم أهل الحديث الشريف، ثم الفقهاء، ثم أهل اللغة، ثم أهل النحو، ثم الفقراء، ثم أصحاب القلوب، ثم الحكماء، وهم أصحاب العلوم الثلاثة، والوزراء، والكتاب، والخطباء، والشعراء، والأذكياء، وعقلاء المجانين، والحمقى، والمغفلين.
وها أنا ذاكر لهم في كل قسمي المشرق والمغرب على هذا الترتيب، وأسوقهم زمرًا للدخول في هذا التبويب، وآتي بمشاهيرهم جاهلية وإسلامًا، وأمواتًا وأحياءًا إلى عصرنا الذي شرعت شمسه تجنح، وأن لبحر الليل على نهر نهاره أن يطفح، وحان للثور الحامل للدنيا أن يلقى قرنه، ولإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور أن يلقم قرنه، وللجديدين أن يخلق ثوباهما، وللخافقين أن يلتقي جانباها، وللأفق أن ينزع سواره من معصمه، وللشفق أن ينضح بماء الصباح ما تلطّخ به ثوبه من دمه.
ولقد كان لي بانتظار الأجل القريب شغل عن زخرف القول الذي فيه تعليل لباطله، وتشقيق الكلام الذي فيه تعليق اللسان بحبائله؛ بل للهم فيما أثبته ذكرى بمصارع الأموات، وبمواقع الصائد المجد في مصائد المنون، وقد ظنّ أنه قد سبق به الفوات، وإذ قد عرضت عرضي بهذا التأليف هدفًا لسهام الألسنة الراشقة، وذريئة لرماح الطعن الماشقة، وسمحت به طرفة لكل خاطف، وثمرة لكل قاطف، ينهبه كل ناهب، ويذهب به كل ذاهب، وأقدمت على هذا النبأ العظيم، ورغبت في هذا الكلأ الوخيم، وحجمت على هذا الملأ الذي لا أكاد أثبت منه معرفة واحد من أمة، ولا أميز صفة ذا غرة من دهمه، واقتحمت هذا البحر وأنا أعرف خطره، ودخلت هذا البر وأنا أجهل خبره. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾ (١).
فها قد رهنت بما قلت كلامي، وحاللت بما قالوا لوامي، وركبت الغمرة وأنا لا أعرف أسبح، وسريت الليل وأنا لا أدري فجره أين أصبح؟!.
على أنني أرغب إلى من أعاره أدنى تأمل، أن يكشفه ليتبين أتيت صوابًا أم خطأ، وأصالة أم خطلًا.
فوالله ما قصرت جهد المقدرة، ولا فعلت إلا فوق الطاقة إن قُبِلَ مني المعذرة.
وقد دخل في ذيل الحكماء أرباب الكلام وأصحاب الموسيقى، واشتمل ثوب.
стр. 1417
الأدباء على أعيان الوزراء، وعيون الكتاب، والخطباء، والشعراء، وقدمت الكتاب على الخطباء؛ لأنّ الكاتب لو شاء جرَّد من نفائس تقاليده ومناشيره وتواقيعه دواوين خطب، وأفانين تهزُّ بجذع منبره بها من خُطَب، والخطيب قد لا يقدر على إنشاء رسالة واحدة، وكذلك أرباب المقامات التي لو حقق ما وضعت له لم يكن فيه كبير فائدة.
ثم أذكر بعد نوع الإنسان سائر الحيوان، ثم النبات، ثم المعدن، ناقلًا له من كتب الأطباء والعشابين، مصورًا لما قدرت على تصويره منه، محررًا له بغاية الإمكان، بعد أن آخذ رأي أرباب هذا العلم فيه، ثم من طاف بنظره في كتابنا هذا في الجانبين، وكمل دورة المشرقين والمغربين، رأى الشرف لمكانه، والفضل لأهله.
وهذا أوان الشروع - وبالله التوفيق - والبدأة بالقراء.
* * *
стр. 1418
[مَشَاهِيرُ الْقُرَّاءِ]
ومن أعلام القراء: وبدأنا بالقراء، لشرف القرآن العظيم، ولما تضمنه من الآيات والذكر الحكيم؛ وإذ لا ترى إلَّا حائِمًا على معينه، وهائمًا به، وما رأى أعين عينه، ومغرى شغفًا به بسبب تنزيله، ومغرمًا كلفًا بطلب تأويله، ومحتجًا به لحقه، وآخر - وحاشاه - لأباطيله.
هذا وما رابهم من ليلى الغداة سفوْرُها، ولا راعهم وراء الحجب ستورها، بل أضحت لهم سافرة القناع، بارزة على يفاع، وضوح معنى، ونزوح مغنى. تستنبط منه هذه الأمة على اختلاف فرقها، وتستسِل منه الأدلة أجنحة طرقها، لا تجد إلا من يردّ حياضه المتاقة، أو يجمع به ضواله المتفرقة، ويصل أعضاءه الموزعة، وأشلاءه الممزقة، حتى فرق الخلاف للفرار من الاختلاف، لا ترى إلَّا من يدلي منه بدليل، ويصحح قوله الممرض منه بتعليل: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (١) ولا يزالون مختلفين إِلَّا من رحم ربك، وهذا القول، وحسبك: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢).
واعلم أن بشرف القرآن العظيم شرف أهله، وتقدمهم تبع لفضله، وهم حملته البررة ونقلته، وصدورهم له صحف مطهرة وإذ هم حفظته، هم به محفوظون. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣)، وقال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٤)، وقال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (٥) فجعلهم منه. هذا إلى ما لا يحصى مما جاء فيهم، وورد في فضلهم. وها نحن نذكر مشاهير قراء المشرق حتى نتبع الأموات بالأحياء، ثم نتبعه بمثله في مشاهير قراء المغرب، وبدأنا بأبي ابن كعب؛ لأن منه زخر عباب هذا البحر الخضم، وإلى كنف الأخذ عنه أكثر القراء انضم.
стр. 1419
لقد فخر به المشرق حتى جر جلبابه خيلاء، وتهلل حتى أشرق لآلاء، وكذا بقية القراء والسبعة الذين آل إليهم التقصي، وانتهى الطلب المستقصي.
ولقد أشرت إليهم في قولي لي وهو (١):
ثم على نحو هذا يكون الشأن في ترتيب أمثالهم في هذا القسم حتى ننتهي بعون الله إلى آخره، ونقف على ساحله لا نبالي بخوض زخره: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).
* * *
стр. 1420
[مشاهير القرّاء في الجانب الشرقي]
[١] أُبَيّ بن كَعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النَّجّار أبو المُنذِر الأنصاريّ (١)
أقرأُ الأمة، وأرقى القراء رتبة، جَلَت ببدر الظلمة، شَهِد يومها المعلم، وكان ممن نفر يريد عير قريش مع النبيّ ﷺ حتى نصر الله نبيه، وأظهر
стр. 1421
معه من أبي أبيه، شرف بما عارضه به رسول الله ﷺ من القراءة، وشرع له في القراءة البداءات وله سابق الصحبة، وسابق الرتبة من الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان وضمنوا النصر، وبذلوا نفوسهم في الضمان، يحبون من هاجر إليهم، ويحبون إخوانهم بمشاطرة ما في أيديهم، فعل من أحب الله وأحبه - ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (١).
عرض القرآن على رسول الله ﷺ وأخذ القراءة عنه عبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وأبو عبد الرحمن السلمي، وحدث عنه سويد بن غفلة، وعبد الرحمن بن أبزى، وأبو المهلب، وآخرون. شهد بدرًا والمشاهد كلها، ومناقبه كثيرة وكان رُبْعَةً من الرجال، شيخًا أبيض الرأس واللحية.
روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «أرحم هذه الأمة بها أبو بكر … » وذكر الحديث، وفيه «وأقرأهم لكتاب الله أبي بن كعب» (٢).
وروى أبو قلابة مرسلًا: إن رسول الله ﷺ قال: «أقرأهم أبي بن كعب» (٣).
وقال ابن عباس، قال عمر: «أقضانا علي، وأقرأنا أبي»، (٤).
وعن أنس - أن النبي ﷺ قال لأبي: إني أمرت أن أقرأ عليك، وفي لفظ «أن
стр. 1422
أقْرَأْتُك القرآن» قال: الله سماني لك؟، قال: «نعم»، فبكى أبي (١).
وقال أبو المهلب: كان أبي يختم القرآن في ثمان.
وقال رسول الله ﷺ لأبي:
أي آية معك في كتاب الله أعظم؟، قال: «الله لا إله إلا هو الحي القيوم .. »
فقال: «ليهنك العلم أبا المنذر» (٢).
وقال عمر يوم موت أبي: اليوم مات سيد المسلمين.
وكان رسول الله ﷺ يقول:
«استقرئوا القرآن من أربعة، عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة» (٣).
وتوفي أبي بن كعب بالمدينة، قال ابن معين: سنة عشرين، أو تسع عشرة. وقال الواقدي، وابن نمير، والترمذي، وغيرهم: سنة اثنتين وعشرين.
[٢] أبو عبد الرحمن السلمي (٤) مقرئ الكوفة
واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة.
стр. 1423
ولد في حياة النبي ﷺ ووجد له ما يحق له به أن يتقدم.
لقي جلّ الصدر الأول حتى كاد يُعَدُّ منهم، وَصَدَرَ رَيَّانَ بما روي عنهم قراءات تلقى عنهم حفظها، وتلقن منهم لفظها، عرضها مكررًا، وعرفها تدبرًا بحسن إيراد كأنه جنى النحل المشار، وذكاء فهم كأنه ذكاء الشمس، ولهذا كان مثل عثمان إذا سئل عن شيء إليه أشار.
قرأ القرآن، وجوده، وبرع في حفظه، وعرضه على عثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وحدث عن عمر، وعثمان. وأخذ عنه القراءة عرضًا عاصم بن أبي النجود، ويحيى بن وثاب، وعطاء بن السائب، وعبد الله بن عيسى ابن أبي ليلى، وأبو عون محمد بن أيوب الثقفي، والشعبي، وإسماعيل بن أبي خالد، وعرض عليه الحسن والحسين.
وقال أبو مرثد: تعلّم أبو عبد الرحمن السلمي القرآن من عثمان وعرضه على علي.
وقال أبو إسحاق السبيعي: كان أبو عبد الرحمن يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة.
وقال سعد بن عبيدة: أقرأ أبو عبد الرحمن في خلافة عثمان، إلى أن توفي في إمرة الحجاج.
وقال أبو عبد الرحمن: أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر، حتى يعلموا ما فيهن، وكنا نتعلم القرآن والعمل به، وأنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوزها هنا، ووضع يده على حلقه.
وجاء أبو عبد الرحمن بيته فوجد فيه جلالًا وجزرأ، فقال: ما هذا؟
قالوا: بعثت بها عمرو بن حريث؛ لأنك علمت ابنه القرآن، قال: ردوه. إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرًا.
وروى أبو عبد الرحمن عن عثمان أن النبي ﷺ قال: خيركم من تعلّم القرآن
стр. 1424
وعلّمه (١) قال أبو عبد الرحمن: فذلك الذي أقعدني هذا المقعد.
وقال اسماعيل بن أبي خالد: كان أبو عبد الرحمن يعلّمُنا القرآن خمس آيات خمس آيات.
وقال أبو عبد الرحمن: خرج علينا علي بن أبي طالب وأنا أقرئ. وكان أبو عبد الرحمن يسأل عثمان عن القرآن، وكان ولي الأمر، فشقّ عليه، فقال: إنك تشغلني عن أمر الناس، فعليك بزيد بن ثابت، فأقبلت على زيد، فقرأت القرآن عليه ثلاث عشرة سنة.
وقال أبو عبد الرحمن: حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان، وابن مسعود، وأُبيّ ابن كعب، أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى، حتى يتعلّموا ما فيها من العمل.
وقال عطاء بن السائب: دخلنا على أبي عبد الرحمن نعوده، فذهب بعضهم يرجيه، فقال: أنا أرجو ربي. قد صمت له ثمانين رمضانًا.
وحديثه مخرّج في الكتب الستة.
توفي سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث وسبعين، وقيل: في إمرة بشر على العراق، وقيل في أوائل ولاية الحجاج - والله أعلم -.
وأما قول ابن نافع: مات سنة خمس ومائة، فغلط.
ومنهم:
[٣] مجاهد بن جبر (٢)
الإمام أبو الحجاج المكي المقرئ المفسر، أحد الأعلام، والمتقدمين من قراء
стр. 1425
الإسلام، وأهل الرواية في حديث النبي - صلى الله عليه أفضل الصلاة والسلام - وممن يؤخذ عنه أسرار التنزيل، وحقائق التفسير بالنقل لا بالتأويل.
بحرًا أخذ عن حبر الأمة علمًا جمًا غير قليل، وراو عن ابن عباس هم في سلسلة الذهب، كعب من كعابها أو قنديل.
قرأ على ابن عباس، وروى عن عائشة، وأبي هريرة، وسعد، وعبد الله بن عمرو، وجماعة من الصحابة.
وقرأ عليه ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن، وغيرهم، وحدث عنه قتادة، والحكم، وعمرو بن دينار، وخلق.
وجاء عنه: أنه قرأ القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، والذي صح عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عَرَضات، أتفقه عند كل آية، أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟.
стр. 1426
وروى عنه أبو مرشد، أنه قال: ختمت القرآن على ابن عباس تسعًا وعشرين مرة.
قال قتادة: أعلم من بقي في التفسير مجاهد.
وقال سلمة بن كهيل: كان مجاهد ممن يُريد بعلمه الله.
تُوفي سنة ثلاث ومائة، وقد نيف على الثمانين.
ومنهم:
[٤] عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة أبو عمران اليحصبي (١)
إمام أهل الشام في القراءة، وأحد السبعة، لكن تقدَّمت وفاته، فحصلت به البداءة. قرأ القرآن، وأمّ به، وحَكَم، فقضى بموجبه، ونظر في أمر جامع دمشق حين أمر ببنائه، فشيدَ بناءه، وصرف إليه اعتناءه، ثم كان رئيسًا به لا يُرى فيه بدعة إلا غيرها، ولا ثُغرة إلا عُمرها.
وُلد على عهد رسول الله ﷺ ففاز ببركة ذلك المولد، ونشأ بين ظهراني الصحابة ﵃ في كَرَم المحتد، فأمسى وفضله يقصّ أثاره ولا يُستقصى، وأصبح وبه شرف يحسب ولا يُحصى.
قال خالد بن يزيد المُرّي: سَمعتُ عبد الله بن عامر يقول: قَبض رسول الله ﷺ
стр. 1427
ولي سنتان، وانتقلتُ إلى دمشق ولي تسع سنين، وقرأتُ على معاذ وأبي الدرداء، وقرأتُ على معاوية، وواثلة بن الأسقع، وقرأ على رسول الله ﷺ .
وقيل: إنه عرض على عثمان، وقيل: لم يقرأ عليه بل سمع قراءته في الصلاة. وذكر الأهوازي في الإيضاح في قراءة ابن عامر اثني عشر قولًا.
وروى يحيى بن الحارث عن ابن عامر أنه عرض على أبي الدرداء، وهو خبر غريب، وعليه اعتمد أبو عمرو الداني وغيره في قراءة ابن عامر على أبي الدرداء.
والذي عند هشام وابن ذكوان، والكبار أنَّ ابن عامر إنما قرأ على المغيرة المخزومي عن عثمان وهذا هو الحق.
وذكر الأهوازي في الإيضاح: ستة وأربعين نفسًا أخذوا القراءة عن ابن عامر.
ولي ابن عامر قضاء دمشق بعد أبي إدريس الخولاني، وكان على نظر جامع دمشق.
وقال يحيى بن الحارث: كان ابن عامر قاضي الجند، وكان رئيس المسجد لا يرى فيه بدعة إلا غيرها.
وقال الهيثم بن عمران: كان رأس المسجد بدمشق في زمن عبد الملك، ومن بعده عبد الله بن عامر.
وكان يُغمز في نسبه، فجاء شهر رمضان، فقيل: من يؤمنا؟ فذكروا المهاجر بن أبي المهاجر، فقالوا: - ذلك مولى ولسنا نريد أن يؤمنا مولى، فبلغت سليمان بن عبد الملك؛ فلما استخلف بعث إلى المهاجر، فقال: إذا كان أول ليلة من رمضان فقف خلف الإمام فإذا تقدم ابن عامر، فخذ بثيابه، واجذبه، وقل: تأخر فلن يتقدّمنا دعي، وصلِ أنت يا مهاجر. ففعل.
توفي ابن عامر سنة ثمان عشرة ومائة.
ومنهم:
[٥] عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زاذان (١)
أبو معبد الكناني، الداري، المكي، مولى عمرو بن علقمة الكناني، إمام المكيين
стр. 1428
في القراءة، أصله فارسيٌّ إلا أنه عجميٌّ أتقن الكتاب العربيَّ حفظًا وأداءً،
وأجاد فيه قراءةً وإقراءً، وكان بمكة المعظمة إمامَ حرمها، وغَمامَ كرمها، وتصدَّرَ لإقراء القرآن الكريم في أول بقعةٍ نزل بها، وصدع بنوره جنح غيهبها، فامتدَّ بها مشرعُه حيث نبع، وتلألأ في جوانبها فجره حيث انصدع، وكان حول الكعبة البيت الحرام مدارس آياته، ومدارُ منطقه حلقة جماعاته، لو حُبِّي إلى زمانه جدُّه زاذانَ لا زَدانَ، وحلَّ محل سيف بن ذي يزن في غمد غمدان.
قرأ على عبد الله بن السائب المخزوميّ، ومجاهدٍ، ودرباسَ مولى ابن عباس.
وتصدّر للإقراء، وصار إمام أهل مكة في ضبط القرآن؛ قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، وخلْقٌ.
قال سفيان: رأيته يخضب بالصفرة، ويقَصّ للجماعة، وكان فصيحًا، بليغًا، مفوهًّا، أبيض اللحية، طويلًا، جسيمًا، أسمر، أشهل العينين، عليه سكينةٌ ووقار، وكان داريًا بمكة، وهو العطار، وهو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى إلى صنعاء، فطردوا عنها الحبشة.
قال سفيان بن عيينة: حضرتُ جنازة عبد الله بن كثير سنة عشرين ومائة.
وقال ابن سعد: سنة اثنتين وعشرين، وقيل: عاش خمسًا وسبعين سنة.
وبعض القراء يغلط، ويورد هذه الأبيات لعبد الله بن كثير: [من المتقارب]
بَنِي كَثِيرٍ كَثِيرٌ الذُّنوبُ … فَفِي الحِلِّ وَالْبُلْغِ مِنْ كَانَ سَبُّه
وإنما هي لمحمد بن كثير أحد شيوخ الحديث بعد المائتين - والله أعلم - ومات
стр. 1429
شيخه عبد الله بن السائب بَعيْد السبعين، وقد قرأ على أبي بن كعب، وقرأ مُجاهد على ابن عباس.
ومنهم:
[٦] يزيد بن القعقاع (١)، أبو جعفر القارئ
أحد العشرة. مدني مشهور، رفيع الذكر، قرأ على مولاه المخزوميّ وِفاقًا، وعلى أناس آخرين ممن أنس منهم إشفاقًا، وصلى بابن عمر إمامًا اتفاقًا.
أقرأ دهرًا، وعمَر ثاني المساجد عَمرًا، وحلّى أطراف آناته بسبح تسابيحه، ونوَّر جباه محاريبه بأزهى من مصابيحه.
وقرأ القرآن كما تلقاه عن النبي ﷺ على ضريحه.
وكان إذا جلس يُقرِئ القرآن الكريم أمال له رأسًا، ولقي منه أمَنَةً نعاسًا، وكان يتحيل بأنواع الحيل؛ لطرد طارق الملل؛ لينفضه عن هدبه، ويدحضه لينقي دَنَس تغطيته على قلبه، ويحرص، ولا يجد سبيلًا إلى تمزيق ما خاطه النعاس على جَفْنيه، ويجهد في نزع مُخيّطه ولا يَقْدِر عليه.
قرأ القرآن على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ وِفاقًا، وقال غير واحد: قرأ أيضًا على أبي هريرة، وابن عباس عن قراءتهم عن أبي بن كعب.
وصلى بابن عمر، وحدَّث عن أبي هريرة وابن عباس، وتصدّى لإقراء القرآن دهرًا، فورد أنه أقرأ القرآن في مسجد النبي ﷺ من قبل وقعة الحَرَّة - وكانت الحَرَّة سنة ثلاث وستين - وأنه كان يُمسك المصحف على مولاه عبد الله بن عياش، وأنه أتى به إلى أم سلمة، وهو صغير، فمسحت على رأسه، ودعت له بالبركة.
وكان يقوم الليل، فإذا أصبح، جلس يُقرئُ الناس، فيقعُ عليه النوم، فيقول لهم: خُذوا الحصى، فضعوه بين أصابعي، ثم ضَمُّوها، فكانوا يفعلون ذلك، وكان
стр. 1430
النوم يغلبه، فقال: أراني أنام على هذا، فإذا رأيتموني قد نمت، فخذوا خصلة من لحيتي، فمُدُّوها. قال: فيمُرُّ عبد الله بن عياش مولاه، فيرى ما يفعلون به، فيقول: أيها الشيخ ذهبت بك الغفلة، فيقول أبو جعفر: إنّ هذا الشيخ في خلقه شيء، دوروا بنا وراء القبر موضعًا لا يرانا.
وقال سليمان بن مسلم: رأيتُ أبا جعفر القارئء على الكعبة، فقلت: أبا جعفر؟، قال: نعم. أقرئ إخواني السلام، وأخبرهم أنّ الله جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، وأقرئ أبا حازم السلام، وقل له: يقول لك أبو جعفر: الكيس الكيس؛ فإنّ الله وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات.
قال: وشهدت أبا جعفر حين احتضر جاءه أبو حازم ومشيخة، فأكبوا عليه يصرخون به، فلم يُجِبْهُم، فقال خَتَنُه شيبة: ألا أريكم منه عجبًا؟
قالوا: بلى فكشف عن صدره فإذا دوّارة بيضاء مثل اللبن، فقال أبو حازم وأصحابه: هذا والله نور القرآن.
وقال سليمان: فقالت لي أم ولده بعد ما مات: صار ذلك البياض غرةً بين عينيه.
وقال نافع: لما غسل أبا جعفر، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شكَّ من حضر أنه نور القرآن.
وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة في قول محمد بن المثنى، وقيل: سنة ثمان وعشرين.
وقال خليفة: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين عن نيف وتسعين سنة.
ومنهم:
[٧] عاصم بن أبي النُّجود بهدلة الأسدي (١)
مولاهم الكوفي القارئء الحناط، الإمام أبو بكر أحد السبعة، وواحد الكل في الأمصار
стр. 1431
السمعة. ما قرأ عليه من حرم، ولا أوى منه إلى عاصم من أمر الله إلا من رحم، من حاج به، وأسكت مخاصمًا، ومن حاذ به، كان له من الخطأ عاصمًا، ذو همز ومد في القراءة، لا يجاري البحر جواد مده، ولا يستطيع البرق من الهمز ما عنده، ولم يكن مثله في نسك شمر له أزاره، وزهد غضّ بصره عن النهار الواضح، فلم يرض فيما فضض الضحى لُجَيْنَه، ولا فيما ذهب الأصل نضاره، مع ميل إلى المساجد حيث مرَّ بها عاج بركابه، وانصرف حتى يكون سرًا تحنى عليه أضالع محرابه.
حميت منه أسد بليث عرينها، وغيث قرينها، وناسك حيِّها الذي تصيب سهام دعائه ما أخطأته رواشق النبل أعْيُنُ عَيْنِها.
قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حُبَيْش، وحدث عنهما، وعن غيرهما.
وقرأ عليه أبو بكر بن عياش، وأبو عمر البزار، وخلْق، واختلفوا اختلافًا كثيرًا في حروف كثيرة، وتصدّى لإقراء كتاب الله تعالى، وانتهت إليه الإمامة في القراءة بالكوفة بعد شيخه أبي عبد الرحمن السلمي، وكان أحسن الناس صوتًا بالقرآن.
قال أبو إسحاق السبيعي: ما رأيتُ أحدًا أقرأ من عاصم بن أبي النجود.
وقال حسن بن صالح: ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أفصح من عاصم بن أبي النجود إذا تكلَّم يكاد يدخله خيلاء.
وقال عاصم: ما قدمتُ على أبي وائل من سفر إلا قبْلَ كُفي.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألتُ أبي عن عاصم؟، فقال: رجل صالح، خير ثقة، فسألته: أيُّ القراءة أحبُّ إليك؟، قال: قراءة أهل المدينة، فإن لم يكن فقراءة عاصم.
وقال عاصم: مرضت سنتين، فلما قمتُ، قرأتُ القرآن، فما أخطأتُ حرفًا.
وكان عاصم صاحب همز ومدّ، وقراءة شديدة، وسنَّةٍ ونُسُك.
وقال ابن عياش: كان إذا صلَّى، ينتصب كأنَّه عودٌ، وكان عابدًا خيرًا، أبدًا
стр. 1432
يُصلي. ربما أتى حاجة، فإذا رأى مسجدًا، قال: مُلْ بنا إليه فإنَّ حاجتنا لا تفوت، ثم يدخل، فيُصلّي.
قال: ودخلت عليه، فأغمي عليه، ثم أفاق فقرأ: «ثمّ رُدّوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم، وهو أسرع الحاسبين»، فهمز، فعلمتُ أنَّ القراءة تنجيه منه.
وقال عاصم: من لم يحسن من العربية إلا وجهًا واحدًا، لم يحسن شيئًا.
وقال حفص بن سليمان؛ قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها، فهي القراءة التي قرأتها على أبي عبد الرحمن السلمي، وما كان من القراءة التي أقرأت أبا بكر بن عياش، فهي القراءة التي كنتُ أعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود.
وقال ابن عياش: لم يكن عاصم يعد ﴿الم﴾ آية، ولا ﴿حم﴾ آية، ولا ﴿كهيعص (١)﴾ آية، ولا ﴿طه﴾ ولا نحوها آية.
توفّي في آخر سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة ثمان وعشرين ومائة، فلعله في أولها.
وكانت وفاته بالكوفة ﵀.
ومنهم:
[٨] حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الإمام أبو عمارة الكوفي الزيات (١)
أحد السبعة. مولى آل عكرمة بن ربعي التميمي.
إمام أنس بالقرآن، وغرس في القلوب شجراته المثمرة الأفنان، وتحلّى بالعفاف، وتخلّى إلا عمّا يقوم به من الكفاف، قنع بما يقتات به من ربحه متجرًا، ولمّا تفيًا بحزله من فضل التقى متزّرًا.
ذو معرفة بالفرائض لا يخطئ في الذهن فرضه، ومعارض لا يخطف الأبصار إلا ومضه.
стр. 1433
يفنيك فهما يشرق فجره، وعلما يفرق بحره، وهو حجة أهل الكوفة في القراءة، وفي علم كتاب الله، وما وراءه.
ناهيك به علما فردا، وواحدا تجاوز حدا، وفريدا جاء من معجز القرآن بما به يتحدى.
ولد سنة ثمانين، وأدرك الصحابة بالسن، فلعله رأى بعضهم، وقرأ القرآن عرضا على الأعمش، وحمران بن أعين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم.
وتصدر للإقراء مدة، وقرأ عليه عدد كثير منهم أبو الحسن الكسائي، وحدث عن خلق، وحدث عنه أمم.
وكان إماما حجة، قيما بكتاب الله، حافظا للحديث، بصيرا بالفرائض والعربية، عابدا، خاشعا، قانتا لله، ثخين الورع، عديم النظير.
وكان يجلب الزيت من العراق إلى حلوان، ويجلب من حلوان أعواضه إلى الكوفة.
قال أبو عبيد: حمزة هو الذي صار أهل الكوفة إلى قراءته من غير أن تطبق عليه جماعتهم.
وقال شعيب بن حرب: أم حمزة الناس سنة مائة، ودرس عليه سفيان الثوري القرآن أربع دراسات.
وقال حمزة: ولدت سنة ثمانين، وأحكمت القرآن ولي خمس عشرة سنة.
وقال مندل: إذا ذكر القراء، فحسبك بحمزة في القراءة والفرائض.
وقال عبد الله العجلي: كان حمزة سنة يكون بالكوفة، وسنة بحلوان، فختم عليه رجل من أهل حلوان - من مشاهيرهم - فبعث إليه بألف درهم، فقال لابنه: كنت أظن لك عقلا.
أنا آخذ على القرآن أجرا؟! أنا أرجو على هذا الفردوس.
وقال خلف بن تميم: مات أبي وعليه دين فأتيت حمزة؛ ليكلم صاحب الدين، فقال: ويحك، إنه يقرأ علي القرآن، وأنا أكره أن أشرب الماء من بيت من يقرأ علي.
وقال حسين الجعفي: ربما عطش حمزة، فلا يستسقي كراهية أن يصادف من قرأ عليه.
وقال جرير بن عبد الحميد: مر بي حمزة، فطلب ماء فأتيته به، فلم يشرب، لكوني أحضر القراءة عنده.
стр. 1434
وقال أبو حنيفة لحمزة: شيطان غلبتنا عليهما، لسنا ننازعك فيهما: القرآن والفرائض.
وروى مسلم في صحيحه (١) عن علي بن مسهر، قال: سمعت أنا وحمزة من أبان ابن أبي عياش خمسمائة حديث، أو ذكر أكثر، فأخبرني حمزة بن حبيب، قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فعرضتها عليه، فما عرف منها إلا اليسير خمسة أحاديث، أو ستة، فتركت الحديث عنه.
توفي سنة ست وخمسين ومائة.
ومنهم:
[٩] أبو عمرو بن العلاء المازني المقرئ، النحوي، البصري (٢)
أحد السبعة، ومقرئ أهل البصرة، ومؤدّي أهلها إلى جناح النصرة، ما فتحت على مثله البصرة بَصْرَها، ولا مُنحت شبيهه ممن نصرها.
عدلت به مازن ميزانها، وسوَّلت بالقبائل الرّجح أوزانها، كان شرفًا مُذ ترقى على أُظْمها، وشَرْفًا مُذ ساقه العدد في أممها، وشَنَفًا إلا أنه مع زينته أسمع آذانها من صممها، وصلاحًا لها لم تشك بعده مسّ سقمها، وصباحًا ما تفرّى عن مثل وجهه المنير من ظِلَّ النخيل المتراكم سُدَف ظلمها، ناهيك رجلًا ما بلَّت الأبلة بمثله ريق نَهْرها، ولا حيثُ حدائقُ نهر معقل شبيهه بيانعِ زهرها، ولا سلمت سلامان أنه دار على نظيره نطاقُ نَحرها، ولا فساح البيد أنها ضمت برًَّا عديله إلى صدرها.
وقد اختلفوا في اسمه على تسعة عشر قولًا أصحُّها: زبّان - بالزاي، والباء
стр. 1435
الموحدة - ولد سنة ثمان وستين، وقيل: سنة سبعين، وعرض بمكة على مجاهد، وابن جبير، وعطاء، وعكرمة، وابن كثير.
وقيل: إنه قرأ على أبي العالية الرياحي، ولم يصح، مع أنه أدرك من حياته نيفًا وعشرين سنة.
وقيل: إنه عرض بالمدينة على أبي جعفر، ويزيد بن رومان، وشيبة، وعرض بالبصرة على يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، والحسن، وغيرهم.
وقرأ عليه خلق منهم: اليزيدي، وعبد الوارث التنوري، وشجاع البلخي، وعبد الله بن المبارك، وأخذ عنه القراءة والحديث والآداب أبو عبيدة، والأصمعي، وخلق، وانتهت إليه الإمامة في القراءة بالبصرة. قال أبو عمرو: كنت رأسًا والحسن حي.
وقال اليزيدي: كان أبو عمرو قد عرف القراءات، فقرأ من كل قراءة بأحسنها، وبما يختار العرب، وبما بلغه من لغة النبي ﷺ وجاء تصديقه في كتاب الله.
وقال شجاع بن أبي نصر رأيت النبي ﷺ في المنام، فعرضت عليه أشياء من قراءة أبي عمرو، فما ردّ عليّ إلا حرفين أحدهما: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا (١)﴾ والآخر قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٢)﴾ فإن أبا عمرو كانت قراءته ﴿أَوْ نَنْسَأَهَا﴾.
وقال سفيان بن عيينة: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يارسول الله، قد اختلفت عليّ القراءات، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ؟ فقال: بقراءة أبي عمرو بن العلاء.
وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية، وأيام العرب، والشعر، وأيام الناس.
وقال للأصمعي: لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري من العلم في صدرك، لفعلت، لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها، ولولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما قُرئ لقرأت كذا وكذا. وذكر حروفًا.
وقال أبو عبيدة: كانت دفاتر أبي عمرو ملء بيت إلى السقف، ثم تنسبك، فأحرقتها. وكان من أشراف العرب ووجوههم.
وقال الأصمعي، قال أبو عمرو: إنما نحن فيمن مضى كبقل في أصول نخل طوال. قال: وسمعت أبا عمرو يقول: ما رأيت أحدًا قبلي أعلم مني، وقال الأصمعي:
стр. 1436
وأنا ما رأيت بعد أبي عمرو أعلم منه.
وكان إذا دخل شهر رمضان لم يتم فيه بيت شعر.
وسمعته يقول: أشهد أنَّ الله يضل ويهدي، والله مع هذا الحجة على عباده.
وقال أبو عمرو: نظرت في هذا العلم قبل أن أختن، ولي أربع وثمانون سنة.
وكان أبو عمرو متواريًا، فدخل عليه الفرزدق، فأنشده: [من البسيط]
ما زِلتُ أَفْتَحُ أَبْوابًا وَأُغْلِقُها … حَتَّى أَتَيْتُ أَبا عَمْرِو بن عَمّارِ
حَتَّى أَتَيْتُ فَتىً ضَخْمًا دَسِيعَتُهُ … مُرُّ المَرِيرَةِ حُرٌّ وَابْنُ أَحْرارِ
تَنْمِيهِمُ مازِنٌ في فَرْعِ نَبْعَتِها … جَدٌ كَرِيمٌ وَعُوْدٌ غَيْرُ خَوّارِ
وقال أبو عمرو: وأنا زدْتُ هذا البيت في أول قصيدة الأعشى واستغفر الله منه: [من البسيط]
وأَنكَرَتْني وَما كانَ الَّذي نَكَرَتْ … مِنْ الحَوادِثِ إِلّا الشَّيْبُ وَالصَّلَعا
وكان لأبي عمرو كل يوم بفلس كوز، وبفلسي ريحان، فيشرب في الكوز يومًا، ثم يهبه، ويأمر فتدق الريحان مع الأشنان.
قال الأصمعي، وغيره: توفي سنة أربع وخمسين ومائة.
ومنهم:
[١٠] نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم الليثي (١)
مولاهم أبو رويم المقرئ المدني أحد السبعة الأعلام، وأحد من له أثر في
стр. 1437
الإسلام، بقراءات حرّرَ مناهجها، وحقق بأداء الحروف مخارجها، وكان أخضر الجلدة من بيت العرب، مسكي الطينة، إذا فاح طيبه لا عجب. كان ذا سواد آذَن بسؤدده، واتباع تدل كثرتها على تفرّده.
وروي أنه كان يتضوّع شذا المسك من كلمه، ويفوح طيبًا، وما مسّه سوى أن رأى النبي ﷺ يقرأ في فمه؛ وحسبه به طيبًا لا يحادثه الدهر بغيره، ورؤية رآها بعين بصيرته، لما فاته أن يراها بعين بصره.
قرأ على طائفة من تابعي المدينة.
قال أبو قرة سمعته يقول: قرأتُ على سبعين من التابعين، وأقرأ الناس دهرًا طويلًا.
وقرأ عليه خلقٌ كثير، منهم من قرأ عليه، ومنهم من أخذ عنه الحروف.
قال مالك بن أنس: قراءة نافع سُنّة، وهو إمام الناس في القراءة.
روى أبو خَليد الدمشقي عن الليث بن سعد أنه قدم المدينة سنة عشر فوجد نافعًا إمام الناس في القراءة لا ينازع.
والمحفوظ عن الليث أنه قال: قدمت المدينة سنة ثلاث عشرة.
وقال أحمد بن هلال المصري؛ قال لي الشيباني، قال لي رجل ممن قرأ على نافع: أن نافعًا كان إذا تكلّم شُمَّ من فيه رائحة المسك، فقلت له: يا أبا عبد الله أو - يا أبا رؤيم -: أتطيَّبُ كلّما قعدتَ تقرئ، قال: ما أمس طيبًا، ولكني رأيت النبي ﷺ وهو يقرأ في فمي، فمن ذلك الوقت أشُمُّ من في هذه الرائحة.
وقال نافع: قرأتُ على هؤلاء فنظرتُ إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم، فأخذته، وما شذ فيه واحد، تركته حتى ألفت هذه القراءة.
وقال قالون: كان نافع لا يهمز همزًا شديدًا، ويُمِدُّ، ويُحقِّقُ القراءة ولا يشدِّد، ويقرب بين الممدود وغير الممدود.
وقال نافع: إنَّ هذا القرآن لعظيم جاء من عند عظيم، فإذا قرأتُ، فلا تشتغل بغيره، وانظر من تخاطب، وإياك أن تمل منه أو تؤثر عليه غيره؛ فإني لم أزل أتردد إلى
стр. 1438
الأعرج حتى قلت حسبي.
وقال نافع: أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحف عثمان لأصلحه، فقلت له: إنَّ الناس يقولون: إنَّ مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على قوله ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، قال نافع: فنظرت عيني الدم على ذلك.
ولما حضرت نافعًا الوفاة، قال له أبناؤه: أوصنا، قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢) الآية.
وتوفي سنة تسع وستين ومائة، وهو معدود في صغار التابعين وأهله من أصبهان، وكان أسود اللون حالكًا، صاحب دعابة، وطيب أخلاق.
ومنهم:
[١١] إسماعيل بن عبد الله بن قُسْطَنْطِين، أبو اسحاق المخزومي (٣)
مولاهم المكي المقرئ المعروف بالقسط. قارئ أهل مكة في زمانه، وآخر أصحاب ابن كثير وفاء، وأول أمثاله فضلًا، إذا قدم به كفاه. تصدَّر في البلد الحرام، وتصدى حيث يأمن الحمام، وكان في مكة واحدًا ضمَّه حرمها، وأرضعه زمزمها، وآواه البيت العتيق إلى حجره، وأضاء ليل الحجر الأسود بتبلج فجره، وعرفه ركن الخطيم، وألفه؛ لتقلب وجهه في السجود مقام إبراهيم، وأخرج شُعَبُ بني مخزوم له عن سكنه، وتُنُحِّي له سهم بني سهم عن سِنّه، وتبدل منه بالمعاصي الطائع، وعوّض عن ذي النسب الصريح بخير منه، مولى يُقْرِئ الأمي، ويُقْرِيء الجائع.
عرض على ابن كثير، وعلى صاحبيه: شبل بن عباد، ومعروف بن مشكان، وأقرأ الناس دهرًا.
وكان الناس يجيئون بمصاحفهم، فيصلحون بقراءته، وكان يجلس على موضع مرتفع.
стр. 1439
قال أبو عبد الله الشافعي: قرأت على إسماعيل، وكان يقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولو كان من قرأتُ، كان كل ما قُرئ قرآنًا، ولكنه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل. تُهمز «قرأت» ولا يُهمز القرآن.
نقل أبو عبد الله القَصاع: إن وفاة القسط سنة تسعين ومائة.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: فلعله سنة سبعين تصحفت عليه.
ومنهم:
[١٢] حفص بن سليمان، أبو عمر الأسدي (١)
مولاهم الغاضري الكوفي البزار وصاحب عاصم، وابن زوجته. كانت قراءته يتصل بعلي ﵁ نسبها، وتنشأ به عن عاصم سَحْبها، ضابطًا للحروف التي قرأ عليه بها، كثير الفوائد لمن رَغب إليه في طلبها. أقرأ الناس دهرًا. رقم صحفه، ونور
стр. 1440
أيامه وسدفه، وجلى به الليل، وأماط سجفه، أقرأه عاصم بما أقرأه أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، فنقله، وأفاده خالص ذهبه الإبريز، فحَصَّله.
قال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم.
وقال أبو الحسين بن المنادي: قرأ على عاصم، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم. أقرأ الناس دهرًا ممتدًا، وكانت القراءة التي أخذها ترتفع إلى عليّ.
وقال يحيى بن مَعِين: القراءة قراءة حفص بن سليمان.
وقال ابن مجاهد: بينه وبين أبي بكر بن عياش من الخُلْفِ في الحروف في خمسمائة وعشرين حرفًا في المشهور عنهما.
وقال حسين الجُعْفِي: سمعتُ حفص بن سليمان يقول: قلت لعاصم: أبو بكر يخالفني.
فقال: أقرأتُك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، وأقرأتُه بما أقرأني زر بن حُبيش.
توفي سنة ثمانين ومائة، ومولده سنة تسعين.
ومنهم:
[١٣] سُلَيْم بن عيسى بن مُسَيِّب بن عامر بن غالب (١)، أبو عيسى
ويقال أبو محمد الحنفي مولاهم الكوفي المقرئ، المُوفِي على النجم إذا يسري، المولي مَنا مناط بالمسامع، وتنال بها الكلم الجوامع، غلب به غالب، وحضر به مجالس الذكر وهو غائب، وأصبحت سليم الحمراء تأسف إذ لم يكن إليه منتهى قبيلها، ومُنتأى فخذها وفصيلتها، بل لو فطنت مَرْهَاء كل عين لما اكتحلت إلا بجوهري