← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وأنا ما رأيت بعد أبي عمرو أعلم منه. وكان إذا دخل شهر رمضان لم يتم فيه بيت شعر. وسمعته يقول: أشهد أنَّ الله يضل ويهدي، والله مع هذا الحجة على عباده. وقال أبو عمرو: نظرت في هذا العلم قبل أن أختن، ولي أربع وثمانون سنة. وكان أبو عمرو متواريًا، فدخل عليه الفرزدق، فأنشده: [من البسيط] ما زِلتُ أَفْتَحُ أَبْوابًا وَأُغْلِقُها … حَتَّى أَتَيْتُ أَبا عَمْرِو بن عَمّارِ حَتَّى أَتَيْتُ فَتىً ضَخْمًا دَسِيعَتُهُ … مُرُّ المَرِيرَةِ حُرٌّ وَابْنُ أَحْرارِ تَنْمِيهِمُ مازِنٌ في فَرْعِ نَبْعَتِها … جَدٌ كَرِيمٌ وَعُوْدٌ غَيْرُ خَوّارِ وقال أبو عمرو: وأنا زدْتُ هذا البيت في أول قصيدة الأعشى واستغفر الله منه: [من البسيط] وأَنكَرَتْني وَما كانَ الَّذي نَكَرَتْ … مِنْ الحَوادِثِ إِلّا الشَّيْبُ وَالصَّلَعا وكان لأبي عمرو كل يوم بفلس كوز، وبفلسي ريحان، فيشرب في الكوز يومًا، ثم يهبه، ويأمر فتدق الريحان مع الأشنان. قال الأصمعي، وغيره: توفي سنة أربع وخمسين ومائة. ومنهم: [١٠] نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم الليثي (١) مولاهم أبو رويم المقرئ المدني أحد السبعة الأعلام، وأحد من له أثر في

стр. 1437

الإسلام، بقراءات حرّرَ مناهجها، وحقق بأداء الحروف مخارجها، وكان أخضر الجلدة من بيت العرب، مسكي الطينة، إذا فاح طيبه لا عجب. كان ذا سواد آذَن بسؤدده، واتباع تدل كثرتها على تفرّده. وروي أنه كان يتضوّع شذا المسك من كلمه، ويفوح طيبًا، وما مسّه سوى أن رأى النبي ﷺ يقرأ في فمه؛ وحسبه به طيبًا لا يحادثه الدهر بغيره، ورؤية رآها بعين بصيرته، لما فاته أن يراها بعين بصره. قرأ على طائفة من تابعي المدينة. قال أبو قرة سمعته يقول: قرأتُ على سبعين من التابعين، وأقرأ الناس دهرًا طويلًا. وقرأ عليه خلقٌ كثير، منهم من قرأ عليه، ومنهم من أخذ عنه الحروف. قال مالك بن أنس: قراءة نافع سُنّة، وهو إمام الناس في القراءة. روى أبو خَليد الدمشقي عن الليث بن سعد أنه قدم المدينة سنة عشر فوجد نافعًا إمام الناس في القراءة لا ينازع. والمحفوظ عن الليث أنه قال: قدمت المدينة سنة ثلاث عشرة. وقال أحمد بن هلال المصري؛ قال لي الشيباني، قال لي رجل ممن قرأ على نافع: أن نافعًا كان إذا تكلّم شُمَّ من فيه رائحة المسك، فقلت له: يا أبا عبد الله أو - يا أبا رؤيم -: أتطيَّبُ كلّما قعدتَ تقرئ، قال: ما أمس طيبًا، ولكني رأيت النبي ﷺ وهو يقرأ في فمي، فمن ذلك الوقت أشُمُّ من في هذه الرائحة. وقال نافع: قرأتُ على هؤلاء فنظرتُ إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم، فأخذته، وما شذ فيه واحد، تركته حتى ألفت هذه القراءة. وقال قالون: كان نافع لا يهمز همزًا شديدًا، ويُمِدُّ، ويُحقِّقُ القراءة ولا يشدِّد، ويقرب بين الممدود وغير الممدود. وقال نافع: إنَّ هذا القرآن لعظيم جاء من عند عظيم، فإذا قرأتُ، فلا تشتغل بغيره، وانظر من تخاطب، وإياك أن تمل منه أو تؤثر عليه غيره؛ فإني لم أزل أتردد إلى

стр. 1438

الأعرج حتى قلت حسبي. وقال نافع: أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحف عثمان لأصلحه، فقلت له: إنَّ الناس يقولون: إنَّ مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على قوله ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، قال نافع: فنظرت عيني الدم على ذلك. ولما حضرت نافعًا الوفاة، قال له أبناؤه: أوصنا، قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢) الآية. وتوفي سنة تسع وستين ومائة، وهو معدود في صغار التابعين وأهله من أصبهان، وكان أسود اللون حالكًا، صاحب دعابة، وطيب أخلاق. ومنهم: [١١] إسماعيل بن عبد الله بن قُسْطَنْطِين، أبو اسحاق المخزومي (٣) مولاهم المكي المقرئ المعروف بالقسط. قارئ أهل مكة في زمانه، وآخر أصحاب ابن كثير وفاء، وأول أمثاله فضلًا، إذا قدم به كفاه. تصدَّر في البلد الحرام، وتصدى حيث يأمن الحمام، وكان في مكة واحدًا ضمَّه حرمها، وأرضعه زمزمها، وآواه البيت العتيق إلى حجره، وأضاء ليل الحجر الأسود بتبلج فجره، وعرفه ركن الخطيم، وألفه؛ لتقلب وجهه في السجود مقام إبراهيم، وأخرج شُعَبُ بني مخزوم له عن سكنه، وتُنُحِّي له سهم بني سهم عن سِنّه، وتبدل منه بالمعاصي الطائع، وعوّض عن ذي النسب الصريح بخير منه، مولى يُقْرِئ الأمي، ويُقْرِيء الجائع. عرض على ابن كثير، وعلى صاحبيه: شبل بن عباد، ومعروف بن مشكان، وأقرأ الناس دهرًا. وكان الناس يجيئون بمصاحفهم، فيصلحون بقراءته، وكان يجلس على موضع مرتفع.

стр. 1439

قال أبو عبد الله الشافعي: قرأت على إسماعيل، وكان يقول: القرآن اسم، وليس بمهموز، ولو كان من قرأتُ، كان كل ما قُرئ قرآنًا، ولكنه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل. تُهمز «قرأت» ولا يُهمز القرآن. نقل أبو عبد الله القَصاع: إن وفاة القسط سنة تسعين ومائة. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: فلعله سنة سبعين تصحفت عليه. ومنهم: [١٢] حفص بن سليمان، أبو عمر الأسدي (١) مولاهم الغاضري الكوفي البزار وصاحب عاصم، وابن زوجته. كانت قراءته يتصل بعلي ﵁ نسبها، وتنشأ به عن عاصم سَحْبها، ضابطًا للحروف التي قرأ عليه بها، كثير الفوائد لمن رَغب إليه في طلبها. أقرأ الناس دهرًا. رقم صحفه، ونور

стр. 1440

أيامه وسدفه، وجلى به الليل، وأماط سجفه، أقرأه عاصم بما أقرأه أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، فنقله، وأفاده خالص ذهبه الإبريز، فحَصَّله. قال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم. وقال أبو الحسين بن المنادي: قرأ على عاصم، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم. أقرأ الناس دهرًا ممتدًا، وكانت القراءة التي أخذها ترتفع إلى عليّ. وقال يحيى بن مَعِين: القراءة قراءة حفص بن سليمان. وقال ابن مجاهد: بينه وبين أبي بكر بن عياش من الخُلْفِ في الحروف في خمسمائة وعشرين حرفًا في المشهور عنهما. وقال حسين الجُعْفِي: سمعتُ حفص بن سليمان يقول: قلت لعاصم: أبو بكر يخالفني. فقال: أقرأتُك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، وأقرأتُه بما أقرأني زر بن حُبيش. توفي سنة ثمانين ومائة، ومولده سنة تسعين. ومنهم: [١٣] سُلَيْم بن عيسى بن مُسَيِّب بن عامر بن غالب (١)، أبو عيسى ويقال أبو محمد الحنفي مولاهم الكوفي المقرئ، المُوفِي على النجم إذا يسري، المولي مَنا مناط بالمسامع، وتنال بها الكلم الجوامع، غلب به غالب، وحضر به مجالس الذكر وهو غائب، وأصبحت سليم الحمراء تأسف إذ لم يكن إليه منتهى قبيلها، ومُنتأى فخذها وفصيلتها، بل لو فطنت مَرْهَاء كل عين لما اكتحلت إلا بجوهري

стр. 1441

جوهره، ولو تنبه كل كحّال لعزا في التشييف بأصغر سلم إليه نسبه أصغره. كان صاحب حمزة بن حبيب الزيات، وكان أحسن من أخذ عنه، وأحذقهم بالقراءة، وأقومهم بالحروف، وهو الذي خلف حمزة في الإقراء بالكوفة. قرأ عليه خلف بن هشام البزار، وخلاد بن خالد الصيرفي، وأبو عمرو الدوري، وعدد كثير، حتى إن رفقاءه في القراءة على حمزة قرؤوا عليه؛ لإتقانه. منهم: خالد الطبيب وحمزة بن القاسم، وجعفر الخشكي، وإبراهيم الأزرق، وعبد الله بن صالح. وسمع الحديث من حمزة وسفيان الثوري، وسمع منه جماعة. قال يحيى اليزيدي: كنا نقرأ على حمزة، ونحن شباب، فإذا جاء سليم، قال لنا حمزة: تحفظوا وتثبتوا قد جاء سليم. وقال الدوري: حدثنا الكسائي، قال: كنت أقرأ على حمزة، فجاء سليم، فلكأت، فقال لي حمزة: تهاب سليمًا، ولا تهابني؟، فقلت: يا أستاذ أنت إن أخطأت قومتني، وهذا إن أخطأت عيرني. وقال خلف: افتتحت بسورة يوسف، فقرأتها على سليم، فقال لي: كيف ابتدأت بها، قلت: لصعوبتها، ثم ابتدأت بالفاتحة، فلم أزل إلى سورة النور، فلم أغلط، ولم ألحن، حتى قلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١)، فأومأ إلي سليم، فلم أدر، ورددت كذلك، فأخرج رجله، ونصبها، وكان أعرج. ثم قال: وأين أنا فقرأتها، فقال: لو ختمت ولم تخطئ، لقلت: إنك منافق. وقال ضرار بن صرد: سمعتُ سُليم بن عيسى وأتاه رجل فقال: يا أبا عيسى جئتك لأقرأ عليك بالتحقيق، فقال: يا ابن أخي شهدت حمزة؟ وأتاه رجل في مثل هذا، فبكى، وقال: يا ابن أخي التحقيق صون القرآن، فإن صنته، فقد حققته. هذا هو التحقيق، فمضى الرجل، ولم يقرأ. وقال سليم: قرأت على حمزة عشر مرات. وقال خلف وهارون بن حاتم: توفي سنة ثمان وثمانين ومائة. وقال أبو هشام الرفاعي: توفي سنة تسع وثمانين ومائة، ومولده سنة ثلاثين ومائة.

стр. 1442

وقال خلف: بل سنة تسع عشرة. ومنهم: [١٤] علي بن حمزة الكسائي، الإمام أبو الحسن الأسدي (١) مولاهم، الكوفي، المقرئ، النحوي، أحد الأعلام. لفّ الفضل كله كساؤه، ورَدَّ على العلم جميعه رداؤه، ونَشَر كساءه أضواء من ملاءة النهار، وأظهر من غُرر فوائده أمتع من كواكب الأسحار، وأسعد الله بصلته

стр. 1443

بيت الخلافة جده، ولازم تأديب الأمين بن الرشيد حتى أُوتي رُشده، وأغدقت عليه أم جعفر المواهب، وأُغصت بالعطايا إليه حُلق المذاهب، وأصبح بانضمامه إلى جناح ابنها يَحلِق حيث تُقصَّف القوادم، وتُقصر لوامع البروق في الليالي العواتم، وعزَّت إفاداته، حتى عُدَّت للقعود للطلبة أوقاته. وكان لا يجلس إلا مجلسًا عامًا، وينصب له كرسي يصعده، ويقرأ، وذو التحصيل يصغي إلى ما يقرأ به ويقيده، إذ كان زمانه لا يسع إشغال كل واحد بمفرده ولا قوله بلسانه وتقييده بيده. ولد في حدود سنة عشرين ومائة، وسمع من جماعة وقرأ القرآن، وجوده على حمزة الزيات، وعيسى بن الهمذاني، وزائدة. ونقل أبو عمرو الداني، وغيره: أنَّ الكسائي قرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضًا، واختار لنفسه قراءة، ورحل إلى البصرة، فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وأخذ الحروف أيضًا عن أبي بكر بن عياش وغيره، وخرج إلى البوادي، فغاب مدة طويلة، وكتب الكثير من اللغات والغريب عن الأعراب بنجد وتهامة، ثم قدم وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبر. وقرأ عليه أبو عمرو الدوري، وأبو الحارث الليث، وخلق سواهم، وانتهت إليه الإمامة في القراءة [و] العربية. قال ابن معين: ما رأيت بعيني أصدق لهجة من الكسائي. وقال أبو عبيد في كتاب القراءات: كان الكسائي يتخيَّر القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض، وترك بعضًا، وكان من أهل القراءة، وهي كانت علمه وصناعته. ولم يجالس أحدًا كان أضبط ولا أقوم بها منه. وقال خلف: قرأ الكسائي على حمزة القرآن أربع مرات. وقال أبو بكر بن الأنباري: اجتمعتُ في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وكان أوحد الناس في القرآن، فكانوا يكثرون عليه حتى لا يَضبط الأخذ عليهم، فيجمعهم، ويجلس على كرسي، ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون، ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ. وكان في الكسائي تيه وحشمة ١؛ لما نال من الرئاسة بإقراء محمد الأمين - ولد الرشيد - وتأديبه أيضًا للرشيد، فنال ما لم ينله أحد من الجاه، والمال، والإكرام، وحصل له رئاسة العلم والدنيا.

стр. 1444

وقال خلف: عملت وليمة فدعوت الكسائي واليزيدي، فقال اليزيدي للكسائي: يا أبا الحسن أمور تبلغنا عنك نكرهها، فقال الكسائي: أومثلي يخاطب بهذا؟ وهل مع العالم من العربية إلا فضل بصاقي هذا؟ ثم بصق، فسكت اليزيدي. وكان الكسائي يؤدّب الأمين بن هارون الرشيد، ويُعلّمه الأدب، ولم تكن له زوجة، ولا جارية، فكتب إلى هارون الرشيد يشكو العُزْبة في هذه الأبيات: [من الكامل] قُلْ لِلْخَلِيفَةِ: ما تَقُولُ لِمَنْ … أَمْسى إِليكَ بِحُرْمَةٍ يَدْلِي مَا زِلْتُ مُذْ صَارَ الأَمِينُ مَعِي … عَبْدِي وَمَطْيَّتِي رِجْلِي وَعَلَى فِرَاشِي مِنْ يَنَبِّهُنِي … مِنْ نَوْمِهِ وقِيَامِهِ قَبْلِي أَسْعَى بِرِجْلٍ مِنْهُ ثَالِثَةٍ … مَوْفُورَةٍ مِنْهُ بِلَا رِجْلِ وإِذَا رَكِبْتُ أَكُونُ مُرْتَدِفًا … قُدَّامَ سَرْجِي رَاكِبٍ مِثْلِي فَامْنُنْ عَلَيَّ بِمَا يُسَكِّنُهُ … عَنِّي إِهْدَ الْغَمْدِ لِلنَّصْلِ فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم، وجارية حسناء بجميع آلاتها، وخادم، ويردون بجميع آلاته. واجتمع يومًا محمد بن الحسن الشيباني والكسائي في مجلس الرشيد، فقال الكسائي: مَنْ تبَحَّرَ في علم يهدى إلى جميع العلوم؟ فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ هل يسجد مرة أخرى؟، فقال الكسائي: لا، قال: لماذا؟، قال: لأن النحاة تقول المصغر لا يصغر، فقال محمد: فما تقول في تعليق الطلاق بالملك؟، قال: لا يصح، قال: لم؟، قال: لأن السيل لا يسبق المطر. كذا وردت هذه الحكاية في عدة مواضع. وذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه: أنَّ هذه القصة جرت بين محمد بن الحسن والفراء. وقال الكسائي: صليت بهارون الرشيد، فأعجبتني قراءتي، فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قط، أردت أن أقول ﴿لعلهم يرجعون﴾، فقلت: لعلهم يرجعن، فوالله ما اجترأ هارون أن يقول أخطأت، ولكنه لما سلّم قال: أي لغة هذه؟، قلت: يا أمير المؤمنين قد يَعثر الجواد، قال: أما هذا، فنعم. وقال ابن الدورقي: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فحضرت صلاة، فقدّموا الكسائي يُصَلِّي، فارتج عليه قراءة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾. فقال اليزيدي: قراءة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا﴾ ترتَج على قارئ الكوفة؟ قال: فحضرت

стр. 1445

صلاة، فقدموا اليزيدي، فارتج عليه في الحمد؛ فلما سلّم قال: [من الكامل] اخْفَظْ لِسَانَكَ لَا تَقُولَنَّ فَتُبْتَلَى … إِنَّ الْبَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ وعن الفراء، قال: ناظرت الكسائي يومًا، وزدت فكأني كنت طائرًا أشرب من بحر. قال: وإنما تعلّم النحو على كبر؛ لأنه جاء إلى قوم، وقد أعيَا، فقال: قد عييتُ، فقالوا له: تجالسنا وأنت تلحن؟ قال: كيف لحنتُ؟، قالوا له: إن كنت أردت من التعب، فقل أعْييت، وإن أردت انقطاع الحيلة والحيرة في الأمر فقل: عَيِيت، فأنف من ذلك، وقام من فوره، فسأل عمن يعلم النحو فدُلَّ على معاذ الفراء، فلزمه، ثم خرج إلى البصرة، فلقي الخليل، ثم خرج إلى بادية الحجاز. قال الشافعي: من أراد أن يتبحر في النحو، فهو عيال على الكسائي. وقال الفراء: لقيت الكسائي يومًا، فرأيته كالبّاكي، فقلتُ: ما يبكيك؟، فقال: هذا الملك يحيى بن خالد يَحضُرُني، فيسألني عن الشيء، فإن أبطأت في الجواب، لحقني منه عتب، وإن بادرت لم آمن الزلل، فقلت: يا أبا الحسن من يعترض عليك؟ قل ما شئتَ، فأنت الكسائي؟، فأخذ لسانه بيده، وقال: قطعه الله إذا إن قلتُ ما لا أعلم. وروى نصير بن يوسف، قال: دخلت على الكسائي في مرض موته، فأنشأ يقول: [من الكامل] قَدْرُ أَحْلَلَكَ ذَا النَّخِيلِ وَقَدْأَرَى … وَأَبِي وَمَالِكٍ ذُو النَّخِيلِ بِدَارِ إِلَّا كِدَارِكُمُ بَدِيَ بِقَرِ اللَّوَى … هَيْهَاتَ ذُو بَقَرٍ مِنَ المَرْدَارِ فقلتُ: كلاّ، ويمتّع الله الجميع بك. فقال: لئن قلت ذلك، لقد كنتُ أقرئ الناس في مسجد دمشق، فأغفيت في المحراب، فرأيت النبي ﷺ داخلًا من باب المسجد، فقام إليه رجل، فقال: بحرف من تقرأ؟ فأومأ إليَّ. وقال أبو سعيد السيرافي: - رثى يحيى اليزيدي محمد بن الحسن والكسائي وكانا خرجا مع الرشيد فماتا في الطريق فقال: [من الطويل] تَصَرَّمَتِ الدُّنْيَا فَلَيْسَ خُلُودُ … وَمَا قَدْ تَرَى مِنْ بَهْجَةٍ فَبَنِيْدُ لِكُلِّ امْرِئٍ كَأْسٌ مِنَ الْمَوْتِ مُتْرَعٌ … وَمَا إِنْ لَنَا إِلَّا عَلَيْهِ وُرُودُ أَلَمْ تَرَ شَيْبًا شَامِلًا وَيُنْذِرُ الْبِلَى … وَأَنَّ الشَّبَابَ الغَضَّ لَيْسَ يَعُودُ سَيَأْتِيكَ مَا أَفْنَى الْقُرُونَ الَّتِي مَضَتْ … فَكُنْ مُسْتَعِدًّا فَالْفَنَاءُ عَتِيدُ أَسَيْتُ عَلَى قَاضِي الْقُضَاةِ مُحَمَّدٍ … فَأَذْرَيْتُ دَمْعِي وَالْفُؤَادُ عَمِيدُ وَقُلْتُ: إِذَا مَا الْخَطْبُ أَشْكَلَ مِنْ لَنَا … بِإِيضَاحِهِ يَوْمًا وَأَنْتَ فَقِيدُ

стр. 1446

وأقْلَقَنِيْ موتُ الكِسَائِيٍّ بَعْدَهُ … وكَادَتْ ليَ الأرْضُ الفَضاءُ تَمِيدُ وأَذْهَلَني عَنْ كُلِّ عَيْشِ ولَذَّةٍ … وأرَّقَ عَيْني والعُيُونُ هُجُودُ هما عالمانِ أَوْدَيَا وتَحَرَّمَا … وما لَهُما في العَالَمينَ نَديدُ فَحُزْني إنْ تَخَطَّرَ على القَلْبِ خَطْرَةً … بِذِكْرِهما حَتَّى المَمَاتِ جَدِيدُ قال أبو عمر الدوري: توفي الكسائي بالري بقرية أرنبوبة. وقال مجاهد: بَرْبُويَة، سنة تسع وثمانين ومائة على الصحيح. وقيل: إنه عاش سبعين سنة، ومات هو ومحمد بن الحسن في يوم واحد، فقال الرشيد: دفنا الفقه والنحو بالري. وسُمِّيَ الكسائي؛ لأنه أحرم في كساء. ومنهم: [١٥] أبو بكر بن عَيّاش بن سالم الأسدي الكوفي (١) أحد الأعلام، كان ذا علم نافع لا يمنعه، وعمل صالح لا يقطعه، وزهد يرى

стр. 1447

أقلُّ شيءٍ يقنعه. أخذ عن عاصم فغصم، وعَمَّرَ دهرًا لم يعم، ولم يَصْمُ، مُتّع بالعمر المديد، وأدرك سلطان بني أمية، وعَمَّرَ إلى أيام الرشيد، وكان حجة لا يسع خصمها الجحود، ولا يحتاج مع الإقراء إلى إداء الشهود. في اسمه ثلاثة عشر قولًا أصحّها كنيته وشعبة. ولد سنة خمس وتسعين، وقرأ القرآن ثلاث مرات على عاصم، وعُمْرَ دهرًا، وكان يقول: أنا نصف الإسلام. وكان سيدًا، إمامًا، حجة، كثير العلم والعمل، منقطع القرين، قرأ عليه أبو الحسن، الكسائي وجماعة، وروى عنه خلق. قال عثمان بن أبي شيبة: أحضر أبو بكر بن عياش من الكوفة، فجاء ومعه وكيع، فدخل، ووكيع يقوده، فأدناه الرشيد، وقال: أدركت أيام بني أمية وأيامنا، فأينا خير، قال: أولئك كانوا أنفع للناس؟ وأنتم أقوم بالصلاة، فصرفه الرشيد، وأجازه بستة آلاف دينار، وأجاز وكيعًا بثلاثة آلاف دينار. وقال أبو عبد الله النخعي: لم يفرش لأبي بكر بن عياش فراش خمسين سنة، وروي أنه مكث أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة. وقال يحيى بن سعيد: زاملت أبا بكر بن عياش إلى مكة فما رأيت أورع منه، ولقد أهدى له رجل رطبًا، فبلغه أنه من البستان الذي أخذ من خالد بن مسلمة المخزومي، فأتى آل خالد، فاستحلّهم، وتصدق بثمنه. وقال أبو عبد الله المعيطي: رأيت أبا بكر بن عياش بمكة، فأتى سفيان بن عيينة

стр. 1448

فبرك بين يديه، فجاء رجل فسأل سفيان عن حديث، فقال: لا تسألني ما دام هذا الشيخ قاعدًا. وقال أبو هشام الرفاعي: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: أبو بكر خليفة رسول الله في القرآن؛ لأنَّ الله تعالى يقول ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١) فما سماه الله صادقًا فليس يكذب، هم قالوا: يا خليفة رسول الله. وقال يحيى الحماني؛ حدثني أبو بكر بن عياش قال: جئتُ ليلة إلى زمزم، فاستقيتُ منه دلوًا لبنًا وعسلًا. وقال أبو هشام الرفاعي: سمعت أبا بكر يقول الخلق أربعة: معذور، ومخبور، ومجبور، ومثبور؛ فالمعذور: البهائم والمخبور ابن آدم، والمجبور: الملائكة، والمثبور: الجن. وقال أبو بكر: أدنى نفع السكوت السلامة، وكفى بها عافية، وأدنى ضرر المنطق الشهرة، وكفى بها بلية. وقال: من زعم أنَّ القرآن مخلوق، فهو عندنا كافر زنديق عدو الله. لا تجالسه، ولا تكلمه. وقال أبو بكر: الدخول في العلم سهل، والخروج منه إلى الله شديد. وقال عبد الله بن المبارك: ما رأيتُ أحدًا أسرع إلى السنة من أبي بكر. وقال الحماني: لما حضرت أبا بكر الوفاة بكت أخته، فقال لها: ما يبكيك انظري إلى تلك الزاوية قد ختمت فيها ثمان عشرة ألف ختمة. وتوفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة. قال أحمد بن حنبل وكان صاحب قرآن وخير. ومنهم: [١٦] يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي (٢) أبو محمد المقرئ النحوي اللغوي. عرف باليزيدي؛ لاتصاله بيزيد بن منصور

стр. 1449

خال المهدي - يؤدّب ولده، ويُهذّب سؤدده، وكان فصيح اللسان، صريح الإحسان، صحيح القصد في تصانيفه الحسان. عَلَم هداية، لا يضل من به اهتدى، ولا يُضرّ من به اقتدى. قرأ عليه أعيان القراء، وكان له اختيار خالف فيه أبا عمرو، ولم يعدل عن الطريقة الغراء. جود القرآن على أبي عمرو، وحدَّث عنه، وعن ابن جريح، وقرأ عليه الدوري، والسوسي، وطائفة، وله اختيار كان يقرئ به أيضًا، خالف فيه أبا عمرو في أماكن يسيرة. وهو الذي خلف أبا عمرو في القيام بالقراءة بعده. قال ابن مجاهد: إنما عوّلنا على اليزيدي، وإن كان سائر أصحاب أبي عمرو أجلّ منه؛ لأنه انتصب للرواية عنه، وتجرّد لها، ولم يشتغل بغيرها. وهو أضبطهم. قال الفضل: كان اليزيدي معلمًا على باب أبي عمرو، وكان يخدمه في حوائجه، وربما أمسك المصحف على أبي عمرو، فقرأ عليه، وكان أبو عمرو يدنيه، ويميل إليه؛ لذكائه، وكان صحيح الرواية. واتصل اليزيدي أيضًا بالرشيد وأدب المأمون، وكان ثقة، علامة، فصيحًا، مفوّهًا بارعًا في اللغات، والآداب.

стр. 1450

أخذ عن الخليل وغيره حتى قيل: إنه أملى عن أبي عمرو خاصة عشرة آلاف ورقة. وأخذ عن الخليل من اللغة شيئا كثيرا، وكتب عنه العروض في ابتداء وضعه له، إلا أن اعتماده كان على أبي عمرو أكثر؛ لسعة علمه باللغة، وصنف عدة تصانيف، وله النظم الجيد، وشعره مدون. قال الأثرم: دخل اليزيدي يوما على الخليل بن أحمد؛ وهو جالس على وسادة فأوسع له، وأجلسه معه، فقال له اليزيدي: أحسبني ضيقت؟، فقال الخليل: ما ضاق موضع على اثنين متحابين، والدنيا لا تسع متباغضين. وسأل المأمون اليزيدي شيئا؟، فقال: لا وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين!، فقال: الله درك ما وضعت الواو قط في موضع أحسن من موضعها في لفظك هذا، ووصله، وحمله. وقال اليزيدي: دخلت على المأمون يوما والدنيا غضة وعنده «نعم» تغنيه، وكانت من أجمل أهل دهرها، فأنشدت: [من الكامل] وزعمت أني ظالم فهجرتني … ورميت في قلبي بسهم نافذ فنعم هجرتك فاغفري وتجاوزي … هذا مقام المستجير العائد هذا مقام فتى أضر به الهوى … قرح الجفون بحسن وجهك لائذ ولقد أخذتم من فؤادي أنسه … لا شل ربي كف ذاك الآخذ فاستعادها المأمون الصوت ثلاث مرات، ثم قال: يا يزيدي، أيكون شيء أحسن مما نحن فيه؟، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فما هو؟، قلت: الشكر لمن خولك هذا الإنعام الجليل العظيم، فقال: أحسنت وصدقت، ووصلني، وأمر أن يتصدق بمائة ألف. وكأني أنظر إلى البدر، وقد أخرجت والمال يفرق. توفي اليزيدي سنة اثنتين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة، وكان له عدة أولاد فضلاء علماء أخذوا عنه، وأخذ عنه أيضا ابن ابنه أحمد بن محمد. ومنهم:

стр. 1451

[١٧] يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي (١) بالولاء البصري المقرئ المشهور قارئ أهل البصرة في زمانه أبو يوسف أحد القراء العشرة، وهو المقرئ الثامن. وكان بالبصرة قائمًا بمعناها، وعامرًا لمغناها، يكاثر بعلمه مدَّها، ويقادح بفهمه زندها، ويجلى بقيامه في دياجي الليل مسودها. يحيى بتهجده موات لياليها، … ويصل في مواضع صلاته مساحة نواحيها، يأوي منه إلى أروح من ظل نخيلها، … ويروي عنه أعذب من نُطف سلسبيلها. ينافح طيبها الهندي أرجًا، ويفاخر لؤلؤها البحري بلجًا، ويحدث عن عجائبه فيها ما لا يقدر الواصف - وإن جهد - يوفّيها. قرأ القرآن على أبي المنذر سلام بن سليمان، وعلى أبي الأشهب العطاردي وغيرهما، وسمع من حمزة الزيات، وجماعة، وبرع في الإقراء. وكان أقرأ أهل زمانه، وكان لا يلحن في كلامه وله في القرآن رواية مشهورة، منقولة عنه. وكان من بيت العلم بالقراءات، والعربية، وكلام العرب، والرواية الكثيرة الحروف، والفقه، وكان من أقرأ القراء، وأخذ عنه عامة حروف القرآن مسندًا، وغير مسند من قراء الحرمين والعراقين، وأهل الشام، وغيرهم خلق كثير.

стр. 1452

قال أبو حاتم - وهو من بعض تلامذته -: هو أعلم من رأيت بالحروف، والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه، ومذاهب النحو. وقال أبو القاسم الهذلي: لم ير في زمن يعقوب مثله، وكان عالمًا بالعربية ووجوهها، والقرآن واختلافه، فاضلًا تقيًا نقيًا ورعًا زاهدًا، بلغ زهده أنه سُرق رداؤه عن كتفه، وهو في الصلاة، وردّ إليه، ولم يشعر به؛ لشغله بالصلاة، وبلغ من جاهه بالبصرة أنه كان يحبس ويطلق. ولبعضهم: [من الطويل] أَبُوهُ مِنَ القُرَّاءِ كَانَ وَجَدُّهُ … وَيَعْقُوبُ فِي القُرَّاءِ كَالكَوكَبِ الدُّرِّي تَفَرُّدُهُ مَحْضُ الصَّوَابِ وَوَجْهُهُ … فَمَنْ مِثْلُهُ فِي وَقْتِهِ وَإِلَى الحَشْرِ قال طاهر بن غلبون: وإمام أهل البصرة بالجامع لا يقرأ إلا بقراءة يعقوب - يعني في الصلوات الخمس -. قال ابن سوار، وغيره: توفي في ذي الحجة سنة خمس ومائتين عن ثمان وثمانين سنة. ومنهم: [١٨] يحيى بن آدم بن سليمان (١) أبو زكريا القرشي مولى أبي معيط الكوفي صاحب أبي بكر بن عياش. روى حروف عاصم سَمَاعًا، ورَوَّى بِسَلْسَلِة العَذْبِ أسماعًا، وكان للعلم جماعًا، وللفهم زند ذُكاء يقدح شعاعًا، ولأهل الطلب قمرًا يسوق وراءه النجوم اتباعًا.

стр. 1453

وحدث عن جماعة، وأخذ عنه أضعافها، ومثلت بين يديه الأهلة، فلم ير إلا من براة قلمه أنصافها وقد كان رأسًا في زمانه، كما كان قبله الثوري فيمن غبر، وقيل: كان فلان، ثم فلان كل واحد في وقته منه إلى عمر. سئل أبو داود عنه، فقال: ذاك واحد الناس. وقال علي بن المديني: يرحم الله يحيى بن آدم، أي علم كان عنده؟! وقال أبو أسامة: ما رأيت يحيى بن آدم إلا ذكرت الشعبي - يعني أنه كان جامعًا للعلم، كان عمر في زمانه رأس الناس، وكان بعده ابن عباس، ثم كان بعده الشعبي في زمانه، وكان بعد الشعبي الثوري في زمانه، وكان بعد الثوري يحيى بن آدم. وأثبت الروايات عن أبي بكر رواية يحيى بن آدم، وما ذكر صاحب التيسير غيرها، وهي كما قال: سماع لا تلاوة. وقال يحيى بن آدم سألت أبا بكر عن حروف عاصم التي في هذه الكراسة أربعين سنة، فحدثني بها كلها، وقرأها علي حرفًا حرفًا. توفي يحيى بفم الصلح في ربيع الأول سنة ثلاث ومائتين، وهو في عشر السبعين. ومنهم: [١٩] حسين بن علي الجعفي (١) مولاهم الكوفي أبو عبد الله الزاهد. أحد الأعلام، أشار الكسائي إلى فضله،

стр. 1454

وعلم الرشيد بنبله، وقبل سفيان يده، ولو مكنه لما استنكف من تقبيل رجله، وأتاه قادمًا فوثب له قائمًا. وقال: قدم أفضل رجل. وكان في عصره أجل من يُنفض عليه صبغ أصل، وأقرأ من ترمي إليه متون الأينق الذلل. ما اشتمل في زمانه على مثله ضحى، ولا هزيع، ولا اكتنفه أو انفرج عنه صدى مساء، ولا صديع. قرأ القرآن على حمزة، وأخذ الحروف عن أبي عمرو، وأبي بكر بن عياش، وبرع في القراءات والحديث، وأقرأ الناس بعد حمزة. قال أحمد بن حنبل: ما رأيتُ أفضل منه. وقال قتيبة: قيل لسفيان بن عيينة: قدم حسين الجعفي، فوثب قائمًا، وقال: قدم أفضل رجل يكون قط. وقال موسى بن داود: كنت عند ابن عيينة، فأتاه حسين الجعفي، فقام سفيان، وقبل يده. وعن الكسائي قال: قال لي الرشيد: من أقرأ الناس؟ قلت: حسين الجعفي.

стр. 1455

وقال أحمد بن عبد الله: كان حسين يقرئ القرآن، ورأس فيه، ولم أر رجلًا قط أفضل منه، وهو ثقة، ولم نره إلا مقعدًا، ولم يطأ قط، وكان جميلًا لباسًا يخضب، وخلف ثلاثة عشر دينارًا. وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: إن كان بقي من الأبدال أحد، فحسين الجعفي. توفي في ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين عن أربع وثمانين سنة. ومنهم: [٢٠] قالون (١) أبو موسى (٢) واسمه عيسى بن ميناء بن وردان بن عيسى الزرقي، مولى بني زهرة. قارئ أهل المدينة في زمانه، ونحويهم. كان لأهل المدينة المشرفة حلية مسجدهم، وزينة معبدهم، وأنس قائمهم ومتهجدهم، لا يذم فيه المغالون، ولا يطاول به المتغالون، تزاحم عليه القراء حلقًا، وتوكل به أسماعًا وحدقًا، وهم لسواه قالون، وإليه غاية منتهاهم. إذا قال قالون غني بإفادة التربية عن شافع، وكفى في ثبوت فضله، فلم يحتج إلى إبداء دافع، ووقي فلم يخشى ضرًا إذ أخذ عن نافع، قيل: إنه كان ربيب نافع. وهو الذي لقبه قالون؛ لجودة قراءته، وهي لفظة رومية معناها جيد، فلم يزل يقرأ على نافع حتى مهر، وحذق وتبتل لإقراء القرآن والعربية، وطال عمره وبعد صيته. وكان شديد الصمم، وكان يقول للقارئ: لو رفعت صوتك لا … إلى غاية لا

стр. 1456

يسمع، وكان ينظر إلى شفتي القارئ فيرد عليه اللحن والخطأ. وقال قالون؛ قال لي نافع: إلى كم تقرأ؟ اجلس إلى أسطوانة حتى أرسل إليك من يقرأ. وتوفي سنة عشرين ومائتين، وله نيف وثمانون سنة. ومنهم: [٢١] خلاد بن خالد (١) وقيل: ابن عيسى أبو عيسى، وقيل: أبو عبد الله الشيباني، مولاهم الصيرفي، الكوفي الأحول المقرئ، صاحب سليم وساحب ذيل ما تكشف عن مثله غيم. الصيرفي الذي لا يدخل عليه زيف، الكوفي الذي لا يُسأل عن شيء، وجهه بكيف، له فضل نفس ووالد، وحسن ذكر، إن نسب إليه، فهو خلاد، أو إلى أبيه، فهو خالد. أقرأ الناس مدة، وحدّث عن زهير بن معاوية، والحسن بن صالح بن حي، وقرأ عليه محمد بن شاذان الجوهري، ومحمد بن الهيثم قاضي عُكبرا، ومحمد بن يحيى الخنيسي، والقاسم بن يزيد الوزان، وهو أنبل أصحابه، وحدث عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، وكان صدوقًا. توفي سنة عشرين ومائتين. تتمة ومنهم: [٢٢] أحمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزّة أبو الحسن البري المكي (٢) قارئ مكة، ومؤذن المسجد الحرام، ومولى بني مخزوم.

стр. 1457

ثلاثة لكل منها فضل معلوم، يقرأ كتاب الله المنزل لدن بيته الحرام، ويُؤذن، والمؤذن ثاني الإمام، ومولى القوم منهم. ومن له بأن يكون من قريش ومنهم النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - وهو ممن أقرأ في أواخر المفصل بالتكبير، وبه إلى الآن يُعمل، إذا ختم كتاب الله المنير. مولده سنة سبعين ومائة. وقرأ القرآن على عكرمة بن سليمان، وأبي الأخريط وعبد الله بن زياد عنهم أخذه عن إسماعيل بن عبد الله القسط، واذن في المسجد الحرام أربعين سنة، وأقرأ الناس بالتكبير من ﴿وَالضُّحَى﴾. وروى في ذلك خبرًا غريبًا عن عكرمة بن سليمان، قال: قرأت على القسط؛ فلما بلغت ﴿وَالضُّحَى﴾، قال: كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم. وأخبره ابن كثير أنه قرأ على مجاهد، فأمره بذلك، وأخبره مجاهد: أنَّ ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبي أن النبي ﷺ أمره بذلك. قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد. وقال الحسين بن الحباب: سألت البزي: كيف التكبير؟ فقال: لا إله إلا الله والله أكبر. توفي البزي سنة خمسين ومائتين. ومنهم: [٢٣] خلف بن هشام بن ثعلب أبو محمد البغدادي (١) المقرئ البزار أحد الأعلام، وحد الكلام، الذي أنفق للتحصيل ما شاء مالًا، وأنفذ لما تبقى

стр. 1458

مالا. فضل بفضله من سلف، وخلّى وراءه في الأعقاب شكرًا لا يذم معه خلف، كان بزارًا، إلا أنه ينشر حُللًا لا ترقم الأنامل طرزها، ولا ترقى يد الدهر الغالبة لتبتزها، ولا تحكى سجوف الغمام في الرفع بزّها، ولا يُصنع مثلها صنعًا إذا جئت تعزها. له اختيار أقرأ به، وخالف فيه حمزة، وكان عابدًا فاضلًا. قال حمدان بن هانئ المقرئ: سمعتُ خلف بن هشام يقول: أشكل باب من النحو، فأنفقت ثمانين ألف درهم حتى حذقته. وقال خلف: أعدت الصلاة أربعين سنة، كنت أتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين. وقال إدريس: سمعتُ خلفًا يقول: قرأتُ القرآن على سُليم مرارًا، وكنت أسأله عند الفراغ من آخر القرآن: أأروي عنك هذه القراءة التي قرأت عليك عن حمزة الزيات؟، فيقول: نعم. وسمعت خلفًا يقول: حفظت القرآن، وأنا ابن عشر سنين، وأقرأت أول شيء، ولي ثلاث عشرة سنة. وورد: إن خلفًا كان يصوم الدهر. وقال: قدمت الكوفة، فصرتُ إلى سليم، فقال لي: ما أقدمك؟، قلت: أقرأ على أبي بكر بن عياش فقال: ألا تريده؟، قلت: بلى، فدعا ابنه، وكتب معه ورقة إلى أبي بكر لم أدر ما كتب فيها، فأتيناه فقرأ الورقة، وصعد في النظر، ثم قال: أنت خلف؟، قلت: نعم، قال: أنت لم تخلف أحدًا ببغداد أقرأ منك، فسكت، فقال لي:

стр. 1459

اقعد، هات اقرأ، قلتُ: عليك؟، قال: نعم. قلت: لا والله لا أقرأ على رجل يستصغر رجلًا من حملة القرآن، فوجه إلى سليم يسأله أن يردني فأبيت، ثم ندمت واحتجبت، فكتبت قراءة عاصم عن يحيى بن آدم عنه. توفي في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين ومائتين، ومولده سنة خمسين ومائة. ومنهم: [٢٤] الليث بن خالد، أبو الحارث البغدادي (١) المقرئ، ذو العلم المروي، والفهم المؤدي، لا يوصف باع من نكل عنه بالقصور، ولا يطاق مسه مغالبة الليث الهصور. لا تكشف عن مجادلته المباحث، ولا تقتحم عليه غايته، وهو الليث، وهو أبو الحارث. تُقَدِّمه آفاق العراق حيث تعد جلتها وتنقع أكناف بغداد به ما لا يُبلّ أوامه دجلتها. وكان صاحب الكسائي والمقدم من بين أصحابه، قرأ عليه، وسمع الحروف من حمزة بن قاسم الأحول، وأبي محمد اليزيدي. قال أبو عمرو: وقد غلط أحمد بن نصر في نسبته، فقال: الليث بن خالد المروزي، وذلك رجل آخر سمع من مالك بن أنس وجماعة، يكنى أبا بكر. وممن قرأ على الليث سلمة بن عاصم، ومحمد بن يحيى الكسائي الصغير. وتوفي سنة أربعين ومائتين. ومنهم: [٢٥] عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان (٢)، أبو عمرو البهراني الدمشقي مقرئ دمشق، وإمام الجامع، ومُدام حانها، إلا أنه الذي يُشرَبُ بالمسامع،

стр. 1460

حاش لله، بل هو مصباح مسجدها، وضوء فرقدها، وأثبت ما تعدّه منها إرم ذات العماد من عمدها، ما الذي يوصف منه بالمدام إن لم يكن خُلقه الدمث، ووجهه المنبسط، وكفه المنبعث، لا بل هو أرق هواء، وأقل شغبًا من المدام والتواء، بل هو النار تَوَقُدَ ذهن، وتوفر حِلم يغدو والجبال معه كالعهن، كأنَّ الذكاء أربى لابن ذكوان، والفطنة لا يشاركه فيها شريك إلا توقد ذكاء، إن كان. ولد يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين، وقرأ على أيوب بن تميم، وغيره. وقيل: إنَّ الكسائي قدم دمشق فقرأ عليه ابن ذكوان. قال أبو زرعة: لم يكن بالعراق، ولا بالحجاز، ولا بالشام، ولا بمصر، ولا بخراسان في زمن ابن ذكوان أقرأ عندي منه. وقال محمد بن الفيض الغساني: جاء رجل من الحرجلة يطلب لأخيه لعابين لعرسه، فوجد ولي الأمر قد منعهم، فجاء يطلب المغبّرين، فلقيه صوفي ماجن، فأرشده إلى ابن ذكوان؛ وهو خَلْفَ المنبر فجاءه، وقال: إنَّ السلطان قد منع، فقال: أحسن والله. فقال: نعمل العرس بالمغبرين، وقد أرشدت إليك، فقال: لنا رئيس، فإن جاء معك، جئت، وهو ذاك، وأشار إلى هشام بن عمار، فقام الرجل إليه، وهو متكيء بحذاء المحراب، فقال لهشام: أبو من؟ فرد عليه ردًّا ضعيفًا، وقال أبو الوليد؛ قال: يا أبا الوليد أنا من الحرجلة، قال: لا أبالي من أين كنت، قال: إن أخي يعمل عُرسه، قال: فماذا أصنع؟، قال: قد أرسلني أطلب المخنثين له يعني المغاني - قال: لا بارك الله فيهم ولا فيك قال: وقد طلب المغبّرين، فأرشدت إليك، قال: ومن

стр. 1461

أرشدك؟، قال: ذاك الرجل، فرفع هشام رجله، ورفسه، وقال: قم، ثم صاح: يا ابن ذكوان قد تفرغت لهذا؟، قال: أي والله أنت رئيسنا، لو مضيت، لمضينا. وقيل: إنَّ هشامًا كان الخطيب، وكان ابن ذكوان يؤم في الصلوات، أو لعله كان نائب هشام. وتوفي ابن ذكوان يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شوال سنة اثنتين وأربعين ومائتين. ومنهم: [٢٦] هشام بن عمار بن نُصَير بن مَيْسَرة، أبو الوليد السلمي (١)، ويقال: الظفري الدمشقي شيخ أهل دمشق ومفتيهم، ومحدثهم، وخطيبهم، ومقرئهم.

стр. 1462

رفعت به سليم رايتها الحمراء، ومهدت له دمشق ربوته الخضراء. ونسب إلى ميسرة، فتيسر ما صعب من أمله القصي، وظفر بإجابة دعائه. فلا عجب أن عرف بالظفري. تيمن به المنبر منبر المسجد الجامع، وتفنن، فأودع الدر المسامع، وحدّث، وخطب، وأقرأ، وهو في هذا أحمد، وفي هذا قُسّ، وفي هذا نافع. ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقرأ القرآن على عراك بن خالد، وأيوب بن تميم، وغيرهما من أصحاب يحيى الذماري، وسَمِعَ من مالك بن أنس، وخلق كثير. وحدث عنه البخاري في صحيحه، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه في سننهم، وحدث الترمذي عن رجل عنه. وكان طلابة للعلم، واسع الرواية، متبحرًا في العلوم، روى عنه عبدان الأهوازي، قال: ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة. وقال عبدان أيضًا: ما كان في الدنيا مثل هشام. وقال محمد بن خريم: كان هشام فصيحًا، مفوّهًا، سمعته يقول في خطبته: «قولوا الحق، يُنزلكم الحق منازل أهل الحق، يوم لا يقضى إلا بالحق». وقال هشام: سألت الله سبع حوائج، سألته: «أن يغفر لي ولوالدي، فما أدري ما صنع في هذه؟ وسألته الستة، فقضاهنَّ لي؛ وهي: الحج والعمرة، وأن يعمرني نحو المائة، وأن يجعلني مصدقًا على حديث نبيه، وأن أخطب على منبر دمشق، وأن يرزقني ألف دينار حلالًا، وأن يغدو الناس إليَّ في طلب العلم، فقيل له: من أين لك الذهب؟، قال: وجه المتوكل بولده؛ ليكتب عني لما قدم إلينا، فجلستُ، فانكشف ذكري، فقال الغلام: يا عم أستر، فقلت: رأيته؟ أما إنك لن ترمد، فلما دخل على المتوكل، ضحك، فسأله، فأخبره، فقال: حسن من الشيخ. احملوا إليه ألف دينار، فحملت إليَّ من غير مسألة، ولا استشراف نفس. وكان يخطب، ويُصلي بالناس الجمعة فقط.

стр. 1463

وقال أبو علي الأصبهاني: لما توفي أيوب بن تميم رجعت الإمامة في القراءة إلى رجلين: ابن ذكوان، وهشام. قال: وهشام كان مشتهرًا بالنقل والفصاحة، والعلم، والرواية، والدراية، رزق كبر السن، وصحة العقل، والرأي، فارتحل الناس إليه في القراءات، والحديث، زاد علي ابن ذكوان بأخذه القراءة عن الوليد بن مسلم وسويد بن عبد العزيز، وصدقة بن يحيى، وغيرهم. قال البخاري وغيره: - مات في آخر المحرم سنة خمس وأربعين ومائتين. ومنهم: [٢٧] أبو عمر الدوري (١) واسمه حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان، ويقال: صهيب الأزدي، البغدادي المقرئ النحوي، الضرير، نزيل سامراء، مقرئ الإسلام، وشيخ العراق في وقته والمنحط درجة كل كوكب عن سَمْتِه. يقال: إنه أول من جمع القراءات، وألفها، وبين للناس الروايات، وأحرفها. وكان ممن تضرب إليه الإبل آباطها، وتشدّ إليه الكران مناطها، وتأتي إليه

стр. 1464

أفواج الطلبة لا تمد عليهم سجوف المجرة أنماطها، ولا تفرش لهم إلا نمارق البيد بساطها، وتقتحم إليه حوامل المزن ترمي إليه من زناد البروق أسقاطها، وتخوض إليه لجج الليل لا تستسقي إليه من نجوم الجوزاء أرشيتها، ولا من كواكب الدلو أقساطها. قرأ على إسماعيل بن جعفر، والكسائي، ويحيى اليزيدي، وسمع الحروف من أبي بكر، وروى عن أحمد بن حنبل، وهو من أقرانه، وطال عمره، وقصد من الآفاق وازدحم عليه الحذاق؛ لعلوّ سنده، وسعة علمه. قال الدوري: قرأتُ على إسماعيل بن جعفر ختمة بقراءة أهل المدينة، وأدركت حياة نافع، لو كان عندي عشرة دراهم لرحلت إليه. وقال الأهوازي: رحل الدوري في طلب القراءات، وقرأ بالحروف السبعة وبالشواذ، وسمع من ذلك شيئًا كثيرًا، وذهب بصره في آخر عمره، وكان ذا دين وخير. وقال أبو داود: رأيتُ أحمد بن حنبل يكتب عن عمر الدوري. توفي في شوال سنة ست وأربعين ومائتين. والدور المنسوب إليها الدوري محلة معروفة بالجانب الشرقي من بغداد. ومنهم: [٢٨] أبو شعيب السوسي واسمه صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل الرستُبي الرقي (١). حسبك به من صالح، ومن ابن زياد؛ لأنه بالزيادة رابح، ومن أبي شعيب تشعبت

стр. 1465

طرق رواته، ومن رستبي يُنمى في ثرى إسماعيل عرق شجراته. قرأ، وسمع، وتبع، وجَمَعَ القراءة، ثم له جُمِعَ، ما عرف قبله رقيّ تُرهف الأبصار نواحيه، ولا سوسي غيره لا يرغب إلا فيه. قرأ القرآن على اليزيدي، وسمع بالكوفة عبد الله بن نمير، وأسباط بن محمد، وبمكة سفيان بن عيينة، وقرأ عليه جماعة وأخذ عنه الحروف أبو عبد الرحمن النسائي. قال المروذي: أخبرت أحمد بن حنبل أن أبا شُعيب السوسي الرقي زوج بنته رجلًا؛ فلما وقف في القرآن، فرق بينه وبين ابنته، وقد كان شاور النفيلي، فأمره أن يفرق بينهما، فقال أحمد: أحسن السوسي - عافاه الله -. ومات السوسي في أول سنة إحدى وستين ومائتين، وقد قارب تسعين سنة. ومنهم: [٢٩] قنبل (١) مقرئ أهل مكة، أبو عمر، محمد بن عبد الرحمن المخزومي مولاهم، المكي، والبحر الزاخر لا الرُّكيّ؛ كأنه ما سمي قنبل إلا فراسةً صدقت بأنه ينبل، رزن وقد خفت الأجبل، وجمع وقد انبتت الأحبل وأقرأ بمكة المعظمة، وولي شرطتها، وما نقصه ولايتها، ولا غصصه غايتها، وكان بها في سُرّة بطحائها، تسبل عليه الكعبة الغراء ستورها، وتشكر الصفا والمروة لمساعيه بينهما مرورها، وتشرق به ليالي منى حتى كأنها منه بسنى الصباح تطرف، وتشرف منه ثنيته كدي وكداء على ما لا ينفرد به جمع، ولا ينكره المعرف. جود القراءة على أبي الحسن القواس، وأخذ القراءة عن البزي أيضًا، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز، وقرأ عليه خلق كثير منهم: أبو بكر بن مجاهد، وأبو الحسن بن شنبوذ، وولي الشرطة بمكة في وسط عمره، فحمدت سيرته، ثم إنه طعن في السن، وشاخ، وقطع الإقراء قبل موته بسبع سنين.

стр. 1466

قيل: إنه كان يستعمل دواء يسقى للبقر يُسمى «قُنيبل»؛ فلما أكثر من استعماله عرف به، ثم خفّف، وقيل: «قُنبل»، وقيل: بل هو من قوم يقال لهم القنابلة. مولده سنة خمس وتسعين ومائة، وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائتين. ومنهم: [٣٠] أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (١) شيخ العصر أبو بكر البغدادي الأستاذ مصنف كتاب «القراءات السبعة»، ومشنّف من أمال إليه سمعه، لم يكن في زمانه أكثر منه عدد طالب، ومدد راغب، وجدد فوائد تفض بها المذاهب، منّور الإناء بقراءات لا يُؤني في تلاوتها، ولا يُولي وجهه صادًا عن إبلاغ أمانتها، حتى قصد من شاسع الأرجاء، وأقدم على التحصيل منه طامع الرجاء، وكان عصره به ضحى، وبقي فضله أثرًا على جبين الدهر إلا أنه ما انمحى. قرأ على ابن عبدوس عشرين ختمة، وعلى قنبل، المكي، وسمع القراءات من طائفة كثيرة ذكرهم في صدر كتابه، وسمع الحديث، وتصدّر للإقراء، وازدحم عليه أهل الأداء، ورحل إليه من الأقطار، وبعد صيته، وفاق في عصره سائر نظراته من أهل صناعته، مع اتساع علمه، وبراعة فهمه وصدق لهجته، وظهور نسكه. وتصدر للإقراء في حياة محمد بن يحيى الكسائي الصغير. قال أبو الحسن بن سالم البصري: سمعتُ ابن مجاهد يقول: رأيتُ ربّ العزة في المنام، فختمت عليه ختمتين، فلحنت في موضعين، فاغتممت، فقال: يا ابن مجاهد، الكمال لي، الكمال لي.

стр. 1467

وحكى ابن الأخرم: أنه دخل بغداد، فرأى في حلقة ابن مجاهد نحوًا من ثلاثمائة متصدر، وسأل رجل أبا بكر بن مجاهد: لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفًا يُحمل عنه؟، فقال: نحنُ إلى أن نُعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا. وانفرد ابن مجاهد عن قنبل بعشرة أحرف لم يتابع عليها، وكان في حلقته أربعة وثمانون خليفة يأخذون عن الناس، وخمسة عشر رجلًا أخر يتلقنون لعاصم. ومولده سنة خمس وأربعين ومائتين بسوق العطش ببغداد، وتوفي في شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ومنهم: [٣١] محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت بن شنبوذ البغدادي (١) شيخ الإقراء بالعراق مع ابن مجاهد، ذو الرحلة التي وسعت الدنا، وسعت حتى لم يجد مركبًا، ودعت إليه عَلَنًا، ورعت حقه حين صوّبت إليه أسنة الأعداء ألسنا كان رجلًا متبحرًا، وعالمًا متكثرًا إلا أنه ما سلم من عثرة رعي له فيها دينه، فأقيلت، وزلة إن لم يكن قصدها، فإنها قيلت. قرأ القرآن على عدد كثير بالأمصار، وكان يرى جواز الصلاة بما جاء في مصحف أبي، أُبيّ، ومصحف ابن مسعود وبما صح في الأحاديث، ويتعاطى ذلك، وكان ثقة

стр. 1468

في نفسه صالحًا دينًا، متبحرًا في هذا الشأن، لكنه كان يحط على ابن مجاهد، ويقول: هذا العطشي لم تغبر قدماه في طلب العلم - يعني أنه لم يرحل من بغداد - وليس الأمر كذلك قد حجّ، وقرأ على قنبل، ولكن أين هو من سعة رحلة ابن شنبوذ، ولقيه الأعيان في الأقطار، وكان ابن شنبوذ إذا تاه رجل من القراء قال: هل قرأت على ابن مجاهد فإن قال: نعم، لم يقرئه. قال أبو عمرو الداني: حدثت عن إسماعيل بن عبد الله الأشعري، حدثنا أبو القاسم بن زنجي الكاتب الأنباري، قال: حضرت مجلس الوزير أبي علي بن مقلة - وزير الراضي - وقد أحضر ابن شنبوذ، وجرت معه مناظرات في حروف حكي عنه أنه يقرأ بها، وهي شواذ، فاعترف منها بما عُرف مما عمل به محضر بحضرة أبي علي بن مقلة، وأبي بكر بن مجاهد ومحمد بن موسى الهاشمي، وأبي أيوب محمد بن أحمد وهما يومئذ شاهدان مقبولان. نسخة المحضر: سُئل محمد بن أحمد بن أيوب - المعروف بابن شنبوذ - عما حكي عنه أنه يقرأه وهو «فامضوا إلى ذكر الله» فاعترف به وعن «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون» فاعترف به، وعن «كل سفينة صالحة غصبًا» فاعترف به، وعن «فاليوم ننجيك ببدنك» فاعترف به، وعن «تبت يدا أبي لهب وقد تب» فاعترف به، وعن «فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كان يعلمون الغيب ما لبثوا حولًا في العذاب المهين» فاعترف به، وعن «والذكر والأنثى» فاعترف به، وعن «فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزامًا» وعن «ينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم أولئك هم المفلحون» وعن «وفساد عريض» فاعترف بذلك. وفيه اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي، وكتب ابن مجاهد بيده يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة». ونقل ابن الجوزي - وغير واحدٍ - في حوادث سنة ثلاث هذه أن ابن شنبوذ أحضر، وأحضر عمر بن محمد بن يوسف القاضي، وابن مجاهد، وجماعة من القراء، ونوظر، فاغلظ للوزير في الخطاب، وللقاضي، ولابن مجاهد، ونسبهم إلى قلة المعرفة، وأنّهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، فأمر الوزير بضربه سبع درر، وهو يدعو على الوزير بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، ثم أوقف على الحروف التي يقرأ بها، فأهدر منها ما كان شنيعًا، وتوبوه عن التلاوة بها غصبًا. وقيل: إنه أخرج من بغداد، فذهب إلى البصرة.

стр. 1469

ثم إنَّ ابن مقلة عُزل بعد نكبة الشيخ بسنة واحدة، فجرى عليه من الإهانة بالضرب والتعليق والمصادرة أمر عظيم، ثم آل أمره إلى قطع يده ولسانه، وابن شنبوذ فما كان مصيبًا فيما ذهب إليه، لكن خطأه في واقعة لا يُسقط حقه من حرمة أهل القرآن والعلم، وكان الرفق أولى به من إقامته مقام الزُّعار والمفسدين، وكان اعتقاله والإغلاظ له كافيًا. وذكر ابن خلكان: أنَّ ابن شنبوذ كتب بخطه ما صورته: «يقول محمد بن أحمد بن أيوب - المعروف بابن شنبوذ - ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي واعتقادي، وأشهد الله وسائر من حضر على نفسي بذلك، وكتب بخطه، فمتى خالفت ذلك، أو بان مني غيره، فأمير المؤمنين في حلّ من دمي، وسعة؛ وذلك يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة - أدام الله توفيقه». وكلم أبو أيوب السمسار الوزير أبا علي في أمره، وسأله إطلاقه، وعرفه أنه إن صار إلى منزله، قتلته العامة، وسأله أن يُنفذه في الليل سرًا إلى المدائن. وتوفي ابن شنبوذ يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وفيها هلك ابن مقلة. ومنهم: [٣٢] محمد بن النضر بن مر بن الحرّ الربعي الإمام أبو الحسن بن الأخرم الدمشقي (١) سيد ربيعة، وسند أهل الشريعة، وابن الحرّ الذي ما مسه رق الضيعة، والفاخرة دمشق بطلوع نيّره المحمدي في أفقها، والرابية جنانها المزخرفة من أبيه النضر أينع من ورقها، والمتصدر والناس دونه، والإمام وسهيل قائم، وصفوف النجوم، وراءه تتمنى أن تكونه.

стр. 1470

قرأ على هارون بن موسى بن شريك، وجعفر بن أحمد بن كراز، وأحمد بن نصر بن شاكر، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام، وكانت له حلقة عظيمة، وتلامذة جلة. قال أبو عمرو الداني: روى القراءة عنه عرضًا جماعة لا يحصى عددهم. قال علي بن داود: لما قدم ابن الأخرم بغداد، حضر مجلس ابن مجاهد، فقال لأصحابه: هذا صاحب الأخفش الدمشقي فأقرؤوا عليه. قال الشنبوذي: قرأت على أبي الحسن بن الأخرم، فما رأيت أحسن معرفة منه بالقرآن، ولا أحفظ، وكان مع ذلك يحفظ تفسيرًا كثيرًا ومعاني. قال لي: إنَّ الأخفش لقنه القرآن. وقال عبد الباقي بن الحسن؛ قال لي ابن الأخرم: قرأتُ على الأخفش، وكان يأخذ علي في منزلي. قال عبد الباقي: كان أبوه يخلّص للأخفش رزقه من السلطان في كل سنة. وحكى الأهوازي عن ابن الأخرم؛ قال: قدمت بغداد سنة عشرين وثلاثمائة في وفد الدمشقيين، فأتيت مسجد ابن مجاهد فحزرت أن فيه ثلاثمائة متصدر، ولم أجد فيه موضعًا، فجلستُ في أقصاه، فسمعت رجلًا يقرأ على واحد منهم لابن عامر، ويغلط فيها، فرددت عليه، فانتهرني، وصاحوا عليّ، فخرجت، فإذا بخياط، فجلست إليه؛ ليخيط خرقًا في دراعتي فقال: من أين أنت؟ فقلت: من الشام، جئت إلى ابن مجاهد، فلم أصل إليه، فقال: له امرأة شامية، فامض، وسَلْ عنها، فمضيت، وسألت عنها، فخرجت جارية، فقالت: من أي موضع أنت بدمشق؟، قلت: من قبنية. وكانت قائمة وراء الباب تسمع، فقالت - هي بنفسها -: كيف مولاي أبو الحسن بن الأخرم وأخوه؟، قلت: أنا هو ففرحت بي فرحًا كادت أن تظهر لي، وأخذت تسألني عن أهلي وجيراني، وقالت: ألك حاجة؟، قلت: أريد أن أقرأ على الشيخ، قالت: إذا كان من الغد، فاذهب إلى المسجد، فإنك تصل إلى ما تريده؛ فلما أصبحت، وقفت على باب المسجد، فإذا الشيخ قد أومأ إلي بالدخول، وإذا جماعة من أصحابه قد تبادروا إلي ووسعوا لي؛ فلما جلست قال: أنت ابن الأخرم؟ قلت: نعم، فأخذ يسألني عن الحروف، وأنا أجيبه عن الغريب، وعن الشواذ، وعن معاني ذلك، فجذبني إلى عنده، وأقعدني بجنبه، ثم قال لأصحابه: هذا صاحب الأخفش؛ فلما قام ابن مجاهد، اجتمع إلي جميع أصحابه، وقرؤوا عليّ، وأدخلني ابن مجاهد على الوزير ابن عيسي، فقضى حوائجنا، وألزمني الوزير بالمقام عنده، فلم أزل ببغداد سبع سنين،

стр. 1471

وبالجهد حتى أذن لي وقت وفاة أخي بالرجوع إلى دمشق. قال أبو القاسم بن عساكر: طال عمر بن الأخرم، وارتحل الناس إليه، وكان عارفًا بعلل القراءات، بصيرًا بالتفسير والعربية، متواضعًا، حسن الأخلاق، كبير الشأن. قال محمد بن علي السلمي: قمتُ ليلة للآذان الكبير؛ لأخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا، ولم أدرك النوبة إلى العصر. وتوفي ابن الأخرم سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وقيل: سنة اثنتين. وقال عبد الباقي بن الحسن: توفي بعد سنة أربعين، وصليت عليه في المصلّى بعد الظهر، وكان يومًا صائفًا، وصَعِدَت غمامة على جنازته من المصلّى إلى قبره، فكانت شبه الآية له ﵀. ومولده سنة ستين ومائتين. ومنهم: [٣٣] عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم، أبو طاهر البغدادي (١) المقرئ أحد الأعلام، ومصنّف كتاب البيان ومن انتهى إليه الحذق بأداء القرآن، ينصت لتلاوته، وينصف إذا قيل الزخرف من بدائعه، وجني النحل من حلاوته، ذو فضل لو تمثل لتهدلت أفنانه بالثمر، وفعل ماذا يقال عنه إلا ما يحدث عن ابن عمر. قرأ القرآن على أحمد بن سهل الأشناني، وجماعة، وقرأ القرآن على ابن مجاهد، وأطنب أبو عمرو الداني في وصفه، وقال: لم يكن بعد ابن مجاهد مثله في

стр. 1472

علمه وفهمه، مع صدق لهجته، واستقامة طريقته. قرأ عليه خلق كثير، وكان ينتحل في النحو مذهب الكوفيين، وكان بارعًا فيه. قال القفطي في تاريخ النحاة قرأ كتاب سيبويه على ابن درستويه الفارسي، ولم ير بعد ابن مجاهد في القراءات مثله. قال الداني: سمعت عبد العزيز الفارسي يقول: لما توفي ابن مجاهد وأحق يوم موته، أرجعوا على أن يقدموا شيخنا أبا طاهر، فتصدر للإقراء في مجلسه، وقصده الأكابر فتحلّقوا عنده، وكان قد خالف جميع أصحابه في إمالة الناس لأبي عمرو، وكانوا ينكرون ذلك عليه. قال الخطيب: كان ثقة أمينًا. مات في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وقال غيره: عاش سبعين سنة. ومنهم: [٣٤] محمد بن الحسن بن محمد بن زياد أبو بكر النقاش الموصلي ثم البغدادي (١) المقرئ المفسّر، أحد الأعلام. فضله البحر الذي ما زجر، وعلمه النقش في الحجر، فهمًا يجلي الغبش وثباتًا لا يمحو الدهر منه ما نقش، يفوق نقشه ما تتزين به الحدود، وتُسهم البرود، وينقش شبيهه الغمام الصَنَاعُ زخرفًا في حلل الروض المجود. ولد سنة ست وستين ومائتين، وعنى بالقراءات من صغره، وسمع

стр. 1473

الحروف من جماعة كثيرة، وطاف في الأقطار، وتجوّل في البلدان، وكتب الحديث وقيد السنن، وصنف المصنّفات في القراءات والتفسير، وطالت أيامه، فانفرد بالإمامة في صناعته، مع ظهور نسكه وورعه، وصدق لهجته وبراعة فهمه، وحسن اطلاعه، واتساع معرفته. روى القراءة عنه عرضًا خلق لا يحصى عددهم. قال أبو بكر الخطيب: كان النقاش عالمًا بالحروف، حافظًا للتفسير. صنّف التفسير، وكتبًا في القراءات، وغيرها، وسافر الكثير شرقًا وغربًا، وكتب بمصر، والشام، والجزيرة، والجبال، وخراسان، وما وراء النهر، وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة. وقال الداني: سمعت عبد العزيز بن جعفر يقول: كان النقاش يُقصد في قراءة ابن كثير وابن عامر لعلو إسناده، وكان له بيت ملآن كتبًا، وكان الدارقطني يستملي له، وينتقي من حديثه. وقد حدث عنه ابن مجاهد، وكان حسن الخلق ذا سخاء. وقال أبو الحسين القطان: حضرت أبا بكر النقاش، وهو يجود بنفسه في ثالث شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، فجعل يحرّك شفتيه، ثم نادى بعلو صوته: «المثل هذا فليعمل العاملون» … يردّدها، ثم خرجت نفسه ﵀. ومنهم: [٣٥] محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الفرج البغدادي (١) المقرئ الشَّنبوذي (٢) غلام ابن شنبوذ، وإمام فضل عنه مأخوذ، عَلَمُ عِلم نافع، وأدب واسع، وطلب

стр. 1474

وجه ركابه إلى كل شاسع، وحفظ لا يتخونه النسيان، وري من العلم لا يبلغ حاجته منه الصديان، حصل ما قصر دونه جهد ابن مجاهد، وعز على ابن شنبوذ أن يأتي منه بشاهد، وانخرم على ابن الأخرم به نظامه، ونفذ إلى نفطويه منه ما أحرقه ضرامه. ولد أبو الفرج سنة ثلاثمائة، وقرأ على ابن شنبوذ، وابن مجاهد وإبراهيم نفطوية، وابن الأخرم، وغيرهم، وأكثر الترحال في طلب القراآت، وتبحر فيها، واشتهر اسمه، وطال عمره، وقرأ عليه خلق. وكان عالما بالتفسير، وعلل القراآت. قال أبو بكر الخطيب: سمعت عبيد الله بن أحمد يذكر الشنبوذي، فعظم أمره، وقال: سمعته يقول: أحفظ خمسين ألف بيت من الشعر شواهد للقرآن. وقال أبو عمرو الداني: مشهور، نبيل، حافظ، ماهر، حاذق، كان يتجول في البلدان. سمعت عبد العزيز بن علي المالكي يقول: دخل أبو الفرج - غلام ابن شنبوذ - على عضد الدولة زائرا، فقال له: يا أبا الفرج، إن الله يقول: «يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس». ونرى العسل يأكله المحرور، فيتأذى به، والله الصادق في قوله. قال: أصلح الله الملك: إن الله لم يقل فيه الشفاء بالألف واللام اللذين يدخلان لاستيفاء الجنس، وإنما ذكره منكرا فمعناه فيه شفاء لبعض الناس دون بعض. قال التنوخي: توفي أبو الفرج في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. ومنهم: [٣٦] علي بن داود، أبو الحسن الداراني القطان (١) إمام جامع دمشق ومقرئه. حقيق أن يتنافس الناس على إمامته، وتتحاسد الأرض على إقامته، وتؤجأ أعناق

стр. 1475

المنابر إليه متلفنة، وتهدأ له هام المحاريب مخبتة. قطع الدنيا زهدًا، وعاش في الأنام فردًا، ما وقعت العيون على صفاته الممثلة، ولا رأت في كل داراني مثل قطوفه المهدلة، ولا أتى عنقود الثريا منه بحبة ومما استعان بالسنبلة، ولا ادعت جنى كرمه الكرام، ولا طمعت في رشف ريقته الآثام، ولا سمعت له قهقهة إبريق؛ لأن الداراني لا يقصر منه المدام. قرأ القرآن بالروايات على طائفة منهم: ابن الأخرم، وسمع من جماعة، وقرأ عليه آخرون. قال رشأ بن نظيف: لم ألق مثله حذقًا، وإتقانًا في رواية ابن عامر. وقال عبد المنعم بن النحوي: خرج القاضي أبو محمد العلوي، وجماعة من الشيوخ إلى داريا إلى ابن داود، فأخذوه ليؤم بجامع دمشق في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وجاؤوا به بعد منعهم أهل داريا، وتنافسوا. قال الحافظ ابن عساكر: سمعتُ ابن الأكفاني يحكي عن بعض مشايخه: أنَّ أبا الحسن بن داود كان إمام داريا، فمات إمام الجامع، فخرج أهل البلد إلى داريا؛ ليأتوا به، فلبس أهل داريا السلاح، وقالوا: لا نمكنكم من أخذ إمامنا، فقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي نصر: يا أهل داريا ألا ترضون أن يُسمع في البلاد، أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام، فقالوا: قد رضينا فقدمت له بغلة القاضي فأبى وركب حماره، ودخل معهم، فسكن في المنارة الشرقية، وكان يُقرئ بشرقي الرواق الأوسط، ولا يأخذ على الإمامة رزقًا، ولا يقبل ممن يقرأ عليه برًا، ويقتات من غَلَّة أرض له بداريا، ويحمل ما يكفيه من الحنطة، ويخرج بنفسه إلى الطاحون، فيطحنه، ثم يعجنه، ويخبزه. وانتهت إليه الرئاسة في قراءة الشاميين، ومضى على سداد، وكان يذهب مذهب أبي الحسن الأشعري. وتوفي في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين. ومنهم: [٣٧] علي بن أحمد بن عمر بن حفص أبو الحسين بن الحمامي البغدادي (١) مقرئ العراق، ومسند الآفاق، وصدر قراء دار الخلافة بالاستحقاق، وشمس
следующие страницы →