وبالجهد حتى أذن لي وقت وفاة أخي بالرجوع إلى دمشق.
قال أبو القاسم بن عساكر: طال عمر بن الأخرم، وارتحل الناس إليه، وكان عارفًا بعلل القراءات، بصيرًا بالتفسير والعربية، متواضعًا، حسن الأخلاق، كبير الشأن.
قال محمد بن علي السلمي: قمتُ ليلة للآذان الكبير؛ لأخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا، ولم أدرك النوبة إلى العصر.
وتوفي ابن الأخرم سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وقيل: سنة اثنتين.
وقال عبد الباقي بن الحسن: توفي بعد سنة أربعين، وصليت عليه في المصلّى بعد الظهر، وكان يومًا صائفًا، وصَعِدَت غمامة على جنازته من المصلّى إلى قبره، فكانت شبه الآية له ﵀.
ومولده سنة ستين ومائتين.
ومنهم:
[٣٣] عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم، أبو طاهر البغدادي (١)
المقرئ أحد الأعلام، ومصنّف كتاب البيان ومن انتهى إليه الحذق بأداء القرآن، ينصت لتلاوته، وينصف إذا قيل الزخرف من بدائعه، وجني النحل من حلاوته، ذو فضل لو تمثل لتهدلت أفنانه بالثمر، وفعل ماذا يقال عنه إلا ما يحدث عن ابن عمر.
قرأ القرآن على أحمد بن سهل الأشناني، وجماعة، وقرأ القرآن على ابن مجاهد، وأطنب أبو عمرو الداني في وصفه، وقال: لم يكن بعد ابن مجاهد مثله في
стр. 1472
علمه وفهمه، مع صدق لهجته، واستقامة طريقته.
قرأ عليه خلق كثير، وكان ينتحل في النحو مذهب الكوفيين، وكان بارعًا فيه.
قال القفطي في تاريخ النحاة قرأ كتاب سيبويه على ابن درستويه الفارسي، ولم ير بعد ابن مجاهد في القراءات مثله.
قال الداني: سمعت عبد العزيز الفارسي يقول: لما توفي ابن مجاهد وأحق يوم موته، أرجعوا على أن يقدموا شيخنا أبا طاهر، فتصدر للإقراء في مجلسه، وقصده الأكابر فتحلّقوا عنده، وكان قد خالف جميع أصحابه في إمالة الناس لأبي عمرو، وكانوا ينكرون ذلك عليه.
قال الخطيب: كان ثقة أمينًا.
مات في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وقال غيره: عاش سبعين سنة.
ومنهم:
[٣٤] محمد بن الحسن بن محمد بن زياد أبو بكر النقاش الموصلي ثم البغدادي (١)
المقرئ المفسّر، أحد الأعلام. فضله البحر الذي ما زجر، وعلمه النقش في الحجر، فهمًا يجلي الغبش وثباتًا لا يمحو الدهر منه ما نقش، يفوق نقشه ما تتزين به الحدود، وتُسهم البرود، وينقش شبيهه الغمام الصَنَاعُ زخرفًا في حلل الروض المجود.
ولد سنة ست وستين ومائتين، وعنى بالقراءات من صغره، وسمع
стр. 1473
الحروف من جماعة كثيرة، وطاف في الأقطار، وتجوّل في البلدان، وكتب الحديث وقيد السنن، وصنف المصنّفات في القراءات والتفسير، وطالت أيامه، فانفرد بالإمامة في صناعته، مع ظهور نسكه وورعه، وصدق لهجته وبراعة فهمه، وحسن اطلاعه، واتساع معرفته.
روى القراءة عنه عرضًا خلق لا يحصى عددهم.
قال أبو بكر الخطيب: كان النقاش عالمًا بالحروف، حافظًا للتفسير.
صنّف التفسير، وكتبًا في القراءات، وغيرها، وسافر الكثير شرقًا وغربًا، وكتب بمصر، والشام، والجزيرة، والجبال، وخراسان، وما وراء النهر، وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة.
وقال الداني: سمعت عبد العزيز بن جعفر يقول: كان النقاش يُقصد في قراءة ابن كثير وابن عامر لعلو إسناده، وكان له بيت ملآن كتبًا، وكان الدارقطني يستملي له، وينتقي من حديثه.
وقد حدث عنه ابن مجاهد، وكان حسن الخلق ذا سخاء.
وقال أبو الحسين القطان: حضرت أبا بكر النقاش، وهو يجود بنفسه في ثالث شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، فجعل يحرّك شفتيه، ثم نادى بعلو صوته: «المثل هذا فليعمل العاملون» … يردّدها، ثم خرجت نفسه ﵀.
ومنهم:
[٣٥] محمد بن أحمد بن إبراهيم، أبو الفرج البغدادي (١) المقرئ الشَّنبوذي (٢)
غلام ابن شنبوذ، وإمام فضل عنه مأخوذ، عَلَمُ عِلم نافع، وأدب واسع، وطلب
стр. 1474
وجه ركابه إلى كل شاسع، وحفظ لا يتخونه النسيان، وري من العلم لا يبلغ حاجته منه الصديان، حصل ما قصر دونه جهد ابن مجاهد، وعز على ابن شنبوذ أن يأتي منه بشاهد، وانخرم على ابن الأخرم به نظامه، ونفذ إلى نفطويه منه ما أحرقه ضرامه.
ولد أبو الفرج سنة ثلاثمائة، وقرأ على ابن شنبوذ، وابن مجاهد وإبراهيم نفطوية، وابن الأخرم، وغيرهم، وأكثر الترحال في طلب القراآت، وتبحر فيها، واشتهر اسمه، وطال عمره، وقرأ عليه خلق. وكان عالما بالتفسير، وعلل القراآت.
قال أبو بكر الخطيب: سمعت عبيد الله بن أحمد يذكر الشنبوذي، فعظم أمره، وقال: سمعته يقول: أحفظ خمسين ألف بيت من الشعر شواهد للقرآن.
وقال أبو عمرو الداني: مشهور، نبيل، حافظ، ماهر، حاذق، كان يتجول في البلدان.
سمعت عبد العزيز بن علي المالكي يقول: دخل أبو الفرج - غلام ابن شنبوذ - على عضد الدولة زائرا، فقال له: يا أبا الفرج، إن الله يقول: «يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس». ونرى العسل يأكله المحرور، فيتأذى به، والله الصادق في قوله.
قال: أصلح الله الملك: إن الله لم يقل فيه الشفاء بالألف واللام اللذين يدخلان لاستيفاء الجنس، وإنما ذكره منكرا فمعناه فيه شفاء لبعض الناس دون بعض.
قال التنوخي: توفي أبو الفرج في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٣٦] علي بن داود، أبو الحسن الداراني القطان (١)
إمام جامع دمشق ومقرئه.
حقيق أن يتنافس الناس على إمامته، وتتحاسد الأرض على إقامته، وتؤجأ أعناق
стр. 1475
المنابر إليه متلفنة، وتهدأ له هام المحاريب مخبتة.
قطع الدنيا زهدًا، وعاش في الأنام فردًا، ما وقعت العيون على صفاته الممثلة، ولا رأت في كل داراني مثل قطوفه المهدلة، ولا أتى عنقود الثريا منه بحبة ومما استعان بالسنبلة، ولا ادعت جنى كرمه الكرام، ولا طمعت في رشف ريقته الآثام، ولا سمعت له قهقهة إبريق؛ لأن الداراني لا يقصر منه المدام.
قرأ القرآن بالروايات على طائفة منهم: ابن الأخرم، وسمع من جماعة، وقرأ عليه آخرون.
قال رشأ بن نظيف: لم ألق مثله حذقًا، وإتقانًا في رواية ابن عامر.
وقال عبد المنعم بن النحوي: خرج القاضي أبو محمد العلوي، وجماعة من الشيوخ إلى داريا إلى ابن داود، فأخذوه ليؤم بجامع دمشق في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وجاؤوا به بعد منعهم أهل داريا، وتنافسوا.
قال الحافظ ابن عساكر: سمعتُ ابن الأكفاني يحكي عن بعض مشايخه: أنَّ أبا الحسن بن داود كان إمام داريا، فمات إمام الجامع، فخرج أهل البلد إلى داريا؛ ليأتوا به، فلبس أهل داريا السلاح، وقالوا: لا نمكنكم من أخذ إمامنا، فقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي نصر: يا أهل داريا ألا ترضون أن يُسمع في البلاد، أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام، فقالوا: قد رضينا فقدمت له بغلة القاضي فأبى وركب حماره، ودخل معهم، فسكن في المنارة الشرقية، وكان يُقرئ بشرقي الرواق الأوسط، ولا يأخذ على الإمامة رزقًا، ولا يقبل ممن يقرأ عليه برًا، ويقتات من غَلَّة أرض له بداريا، ويحمل ما يكفيه من الحنطة، ويخرج بنفسه إلى الطاحون، فيطحنه، ثم يعجنه، ويخبزه.
وانتهت إليه الرئاسة في قراءة الشاميين، ومضى على سداد، وكان يذهب مذهب أبي الحسن الأشعري.
وتوفي في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين.
ومنهم:
[٣٧] علي بن أحمد بن عمر بن حفص أبو الحسين بن الحمامي البغدادي (١)
مقرئ العراق، ومسند الآفاق، وصدر قراء دار الخلافة بالاستحقاق، وشمس
стр. 1476
الشرق المشرقة بالعراق في أفق بغدادها، وبدر بلادها المتالق في جنح سوادها، الساطع مصباحه الذي لا يمشي في ضوئه نريب، والطامع كوكبه الذي لا يخاف عليه مغيب، والجامع فضله الذي استمد منه حتى الخطيب.
قرأ على النقاش أوجاعه، وبرع في الفن، وسمع الحديث من خلق كثير، وحدث عنه: أبو بكر الخطيب، والبيهقي، وطراد الزينبي، وغيرهم.
قال الخطيب: كان صدوقًا، دينًا، فاضلًا، تفرد بأسانيد القراءات وعُلُوّها.
مولده سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
وتوفي في شعبان سنة سبع عشرة وأربعمائة، وهو في تسعين سنة.
ومنهم:
[٣٨] أبو علي الأهوازي
واسمه الحسن بن علي بن إبراهيم المقرئ (١).
الأستاذ، المحدث.
بقي سهمًا في الكنانة واحدًا، ومخلفًا لأهل جيله فاقدًا، وأتته الوفود تحثّ
стр. 1477
قلاصها، وتتماثل فوق ظهور المطي أشخاصها حتى انتهى به أجله، وارتمى به إلى الغاية أمله، فأوتر له هلال الأجل قوسه، ثم رمى به إلى هدف ترابه، وأطاحه، وما نجا به من ريش العقاب كاسره ولا جرّه وكان لا بد أن سيرمى به، أو يكسر السهم كاسره. ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وقدم دمشق سنة إحدى وتسعين، فاستوطنها، وكان أعلى من بقي في الدنيا إسنادًا في القراءات؛ عُني بالرواية والأداء من صغره، وصنف عدةكتب في القراءات، ورحل إليه القراء لتبحره في الفن وعلوّ إسناده. وكان عالي الرواية في الحديث أيضًا، وله تواليف في الحديث، فيها أحاديث واهية، وله أيضًا مصنف في الصفات أورد فيه أحاديث موضوعة، فتكلم فيه الأشعريون لذلك؛ ولأنه كان ينال من أبي الحسن الأشعري، ويذمه.
قال ابن عساكر: كان يقول بالظاهر، ويتمسك بالأحاديث الضعيفة، وقد تلقى القراء رواياته بالقبول، وكان يُقرئ بدمشق في حياة بعض شيوخه من بعد سنة أربعمائة. وتوفي في رابع ذي الحجة سنة ست وأربعين وأربعمائة.
ومنهم:
[٣٩] عبد الرحمان بن أبي أحمد بن الحسن بن بندار الرازي العجلي (١) المقرئ أبو الفضل
أحد الأعلام، وشيخ الإسلام، قطع الأرض شتاتًا، ولقي الناس أشتاتًا، وقنع
стр. 1478
باليسير، لا يملك بياتًا مع نسب له في عجل، إلا أنه هدى قومه وما أضل، وقضى يومه في الرشد، وظل لو بصر به السامري لحدّثه عن موسى - صلوات الله عليه - بالأثر المنقول، وقال: قبضت قبضة من أثر الرسول، بل لو رأى هو قريبه أبا دلف العجلي، لم يجعل دالة بالقرى عليه، ولتنحى عن سحابه لئلا يدبّ دلف كرمه الدلفي إليه.
ورد أن مولده بمكة، وما زال ينتقل في البلاد على قدم التجريد والأنس بالله.
قال أبو سعد السمعاني: كان مقرئًا، فاضلًا، كثير التصانيف، حسن السيرة، زاهدًا، متعبدًا، خشن العيش منفردًا، قانعًا باليسير، يُقرئ أكثر أوقاته، ويروي الحديث، وكان يسافر وحده، ويدخل البراري سمع بمكة، والري، ونيسابور، وأصبهان، وطوس، وجرجان، وبغداد والكوفة والبصرة، ودمشق، ومصر.
قال: وكان الشيوخ يُعظمونه، وكان لا ينزل الخوانق، بل يأوي إلى مسجد خراب فإذا عُرف مكانه تركه، وإذا فتح عليه بشيء آثر به.
قال يحيى بن منده في تاريخه: قرأ عليه جماعة، وخرج من أصبهان إلى كرمان وحدث بها، وبها مات. وهو ثقة، ورع، متدين، عارف بالقراءات والروايات، عالم بالآداب، والنحو، أكبر من أن يدلّ عليه مثلي؛ وهو أشهر من الشمس، وأضوأ من القمر، ذو فنون من العلم، مَهيب، منظور، فصيح، حسن الطريقة.
بلغني أنه ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وله شعر رائق في الزهد.
وقال أبو عبد الله الخلال: لما توجه أبو الفضل من أصبهان إلى كرمان خرج الناسُ يشيعونه، فصرفهم، وقصد الطريق وحده، وقال: [من الطويل]
إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتَ إِمَامُنَا … كَفَى لِمَطَايَانَا بِذِكْرَاكَ حَادِيَا
قال الخلال: وكان في طريق، ومعه خبز وشيء من الفانيذ، فقصده قطاع الطريق، وأرادوا أن يأخذوا ذلك، فدفعهم بعصاه، فقيل له في ذلك، فقال: إنما منعتهم منه؛ لأنه كان حلالًا، وربما كنت لا أجد حلالًا مثله.
ودخل كرمان في هيأة رثة، فحمل إلى الملك، وقالوا: هو جاسوس، فسأله الملك: ما الخبر؟، فقال: إن كنت تسألني عن خبر الأرض فـ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (١)، وإن كنت تسألني عن خبر السماء فـ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢) فتعجب الملك من كلامه، وهابه، وأكرمه، وعرض عليه مالًا، فلم يقبله.
стр. 1479
وتوفي في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
ومنهم:
[٤٠] أبو علي غلام الهراس
واسمه الحسن بن القاسم بن علي الواسطي (١)، المقرئ.
شيخ القراء ومسند العراق، ومساد الركائب إليه من الآفاق، خُلِفَ بعد جيله، وخُلِّيَ فردًا في قبيله، وأقام بمكة - شرفها الله - لاجئًا إلى أبطحها، جائلًا في أنيق مسرحها، حتى كان يقال له: إمام الحرمين؛ لتقدمه على أهل زمانه، وتأخرهم، وهو نزيل ذلك الحرم، ومصدر ذلك المحراب الذي هو قبلة الأمم.
ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، ورحل في القراءات شرقًا وغربًا، وقرأ على صاحب ابن مجاهد وعمر، وتأخرت وفاته عن رفقائه.
وقرأ بالروايات - قبل الأربعمائة وبعدها - على طائفة بواسط، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وحران، ومصر.
وقرأ بدمشق على أبي علي الأهوازي، وغيره، وتصدّر للإقراء بدمشق في حياته، ثم حجّ، وجاور. وكان بفرد عين، ثم شاخ وعمي، ورحل الناس إليه من الآفاق، وقرؤوا عليه، وكان يلقب إمام الحرمين.
وتوفي في يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى سنة ثمان وستين وأربعمائة.
ومنهم:
стр. 1480
[٤١] أبو طاهر بن سوار (١)
الضرير، الحنفي، صاحب المستنير في القراءات العشر أحد الحذاق المنوّر قلبه لا بصره المسور، وما أسواره المنيعة إلا سوره. ابن سوار ومن للهلال بأن يكون له سوارًا، أبو طاهر كناية عن التصريح إنه المطهر إزارًا، المأخوذ عنه كتاب الله يندى غضاره، وينأى أن يجف نضاره القاهر شهواته في طلبه، القائم في قهر الأعداء متحصنًا بيلبه.
ولد سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وقرأ القراءات على عتبة بن عبد الملك العثماني، وأبي علي الشرمقاني، والحسن بن علي العطار، وجماعة.
وسمع الحديث الكثير عن طائفة، وقرأ عليه القراءات أبو علي بن سكرة الصفدي، وجماعة، وحدث عنه آخرون.
قال ابن سُكرة: هو حنفي المذهب، ثقة خيرٌ، حبس نفسه على الإقراء والتحديث.
وقال ابن ناصر: نبيل، ثقة، ثبت، متقن.
وقال السمعاني: كان ثقة، أمينًا، مقرئًا، حسن الأخذ للقرآن، ختم عليه جماعة كتاب الله، وكتب بخطه الكثير من الحديث.
قال السلفي: سمعت منه معظم المستنير، وتوفي في شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة ببغداد، واسمه أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن سوار البغدادي.
ومنهم:
стр. 1481
[٤٢] محمد بن الحسين بن بُندار، أبو العز الواسطي القلانسي (١)
الأستاذ مقرئ العراق، وصاحب التصانيف، وصاحب الدر في العقود بحسن التأليف؛ الواسطي الذي ما جالت في يد مثله أقلامها، ولا جاءت بشبيهه تحت ثياب العشي أيامها. ما التقى على شروي ليث شراه رافدها … ولا طافت على نظير نضاره دجلة، وقد طفح جانباها، لقد فخر به سالف نسبه، وكان البندار البدار إلى ما أولاهما.
قرأ بالروايات المشهورة والشاذة على أبي علي غلام الهراس، وغيره، وأخذ أيضًا عن أبي القاسم الهذلي، ورحل إلى بغداد سنة إحدى وستين وأربعمائة، وسمع من جماعة وتصدر للإقراء حصرًا، ورحل إليه من الأقطار، وكان بصيرًا بالقراءات وعللها وغوامضها، عارفًا بطرقها عالي الإسناد.
مولده سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وتوفي بواسط في شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٣] عبد الله بن علي بن أحمد (٢)
الأستاذ البارع أبو محمد البغدادي النحوي سبط أبي منصور الخياط.
стр. 1482
ممن يطرب له السامع، وأيد بالملائكة إذ أيّد الشياطين ابن جامع، يحن إليه الجماد، ويحجّ إليه أهل البلاد، إتقانًا في فنه، وإحسانًا. ما مال إليه السامع حتى عاد بملء أذنه. له المحاسن الشاملة، والمصنفات المفيدة كتمام ميقات موسى تلك عشرة كاملة.
ولد سنة أربع وستين وأربعمائة، وسمع من جماعة، وقرأ القراءات على طائفة كثيرة، وأقرأ الناس بمسجد ابن جرده، وأم به دهرًا، وكان رئيس المقرئين في عصره، ختم عليه خلق كثير، وعرض عليه جماعة.
وكان إمامًا محققًا، واسع العلم، متين الديانة، وكان أطيب أهل زمانه صوتًا بالقرآن على كبر السنّ، صنّف التصانيف المليحة نحو العشرة.
قال أبو سعد السمعاني: كان متواضعًا، متودّدًا، حسن القراءة في المحراب، سيما ليالي رمضان، كان يحضر عنده الناس لاستماع قراءته، له تصانيف في القراءات، خولف في بعضها، وشنع عليه، وسمعت أنه ر رجع عن ذلك، والله يغفر لنا وله.
وقال أحمد بن صالح الجيلي: سار ذكر سبط الخياط في الأغوار والأنجاد، ورأس أصحاب الإمام أحمد، وصار أوحد، وقته، ونسيج وحده، لم أسمع في جميع عمري من يقرأ الفاتحة أحسن ولا أصح منه، وكان جمال العراق بأسره، وكان ظريفًا كريمًا لم يخلف مثله في أكثر فنونه. وكان أيضًا من كبار أئمة اللغة.
أَيُّها الزَّائِرُونَ بَعْدَ وَفَاتِي … جَدَثًا ضَمَّنِي وَلَحْدًا عَمِيقا
سَتَرَونَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنَ المَوتِ … عِيانًا وَتَسْلِكُون الطَّرِيقا
وتوفي في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وصلّى عليه الشيخ عبد القادر الجيلي، ودفن عند جده أبي منصور على دكة الإمام أحمد، وكان الجمع يفوق الإحصاء، وغلق أكثر البلد ذلك اليوم.
قال ابن الجوزي: ما رأيتُ جمعًا أكثر من جمع جنازته ﵀.
ومنهم:
стр. 1483
[٤٤] الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد (١)
الأستاذ أبو العلاء الهمذاني العطار، الحافظ، المقرئ، شيخ أهل همذان. كان لما عنده من العلم الجم، والفضل الذي تمّ، هو العطار الذي عنده كل دواء، ولديه كل ما يصلح للهوى، وهو القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور، وصلاح لفساد الأمور، وكان يُعنى بالعلم لتعليمه، ويُقيده بالضبط لزيادة تفهيمه، رافقًا ولو عمل يوم في شهر، قاصدًا للإصلاح: [من الطويل]
وَهَلْ يُصْلِحُ العَطَارُ مَا أَفْسَدَ الدَّهْرُ
ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وارتحل إلى أصبهان، فقرأ بها القراءات والحديث على أبي علي الحدّاد، وإلى بغداد، فقرأ على أبي عبد الله البارع، وغيره، وإلى واسط فقرأ على أبي العز القلانسي، وسمع من ابن بيان وطبقته، وحصل الأصول النفيسة، والكتب الكبار، وانتهت إليه مشيخة العلم ببلده، وبرع في
стр. 1484
فني القراءات والحديث، وروى عنه خلائق.
وقد أثنى عليه عبد القادر، وقال: تعذَّر وجود مثله في أعصار كثيرة وأربى على أهل زمانه في كثرة السماعات مع تحصيل أصول ما سمع، وجودة النسخ، وإتقان ما كتب، فما كان يكتب شيئًا إلا معربًا منقوطًا، وبرع على الحفاظ. جاءته فتوى في أمر عثمان بن عفان ﵁ فكتب فيها من حفظه - ونحن جلوس - درجًا طويلًا.
وله التصانيف في الحديث والزهد والرقائق وصنّف «زاد المسافر» في خمسين مجلدًا، وصنف في القراءات العشر، والوقف والابتداء، والتجويد، ومعرفة القراء وأخبارهم، وهو كبير.
وكان إمامًا في النحو واللغة. سمعتُ: أنه حفظ كتاب «الجمهرة»، وكان من أبناء التجار، فأنفق جميع ما ورثه في طلب العلم، حتى سافر إلى بغداد وأصبهان مرات ماشيًا، وكان يحمل كتبه على ظهره، قال لي: كنت أبيت في بغداد في المساجد، وآكل خبز الدخل. إلى أن قال عبد القادر: ثم عظم شأنه حتى كان يمر بالبلد، فلا يبقى أحد رآه إلا قام، ودعا له حتى الصبيان، واليهود.
وكان يُقرئ نصف نهاره القرآن والعلم، ونصفه الآخر الحديث، وكان لا يغشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت السنة شعاره ودثاره اعتقادًا وفعلًا، ولا يمس جزء الحديث إلا على وضوء.
توفي في تاسع عشر جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٥] عبد الله بن منصور بن عمران بن ربيعة (١)
الأستاذ أبو بكر الربعي الواسطي المعروف بابن الباقلاني.
مسند القراء بالعراق، ومورد الضماء ما راق، كم راد منتجع ربيعه ورام مثله فلم يكن إلا من ربيعة. عرف بابن الباقلاني؛ لأنه من خليطي المسك والكافور مصوّر،
стр. 1485
وعرف به أرج ذكره لو تصوّر، وجاء برواياته الباقلانية، وكان سوادها في البياض زهره المنوّر.
ولد في أول سنة خمسمائة، وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي، وسبط الخياط، وغيرهما؛ ونظر في الفقه والعربية، وقال الشعر، وقدم دمشق، فسمع بها، وانتهى إليه علوّ الإسناد، ورحل إليه الطلبة، وطار ذكره، وبعد صيته.
وروى عنه من شعره ابن السمعاني وابن عساكر وماتا قبله بدهر، وقرأ عليه بالروايات أبو الفرج ابن الجوزي، وابنه يوسف، وجماعة، ودار عليه إسناد العراق.
وذكره ابن عساكر، فقال: قدم دمشق، ومدح بها بعض الناس بقصيدة يقول فيها: [من البسيط]
بِأَيِّ حُلْم دَمُ العُشَّاقِ مَعْلُولُ … فَلَيْسَ يُودَى لَهُمْ فِي الشَّرْعِ مَقْتُولُ
لَيْتَ البَنَانَ الَّتِي فِيْها رَأَيْتُ دَمِي … يُرَى بِها لِيَ تَقْلِيبٌ وتَقْبِيلُ
وقال ابن الدبيثي: انفرد في وقته برواية العشرة عن أبي العز القلانسي وادعى رواية شيء آخر من الشواذ عنه، فتكلّم الناس فيه، ووقفوا في ذلك، واستمر هو على روايته المشهور والشاذ شَرَها منه، وكان عارفًا بوجوه القراءات حسن التلاوة. وأقرأ الناس أكثر من أربعين سنة، وتوفي في سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
وقال عبد المحسن بن أبي العميد الصوفي: رأيتُ في النوم كأَنَّ شخصًا يقول لي: صلى عليه سبعون وليًا لله.
ومنهم:
стр. 1486
[٤٦] عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم العلامة ذو الفنون، شهاب الدين أبو القاسم المقدسي، ثم الدمشقي الشافعي (١)
المقرئ، النحوي، الأصولي: عُرف بأبي شامة.
صاحب التصانيف المتنوعة والتواليف المبدعة والفضائل التي لا ينتهى إلى قرارها، والفواضل التي لا يسمع معها طوائف الحساد غير إقرارها. كان في وجنة الشام شامة، وفي وجنة جنانها رضوانًا أو عليه علامة. ما ألمت قبله بعيون دمشق سنتها، ولا سمعت فاضلها منه بأبي شامة إلا وهو حسنتها. يجف اللسان، وما بلغ في وصفه أدنى مناه، وتبذخ الشهب خيلاء، إذ لقب بنعت أحدها، أين النجم من هدايته؟ والشهاب من سناه؟.
ولد في أحد الربيعين سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وقرأ القرآن صغيرًا، وأكمل
стр. 1487
القراءات على شيخه السخاوي سنة ست عشرة وستمائة، واعتنى بأولاده قبل الأربعين، وأسمعهم الكثير، وقرأ بنفسه وكتب الكثير من العلم، وأحكم الفقه، ودرس، وأفتى، وبرع في العربية، وصنّف، وشرح، واختصر، وحصل له الشيب، وهو ابن خمس وعشرين سنة.
وولي مشيخة القراءة بالتربة الأشرفية، ومشيخة الحديث بالدار الأشرفية، وكان مع فرط ذكائه، وكثرة علمه متواضعًا مُطَّرِحًا للتكلف، وربما ركب الحمار بين المداوير.
وفي جمادى الآخرة سنة خمس وستين وستمائة جاءه اثنان من الجبلية، وهو في بيته عند طواحين الأشنان، فدخلا يستفتيانه فضرباه ضربًا مبرحًا كاد أن يأتي على نفسه، ثم ذهبا، ولم يدر من سلطهما عليه، فصبر، واحتسب.
وتوفي في تاسع عشر رمضان من السنة المذكورة، وكان فوق حاجبه الأيسر شامة كبيرة، فلذا قيل له أبو شامة.
ومنهم:
[٤٧] أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع أبو العباس موفق الدين الكواشي، الشافعي (١)
المقرئ، المفسر، الزاهد.
بقية الأعلام، وطوية خير أظهرها الله به للإسلام، تفسيره الذي صنفه علمًا باقيًا، وعلمًا هاديًا من الضلال واقيا، صدر عن صدر ماج البحر في جانبه، ومال الطود من
стр. 1488
مناكبه، وبر تقي ما سحب الفلك الدوّار على نظيره سبائب سباسبه. إن لقب بالموفق، فهو الذي ما عدمه، أو عرف بالكواشي؛ فلأن كل شيءٍ من علم كتاب الله علمه، أو ولد مثله الزمان، فإنه حمد بعده عقمه.
ولد في ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة، وقرأ على والده، وقدم دمشق، وأخذ عن السخاوي، وغيره، وسمع من ابن روزبة، وتقدم في معرفة القراءات، والتفسير، والعربية.
وكان منقطع القرين، عديم النظير، زهدًا، وصلاحًا، وصدقًا، وتبتلًا، وورعًا، واجتهادًا، صاحب أحوال، وكرامات. وكان السلطان فمن دونه يزورونه، فلا يقوم لهم، ولا يعبأ بهم، ولا يقبل صلتهم، أضر قبل موته بسنوات، وصنف التفسير الكبير والتفسير الصغير.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: بلغنا أنه اشترى قمحًا من قرية الجابية؛ لكونها من فتوح عمر ثلاثة أمداد، وجملها إلى الموصل، فزرعها بأرض البقعة، وخدمها بيده، ثم حصده، وتقوّت منه، وخبّأ بذارًا، ثم زرعه، فنما وكبر إلى أن بقي يدخل عليه من ذلك القمح ما يقوم به وبجماعته من أصحابه، وكان إذا أرسل إلى عند صاحب الموصل، لا يرده.
وتوفي في سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمانين وستمائة. وكواشة قلعة من بلاد الموصل.
ومنهم:
[٤٨] إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الأستاذ برهان الدين، أبو محمد الربعي، الجعبري (١)
المقرئ، الشافعي، النحوي.
شيخ بلد الخليل ﵇ بل شيخ القراء في وقته والسلام، نزيل ذلك
стр. 1489
الحرم، وضيف ذلك الكرم، وجليس ذلك المحراب المعمور، وأنيس ذلك المكان المتألق مع وجود ذلك النور المتقلل من كثير الدنيا، والموفي بنذره في طلب العليا، المناجي بلسانه الخليل: «أن يا إبراهيم صدقت الرؤيا» المنقطع إلى من تسمى باسمه إبراهيم، المجمع على أنه لا يرحل عن جواره الكريم الذي شاد، وما خلت البقاع، واشرق، وما أطل فرع الليل البهيم.
قرأ بالسبع على أبي الحسن الوجوهي صاحب الفخر الموصلي، وبالعشر على المنتجب بن حسن التكريتي. وروى القراءات بالإجازة، وتصدر للإقراء دهرًا، وصنّف التصانيف الرائعة في فنون العلم، وهاجر إليه الطلبة من الآفاق، وله شرح الشاطبية كامل في معناه، وآخر للرائية، ونظم في السبع، والعشر، والرسم، والتجويد. وله نحو من مائة مصنف.
ولد في حدود سنة أربعين وستمائة، أو قبلها بقلعة جعبر، واشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق، فنزل بالشميساطية، وأعاد بالغزالية، ثم ولي مشيخة حرم الخليل بعد البديع، فبقي هناك إلى أن توفي في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.
ومنهم:
[٤٩] حمد بن بضخان بن عين الدولة الإمام بدر الدين بن السراج (١)
متقدم بالعلم لا بالزمان، ومفضّل يحتج به أهل الإيمان، ومحلًا ورده للطالب
لا يردّ عنه بغلته ظمآن، ومهنأ بفضل ما أوتي لا يضره فيه أهل الشنان، وله في الموسيقى ما يقرع له العود، ويقرّ له الحسود، ويقرّر أنه ما غاب نصيبه مما قيل له: اعملوا شكرًا آل داود (٢)، إلا أنه لم يكن معتدل المزاج، ولا معتد الجسم للعلاج، الإفراط سوداء به منعته من المآكل كل بيضاء شحمه، وكل حمراء لحمه، وكل خضراء نضرة نعماء، وكل زرقاء نطفة ماء، وكل صفراء فلذة حلواء، تسمى باسم من الأسماء، فقضى مدة حياته منغصًا واستوفى رزقه من الدنيا، إلا أنه أخذه منقصًا، وهيهات
стр. 1490
مشاهير القراء في الجانب الشرقي
وهيهات بتجنب الطيبات من الرزق طول طيب الحياة: [من الكامل]
وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا … أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لَا تَنْفَعُ
ولد سنة ثمان وستين، وسمع الكثير بعد الثمانين، واعتنى بالقراءات سنة تسعين، وبعدها، وحجّ غير مرّة، وانتقل إلى مصر سنة سبعمائة، وجلس في حانوت تاجرًا، ثم أقبل على العربية فأحكمها، وقدم دمشق بعد ستة أعوام، وتصدّر الإقراء القراءات والنحو، وقصده القراء والمشتغلون، وظهرت فضائله وبهرت معارفه، وبَعْدَ صيته، ثم إنه أقرأ لأبي عمرو بإدغام «الحمير لتركبوها» وبابه، ورآه واسعًا في العربية والتزم إخراجه من القصيد، وصمّم على ذلك مع اعترافه بأنه لم يقرأ به، وقال: أنا قد اذن إن أقرأ بما في القصيد، وهذا يخرج منها، فقام عليه التونسي وابن الزملكاني وغيرهما فطلبه قاضي القضاة ابن صصري بحضورهم وراجعوه وناظروه فلم يرجع فمنعه الحاكم المذكور من الإقراء به وأمره بمراجعة الجمهور فتألم وانقطع في بيته، وامتنع من الإقراء جملةً، ثم إنه استخار الله - تعالى - واستأذن الحاكم في الإقراء بجامع دمشق فأذن له، وجلس للإفادة، وازدحم عليه الطلبة، وأخذوا عنه القراءات والعربية، وكان له ملك يقوم بمصالحه، ولم يتناول من الجهات درهمًا ولا طلب جهة مع كمال أهليته.
ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الملك الصالح بعد التونسي لكونه أقرأ من وجد بدمشق من المتصدرين، وكذلك ولي إمامة مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق، ثم تركها وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام، وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
وهذا آخر من كان يُعَدُّ في فنه واحدًا في الزمان، وفردًا لا يُلز بثان، فلما قرَّ القبر بإيابه، ونفضت الأيدي من ترابه، تساوت بعده الأنظار، وتواست لواحد في عدم الإقرار، على أن في الأيام منهم شموسًا لوامع، وفي الليالي بدورًا طوالع، إلا أنه لم ينبغ منهم في هذا الفن متفرّدًا به واحد، ولا قنع به دون ضم أطراف العلوم الشوارد، بل ما في جله الوقت ممن أتقن القراءات إلا من جعلها تمامًا لحلية من غير نقيصة، ومشاركة في عموم معارفه لا خصيصة؛ قلّما مَنْ تمَّحض للقراءات. فما منهم رأس ارتفع، ولا واحد عليه يجتمع، وكان موته إذ حمل على أعناق الرجال، وقدّم له النعش للارتحال كما زعم الأول وقال: [من السريع]
تَسَاوَتِ النَّاسُ وَمَاتَ الكَمَال
تغمده الله بالرضوان، وآنسه بالقرآن، فبموته خُتم قُرَّاء الجانب الشرقي، وتظلم لحظه الشقي.
* * *
стр. 1491
[مشاهير القراء في الجانب الغربي]
فأما القراء بالجانب الغربي ومن قرأ في بلاد البرابرة العجم الكتاب المنزل باللسان العربي، فسأذكر منهم طائفة، لولا مصر لما جمع منهم كثرة، ولا قلة، ولا من يُروى منه بنهلة، ولا علة.
وها أنا أقول منهم:
[٥٠] محمد بن خيرون المعافري، أبو عبد الله المغربي (١)
شيخ الإقراء بالقيروان، مضى زمن وهو صدر ذلك الأوان، عمت به الإفادة، وحصل بجده ما حصل في جَدِّه من خير وزيادة. رَحَلَ، وقرأ، وحذق في قراءة ورش، وله مسجد بالقيروان منسوب إليه.
قال أبو عمرو الداني: روى عنه عامة اهل القيروان وسائر المغرب، وكان رجلًا صالحًا، فاضلًا، كريم الأخلاق، إمامًا في القرآن، شديد الأخذ، ولم يكن يقرأ أهل إفريقية بحرف نافع إلا خواص، حتى قدم ابن خيرون، فاجتمع عليه الناس.
وتوفي بمدينة سوسة في نصف شعبان سنة ست وثلاثمائة.
ومنهم:
стр. 1492
[٥١] أبو عمر الطلمنكي، واسمه أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري، الأندلسي (١)
المقرئ، الحافظ، نزيل قرطبة.
إذ كانت تزهر بخلائفها، وتزهي كالغادة العذراء بألأفها، وكان لقرطبة قرْطًا لأذنها، وللزهراء زهرًا يُفتح في فننها. يفيد أهلها، ويغيث الرياح اللواقح أن يلحق فضلها. تقلدت منه صارمًا أفتك من نحرها، وأثبت على عواتقها من مستقر الخلافة في صدرها، فقام والدهر قد قعد، وسح حيًا فأنجز حرّ منه ما وعد.
ولد سنة أربعين وثلاثمائة، وسمع سنة اثنتين وستين، وهو أول سماعه، وقرأ على أبي الحسن علي بن محمد الانطاكي، وأبي الطيب بن غلبون، ومحمد بن علي الأدفوي، وقيل: سمع منه ولم يقرأ عليه.
وروى عن جماعة، ورجع إلى الأندلس بعلم جم، وروى عنه أبو عمر بن عبد البر، وأبو محمد بن حزم، وطائفة كثيرة.
وكان رأسًا في علم القرآن؛ قراءاته، وإعرابه، وأحكامه، وناسخه، ومنسوخه، ومعانيه، رأسًا في علم الحديث، ومعرفة طرقه، حافظًا للسنن، ذا عناية بالآثار والسنة، إمامًا في عقود الديانات، ذَا هَدْي وسَمْتٍ، ونسك وصمت.
стр. 1493
قال أبو عمرو الداني: كان فاضلًا، ضابطًا شديدًا في السنة.
وقال ابن بشكوال في كتابه الصلة: كان سيفًا مجرّدًا على أهل الأهواء والبدع، قامعًا لهم، غيورًا على الشريعة، شديدًا في ذات الله أقرأ الناس محتسبًا، وأسمع الحديث، وأم بمسجد متعة، ثم إنه خرج إلى الثغر، فجال فيه، وانتفع الناس بعلمه، ثم قصد بلده في آخر عمره، فتوفي به في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
ومنهم:
[٥٢] مكي بن أبي طالب حمّوش بن محمد بن مختار، أبو محمد القيسي، المغربي، القيرواني، ثم الأندلسي القرطبي (١)
العلامة المقرئ، الماشي رويدًا، والسحاب خلفه يجري. سمح به على بخله الزمن، وأصاب به من لم يقس قيسًا بيمن، ووجلت منها بـ «من» حتى حملت شعارها الأصفر إشعارًا بأنها من ذممها، وأوجفت عليها قيس تحت رايتها الحمراء مخصّبة بدمها. ولقد عُرفت له دعوة مجابة وساعة ما مد فيها
стр. 1494
يده حتى فتحت له أبواب السماء بالإجابة.
ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة بالقيروان، وحجّ وسمع بمكة، وقرأ القراءات على أبي الطيب بن غلبون، وابنه طاهر، وسمع من محمد بن علي الأذفوي، وكان متبحرًا في علوم القرآن والعربية، حسن الفهم والخلق، جيد الدين والعقل، كثير التأليف في علوم القرآن، محسنًا، مجودًا، عالمًا بمعاني القراءات، سافر إلى مصر - وهو ابن ثلاث عشرة سنة - وتردد إلى المؤدبين بالحساب، وأكمل القرآن، ورجع إلى القيروان، ثم رحل فقرأ القرآن على ابن غلبون سنة ست وسبعين، وقرأ بالقيروان أيضًا بعد ذلك، ثم رحل سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وحج، وجاور ثلاثة أعوام، ودخل الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وجلس للإقراء بجامع قرطبة، وعظم اسمه، وجلّ قدره.
قال ابن بشكوال: قلده أبو الحزم جهور خطابة قرطبة بعد يونس بن عبد الله القاضي، وكان قبل ذلك ينوب عن يونس وله ثمانون تأليفًا، وكان خيرًا، متدينًا، مشهورًا بالصلاح وإجابة الدعوة. دعا على رجل كان يسخر به في وقت الدعاء، فأقعد ذلك الرجل.
توفي في ثاني المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
ومنهم:
[٥٣] أبو عمرو الداني (١) واسمه عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي، مولاهم القرطبي (٢)
الإمام، العلم، المعروف في زمانه بابن الصيرفي، وفي زمننا بأبي عمرو الداني؛ لنزوله بدانية، ونزوحه منها إلى حيث النجوم بانية، هو أبو عمرو وقته، ونافع زمانه، أو
стр. 1495
ساميه في سَمْته، الذي لم يتأخر إذ جاء في آخر الزمان، ولم يتعذر ملاقاة القراء السبعة الأول على من لم يعاصرهم، وعاصر منه عثمان.
ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. قال أبو عمرو: وابتدأت بطلب العلم في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ورحلت إلى المشرق سنة سبع وتسعين، فمكثت بالقيروان أربعة أشهر أكتب، ثم دخلت مصر في شوال من السنة، فمكثت بها سنة، وحججت، ودخلت الأندلس في ذي القعدة سنة تسع وتسعين، وخرجت إلى الثغر سنة ثلاث وأربعمائة، فسكنت سرقسطة سبعة أعوام، [ثم رجعت إلى قرطبة. قال: وقدمت دانية سنة سبع عشرة.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي:] فاستوطنها حتى مات. وقرأ بالروايات، وسمع كتاب ابن مجاهد في اختلاف السبعة، وسمع الحديث.
وقال ابن بشكوال: كان أبو عمرو وأحد الأئمة في علم القرآن: رواياته، وتفسيره، ومعانيه، وطرقه، وإعرابه. وجمع في ذلك كله تواليف حسانًا مفيدة يطول تعدادها، وله معرفة بالحديث وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته وكان حسن الخط، جيد الضبط من أهل الحفظ والذكاء، والتفنن دينًا، فاضلًا، ورعًا، سُنّيًا.
وقال المغامي: كان أبو عمرو الداني مجاب الدعوة مالكي المذهب، ومن تصانيفه كتاب الأرجوزة في أصول السنة منها يقول: [من الرجز]
كَلَّمَ مُوسَى عَبْدَهُ تَكْلِيما … وَلَمْ يَزَلْ مُدَبِّرًا حَكِيما
стр. 1496
كلامُهُ وَقَولُهُ قَدِيمُ … وَفَوقَ عَرشِهِ هُوَ العَظِيْم
وَالقَولُ فِي كِتَابِهِ المُرَتِّلْ … بِأَنَّهُ كَلامُهُ المُنَزَّلْ
عَلَى رَسُولِهِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ … لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِخَالِقٍ
مَنْ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ مَخْلُوقُ … أَوْ مُحْدَثٌ فَقَولُهُ مُرُوقُ
أَهْوِنْ بِقَوْلِ جَهْمِ الخَسِيْسِ … وَوَاصِلٍ وَبِشْرِ المَرِيسِي
وتوفي في بداية يوم الاثنين منتصف شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن ليومه بعد العصر، ومشى صاحب دانية أمام نعشه، وشيعه خلق عظيم.
ومنهم:
[٥٤] سليمان بن أبي القاسم نجاح (١)، أبو داود المقرئ
مولى الأمير المؤيد بالله بن المستنصر الأموي، الأندلسي.
سند الإقراء، ومسند القراء، وعمدة الأداء، وعدة الظفر على الأعداء، أيد به المؤيد، ونصر المستنصر إذ كان له أبا السيد الذي عمت تصانيفه نفعًا، وتمت فكادت لا تحصى جمعًا، المتيقظ لكتاب الله يدرسه والعيون هجود المستوقف بقراءته حتى الطير في السماء، ولا ينكر لسليمان أن يرث مزامير داود.
أخذ القراءات عن أبي عمرو الداني، ولازمه مُدّة وأكثر عنه، وهو أجلّ أصحابه، وقرأ عليه بشر كثير.
قال ابن بشكوال: كان من جلة المقرئين وفضلائهم وأخيارهم، عالمًا بالقراءات وطرقها، حسن الضبط، ثقة، دينًا، له تواليف كثيرة عدتها ستة وعشرون مصنّفًا، أخبرنا عنه جماعة ووصفوه بالعلم والفضل والدين، ومن تصانيفه كتاب «البيان الجامع العلوم
стр. 1497
القرآن» في ثلاثمائة جزء، وعقود الديانة وهي أرجوزة ثمانية عشر ألف بيت وأربعمائة وأربعون بيتًا.
قال ابن بشكوال: ولد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وتوفي ببلنسية في سادس عشر رمضان سنة ست وتسعين وأربعمائة، وتزاحموا على نعشه.
ومنهم:
[٥٥] عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق بن خلف العلامة الأستاذ، أبو القاسم، ابن الفحام الصقلي (١)، المقرئ
صاحب كتاب «التجريد»، والمعروف في القراءة «بالتجويد». الصقلي الصقيل المرآة، الجميل مرآهابن الفحام الذي أفحم كل ذي جدل، وسود وجه كل معارض بما اختنق من دم الخجل، الموافق لابن الصديق، فما نقص ولا زاد، عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق، ولعله ما قيل إنه عتيق إلا لأنه جواد.
قرأ القراءات على أبي العباس أحمد بن سعيد بن نفيس، وأبي الحسين نصر بن عبد الغافر الفارسي، وعبد الباقي بن فارس، وأبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل المالكي، وقرأ العربية على ابن بابشاذ، وشرح مقدمته، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالإسكندرية علوًّا ومعرفة.
قال سليمان بن عبد العزيز الأندلسي: ما رأيت أحدًا أعلم بالقراءات منه لا بالمشرق ولا بالمغرب.
وثقه السلفي، وقرأ عليه، وقرأ عليه أيضًا أبو العباس بن الحطيئة، ويحيى بن سعدون شيخ الموصل، وعبد الرحمن بن خلف بن عطية، وغيرهم.
توفي في ذي القعدة سنة ست عشرة وخمسمائة، وقد جاوز التسعين، وتردد في مولده هل هو في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، أو في سنة خمس وعشرين - والله أعلم.
ومنهم:
стр. 1498
[٥٦] علي بن محمد بن علي بن هذيل، الإمام أبو الحسن البلنسي (١)
المقرئ، الزاهد، المقرّ بفضله له الخصم، فلا يحتاج إلى شاهد، المتفرد كأنه سهيل، والمراد به عصر أبي ذؤيب في هذيل، والتائه به الغرب على الشرق إذا جاء بابن هذيله العلاف، ليماثله، أو أقبل بجدله، وأكثره الباطل على هذا في الحق؛ ليجادله.
لازم أبا داود سليمان بن أبي القاسم مدة سنين بدانية وبلنسية، ونشأ في حجره؛ لأنه كان زوج أمه، فقرأ عليه القراءات، وسمع عليه شيئًا كثيرًا، وهو أجل أصحابه وأثبتهم، وصارت إليه أصوله العتيقة، وانتهت إليه رئاسة الإقراء في زمانه.
قال الأبار: كان منقطع القرين في الفضل، والدين، الورع، والزهد، والتواضع، والإعراض عن الدنيا، والتقلل، صوامًا، قوامًا، كثير الصدقة، كانت له ضيعة يخرج لتفقدها، فتصحبه الطلبة، فمن قارئ، وسامع، وهو منشرح لذلك، طويل الاحتمال على فرط ملازمتهم ليلًا ونهارًا، وعُمِّر، وهو آخر من حدّث عن أبي داود، وانتهت إليه رئاسة الإقراء عامة عمره؛ لعلو رتبته وإمامته في الاتقان والتجويد. وحدث عن جلة لا يحصون، وروى العلم نحوًا من ستين سنة.
ولد سنة سبعين وأربعمائة، أو سنة إحدى وسبعين.
وتوفي يوم الخميس سابع عشر رجب سنة أربع وستين وخمسمائة، فحضره السلطان أبو الحجاج يوسف بن سعد، وتزاحم الناس على نعشه، ورثاه ابن واجب بقوله: [من البسيط]
لَمْ أَنْسَ يَوْمَ تَهَادَى نَعْشَهُ أَسَفًا … أَيْدِي الوَرَى وَتَرَامِيْها عَلَى الكَفَنِ
كَزَهْرَةٍ تَتَهَادَاهَا الأَكُفُّ فَلَا … تُقِيمُ فِي رَاحَةٍ إِلَّا عَلَى ظَعَنِ
قال الأبار: قال لنا محمد بن أحمد بن سلمون: هذا صحيح. كان الناس يتعلقون بالنطق والسُّقُف؛ ليدركوا النعش بأيديهم، ثم يمسحون بها على وجوههم، وكان يتصدق على الأرامل واليتامى، فقالت له زوجته: إنك لتسعى بهذا في فقر أولادك، فقال لها: لا والله إلا أنا شيخ طماع أسعى في غناهم.
ومنهم:
стр. 1499
[٥٧] القاسم بن فيره بن خلف بن أحمد، أبو محمد وأبو القاسم، الرعيني، الشاطبي (١)
المقرئ، الضرير.
أحد الأعلام، والمتحدي بمعجزه في شاطبيته على علماء الإسلام، والفرد بلا نظير على كثرة الأنام، ولا شبيه يطمع أن يرى مثله حتى ولا في المنام، المبصر قلبه؛ لأنَّ القرآن نوره، والإيمان مشكاة فهمه إذا اشتبهت أموره، الذي قل من لا استقى من بحره، أو اغترف غرفة بيده من نهره، أو جاء بعده من القراء مجيد إلا وقصيدته «حرز الأماني» تميمة معلقة على نحره.
ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وقرأ ببلده القراءات، وأتقنها ثم ارتحل إلى بلنسية، وهي قريبة من شاطبة، فعرض بها القراءات والتيسير من حفظه، وسمع الحديث، وارتحل ليحجّ، واستوطن مصر، واشتهر اسمه، وبَعْدَ صيته، وقصده الطلبة من النواحي.
وكان إمامًا، علامة، ذكيًا، كثير الفنون، منقطع القرين، رأسًا في القراءات، حافظًا للحديث، بصيرًا بالعربية، واسع العلم، وقد سارت الركبان بقصيدته «حرز
стр. 1500
الأماني»، و «عقيلة أتراب القصائد» اللتين في القراءات والرسم، وحفظهما خلق لا يحصون، وخضع لهما فحول الشعراء، وكبار البلغاء، وحذاق القراء؛ فلقد أبدع، وأوجز، وسهل الصعب، وقرأ عليه بالروايات عدد كثير.
قال الأبار في تاريخه: تصدّر للإقراء بمصر، فعظم شأنه، وبعد صيته، وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء، وكان موصوفًا بالزهد، والعبادة، والانقطاع.
ومن شعره: [من مجزوء الكامل]
قُلْ لِلأَمِيرِ نَصِيْحَةٌ … لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى فَقِيهِ
إنَّ الفَقِيهَ إِذَا أَتَى … أَبْوَابَكُمْ لَا خَيْرَ فِيْهِ
وعاش اثنتين وخمسين سنة.
وتوفي بمصر في ثامن عشر من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة.
ومنهم:
[٥٨] علي بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب بن غطاس أبو الحسن الهمذاني السخاوي (١) علم الدين
المقرئ المفسر النحوي، شيخ القراء بدمشق في زمانه، إلا أنه مما جاز الغرب دينار شمسه، وهيأ موضع منشأه، ثم ضنّ بكوكبه الدري أن يهيئ له موضع رمسه ما
стр. 1501
أهدى الغرب مثل نسيمه الخفاق، ولا أمد الشرق في نهاره المتدفق شبيه نهره الدفاق، ولا قرّ هنا في قراره الغرب حتى كادت تتجاذبه الآفاق؛ لقد سنحت سخا منه بما يعذر فيه السميح، ويحذر في مثله آفة ذي الفهم الصحيح، وصعد إلى السماء، فجنى النجوم زهرات، وظهر على السحاب فرمى البروق زفرات، ووطئ جبهة الأسد، وداس وذل الجبل، فما ارتفع له رأس، وغطس في البحر فجاء بما لا يقدر عليه قبله ابن غطاس.
ولد سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمسمائة، وقدم من سخا فسمع الحديث، وأخذ القراءات على الشاطبي، وأبي الجود اللخمي وغيرهما، واقتصر في إسناد القراءات عليها، وأقرأ الناس نيفًا وأربعين سنة، وقرأ عليه خلق كثير بالروايات.
وكان إمامًا كاملًا، ومقرئًا محققًا، ونحويًا علامة، مع بصره بمذهب الشافعي، ومعرفته بالأصول، وإتقانه للغة، وبراعته في التفسير، وإحكامه لضروب الأدب، وفصاحته بالشعر، وطول باعه في النثر، مع الدين والمروءة، والتواضع، واطراح التكلف، وحسن الأخلاق، ووفور الحرمة، وظهور الجلالة، وكثرة التصانيف، وكان من أفراد العالم، ومن أذكياء بني آدم؛ حلو النادرة، مليح المحاورة.
ومن شعره: [من السريع]
قَالُوا: غَدًا نَأْتِي دِيَارَ الحِمَى … وَنُنْزِلُ الرِّكْبَ بِمَعْنَاهُمُ
وَكُلُّ مَنْ كَانَ مُطِيعًا لَهُمْ … أَصْبَحَ مَسْرُورًا بِلُقْيَاهُمُ
قُلْتُ: فَلِيْ ذَنْبٌ فَمَا حِيْلَتِي … بِأَيِّ وَجْهِ أَتَلَقَّاهُمُ؟
قِيلَ: أَلَيْسَ العَفْوُ مِنْ شَأْنِهِمْ … لاسِيَّما عَمَّنْ تَرَجَّاهُمُ
ومن غرائب الاتفاق: أن الشيخ علم الدين السخاوي مدح السلطان صلاح
стр. 1502
الدين، ومدح الأديب رشيد الدين الفارقي، وبين وفاتي الممدوحين مائة سنة.
وتوفي الشيخ علم الدين في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بمنزله بالتربة المعروفة بأم الملك الصالح؛ وهو أول من أقرأ بها، وكان يقرئ أيضًا بالجامع الأموي عند قبر زكريا ﵇ (١) -
ومنهم:
[٥٩] أبو عبد الله الفاسي، الإمام العلامة جمال الدين، محمد بن حسن بن محمد بن يوسف المغربي (٢)
نزيل حلب إلا أنه من طينة الغرب بُعث، وروحه من نسيمه الغربي نُفِث. نزل بحلب تحلب منه أشطرها، وتجلب منه اسطرها، ودفن في ترابها، ودفع إذ ذكرناه إلى أقصى الغرب، وما عُدَّ من أترابها؛ لأنه ما أتى حلب إلا مكتهلًا، ولا قدم إليها إلا وقد رأى شيب رأسه مشتعلًا، لكنه جرّ عليها ذلاذل قطره، وحمل إليها الندى من قطره.
ولد بفاس سنة نيف وثمانين وخمسمائة، وقدم مصر بعد موت أبي الجود، فقرأ على اثنين من أصحاب الشاطبي، وأخذ القراءات بحلب عن جهاد الدين بن شداد، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان إمامًا متفننًا ذكيًا، متقنًا واسع العلم، كثير المحفوظ بصيرًا بالقراءات وعللها، مشهورها وشاذها، خبيرًا باللغة، مليح الكتابة، وافر الفضائل، موطأ الأكناف، متين الديانة، ثقة، حجة انتهت إليه رئاسة الإقراء ببلد حلب. ومات سنة ست وخمسين وخمسمائة.
ومنهم:
[٦٠] محمد بن عبد الرحيم بن الطيب، أبو القاسم القيسي الضرير (٣)
مقرئ المغرب، وموري المغرب، ومظهر المُحجب، وممطر روض المجرة
стр. 1503
المُعشب. كفاه أنه من قيس في سرواتها، وفي حيث ينقطع عنده غاية رواتها، هو ابن الطيب، ولهذا ذكاؤه ينفح، وعلاؤه لا يستكثر فيه بما يسمح، وأرجه تتقاذف به الأرجاء، وورقه يندى، وقُمْرِيُّه يصدح ولا عيب فيه، ولا عيب إلا أنه لا يبخل بما لا يزر عليه الجيب.
ولد في حدود ثلاثين وستمائة بالجزيرة الخضراء، وقرأ القرآن على خطيبها أبي محمد الركيني، وعلى أبي عبد الله الشريشي، ثم تحوّل إلى سبتة، فأكرمه أميرها أبو القاسم محمد بن أبي العباس الغرفي، فلما جاء رمضان، سأله أن يقرأ السيرة على الناس، فصار يدرس كل يوم ميعادًا ويورده.
وكان من أسرع الناس حفظًا، وأحسنهم صوتًا، وكان إليه المنتهى في معرفة القراءات، وضبطها وأدائها. وكان عارفًا بالتفسير، والعربية والحديث. حمل عنه أهل سبتة. وتوفي سنة إحدى وسبعمائة في رمضان.
ومنهم:
[٦١] أحمد بن إبراهيم بن الزبير، أبو جعفر الثقفي الغرناطي (١)
المقرئ الحافظ، أحد الأعلام بالأندلس، والأعلام الشاهقة في القبور الدرس.
لَعَمْرُ أبيك قد سترت به ثقيف سوءة حجاجها، وصدرت، وتاج الثريا فوق حجاجها.
تاهت به عروس غرناطة، وتطاولت، ونَسْر دمشق الحائم على قبة جامعها قد أظهر انحطاطه. بقية العلماء المكثرين، والفضلاء المتبحرين، والقراء الذين لكلام الله بهم بلاغ، ودونك هو، وانفض يديك للفراغ.
ولد سنة سبع وعشرين وستمائة وقرأ بالروايات على أبي الحسن علي بن محمد الشاري، وسمع التفسير من أبي عبد الله بن جوبر البلنسي، وسمع الحديث من أبي الخطاب بن خليل، وأبي عبد الله الأزدي، وخلق. وانتهت إليه معرفة الحديث ورجاله، ثم معرفة القراءات، وقرأ عليه خلق لا يحصون ومات بغرناطة في آخر سنة ثمان وسبعمائة.
قال أبو عبد الله الحافظ الذهبي: وقفت على إجازة ابن الزبير بالسبع لجماعة، وفيها فوائد نفيسة تدلُّ على براعته، وأنه قرأ على جماعة. وقد أفردت ذلك في كراس.
* * *
стр. 1504
[مشاهير القراء في مصر]
وبهذا ختمت القراء المقطوع بأنهم من أهل الغرب وسأتبعهم بمن ألحق بهم من أهل مصر إن لم يكن دون ذلك طعن وضرب ليتلاحق المدد وتتسابق الجياد، والكل إلى أمد.
فأقول منهم:
[٦٢] عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان، أبو سعيد المصري القبطي (١)
مولي آل الزبير بن العوام الملقب بورش، ويقال له الرواس؛ لأنها كانت صناعته؛ ولأنه رأس، ثقة، سكنت إليه النفوس، وخضعت أولًا وآخرًا له الرؤوس ما بلغ بلاغته ساكن المشان، ولا صحت فصاحته لذي شان، ولا تكلم إلا وسكت كل قائل، وقال في فنه ورش، أو غرد على فَنَنِهِ وَرَشَان. بيانًا يصدع العشاء، وقرب مستقى، لم يحتج به أحد عند ورش يطيل الرشاء.
ولد سنة خمس وخمسين ومائة، وقرأ القرآن وجوده على نافع عدة ختمات في حدود سنة خمس وخمسين ومائة، ونافع هو الذي لقبه بورش لشدة بياضه. والورش: شيء يصنع من اللبن، ويقال لقبه - بالورشان - وهو طائر معروف - فكان يقول: اقرأ يا ورشان، وهات يا ورشان، ثم خفف وقيل: ورش. وكان لا يكرهه، ويُعجبه، ويقول: أستاذي سماني به.
وكان أول أمره رأسًا، ثم اشتغل بالقرآن والعربية، ومهر فيهما، وكان أشقر، أزرق سمينًا، مربوعًا، يلبس مع ذلك ثيابًا مقدرة، وإليه انتهت رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه.
стр. 1505
قال أبو يعقوب الأزرق: لما تعمّق ورش في النحو وأحكمه، اتخذ لنفسه مقرًّا يسمى ورش.
وقال ورش: خرجت من مصر لأقرأ على نافع؛ فلما وصلت إلى المدينة، صرت إلى مسجد نافع، فإذا هو لا تطاق القراءة عليه من كثرتهم، وإنما يُقرئ ثلاثين.
فجلست خلف الحلقة، وقلت لإنسان: من أكبر الناس عند نافع؟، فقال لي: كبير الجعفريين، فقلت: كيف به؟ قال أجيء معك إلى منزله، وجئنا إلى منزله، فخرج شيخ، فقلت: أنا من مصر جئت لأقرأ على نافع، فلم أصل إليه، وأُخبرت أنك من أصدق الناس له، وأنا أريد أن تكون الوسيلة إليه، فقال: نعم وكرامة، وأخذ طيلسانه ومضى معنا إلى نافع فقال له الجعفري: هذا وسيلتي إليك، جاء من مصر ليس معه تجارة، ولا جاء يحجّ، إنما جاء للقراءة خاصة، فقال: ترى ما ألقى من أولاد المهاجرين والأنصار؟ فقال صديقه: تحتال له، فقال لي نافع: أيمكنك أن تبيت في المسجد، قلت: نعم، فبت في المسجد؛ فلما إن كان الفجر جاء نافع، فقال: ما فعل الغريب؟ فقلت: ها أنا رحمك الله، قال: أنت أولى بالقراءة. قال: وكنت مع حسن الصوت مدادًا به فاستفتحت فملأ صوتي مسجد رسول الله ﷺ فقرأت ثلاثين آية، فأشار بيده أن أسكت، فسكت، فقام إليه شاب من الحلقة، فقال: يا معلم أعزّك الله، نحن معك، وهذا رجل غريب، وإنما رحل للقراءة عليك، وقد جعلت له عشرًا، وأقتصر على عشرين، فقال: نعم وكرامة، فقرأت عشرًا، فقام فتى آخر، فقال كقول صاحبه، فقرأت عشرًا، وقعدت حتى لم يبق له أحد ممن له قراءة. فقال لي: اقرأ، فأقرأني خمسين آية، فما زلت أقرأ خمسين آية في خمسين، حتى قرأت عليه قبل أن أخرج من المدينة ختمات.
وفي رواية قال ورش: فكانوا يهبون لي أسباقهم حتى كنت أقرأ عليه كل يوم سبعًا، وختمت في سبعة أيام، فلم أزل كذلك، حتى ختمت عليه أربع ختم في الشهر، وخرجت من المدينة.
توفي ورش بمصر سنة سبع وتسعين ومائة.
ومنهم:
[٦٣] عبد الله بن مالك بن عبد الله بن سيف أبو بكر التجيبي المصري (١)
شيخ الإقليم بالإقراء في زمانه، وفي استحقاق البداءة به على أقرانه، وطالت مدة
стр. 1506
إفادته، ودامت جدّة سعادته، وثبت بجده على الوفاء، مع أخذه في زيادته؛ كأنما طبع من سيف جَدِّه زُبْرَةُ ذهنه، واستمد بجده قوة أيام وهنه؛ فقوي من سلفه بما تجيب، ودعا من أبيه مالكًا لو أسمع بواعثه من وراء البحار، لما عجزت أن تجيء وتجيب.
قرأ القرآن على أبي يعقوب الأزرق، وعُمّر دهرًا طويلًا، وحدث عن محمد بن رمح - صاحب الليث بن سعد وقرأ عليه خلق.
وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثمائة. كذا ورخه أبو سعيد بن يونس، وحدث عنه في تاريخه.
ومنهم:
[٦٤] محمد بن علي بن أحمد، (١) الإمام أبو بكر الأُدْفُوي (٢)، المصري
المقرئ، النحوي، المفسر، والصدر المتصدر، والمقرئ المقرر، والنحوي الذي لا يعجز في توجيه غريب الأعراب متعذر والحافظ المجيد الذي ما هو بحله الكسائي متشبع، ولا بما عند ابن كثير متكثر، فإن في تنقيح ما صنف، وتصحيح ما كتب، لا بل ما قرّط بحب لؤلؤه الحائك سامع الإملاء وشنف، وترجيح آراء لا يحذفها إلا من عذر، وإن عن له أن عنف.
قرأ القرآن على أبي غانم المظفر بن أحمد، وسمع الحروف من أحمد بن إبراهيم ابن جامع، وسعيد بن السكن، ولزم أبا جعفر النحاس، وحمل عنه كتبه، وبرع في علوم القرآن، وكان سيد أهل عصره بمصر.
стр. 1507
قال أبو عمرو الداني: انفرد أبو بكر بالإمامة في وقته في قراءة نافع، مع سعة علمه، وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وتمكنه من علم العربية، وبصره بالمعاني. روى عنه القراءة جماعة من الأكابر، وله كتاب في «التفسير» في مائة وعشرين مجلدًا، وهو موجود بالقاهرة.
قال سهل بن عبد الله البزاز: صنّف شيخنا أبو بكر الأدفوي كتابه «الاستغناء في علوم القرآن» في اثنتي عشرة سنة، وتوفي في سابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وعاش خمسًا وثمانين سنة.
سكن مصر، وكان خشابًا يتجر. وأذفو: قرية من الصعيد، مما يلي أسوان.
ومنهم:
[٦٥] غياث بن فارس بن مكي، الأستاذ أبو الجود اللخمي، المنذري (١)
المقرئ، الفرضي، النحوي، العروضي، الضرير، شيخ القراء بديار مصر؛ هو المصري إلا أنه الذهب لا بل هو أعلى قدرًا، وأغلى سعرًا، وأفضل ما تعاملت به الناس، وتماثلت، إلا أنه إذا غاب - والكرام أجناس - استمدت منه، ولم ينقصه الاقتباس، ورأت منه غياثًا، لا بل استمطرت غيثًا لا يعرف الاحتباس، وقهرت به القاهرة المعزية ما سواها، وعزَّت، لا بل عزَّ عليها أن تُنبت مثله، وإن سقاها النيل، ورواها.
قرأ القراءات على الشريف أبي الفتوح الخطيب، وسمع من عبد الله بن رفاعة، وتصدر للإقراء من شبيبته، وتلا بالتيسير وطرقه واشتهر. وقرأ عليه خلق كثير منهم علم الدين السخاوي وخلق آخرهم وفاةً أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله الملجي.
قال الحافظ زكي الدين المنذري: أقرأ الناس دهرًا، ورحل إليه وأكثر المتصدرين للإقراء بمصر. أصحابه وأصحاب أصحابه. وكان دينًا، فاضلًا، بارعًا في الأدب،
стр. 1508
حسن الأداء، متواضعًا، كثير المروءة. لا يطلب منه قصد أحد في حاجة إلا يجيب، وربما اعتذر إليه المشفوع إليه، ولم يجبه، فيطلب منه العود إليه، فيعود.
تصدر بالجامع العتيق بمصر، وبمسجد الأمير موشك بالقاهرة، وبالمدرسة الفاضلية، إلى أن توفي في تاسع رمضان سنة خمس وستمائة. ومولده سنة ثمان عشرة وخمسمائة - رحمه الله تعالى -.
ومنهم:
[٦٦] محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي
المقرئ مسند العصر، تقي الدين أبو عبد الله الصائغ، المصري، الشافعي، الشروطي.
هو الصائغ المصري، والسائغ ورده الكوثري المنوّع فنونًا، المنوه باسمه فتونًا، المنوّل ما ترك البرق مضطربًا يهجس ظنونًا. لم يبق من قراء مصر إلا من نقع منه غُلله، وأعرض عن النيل، وقنع بعقده المنظم، وخلى التاج بسبع وجوه، وجبين الجبهة، وقد غص بالإكليل.
قرأ بعدة كتب، وحصل الفقه والقراءات، وطرفًا من العربية، وأعاد بالطيبرسية وغيرها، وولي عقد الأنكحة، وعُمر دهرًا، وازدحم عليه القراء؛ لتفرده، فتلا عليه بالسبع طلبة الديار المصرية. وكان عارفًا بالقراءات معرفة جيدة، متين الديانة، قوي العربية. وحج، وجاور أشهرًا، ولم يبق في طبقته إلى بعد العشرين وسبعمائة أحد.
وكتب له شيخنا العلامة أبو حيان في إجازة شهد عليه فيها: «أشهدني شيخنا الإمام العلامة شيخ المقرئين، ورئيس المتصدرين، حامل راية الرواية، والإسناد، ملحق الأحفاد بالأجداد، تقي الدين بما وضع به خطه في سنة تسع عشرة وسبعمائة. ومولده سنة ست وثلاثين وستمائة.
وبذكر هذا تم ذكر القراء، ونمَّ المسك بختام أهل الإقراء، وسنعقب ذكرهم بالمحدثين المفضلين بالاستقراء، ونصل بضوء الصباح سنى الليلة القمراء ليجيء الشيء ومثله، وينضم الشكل وشكله، ويعلم إذا انقضى من ذكرنا من قراء الأمة في كل زمان، وكبراء الأئمة من حفظة القرآن بأنه قد تمت الختمة وكملت في الشرق والغرب بهم القسمة، ولم يبق إلا أن نلحق بأهل الكتاب أهل السنة.
* * *
стр. 1509
[مشاهير الحفاظ من أهل الحديث، مشاهير فقهاء المحدثين]
[مشاهير الحفاظ من أهل الحديث في الجانب الشرقي]
وسنبدأ بالمحدثين بالجانب الشرقي أخذًا بالترتيب، وابتداء بالبحر الزاخر ثم القليب، ونفتتحهم بالإمام العلم أحفظ أهل الأرض، وهو:
[١] أبو هريرة الدوسي اليماني (١)
صاحب رسول الله ﷺ وإن كان في الرواية واحدًا من ركب، نهلوا كلهم من
стр. 1510
مكرع، وشربوا جميعهم من منبع، فإنه أمسى هنا بالذكر من بقية أصحابه؛ لأنه هو الذي تروى وَرَى ورَوِي وربما تدأدأ دون المطلع، وتكأكأ عن بعض ما عليه أطلع خوفًا في تلك الأيام التي وقدت متنها، وقَدَّتْ الطَّلى والأبدان محنها، فكتم ولم يبح، وكعم فمه ولم ينح، وقعد قائمه عن شُعَب تلك الأهواء، ولم يرح، وخمد برقه في عوارض تلك الفتن ولم يلح. وروى أنه كان يقول: الصلاة خلف علي أفضل، وطعام معاوية أدسم، والقعود فوق التل أسلم. وقد كان أكثر القوم ملازمة للنبي ﷺ قال: كنت ألزمه لشبع بطني وإخواننا يلهيهم البيع والصفق بالأسواق.
واسمه على الأشهر عبد الرحمن بن صخر في الإسلام، وفي الجاهلية عبد شمس. وكني بأبي هريرة؛ لأنه كان يرعى غنمًا، فوجد أولاد هر وحشية، فلما أبصرهُنّ، وسمع أصواتهنّ، أخبر أباه، فقال له: أبو هر.
قال أبو هريرة نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني، وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا، وأحتطب إذا نزلوا. فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وأبا هريرة إمامًا.