يلي بني جُمَح مائة ذراع وتسعة وتسعون ذراعًا؛ ومن وسط جدار الكعبة الجنوبي إلى جدار المسجد الذي يلي الوادي مائة ذراع وأحد وأربعون ذراعًا؛ ومن وسط جدار الكعبة الشمالي الذي يلي الحجر إلى جدار المسجد الذي يلي الندوة مائة ذراع وتسعة وثلاثون ذراعًا؛ ومن ركن الكعبة العراقي، ويقال له الشامي، إلى المنارة التي تلي المَرْوَة مائتا ذراع وأربعة وستون ذراعًا؛ ومن ركن الكعبة الشامي ويقال له الغربي إلى المنارة التي تلي باب بني سهم وهو باب العُمرة مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعًا؛ ومن الركن اليماني إلى المنارة التي تلي أجياد الكبرى وبين الحزورة مائتا ذراع وثمانية أذرع؛ ومن الركن الأسود إلى المنارة مستمرةً تَلى المسعى والوادي من ناحية الصفا مائتا ذراع وثمانية وعشرون ذراعًا.
وارتفاع جداره في السماء مما يلي المسعى ثمانية عشر ذراعًا؛ ومما يلي الوادي والصفا اثنان وعشرون ذراعًا؛ ومما يلي بني جُمح اثنان وعشرون ذراعًا؛ ومما يلي دار الندوة سبعة عشر ذراعًا ونصف.
وعدد شُرفاته من داخله وخارجه، أربعمائة وخمس وتسعون شرافة. هذا من خارجه وعددها من داخله أربعمائة وثمان وتسعون شُرَّافة فجميعها ألف شرافة إلا سبع شرافات.
واعلم أن المسجد الحرام يطلق ويراد به عين الكعبة، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١). إذ لم يقل أحد من المسلمين بالاكتفاء بالتوجه إلى استقبال المسجد المحيط بالكعبة. وهذا هو أصل حقيقة اللفظ، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ﴾ (٢) وبقوله لما سأله أبو ذر عن أوّل مسجد وُضِعَ أَوَّلَ، قال (٣): «المسجد الحرام».
وقد يُطلق المسجد الحرام ويراد به المسجد المحيط بالكعبة. وهو الغالب في الاستعمال على وجه التغليب المجازي، كما في قوله ﷺ (٤): «صلاة في مسجدي هذا خير من أَلْفِ صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام». وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى
стр. 177
بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. (١). على قول من روى أنه كان نائمًا في المسجد المحيط بالكعبة.
وقد يُطلق المسجد الحرام ويراد به مكة أو الحرم بكماله، على قول من يقول: إن المراد بالمسجد الحرام مكة؛ لأنه ﷺ كان نائمًا في بيت أم هانئ لما أُسْرِي به، وكما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢). على قول من يقول: إن المراد الحرم الخارج عن مكة بكماله.
وهذا كله على وجه التغليب المجازي. ولا ريب فيه. وإلا يلزم الاشتراك في موضوع المسجد الحرام. والمجاز أولى منه. والله أعلم.
ومما يشتمل عليه المسجد الحرام بئر زمزم وهي سُقْيَا إسماعيل، وهَزْمةُ رُوح القدس جبريل؛ طعام طعم، وشفاء سقم، لا تنزف ولا تُذَم، ولا يتوجه إليها ذم؛ لقية عبد المطلب، ودليل سودده ولا كذب. وفي الحديث (٣): «ماء زمزم لما شرب له».
قال السُّهَيْلي (٤): كانت زمزم سُقْيًا إسماعيل بن إبراهيم. فَجَرَها له روح القدس بعقبه. وفي ذلك إشارة إلى أنها لعقب إسماعيل، وراثه، وهو محمد وأُمته ﷺ . والقصة في ذلك معروفة.
وتلخيصها أن إبراهيم ﵇ لما احتمل إسماعيل وأُمَّه هاجَرَ إلى مكة، احتمل معه لهما قربة ماء ومزود تمر. وتركهما بمكة وعاد فلما فرغ التمر والماء عطش إسماعيل، وهو صغير، وجعل ينشغ للموت، جعلت هاجر تسعى من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، لترى أحدًا. حتى سمعت صوتًا عند الصبي.
فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غوث. ثم جاءت الصبي. فإذا الماء ينبع من تحت خده. فجعلت تغرف بيديها، وتجعل في القربة. وسيأتي بعد ذلك له خبر. قال النبي ﷺ لو تركته لكان عينا (أو قال: نهرًا معينًا).
قال الحربي (٥): سميت زمزم بزمزمة الماء، وهي صوته.
стр. 178
وقال المسعودي (١): سميت زمزم؛ لأن الفرس كانت تحج إليها في الزمن الأول، فتزمزم عندها. والزمزمة صوت تُخرِجه الفرس من خياشيمها، عند شرب الماء. وأنشد المسعودي: [من السريع]
زمزمت الفرس على زمزم … وذاك في سالفها الأقدم
وذكر البرقي (٢) عن ابن عباس: أنها سميت زمزم؛ لأنها زُمَّت بالتراب، لئلا يسيح الماء يمينا وشمالا؛ ولو تركت لساحت على الأرض، حتى تملأ كل شيء.
وقد ذكرنا طم الحارث بن مضاض إيَّاها. ولم تزل دارسة، حتّى أُرِي عبد المطلب أن احفُرْ طِيبَةَ. فسُمِّيت طيبة، لأنها للطيبين والطيبات، من ولد إبراهيم وإسماعيل وقيل له: احفُرْ بَرَّة. وقيل: احفر المضنونة، ضَنَنْتُ بها على الناس إلا عليك. ودلّ عليها بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، وأنها بين الفرث والدم، وعند قرية النمل.
وروي أنه لما قام ليحفرها، رأى ما رُسِم له من قرية النمل ونقرة الغراب، ولم ير الفرث والدم. فبينا هو كذلك، ندّت بقرة لجازرها، فلم يدركها حتى دخلت المسجد الحرام، فنحرها في الموضع الذي رُسِم له. فسال هناك الفرث والدم. فحفر عبد المطلب حيث رسم له.
стр. 179
وقيل لعبد المطلب في صفتها: إنها لا تنزف أبدًا. وهذا برهان عظيم؛ لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط. وقد وقع فيها حبشي فنُزِحَتْ من أجله. فوجدوا ماءها يثور من ثلاث أعين: أقواها وأكثرها ماءً عين من ناحية الحجر الأسود. رواه الدارقطني. وروى الدارقطني أيضًا مسندًا عن النبي: «من شرب من ماء زمزم، فليتضلع، فإنه فرق ما بيننا وبين المنافقين. لا يستطيعون أن يتضلّعوا منها». أو كما قال. وروي عن النبي ﷺ أنه قال (١): «ماء زمزم لما شرب له».
وروي أن أبا ذر تقوّت من مائها ثلاثين بين يوم وليلة. فسمن حتى تكسرت عُكَنه (٢).
وذكر الزهري (٣) في سيره أن عبد المطلب اتخذ حوضا لزمزم يستقي منه. وكان يُخَرَّب بالليل، حسدًا له. فلما غمه ذلك، قيل له في النوم: «قل: لا أُحِلُّها لمغتسل، وهي لشارب حِلَّ وبل. وقد كُفِيتَهم». فلما أصبح قال: نعم. وكان بعد من أرادها بمكروه، رُمي بداء في جسده، حتى انتهوا عنه (٤).
الصفا والمروة
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٥).
فَرْقَدَا الأرض، وجارا البيت الحرام، وطوبى لمن وقف عليهما، وسعى بينهما أو إليهما. وسنذكر ما هما، فنقول:
أما الصفا فحجر أزرق عظيمٌ في أصل جبل أبي قُبَيْس، قد كُسر دَرَج إلى آخر موضع الوقوف. وأكثر ما ينتهي الناس منها إلى اثنتي عشرة درجة أو نحوها.
وأما المروة فحجر عظيم إلى أصل جبل متصل بجبل قُعَيْقِعَانَ: كأنه قد انقسم على جزأين، وبقيت بينهما فرجة، يبين منها دَرَج عليها إلى آخر الوقوف.
«وذَرْع ما بين الصفا والمروة، وهو المسعى سبعمائة ذراع وثمانون ذراعًا».
من الصفا إلى الميل الأخضر المائل في ركن المسجد على الوادي مائة وثمانون ذراعًا.
стр. 180
«وذَرْعُ ما بين الحجر الأسود والصفا مائتا ذراع واثنان وستون ذراعًا».
ومن الميل الأصفر إلى الميل الأخضر الذي بإزاء دار جعفر بن العباس، وهو موضع الهرولة، مائة وخمس وعشرون ذراعًا.
ومن الميل الثاني إلى المروة أربعمائة وخمس وسبعون ذراعًا.
فجميع ما بين الصفا والمروة سبعمائة وثمانون ذراعًا.
* * *
دار الندوة
قال الماوردي (١): لم تكن مكة ذات منازل. وكانت قريش، بعد جُرْهُم والعمالقة، ينتجعون جبالها وأوديتها. ولا يخرجون من حَرَمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها، وتخصيصها بالحرم لحلولهم فيه. ويرون أن ذلك يكون لهم بسببه شأن. وكان كلما كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة، قوي أملهم وعلموا أنهم سيقدمون على العرب. وكان فضلاؤهم يتخيلون أن ذلك لرياسة في الدين وتأسيسًا لنبوّة ستكون. فأوّل من ألهم ذلك منهم كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة. وكان يخطبهم فيه، ويذكر لهم أمر نبينا ﷺ .
ثم انتقلت الرياسة إلى قُصَيّ بن كلاب، فبنى بمكة دار الندوة ليحكم فيها بين قريش؛ ثم صارت لتَشَاوُرِهم وعَقْدِ الألوية في حروبهم. وكانت هذه الدار، لا ينكح رجل من قريش ولا امرأة إلا فيها؛ ولا يُعقد لواء الحرب لهم ولا لغيرهم إلا فيها، ولا يُعذر غلام إلا فيها، ولا تُدَرَّع جارية من قريش إلا فيها: يُشق عليها درعها ثم تُدرّع وينطلق بها إلى أهلها؛ ولا تخرج عِيرٌ من قريش ويرحلون إلا منها، ولا يقدمون إلا نزلوا فيها.
قال الكلبي (٢): «وكانت أوّلَ دار بنيت بمكة، ثم تتابع الناس فَبَنُوا الدور. كلما قربوا من الإسلام ازدادوا قوة وكثرة عدد حتى دانت لهم العرب».
قال الماوردي (٣): صارت بعد قصيّ لابنه عبد الدار. فابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وجعلها دار الإمارة.
стр. 181
وروى الأزرقي (١) أن معاوية اشتراها لما حجّ، وهو خليفة، بمائة ألف درهم.
وذكر السُّهَيْلي (٢) أن هذه الدار صارت إلى حكيم بن حزام بن أسد بن عبد العزى ابن قصي فباعها في الإسلام بمائة ألف. وذلك في زمن معاوية. فلامه معاوية في ذلك وقال: «بعت مُكْرُمة آبائك وشرفهم». فقال حكيم: «ذهبت المكارم إلا التقوى. والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر، وقد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أني جعلتُ ثمنها في سبيل الله! فأينا المغبون؟».
قال الحارثي: هي اليوم (يعني دار الندوة) في المسجد الحرام.
قال الأزرقي (٣): وهي جانبه الشمالي. وقد تقدم ذكرها (٤).
منى
[حيثُ تُرمى الجمرات، وتُهمى العبرات، ذوات الليالي المقمرات، والأيام التي سلخ من الكافور ثياب عشاياها المعنبرات؛ يُحلّى بها من كل ترب عاطله، ويلتقي في كل سِرْب كل ذي دَين وماطله.
وهي] (٥) بطحاء بين جبلين، مهدفة الجوانب، فيها مجتمع الحجيج. والمُحَصَّب منها موضع الجمرات. وهي على مدرجة السوق الأعظم. حيث يُنْصَب كل سنة، أيام الموسم. يجتمع فيه الخليطان من شام ويَمَن، وتنزل الركوب به في منازلهم: من شَرَف الوادي إلى حيث تُنْحَر البَدَنات تحت العقبة الأولى، حيث تنصب سقايات الحاج.
وكانت في قديم الإسلام موسم لقاء الحبائب، ومكان موعد كل مفارق.
وثلاث ليالي منى معروفةٌ موصوفةٌ، قد أكثر فيها الشعراء وترنم بها المتيمون.
وبمنى بيوت هي كالقرية. منها ما هو مسكون ومنها ما هو برسم بضائع الكارم، أيام الموسم، تكرى بأجرة طائلة.
وبها آبار متخذة لخزن ماء الأسنية، يباع على الحجيج. وهو ماء ثقيل وبيء: لما يحمل من أوساخ الذبائح، ويقايا الأضاحي، ودماء القرابين.
وفيها مسجد الخيف: وهو على يمين المتوجه من مكة إلى عرفات. والخيف هو البستان. وجدّد بناؤه في الأيام الزاهرة الناصرية، سقى الله عهدها!
стр. 182
وفيها مسجد إسماعيل، ويسمى بمسجد الكبش. وهو على يسار المتوجه من منى إلى عرفات. يقال إن الفداء لإسماعيل نزل به وينزل المصريون منه إلى منى، [وينزل المكّيون منه إلى مُعَرَّف، ويقع تجاه مسجد الخيف منحرفا عنه على ذروة من الجبل. يحيل بينهما مجرى ماء من ماء الشتاء. ينزل فيما يليه إلى الطريق العظمى رُكْبانُ العرب] (١).
جَمْع - هي المزدلفة: وكلها مَشْعَرٌ إلا بطن مُحَسِّر. ومنها حصى الجمرات. وبذلك فسّر علي وابن مسعود قوله تعالى: «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا». قالا: يعني المزدلفة.
ومسجد المُزْدَلِفة عن يسارك إذا مضيت إلى عرفات. وفيه يجمع بين المغرب والعشاء، إذا نفر الحاج من عرفات. وهي التي عني الشريف الرضي بقوله (٢):
عارضا بي رَكْبَ الحجاز نسائل … هـ: متى عهده بأيام سَلْع؟
واستملًا حديث من سكن الخَيْف ولا تكتباه إلا بدمعي
فاتني أن أرى الديار بطرفي، … فلعلي أرى الديار بسمعي!
لَهْفَ نفسي على ليال تقضت … لي بجمع وأين أيام جمع؟
قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٣). المشعر الحرام: قُزَحُ، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. وقيل: المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة إلى مأزمَي عرفة إلى وادي مُحَسِّر. وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
والصحيح أنه الجبل. لما روى جابر أن النبي ﷺ لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فدعا وكبر وهلل. ولم يزل واقفا حتى أسفر.
وقوله: ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ معناه مما يلي المشعر الحرام، قريبًا منه. وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة. وإلا فالمزدلفة كلها موقف، إلا وادي مُحَسِّر. وجعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به، عند المشعر.
وقيل سميت «المزدلفة» و «جَمْعًا» لأن آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي دنا منها. وقال قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. ويجوز أن تكون وصفت بفعل
стр. 183
أهلها؛ لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون بالوقوف فيها (١).
وعن علي (٢): «لما أصبح رسول الله ﷺ وقف على قُزَحَ، … فقال: هذا قُزَح! وهو الموقف». وجَمْعُ كلها موقف.
أنصاب الحرم
هي العلامات المبنية على حدود الحرم.
وأوّل من بناها إبراهيم (صلوات الله عليه). وأشار له جبريل إلى مواضعها. هكذا ذكره أبو عروبة والأزرقي (٣) وغيرهما.
وروى الأزرقي (٤): أن النبي ﷺ أمر بتجديد العلامات التي على الحرم، التي عملها إبراهيم، وجبريل يريه مواضعها؛ ثم عمر؛ ثم عثمان؛ ثم معاوية.
وهذه العلامات بينة إلى الآن، بحمد الله تعالى.
وحد الحرم، من طريق مدينة النبي ﷺ - دون التنعيم عند بيوت نِفَار - على ثلاثة أميال من مكة؛ ومن طريق اليَمَن طرف أضاة لِبْنٍ في ثنية لبن، على سبعة أميال؛ ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمقطع، على سبعة أميال؛ ومن طريق الجِعْرَانَةِ في شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال؛ ومن طريق الطائف على عرفات، من بطن نَمِرَةَ، على سبعة أميال؛ ومن طريق جُدَّة، منقطع الأعشاش، على عشرة أميال.
فهذه حدُّ ما جعله الله تعالى حَرَمًا، لما اخْتَصَّ به من التحريم، وبَايَنَ بحكمه سائر البلاد.
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال (٥): «إن هذا البلد (يعني مكة) حرمه الله يومَ خَلَقَ السماوات والأرض». وفي رواية: «قبل أن يخلق السماوات والأرض». فيكون تحريمها قبل خلق السماوات والأرض كتابة تحريمها في اللوح المحفوظ، أو تقدير حُرمتها.
وروي عن رسول الله ﷺ أن إبراهيم حرم مكة. ومعناه أظهر حرمتها.
стр. 184
قال السهيلي: روي في التفسير أن الله تعالى لما قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١) لم يجبه بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم.
فلذلك حرمها. فصارت حرمتها كحرمة المؤمن: إنما حَرُم دمه وعرضه وماله، بطاعته لربه. وأرض الحرم لما قالت: «أَتَيْنَا طَائِعِينَ» حُرِّم صيدها وشجرها وخلاها، إلا الإذخر؛ فلا حرمة إلا لذي طاعة. جعلنا الله من أهل طاعته!
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن هذا البلد حرَّمه الله يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعْضَد شجره ولا يُنَفَر صَيْدُه ولا يختلي خلاه».
وما زال الناس في الجاهلية والإسلام يعظمون هذا الحرم ويجتنبون قطع شجره.
قال الواقدي (٢): لما أن أرادت قريش البنيان، قالَتْ لقُصيّ: «كيف نصنع في شجر الحرم؟ فحذرهم قطعها وخوفهم العقوبة من ذلك. فكان أحدهم يُحَرِّف بالبنيان حول الشجرة، حتى تكون في منزله».
قال: وأوّل من ترخص في قطع شجر الحرم، عبد الله بن الزبير.
قال السُّهَيْلي (٣): ابتنى ابن الزبير دورا بقعيقعان وترخّص في قطع شجر الحرم، وجعل دية كل شجرة بقرة. وكذلك رُوِيَ عن عمر أنه قطع دَوْحة كانت في دار أسد بن عبد العُزّى، وكانت أطرافها تنال ثياب الطائفين بالكعبة. وذلك قبل أن يُوَسّع المسجد.
فقطعها ووداها ببقرة.
عرفات (٤)
مُلْتَقى الخليطين من شام وَيَمن، ومجمع البحرين من الزعقة إلى عدن. به يتجلى الله على عباده ويهبهم المغفرة. وبها الصخرات، موقف رسول الله ﷺ حيث تقف المحامل.
وعلى قنة هذا الجبل قبة آدم. هكذا تُسمّى.
ويقال: إن هناك تعارف آدم وحواء، بعد أن أهبطا.
وعرفات علم للموقف. سُمِّيَ بجمع، كأذرعات.
стр. 185
واختلف في تسميتها بذلك. فقيل: لأنها وصفت لإبراهيم، فلما أبصرها عرفها؛ وقيل إن جبريل ﵇ كان يدور به في المشاعر، يريه إيَّاها، فقال: قد عرفت؛ وقيل التقى فيها آدم وحواء فتعارفا، كما تقدّم. وقيل؛ لأن الناس يتعارفون فيها. وهي من الأسماء المرتجلة؛ لأن عرفة لا تعرف في أسماء الأجناس (١).
مسجد نمرة: ويسمى مسجد إبراهيم.
يقال: إن إبراهيم الخليل ﵇ بناه. ولا يصح هذا. وهو على يمين السالك من مكة إلى عرفات، قريب الطريق، مدانيا لعرفة.
وعادة الخطابة به في وقتنا لإمام الطائفة المالكية بمكة المعظمة. وجدره قائمة، وكذلك منبره. ولا سقف له.
مسجد عائشة ﵂:
هو بالتنعيم في الحلّ، عند أوّل الحرم. ولا يحضرني من بناه (٢). وكل مسجد هناك يسمّى بهذا. وأشهرها المُصاقِب للطريق على يسار الداخل إلى مكة. وإنما نُسب إلى عائشة؛ لكونها اعتمرت من التنعيم. ولعلها أحرمت في البقعة التي بني بها المسجد. وعمرتها معروفة على ما تضمنته الأحاديث.
مسجد ميمونة ﵂:
وسمي بذلك لمكان قبرها. وهناك مات أبو جعفر المنصور، ودفن مُحْرِما، على ما هو مذكور في موضعه.
وميمونة هي بنت الحارث، إحد [ي] أزواج رسول الله ﷺ . وكانت أُختها أم عبد الله بن العباس.
المواقيت
روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحْفَةَ، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يليلم. وقال (٣): «هنّ لهن ولمن أتى
стр. 186
عليهن من غير أهلهنّ، ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة». أخرجاه في الصحيحين.
فهذه المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ لا يجوز لأحد يريد الحج والعمرة أن يتجاوزها إلا مُحرِمًا. وأما من لم يرد الحج أو العمرة، فكذلك عند فقهاء الأمصار، وقولان عند الشافعي. وموضع ذلك كتب الفقه.
فأما ذو الحليفة فهو أبعد المواقيت، على عشر مراحل من مكة، أو سبع منها. (وهو بضم الحاء المهملة وفتح اللام). ومنها يُحرم الان الركب الشامي.
وبها آبار تسمّى آبار علي. وبعض الناس يقول بئر المحرم.
والجحفة موضع على ثلاث مراحل من مكة. (وهي بضم الجيم وسكون الحاء المهملة بعد الجيم).
وذكر ابن الكلبي (١) أن العماليق أخرجوا بني عَبِيل (وهم إخوة عاد) من يثرب.
فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مَهْيَعة، (بفتح الميم وسكون الهاء على وزن مقتلة وقيل:
بكسر الهاء على وزن قبيلة). فجاءهم سيل فاجتحفهم، فسميت الجحفة.
ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أصابهم حُمّى. فدعا النبي ﷺ الله تعالى أن ينقل حماها إلى الجحفة.
وهي شرقي رابغ ممر الركب المصري. ومن رابغ يُحرم الآن.
وقرن المنازل (بفتح القاف وسكون الراء)، موضع على مرحلتين من مكة. وقد غلط الجوهري في قوله بفتح الراء، وقوله إن أويسا القرني منسوب إليها. بل هو منسوب إلى قرن بفتح القاف والراء بطن من مراد.
ويليلم (٢) (ويقال ألملم بالهمزة عوضًا عن الياء)، موضع معروف على مرحلتين من مكة. وهو بفتح الياء واللام وسكون الميم بعد اللام.
ومن المواقف ما لم يذكره النبي ﷺ في الحديث وهو ميقات العراقيين، وهو ذات عِرْقٍ. وبينه وبين مكة خمس مراحل (٣).
المسجد النبوي: على صاحبه أفضل الصلاة والسلام
موضع منبره، وجوار مقبره، ومقام مصلاه، ودار آخرته وأولاه، وبجانبه حجرته
стр. 187
المعظمة، التي ضمت أعظمه. ولله در القائل (١): [من البسيط]
يا خير من دُفِنت في القاع أعظمُهُ … فطاب من طيبهنَّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيهِ العَفَافُ وفيه الجود والكرم
قال أنس (٢): «قدم رسول الله ﷺ فنزل في عُلُوّ المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف. فأقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم إنه أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاؤوا متقلدين سيوفهم، فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقي بفناء أبي أيوب». قال: «وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم».
ثم إنه أمر بالمسجد. فأرسل إلى ملأ بني النجار، فجاؤوا. فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا. فقالوا: لا والله! ما نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى.
قال أنس (٣): وكان فيه نخل، وقبور المشركين، وخَرِبٌ. فأمر النبي ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت. قال: وصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة. قال: فكانوا يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم، وهم يقولون:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة … فانصر الأنصار والمهاجرة
[رواه البخاري ومسلم] (٤).
وروي عن الشفاء بنت عبد الرحمن الأنصارية، قالت (٥): كان رسول الله ﷺ حين بني المسجد يَؤُمُّه جبريل إلى الكعبة ويُقيم له القبلة.
قال السُّهَيْلي (٦): بني مسجد رسول الله ﷺ وسقف بالجريد [وجعلت قبلته من
стр. 188
اللَّبِن. ويقال: بل من حجارة منضودة بعضها على بعض، وحيطانه باللَّبِن (١)، وجعلت عمده من جذوع النخل. فنَخِرت في خلافة عمر، فجدّدها.
[قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: «كانت هذه القبلة في شمالي المسجد؛ لأنه ﷺ صلى ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس. فلما حوّلت القبلة بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة»] (٢).
قال أبو سعيد الخدري: كان سقف مسجد النبي ﷺ من جريد النخل. وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أَكِنَّ الناس من المطر. وإياك أن تحمّر أو تصفّر، فتفتن الناس.
وعن عبد الله بن عمر (٣) أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيًا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خُشُب النخل. فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا. وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهده رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمدة خشبا. ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. [رواه البخاري في صحيحه].
وعن عِكْرِمَة قال (٤): قال لي عبد الله بن عباس ولابنه علي: «إنطلقا إلى أبي سعيد، فاسمعا من حديثه». فانطلقنا. فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبي ثم أنشأ يحدّثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد. فقال: «كنا نحمل لَبِنَةٌ لَبِنَةٌ، وعَمَّارٌ لَبِنتين لببنتين. فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب ويقول: ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! قال: يقول: عمار! أعوذ بالله من الفتن!» [رواه البخاري]. وزاد معمر في «جامعه» أن عمارا كان ينقل لبنتين لبنتين: لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ﷺ . فقال النبي ﷺ : «للناس أجرٌ ولك أجران وآخِرُ زادك من الدنيا شربة لَبَنٍ، وتقتلك الفئة الباغية».
وعن خارجة بن زيد (٥)، أحد فقهاء المدينة السبعة، قال (٦): بنى رسول الله ﷺ
стр. 189
مسجده سبعين ذراعا في ستين ذراعًا، أو يزيد. فلما كان عثمان، زاد فيه. جعل طول المسجد مائة وستين ذراعًا وعرضه مائة وخمسين، وجعل أبوابه ستة، كما كانت في زمن عمر. وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوتُ أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة (وهي التي دفن فيها رسول الله ﷺ ، وصاحباه ﵄. فبنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور الذي نهى عنه رسول الله ﷺ من اتخاذ المساجد على القبور. [ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، حرفوهما حتى التقيا. كل ذلك حتّى لا يتمكن أحد من استقبال القبر] (١). ولهذا قالت عائشة ﵂: «ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خُشِي أن يتخذ مسجدا».
ثم إن الوليد بن عبد الملك زاد فيه فجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمه مائتين، وفي مؤخره مائة وثمانين.
ثم زاد فيه المهدي سنة ستين ومائة، من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث.
ثم زاد فيه المأمون سنة اثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه ونقش فيه: «هذا ما أمر به عبد الله المأمون» فيه كلام كثير.
قال العلامة أبو زكريا النَّوَوِيّ (٢)، ﵀: فينبغي للمَصَلِّي أن يعتني بالمحافظة على الصلاة فيما كان في زمنه فإن الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» إنما يتناول ما كان في زمنه؛ لأنه هو الذي حصلت الإشارة إليه. لكن إذا صلّى في جماعة، فالتقدم إلى الصف الأول، ثم إلى ما يليه أفضلُ. فَلْيُتَفطَّن لذلك.
وذرع ما بين المنبر ومقام النبي ﷺ الذي كان يصلي فيه حتّى تُوُفِّي، أربعة عشر ذراعًا وشبر.
وذرع ما بين المنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعًا وشبر (٣).
بيوت النبي ﷺ -
قال السُّهَيْلي (٤): كانت بيوت النبي ﷺ تسعة: بعضها من جريد مطين بالطين وسقفها جريد؛ وبعضها من حجارة مرضومةٍ بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا.
стр. 190
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: «لم يبلغنا أنه ﷺ بني له تسعة أبيات، حين بُنِيَ المسجد. ولا أحسبه فعل ذلك. إنما كان يريد بيتا حينئذ لسَوْدَةَ، أُمّ المؤمنين. ثم لم يحتج إلى بيت آخر، حتى بنى لعائشة في شوال سنة اثنتين. وكأنه ﷺ بناها في أوقات مختلفة. والله أعلم».
وقال الحسن بن أبي الحسن (١): كنتُ أدخل بيوت النبي ﷺ وأنا غلام مراهق فأنال السقف بيدي. وكان لكل بيت حُجرةٌ. وكانت حُجَرُه ﵇ أكسيةٌ من شَعَرٍ مربوطةً في خَشَبٍ عَرْعَرٍ (٢).
وفي تاريخ البخاري أن بابه ﷺ كان يُقرع بالأظافير. أي لا حلق له.
ولما توفي أزواجه ﷺ خلطت البيوت والحُجَر بالمسجد. وذلك في خلافة عبد الملك بن مروان. فلما ورد كتابه ذلك، ضجّ أهل المدينة بالبكاء، كيوم وفاته.
قال السُّهَيْلي (٣): وهذا يدل على أن بيوته ﷺ إذا أضيفت إليه، فهي إضافة ملك: كقوله تعالى: «لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبي». وإذا أضيفت إلى أزواجه كقوله: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» فليست إضافة مِلْك. وذلك أن ما كان ملكاله، فليس بموروث عنه.
مسجد قباء
ذكر ابن اسحاق (٤) أن رسول الله ﷺ أسسه لبني
стр. 191
عمرو بن عوف. ثم انتقل إلى المدينة.
وذكر ابن أبي خيثمة (١) أن رسول الله ﷺ حين أسسه، كان هو أوّلَ مَنْ وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى جنب حجر أبي بكر. ثم أخذ الناس في البنيان.
وذكر الخطابي عن الشموس بنت النعمان، قالت (٢): كان رسول الله ﷺ حين بني مسجد قباء يأتي بالحجر قد صهره (٣) إلى بطنه، فيضعه. فيأتي الرجل يريد أن يُقلّه، فلا يستطيع حتى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره.
قال السهيلي (٤): وهذا أوّل مسجد بني في الإسلام؛ وفي أهله نزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾. فهو على هذا المسجد الذي «أُسس على التقوى». وإن كان قد روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ سئل عن المسجد الذي «أسس على التقوى» فقال: هو مسجدي هذا. وفي رواية أخرى قال: وفي الأرض خير كثير. وقد قال لبني عمرو بن عَوْف حين نزلت ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (٥): ما الطهور الذي أثنى الله به عليكم؟ فذكروا له الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة. فقال: هوذاكم، فعليكموه!
قال السُّهَيْلي (٦): وليس بين الحديثين تعارض. كلاهما أسس على التقوى. غير أن قوله سبحانه ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يقتضى مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم من حلول النبي ﷺ دار هجرته والبلد الذي هو مُهَاجَرُه.
قال القاسم بن عبد الرحمن (٧): عمّار بن ياسر أوّل من بنى مسجدا لله، يُصَلِّي فيه. رواه أبو عروبة. وذكر ابن إسحاق هذا الحديث عن عمار في خبر بناء مسجد المدينة.
قال السُّهَيْلي (٨): إنما عنى بهذا مسجد قباء؛ لأنه هو الذي أشار على النبي ﷺ ببنيانه. وهو الذي جمع له الحجارة. فلما أسسه رسول الله ﷺ استتم بنيانه عمار.
وعن عبد الله بن عمر (٩) ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يزور قباء راكبًا
стр. 192
وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين. مُتَّفَقٌ عليه. وفي رواية: كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت، راكبًا وماشيًا. وكان ابن عمر يفعله.
مسجد الضرار
رُوي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء - وكان يأتيهم رسول الله ﷺ ويصلي فيه - حسدهم إخوتهم بنو غَنْم بن عوف. وقالوا: نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله ﷺ يصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامر الراهب، إذا قدم من الشام. ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، زعموا وأبو عامر هو الذي سماه النبي ﷺ الفاسق. وقال لرسول الله ﷺ : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم. فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين. فلما انهزمت هوازن، خرج هاربا إلى الشام. وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوّة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر، وآت بجنود، ومُخْرِجُ محمدا وأصحابه من المدينة.
فبنوا مسجد الصرار إلى جانب مسجد قباء. وقالوا للنبي ﷺ : «بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية. ونحن نحب أن تصلي لنا فيه، وتدعو لنا بالبركة». فقال ﷺ : «إني على جناح سفرٍ وحال شغل. وإذا قدمنا، إن شاء الله، صلينا فيه». فلما قفل من غزوة تبوك، سألوه إتيان المسجد، فنزل قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ إلى قوله ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ (١) الآيات.
فدعا بمالك بن الدُّخْشمُ ومَعْن بن عَدِيّ وعامر بن السكن ووحشي، قاتل حمزة، فقال لهم: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله. فاهدموه وأحرقوه».
ففعلوا. وأمر أن يُجعل مكانه كُناسة تلقى فيها الجِيفُ والقُمامة.
وقيل: كل مسجدٍ بُنِيَ مباهاةً، أو رياءً وسُمْعَةً، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب، فهو لاحق بمسجد الضرار.
وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان، لم يصلوا فيه بعد. فقال: «لا أحب أن أصلّي فيه، فإنه قد بني على ضِرار». وكل مسجد بني على ضرار أو رياء، فإن أصله ينتمي إلى المسجد الذي بني ضرارًا.
وعن عطاء: لما فتح الله الأمصار على عمر ﵁ أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه.
стр. 193
وذكر ابن إسحاق (١) الذين اتخذوا مسجد الضرار، وذكر فيهم جارية بن عامر، وكان يعرف بحمار الدار. وهو جارية بن عامر بن مُجَمِّع بن العطاف. وذكر فيهم ابنه مُجَمِّعًا، وكان إذ ذاك غلاما حدثا قد جمع القرآن. فقدموه إماما لهم، وهو لا يعلم بشيء من شأنهم.
وقد ذكر أن عمر بن الخطاب، في أيامه، أراد عزله عن الإمامة. وقال: أليس بإمام مسجد الضّرار؟ فأقسم له مُجَمِّع أنه ما علم شيئًا من أمرهم، وما ظنّ إلا الخير. فصدقه عمر وأقره.
مساجد المدينة
قال السُّهَيْلي (٢): كانت مساجد المدينة تسعة، سوى مسجد النبي ﷺ . كلهم يصلون بأذان بلال. كذلك قال بكير بن عبد الله بن الأشج، فيما روى عنه أبو داود في مراسيله، والدارقطني في سننه.
فمنها مسجد راتج، ومسجد بني عبد الأشهل، ومسجد بني عمرو بن مبذول، و مسجد جهينة، وأسلم (وأحسبه قال مسجد بني سلمة).
وسائرها مذكور في السنن.
وذكرها ابن إسحاق، في المساجد التي في الطريق، مسجدًا بذي الخيفة. كذا وقع في كتاب أبي بحر بالخاء معجمة، ووقع بالجيم في كتاب قرئ على ابن السراج وابن الأفليلي.
بقيع الغرقد
وهو مدفن أهل المدينة النبوية. وفيه تدافن أكثر أهل المدينة.
وفيه قُبَّة العباس بن عبد المطلب، عم النبي ﷺ . وفيها معه الحسن بن علي وكان الحسن أوصى أن يدفن مع النبي ﷺ إلا أن يُخاف أن يُراق في ذلك محجم دم. فمنعه مروان. وكادت الفتنة أن تقع. وأبى الحسن [ابنه] إلا أن يدفن مع جده. فكلمه عبد الله بن جعفر ومسور بن مخرمة. فدفن بالبقيع في قبة العباس. وفيها أيضًا زين العابدين، وابنه محمد الباقر، وابنه جعفر الصادق.
وفي البقيع أيضًا قبة أمير المؤمنين عثمان بن عفان. وكان موضع القبة وما حوله
стр. 194
بستانًا لرجل من الانصار اسمه كوكب. وكان يقال حُشُ كوكب. والحُشُ البستان. فاشتراه عثمان ﵁ وزاده في البقيع. [وكان يقول إنه يدفن هاهنا رجل صالح] (١). فكان أوّل من دفن بهذه الزيادة.
وفي البقيع أيضا قبة إبراهيم ابن النبي ﷺ .
وقبة فاطمة الزهراء.
وفي البقيع أيضًا جماعة من أزواج النبي ﷺ وعَمَّتُه صفية.
[وفيه خلائق من الصحابة والتابعين] (٢).
وفيه قبة مالك بن أنس، إمام دار الهجرة.
وأوّل من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون. قال المطلب بن عبد الله بن حنطب: أوّل من دفنه النبي ﷺ بالبقيع، عثمان بن مظعون، ثم قال لرجل عنده: اذهب إلى تلك الصخرة، فأتني بها حتى أضعها في قبره. فمن مات من أهلنا دفناه عنده. رواه ابن أبي شَيْبَة (٣).
قال علي بن أبي طالب: ثم أتبعه إبراهيم ابن النبي رواه ابن أبي شيبة أيضا (٤).
قال الأصمعي: قُطعت غرقدات في هذا الموضع، حين دفن فيه عثمان بن مظعون. فسمي بقيع الغرقد لهذا.
وقال الخليل (٥): «البقيع من الأرض موضع فيه أُروم شجر. وبه سمي بقيع الغرقد. والغرقد شجر كان ينبت هناك».
والبقيع يلي باب المدينة الذي في جهة الشرق، الذي وراء دار عثمان بن عفان. ومنه يخرج إلى البقيع (٦).
* * *
стр. 195
المسجد الأقصى
معهد الأنبياء، ومتعهد الأولياء، وثاني البيت الحرام في البناء، وأوّل القبلتين حال الابتداء. شَيَّدَتْ ملوك بني إسرائيل معاهده، وشدّت بقباب البروج معاقده؛ ثم تدارك بنو أُمّية ذماءه، وصفحوا أرضه وسماءه؛ وهذا هو على ما هو عليه من حمل الآلام، واختلاف دول الكفر والإسلام؛ ومن صخرته المقدسة المعراج، حيث عرج بخاتم الأنبياء ﵊ من حضرة القدس إلى حضرة القدس، وبسط له بساط الأنس؛ ودنا من ربه مقاما لم يبلغه الخليل ولا الكليم، ولا وصل إليه ملك مقرب ولا نبي كريم؛ وقد أم في ذلك المسجد بالنبيين، وصعد. منه إلى أعلى عليين. وإلى صفيح تلك البقعة المحشر، ومنها يوم القيامة المنشر. والصخرة بها. عرش الله الأدنى، ومقام الفخار الأسنى؛ وهي التي تزف إليها عروس الكعبة زفا، وتُقسم الناس الشقاوة وزلفى سرّة المسجد الأقصى، وقلب الفضائل التي لا تحصى.
قد تقدم حديث أبي ذرّ (١): أوّل مسجد وضع المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى. وبينهما أربعون عامًا.
وروي عن عليّ بن أبي طالب، قال: كانت الأرض ماء فبعث الله ريحا فمسحت الأرض مسحا، وظهرت على الأرض زَبدة فقسمت أربع قطع. خلق من قطعة مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي (٢).
وروي ابن مَنْدَه بسنده، أن كعبًا قال (٣): بنى سليمان بن داود بيت المقدس على أساس قديم، كما بنى إبراهيم الكعبة على أساس قديم.
قال ابن الجوزي (٤): سكن الجبّارون في الأرض المقدسة فسلط عليهم يُوشَع، ثم سُلِّط الكفار على بيت المقدس فصيروه مزبلة. فأوحى الله إلى سليمان فبناه. وروي عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله تعالى داود أن يبني مسجد بيت المقدس. قال: ربّ، وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى المَلَكَ شاهرا سيفه. قال: فرآه في ذلك المكان. قال: فأخذ داود فأسس قواعده ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم. فقال داود: يا رب! أمرتني أن أبني لك بيتا، فلما ارتفع هدمته فقال: يا داود إنما جعلتك
стр. 196
خليفتي في خلقي، لِمَ أخذته من صاحبه بغير ثمن؟ إنه يبنيه رجل من ولدك. فلما كان سليمان ساوم صاحب الأرض، فقال: هي بقنطار. فقال سليمان: قد استوجبتها: فقال له صاحب الأرض: هي خير أو ذاك؟ قال: لا بل هي خير. قال: فإنه قد بدا لي. قال: أو ليس قد أوجبتها؟ قال: بلى، ولكن البيعين بالخيار ما لم يتفرّقا.
قال [عبد الله] (١) بن المبارك، هذا أصل الخيار. فلم يزل يراده، ويقول له مثل قوله الأوّل، حتى استوجبها منه بسبعة قناطير. فبناه سليمان حتى فرغ منه. وتغلّقت أبوابه. فعالجها سليمان أن يفتحها، فلم تنفتح، حتّى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا تفتحت الأبواب! ففتحت الأبواب.
قال: ففرّغ له سليمان عشرة آلاف من قُرّاء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، لا تأتي ساعة من ليل ولا نهار، إلا والله يُعبد فيه.
وقال أبو عمرو الشيباني: أوحى الله إلى داود: إنك لن تتمم بناء بيت المقدس. قال: أي ربِّ، ولم؟ قال: لأنك غمرت يدك في الدم. قال: أي ربِّ، أَوَ لَمْ يكن في طاعتك. قال: بلى وإن كان.
وقال كعب (٢): أوحى الله تعالى إلى سليمان أن ابن بيت المقدس. فجمع حكماء الإنس وعفاريت الجنّ وعظماء الشياطين. ثم فرّق الشياطين، فجعل منهم فريقا يبنون، وفريقا يقطعون الصخور، وفريقا يقطعون العُمُد من معادن الرخام، وفريقا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدرّ والمرجان. وأخذ في بناء المسجد فلم يثبت البناء. وكان عليه خيْرٌ (٣) بناه داود. فأمر بهدمه. ثم حفر الأرض حتى بلغ الماء. فقال: أسسوا على الماء.
فألقوا فيه الحجارة. وكان الماء يلفظ الحجارة، فاستشار في ذلك، فأشاروا عليه أن يتخذ قلالا من نحاس، ثم يملأها حجارة، ثم يكتب عليها ما على خاتمه من ذكر التوحيد، ثم يلقيها في الماء لتكون أساس البناء. ففعل، فثبت وبني. عمل بيت المقدس عملا لا يوصف، وزينه بالذهب والفضة وألوان الجوهر في سمائه وأرضه وأبوابه وجُدُره. ثم جمع الناس وأخبرهم أنه مسجد لله، وأنه هو الذي أمر ببنائه، وأنه من انتقصه أو شيئًا منه، فقد ضاد الله، وأنه كان قد عهد إلى داود في ذلك، ثم أوصى سليمان بذلك من بعده. ثم اتخذ طعاما وجمع الناس.
стр. 197
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص في قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (١) قال: هو سور بيت المقدس الشرقي. وقد أضربنا عن كثير مما ورد في البناء السليماني والعجائب التي كانت فيه، لعدم صحته بالنقل.
وأما ما ورد في فضله.
فمنه حديث أنس (٢). قال: «قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في بيته بصلاة واحدة، وصلاته في مسجد القبائل بست وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يُجَمَّع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة».
وعن أبي ذر قال: قيل: يا رسول الله صلاة في بيت المقدس أفضل، أم صلاة في مسجد رسول الله ﷺ ؟ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه.
ولنعم المصلى هو أرض المحشر والمنشر، وليأتين على الناس زمانٌ، ولَبَسْطةً قوس من حيث يُرى بيت المقدس، أفضل وخير من الدنيا جميعًا».
وصح عن موسى ﵇ أنه لما احتضر قال: يا رب ادنني من الأرض المقدسة رميةً بحجرٍ!
ونزله أبو ذر وأكثر فيه الصلاة وصلّى فيه ابن عمر. ومات فيه عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبو أبي ابن أُمّ حرام، وأبو ريحانة (واسمه شمعون) وذو الأصابع، وأبو محمد النجاري. هؤلاء من أهل بيت المقدس ماتوا به. والذي أعقب منهم عبادة وشدّاد وسلامة بن قيصر وفيروز الديلمي. والذي لم يعقب منهم أبو ريحانة وأبو محمد النجاري وذو الأصابع.
وقال أبو الزاهرية (٣): أتيتُ بيت المقدس أريد الصلاة. فدخلت المسجد وغَفَلتْ عني سَدنةُ المسجد، حتى أطفئت القناديل، وانقطعت الرجل، وغُلقت الأبواب. فبينا
стр. 198
أنا كذلك إذ سمعت حفيفًا له جناحان، قد أقبل وهو يقول: «سبحان الدائم القائم! سبحان القائم الدائم! سبحان الحي القيوم! سبحان الملك القدوس! سبحان رب الملائكة والروح! سبحان الله وبحمده سبحان العليّ الأعلى . ثم أقبل حفيف يتلوه، يقول ذلك. ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها، حتى امتلأ المسجد.
فإذا بعضهم قريب مني. فقال: آدمي؟
فقلت: نعم.
فقال: لا رَوْعَ عليك، هذه الملائكة!
قلتُ: سألتك بالذي قواكم على ما أرى من الأوّل؟
قال: جبريل؛
قلت: ثم الذي يتلوه؟
قال: ميكائيل.
قلت: من يتلوهم بعد ذلك؟
قال: الملائكة.
قلتُ: سألتك بالذي قوّاكم على ما أرى. ما لقائلها من الثواب؟
قال: مَنْ قالها مرةً في كل يوم، لم يَمُت حتّى يرى مقعده من الجنة، أو يرى له.
وروى أبو عبد الله بن باكويه، بسنده إلى محمد بن أحمد الصوفي، قال: قال لي أستاذي أبو عبد الله بن أبي شيبة (١): «كنتُ ببيت المقدس. وكنتُ أُحبُّ أن أبيتَ في المسجد، وما كنت أترك. فلما كان في بعض الأيام، بصرتُ في الرواق بحُصُرٍ قائمةٍ. فلما أن صليت العتمة وراء الإمام أتيتُ الحُصُر، فاختبأت وراءها. وانصرف الناس والقوام. ثم خرجت إلى الصخرة. فلما سمعتُ غَلق الأبواب، وقعت عيني على المحراب وقد انشق ودخل منه رجُلٌ ثم رجُلٌ إلى أن تم سبعة. واصطف القوم. ولم أزل واقفًا شاخصًا زائل العقل إلى أن انفجر الصبح. فخرج القوم على الطريق الذي دخلوا».
وبه (٢) إلى ذي النون قال: بينا أنا في بعض جبال بيت المقدس، سمعت صوتا يقول: ذهبت الآلام عن أبدان الخُدَّام، وَلَهَتْ بالطاعة عن الشراب والطعام، وألِفَتْ قلوبهم طول القيام بين يدي الملك العلام فتبعتُ الصوت. فإذا أمرد مصفر الوجه،
стр. 199
يميل ميل الغصن إذا حركته الريح، عليه شملة قد اتزر بها، وأُخرى قد اتشح بها. فلما رآني، توارى عني بالشجر. فقلت: ليس الجفاء من أخلاق المؤمنين. فكلمني وأَوْصِني. فخر ساجدا، وجعل يقول: هذا مقام من لاذ بك واستجار بمعرفتك وأَلِفَ محبتك! فيا إله القلوب، احجبني عن القاطعين لي عنك! قال: فغاب عني ولم أره.
ورُوِيَ عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (١) قال: من صخرة بيت المقدس. وقال يزيد بن جابر في الآية: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس، فينفخ في الصُّور، فيقول: أيتها العظام النَّخِرة، والجلود المتمزقة، والأشعار المتقطعة، إن الله تعالى أمرك أن تجتمعي للحساب!
وروى ابن منده بسنده عن أنس بن مالك قال (٢): إن الجنة لتحن شوقًا إلى بيت المقدس. وبيت المقدس من جنة الفردوس، وهي سرة (٣) الأرض. [يعني الصخرة].
وبه عن أبي إدريس الخولاني قال (٤): يحوّل الله صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماوات والأرض. ثم ينصب عليها عرشه. ثم يقضي بين عباده، يصيرون منها إلى الجنة وإلى النار.
وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (٥) … قال: من بركتها أن كل ماء عذب يخرج من أصل صخرة بيت المقدس.
قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ (٦) قالوا: هو إسرافيل. يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها الناس، هَلُمُّوا إلى الحساب! إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء!، وهذه هي النفخة الأخيرة. والمكان القريب صخرة بيت المقدس.
قال كعب ومقاتل: هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن السائب: باثني عشر ميلا.
وروي أن كعبًا (٧) قدم إيلياء فَرَشَا [حبرا] من أحبار يهود بضعة عشر دينارًا على أن دله على الصخرة التي قام عليها سليمان بن داود لما فرغ من بناء المسجد. وصلّى
стр. 200
مما يلي ناحية باب أسباط فقال كعب: قام سليمان بن داود على هذه الصخرة ثم استقبل بيت المقدس كله. فدعا الله بثلاث فأراه تعجيل إجابته في دعوتين، وأرجو أن يستجيب في الثالثة. فقال: «اللهم هَبْ لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب» فأعطاه الله . وقال: «اللهم هب لي ملكا وحكما يوافق حكمك!» ففعل الله ذلك به. ثم قال: «اللهم لا يأتي هذا المسجد أحد يريد الصلاة فيه، إلا أخرجته من خطيئته كيوم ولدته أمه».
هذه نبذة يسيرة من ابتداء وضعه.
وأما ما يتعلق بفتح بيت المقدس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ واستيلاء الفرنج عليه، ثم فتحه على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ وتسليمه إلى الفرنج بعد ذلك في أيام الملك الكامل، ثم استنقاذه منهم بعد ذلك على يد الناصر داود ابن المعظم، فليس هذا موضعه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في التاريخ للتلويح بذلك والإشارة إليه. فهناك ذكره أنسب.
ولنذكر الآن ما يتعلق بصفة المسجد الأقصى، وما اشتمل عليه من المزارات، على ما استقر عليه بناؤه إلى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
وقد ألف في ذلك الصاحب تاج الدين أبو الفضائل أحمد بن أمين الملك (١) تأليفًا صغيرًا سماه: «سلسلة العسجد، في صفة الصخرة والمسجد». نقلتُ منه ما يليق بهذا الموضع معتمدا في ذلك على ما حرره بالذراع.
ونبتدئ بذكر الصخرة الشريفة والبناء المحيط بها، فنقول: أما البناء المبارك من وجه الصحن المفروش بالبلاط المصقول، فارتفاعه ثمانية عشر ذراعًا؛ يعلو ذلك كرسي القبة، وارتفاعه عشرة أذرع وربع. ودوره مائة وثلاثة أذرع وثلثا ذراع. في دوره ست عشرة طاقة زجاج مذهبة، بظاهرها شبابيك، وهي مثمنة الأركان. كل تثمينة تسعة
стр. 201
وعشرون ذراعا وثلثا ذراع والبناء من ظاهره مكسو منه ارتفاع سبعة أذرع بالرخام الأبيض المشجر. ومن أعلاه سبعة أذرع إلى الميازيب بالفص المُذْهَب المشجر المختلف. وتحتوي كل تثمينة على سبع طاقات اثنتان في الطرفين مسدودتان، والخمسة مركب عليها الزجاج، ومن ظاهرها الشبابيك الحديد. ومن أعلى الميازيب حائط ارتفاعه أربعة أذرع مكسو بالفص بالصفة المذكورة، مشخص في كل تثمينة منه ثلاثة عشر محرابًا. ولها أبواب أربعة: فالقبلي ارتفاعه ستة أذرع وربع، وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وثمن. وأمامه من خارج رواق مفروش بالرخام الأبيض المشجر طوله من الشرق للغرب أحد وعشرون ذراعًا ونصف، وعرضه أربعة. سقفه بسط مدهون والوسط أمام الباب قنطرة بالفص المُذْهَب محمول على ثمانية أعمدة من الرخام: منها غُرابي اثنان في طرفيه، وخُضْرٌ مَرْسِيني تلوهما أربعة و «شحم ولحم» اثنان.
بين الأعمدة الغرابي والخُضْرِ هَنابُ رخام منقوش الظاهر سعته ذراع وثلث. تنزل فيه المياه المنحدرة من المزاريب.
ويُعلق على الباب المذكور مصراعان من الأبواب ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش. وعلى يَمْنة الداخل ويَسْرته درابزين خشب ارتفاع ثلثي ذراع، في رؤوس التثمينة الأوّلة خاصة. ويقاس من عتبة هذا الباب من داخل إلى وجه الأعمدة الآتي ذكرها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، بأعلاها سقف بسط مدهون بأنواع الدهان، ارتفاعه خمسة عشر ذراعا، محمول على حائط الصخرة. والأعمدة والحائط من باطن التثمينة، مُلَبّس جميعه بالرخام بغير فص بانبذاريه رخام منقوشة تقدير ذراع مذهبة.
كل تثمينة من هذا السقف محمولة على ساريتين ملبسة بالرخام المشجر والملوّن البديع. دور كل سارية أحد عشر ذراعا وثلثا ذراع. وطولها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، وجهها الذي يلي الصخرة بقرنتين. ومع السارية عمودان: أحدهما شحم ولحم والآخر أخضر مرسيني. بين كل عمود لأخيه خمسة أذرع ودوره ذراعان وثلثا ذراع. وارتفاعه خارجا عن القواعد ست ونصف يعلوها «بساتل» ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش المذهب فوق نقشه. يعلو «البساتل» قناطر بالفص المذهب البديع.
بهذه التثمينة الأولى، ثمانية سَوَارٍ وستة عشر عمودا: منها أبيض وأزرق عشرة، وأخضر مرسيني ثلاثة، و «شحم ولحم» ثلاثة.
وتقيس من واجهة قواعد هذه العمد عشرة أذرع لتثمينةٍ ثانيةٍ عليها سقف
стр. 202
«مقالي» مذهب، وارتفاعه ارتفاع السقف الأوّل. و «مقاليه» مركبة بغير تسمير لأجل كنس السقف والسقف الذي يعلوه الرصاص خمسة أذرع من الباطن. وبآخر هذه التثمينة الدائرة الدرابزين المحيط بدور القبة. والحامل للقبة أربعة سوار مربعة ملبسة بالرخام مثل الأولى. بين كل سارية وسارية ثلاثة أعمدة من الرخام «الشحم واللحم» والأخضر المرسيني. يعلو ذلك قناطر من الوجهين: فضٌ مُذْهَبٌ، والباطن رخام أبيض وأسود.
جملة الأعمدة الحاملة للقبة اثنا عشر عمودًا: منها أخضر مرسيني سبعة، و «شحم ولحم» خمسة.
قال: ولقد قست عمودًا منها شحمًا ولحمًا فكان دوره ثلاثة أذرع ونصفًا وارتفاعه خارجًا عن القواعد سبعة أذرع وثلثي ذراع.
وارتفاع هذه القبة الخشب المذهبة من قطبها إلى ظاهر الصخرة الشريفة سبعة وأربعون ذراعًا؛ ومن ظهر الصخرة لباطن أرض المغارة ستة أذرع؛ ومن ظاهر القبة الخشب إلى القبة الثانية المكسوة بالرصاص ذراع ونصف.
قال: ولقد قست الدور الحامل للقبة بالأعمدة والسواري فكان مائة وثلاثة أذرع.
وصفة الشباك الحديد الذي بين هذه العمد والسواري له أربعة أبواب: الشمالي منها مغلق، والثلاثة مفتوحة. فأما القبلي فيصعد إليه بدرجتين. ومن حد عتبته من داخل إلى صدر الصخرة أربعة أذرع ونصف وربع وحجر الصخرة من هذه الجهة ملبس بالرخام الملوّن ارتفاع ذراعين. ويحيط بحجر الصخرة من تتمة أقطاره درابزين من الخشب المنقوش، دوره أربعة وسبعون ذراعًا. وبآخر هذه الصخرة المرخمة من غرب إلى جهة الشمال حجر صغير محمول على ستة أعمدة صغار. قيل إنه أثر قدم النبي ﷺ ليلة المعراج. وقبالة القدم المشار إليه مرآة من السبعة معادن يسمونها «درقة حمزة» محمولة على ثلاثة أعمدة لطاف: منهن اثنان «رُوحَان في جسد» وارتفاع الشباك الحديد أربعة أذرع وثلثا ذراع، تعلوه شرفة خشب مدهونة. وبأعلى الشرفة شمعدانات حديد.
والمحراب الذي يصلي به إمام الصخرة عن يمين الداخل من الباب القبلي داخل الدرابزين الخشب المقدّم الذكر. وتجاه المحراب باب مغارة للصخرة الشريفة، معقود قنطرةً بالرخام الغريب، على عمودين «شمعية» يُنزل إلى باطنها بأربع عشرة درجة. طول باطن المغارة من الشرق للغرب عشرة أذرع، وعرضها سبعة ونصف من القبلة للشمال. وجميع باطن أرض الصخرة والمغارة مفروش بالرخام.
وبباطن المغارة المذكورة محرابان على اليمين واليسار. كل محراب على عمودي
стр. 203
رخام لطاف. وأمام المحراب الأيمن صُفَةٌ تسمّى «مقام الخضر». طولها من الشرق للغرب ذراع وثلثا ذراع، ومن القبلة للشمال ذراعان وربع. يواجهها عمود رخام قائم للسقف، وعمود راقد مَرَدُّ لها. وبالركن الشمالي من المغارة صُفَةٌ نقر في الصخرة يسمونها «مقام الخليل». عمقها من القبلة للشمال ذراع ونصف، ومن الشرق للغرب ذراع وربع.
وأما الباب الشرقي من بناء الصخرة، فهما بابان: أحدهما داخل الآخر. جعل الباب الخارج وقايةً للداخل من الأمطار والثلوج. ملبس بالرخام. رحاب ما بين البابين عرض أربعة أذرع وربع، وطول خرجته اثنا عشر ذراعًا ونصف.
على يمنة الخارج بيت للبوّاب و به محراب محمول على ثلاثة أعمدة لطاف، وعلى يسرته بيت للقناديل محمول على أربعة أعمدة خضر مرسيني وزرق.
وعقد ما بين البابين بالفص المُذْهَب. ومن عتبة الباب الثاني منهما إلى العمد سبعة أذرع وثلثان وهو الحامل للسقف البسط.
ومن واجهة العمد للشباك الحديد أحد عشر ذراعا. ومن باطن الشباك الحديد إلى الدرابزين الخشب الساتر للصخرة أربعة أذرع وربع. ومن حدّ هذا الباب الشرقي، على يسرة الداخل منه طالبا للقبلة على مسافة تسعة أذرع، عمودان مرسيني أخضر. بأعلاهما دُقَيْسي مذهب يطلع من باطنه إلى ظهر سقف الصخرة والقبة.
وأما الباب الشمالي ويسمّى باب الجنة فله خرجة كالتي في الباب الشرقي وصفتها وحليتها.
وفيما بين العمودين اللذين أمام الباب - داخل درابزين خشب مذهب به محراب لطيف - إشارة على الرخامة السوداء التي يصلي الناس عندها. وفقدت هذه الرخامة من مدة زمانية، وعمل مكانها رخامةٌ خضراء. والناس يصلون ويدعون عندها.
وأما الباب الغربي، فله خرجة كالبابين الشرقي والشمالي.
[وسعة ما بين تثامين الصخرة من داخل مثل الباب الشمالي خلا السعة من الشباك الحديد لدرابزين الصخرة فإنه ستة أذرع وثلثا ذراع.] (١)
هذا ما يتعلق بصفة الصخرة والبناء المثمن المحيط بها.
وأما الصحن المحيط بها، فجميعه مفروش بالبلاط الجليل المصقول.
стр. 204
وذرعه من القبلة للشمال مائتا ذراع وتسعة وعشرون ذراعا؛ ومن الشرق للغرب مائتا ذراع وثلاثة وعشرون ذراعا ونصف ذراع.
وذرع ما بين الرواق الذي قبلي الباب القبلي من أبواب الصخرة إلى رأس السلالم الموصلة للجامع، ثلاثة وخمسون ذراعا، ومن رأس السلالم إلى عتبة الجامع مائة وخمسون ذراعا ونصف وربع.
وبأعلى هذه السلالم أربع قناطر محمولة على ثلاثة أعمدة وركنين من البناء: منها عمودان صوّان أحمر، والوسطاني رخام أبيض فيه نقر مربع. ذكروا في التواريخ أن الدعاء عنده مستجاب.
وشرقي هذه القناطر على مسافة أربعين ذراعا قناطر مثلها. أعمدتها اثنان أخضر مرسيني. وفيما بين هاتين القنطرتين في سفل الحَرَم صُفَةٌ كبيرة تسمى صفة السَّبْع دَرَج. يقال إنها مأوى الصالحين والسُّيَّاح في الليل، وعليها يتركعون. وبجانب القنطرة المذكورة أوّلا، مدهون صورة محراب، بخديه عمودًا رخام لطاف. وفي ركنها الغربي قبتان من رخام واحدة تعلو الأخرى: كل منهما قطعة واحدة، تسمّى قبة الميزان، محمولة على اثني عشر عمودًا من الرخام «الشحم واللحم» بقواعد «شمعية». والقبة التي عليها كمثل ارتفاع القبة المذكورة بكمالها: ثمانية أذرع وثلثان. وارتفاع العمد السفلى ذراعان وسدس؛ وارتفاع العمد الفوقاني ذراع ونصف وربع. [وتعرف أيضا بقبة النجوم] (١).
وبالقرنة القبلية من جهة غربي الصحن موضع يعرف بالمدرسة المعظمية (٢)، طولها من ظاهرها أربعة وثلاثون ذراعا، وعرضها من القبلة للشمال سبعة أذرع. لها بابان يُفتحان للشمال، بخدهما ثلاثة أعمدة من الرخام، كل عمود به أربعة في جسد واحد، ملفوفة «مثعبنةً». وتلو ذلك عمودان لطاف. وارتفاع بنائها تسعة أذرع من أرض صحن الصخرة.
ويُدْخَل من البابين المذكورين لرواق طوله ثمانية عشر ذراعا ونصف في عرض ستة، بسقف شامي مذهب ثلاثة عشر مربعا بصدره القبلي ثلاث طاقات مطلة على الحَرَم وأبواب الجامع.
стр. 205
وبالجهة الغربية منه قبةٌ معقودة. بكل جهة من جهاتها القبلية والشمالية والغربية ثلاث طاقات. ولجهتها الغربية باب للدخول إليها من الرواق المذكور، وطاقة تطل على الرواق المذكور.
وبالجهة الشرقية من الرواق المذكور قبة ألطف من هذه. سكن الإمام، وقيم المكان، وحاصل الزيت.
ورتب الملك المعظم لها إماما مفردا يصلي الصلوات الخمس. ورتب بها خمسة وعشرين نفرا من طلبة النحو وشيخا لهم، وشرط أن يكونوا حنفية من جملة طلبة مدرسته التي خارج الحرم. ووقف على ذلك قرية تسمّى بيت لقيا، من عمل القدس الشريف. وعلى سقفها مكتوب أنه اهتم بعمارة ذلك في سنة ثمان وستمائة.
وأمام الشبابيك الشمالية التي بالقبة الغربية من هذا الرواق، على تقدير خمسة أذرع، ممشاةٌ معقودة عدّتها سبع عشرة درجة، عرض كل درجة ذراع، يتوصل منهن إلى سفل الحرم.
وأمام القبة الشرقية من هذا الرواق صُفَّةٌ عليها رخامة منقوشة مزولةً لإخراج ساعات النهار، طولها من الشرق للغرب ذراعان وثلثان، وعرضها ذراع وثلث، وارتفاعها ذراع ونصف.
ويقابل هذه المدرسة في القرنة الشرقية من هذا الصحن قبة لطيفة مكسوة من ظاهرها بالبياض، خلوة لبعض المتصدرين بالحرم الشريف، يفتح بابها للشمال. وتتمة جهاتها الثلاث بكل منهنّ طاقة مطلة على الحرم.
وفي حائطي هذا الصحن الغربية والشمالية مسطبتان تعلو إحداهما قبة من جهة الغرب والأخرى في الشمال سقف على عمودين رخام، يصلي عليها المبلغون في الصلوات الخمس.
وذرع ما بين عتبة الباب الشرقي إلى حدّ الدرج، نهاية صحن الصخرة المبلط من جهة الشرق، ستة وسبعون ذراعا.
وبأعلى هذا الدرج خمس قناطر معقودة على أربعة أعمدة وساريتين، بخدهنّ القبلي والشمالي خلوتان للفقراء المجاورين بالحرم وارتفاع عقد هذه القناطر عشرة أذرع، أسوة ارتفاع القناطر التي على سائر السلالم. وبقي ثلاث قناطر منهنّ مفتوحة، يُخرج منهن إلى هذه الدرج المسماة بدرج البراق. وعدتهن ست وثلاثون درجة.
стр. 206
وذرع ما بين أول درجة من هذا الدرج إلى حد السور الشرقي مائة وستة وخمسون ذراعا وثلث.
وذرع ما بين الباب الشرقي البراني وقبة السلسلة خمسة أذرع ونصف وربع.
وهذه القبة محمولة على اثني عشر عمودا أخضر مرسيني و «شحم ولحم». طول كل عمود خارجا عن قواعده، ثلاثة أذرع وثلث وربع وثمن؛ وارتفاع سقفها البسط الملبس بالرصاص ثمانية أذرع.
جميع ما بين الأعمدة محروق. وما بين العمود والعمود مُتَّكَايَةٌ من الحجر الصوّان المنحوت المجلي، تقدير شبر لا غير. طول كل قطعة من هؤلاء أربعة أذرع ونصف. وعرض ما بين عمودي المحراب خمسة أذرع مسدود بالرخام الملون. بخدي المحراب عمودان رخام أبيض. وبأعلى هذه الأعمدة قناطر ملبسة بالفص المذهب والأخضر المختلف الألوان. ارتفاع القناطر ذراعان وربع، وسعتها من المحراب لآخرها ثمانية عشر ذراعًا. وبباطن هذه القبة قبة محمولة على ستة أعمدة أخضر مرسيني وشحم ولحم ما بين العمود والعمود أربعة أذرع سعتها ثمانية أذرع ونصف. بأعلى الأعمدة قناطر ملبسة بالفص، طول أربعة أذرع ونصف. والقبة الخشب من أعلى ذلك.
روى أبو بكر بن أحمد بن محمد المقدسي الخطيب بسنده إلى أبي مالك بن ثعلبة، قال: سمعتُ إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله يحدّث عن أبيه عن جده يرفعه (١): «أن سليمان بن داود جعل سلسلة معلقة من السماء إلى الأرض ليتبين المحق من المبطل؛ فالمحق ينالها والمبطل لا ينالها؛ وأن يهوديا استودع مائة دينار فجحدها. فجاؤوا إلى السلسلة - وقد سبك اليهودي الذهب في عصا - وناولها صاحب المال وحلف: لقد أعطيته دنانيره. وحلف الآخر أنه لم يأخذ. فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم».
ويقال: إن السلسلة كانت موضع القبة المذكورة. والله تعالى أعلم.
وذرع ما بين الشمالي من أبواب الصخرة [المسمى بباب الجنة] (٢) إلى منتهى الصحن المحيط بها إلى القناطر الثلاث المعقودة على عمودين رخام وساريتين مائة وثمانية أذرع.
стр. 207
[وينزل من هذه القناطر في ثمان درج إلى الحرم الشريف. وأمام الدرج مَمْشاةٌ مستطيلة مفروشة بالبلاط، عرضها خمسة أذرع وربع، وينتهي متشاملا إلى باب الحرم المعروف بباب شرف الأنبياء؛ وطول هذه الممشاة مائة ذراع وثمانية وسبعون ذراعا.
وسيأتي (إن شاء الله) ذكر هذا الباب عند ذكر أبواب الحرم] (١).
وعن يمين الداخل من هذه القناطر ويسراه في منتهى شمالي الصحن مسطبتان طول كل منهما ثمانية أذرع ونصف، من الشرق إلى الغرب، وعرضها من القبلة للشمال ذراعان وثلثا ذراع. ويصلي الناس عليهما.
ومن هذا الباب الشمالي على مسافة اثنين وأربعين ذراعا طالبا للغرب عمل مسطبة ارتفاعها عن الصحن المبلط ثلث ذراع، وطولها من الشرق للغرب ثلاثة عشر ذراعا وثلث، وعرضها من القبلة للشمال عشرة أذرع بني عليها قبة مثمنة، تسمى قبة المعراج بابها يفتح للشمال، سعته ذراع وثلث، وطوله ذراعان وثلث. بظاهر القبة المذكورة حاملا لأركانه من الأعمدة الرخام الأبيض ثلاثون عمودا. طول كل عمود، خارجا عن القواعد، ذراعان وثلثا ذراع.
والتثمينة التي بين الأعمدة ملبسة ألواح رخام ملكي مشجرة بأزرق. يُصعد إلى بابها بثلاث درج رخام. ثم ينزل إلى داخلها بمثلهن.
أرضها مفروشة بالرخام الأبيض، وحيطانها من داخل كذلك، مثل الظاهر.
باطنها من الأعمدة أيضا ثمانية عشر عمودا وبأعلى الرخام المذكور طاقات نصاص شبه الجبس المكندج ثلاثة، وزجاج أربعة. وبأعلى الطاقات كرسي القبة. وعرضها من الشرق للغرب سبعة أذرع، ومن القبلة للشمال ستة أذرع وربع. سعة محرابها ذراع وثلثا ذراع؛ وهو بأوّل المسطبة لجهة القبلة. والباب والسلالم بآخرها لجهة الشمال. وتتمة المسطبة يصلي عليها الناس.
ومن قطب القبة لأرضها ارتفاع ستة عشر ذراعا وبظاهرها في أعلاها قبة لطيفة مكان الهلال محمولة على ستة أعمدة صغار رخام شمعية؛ طول كل واحد منها تقدير ذراع.
وذرع ما بين الباب الغربي إلى رأس القناطر التي أمامه بآخر صحن الصخرة من جهة الغرب ثمانية عشر ذراعا وثلثا ذراع. وهي أربع قناطر معقودة على ثلاثة أعمدة مكتبة بالأزرق وساريتين. وينزل من هذه القناطر بأربع وعشرين درجة إلى الحرم. ومن
стр. 208
حد هذه الدرج إلى السور الغربي (وهو الذي فيه الباب الجديد المعروف الآن بباب القيسارية)، وفيه باب الميضأة وسائر الأبواب الغربية الآتي ذكرها إن شاء الله عند ذكر أبواب الحرم خمسة وثمانون ذراعًا وثلث ذراع.
وبظاهر هذا الصحن من فم الصهاريج المركب على فُوَّهَة كل منهن خرزة رخام أو حجر منحوت سبعة، لهن تسعة أبواب. منها بالجهة القبلية بئر يعرف بالرمانة له بابان: هذا الباب الذي بالصحن، وباب بسفل الحرم أمام الجامع؛ وبالجهة الشرقية بئران يعرف أحدهما بالشوك، ويعرف الآخر ببئر الورد له بابان جميعهما من صحن الصخرة الشريفة. وبالجهة الشمالية بئر يعرف بباب الجنة. وبالجهة الغربية ثلاث آبار: إحداها يُعرف بالكاس؛ لأن على فُوَّهته كأس رخام طويل، والآخر له بابان من الصحن، والآخر بفرد فم.
وإذ ذكرنا ما في هذا الصحن من الصهاريج، فلنذكر ما في سفل الحرم من الصهاريج، فنقول: في سفل الحرم من الصهاريج خمسة عشر صهريجًا.
وبالجهة القبلية ستة: بالقرب من الزاوية الفخرية واحد؛ وبباب الجامع واحد؛ وداخل باب الجامع الشرقي واحد، ويسمى ببئر الورقة، وله بابان أحدهما هذا الذي داخل باب الجامع، والآخر في مكان يعمل فيه نجارة الحرم؛ والبئر الأسود، وله ثلاثة أبواب: أحدها يُنزل إليه بدرج، وبئر يعرف بالبحيرة، له بابان؛ وبئر في الحاكورة التي عند الباب الشرقي، وله بابان واحد في الحاكورة، وباب خارج عنها.
وبالجهة الشرقية ثلاثة آبار: منها بالقرب من باب الرحمة واحد، له بابان.
وبالجهة الشمالية ثلاثة آبار: بئر بركة بني إسرائيل؛ وبئر بباب شرف الأنبياء؛ وبئر بالرواق الحامل للزاوية المعروفة باللاوي وخانقاه الإسعردي (١).
وبالجهة الغربية ثلاثة: أحدها بباب الغوانمة؛ والآخر عند باب الرباط المنصوري (٢)، وله بابان: باب في الحاكورة، وباب خارج عنها، يعرف بابن عروة؛ وبئر عند الباب الحديد مغطى بحصر الأروقة.
وهذه الآبار الاثنان والعشرون معمرة بالمياه.
وهناك أيضًا غيرها ثلاثة صهاريج خربة معطلة. واحد عند درج الميزان، والثاني
стр. 209
عند محراب عمر، والثالث تحت الزيتون بالجهة الشرقية من الحرم.
وقد استوعبنا الآن صفة صحن الصخرة وما اشتمل عليه.
فلنذكر ما بباطن الحرم من المساجد والمزارات والأبنية وغير ذلك.
ونبتدئ أولا بذكر السور المحيط بذلك جميعه.
صفة السور القبلي وما صاقبه من المساجد وغيرها
وأوّل هذا السور من جهة الغرب مسطبة طولها من المحراب للشمال ستة أذرع وعرضها ستة ونصف. وبصدرها محراب. ويتلوها من جهة شرقها باب الزاوية الفخرية، يتلو باب الزاوية الفخرية من الشرق صُفَةٌ عشرة أذرع وربع، وعرضها ثلاثة ونصف.
ويتلو هذه المسطبة باب جامع المغاربة. وطول جامع المغاربة من محرابه لرأس دهليزه أحد وثلاثون ذراعًا ونصف، وعرضه أحد عشر ذراعًا ونصف. ومحرابه لطيف، مركب على عمودين رخام لطاف. ومن ظاهر حائط هذا المحراب إلى حائط جامع النساء خرجة في الزاوية الفخرية التي إلى جانبه؛ وطول دهليزه أحد عشر ذراعا وثلثا ذراع، وعرضه أربعة أذرع وثلثا ذراع.
وفي باطن سوره الشرقي مسطبة لطيفة؛ عرضها ذراع ونصف، وطولها ثمانية أذرع ونصف وربع وثمن.
وفي ثخائن السور خزائن لطاف للقناديل وحوائج القَوْمة به. وله باب واحد يفتح للشمال. سَعَتُه أربعة أذرع وارتفاعه خمسة أذرع.
وقولنا جامع المغاربة، لغلبة هذا الاسم على ألسنة الجمهور. ولو قلنا مسجد المغاربة لما علم الجمهور بالقدس. وكذلك جامع النساء. وكل ذلك ليس بجوامع تقام فيها خطبة. وإنما لكل منها إمام مفرد، يصلي فيه الصلوات الخمس لا غير.
ويتلو جامع المغاربة فضوةٌ كبيرة يتلوها جامع النساء. وطوله من الشرق للغرب اثنان وستون ذراعا ونصف ذراع، وعرضه من القبلة للشمال اثنان وعشرون ذراعًا وثلثا ذراع، وهو رواقان سقفهما اثنا عشر عقدًا: كل رواق ستة عقود محمولة في الوسط على ست عضائد. وبصدره من الشبابيك خمسة: عرض الشباك الأوّل منها ذراعان ونصف، وعمقه في السور ثلاثة أذرع، وهو عرض السور جميعه في هذه البقعة، وارتفاعه ثلاثة أذرع وثلثا ذراع. وتتمة الشبابيك دون هذا المقدار.
وبحائطه الغربي شباك مطل على حارة المغاربة.
وباب هذا الجامع يُفتح للشمال. وبكل خدّ أربعة أعمدة رخام أبيض في جسد
стр. 210
واحد. طولها خارجا عن القواعد ذراعان إلا ربعا. وأمامه شجرتان عظيمتان من الجوز، تحتهما مسطبة يصلي الناس عليها.
ويدخل من الباب المذكور وينزل بخمس درج إلى الأروقة المذكورة. ومن باب جامع النساء على مُضِيّ سبعة وعشرين ذراعا من جهة الشرق الباب الغربي من أبواب الجامع المسمى الآن بالمسجد الأقصى.
صفة السور الشرقي (١)
تقدم أن في قرنة السور القبلي مهد عيسى ﵇. وشماليه رواق معقود على ستة عقود قد خربت مساطبه من العمائر القديمة. وبعض أرضه مبسوطة بالفص.
طوله ثلاثة وأربعون ذراعا، ومن جانبه للقبلة كشف إلى حد مهد عيسى.
وشمالي هذا الرواق، على مضي ثلثمائة ذراع، مسجد باب الرحمة. وطوله من الشرق للغرب ثلاثون ذراعا، وعرضه قبلةً وشمالا أربعة عشر ذراعا ونصف. وسعة محرابه ثلاثة أذرع وربع يصلي فيه إمام مفرد. وهو معقود بالحجر المنحوت ست قباب: اثنتان مرتفعتان، وأربعة منبسطة على عمودين صوّان بيض في الوسط وساريتين في وسطه طول كل عمود أحد عشر ذراعا ودورته أربعة أذرع ونصف. وهذا المسجد متخذ باطن البابين المسميين بباب الرحمة.
وهما بابان قديمان قد سُدًا. على كل منهما مصراعان من خشب مصفح من خارج بالحديد. طول كل منهما أحد عشر ذراعا، وعرضه ستة ونصف. وخلف كل منهما بابان بالصفة المذكورة [إلا أنهما مصفحان بالنحاس الأصفر المنقوش] (٢). وقد سُمِّرًا وأحكم غلقهما. قيل: إنهما من بقايا العمائر السليمانية. سُمّيا بأبواب الرحمة.
ومنتهى السور الشرقي رواق طوله من القبلة للشمال ستة عشر ذراعا ونصف، ومن الشرق للغرب سبعة أذرع وثلث، ويعقبه في أوّل السور الشمالي باب أسباط. وسيأتي ذكره، إن شاء الله.
وليس في هذا السور الشرقي الآن بابٌ يُسلك منه للحرم الشريف. ولم يكن له في الزمن القديم سوى البابين المذكورين.
стр. 211
ويقال: إن عمر بن الخطاب ﵁ غلقهما لما فتح القدس. فلم يفتحا إلى الآن.
وقد اتخذ الناس ظاهر هذا السور مقبرة يدفنون فيها موتاهم. وفيها قبر شداد بن أوس (١).
وتلو المقبرة المذكورة وادٍ عميق يعرف بوادي جهنم، يزرع. وفيه كروم وبساتين. ومنه يتطرق إلى عين [ … .]. وفيه أبنية عجيبة، وآثار غريبة، ونقوش ومعابد قديمة (٢). وهو وقف على المدرسة الصلاحية. وحدّ هذا الوادي من الشرق طورزيتا الذي يقال: إن الله تعالى رفع عيسى ﵇ منه. وبه قبر رابعة العدوية، يُزار قصدًا. وفيما بين السور الشرقي وصحن الصخرة الشريفة أشجار من الزيتون والميس والتوت والتين. تقدير عدتها مائة شجرة، يستظل الناس تحتها ويصلون.
قال الصاحب تاج الدين أحمد بن أمين الملك:
«ولقد مضى علي في مجاورة هذا الحرم الشريف الفصول الأربع، فرأيتُ له في كل فصل محاسن في غيره لم تُجمع، وهو أنه من مبدإ فصل الربيع تبدو فيه من الأزاهر المختلفة الألوان ما يستوقف بحسنه لب الذكي الأروع. وكلُّ أحد ممن له معرفة بالأعشاب يأتي إليه، ويأخذ من تلك الأزاهر ما علم منفعته ومضرته».
قال: وأما ما شاهدته بالعيان، أنني جلست وقتا في بقعة منه تكللت بأزاهر من الشقائق والبهار والأقحوان، وإلى جانبي فقير عليه أطمار رئة يبدي تبسمًا، وتارة يعلن صوته بالتسبيح والتكبير ترنمًا، ويقول: سبحان من جمع فيك المحاسن، وكساك هذه الحلل الفاخرة، وجعلك تحتوي على كنوز الدنيا والآخرة فقلت له يا سيدي! أما فضله وبركته، فقد صدق العيان فيها الخبر، وقام بها الدليل والبرهان وتواتر بها الأثر؛ لكن ما كنوز الدنيا؟ فقال: ما من زهرة تراها إلا ولها في النفع والضرر خواص، يعرفها اهل الاختصاص! فقلتُ: لعلّ تُظهر للعيان شيئًا مما عرفت يزداد به اليقين تبصرة، وتكون
стр. 212
هذه الجلسة معك عن صبح النجاح مسفرة. فأخذ بيدي ومشى خطُوات إلى جهة من جهات الحرم. ومد يده أخذ قبضة من ذلك الكلأ، وقال: هل معك خاتم أو درهم؟ فقلت: نعم. فأخرجتُ درهما مما معي. فعركه بذلك الكلأ، فعاد كالدينار في صفرته. ثم أخذ حشيشة أخرى، وعركه بها. فعاد أبيض، أنقى مما كان أولا. وقال: هذه رموز احتوت على تلك الكنوز. ولم يترك نبي الله سليمان شيئًا من المواهب التي منحه الله إياها، والمنافع التي وصلت إليه من الإنس والجن على اختلاف صورها ومعناها، إلا وأودعه في هذا الحرم. فأين من يفهم تلك المعاني، أو من كان لها يُعاني؟ ثم أخذ منهجا غير ما كنت أسلكه فسألته التثبت والتلبث. فقال: الدنيء من صرف نظره إلى العرض الأدنى، والسري من صرف زمانه بالتهجد في هذا المعنى. أُوصيك أن تغتنم الفرصة في ركعات تقدمها بين يديك، فما سواها فان، ولا تلتفت إلا إلى ما يقربك من الرحمن فقلت: يا سيدي ومثلك من يفتح لي أبواب الصواب. فقال: ما بعد السنة والكتاب من باب. ثم فارقني مهرولا، معلنا بصوته ومرتلا. يقول: سبحانك يا دائم! سبحانك يا قدوس! سبحانك يا رحمن سبحانك يا محيي النفوس! فجعلت هذا الذكر لي ديدنا، وكلما اشتاقت له منى عين أطربت بذكره أذنا.
صفة السور الشمالي
وفيه عدة أبواب: أوّلها من جهة الشرق باب يسمّى أسباط. وهو تلو الرواق المقدم ذكره الذي هو نهاية السور الشرقي. وارتفاع هذا الباب خمسة أذرع، وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وربع وثمن ذراع.
ويعقب هذا الباب من غربه، رواق معقود على عشر سوار. طوله اثنان وسبعون ذراعا، وعرضه ثمانية أذرع بصدره أربعة شبابيك مطلة على بركة بني إسرائيل. وهي بركة قديمة عميقة.
ويعقب هذا الرواق ساحة، وهي أرض كشف ببعضها مصب مياه لبركة بني إسرائيل. وبعضها كشفٌ، قُصد أن يُبنى به أروقة. وإلى الآن لم تكمل. وطولها أربعة وسبعون ذراعا.
ويعقب هذه الأرض المدرسة الكريمية. وجاورت ما أمامها من الأروقة بحائطين: غربية وشرقية. وجعلوا مَصِيفَيْن قدامها. وطول هذه المدرسة من الشرق للغرب خمسة وعشرون ذراعا. وجُعل قدّام هذه الأروقة مسطبة يُصعد إليها بأربع درج بارزة في الحرم. طولها من القبلة للشمال ستة عشر ذراعا. وهذه المدرسة بناها كريم
стр. 213
الدين عبد الكريم، ناظر الخواص الشريفة السلطانية الناصرية. ويعقب هذه المدرسة باب، يسمّى باب حِطَّة. عرضه أربعة أذرع وثلثا ذراع، وارتفاعه ثمانية أذرع. أمامه ممشاة مفروشة بالبلاط، طولها مائة وثمانية وسبعون ذراعا، وعرضها خمسة أذرع وكَسْرٌ يُصعد من آخر بدرج إلى ثلاث قناطر معقودة على عمودين رخام وساريتين، يدخل منهن إلى صحن الصخرة.
وبخدي هذا الباب مسطبتان لطيفتان، عرض كل منهما ذراعان: الشرقية منهما لصيقة للمدرسة الكريمية المذكورة؛ وتلو الغربية رواق، طوله اثنان وسبعون ذراعا في العرض المذكور.
وفي سوره ثلاثة شبابيك للرباط العلمي الدواداري. وبأوّله من الشرق بالقرب شباك للتربة الأوحدية، من بني أيوب.
ثم يتلو هذا الرواق باب يعرف بباب شرق الأنبياء. طوله ثمانية أذرع وعرضه أربعة. وأمامه ممشاة نظير الممشاة المذكورة. وقد تقدم ذكر هذه أيضا.
ويتلو هذا الباب رواق طوله سبعة وأربعون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع ونصف، معقود على ثمان سَوَارٍ بأوّله شباكان، أحدهما مفتوح يتوصل منه إلى زاوية الصاحب أمين الدين المعروف بأمين الملك. وتلوهُما بابٌ يُصعد من باطنه إلى زاوية اللاوي. وتلو الباب مسطبة، فيها صهريج.
ويعقب هذا الرواق من الغرب رواق معقود عقدين على ثلاث سوار. طوله تسعة عشر ذراعا ونصف، وعرضه من الشمال للقبلة تسعة أذرع. ويُصلّي به الآن بعضُ النسوة، الصلوات الخمس، خلف الأئمة.
وبأعلاه مدرسة الأمير سيف الدين الحاج آل مَلَك الجوكندار، وخانقاه مجد الدين الإسعردي التاجر. وبأوّله جوار الصهريج المذكور، سُلَّمْ يُصْعد منه إلى المدرسة والخانقاه المذكورتين.
ويعقب هذا الرواق كشف ليس به أروقة. وهو صورة مسطبة عالية. ويُنزل من وسطها بست درج إلى الحرم.
وبأقصى ارتفاع هذا السور خمسة شبابيك لمدرسة الأمير علم الدين سنجر الجاولي، ﵀. وليس لها استطراق إلى الحرم. ومن حدّ هذا الكشف، طالبا لجهة الغرب، خلوتان. لكل منهما بابٌ يُفتح للجهة القبلية من الحرم. وداخلهما كله في باطن السور الشمالي. وهي من جبل صخرٍ أصمَّ، صفة مغارة. وقيل يعرف قديما بمغارة
стр. 214
إبراهيم. وفي الشرقية منهما شباك لطيف. وإلى جانب هاتين الخلوتين، خلوة لشيخ الحرم. وبها شباكان على الحرم الشريف. وطولها ستة عشر ذراعا. وأمامها مسطبة في الطول المذكور، وعرضها أربعة أذرع وثلث. وبأعلى هذه الخلوة، خلوة يصعد إليها بسلم، بسبع درج في حد الباب الذي يفتح للشرق.
ويتلو ذلك رواق على عقدين طوله من الغرب طالبا للشرق خمسة عشر ذراعا وعرضه تسعة ونصف. وتلوه سُلَّم مستطيل جدا، يصعد من أعلاه إلى مأذنة، إلى دار هناك لبني جماعة. وهذه المأذنة هي أقصى السور الغربي، وارتفاعها ثلاثة وخمسون ذراعا. وبأعلاها درابزينات خشب منقوشة. وهي مكللة من العمد الرخام اللطاف بأحد وثلاثين عمودا.
صفة السور الغربي
ويشتمل على سبعة أبواب بما فيه من باب الطهارة، فإنه الآن غير نافذ. وأمام كل باب شجرة كبيرة من الميس أو التوت، وتحتها مسطبة يصلّي الناس عليها، ويستظلون؛ خلا باب الغوانمة، فليس قدامه شيء.
ومبدأ السور من المأذنة المذكورة.
وأول أبوابه من هذه الجهة، باب الغوانمة. وطوله أربعة أذرع، وعرضه ثلاثة أذرع. يُصعد إليه من الحرم الشريف بعشر درج. وبحده الشمالي خلوة للبواب، بارزة في الحرم تقدير خمسة أذرع. ومن حدّ هذه الخلوة إلى المأذنة المذكورة خمسة وثلاثون ذراعا. ومن الباب المذكور - على مضى ثمانية عشر ذراعا طالبا للقبلة - باب لطيف الخلوة في باطن عرض السور لبعض الفقراء المجاورين. ومن حدّ هذه الخلوة إلى نهاية أربعة وعشرين ذراعا حاكورة بها أشجار وكروم تحت دار وقفها علاء الدين الأعمى.
وكان هذا الرجل من نظار الحرم المتقدمين، وله تأثيرات حسنة في الحرم من المواعيد والأبنية.
وطول الحاكورة طالبا للشمال خمسة وأربعون ذراعا، في عرض سبعة أذرع وكسر.
ومن نهاية الحاكورة إلى أقصى السور وهو المأذنة المذكورة كشف بلا أروقة.
ولصيق هذه الحاكورة من القبلة باب كبير يعرف بباب الرباط المنصوري. طوله ستة وعرضه خمسة ونصف. وأمامه ممشاة يُتوصل بها إلى السلم الذي يتوصل منه إلى صحن الصخرة، قبالة الباب الحديد الآتي ذكره.
стр. 215
وبخد الباب المذكور إلى جهة الشمال عقد على ساريتين، طوله تسعة أذرع وعرضه عرض الحاكورة وسائر الأروقة المتصلة به وهذا العقد أوّل العقود في السور الغربي.
وعمل في ثخانة الحائط التي في أوّله مع ثخانة السارية خلوة صغيرة للقيم والبواب بالباب المذكور.
وتحت هذا العقد يجلس الناظر والمباشرون يومئذ للنظر في المصالح.
وتلو الباب المذكور عرضه عرض الأروقة، وطوله مائة وثمانية أذرع؛ معقود على ست عشرة سارية. وعلى تقدير عشرة أذرع من أوّله شباك القاعة التي هي سكن الناظر على أوقاف الحرم. وهي من وقف الحرم. وفي آخره خلوة لطيفة سكن القيم وبرسم القناديل.
وتلو ذلك الباب المعروف بالحديد. طوله أربعة أذرع ونصف، وعرضه ذراعان وثلثا ذراع. وأمامه مَمْشاة مبلطة يتوصل منها إلى سلم لصحن الصخرة الشريفة. عرضه ثلاثة وعشرون ذراعا ونصف، وعدد درجه إحدى وعشرون درجة. وليس بأعلاه قناطر أسوة بقية السلالم.
وتلو هذا الباب رواق على ثمان سوار طوله ثمانية وخمسون ذراعا وعرضه عرض سائر الأروقة. وبآخره باب لطيف لخلوة لبعض الفقراء.
ثم يتلو هذا الرواق باب كبيرٌ عُمِل من قريب واستجد فتحه، يُنزل إليه بعشر درجات. له مساطب في خدّيه. طول كل منها سبعة أذرع وعرضها ذراع وثلثا ذراع.
وقد أتقنت عمارته. وارتفاعه ثمانية أذرع وعرضه خمسة أذرع. وعقده بوجهين، منقوش بالحجر الملوّن وطراز كتابته بالذهب، نُقر في الحجر. وأبوابه مصفحة بالنحاس المذهب المخرّم، متقن العمارة والزخرفة. ويُتوصل منه إلى القيسارية المستجدّة. وتشتمل على صفّي حوانيت، بعضها وقف على الحرم، وبعضها وقف على المدرسة والخانقاه اللتين أنشأهما الأمير سيف الدين تنكز ﵀ وسيأتي ذكرها عن كثب. إن شاء الله.
وإلى جانب هذا الباب رواق معقود على ساريتين كبار جدا طوله خمسة عشر ذراعا، وعرضه إلى خارج الساريتين سبعة أذرع وثلثا ذراع وإلى باطنهما خمسة أذرع ونصف. بصدره شباك لقاعة من وقف الحرم. وبجانب الشباك خلوة لطيفة للقيم والبوّاب. وإلى جانب هذا الرواق باب الطهارة. وهو يشتمل على طهارتين: إحداهما للنساء، والثانية للرجال. وتشتمل طهارة الرجال على ثلاثة وعشرين بيتا وفسقية كبيرة. وبأعلى طهارة النساء تكرى لوقف الحرم.