← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

إفادته، ودامت جدّة سعادته، وثبت بجده على الوفاء، مع أخذه في زيادته؛ كأنما طبع من سيف جَدِّه زُبْرَةُ ذهنه، واستمد بجده قوة أيام وهنه؛ فقوي من سلفه بما تجيب، ودعا من أبيه مالكًا لو أسمع بواعثه من وراء البحار، لما عجزت أن تجيء وتجيب. قرأ القرآن على أبي يعقوب الأزرق، وعُمّر دهرًا طويلًا، وحدث عن محمد بن رمح - صاحب الليث بن سعد وقرأ عليه خلق. وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثمائة. كذا ورخه أبو سعيد بن يونس، وحدث عنه في تاريخه. ومنهم: [٦٤] محمد بن علي بن أحمد، (١) الإمام أبو بكر الأُدْفُوي (٢)، المصري المقرئ، النحوي، المفسر، والصدر المتصدر، والمقرئ المقرر، والنحوي الذي لا يعجز في توجيه غريب الأعراب متعذر والحافظ المجيد الذي ما هو بحله الكسائي متشبع، ولا بما عند ابن كثير متكثر، فإن في تنقيح ما صنف، وتصحيح ما كتب، لا بل ما قرّط بحب لؤلؤه الحائك سامع الإملاء وشنف، وترجيح آراء لا يحذفها إلا من عذر، وإن عن له أن عنف. قرأ القرآن على أبي غانم المظفر بن أحمد، وسمع الحروف من أحمد بن إبراهيم ابن جامع، وسعيد بن السكن، ولزم أبا جعفر النحاس، وحمل عنه كتبه، وبرع في علوم القرآن، وكان سيد أهل عصره بمصر.

стр. 1507

قال أبو عمرو الداني: انفرد أبو بكر بالإمامة في وقته في قراءة نافع، مع سعة علمه، وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وتمكنه من علم العربية، وبصره بالمعاني. روى عنه القراءة جماعة من الأكابر، وله كتاب في «التفسير» في مائة وعشرين مجلدًا، وهو موجود بالقاهرة. قال سهل بن عبد الله البزاز: صنّف شيخنا أبو بكر الأدفوي كتابه «الاستغناء في علوم القرآن» في اثنتي عشرة سنة، وتوفي في سابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وعاش خمسًا وثمانين سنة. سكن مصر، وكان خشابًا يتجر. وأذفو: قرية من الصعيد، مما يلي أسوان. ومنهم: [٦٥] غياث بن فارس بن مكي، الأستاذ أبو الجود اللخمي، المنذري (١) المقرئ، الفرضي، النحوي، العروضي، الضرير، شيخ القراء بديار مصر؛ هو المصري إلا أنه الذهب لا بل هو أعلى قدرًا، وأغلى سعرًا، وأفضل ما تعاملت به الناس، وتماثلت، إلا أنه إذا غاب - والكرام أجناس - استمدت منه، ولم ينقصه الاقتباس، ورأت منه غياثًا، لا بل استمطرت غيثًا لا يعرف الاحتباس، وقهرت به القاهرة المعزية ما سواها، وعزَّت، لا بل عزَّ عليها أن تُنبت مثله، وإن سقاها النيل، ورواها. قرأ القراءات على الشريف أبي الفتوح الخطيب، وسمع من عبد الله بن رفاعة، وتصدر للإقراء من شبيبته، وتلا بالتيسير وطرقه واشتهر. وقرأ عليه خلق كثير منهم علم الدين السخاوي وخلق آخرهم وفاةً أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله الملجي. قال الحافظ زكي الدين المنذري: أقرأ الناس دهرًا، ورحل إليه وأكثر المتصدرين للإقراء بمصر. أصحابه وأصحاب أصحابه. وكان دينًا، فاضلًا، بارعًا في الأدب،

стр. 1508

حسن الأداء، متواضعًا، كثير المروءة. لا يطلب منه قصد أحد في حاجة إلا يجيب، وربما اعتذر إليه المشفوع إليه، ولم يجبه، فيطلب منه العود إليه، فيعود. تصدر بالجامع العتيق بمصر، وبمسجد الأمير موشك بالقاهرة، وبالمدرسة الفاضلية، إلى أن توفي في تاسع رمضان سنة خمس وستمائة. ومولده سنة ثمان عشرة وخمسمائة - رحمه الله تعالى -. ومنهم: [٦٦] محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي المقرئ مسند العصر، تقي الدين أبو عبد الله الصائغ، المصري، الشافعي، الشروطي. هو الصائغ المصري، والسائغ ورده الكوثري المنوّع فنونًا، المنوه باسمه فتونًا، المنوّل ما ترك البرق مضطربًا يهجس ظنونًا. لم يبق من قراء مصر إلا من نقع منه غُلله، وأعرض عن النيل، وقنع بعقده المنظم، وخلى التاج بسبع وجوه، وجبين الجبهة، وقد غص بالإكليل. قرأ بعدة كتب، وحصل الفقه والقراءات، وطرفًا من العربية، وأعاد بالطيبرسية وغيرها، وولي عقد الأنكحة، وعُمر دهرًا، وازدحم عليه القراء؛ لتفرده، فتلا عليه بالسبع طلبة الديار المصرية. وكان عارفًا بالقراءات معرفة جيدة، متين الديانة، قوي العربية. وحج، وجاور أشهرًا، ولم يبق في طبقته إلى بعد العشرين وسبعمائة أحد. وكتب له شيخنا العلامة أبو حيان في إجازة شهد عليه فيها: «أشهدني شيخنا الإمام العلامة شيخ المقرئين، ورئيس المتصدرين، حامل راية الرواية، والإسناد، ملحق الأحفاد بالأجداد، تقي الدين بما وضع به خطه في سنة تسع عشرة وسبعمائة. ومولده سنة ست وثلاثين وستمائة. وبذكر هذا تم ذكر القراء، ونمَّ المسك بختام أهل الإقراء، وسنعقب ذكرهم بالمحدثين المفضلين بالاستقراء، ونصل بضوء الصباح سنى الليلة القمراء ليجيء الشيء ومثله، وينضم الشكل وشكله، ويعلم إذا انقضى من ذكرنا من قراء الأمة في كل زمان، وكبراء الأئمة من حفظة القرآن بأنه قد تمت الختمة وكملت في الشرق والغرب بهم القسمة، ولم يبق إلا أن نلحق بأهل الكتاب أهل السنة. * * *

стр. 1509

[مشاهير الحفاظ من أهل الحديث، مشاهير فقهاء المحدثين] [مشاهير الحفاظ من أهل الحديث في الجانب الشرقي] وسنبدأ بالمحدثين بالجانب الشرقي أخذًا بالترتيب، وابتداء بالبحر الزاخر ثم القليب، ونفتتحهم بالإمام العلم أحفظ أهل الأرض، وهو: [١] أبو هريرة الدوسي اليماني (١) صاحب رسول الله ﷺ وإن كان في الرواية واحدًا من ركب، نهلوا كلهم من

стр. 1510

مكرع، وشربوا جميعهم من منبع، فإنه أمسى هنا بالذكر من بقية أصحابه؛ لأنه هو الذي تروى وَرَى ورَوِي وربما تدأدأ دون المطلع، وتكأكأ عن بعض ما عليه أطلع خوفًا في تلك الأيام التي وقدت متنها، وقَدَّتْ الطَّلى والأبدان محنها، فكتم ولم يبح، وكعم فمه ولم ينح، وقعد قائمه عن شُعَب تلك الأهواء، ولم يرح، وخمد برقه في عوارض تلك الفتن ولم يلح. وروى أنه كان يقول: الصلاة خلف علي أفضل، وطعام معاوية أدسم، والقعود فوق التل أسلم. وقد كان أكثر القوم ملازمة للنبي ﷺ قال: كنت ألزمه لشبع بطني وإخواننا يلهيهم البيع والصفق بالأسواق. واسمه على الأشهر عبد الرحمن بن صخر في الإسلام، وفي الجاهلية عبد شمس. وكني بأبي هريرة؛ لأنه كان يرعى غنمًا، فوجد أولاد هر وحشية، فلما أبصرهُنّ، وسمع أصواتهنّ، أخبر أباه، فقال له: أبو هر. قال أبو هريرة نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني، وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا، وأحتطب إذا نزلوا. فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وأبا هريرة إمامًا.

стр. 1511

وقدم مهاجرًا ليالي فتح خيبر وذلك في صغره سنة سبع، وحفظ عن النبي ﷺ الكثير وروى عنه نيفًا وخمسة آلاف حديث. قال الإمام أبو عبد الله البخاري: روى عنه ثمانمائة نفس أو أكثر. وقال أبو هريرة: حفظت عن رسول الله ﷺ دعائين، فأما أحدهما، فبثثته، وأما الآخر، فلو بثثته، لقطع هذا البلعوم. وقال أبو صالح السمان: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد ﷺ . وقال أبو هريرة: لا أعرف أحدًا من أصحاب محمد ﷺ أحفظ لحديثه مني. وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، وكان أبو هريرة من كبار أئمة العلم والفتوى مع الجلالة، والعبادة، والتواضع، وكثرة التلاوة، والذكر. قال أبو عثمان النهدي: تضيفتُ أبا هريرة سبعًا، وكان هو وامرأته يعتقبون الليل أثلاثًا، يصلي هذا، ثم يوقظ الآخر، فيصلي، ثم يوقظ الثالث. وكان أبو هريرة من أصحاب الصفة، فقيرًا ذاق جوعًا وفاقة، ثم بعد النبي ﷺ صلح حاله، وكثر ماله. وقال أبو هريرة: لقد رأيتني أصرع من الجوع بين القبر والمنبر، حتى يقولوا: مجنون، فيجلس الرجل على صدري، فأرفع رأسي، فأقول: ليس الذي ترى، إنما هو الجوع. ثم إن أبا هريرة ولي إمرة المدينة، وناب أيضًا عن مروان في إمرتها، وكان يمر في السوق يحمل الحزمة، وهو يقول: أوسعوا الطريق للأمير. وكان يقول لبنته: لا تلبسي الذهب فإني أخشى عليك اللهب. وقال أبو هريرة قال لي رسول الله ﷺ : ألا تسألني من هذه الغنائم؟ فقلت: أسألك أن تعلمني ما علمك الله. فنزع نَمِرَةٌ على ظهري فبسطها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى القمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعبت حديثه، قال: اجمعها، فصرها إليك. قال: فأصبحت وأنا لا أسقط حرفًا. وقال أبو هريرة: إني لأستغفر الله، وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة، وذلك على قدر ديتي، وكان له خيط فيه ألفا عقدة، لا ينام حتى يسبح به، وكان آدَمَ بعيد ما بين المنكبين أفرق الثنيتين له ضفيرتان يخضب بالحمرة، وكان من أصحاب الصفة، وله مسائل معروفة أفتى فيها بحضرة فقهاء الصحابة. وقال رسول الله ﷺ : اللهم حبب عُبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما.

стр. 1512

توفي سنة ثمان وخمسين في قول جماعة، وقيل سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة تسع. وأما من نذكره من مشاهير الحفاظ فمنهم: [٢] محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي، الزهري (١) المدني، الإمام، والمدني ما نأى على الأفهام المتوقد؛ لأنه ابن شهاب، المتوقل لأنه على ذيل الأصحاب المتوقي الزلل فما حفظ شيئًا، ثم نسيه، ولا استحضره، ثم غاب، الناهض به شرف الأسرة في زهرة بن كلاب، والنابض عرقه في أعراق التراب، والنافض صبغ دجى الليل بضوء صبحه المنجاب، والناقض حبال الآراء أنكاثًا برأيه الصواب، الطالع في أقمار زهرة حيث تُشرق خؤولة النبوة، ويُشرب في قلوب الآباء حبّ البنوة، ويلوي ذوائب لؤي بن غالب على ما تجل مفارقه أن تمس بالطيب، أو تدخن بالألوة. ولد سنة خمسين، ورأى جماعة من الصحابة وحدّث عنهم وعن كبار التابعين. وروى عنه جماعة من الأئمة منهم: مالك بن أنس، والسفيانان. وقال أبو داود: حديثه ألفان ومائتان، النصف منها مسند. وقال أبو الزناد: كنا نطوف مع الزهري على العلماء، ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما سمع.

стр. 1513

وقال الليث: ما رأيت عالمًا قط أجمع من الزهري. يحدث في الترغيب، فنقول: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب، قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة، فكذلك. وقال الزهري: ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد نشري. وقال عمر بن عبد العزيز: لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري. وقال مالك: بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت الدينار عند أحد أهون منه عند الزهري، كأنه بمنزلة البعر. وروي عن عمرو بن دينار أنّه قال: أيُّ شيءٍ عند الزهري؟ أنا لقيت ابن عمر، وابن عباس، ولم يلقهما. فقدم الزهري مكة، فقال عمرو: احملوني إليه، وكان قد أقعد فحُمِلَ إليه، فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليل، فقالوا له كيف رأيته؟ فقال: والله ما رأيت مثل هذا الفتى القرشي. وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟، فقال: ابن شهاب. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدًا أعلم بالسنة الماضية منه. وقال سعيد بن عبد العزيز: أدّى هشام عن الزهري سبعة آلاف دينار، وكان يؤدب ولده، ويجالسه. وقال سعيد أيضًا: سأل هشام بن عبد الملك الزهري أن يُملي على بعض ولده شيئًا فأملى عليه أربعمائة حديث، وخرج الزهري فقال: أين أنتم يا أصحاب الحديث؟ فحدثهم بتلك الأربعمائة، ثم لقي هشامًا بعد شهر أو نحوه، فقال للزهري: إنّ ذلك الكتاب ضاع، فدعا بكاتب، فأملها عليه، ثم قابل بالكتاب الأول، فما غادر حرفًا واحدًا. ومن حفظ الزهري أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلةً، وقال: ما استعدت عالمًا قط. وقال مالك: قدم الزهري المدينة فأخذ بيد ربيعة ودخلا بيت الديوان؛ فلما خرجا وقت العصر خرج ابن شهاب وهو يقول: ما ظننت أنَّ بالمدينة مثل ربيعة، وخرج ربيعة وهو يقول: ما ظننت أن أحدًا بلغ من العلم ما بلغ ابن شهاب. وقال معمر: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، يقول: من علم الزهري. وكان الزهري إذا

стр. 1514

جلس في بيته، وضع كتبه حوله يشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يومًا: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر. ولم يزل الزهري مع عبد الملك، ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه. وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وقيل بعد ذلك، ودفن في ضيعته أدامي بين الحجاز والشام. ومنهم: [٣] قتادة بن دعامة بن قتادة الحافظ العلامة أبو الخطاب السدوسي، البصري (١) الأكمه، المفسّر الأكمل في فتح المعسر الأكمد بسبقه لقلب البرق المتلظي، ونفس الرّعد المتحسّر. حجة إليه يُرجع، وقدوة عنه لا يُرجَع، لم تعرف بعده تيهًا خُطا

стр. 1515

البصرة كيف تدوس، ولا ضربت ترددًا في رأيها أخماسها في أسداسها سدوس، ولا قدر أن يستثبت شعاعه ذو نظر حسير، ولا ينازع ذو عينين أنه هو بالنسبة إليه ضرير، لا يطاوله ممتد إلا ويرجع وباعه القصير، ولا يناظره إلا ويعود وقد أظهر عجزه، وقال: «قل هل يستوي الأعمى والبصير». قال معمر: أقام قتادة عند سعيد بن المسيب ثلاثة أيام، فقال له في اليوم الثالث: ارتحل يا عمي، فقد أنزفتني. وقال قتادة: ما قلت لمحدّث قط: أعد عليّ وما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي. وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس. وقال معمر: سمعت قتادة يقول: ما في القرآن آيةٌ إلا وقد سمعت فيها شيئًا. وقال أحمد بن حنبل: قتادة عالم بالتفسير وباختلاف العلماء. ووصفه بالفقه والحفظ، وقال: قل أن تجد من يتقدمه. وقال قتادة: ما أفتيت بشيء منذ عشرين سنة. وقال معمر: قلت للزهري أقتادة عندك أعلم أو مكحول؟، قال: بل قتادة. وقال أحمد بن حنبل: كان قتادة احفظ أهل البصرة لا يسمع شيئًا إلا حفظه. قرأت عليه صحيفة جابر، فحفظها. وقال شعبة: قصصتُ على قتادة سبعين حديثًا كلّها يقول فيها: سمعت أنس بن مالك إلا أربعة، ومع حفظه وعلمه بالحديث كان رأسًا في العربية، واللغة، وأيام العرب، والنسب. وقال أبو عمرو بن العلاء: كان قتادة من أنسب الناس. وقال بكر بن عبد الله: من سره أن ينظر إلى أحفظ من أدركناه، فلينظر إلى قتادة. وقال ابن المسيب: ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة. ومات بواسط في الطاعون سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل سنة سبع عشرة، وله سبع وخمسون سنة. ومنهم:

стр. 1516

[٤] شعبة بن الحجاج بن الورد (١) الحجة الحافظ، شيخ الإسلام أبو بسطام الأزدي العتكي مولاهم، الواسطي. نزيل البصرة، ومحدثها، وله قديمها، ومحدثها زادت به الأزد أزد شنوءة شرفًا في يمنها، وإشراقًا على هامة ابن ذي يزنها، بقية فضل سبى سبأها، وسبق على جناح الهدهد نبأها، وأخرج بقية الدر والبحر الذي في صدره خبأها، وأمد بقريحته الرياح اللواقح، وأمسكت المهاب هبأها. وكان متحرجًا في دينه لا يوسعه التسمح به، ولا التبجح به إلا في منقلبه. تقي يبذخ بشرفه، ويشمخ لولا التواضع في لين منعطفه. قال الحاكم: سمع من أربعمائة من التابعين. وقال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. وكان الثوري يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وقال الشافعي: لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق. وقال أبو بحر البكراوي: ما رأيتُ أحدًا أعبد الله من شعبة. لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه واسود. وقال عمرو بن هارون: كان يصوم الدهر. وقال أبو قطن: ما رأيت شعبة قد ركع إلا ظننتُ أنه نسي، ولا سجد إلا قلت: نسي، وكانت ثيابه لونها كالتراب. وقال أبو داود: سمعتُ من شعبة سبعة آلاف حديث.

стр. 1517

وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمةً واحدةً في هذا الشأن - يعني الرجال. وبصره بالحديث - ووهبه المهدي ثلاثين ألف درهم، فقسمها، وأقطعه ألف جريب، فقدم البصرة، فلم يجد شيئًا يطيب له، فتركها. وقال الأصمعي: لم نَرَ أحدًا قط أعلم بالشعر من شعبة. قال لي: كنت ألزم الطرماح أسأله عن الشعر. وقال شعبة: كان قتادة يسألني عن الشعر، فقلت: أنشدك بيتًا، وتحدثني حديثًا. وقال أبو قطن: قال لي شعبة: ما شيء أخوف عندي أن يدخلني النار من الحديث. اتفقوا على موته سنة ستين ومائة. ومنهم: [٥] عبد الرحمن بن مهدي، أبو سعيد البصري (١) الحافظ الكبير، والعلم الشهير، والعلى الذي لا يتناولها من النجوم منير، وقارًا لا يفتح لديه عين، واستحضارًا لا يمد عليه غين، اشتهارًا تخفى معه الشموس، وتغض

стр. 1518

مقل النجوم الشوس، بحفظ لا تنافره الشوارد ولا تنافيه الموارد، ولا تنافحه الصبا إلا ويعد من فعلها البارد، لا يشغله وَرِقُ الدنيا عن الدين، ولا يشغفه شك الباطل بحق اليقين. قال أيوب بن المتوكل: كنا إذا أردنا أن ننظر إلى الدين والدنيا ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي. وقال إسماعيل: سمعتُ علي بن المديني يقول: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي. قلت له: - وقد أتقنت حديث الأعمش - من يفيدني عن الأعمش؟ فأطرق ثم ذكر لي ثلاثين حديثًا ليست عندي تتبع أحاديث الشيوخ الذين لم ألقهم. وقال محمد بن أبي بكر المقدمي: ما رأيت أحدًا أتقن لما سمع، ولما لم يسمع لحديث الناس من عبد الرحمن بن مهدي. إمام ثبت أثبت من يحيى بن سعيد، وكان عرض حديثه على سفيان. وقال القواريري: أملى علي ابن مهدي عشرين ألف حديث حفظًا. وقال ابن مهدي: ما تركت حديث رجل إلا ودعوت الله له وأُسمّيه.

стр. 1519

وقال يحيى بن عبد الرحمن: قام أبي ليلة، وكان يُحيي الليل، فلما طلع الفجر، رمى بنفسه على الفراش، حتى طلعت الشمس، فجعل على نفسه أن لا يجعل بينه وبين الأرض شيئًا، فقرح فخذاه. وقال ابن مهدي: لو كان لي سلطان لألقيتُ من يقول بخلق القرآن في دجلة بعد أن أضرب عنقه. وقال العجلي: شرب ابن مهدي حبّ البلاذر، فبرص، وكان فقيهًا بصيرًا بالفتوى، عظيم الشأن، وكان لا يتحدّث في مجلسه، ولا يُبرى قلم، ولا يقوم أحد كأنما على رؤوسهم الطير، وكأنهم في صلاة. وقال علي بن المديني: لو حُلِّفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أر مثل عبد الرحمن. وكان يقول: أعلم الناس بقول الفقهاء السبعة الزهري، ثم بعده مالك، ثم بعده ابن مهدي، وكان وِرْدُهُ كل ليلة نصف القرآن. وقال الذهلي: ما رأيتُ في يد عبد الرحمن كتابًا قط. ومات في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة وورثه بنوه، وأبوه مهدي، وكان عاميًا. ومنهم: [٦] أبو داود الطيالسي، واسمه سليمان بن داود بن الجارود الفارسي الأصل، البصري (١) من أهل الطلب الذين بلغوا الفضل وتداولوه. ورجال فارس الذين لو أنَّ

стр. 1520

العلم في الثريا؛ لتناولوه، روى الحديث ولقي أهله، وتروّى منه، ولم يقنع بنهله، وعجل إليه تلقفه من الأفواه، وتلقمه فم القلم وحلق الرواة، إشفاقًا أن يختانه النسيان، أو يحتاله الضياع في الأحيان، على أنه ما خلا من تغليط، ولا خبا كوكبه وقد أكثر عليه غبش علمه التخليط. قال الفلاس وابن المديني: ما رأينا أحفظ منه. وقال رفيقه ابن مهدي: هو أصدق الناس. قال أبو داود: كتبت عن ألف شيخ. وقال وكيع: ما بقي أحد يحفظ لحديث طويل من أبي داود، فبلغه ذلك، فقال: ولا قصير. وقال عمر بن شبة: كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث. قال الحافظ الذهبي: كان يتكل على حفظه، فغلط في أحاديث. مات سنة أربع ومائتين، وكان من أبناء الثمانين. ومنهم:

стр. 1521

[٧] يحيى بن يحيى، أبو زكريا التميمي النيسابوري (١) الحافظ، شيخ خراسان، وموضع نطق كل لسان، نسب إلى نيسابور، وحسب أنه الطود الصبور، وصدر منه في خراسان ما ملأ كل صدر، وخبأ الخمول معه كل قدر عجائب شَيَّبَتْ لمم جبالها، وشيبت ديم أنوائها رواشق نبالها. كان تميمة لتميم، وضميمة إليه غولة كل حميم - أنشر من رفاتها كل رميم، وانشق من عبق ريحانها كل شميم، وأنسى كل سالف إلا أنه غير ذميم. قال الحاكم: هو إمام عصره بلا مدافعة. ولد سنة اثنتين وأربعين ومائة. وقال ابن راهويه: ما رأيت مثل يحيى بن يحيى، ولا أظنّه رأى مثل نفسه. وقال أحمد بن حنبل: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه. وقال الذهلي: ما رأيت أحدًا أجل، ولا أخوف لربه من يحيى بن يحيى؛ ولو أشاء، لقلت: هو رأس المحدثين في الصدق. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يثني على يحيى ويقول: ما أخرجت خراسان مثله، كنا نسميه يحيى الشكاك من كثرة ما كان يشك في الحديث،

стр. 1522

يعني أنه كان كلما توقف في كلمة أبطل سماعه لذلك الحديث، ولم يروه. قال ابن راهويه ظهر ليحيى نيف وعشرون ألف حديث، ومات يوم مات، وهو إمام أهل الدنيا. ومات في صفر سنة ست وعشرين ومائتين، وكان أسنّ من الشافعي بثمانية أعوام. ومنهم: [٨] علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي (١) مولاهم المديني ثم البصري حافظ العصر، وقدوة أرباب هذا الشأن. صاحب التصانيف الكثير عددها الكبير مددها النثير كالنجوم بددها، الغزير معينها، لا تدرك أقمارها؛ داريها ولا درها، لا يعادل وزنه الرجيح، ولا يوازي حده وهو نجيح، حفظ المضاع، وحيز له الحديث كأنما تلقنه بولادته في سعد من الرضاع. ولد سنة إحدى وستين ومائة. قال أبو حاتم: كان ابن المديني علمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل، وما سمعت أحمد بن حنبل سمّاه قط، إنما كان يكنيه تبجيلًا له. وقال ابن عيينة: تلومونني على حبّ ابن المديني والله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. وكان ابن عيينة يسميه حية الوادي. وقال عبد الرحمن بن مهدي: أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ابن المديني وخاصة بحديث سفيان. وقال النسائي: كأن ابن المديني خُلق لهذا الشأن. وقال البخاري: ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. وقال أبو داود: علي بن المديني أعلم من أحمد باختلاف الحديث. ومناقبه جمة، لولا ما كدرها بتعلّقه بشيء من مسألة القرآن، وتردّده إلى أحمد

стр. 1523

ابن أبي دواد إلا أنه تنصل وندم وكفّر من قال بخلق القرآن - فالله يرحمه -. ومات بسامراء في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين. قال العلامة أبو زكريا النووي: لابن المديني نحو مائتي مصنف. ومنهم: [٩] يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام البغدادي (١) الحافظ المشهور، الحافل سحابه، المشرق على الربى أثار ذيله المجرور، تدفّق منه ابن معين، وأشرق به على بغداد ليل طلع صاحبه من كمين، وعلا نسبه إلى بسام،

стр. 1524

وهو ضحاك سرورًا بما قدم، وحبورًا بأنَّه على ما أسلف من عمل صالح تقدم، ويقينًا يقيه بأنه سيقدم على الله تحت رأيه رواية حديث نبيه ﷺ . كان أبوه كاتبًا لعبد الله بن مالك، وقيل: إنه كان على خراج الري، فمات، فخلف لابنه يحيى المذكور ألف ألف درهم، وخمسين ألف درهم، فأنفق المال جميعه على الحديث، حتى لم يبق له نعل يلبسه. وسئل: كم كتبت من الحديث؟، فقال: كتبتُ بيدي هذه ستمائة ألف حديث. وخلف من الكتب مائة قمطر، وأربع جباب شرابية مملوءة كتبًا؛ وهو صاحب «الجرح والتعديل». وروى عنه الحديث كبار الأئمة كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، وغيرهم من الحفاظ، وكان بينه وبين الإمام أحمد من الصحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور لا حاجة الى الإطالة بذكره. وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين، فليس هو بحديث. وكان يقول: صاحبنا خلقه الله لهذا الشأن، يُظهر كذب الكذابين - يعني يحيى بن معين -. وقال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير، قتادة، وعلم

стр. 1525

الكوفة إلى أبي إسحاق، والأعمش، وعلم الحجاز إلى ابن شهاب، وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة، وشُعبة، ومعمر، وحماد بن سلمة، وأبي عوانة، ومن أهل الشام إلى الأوزاعي، وانتهى علم هؤلاء إلى محمد بن اسحاق، والهيثم، ويحيى بن سعيد، وابن أبي زائدة ووكيع، وابن المبارك، وهو أوسع هؤلاء علمًا، وابن مهدي، ويحيى بن آدم، وصار علم هؤلاء جميعًا إلى يحيى بن معين. وكان يحج، فيذهب إلى مكة على المدينة، ويرجع على غير المدينة. فلما كان آخر حجّة حجّها، خرج على المدينة، ورجع على المدينة، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفقائه، فباتوا، فرأى في النوم هاتفًا يهتف به: يا أبا ذكريا، أترغب عن جواري؟ فلما أصبح قال لرفقائه: امضوا فإني راجع إلى المدينة، فمضوا ورجع، فأقام بها ثلاثًا، ثم مات، فحمل على أعواد النبي ﷺ وذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. كذا قال الخطيب. [١٠] عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي (١) مولاهم الكوفي أبو بكر الحافظ. العديم النظير، الثبت النحرير، صاحب المسند، والمصنف، والمقلد والمشنف. حرّر النقول، وحبّر تصانيفه بأحاديث الرسول، وابقى بعده ما هو قدوة

стр. 1526

للاتباع، وذروة للأتباع، وأُسوة في إزالة الابتداع. علمًا ظهر، وفضلًا بَهَر، ورواية لا يحدث كإروائها عن البحر، ولا النهر، وتفننًا لا يلقط شبيه أفنانه من الثمر، ولا الزهر، وظهورًا كالشمس، لا بل سار ضوؤها مثله، ولا أشتهر. قال الفلاس، وأبو زرعة الرازي: - ما رأينا أحفظ من أبي بكر ابن أبي شيبة. وقال أبو عبيد: انتهى الحديث إلى أربعة: فأبو بكر أسردهم له، وأحمد أفقههم له، وابن معين أجمعهم له، وابن المديني أعلمهم. وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأحفظهم له عند المذاكرة أبو بكر بن شيبة. وقال أبو عبيد: أحسنهم وضعًا لكتاب أبو بكر بن أبي شيبة. وقال الخطيب: كان أبو بكر متقنًا، حافظًا، صنّف المسند، والأحكام، والتفسير. قال البخاري: مات في المحرم سنة خمس وثلاثين ومائتين. ومنهم: [١١] عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي الدارمي (١) السمرقندي صاحب المسند العالي، والمقلّد بالدر الغالي، والذي إذا عرضت على مناقبه

стр. 1527

الدرر. قال لا تصلح هذه اللآلي إلا لي تعرضت له الدنيا، فأعرض عن زخارفها، وتنكر لها؛ لمعرفته بمعارفها، وردّ عليها ما خوّلت من غرورها، ونولت من سرورها، هذا وهو بسمرقند حيث يضرب المثل رونق صغدها، ومونق رغدها، ومشرق ضحوات يومها وغدها، أنفةً أن يتدنس بآثامها، أو يُفتتن بما تحت لثامها ورعًا وزهدًا، ودينًا عمر به دارًا ولَحْدًا. سمع بالحرمين، ومصر والشام والعراق، وخراسان، وحدث عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وخلائق. قال أبو بكر الخطيب: كان أحد الحفاظ والرحالين، موصوفًا بالثقة والزهد والورع. استقضي على سمرقند، فقضى قضية واحدة، ثم استعفي، فأعفي، وكان على غاية العقل، وفي نهاي الفضل، يُضرب به المثل في الديانة، والحلم، والاجتهاد، والعبادة، والتقلل صنّف المسند، والتفسير، وكتاب الجامع. وذكر أحمد بن حنبل الدارمي فقال: عُرضت عليه الدنيا، فلم يقبل.

стр. 1528

وقال رجاء بن مُرجّى: رأيت الشاذكوني، وابن راهويه - وسمّى جماعة - فما رأيت أحفظ من الدارمي. وقال أبو حاتم: عبد الله الدارمي إمام أهل زمانه. توفي يوم التروية سنة خمس وخمسين ومائتين. ومنهم: [١٢] الإمام العلم، أبو عبد الله البخاري واسمه: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي (١) مولاهم. صاحب الجامع الصحيح المقدم على الصحاح، والمجرّب للنجاح، والمشهور منه في نُوب النوائب سلاح يعرف على التجريب، ونجاح يتحف بالفرج القريب، وجناح يلحف بشعار النصر، وقد كادت سهام الأعداء تصيب، والمعد مفتاحًا لأبواب الحوائج إذا تعسرت أقفالها، وصلاحًا لأدواء الأيام إذا فسدت أحوالها، وصباحًا إذا

стр. 1529

طغت في سيل الليل النجوم، وطعنت ذبالها. وهو الذي ما سبق إلى ترتيبه، ولا عُرف كيف الوصول إليه من تبويبه، ولا ادعى أحد مثل ضبطه، ولا قدر على التوفية بشرطه، وما برح من فضله يغترف، وبتفضيله يعترف. وأكثر الناس على أنه في كتب الحديث أصح كتاب، وأسح سحاب، وأفسح معتى يدخل إليه من كل باب، تدفّق، فاستوشلت البحار، وتألق، فتدأدأت الأقمار، وطلع من بخارى، فعقد الشكر عليها سحاب عنبر من بخار، وهمع ما وراء النهر، نوؤه فرقصت في وشاح الحبب الأنهار، وقطع مؤلفه به الدنيا حتى دخلت عليه الملائكة قائلة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (١). رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان، والجبال، ومدن العراق والشام، ومصر، والحجاز. ولما قدم، اجتمع إليه أهلها، واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية. قال محمد بن أبي حاتم الورّاق: قلتُ لأبي عبد الله البخاري كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟، قال: ألهمت حفظ الحديث، وأنا في الكتاب، وقد أتى علي عشر سنين، أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلتُ أختلف إلى الداخلي وغيره. وقال يومًا فيما كان يقرأ للناس سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقلتُ له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل، ونظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟، فقلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه، فقال: صدقت، فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟، فقال: ابن إحدى عشرة سنة، فلما طعنت في ستّ عشرة سنة، حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وكلام هؤلاء، ثم خرجت مع أمي وأخي أحمد إلى مكة. فلما حججت رجع أخي أحمد، وتخلفت بها في طلب الحديث، فلما طعنت في ثماني عشرة، جعلت أصنّف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى عند قبر النبي ﷺ في الليالي المقمرة. وقال الفربري: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل، فقال: أقرئه مني السلام.

стр. 1530

وكان البخاري إذا كان أول ليلة من شهر رمضان يجتمع إليه أصحابه، فيصلي بهم، ويقرأ في كل ركعة عشرين آية؛ وكذلك إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في السحر ما بين النصف إلى الثلث من القرآن، فيختم عند السحر في كلّ ثلاث ليال، وكان يختم بالنهار كل يوم ختمة، ويكون ختمه عند الإفطار كلّ ليلة، ويقول: عند كلّ ختمة دعوة مستجابة. وقال البخاري: أرجو أن ألقى الله، ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا. وكان يصلي ذات يوم،، فلسعه الزنبور سبع عشرة. فلما قضى صلاته: قال انظروا ايش هذا الذي أذاني في صلاتي؟، فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته. وقال محمد بن بشار: حفاظ الدنيا أربعة أبو زرعة بالري، ومحمد بن إسماعيل ببخاري ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند. وقال البخاري: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي بحديث، فقلتُ: لا أعرفه فسروا بذلك، وصاروا إلى عمرو، فقالوا: ذاكرنا محمد بن إسماعيل بحديث فلم يعرفه، فقال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وقال أبو علي البغدادي: كان البخاري يجلس ببغداد، وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا. وقال أبو أحمد بن عدي: سمعتُ عدة مشايخ يحكون أنَّ البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها، وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها؛ فلما اطمأن المجلس، انتدب إليه رجل من الغرباء، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري لا أعرفه، فما زال يلقى عليه واحدًا بعد واحد. حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: فهم الرجل، ومن كان منهم غير ذلك، يقضي على البخاري بالعجز والتقصير، وقلة الفهم، ثم انتدب رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول في

стр. 1531

كل ذلك: لا أعرفه، ثم انتدب له الثالث، ثم الرابع إلى تمام العشرة، حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة المائة، ولا يزيدهم البخاري على قوله: لا أعرفه؛ فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم، وقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، وحديثك الثاني كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فردّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، ورد متون الأحاديث إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. وقال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلار البيكندي، فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيًا يحفظ سبعين ألف حديث، قال: فخرجت في طلبه حتى لقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث قال: نعم، وأكثر منه، ولا أجيئك بحديث من الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم، ووفاتهم، ومساكنهم، ولستُ أروي حديثًا من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . وقال أبو سعيد بن منير: بعث الأمير خالد الذهلي - والي بخارى - إلى البخاري: أن احمل كتاب الجامع، والتاريخ، وغيرهما؛ لأسمع منك، فقال البخاري لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلى شيء منه حاجة فأحضرني إلى مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا، فأنت سلطان، فامنعني من المجلس؛ ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة؛ لأني لا أكتم العلم لقول النبي ﷺ : من سئل عن علم فكتمه، ألجم بلجام من نار. قال: وكان سبب الوحشة بينهما هذا. وقال ابن أبي حاتم: كان البخاري إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيت واحد إلا في القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم في ليلة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة، فيوري نارًا بيده، ثم يُخرج أحاديث، فيعلم بها، ثم يضع رأسه، وكان يصلّي في وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر بواحدة، وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك كل هذا ولا توقظني، قال: أنت شاب، فلا أحب أن أفسد عليك نومك، ورأيته استلقى على قفاه يومًا، ونحن بغربر في تصنيف كتاب التفسير، وكان أتعب نفسه في كثرة إخراج الحديث، فقلتُ له: يا أبا عبد الله سمعتك تقول يومًا: إني ما أتيت شيئًا بغير علم قط منذ عقلت. قلتُ: وأي علم في هذا الاستلقاء؟، قال: أتعبنا أنفسنا في هذا اليوم، وهذا ثغر من الثغور خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح وآخذ

стр. 1532

أهبة ذلك، فإن غافصنا العدو، كان بنا حراك. وقال البخاري: صنّفت كتابي الصحيح في سنّ عشرة سنة، وخرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى، وما وضعت فيه حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين وكتبت عن ألف شيخ. وأكثر ما عندي حديث لا أذكر إسناده، وربّ حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، وربّ حديث سمعته بالشام كتبته بمصر. وقال عبد القدوس بن عبد الرحمن السمرقندي: جاء البخاري إلى خرتنك - قرية من قرى سمرقند على فرسخين منه - وكان له بها أقرباء فنزل عندهم، قال فسمعته ليلة من الليالي - وقد فرغ من صلاة الليل - يدعو، ويقول في دعائه: اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. قال: فما تم الشهر حتى قبضه الله إليه، وقبره بخرتنك. وقال عبد الواحد بن أحمد الطواويسي: رأيتُ النبي ﷺ في النوم ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقف في موضع ذكره، فسلمتُ عليه فردّ علي السلام، فقلت: ما وقوفك يارسول الله، فقال: أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري؛ فلما كان بعد أيام بلغني موته، فنظرنا فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيت النبي ﷺ فيها، وكان ذلك ليلة السبت عند صلاة العشاء، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظهر سنة ست وخمسين ومائتين بخرتنك. ومولده يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة. ومنهم: [١٣] محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، أبو عبد الله النيسابوري الذهلي (١) مولاهم شيخ الإسلام، وحافظ نيسابور، وحافل سحابها المجرور، حفظه متسع، ولفظه يدل على أنه مطلع، وِرْدُهُ عِدّ، وفرنده عقد، استفاء من إليه أوى،

стр. 1533

واستفاد من أقبل عليه وروى بتقريب يُسوّغ لطالب موارده المناهل، ويفطن الراغب لفوائده، وما هو عن ذهليّة الحي ذاهل، تفردًا في ذلك الأوان، وأشجأ ما زاد قرنه الذي قطعه الحصر معه على أن تعرّض للهوان، وأظهر المسالمة لجهلة قومه، وقال: [من الهزج] صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ … وَقُلْنَا القَوْمُ اخْوَانُ سمع بالحرمين، ومصر، والشام، والعراق، والري، وخراسان، واليمن، والجزيرة، وبرع في هذا الشأن، وحدث عنه خلق والجماعة سوى مسلم، وانتهت إليه مشيخة العلم بخراسان، مع الثقة والصيانة والدين، ومتابعة السنن. وقال محمد بن سهل بن عسكر: كنا عند أحمد بن حنبل، فدخل يحيى الذهلي، فقام إليه أحمد، وتعجب الناس منه، وقال لأولاده وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله، فاكتبوا عنه. وقال أحمد: ما رأيت أحدًا أعلم بحديث الزهري من محمد بن يحيى. وقال الذهلي؛ قال لي علي بن المديني: أنت وارث الزهري. وقال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه. وقال أبو بكر بن زياد: كان الذهلي أمير المؤمنين في الحديث. وقال الذهلي: ارتحلت ثلاث رحلات، وأنفقت على العلم مائة وخمسين ألفًا. وقال الدارقطني: من أراد أن يعرف قصور علمه، فلينظر في علل حديث الزهري لمحمد بن يحيى.

стр. 1534

وقال أبو عمرو، وأحمد بن نصر الخفاف: رأيت محمد بن يحيى، فقلت: ما فعل الله بك؟، قال: غفر لي، قلت: فما فعل بحديثك؟، قال: كتب بماء الذهب ورفع في عليين. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، وهو في عشر التسعين. ومنهم: [١٤] أحمد بن الفرات (١)، الحافظ الحجة، أبو مسعود الرازي محدث أصبهان، وصاحب التصانيف الحسان، رقت حواشيها، وقرت عيونًا بأن النجوم لا تماشيها، صنفها ابن الفرات، وكأنها بين ضفتيها تترقرق، وبين دفتيها تجمع من جدا جداولها ما تفرّق؛ فهي عذبة سلسال، ذات تدفق واسترسال، وسعت الزمان إملاءا فيما يفيد، وأخذت الزمام وقد ضاقت بمدارجها البيد. أكثر الترحال في لقى الرجال. قال أبو مسعود: كتب عن ألف وسبعمائة شيخ، فعملت من ذلك في تواليفي خمسمائة ألف حديث. وقال أحمد بن حنبل: ما أظن بقي أحد أعرف بالمسندات من ابن الفرات. وقال أيضًا: ما تحت أديم السماء أحفظ لأخبار رسول الله ﷺ من ابن الفرات. وقال ابن عدي: لا أعرف له رواية منكرة، وهو من أهل الصدق والحفظ.

стр. 1535

وكانت وفاته في شعبان سنة ثمان وخمسين ومائتين. ومنهم: [١٥] مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أبو الحسين (١) أحد الأئمة الحفاظ أعلام المحدثين، وفي أعلى مقام المتقدمين والمحدثين، المفضل بعد صحيح البخاري كتابه إلا ما ذهب إليه بعضهم من أنه هو المقدم، والأولى بأن يُقدّم، وحذاق المحدثين إذا خرجوا مما خرجاه مما اختلفا في لفظه، جعلوا اللفظ لمسلم على ما خرّجه في صحيحه، وعملوا عليه لكثرة تصحيحه، وعُنْتِ تنقيحه، ولأهل المغرب في التعويل عليه ميل، ولهم إلى الانصباب إليه سيل، وعذرًا لمن أغرى بصحيحه عذرا، لقد وفي في شرط تصحيحه نذرًا، حتى لقد كاد يُعدّ فردًا لا يقاس إلى شبهه، وراويًا للخبر يجيء به كما قيل في حديث عائشة في الأضاحي: لقد أتتك بالحديث على وجهه، لقد أبطل شُبه كل مضل مذ جلا كل مظلم، وأزال دعوى كل باطل بما صح من حديثه؛ فإنه لا شيء أصح من حديث مسلم.

стр. 1536

رحل إلى الحجاز، والعراق والشام ومصر، وقدم بغداد غير مرة، وآخر قدومه إليها سنة تسع وخمسين ومائتين. قال مسلم: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في الحديث. وقال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وقال أحمد بن عمر الزاهد: سمعت الثقة من أصحابنا - وأكبر ظني أنه أبو سعيد ابن يعقوب - يقول: رأيتُ فيما يرى النائم كأن أبا علي الزعوري يمضي في شارع الحيرة، وفي يده جزء من كتاب مسلم، فقلت له: ما فعل الله بك؟، قال: نجوت بهذا، وأشار إلى الجزء. وقال أحمد بن سلمة: عقد لأبي الحسين مسلم مجلس المذاكرة، فذكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار: لا يدخل أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أهديت لنا سلّة فيها تمر، فقال: قدموها فقدموها إليه، وكان يطلب الحديث، ويأخذ تمرة تمرةً، فيمضغها، فأصبح، وقد فني التمر، ووجد الحديث. قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات. قال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: أملى علينا إسحاق بن منصور سنة إحدى وخمسين ومائتين، ومسلم ينتخب عليه، وأنا أستملي، فنظر إسحاق بن منصور إلى مسلم فقال: لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين. توفي مسلم عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس، وقيل: لست بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، ومولده سنة ست ومائتين، وقيل: سنة أربع ومائتين. ومنهم: [١٦] محمد بن يزيد بن ماجه الربعي (١) بالولاء القزويني، أبو عبد الله الحافظ مصنف كتاب السنن.

стр. 1537

وحسبك بابن ماجه بحرًا ماج، فطفى من دره ما رسب، وطودًا مال لو لم يمسك الغمام من ذيله بحسب، وحبرًا ما رأى أحد أفضل مما منه يكتسب، ربعي بالولاء، لا بل هو ربيع توالى قطره الساكب، وتولّى الغمام ثم جرى في أرضه نهر، إلا أنه ما استطاع أن يمر بها وهو راكب. طاف وارتحل، وطاب موقعه كالغيث حيث حلّ، وأعمل نظره فيما فرضه الشارع وسنه، وفسر كتاب الله، وروى حديث رسوله، فقام بالكتاب والسنة. كان إمامًا في الحديث، عارفًا بعلومه وجميع ما يتعلق بعلومه. ارتحل إلى العراق، والبصرة والري، والكوفة، وبغداد، ومكة، والشام، ومصر؛ لكتب الحديث. وله تفسير القرآن، وتاريخ مليح، وكتابه أحد الكتب الستة. توفي يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وصلى عليه أخوه أبو بكر. ومولده سنة تسع ومائتين. ومنهم: [١٧] عُبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ القرشي مولاهم الرازي، أبو زرعة (١) سيد من سادات القوم، وسند ما انقطع إلى اليوم.

стр. 1538

من موالي قريش النجباء، وبقاياهم الألباء، فضل الصريح، وفضّل بالصحيح، اشتهر فيمن روى الحديث، ورأى أدنى مطالبه موكلًا بالسير الحثيث، فشد اليعملات، وسد مهاب الفلاة، حتى وسع فروج الارتحال، وخروج التحصيل به من حال إلى حال، حتى صار مأوى إليه تحط الرحال، وحقًا في الطلب بلا محال. سمع بالحرمين، والشام، ومصر، والعراق، والجزيرة، وخراسان. وكان من أفراد الدهر حفظًا، وذكاءًا، ودينًا، وإخلاصًا، وعلمًا، وعملًا. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: نزل عندنا أبو زرعة، فقال لي أبي: يا بني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ. وقال أبو زرعة: كتبت عن ابن أبي شيبة مائة ألف حديث، وعن إبراهيم بن موسى الرازي مائة ألف حديث، فقيل له: تقدر أن تُمل ألف حديث من حفظك؟، قال: لا، ولكني إذا ألقي علي عرفت. واستفتى رجل أبا زرعة قال: حلفت بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: تمسك بامرأتك. وقال ابن أبي شيبة: ما رأيتُ أحفظ من أبي زرعة. وقال علي بن الجنيد: ما رأيتُ أعلم من أبي زرعة.

стр. 1539

وقال أبو يعلى الموصلي: كان أبو زرعة مشاهدته أكبر من اسمه بحفظ الأبواب والشيوخ والتفسير. وقال صالح جزرة: سمعت أبا زرعة يقول: أحفظ في القراءات عشرة آلاف حديث. وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أكثر تواضعًا من أبي زرعة. وقال عبد الوارث بن غياث: ما رأى أبو زرعة مثل نفسه. وقال أبو حاتم: ما خلف أبو زرعة بعده مثله، ولا أعلم منه، وكان يحفظ هذا الشأن مثله، وقل من رأيت في زهده. توفي أبو زرعة في آخر يوم من سنة أربع وستين ومائتين. ومنهم: [١٨] سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي السجستاني (١)، أبو داود أحد حفاظ الحديث، وعلمه، وعلله، وحفّاز الفهم الصحيح في معرفة سداده،

стр. 1540

وخلله، ممن فقه في الدين، وفهق غديره الصافي مما امتلأ للواردين. زاد على من سبقه وما قصّروا ذكاءًا وفهمًا، وأصاب وما أخطأوا ظنًا ومرمى، وأشبهت فطنته السليمانية فطنة مسماه فوافق المسمى المُسمِّي وما تعداه. لقد أظله وإياهم سحاب تغشاهم رحمته إلا أنهم أخطأهم، وقدح له ولهم زنادًا أراهم ضياءه، لكنه أصابه ما أخطاهم. ثم قال التثبت؛ إذ سبق الأوائل مهلًا سبقت، وما توانى أولئك أناةً وحلمًا، وقال الفهم حين أصاب الصواب: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (١). كان في الدرجة العالية من النسك والصلاح، طوّف البلاد، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين والمصريين، والجزريين. وجمع كتاب السنن قديمًا، وعرضه على أحمد بن حنبل، فاستجاده، واستحسنه. وعده أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء من جملة أصحاب الإمام أحمد. قال إبراهيم الحربي: لما صنّف أبو داود كتاب السنن ألين له الحديث كما أُلِينَ لداود الحديد. وكان يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني السنن - جمعتُ فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح، وما يشبهه، ويقاربه. ويكفي الإنسان من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قوله ﷺ : «الأعمال بالنيات». والثاني قوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». والثالث قوله: «لا يكون المرء مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه». والرابع قوله: «الحلال بين والحرام بين». وجاءه سهل بن عبد الله التستري، فقيل له: يا أبا داود هذا سهل قد جاءك زائرًا، قال: فرحب به وأجلسه فقال: يا أبا داود لي إليك حاجة قال: وما هي؟، قال: حتى تقول قضيتها، قال: أقضيها مع الإمكان، قال: أخرج لسانك الذي حدثت به عن رسول الله ﷺ حتى أقبله. قال: فأخرج لسانه، فقبله.

стр. 1541

توفي بالبصرة يوم الجمعة منتصف شهر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين. ومولده سنة اثنتين ومائتين. ومنهم: [١٩] محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي (١)، أبو حاتم الرازي أحد الأعلام، وأحد سيوف الإسلام، من تجوّل وطاف لا تسعى به إلا قدمه، ولا تصحبه إلا هممه، يقطع الأرض ركضًا، ويقنع بما هو عليه من الدأب، ويرضى حتى أخذ من الحديث الشريف النبوي زاده الله شرفًا ما شُدّ به إليه لأجله الرحل والقتب، وألاق له كل طالب داوته، وكتب. قال أبو حاتم: أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا، ثم إلى الرملة

стр. 1542

ماشيًا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة، وكتبت عن النفيلي نحو أربعة عشر ألفًا. قال موسى بن إسحاق الأنصاري: ما رأيت بعد محمد بن يحيى الذهلي أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: قلتُ على باب أبي داود الطيالسي من أغرب علي حديثًا صحيحًا، فله درهم. وكان ثمَّ خَلْق: - أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يُلقى علي ما لم أسمع به؛ لأذهب إلى راويه وأسمعه، فلم يتهيأ لأحد أن يُغرّب علي. قال: وسمعت أبي يقول: قدم الري محمد بن يحيى فألقيت عليه ثلاثة عشر حديثًا من حديث الزهري، فلم يعرف إلا ثلاثة أحاديث. وقال: بعتُ ثيابي سنة أربع عشرة، ونفقتُ ثمنها حتى نفد، وجعتُ يومين فأعلمتُ رفيقي، فقال: معي دينار فأعطاني نصفه. وطلعنا مرة من البحر، وقد فرغ زادنا، فمشينا ثلاثة أيام لا نأكل شيئًا، فألقينا بأنفسنا، فسقط رفيقنا شيخ مغشيًا عليه، فجئنا نحركه، وهو لا يعقل، فتركناه، ومشينا فرسخًا، فسقطت مغشيًا علي، ومضى صاحبي، فرأى على بعد سفينة، فنزلوا الساحل، فلوح بثوبه، فجاؤوا، فسقوه، فقال: أدركوا رفيقين لي. فما شعرت إلا برجل يرش على وجهي الماء، ثم سقاني، ثم أتوا بالشيخ، فبقينا حتى رجعت إلينا أنفسنا. توفي أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين وله اثنتان وثمانون سنة. ومنهم: [٢٠] أبو عيسى الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي (١) الحافظ المشهور. أحد الأئمة المقتدى بهم في علم الحديث، والمقتفي وفد الرياح إليه في السير الحثيث.

стр. 1543

أخذ عن البخاري وما نهنه عن طلبه، ولا ضحضح في قلبه، حتى استقى من سحبه، وارتوى بأعذبه، حام حيث حلّق وطار معه أو به تعلّق، وأتقن التصنيف، وقال وحقق، فاز قِدْحُ ترمذ منه بأحد الأئمة المشاهير، وعاشت به ما عاشت، وما علمت أن ابنها من قريش في الجماهير، كيف لا يكون منهم، وقد ذكر من حديث سيدهم بل سيد البشر ما كان حضر به معهم في أنديتهم، وعلم من أخبارهم ما كأنه كان به في جلابيب أرديتهم، وتبرجت سليم فخرًا به وسرورًا بنسبه. لقد أعقبت ابن مرداسها العباس بجده الضحاك، وقاست به من مضى، ثم قالت: اين لولا سابق الصحبة هذا من ذاك؟. ثم نقعت قبيلته غُلل صداها بكوثره، وجلت حائل قذاها منه بما لا يعزوه الكحال إلى سليم من نفع أصغره. صنف كتاب «الجامع والعلل» تصنيف رجل متقن، وكان يضرب به المثل في الحفظ. وهو تلميذ أبي عبد الله البخاري، ومع هذا فشاركه في بعض شيوخه (١). توفي ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. ومنهم: [٢١] أبو عبد الرحمن النسائي، أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الحافظ (٢) أنسى كثيرًا ممن تقدم، وأرسى ثبيرًا أو يَلَمْلَم، وأسرى للطلب والريح قد ونت،

стр. 1544

والنجم قد هوّم، وكان بجديه لا يجبن له جنان، ولا يُخطاه نحره، ولا ترد له جملة، وهو يطعن بسنان، ويكاثر ببحر رفعت به متلعة جيدها نسا، وطلعت في سطور تصانيفه الشموس مسا، وقام في أهل دمشق ليقوم مُناد، نصبهم، ويقشع عنهم مُدْ هَامَ غضب ربهم، وأراد أعلامهم بما لعلي كرم الله وجهه من علو قدر، وسابقة إن أنكرتها الطلقاء، فسل عنها سيفه يوم بدر، فعجلت الحمية لهم نار الغضب، وكوت حنق صدورهم ببعض ما أعد لهم في المنقلب، ووثبوا بالرجل، ولكن الطود لا يزعزعه من وثب. وكان إمام عصره في الحديث، سكن مصر، وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس. قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إنَّ أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية، وما روى من فضائله، فقال: أما يُرضي معاوية أن يخرج رأسًا برأس حتى يفضل.

стр. 1545

وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا: «لا أشبع الله بطنك»، وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في خصييه، حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة، فمات بها. وقال الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة. وقال أبو نعيم: كان قد صنّف كتاب «الخصائص» في فضل علي بن أبي طالب وأهل البيت، وأكثر روايته فيه عن أحمد بن حنبل، فقيل له: ألا تصنف كتابًا في فضل الصحابة؟ فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي كثير فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب. وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وكان مليح الوجه، ظاهر الدم مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستماع، ويكثر أكل الديوك الكبار تشترى له، وتخصى، وتسمن، وكان موصوفًا بكثرة الجماع. قال ابن عساكر: كان له أربع زوجات يقسم لهنَّ، وسراري. وقال ابن يونس في تاريخ مصر: قدم أبو عبد الرحمن النسائي مصر قديمًا، فكان إمامًا في الحديث وثقة، ثبتًا حافظًا، وخرج من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة. ثم حكى وفاته كما قدمناه. وقال ابن خلكان: ورأيت في مسوداتي أنَّ مولده بنسا سنة خمس عشرة ومائتين. ومنهم: [٢٢] أبو جعفر الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير (١) الإمام العلم الفرد، صاحب التصانيف، فلا لِمَمَ البيداء، ولم يهب ظلم الليلة
следующие страницы →