← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

توفي بالبصرة يوم الجمعة منتصف شهر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين. ومولده سنة اثنتين ومائتين. ومنهم: [١٩] محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي (١)، أبو حاتم الرازي أحد الأعلام، وأحد سيوف الإسلام، من تجوّل وطاف لا تسعى به إلا قدمه، ولا تصحبه إلا هممه، يقطع الأرض ركضًا، ويقنع بما هو عليه من الدأب، ويرضى حتى أخذ من الحديث الشريف النبوي زاده الله شرفًا ما شُدّ به إليه لأجله الرحل والقتب، وألاق له كل طالب داوته، وكتب. قال أبو حاتم: أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا، ثم إلى الرملة

стр. 1542

ماشيًا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة، وكتبت عن النفيلي نحو أربعة عشر ألفًا. قال موسى بن إسحاق الأنصاري: ما رأيت بعد محمد بن يحيى الذهلي أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: قلتُ على باب أبي داود الطيالسي من أغرب علي حديثًا صحيحًا، فله درهم. وكان ثمَّ خَلْق: - أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يُلقى علي ما لم أسمع به؛ لأذهب إلى راويه وأسمعه، فلم يتهيأ لأحد أن يُغرّب علي. قال: وسمعت أبي يقول: قدم الري محمد بن يحيى فألقيت عليه ثلاثة عشر حديثًا من حديث الزهري، فلم يعرف إلا ثلاثة أحاديث. وقال: بعتُ ثيابي سنة أربع عشرة، ونفقتُ ثمنها حتى نفد، وجعتُ يومين فأعلمتُ رفيقي، فقال: معي دينار فأعطاني نصفه. وطلعنا مرة من البحر، وقد فرغ زادنا، فمشينا ثلاثة أيام لا نأكل شيئًا، فألقينا بأنفسنا، فسقط رفيقنا شيخ مغشيًا عليه، فجئنا نحركه، وهو لا يعقل، فتركناه، ومشينا فرسخًا، فسقطت مغشيًا علي، ومضى صاحبي، فرأى على بعد سفينة، فنزلوا الساحل، فلوح بثوبه، فجاؤوا، فسقوه، فقال: أدركوا رفيقين لي. فما شعرت إلا برجل يرش على وجهي الماء، ثم سقاني، ثم أتوا بالشيخ، فبقينا حتى رجعت إلينا أنفسنا. توفي أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين وله اثنتان وثمانون سنة. ومنهم: [٢٠] أبو عيسى الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي (١) الحافظ المشهور. أحد الأئمة المقتدى بهم في علم الحديث، والمقتفي وفد الرياح إليه في السير الحثيث.

стр. 1543

أخذ عن البخاري وما نهنه عن طلبه، ولا ضحضح في قلبه، حتى استقى من سحبه، وارتوى بأعذبه، حام حيث حلّق وطار معه أو به تعلّق، وأتقن التصنيف، وقال وحقق، فاز قِدْحُ ترمذ منه بأحد الأئمة المشاهير، وعاشت به ما عاشت، وما علمت أن ابنها من قريش في الجماهير، كيف لا يكون منهم، وقد ذكر من حديث سيدهم بل سيد البشر ما كان حضر به معهم في أنديتهم، وعلم من أخبارهم ما كأنه كان به في جلابيب أرديتهم، وتبرجت سليم فخرًا به وسرورًا بنسبه. لقد أعقبت ابن مرداسها العباس بجده الضحاك، وقاست به من مضى، ثم قالت: اين لولا سابق الصحبة هذا من ذاك؟. ثم نقعت قبيلته غُلل صداها بكوثره، وجلت حائل قذاها منه بما لا يعزوه الكحال إلى سليم من نفع أصغره. صنف كتاب «الجامع والعلل» تصنيف رجل متقن، وكان يضرب به المثل في الحفظ. وهو تلميذ أبي عبد الله البخاري، ومع هذا فشاركه في بعض شيوخه (١). توفي ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. ومنهم: [٢١] أبو عبد الرحمن النسائي، أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الحافظ (٢) أنسى كثيرًا ممن تقدم، وأرسى ثبيرًا أو يَلَمْلَم، وأسرى للطلب والريح قد ونت،

стр. 1544

والنجم قد هوّم، وكان بجديه لا يجبن له جنان، ولا يُخطاه نحره، ولا ترد له جملة، وهو يطعن بسنان، ويكاثر ببحر رفعت به متلعة جيدها نسا، وطلعت في سطور تصانيفه الشموس مسا، وقام في أهل دمشق ليقوم مُناد، نصبهم، ويقشع عنهم مُدْ هَامَ غضب ربهم، وأراد أعلامهم بما لعلي كرم الله وجهه من علو قدر، وسابقة إن أنكرتها الطلقاء، فسل عنها سيفه يوم بدر، فعجلت الحمية لهم نار الغضب، وكوت حنق صدورهم ببعض ما أعد لهم في المنقلب، ووثبوا بالرجل، ولكن الطود لا يزعزعه من وثب. وكان إمام عصره في الحديث، سكن مصر، وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس. قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إنَّ أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية، وما روى من فضائله، فقال: أما يُرضي معاوية أن يخرج رأسًا برأس حتى يفضل.

стр. 1545

وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا: «لا أشبع الله بطنك»، وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في خصييه، حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة، فمات بها. وقال الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة. وقال أبو نعيم: كان قد صنّف كتاب «الخصائص» في فضل علي بن أبي طالب وأهل البيت، وأكثر روايته فيه عن أحمد بن حنبل، فقيل له: ألا تصنف كتابًا في فضل الصحابة؟ فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي كثير فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب. وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وكان مليح الوجه، ظاهر الدم مع كبر السن، يؤثر لباس البرود النوبية والخضر، ويكثر الاستماع، ويكثر أكل الديوك الكبار تشترى له، وتخصى، وتسمن، وكان موصوفًا بكثرة الجماع. قال ابن عساكر: كان له أربع زوجات يقسم لهنَّ، وسراري. وقال ابن يونس في تاريخ مصر: قدم أبو عبد الرحمن النسائي مصر قديمًا، فكان إمامًا في الحديث وثقة، ثبتًا حافظًا، وخرج من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة. ثم حكى وفاته كما قدمناه. وقال ابن خلكان: ورأيت في مسوداتي أنَّ مولده بنسا سنة خمس عشرة ومائتين. ومنهم: [٢٢] أبو جعفر الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير (١) الإمام العلم الفرد، صاحب التصانيف، فلا لِمَمَ البيداء، ولم يهب ظلم الليلة

стр. 1546

السوداء، بل ركب جنح غمامها المربد، وقبل ثغر برقها المبيض عارضه المسود، وقذف في فائض بحره سفنه، ومدَّ مع عارض فجره رسنه، وألقى حبل جوزائه على غاربه، وحدا ظعن ظلمائه إلى مغاربه، وأقبل يشقُّ الأرض شقًا، ويمشق حروف المطي في سطر المهمه الممتد مشقًا، لا يدع سهلًا حتى يطوي ذيل نمرقه، ولا جبلًا حتى يغصه فوق مفرقه، ولا بحرًا إلا قَطَعَهُ، ولا إلا إلا قَطَّعَهُ، إلى أن لقي بغيته وأحرزها ومطلبه، وحصل جواهره وكنزها، لكنها علوم نافعة، وغيوم ناقعة، وحديث نبوي جمع أطرافه، وضمّ طرافه، حتى صنف التفسير الذي صدقت فيه الأحلام، وسبقت لتلقيه الأقلام أنقذ به من الضلالات، وأخرج إلى نور المعرفة من ظلم الجهالات، وأقام به الحق بأوضح الدلالات، بفرط اجتهاد شق به الصديعين، وشدّ رحلة الشتاء والصيف والربيعين. ولم ير هلال شهر، ثم عرف متى انمحق، ولا كيف اتصل بالعدم والتحق؛ لشواغله بالطلب الذي لا ينتهي، والأرب الذي بغيره لا يلتهي، والفضل المكتسب الذي لو قال له: ما مُنَاك من الدنيا؟ لقال: أنت هي، وكان لا يُخاط جفنه بغرار، ولا يُحاط قلبه بقرار، ولا يزال يهمه رجل يلقاه، وعِلْم لا يضُرّه أنه يحصله ويموت إذا أبقاه. قال أبو بكر الخطيب: كان ابن جرير أحد الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه؛ لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا

стр. 1547

لكتاب الله، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن عالمًا بالسنن وطرقها، وسقيمها وصحيحها، ناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين، بصيرًا بأيام الناس، وأخبارهم له الكتاب المشهور الكبير في «تاريخ الأمم»، وله كتاب «التفسير» الذي لم يصنّف مثله، وله كتاب تهذيب الآثار لم أر مثله في معناه، ولم يتمه، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة، وله اختيار من أقاويل الفقهاء، وقد تفرد بمسائل حفظت عنه. قال: - قيل: إنَّ المكتفي أراد أن يقف وقفًا يجتمع عليه أقاويل العلماء، فأحضر له ابن جرير، فأملى عليهم كتابًا لذلك، فأخرجت له جائزة، فلم يقبلها، فقيل له: فلا بد من قضاء حاجة، قال: أسأل أمير المؤمنين أن يأمر بمنع السائلين من الفقراء يوم الجمعة - يعني في المساجد - ففعل ذلك. وكذا التمس منه الوزير أن يعمل له كتابًا في الفقه، فلما ألّفه وجه إليه بألف دينار فردها. وقيل: مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة. وقال تلميذه أبو محمد الفرغاني: حسب تلامذة أبي جعفر منذ احتلم إلى أن مات، فقسموا على المدّة، مصنفاته، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة. وقال أبو حامد الأسفرائيني: لو سافر رجل إلى الصين في تفسير ابن جرير لم يكن كثيرًا. وقال أبو بكر بن خزيمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير. وقال الفرغاني: كان ابن جرير لا تأخذه في الله لومة لائم من عظم ما يؤذى. فأما أهل الدين والعلم، فغير منكرين علمه، وزهده، ورفضه للدنيا، وقناعته بما يجيئه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان. وقال عبيد الله بن أحمد السمسار: قال ابن جرير يومًا لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم؟ قالوا: كم يجيء؟ فذكر نحوًا من ثلاثين ألف ورقة، قالوا: هذا ما تفنى الأعمار قبل تمامه، فقال: إنا لله! ماتت الهمم، فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولما أراد أن يُملي التفسير، قال لهم كذلك، ثم أملاه على نحو من التاريخ. وقال الفرغاني: بث ابن جرير مذهب الشافعي ببغداد سنين، واقتدى به ثم اتسع علمه، وأداه اجتهاده إلى ما اختار في كتبه، وعُرض عليه القضاء، فأبى. وقال ابن جرير: من قال: إنَّ أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى، يُقتل. توفي عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن بداره برحبة

стр. 1548

يعقوب، وشيعه إلى المسجد، ثم إلى القبر خلق لا يحصيهم إلا الله عدة شهور، ورثاه خلق من أهل الأدب والدين ﵀. وكان السواد فيه كثيرًا، ولم يغير شيبه، وكان أسمر إلى الأدمة، أَعْيَنَ، نحيف الجسم فصيحًا. ومنهم: [٢٣] محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة، أبو بكر السلمي النيسابوري (١) إمام الأئمة، شيخ الإسلام. ومن شهد له خزيمة، فحسبه، ومن جحد فضله، فجحوده حَصْبُه، فاحت خزامي تصانيفه بما قصم دونه القيصوم، وتحدّر عن لمم الشيح لؤلؤ الطلّ المنظوم، وغدا بها أبو بكر أبو بكرٍ من كل تصنيف، وأخو كل عذراء من كلّ معنى لطيف، وهيج بها كل وجد، وجاء يقص بها الأخبار عمن حلّ بنجد، فما انتظر بها جفن صبّ خيالًا من أهيمة، ولا أنكر شِنْشِئَةٌ، قال أعرف هذه من أخزم ولا شيمة، قال: هذه أعرفها من ابن خزيمة. ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وعُني بهذا الشأن في الحداثة وسمع فأكثر، وجود، وصنف، واشتهر اسمه، وانتهت إليه الإمامة والحفظ بخراسان وحدث عنه

стр. 1549

الشيخان في غير الصحيحين، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم أحد شيوخه، وخلق لا يحصون. قال ابن خزيمة: كنت إذا أردت أن أصنّف الشيء، دخلت في الصلاة مستخيرًا، حتى يفتح لي فيها، ثم أبتدء. ثم قال أبو عثمان الزاهد: إنَّ الله ليدفع البلاد عن أهل نيسابور بابن خزيمة. وسئل ابن خزيمة، من أين أوتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : ماء زمزم لما شرب له، وإني لما شربت ماء زمزم، سألت الله علمًا نافعًا. وقيل له: لو حلقت شعرك في الحمام، فقال: لم يثبت عندي أنَّ رسول الله ﷺ دخل حمامًا، ولا حلق شعره - يعني في غير حجّ، أو عمرة، إنما يأخذ شعري جارية لي بالمقراض. وقال حفيده محمد بن الفضل بن أبي بكر: كان جدّي لا يدخر شيئًا جهده، بل ينفقه على أهل العلم، ولا يعرف السنج ولا يميز بين العشرة والعشرين. وقال أبو أحمد حُسَيْنَك: سمعت أبا بكر بن خزيمة يحكي عن علي بن خَشْرم، عن ابن راهوية، أنه قال: أحفظ سبعين ألف حديث، فقلت لأبي بكر: فكم يحفظ الشيخ؟ فضربني على رأسي، وقال: ما أكثر فضولك. ثم قال: يا بني ما كتبت سوادًا في بياض إلا وأنا أعرفه. وقال أبو علي النيسابوري: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه، كما يحفظ القارئ السورة. وقال أبو حاتم محمد بن حبّان: ما رأيت على وجه الأرض مَنْ يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزيادتها، حتى كأنّ السنن كلها بين يديه إلا ابن خزيمة فقط. وحكى أبو بشر القطان: أنَّ جارًا من أهل العلم، لابن خزيمة، رأى كأن لوحًا عليه صورة نبينا ﷺ وابن خزيمة يصقله، فقال المعبر: هذا رجل يُحيي سنة رسول الله ﷺ . وقال ابن سريج: - وذكر له ابن خزيمة - فقال يستخرج النكت من حديث رسول الله ﷺ بالمنقاش. وقال العالم في علوم الحديث: فضائل ابن خزيمة مجموعة عندي في أوراق كثيرة ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابًا سوى المسائل المصنفة وهي أكثر من

стр. 1550

مائة جزء، وله «فقه حديث بريرة» في ثلاثة أجزاء. وسئل ابن أبي حاتم، فقال: ويحكم هو يُسأل عنا، ولا نسأل عنه. هو إمام يقتدى به. توفي في ثاني ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وهو في تسع وثمانين سنة. ومنهم: [٢٤] أبو عوانة الإسفراييني، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري (١) الحافظ صاحب «المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج»، المسلم إليه في الاحتجاج، الاسفراييني الذي ما حط له رحل من سفر، ولا حُلَّ له عقد منى إلا عن ظفر، ولا تجنب ناحية من الأرض إلا وهو نحو أخرى يريدها، ولا أقل مدة مقام في بلد إلا لمدة في سواها يستزيدها. رميت الفجاج منه بحليم يوقر بوخد مطية سفهها، وعليم يجلى بصدق يقينه سفهها، طاف البلاد حتى ملت من سراه، وواصل الأيام، حتى يئست الليالي من كراه، وانتهت السباسب وخدًا، وأفنى الحقائب شدا، وطلب الحديث فحصله حتى صار

стр. 1551

سواءً عليه ما أعاد وما أبدى طاف الشام، ومصر، والبصرة، والكوفة، وواسط، والجزيرة، واصبهان، وفارس، والريّ، والحجاز واليمن، وحج خمس مرات. قال الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث واثباتهم، ومن الرحالة في أقطار الأرض؛ لطلب الحديث. توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة، وقبره بأسفرايين مزار العالم، ومتبرك الخلق. ومنهم: [٢٥] عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (١) أبو بكر العلامة قدوة المحدثين. صاحب التصانيف، والمقتدر على حسن التصريف رحل رحلة بعدت أطرافًا،

стр. 1552

وعقدت على مشرق الشمس ومغربها طرافًا، وعمدت إلى الأرض من جانبيها تحاول عليها إشرافًا، وتقاول على طرفيها إسرافًا، ثم قال في بلد دار الخلافة، وقال ولا مخافة، وأملى وما أمل، وقال ما لا قلّ، وجلب طريف الحديث إلى تلك السوق، وطفق يحثّ الركاب مسحًا بالأعناق والسوق، وحلَّ ببغداد واسامها، وقال: لا مَسَّكِ الأَيْنُ والتعب بعدها يا نوق. ولد بإقليم سجستان سنة ثلاث ومائتين، وسمع سنة أربعين باعتناء أبيه، ولذكائه بخراسان، والعراق، والحرمين، ومصر والشام، وغير ذلك. وبرع وساد الأقران، وحدث عنه خلق كثير. قال الخطيب: رحل به أبوه من سجستان، فطوف به شرقًا وغربًا، يسمع، ويكتب واستوطن بغداد، وصنَّف «المسند» و «السنن» و «التفسير» و «القراءات» و «الناسخ والمنسوخ» وغير ذلك، وكان فقيهًا، عالمًا، حافظًا. قال عبد الله بن أبي داود: دخلت الكوفة - ومعي درهم واحد - فاشتريت به ثلاثين مدّ باقلى، فكنت آكل منه، وأكتب عن الأشج، فما فرغ الباقلى، حتى كتبت عنه ثلاثة آلاف حديث ما بين مقطوع ومرسل. قال أبو بكر بن شاذان: قدم ابن أبي داود أصبهان - وفي نسخة سجستان - فسألوه أن يحدثهم، فقال: ما معي أصل، فقالوا: ابن أبي داود أصل. قال: فأثاروني فأمليت عليهم من حفظي ثلاثين ألف حديث؛ فلما قدمت بغداد، قال البغداديون: مضى إلى سجستان، ولعب بهم، ثم فيجوا فيجًا اكْتَرَوه بستة دنانير إلى سجستان، ليكتب لهم النسخة فكتبت، وجيء بها، وعُرضت على الحفاظ فخطأوني في ستة أحاديث، ثلاثة منها حدثت بها كما حدثت، وثلاثة أخطأت فيها. وقال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ يقول: ألزموني، فحدثت من حفظي بأصبهان بستة وثلاثين ألفًا، الوهم فيها في سبعة؛ فلما انصرفت وجدت في كتابي خمسة منها على ما كنت حدثتهم به. وقال الحافظ أبو بكر الخلال: كان ابن أبي داود أحفظ من أبيه. وقال صالح بن أحمد الهمذاني الحافظ: كان ابن أبي داود إمام أهل العراق،

стр. 1553

ونصب له السلطان المنبر، وكان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو. وقال ابن شاهين: أملى علينا ابن أبي داود، وما رأيت بيده كتابًا. إنما كان يملي حفظًا، وكان يقعد على المنبر بعد ما عَمِي، ويقعد دونه بدرجة ابنه بيده كتاب، فيقول له: حديث كذا، فيسرده من حفظه حتى يأتي على المجلس، قرأ علينا يومًا حديث القنوت - من حفظه - فقام أبو تمام الزينبي وقال: الله درك ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم الحربي، فقال: كلما كان يحفظ إبراهيم الحربي، فأنا أحفظه، وأنا أحفظ النجوم، وما كان يعرفها. وكان أبو بكر مع سعة علمه قوي النفس مُدِلًا. حكى أبو حفص بن شاهين: أنَّ علي بن عيسى الوزير أراد أن يُصلح بين ابن صالح وبين ابن أبي داود، فجمعهما، وحضر أبو عمر القاضي، فقال الوزير: يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك، فلو قمت إليه. قال: لا أفعل، فقال الوزير: أنت شيخ زيف، قال: الزيف الكذاب على رسول الله ﷺ ، فقال الوزير: من الكذاب على رسول الله؟ قال: هذا؛ ثم قام، وقال: تتوهم أني أذلّ لك؛ لأجل رزقي، وأنه يصل على يدك، والله لا أخذت من يدك شيئًا. قال: فكان المقتدر يزن رزقه بيده، ويبعث به في طبق على يد الخادم، وكان قد روي شيئًا من قول النواصب، فأخطأ بنقله، فشنّع عليه أنه نال من علي، فسعي في قتله، فخلصه من القتل عبد الله بن حفص الذاكوني، ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط، ثم رده علي بن عيسى، فحدث وأظهر فضائل عليّ، ثم تحنبل، فصار شيخًا فيهم. قال محمد بن عبيد الله بن الشخير: كان ابن أبي داود زاهدًا ناسكًا. صلى عليه يوم مات نحو من ثلاثمائة ألف إنسان، وأكثر. ومات في ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة، وله سبع وثمانون سنة وصلّى عليه ثمانين مرة. ومنهم: [٢٦] عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي (١)، أبو محمد شيخ الإسلام.

стр. 1554

سنّى لتميم طرق الفخار، وسنَّ لها عدم الفرار، وزاد كرم أسرتها المُفضّلة، وأعذب شارعها، فحلا مرّه، ولم يعد الحلاوة حنظله. ولدت منه تميميًا لا ينبو منه سيفها، ولا يجفو حلم الزائر طيفها. كفاك به، و. وحسبك رجلًا ملأ قلوبًا وجلا، وطاف البلاد، وجاء الحديث عجلًا، وطاب مجناه كأنما قطف نواره بكرًا، وقاله مرتجلًا. ولد سنة أربعين ومائتين، وارتحل به أبوه، فأدرك الأسانيد العالية، وسمع بالأقاليم خلائق، لكنه لم يرحل إلى خراسان. قال أبو يعلى الخليلي: أخذ علم أبيه، وأبي زرعة، وكان بحرًا في العلوم، ومعرفة الرجال، صنف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين، وكان زاهدًا يعد من الأبدال، وكتابه في الجرح والتعديل يقضي له بالرتبة المنيفة في الحفظ وكتابه في «التفسير» عدة مجلدات. وله مصنف كبير في «الردّ على الجهمية» يدلُّ على إمامته. قال علي بن أحمد الفرضي: ما رأيتُ أحدًا ممن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالة قط. ويروى أنَّ أباه كان يعجب من تعبّد عبد الرحمن، ويقول: من يقوى على عبادة عبد الرحمن. لا أعرف له ذنبًا. وقال علي بن إبراهيم الرازي الخطيب: كان عبد الرحمن قد كساه الله بهاء ونورًا يستر به من نظر إليه سمعته يقول: رحل بي أبي سنة خمس وخمسين وما احتلمتُ بعد؛

стр. 1555

فلما بلغنا ذا الحُلَيْفَة، احتلمت فستر أبي حيث أدركت حجة الإسلام. وقال ابن أبي حاتم: كنا بمصر سبعة أشهر لم نشرب فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ وبالليل ننسنح ونقابل، فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخًا، فقالوا: هو عليل، فرأينا سمكة أعجبتنا فاشتريناها؛ فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت تتغير، فأكلناها نيئة ولم نتفرغ نشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد. وقال ابن أبي حاتم: وقع عندنا الغلاء، فأنفذ بعض أصدقائي حبوبًا من أصبهان، فبعته بعشرين ألفًا، وقال: اشتر لي بها درًا، فأنفقتها على الفقراء وكتبت إليه: اشتريت لك بها قصرًا في الجنة، فقال: رضيت إن ضمنت، فكتبت على نفسي صكًا بالضمان، فأريت في المنام: قد قبلنا ضمانك، ولا تعد لمثل هذا. وقال محمد بن مهرويه: سمعتُ ابن الجنيد يقول: سمعتُ يحيى بن معين: إنَّا لنطعن على أقوام. لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من مائتي سنة، قال محمد بن مهرويه: فدخلت على ابن أبي حاتم، وهو يُحدّث بكتاب الجرح والتعديل، فحدثته بهذا فبكى، وارتعدت يداه، وسقط الكتاب، وجعل يبكي، ويستعيدني الحكاية. توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. ومنهم: [٢٧] أحمد بن محمد سعيد، أبو العباس الكوفي (١) مولى بني هاشم المعروف بابن عقدة حافظ العصر، والمحدث البحر، والمصيب في اللبة والنحر؛ لولا كثرة تخليطه، وتسليط نار الأعداء على سليطه؛ لكان قبسًا

стр. 1556

لهدى، وملتمسًا لندى، لكنه خبط العشواء، وخطب عقيلة الشمس العشاء، فحبط عمله أو كاد، وانبت أمله أو ماد، ونسب إليه الرفض، والله أعلم ببواطن الاعتقاد، والله المجازي وإنما للناس الانتقاد. حدث عن أمم لا يحصون، وكتب العالي والنازل، والحق والباطل حتى كتب عن أصحابه، وكان إليه المنتهى في قوة الحفظ، وكثرة الحديث، وصنف، وجمع، وألف في الأبواب، والتراجم. ورحلته قليلة، فلهذا كان يأخذ عن الذين رحلوا إليه، ولو صان نفسه، وجود، الضربت إليه أكباد الإبل، ولضرب بإمامته المثل، لكنه جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمين، ونسب إليه التشيع، فمقت. قال الدارقطني: أجمع أهل الكوفة أنه لم يُر بالكوفة من زمن ابن مسعود إلى زمن ابن عقدة أحفظ منه. وقال أبو أحمد الحاكم؛ قال لي ابن عقدة: دخل البرديجي الكوفة فزعم أنه أحفظ، فقلت: لا تُطوّل فتقدم إلى دكان وراق، ونزن بالقبان من الكتب ما شئنا ثم يلقى علينا، فبقي. وقال الدارقطني: قال ابن عقدة: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت، وبني هاشم. وقال ابن عقدة: أحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها. وقال الدارقطني: يعلم ما عند الناس، ولا يعلم الناس ما عنده. وقال أبو سعيد الماليني: أراد ابن عقدة أن ينتقل، فكانت كتبه ستمائة حملة. مولده سنة تسع وأربعين ومائتين، وتوفي سنة إحدى، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ومنهم:

стр. 1557

[٢٨] محمد بن حبّان بن أحمد بن حبّان (١) الحافظ العلامة أبو حاتم التميمي البستي (٢) صاحب كتاب «الأنواع والتقاسيم»، وهو الذي ما سبقه إلى مثله مؤلف، ولا سمق فرع برقٍ إلا وقلمه له، ورآه مخلف، ضرب مؤلّفه سرادقة في علياء العلم على رباه، واحتبى مصنفه له فيما حلّت سوى الفرائص حباه، وسرت نوافحه فود مسكي السحر لو غلف به صباه، وتمكّن حب حبانية من القلوب، فلم يبق سويداء القلب إلا أمتد نفسه، ولا سواد طرف إلا حباه بكر ما افترعته كف حادثة لتأليف، ولا اخترعته فكرة قريحة، وإنّما هو نبض الحديث لا بتزويق التصنيف. سمع أممًا لا يحصون من مصر إلى خراسان، وحدث عنه خلق. قال أبو سعيد الإدريسي: كان على قضاء سمرقند زمانًا، وكان من فقهاء الدين، وحفاظ الآثار، عالمًا بالظن والنجوم وفنون العلم. صنف المسند الصحيح، و «التاريخ»، وكتاب «الضعفاء»، وفقه الناس بسمرقند. وقال ابن حبان في كتاب الأنواع: لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ. وقال الحاكم: كان ابن حبّان من أوعية العلم في الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ، ومن عقلاء الرجال. وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية، وقال: ربّما غلط الغلط الفاحش في تصرفاته. توفي في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو في عشر الثمانين.

стр. 1558

ومنهم: [٢٩] أبو بكر بن الجعابي، واسمه محمد بن عمر بن محمد بن سلم التميمي البغدادي (١) قاضي الموصل الحافظ. فريد الزمان، ولسان الإحسان، وإن مان من مان، رُمي بأنه كان يتشيع، ومضى إلى الله واتبع هذا القول يُشيّع، جُرح وهو لا يتكعكع، وطعن فيه وهو لا يتضعضع، وتكلم فيه الناس، ومن هو الذي من أيديهم سلم، أو بمضارب ألسنتهم الحداد ما ثلم، من رام منهم السلامة طلب شططًا، وظن غلطًا، وضل وكان أمره فرطا، هيهات هل هم إلا نار تأكل بعضها بعضًا، وفأر تنهمك نابًا بناب قرضًا، وقالوا: رافضي. أكلُّ مَنْ أحبّ آل بيت محمد سموه بهذا، وسموا حبه رفضا؟!. سمع، وصنّف الأبواب والشيوخ، والتاريخ، وحدّث عنه الدارقطني، وابن شاهين وابن زرقويه، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو نعيم الحافظ، وهو خاتمة أصحابه، وخلق. قال أبو علي النيسابوري: ما رأيت في أصحابنا أحفظ من أبي بكر الجعابي، وذلك أني حسبته من البغداديين الذين يحفظون شيخًا واحدًا وترجمة واحدة، وبابًا واحدًا، فقال لي أبو إسحاق بن حمزة يومًا: يا أبا علي لا تغلط. ابن الجعابي يحفظ حديثًا كثيرًا. قال: فخرجنا يومًا من ابن صاعد، فقلت له: يا أبا بكر، أيش أسند الثوري عن منصور؟ فمر في الترجمة، فما زلت أجره من مصر إلى حديث الشام، إلى العراق، إلى أفراد الخراسانيين، وهو يجيب، إلى أن قلت: فأيش روى الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وأبي سعيد بالشركة؟ فذكر بضعة عشر حديثًا فحيرني حفظه. وقال ابن الجعابي: دخلت الرقة، وكان لي ثم قمطرين كتب، فجاء غلامي مغمومًا، وقال: ضاعت الكتب، فقلت: يا بني لا تغتم؛ فإن فيها

стр. 1559

مائتي ألف حديث لا يشكل علي منها لا إسناده ولا متنه. وقال أبو علي التنوخي: ما شاهدنا أحدًا أحفظ من أبي بكر بن الجعابي، وسمعت من يقول: إنه يحفظ مائتي ألف حديث ويجيب في مثلها، وكان يفضل الحفاظ بأنه كان يسوق المتون بألفاظها، وأكثر الحفاظ يتسمحون في ذلك، وكان إمامًا في معرفة العلل، وثقات الرجال، وتواريخهم، وما يطعن على الواحد منهم. لم يبق في زمانه من يتقدمه. وروى الخطيب بسنده عن الجعابي، قال: أحفظ أربعمائة ألف حديث، وأذاكر بستمائة ألف حديث. وقال الخطيب: سمعت ابن زرقويه يقول: كان ابن الجعابي يمتلئ مجلسه، وتمتلئ السكة التي يُملي فيها والطريق، ويحضره ابن المظفر والدارقطني، ويُملي الأحاديث بطرقها من حفظه. وروى عن رجاله: أن الجعابي كان يشرب في مجلس ابن العميد. وقال السلمي: سألت الدارقطني عن ابن الجعابي، فقال: خلط وذكر مذهبه في التشيع. قال الدارقطني: وحدثني ثقة أنه خلى ابن الجعابي نائمًا، قال: فكنت أراه ثلاثة أيام لم يمسه الماء. قال الأزهري: لما مات ابن الجعابي أوصى أن تحرق كتبه، فأحرقت، فكان فيها كتب الناس، فحدثني أبو الحسين بن البواب أنه كان له عنده مائة وخمسون جزءًا، فذهبت في جملة ما أحرق. وقال محمد بن عبيد الله المسبحي: كان ابن الجعابي قد صحب قومًا من المتكلمين، فسقط عند كثير من المحدثين، وأمر عند موته أن تحرق دفاتره بالنار، فاستقبح ذلك منه. وكان وصل إلى مصر، ودخل إلى الإخشيد، ثم مضى إلى دمشق، فوقفوا على مذهبه، فشردوه، فخرج هاربًا. قال ابن شاهين: دخلت أنا وابن المظفر، والدارقطني على ابن الجعابي وهو مريض، فقلت له: من أنا؟ قال: سبحان الله ألستم فلانًا وفلانًا، وسمّانا، فدعونا، وخرجنا، فمشينا خطوات، وسمعنا الصائح بموته ورجعنا من الغد، فرأينا كتبه تل رماد. توفي ابن الجعابي ببغداد في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.

стр. 1560

قال الأزهري: كانت سكينة - نائحة الرافضة - تنوح في جنازته. ومولده في صفر سنة أربع وثمانين ومائتين. ومنهم: [٣٠] سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني (١)، أبو القاسم مسند الدنيا، وآية الزمان الكبرى. خاض القفار لا يتخشّى زاخرها، ولا يتخشع أولها، ولا آخرها، بعزيمة لا يُفلّ مضربها، ولا يفك مضربها، ولا تنقضي من السفر نهمتها، ولا تفرغ من الوطر همتها. يركب الحَزْنَ والسهل، ويبيت عند الأجنبي والأهل، ويقطع بها الليل لا يلائم جنبه أرضًا، ولا يطعم جفنه غمضًا، ولا يعد الغربة إلا إذا كان في وطنه مبوًا، وفي سكنه مهنًا، حرصًا على طرائف الفائدة، وطلبًا للمعارف الزائدة، حتى حصل من الحديث ما أوقر منه أثباج الإبل، وملأ حضن المُحْتَبَل، وحفظ منه على الخلف نعم ما أحرزه السلف، وأتى منه بهدى ضلَّ بعده من شك أو اختلف. ولد سنة ستين ومائتين، وسمع سنة ثلاث وسبعين، وهلم جرا بمدائن الشام، والحرمين، واليمن ومصر، وبغداد والكوفة والبصرة، وأصبهان، والجزيرة، وغير ذلك. وحدث عن ألف شيخ أو يزيدون، وصنف «المعجم الكبير» وهو المسند، سوى

стр. 1561

حديث أبي هريرة، فكأنه أفرده في مصنف و «المعجم الأوسط» في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه يأتي عن كل شيخ بماله من الغرائب والعجائب فهو نظير كتاب «الأفراد» للدارقطني، بين فيه فضيلته، وسعة روايته، وكان يقول: هذا الكتاب روحي، فإنه تعب عليه، وفيه كل نفيس، وعزيز، ومبتكر. وصنف «المعجم الصغير»، وهو عن كل شيخ له حديث واحد، وصنف من المسانيد وغيرها شيئًا كثيرًا، وكان من فرسان هذا الشأن مع الصدق والأمانة. وسئل عن كثرة حديثه، فقال: كنت أنام على البواري ثلاثين سنة. وقال أبو نعيم: دخل الطبراني أصبهان سنة تسعين، فسمع وسافر وشافه ثم قدمها فاستوطنها ستين سنة. وقال ابن فارس «صاحب اللغة»: سمعتُ الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا كحلاوة الوزارة والرياسة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة الطبراني وابن الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلبه بكثرة حفظه، وكان أبو بكر ابن الجعابي يغلبه بفطنته، حتى ارتفعت أصواتهما، فقال ابن الجعابي، عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هات، فقال: حدثنا أبو خليفة، حدثنا سليمان بن أيوب - وذكر حديثًا -. فقال الطبراني: فأنا سليمان بن أيوب، ومني سمعه أبو خليفة، فأسمعه مني عاليًا. فخجل ابن الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني، وفرحت كفرحه. وقال ابن عقدة، ما أعرف لسليمان بن أحمد نظيرًا. توفي لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وقد كمل من العمر مائة عام، وعشرة أشهر. ومنهم: [٣١] أبو الحسن الدارقطني، واسمه علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي (١) الحافظ المشهور، والحامل راية الرواية إلى يوم النشور. الدارقطني ولا قطن إلا

стр. 1562

ما رآه بياضًا من نور سيب الإسلام، أو نشره من صحيفته البيضاء بأيدي الملائكة الكرام، أو ظهر به قلبه الأبيض المطهر من دنس الآثام، أو بدا من عرضه النقي في غرر الأيام، أو غسل به من جبال فيها من برد، أو ندفه من قطن الثلج قوس الغمام، ابن مهدي الذي ما عدل عن آثار مهديه، ولا عدا طريقة سلف له من أهل العلم، ويها به كل منهم على انفراده، ويخضع له في ندبه. كان عالمًا، حافظًا، فقيهًا على مذهب الشافعي. أخذ الفقه عن أبي سعيد الأصطخري، وقيل: بل أخذ عن صاحب لأبي سعيد، وأخذ القرأة عرضًا وسماعًا عن النقاش، ومن في طبقته، وتصدّر في آخر أيامه للإقراء ببغداد. وكان عازمًا باختلاف الفقهاء ويحفظ كثيرًا من دواوين العرب، منها ديوان السيد الحميري، فنسب إلى التشيع لذلك. روى عنه الحافظ أبو نعيم، وجماعة كثيرة. وقبل القاضي ابن معروف شهادته في سنة ست وسبعين وثلاثمائة، فندم على ذلك، وقال: كان يقبل قولي على رسول الله ﷺ بانفرادي، فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر. وصنف كتاب «السنن»، و «المختلف والمؤتلف» وغيرهما، وخرج من بغداد إلى مصر قاصدًا أبا الفضل جعفر بن الفضل - وزير كافور الإخشيدي - ليساعده على تأليف مسند عزم عليه الوزير، فأقام عنده مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه، وانفق عليه نفقة واسعة، وأعطاه شيئًا، وحصل له بسببه مال جزيل. ولم يزل عنده حتى فرغ المسند، وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني ابن سعيد على تخريجه إلى أن نجز. قال الحافظ عبد الغني بن سعيد: أحسن الناس كلامًا على حديث رسول الله ﷺ

стр. 1563

ثلاثة: علي بن المديني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، والدارقطني في وقته. وسأل الدارقطني يومًا بعض أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه؟ فامتنع من جوابه، وقال: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ (١) فألح عليه، فقال: إن كان في فن واحدٍ فقد رأيتُ أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع في فلا. وقال الحاكم: صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإمامًا في القراء والنحويين، وأقمت في سنة سبع وستين ببغداد أربعة أشهر وكثر اجتماعنا فصادفته فوق ما وصف لي وسألته عن العلل والشيوخ. وله مصنفات يطول شرحها فأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله. وقال الخطيب: انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد والاضطلاع من علوم كالقراءات؛ فإنَّ له فيها مصنفًا سبق إلى عقد الأبواب قبل فرش الحروف، وتأسى القراء به بعده، ومن ذلك المعرفة بمذاهب الفقهاء. بلغني أنه درس الفقه على أبي سعيد الأصطخري، ومنها المعرفة بالأدب والشعر، فقيل: كان يحفظ دواوين جماعة. قال: وحدثني الأزهري، قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار، فقعد ينسخ، والصفار يملي، فقال رجل: لا يصح سماعك، وأنت تنسخ، فقال: فهمي خلاف فهمك. أتحفظ كم أملى الشيخ؟، قال: لا أدري، قال: أملى ثمانية عشر حديثًا. الحديث الأول عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، والثاني عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، ومر في ذلك حتى أتى على الأحاديث، فتعجب الناس منه أو كما قال. وقال أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث. وجاء أبو الحسين البيضاوي إلى الدارقطني برجل غريب، وسأله أن يُمِلي عليه أحاديث، فأملى عليه من حفظه مجلسًا تزيد أحاديثه على العشرين، متون جميعها: نِعْمَ الشيء الهدية أمام الحاجة فانصرف الرجل، ثم جاءه بعد، وقد أهدى له شيئًا، فقر به، وأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثًا متونها «إذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه».

стр. 1564

ومولده في ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة. وتوفي يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة، وقيل ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ببغداد، وصلى عليه الشيخ أبو حامد الاسفراييني الفقيه، ودفن قريبًا من معروف الكرخي. قال أبو نصر بن ماكولا: رأيت كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذلك يُدعى في الجنة الإمام. ومنهم: [٣٢] محمد بن إسحاق بن محمد بن أبي زكريا يحيى بن مَنْدَه (١)، أبو عبد الله الإمام الحافظ، الجوال، محدث العصر، تقاذفت المطيُّ منه بجواب كُلِّ تَنُوفَة، وجوال كل مَخُوفة، ونزال كل وهدةٍ بالماءِ محفوفة، وطلاع كُلِّ بَنيّة بالسماء مكفوفة، حتى كادت تعرض به المهامه، وتدحض حجج سراه أقطار البر المتشابه، فلم يبق بلد لم يطأها مَنْسمه، ولا جهة لم يشرق عليها ميسمه، ولا ثغر ناحية لم يقبله في البرق الضاحك مبسمه إلى أن نظم البلاد سلكًا، وركب إليها الركائب فلكًا، واخترق إليها

стр. 1565

الفجاج، والرياح قد ألقت جنبها إلى الأرض وأقبلت تشتكي أَوْ قَرَتْ كُتبه الإبل وشق ظهورها، وأملت على الصحف ملء صدورها، وحدث عمن لقي، وهيهات أن أحدًا يُؤَبَه إليه من أهل الأرض بقي. ولد سنة عشر وثلاثمائة، وقيل في التي تليها، وسمع بالبلاد من ألف وسبعمائة شيخ، ولما رجع من الرحلة الطويلة كانت كتبه عدة أحمال، حتى قيل: إنها كانت أربعين حملًا، وكان ختام الرّحالين، وفرد المكثرين، مع الحفظ، والمعرفة، والصدق، وكثرة التصانيف. وقال الباطرقاني: حدثنا أبو عبد الله إمام الأئمة في الحديث - لقاه الله رضوانه -. وقال الحافظ أبو نعيم في تاريخه: هو حافظ من أولاد المحدثين اختلط في آخر عمره، وتخبط في أماليه، ونُسب إلى جماعة أقوالًا في المعتقدات لم يعرفوا بها. وهذا قول لا يُعبأ به من الحاكم للعداوة المشهورة بينه وبين ابن منده. وقال عبد الرحمن بن أبي عبد الله: كتب أبي عن أربعة مشايخ أربعة آلاف جزء، وهم: ابن الأعرابي، والأصم، وخيثمه، والهيثم بن كليب. وقال جعفر المستغفري: ما رأيت أحدًا أحفظ من أبي عبد الله بن منده سألته يومًا: كم تكون سماعات الشيخ؟ قال: تكون خمسة آلاف من، والمن عشرة أجزاء كبار. وقال أحمد بن جعفر: كتبت على أزيد من ألف شيخ ما فيهم أحفظ من ابن منده. وقال أبو إسماعيل الأنصاري: شيخ هراة أبو عبد الله بن منده سيد أهل زمانه. وقال الباطرقاني: سمعت أبا عبد الله يقول: طفتُ الشرق والغرب مرتين. توفي في سلخ ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. ومنهم: [٣٣] أبو عبد الله الحاكم، واسمه محمد بن عبد الله بن محمد بن حَمْدَوَيْه بن نُعيم الضَّبِّي الطَّهماني النيسابوري الحافظ المعروف: ابن البيع (١). له التصانيف والأمالي، والأسانيد عن العوالي لو بذلت تصانيفه للعيون، لسرح

стр. 1566

فيها الأمل، أو ضنت أماليه على الأسماع، لما كانت إلا صماء كالجبل، بل لو تعدّمت كتبه المصنفة لضيت عليها ضبّة أبوابها، وفضضت بلجين قراطيسها البيض أحسابها، بل لو حملت معه في ذلك الأوان لقال قومه: «نحن بنو ضبة أصحاب الجمل»، وانتصروا بأقلامه إذ كتب ولم يقولوا: «ننعى ابن عفان بأطراف الاسل»، بل لو تحاقت البلاد، وتحاكمت في فضل الميلاد، لقضت على ما سوى بلده نيسابور بأن تبور، وآذنت بأن كل بناء يحق له أن يهدم إلا ما شيّد بناءه سابور، بل لو تفاضلت الأوقات لأجمعت على وقته الفكر، وفضل بتصنيفه أمالي العشيات سواد العشايا على بياض البكر. كان إمام الحديث في عصره ألف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها وتفقه على أبي سهل الصعلوكي الشافعي، ثم انتقل إلى العراق، وقرأ على أبي علي بن أبي هريرة الفقيه. ثم طلب الحديث وسمعه سنة ثلاثين، وغلب عليه فاشتهر به، وسمعه من جماعة لا يحصون كثرةً، فإنَّ معجم شيوخه يقرب من ألفي رجل، وصنف في علومه ما يبلغ ألفًا وخمسمائة جزء منها: «الصحيحان»، و «العلل»، و «الأمالي»، و «فوائد الشيوخ»، و «أمالي العشيات وأملى بما وراء النهر سنة خمس وخمسين، وبالعراق سنة سبع وستين. أما ما تفرد بإخراجه فـ معرفة علم الحديث»، و «تاريخ علماء نيسابور» و «المدخل

стр. 1567

إلى علم الصحيح»، «المستدرك على الصحيحين»، و «ما تفرد به كل واحد من الإمامين» و «فضائل الإمام الشافعي». وله إلى الحجاز والعراق رحلتان، وكانت الرحلة الثانية سنة ستين وثلاثمائة، وناظر الحفاظ، وذاكر الشيوخ، وكتب عنهم أيضًا، وباحث الدارقطني، فرضيه. وتقلد القضاء بنيسابور سنة تسع وخمسين وثلاثمائة في أيام الدولة السامانية، ووزارة أبي نصر العتبي، وقلّد بعد ذلك قضاء جرجان فامتنع وكانوا يُنْفِذُونه في الرسائل إلى بني بويه. وقال عبد الغافر بن إسماعيل: أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفته؛ ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكون أنَّ مقدمي عصره مثل الصعلوكي والإمام ابن فورك وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم، ويراعون حق فضله ويعرفون له الحرمة الأكيدة، وأطنب في تعظيمه. وقال الخطيب (١): كان يميل إلى التشيع جمع أحاديث، وزعم أنها صحاح على شرط البخاري منها حديث «الطير»، وحديث «من كنت مولاه»، فأنكرها عليه أصحاب الحديث ولم يلتفتوا إلى قوله، وقد أخرج حديث الطير في المستدرك. وقال ابن طالع: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفًا عن معاوية وآله، ويتظاهر بذلك ولا يعتذر منه، ومع هذا فهو معظم للشيخين بكل حال فهو شيعي لا رافضي. مولده في شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة خمس وأربعمائة. وقال الخليلي في كتاب «الإرشاد»: توفي سنة ثلاث وأربعمائة، وكان قد دخل الحمام، واغتسل، وخرج، فقال: آه، وخرجت روحه وهو متزر لم يلبس قميصه بعد. ومنهم: [٣٤] أبو نعيم، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران المهراني الأصبهاني الصوفي (٢) الأحول الحافظ صاحب كتاب «حلية الأولياء»، وراقي ذروة العلياء، محدث ضابط، ومؤرخ لا

стр. 1568

يفرط عليه فارط، مهر لأنه ابن مهران، ووطيء الجبال الصم؛ لأنه سكن أصبهان، ضبط قلمه التاريخ، واقتصر به على أهل بلده، وأخذ الفوائد قبضًا بيده، وأصبح به عراق العجم يهنئ أم مالك أصفهان بمولده. ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأجاز له مشايخ الدنيا سنة نيف وأربعين وثلاثمائة، وله ست سنين، وتهيأ له من لقى الكبار ما لم يقع لحافظ، وتفرّد في الدنيا بالإجازات من جماعة، وبالسماع من آخرين، ورحلت الحفاظ إلى بابه، لعلمه، وحفظه، وعلو أسانيده. قال ابن مردويه: كان أبو نعيم في وقته مرحولًا إليه، لم يكن في أفق من الآفاق أحد أحفظ، ولا أسند منه، كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، وكل يوم نوبة واحدٍ

стр. 1569

مهم يقرأ ما يريده إلى قريب الظهر، فإذا قام إلى داره، ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزء، وكان لا يضجر، لم يكن له غذاء سوى التسميع، والتصنيف. وقال حمزة بن العباس العلوي: بقي أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقًا ولا غربًا أعلى إسنادًا منه، ولا أحفظ منه. وكانوا يقولون: لما صنَّف كتاب الحلية؛ حمل في حياته إلى نيسابور، فاشتروه بأربعمائة دينار، وله كتاب «تاريخ أصبهان» و «دلائل النبوة»، و «المستخرج على كل واحد من الصحيحين»، و «فضائل الصحابة»، وغير ذلك من تصانيف كبار وصغار. توفي في صفر، وقيل: في الحادي والعشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة بأصبهان. ومنهم: [٣٥] أبو ذر الهروي، واسمه عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير الأنصاري، المالكي عُرف بابن السماك (١). شيخ الحرم، طلع على الكعبة الغراء حيث يطلع سهيل، وأرسى بمكة البطحاء حيث يرسى السيل، وزمزم الحادي له بذكر زمزمها، وزم المطي له إلى مأزمها، فاتخذ

стр. 1570

الله جارًا، وأقام ببيته بالبلد الحرام دارًا، وكان من أفضل من ضمه في عصره وأخشباها، وحوته أباطح مكة ورباها، وأشرقت به قلاع ذلك الوادي حيث لعبت بأعطاف المبان مهاب صباها. سمع بهراة، وسرخس، وبلخ، ومرو، والبصرة، وبغداد، ودمشق، ومصر، وجاور بمكة، وألف معجمًا لشيوخه، وعمل الصحيح، وصنف التصانيف. قال أبو بكر الخطيب: قدم أبو ذر بغداد، وأنا غائب، فحدث بها، ثم حج، وجاور، ثم تزوج في العرب، وسكن السروات، فكان يحج كل عام، ويحدث، ويرجع، وكان ثقة ضابطًا دينًا. وقال الحسن بن بقي المالقي: حدثني شيخ قال: قيل لأبي ذر أنت هروي فمن أين تمذهبت بمذهب مالك، ورأي الأشعري؟ قال: قدمت بغداد وكنت ماشيًا مع الدارقطني فلقينا القاضي أبا بكر بن الطيب فالتزمه الدارقطني وقبل وجهه وعينيه؛ فلما افترقنا، قلت: من هذا؟ قال: هذا إمام المسلمين، والذاب عن الدين القاضي أبو بكر ابن الطيب، فمن ذلك تكررت إليه وتمذهبت بمذهبه. وقال عبد الغافر في تاريخ نيسابور: كان أبو ذر زاهدًا ورعًا عالمًا سخيًا لا يدخر شيئًا، وصار من كبار مشيخة الحرم، مشارًا إليه في التصوّف، خرج على الصحيح تخريجًا حسنا، وكان حافظًا كثير الشيوخ. قال: وتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. والصواب قول أبي علي بن سُكرة: إنه توفي في عقب شوال سنة أربع وثلاثين، وقال الخطيب: في ذي القعدة سنة أربع. ومنهم: [٣٦] أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله البيهقي الخسروجردي (١) الفقيه الشافعي الحافظ المشهور أبو بكر واحد زمانه، وفرد أقرانه، أجل أصحاب أبي عبد الله الحاكم في الحديث، ثم

стр. 1571

الزائد عليه في أنواع العلوم، لا بل أنواء الغيوم، لا بل أنداء معين الصباح الطافي على حدائق النجوم، تتحلى الشمس المشابهة علمه المضيء بما اتفق، ويتسلى البدر لمشابكة أصله البيهقي فيما يرمى به من البهق، قام بنصر الشافعي إمامه، ونشر أيامه، وتخريج الحديث الصحيح أدلة على أحكامه. وكان متقللًا إلا من الخير، ومتعللًا باليسير من الدنيا، مخفًّا لسرعة السير، لم يعد طريقة من مضى، ولم يُعدّ عليه ما يُعاب به في مدة حياته ﵀ حتى قضى. أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي، وغلب عليه الحديث، واشتهر به ورحل في طلبه إلى العراق، والجبال، والحجاز. وسمع بخراسان من علماء عصره؛ وكذلك ببقية البلاد التي انتهى إليها، وشرع في التصنيفات فصنّف كثيرًا حتى قيل: تَبْلُغ تصانيفه ألف جزء؛ وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات. ومن مشهور مصنّفاته «السنن الكبير» (١)، «والسنن الصغير» (٢)، ودلائل

стр. 1572

مشاهير الحفاظ من أهل الحديث في الجانب الشرقي «النبوة» (١)، «والسنن والآثار» (٢)، «وشعب الإيمان» (٣)، ومناقب الشافعي (٤)، «ومناقب أحمد». وكان قانعًا من الدنيا بالقليل. وقال إمام الحرمين: ما من شافعي المذهب إلا وللإمام الشافعي عليه منة إلا أحمد البيهقي؛ فإنَّ له منة على الشافعي، وكان من أكثر الناس نصرًا لمذهب الشافعي. وطلب إلى نيسابور، لنشر العلم، فأجاب، وانتقل إليها. وكان على سيرة السلف؛ وأخذ الحديث عنه جماعة من الأعيان منهم: زاهر الشحامي، ومحمد الفراوي، وعبد المنعم القشيري. ومولده في شعبان سنة اربع وثمانين وثلاثمائة. وتوفي في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بنيسابور، ونقل إلى بيهق - رحمه الله تعالى - ومنهم: [٣٧] الخطيب، أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي (٥) خطيب بغداد الحافظ حقًا، والحافل سحابًا قدح فهمه برقا، والحافز صبًا هبَّت

стр. 1573

غربًا، ونشأت شرقًا، والحافر معدنًا لا يذهب ذهبه ولا تبقى جذوة الشرق إلا أنها لا تتلهب، وحلة بغداد ودجلة كمها الأزرق، وشعاع البدر طرازها المذهب، شرف منبرها برقيه، وواصل سندها. وعن أبي بكر يروي حديث عليّة، وصاحب تاريخها الذي قل معه جمع ابن عساكر، وصَدِيتُ مرآة ابن الجوزي في وجه الناظر، وأصبح كل معجم سبق قبله لا يبين، أو جاء بعده منقطع القرين، لا بل كل تاريخ جرى به سابق قلم وراءه قد وقع مغشيًا عليه، ساكت الحسن، خافت الأنين. كان من الحفاظ المتقنين، والعلماء المتبصرين، ولو لم يكن له سوى التاريخ، لكفاه، فإنه يدلّ على اطلاع عظيم، وصنف قريبًا من مائة مصنف، وفضله أشهر من أن يوصف. أخذ الفقيه عن أبي الحسين المحاملي، وأبي الطيب الطبري، وغيرهما، وكان فقيهًا، فغلب عليه الحديث والتاريخ. قال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة، وحفظًا، واتقانًا، وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ وتفننًا في علله وأسانيده، وعلمًا

стр. 1574

بصحيحه وغريبه، وفرده، ومنكره، ومطروحه. قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله. وقال أبو اسحاق الشيرازي: أبو بكر الخطيب يُشبه بالدارقطني ونظرائه في معرفة الحديث وحفظه. وقال السمعاني: كان الخطيب مهيبًا وقورًا، ثقة، متحريًا، حجة، حسن الخط، كثير الضبط، فصيحًا، ختم به الحفاظ. وقال الفضل بن عمر النسوي: كنت بجامع صور عند الخطيب، فدخل عليه علوي، وفي كمه دنانير، فقال: هذا الذهب تصرفه في مهماتك، فقطب، وقال: لا حاجة لي فيه، فقال: كأنك تستقله، ونفض كمه على سجادة الخطيب، وقال: هي ثلاثمائة دينار، فخجل الخطيب، وقام، وأخذ سجادته، وراح. فما أنسى عزّ خروجه وذُلَّ العلوي، وهو يجمع الدنانير. قال أبو الفرج الأسفراييني: كان الخطيب معنا في الحج، فكان يختم كل يوم قريب الغياب قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس، وهو راكب، يقولون: حدثنا، فيحدث. وقال عبد المحسن الشيحي: عادلت الخطيب من دمشق إلى بغداد، فكان له في كل يوم وليلة ختمة. وقيل: إنَّ الخطيب قدم بغداد، فظفر بجزء فيه سماع القائم بأمر الله، فأتى دار الخلافة يستأذن في قراءة الجزء، فقال الخليفة: هذا رجل كبير، وليس غرضه السماع، فانظروا لعل له حاجة؟ فسألوه: ما حاجتك؟ قال: أن يؤذن لي في أن أُملي بجامع المنصور، فأذن له. وحكى ابن عساكر بسنده: أنَّ الخطيب ذكر أنّه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات أخذًا بالحديث. فالأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد بها، والثانية: أن يُملي الحديث بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدفن عند بشر الحافي فقضى الله ذلك. ومولده في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. وتوفي في سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة ببغداد. وقيل: إنَّ الشيخ أبا إسحاق الشيرازي من جملة من حمل نعشه؛ لأنه انتفع به كثيرًا، وكان يراجعه في تصانيفه.

стр. 1575

والعجب أنه كان في وقته حافظ المشرق، وأبو عمرو بن عبد البر حافظ المغرب، وماتا في عام واحد. وذكر ابن النجار في تاريخه: أنَّ أبا بكر بن زهر كان قد أعد لنفسه قبرًا إلى جانب بشر الحافي، وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة، وينام فيه، ويقرأ فيه القرآن كله، فلما مات أبو بكر الخطيب، وكان قد أوصى أن يدفن إلى جانب قبر بشر الحافي، فجاء أصحاب الحديث إلى أبي بكر بن زهر، وسألوه أن يدفن الخطيب في القبر الذي كان قد أعده لنفسه، وأن يؤثره به، فامتنع من ذلك امتناعًا شديدًا، وقال: موضع قد أعددته لنفسي من مُدّة سنين يؤخذ مني؟ فلما رأوا ذلك جاؤوا إلى والد الشيخ أبي سعد، وذكروا له، فأحضر الشيخ أبا بكر بن زهر، وقال: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول: لو أن بشر الحافي في الأحياء، وأنت إلى جانبه، فجاء أبو بكر الخطيب يقعد دونك، كان يحسن بك أن تقعد أعلى منه؟ قال: لا، بل كنت أقوم، وأجلسه مكاني، قال: فهكذا ينبغي أن يكون الساعة، قال: فطاب الشيخ، وأذن لهم في دفنه، فدفنوه إلى جانبه بباب حرب، وكان قد تصدّق بجميع ماله، وهو مائتا دينار فرقها على أرباب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى أن يتصدق بجميع ما عليه من الثياب، ووقف جميع كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقب. وصنّف أكثر من ستين كتابًا، ورويت له منامات صالحة بعد موته، وكان قد انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته. ومنهم: [٣٨] أبو نصر بن ماكولا، واسمه علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علي بن محمد بن دلف ابن الأمير الجواد أبي دلف القاسم بن علي العجلي الجرباذقاني، ثم البغدادي (١) الأمير الكبير الحافظ النسابة نبعه من ذلك العرق، ولمعه من ذلك الحذق، طلع حيث لا يوقد قبس، وجرى حيث ينقطع كل نفس، وسرى وريح السعادة تجري السفن

стр. 1576

على اليبس، واقتعد ذروة كل بازل، وأطل على كل نازل، وفرى جلد كل ليل عن صباحه، وقطع نهر كل نهار يتدفق في بطاحه، حتى طاف أكثر البلاد، وأطال عمر الكد والاجهاد، حتى تلقى العلم وتلقنه وانتقى محاسنه، وأتقنه، وعدّ لكل سيئة من سيئات السرى ألف حسنة، لا بل يزيد. إنما هذا شيء يجري على الألسنة. هذا إلى ما ينقل من أنساب، ويعرف به أيم قلمه إذا انساب، وغير هذا مما أوتي منه بغير حساب. مولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (١) بعكبرا، وسمع ببغداد، و دمشق، ومصر، وبما وراء النهر، وخراسان، والجبال، والجزيرة، والسواحل، ولقي الحفاظ والأعلام، وحدّثه عنه شيخه أبو بكر بن الخطيب وآخرون. قال شيرويه في طبقاته: كان الأمير أبو نصر يعرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، قدم رسولًا مرارًا، وكان حافظًا متقنًا عُني بهذا الشأن، ولم يكن في زمانه بعد الخطيب أحد أفضل منه حضر مجلسه الكبار من شيوخنا، وسمعوا منه. وقال أبو القاسم بن عساكر ووزر أبوه للقائم أمير المؤمنين، وولي عمه قضاء القضاة ببغداد، وهو الحسين بن علي.

стр. 1577

قال: وولد في شعبان سنة إحدى وعشرين. وقال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب. وقال: حتى أكشفه، وما راجعت ابن ماكولا في شيء إلا وأجابني حفظًا كأنه يقرأ من كتاب. وقال السمعاني: كان ابن ماكولا لبيبًا، عالمًا، عارفًا، حافظًا، ترشح للحفظ، حتى كان يقال له: الخطيب الثاني، وكان نحويًا مجوّدًا، وشاعرًا مُبرّزًا، جزل الشعر، فصيح العبارة، صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله. طاف الدنيا وأقام ببغداد. وقال ابن النجار: أحبّ العلم من الصبا، وطلب الحديث، وكان يحضر المشايخ إلى منزلهم، ويسمع منهم، ورحل، وبرع في الحديث، وأتقن الأدب، وله النظم، والنثر، والمصنّفات، ونفذه المقتدي بالله رسولًا إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها طمغان الخان. وقال هبة الله بن المبارك: اجتمعت بالأمير ابن ماكولا، فقال لي: خذ جزئين من الحديث فاجعل متون هذا الجزء لأسانيد هذا الجزء، ومتونه لأسانيد الأول حتى أرده إلى حالته الأولى. وقال مؤتمن الساجي، لم يلزم ابن ماكولا طريق أهل العلم، فلم ينتفع بنفسه. وقال ابن عساكر: سمعتُ إسماعيل بن السمرقندي يذكر أن ابن ماكولا كان له غلمان ترك أحداث، فقتلوه بجرجان سنة نيف وسبعين وأربعمائة. ونقل ابن النجار: أنه كان قد سافر نحو كرمان ومعه مماليكه الأتراك، فقتلوه، وأخذوا ماله سنة خمس وسبعين وأربعمائة. وفي تاريخ قتله خلاف كثير. ومن شعره: [من البسيط] قَوِّضُ خِيَامَكَ عَنْ دَارٍ أُهِنْتَ بِهَا … وَجَانِبِ الذُّلَّ إِنَّ الذُّلَّ مُجْتَنَبُ وَارْحَلْ إِذَا كَانَتِ الأَوْطَانُ مَضْيَعَةً … فَالمَنْدَلُ الرَّطْبُ فِي أَوْطَانِهِ حَطَبُ ومنه: [من الطويل] وَلَمَّا تَوَاقَفْنَا تَبَاكَتْ قُلُوبُنا … فَمُمْسِكُ دَمْعِ العَيْنِ ذَاكَ كَسَاكِبِهْ فَيَا كَبِدِي الحَرَّى الْبَسِي ثَوْبَ حَسْرَة … فِرَاقُ الَّذِي تَهْوَيْنَهُ قَدْ كَسَاكِ بِه ومنهم: [٣٩] أبو الفضل، محمد بن طاهر بن علي المقدسي (١) الحافظ، المكثر الجوّال، ويعرف بابن القيسراني الشيباني، وليس هو من أولاد

стр. 1578

القيسراني الكتاب. سرى للطب سُرى الخيال، وركب شهب الأيام، ودهم الليالي، وقطع قفر البيد يلمع آله، ويجمع الشتات ظلاله، وسلك منه مسالك بحار الرياح في أفواجها، وتفرق الصباح في أمواجها، ويصدى صديع النهار بظلمها، وتخفق أحشاء النجوم في عتمها، إلى أن آب مملكًا، وآل أمره إلى أن أصبح كما أمسى الليل مدركًا. سمع ببلده، وبمكة، ومصر، والثغر، ودمشق وحلب، وبغداد، والجزيرة، وأصبهان، ونيسابور، وهراة، وجرجان، وآمد و استراباذ، وبوشنج، والبصرة، والدينور، والري، وسرخس و شيراز و قزوين، والكوفة والموصل، ومرو الروذ، وتوقات، ونهاوند و همدان وواسط، وساوة، واسترباذ، والأنبار، واسفرايين، وآمل، والأهواز وبسطام، وخسروجرد، وغير ذلك. قال ابن عساكر: سمعت إسماعيل بن محمد الحافظ يقول: أحفظ من رأيت محمد بن طاهر. وقال أبو زكريا بن منده: كان ابن طاهر أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقًا، عالمًا، بالصحيح والسقيم، كثير التصانيف، لازمًا للأثر. قال السلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت الصحيحين، وسنن أبي داود سبع

стр. 1579

مرات بالأجرة، وسنن ابن ماجه عشر مرات بالري. وقال ابن طاهر: بلتُ الدم في طلب الحديث مرتين مرة ببغداد، ومرة بمكة. كنت أمشي حافيًا في الحرّ، فلحقني ذلك، وما ركبت دابة في طلب الحديث قط، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألتُ في حال الطلب أحدًا، كنت أعيش على ما يأتي. وقيل: كان يمشي دائمًا في اليوم والليلة عشرين فرسخًا، وكان قادرًا على ذلك، ومصنفاته كثيرة لكنه كثير الوهم، وكان لُحَنَةٌ ويصحف، ويرى إباحة السماع، ومولده سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وقال ابن شيرويه في تاريخ همذان: ابن طاهر سكن همذان، وبنى بها دارًا، وكان ثقة حافظًا عالمًا بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة بالرجال والمتون، كثير التصانيف، جيد الخط، لازمًا للأثر، بعيدًا من الفضول والتعصب، خفيف الروح، قوي السير في السفر. قال شجاع الذهلي: مات عند قدومه بغداد من الحجّ يوم الجمعة في ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة. ومن شعره قوله: [من السريع] سَارُوا بِها كَالبَدْرِ فِي هَوْدَجِ … يَمِيْسُ مَحْفُوفًا بِأَتْرَابِهِ فَاسْتَعْبَرَتْ تَبْكِي فَعَاتَبْتُها … خَوفًا مِنَ الوَاشِي وَأَصْحَابِهِ وَقُلْتُ لَا تَبْكي عَلَى هَالِكِ … بَعْدَكِ مَا يَبْقَى عَلَى مَا بِهِ وَأَحْسَنُ المَوْتِ بِأَهْلِ الهَوَى … مَنْ مَاتَ مِنْ فُرْقَةِ أَحْبَابِهِ ومنهم: [٤٠] إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التيمي الطليحي الأصبهاني (١) شيخ الإسلام، أبو بكر الملقب بقوام السنة، صاحب «الترغيب والترهيب» من

стр. 1580

قريش في شزر ذؤاباتها، وذرى غاياتها، وزهر سماواتها الممرعة الحدائق، المرتفعة الطرائق، المسرعة الأنوار، وسهيل عائم وصاحب السفينة غارق، رغب في الخير وعمله، ورهب من الشرّ وسوء عاقبة دوله، ودعا به إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والموقظة التي لم تدع على جفن وسنه، ووسع صدره الإخوان على ضيق ما في يده وقلته، وتقاعد الزمان عن سدّ خَلَّتِه، وتقاعس عنان الحظ في يده إذ جمح، وسن مداه لخَلَدِهِ إِذْ جرح. ولد سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ورحل وسمع بعدة مدائن، وأملى، وصنف، وتكلم في الرجال وأحوالهم، وحدث عنه خلق. وقال أبو موسى المديني: إسماعيل الحافظ، إمام أئمة وقته، وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السنة في زمانه، لا أعلم أحدًا عاب عليه قولًا، ولا فعلًا، ولا عانده أحد إلا ونصره الله عليه، وكان نَزِه النفس عن المطامع، لا يدخل على السلاطين ولا على من اتصل بهم. وقد أخلى دارًا من ملكه لأهل العلم مع خفة ذات يده، ولو أعطاه الرجل الدنيا بأسرها، لم يرتفع عنده. أملى ثلاثة آلاف وخمسمائة مجلس، وكان يُملي على البديهة. وأصمت في صفر سنة أربع وثلاثين، ثم فلج بعده مدة. وقال يحيى بن منده، كان حسن الاعتقاد جميل الطريقة قليل الكلام ليس في وقته مثله. وقال عبد الجليل بن محمد: سمعتُ أئمة بغداد يقولون: ما رحل إلى بغداد بعد الإمام أحمد أفضل من الإمام إسماعيل. وقال أبو موسى المديني في ذكر من هو على رأس المائة الخامسة: لا أعلم أحدًا
следующие страницы →