← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

على اليبس، واقتعد ذروة كل بازل، وأطل على كل نازل، وفرى جلد كل ليل عن صباحه، وقطع نهر كل نهار يتدفق في بطاحه، حتى طاف أكثر البلاد، وأطال عمر الكد والاجهاد، حتى تلقى العلم وتلقنه وانتقى محاسنه، وأتقنه، وعدّ لكل سيئة من سيئات السرى ألف حسنة، لا بل يزيد. إنما هذا شيء يجري على الألسنة. هذا إلى ما ينقل من أنساب، ويعرف به أيم قلمه إذا انساب، وغير هذا مما أوتي منه بغير حساب. مولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (١) بعكبرا، وسمع ببغداد، و دمشق، ومصر، وبما وراء النهر، وخراسان، والجبال، والجزيرة، والسواحل، ولقي الحفاظ والأعلام، وحدّثه عنه شيخه أبو بكر بن الخطيب وآخرون. قال شيرويه في طبقاته: كان الأمير أبو نصر يعرف بالوزير سعد الملك بن ماكولا، قدم رسولًا مرارًا، وكان حافظًا متقنًا عُني بهذا الشأن، ولم يكن في زمانه بعد الخطيب أحد أفضل منه حضر مجلسه الكبار من شيوخنا، وسمعوا منه. وقال أبو القاسم بن عساكر ووزر أبوه للقائم أمير المؤمنين، وولي عمه قضاء القضاة ببغداد، وهو الحسين بن علي.

стр. 1577

قال: وولد في شعبان سنة إحدى وعشرين. وقال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب. وقال: حتى أكشفه، وما راجعت ابن ماكولا في شيء إلا وأجابني حفظًا كأنه يقرأ من كتاب. وقال السمعاني: كان ابن ماكولا لبيبًا، عالمًا، عارفًا، حافظًا، ترشح للحفظ، حتى كان يقال له: الخطيب الثاني، وكان نحويًا مجوّدًا، وشاعرًا مُبرّزًا، جزل الشعر، فصيح العبارة، صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله. طاف الدنيا وأقام ببغداد. وقال ابن النجار: أحبّ العلم من الصبا، وطلب الحديث، وكان يحضر المشايخ إلى منزلهم، ويسمع منهم، ورحل، وبرع في الحديث، وأتقن الأدب، وله النظم، والنثر، والمصنّفات، ونفذه المقتدي بالله رسولًا إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها طمغان الخان. وقال هبة الله بن المبارك: اجتمعت بالأمير ابن ماكولا، فقال لي: خذ جزئين من الحديث فاجعل متون هذا الجزء لأسانيد هذا الجزء، ومتونه لأسانيد الأول حتى أرده إلى حالته الأولى. وقال مؤتمن الساجي، لم يلزم ابن ماكولا طريق أهل العلم، فلم ينتفع بنفسه. وقال ابن عساكر: سمعتُ إسماعيل بن السمرقندي يذكر أن ابن ماكولا كان له غلمان ترك أحداث، فقتلوه بجرجان سنة نيف وسبعين وأربعمائة. ونقل ابن النجار: أنه كان قد سافر نحو كرمان ومعه مماليكه الأتراك، فقتلوه، وأخذوا ماله سنة خمس وسبعين وأربعمائة. وفي تاريخ قتله خلاف كثير. ومن شعره: [من البسيط] قَوِّضُ خِيَامَكَ عَنْ دَارٍ أُهِنْتَ بِهَا … وَجَانِبِ الذُّلَّ إِنَّ الذُّلَّ مُجْتَنَبُ وَارْحَلْ إِذَا كَانَتِ الأَوْطَانُ مَضْيَعَةً … فَالمَنْدَلُ الرَّطْبُ فِي أَوْطَانِهِ حَطَبُ ومنه: [من الطويل] وَلَمَّا تَوَاقَفْنَا تَبَاكَتْ قُلُوبُنا … فَمُمْسِكُ دَمْعِ العَيْنِ ذَاكَ كَسَاكِبِهْ فَيَا كَبِدِي الحَرَّى الْبَسِي ثَوْبَ حَسْرَة … فِرَاقُ الَّذِي تَهْوَيْنَهُ قَدْ كَسَاكِ بِه ومنهم: [٣٩] أبو الفضل، محمد بن طاهر بن علي المقدسي (١) الحافظ، المكثر الجوّال، ويعرف بابن القيسراني الشيباني، وليس هو من أولاد

стр. 1578

القيسراني الكتاب. سرى للطب سُرى الخيال، وركب شهب الأيام، ودهم الليالي، وقطع قفر البيد يلمع آله، ويجمع الشتات ظلاله، وسلك منه مسالك بحار الرياح في أفواجها، وتفرق الصباح في أمواجها، ويصدى صديع النهار بظلمها، وتخفق أحشاء النجوم في عتمها، إلى أن آب مملكًا، وآل أمره إلى أن أصبح كما أمسى الليل مدركًا. سمع ببلده، وبمكة، ومصر، والثغر، ودمشق وحلب، وبغداد، والجزيرة، وأصبهان، ونيسابور، وهراة، وجرجان، وآمد و استراباذ، وبوشنج، والبصرة، والدينور، والري، وسرخس و شيراز و قزوين، والكوفة والموصل، ومرو الروذ، وتوقات، ونهاوند و همدان وواسط، وساوة، واسترباذ، والأنبار، واسفرايين، وآمل، والأهواز وبسطام، وخسروجرد، وغير ذلك. قال ابن عساكر: سمعت إسماعيل بن محمد الحافظ يقول: أحفظ من رأيت محمد بن طاهر. وقال أبو زكريا بن منده: كان ابن طاهر أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقًا، عالمًا، بالصحيح والسقيم، كثير التصانيف، لازمًا للأثر. قال السلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت الصحيحين، وسنن أبي داود سبع

стр. 1579

مرات بالأجرة، وسنن ابن ماجه عشر مرات بالري. وقال ابن طاهر: بلتُ الدم في طلب الحديث مرتين مرة ببغداد، ومرة بمكة. كنت أمشي حافيًا في الحرّ، فلحقني ذلك، وما ركبت دابة في طلب الحديث قط، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألتُ في حال الطلب أحدًا، كنت أعيش على ما يأتي. وقيل: كان يمشي دائمًا في اليوم والليلة عشرين فرسخًا، وكان قادرًا على ذلك، ومصنفاته كثيرة لكنه كثير الوهم، وكان لُحَنَةٌ ويصحف، ويرى إباحة السماع، ومولده سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وقال ابن شيرويه في تاريخ همذان: ابن طاهر سكن همذان، وبنى بها دارًا، وكان ثقة حافظًا عالمًا بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة بالرجال والمتون، كثير التصانيف، جيد الخط، لازمًا للأثر، بعيدًا من الفضول والتعصب، خفيف الروح، قوي السير في السفر. قال شجاع الذهلي: مات عند قدومه بغداد من الحجّ يوم الجمعة في ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة. ومن شعره قوله: [من السريع] سَارُوا بِها كَالبَدْرِ فِي هَوْدَجِ … يَمِيْسُ مَحْفُوفًا بِأَتْرَابِهِ فَاسْتَعْبَرَتْ تَبْكِي فَعَاتَبْتُها … خَوفًا مِنَ الوَاشِي وَأَصْحَابِهِ وَقُلْتُ لَا تَبْكي عَلَى هَالِكِ … بَعْدَكِ مَا يَبْقَى عَلَى مَا بِهِ وَأَحْسَنُ المَوْتِ بِأَهْلِ الهَوَى … مَنْ مَاتَ مِنْ فُرْقَةِ أَحْبَابِهِ ومنهم: [٤٠] إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي التيمي الطليحي الأصبهاني (١) شيخ الإسلام، أبو بكر الملقب بقوام السنة، صاحب «الترغيب والترهيب» من

стр. 1580

قريش في شزر ذؤاباتها، وذرى غاياتها، وزهر سماواتها الممرعة الحدائق، المرتفعة الطرائق، المسرعة الأنوار، وسهيل عائم وصاحب السفينة غارق، رغب في الخير وعمله، ورهب من الشرّ وسوء عاقبة دوله، ودعا به إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والموقظة التي لم تدع على جفن وسنه، ووسع صدره الإخوان على ضيق ما في يده وقلته، وتقاعد الزمان عن سدّ خَلَّتِه، وتقاعس عنان الحظ في يده إذ جمح، وسن مداه لخَلَدِهِ إِذْ جرح. ولد سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ورحل وسمع بعدة مدائن، وأملى، وصنف، وتكلم في الرجال وأحوالهم، وحدث عنه خلق. وقال أبو موسى المديني: إسماعيل الحافظ، إمام أئمة وقته، وأستاذ علماء عصره، وقدوة أهل السنة في زمانه، لا أعلم أحدًا عاب عليه قولًا، ولا فعلًا، ولا عانده أحد إلا ونصره الله عليه، وكان نَزِه النفس عن المطامع، لا يدخل على السلاطين ولا على من اتصل بهم. وقد أخلى دارًا من ملكه لأهل العلم مع خفة ذات يده، ولو أعطاه الرجل الدنيا بأسرها، لم يرتفع عنده. أملى ثلاثة آلاف وخمسمائة مجلس، وكان يُملي على البديهة. وأصمت في صفر سنة أربع وثلاثين، ثم فلج بعده مدة. وقال يحيى بن منده، كان حسن الاعتقاد جميل الطريقة قليل الكلام ليس في وقته مثله. وقال عبد الجليل بن محمد: سمعتُ أئمة بغداد يقولون: ما رحل إلى بغداد بعد الإمام أحمد أفضل من الإمام إسماعيل. وقال أبو موسى المديني في ذكر من هو على رأس المائة الخامسة: لا أعلم أحدًا

стр. 1581

في ديار الإسلام يصلح لتأويل الحديث إلا إسماعيل الحافظ. قال أبو موسى: صنّف التفسير في ثلاثين مجلدًا، سماه «الجامع»، وله تفسير آخر في أربع مجلدات، والموضح في التفسير في ثلاث مجلدات، وكتاب «المعتمد في التفسير» عشر مجلدات، وله مصنّفات كثيرة مفيدة. وكان عالمًا باللغة والأدب، عارفًا قريش في شزر ذؤاباتها، وذرى غاياتها، وزهر سماواتها الممرعة الحدائق المرتفعة بالأسانيد والمتون، ووهب أكثر أصوله في آخر عمره. قال: وكانت وفاته يوم الأضحى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وأجتمع في جنازته خلق كثير لم أر مثلهم كثرة - رحمه الله تعالى - ومنهم: [٤١] أبو سعد، عبد الكريم ابن تاج الإسلام أبي بكر بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي (١) صاحب التصانيف. قسمًا لقد أسمع بها السمعاني آذانًا، ولقد طرق بها القلوب، لا يطل استئذانًا، ولقد رحل، فلم يدع موضعًا يسمع به أذانا، ولقي الرجال، فما خلّى

стр. 1582

معجمه، وفخم طراز، تعلمه، وفخر لظهور تقدّمه، وأدبه طول التغرب فصفا زلالًا، وأدّى به إلى أن شف ذبالا، حتى قال: السمعاني، فسكت من أراد أن يتكلم، وطارت سمعته، فوقع دونه كل من حوم، وخاض تيار الكفار لزيارة شدّ إليها رحله، ولم يهب موجه المتلاظم، وشق شقاشق رعودهم، ولم يخف نوءهم المتراكم. ولد في شعبان سنة ست وخمسمائة، وحمله والده إلى نيسابور في آخر سنة تسع، فلحق بحضوره عدّة شيوخ، ومات أبوه سنة عشر، فتربى مع أعمامه وأهله، وحفظ القرآن والفقه، ثم حُبِّب إليه شأن الحديث، فاعتنى به، ورحل إلى الأقاليم النائية، وعمل المعجم في عدة مجلدات. وكان ذكيًا فهمًا، سريع الكتابة مليحها درس وأفتى، ووعظ وأملى، وكتب عمن دبّ، ودرج، وكان ثقة، حافظًا، حجةً، واسع الرحلة، عدلًا، دينًا، جميل السيرة، حسن الصحبة، كثير المحفوظ. قال ابن النجار: سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ. وهذا شيء لم يبلغه أحد، وكان مليح التصانيف، كثير النشوار والأناشيد لطيف المزاج، ظريفًا. سمع منه مشايخه وأقرانه. ثم سرد ابن النجار تصانيفه، ونقل أسماءها من خطه في نيف وعشرين سطرًا. وقد ذهب أبو سعد إلى بيت المقدس وزاره والنصارى يومئذ ولاته، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمائة. جماعات ولا شُدانا، طلبًا اتسع به ذيل ارتحاله، واندفع سيل جداله، وضخم به قدر. ومنهم:

стр. 1583

[٤٢] أبو القاسم، علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر (١) الإمام الحافظ، فخر الأئمة محدّث الشام، ثقة الدين، صاحب التصانيف، والتاريخ الكبير ممن ولدته دمشق، وولّته ما يستحق، وشرفته على أبنائها، وصرفته في أبنائها، وعرفته أسرار أنبائها، وأخبار أنبيائها، وأوقعته على أندية سكانها، ووافقته على تطهير أوطانها، وخاطبته شفاهًا، لو أنّها تتكلّم، ولاعبته أعطاف صباها،

стр. 1584

فإما عرف حقائق أخبارها، وإما تنسم، فاستطالت به وطال لسانها، وشكر إحسانها، وعاد بها عصر آل جفنة وحسّانها، ومثلت خلفاؤها من بني مروان، ومن خلفهم إلى من آواهم ذلك الأوان، ومن وفد عليها، وورد إليها، وبحث عما بين العريش إلى الفرات، حتى حسرت عن كنوزها، وسحرت برموزها وشنأت العراق وعيرتها بغدر ابن جرموزها، وعابتها إذ ذكرت أيام صفين بنشوزها، وأصغرت قدر تاريخها، وقد جهد فيه الخطيب، وجمد عليه، وما اهتر غصنه الرطيب حمية توقدت بين جانبيه لبلدته التي أخرجته من أقدم بيوتها، وجاءت به مفاخرها لثبوتها، من بقية كان زمان يزيد بن معاوية أولهم، ثم انتهى إليه موئلهم، ثم ما ارتفع بعده لبيته المنيف جدار، ولا ألم الفضل له بدار. ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة في أولها، وسمع سنة خمس وخمسمائة باعتناء أبيه وأخيه الإمام صائن الدين هبة الله، وعدد شيوخه ألف وثلاثمائة شيخ، ونيّف وثمانون امرأة. وصنف التاريخ في ثمانين مجلدًا، وله مصنفات أخر تقارب ثلاثين مجلدًا، وأما الأجزاء فشيء كثير، وأملى في أبواب العلم أربعمائة مجلس وثمانية مجالس، وخرج لجماعة. قال السمعاني: أبو القاسم حافظ ثقة متقن دين خير حسن السمت، جمع بين معرفة المتن والإسناد، وكان كثير العلم غزير الفضل صحيح القراءة متثبتًا، رحل وتعب، وبالغ في الطلب، وجمع ما لم يجمعه غيره، وأربى على الأقران. وحكي عن الفراوي قال: قدم ابن عساكر فقرأ ثلاثة أيام، فأكثر وأضجرني، وآليتُ على نفسي أن أغلق بابي؛ فلما أصبحنا قدم علي شخص، وقال: أنا رسول رسول الله ﷺ اليك. قلتُ: مرحبا بك! فقال: قال لي في النوم: امض إلى الفراوي، وقُلْ له: قدم بلدكم رجل شامي أسمر اللون يطلب حديثي، فلا تملّ منه. قال الراوي: فما كان الفراوي يقوم حتى يقوم ابن عساكر. وقال المحدّث بهاء الدين القاسم: كان أبي ﵀ مواظبًا على الجماعة والتلاوة ويختم كُلّ جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل والأذكار، ويُحيي ليلة النصف والعيدين بالصلاة والذكر، وكان يحاسب نفسه كل لحظة تذهب. قال لي: لما حملت أمي قيل لها في منامها: تلدين غلامًا يكون له شأن. وحدثني: أنَّ أباه رأى رؤيا معناها يُولد لك ابن يحيي الله به السنة.

стр. 1585

وقال أبو المواهب ابن صصري: كنت أذاكر أبا القاسم الحافظ عن الحفاظ الذين لقيهم، فقال: أما ببغداد فأبو عامر العبدري، وأما بأصبهان فأبو نصر اليونارتي، لكن إسماعيل بن محمد الحافظ كان أشهر، فقلت: فعلى هذا ما رأى سيدنا مثل نفسه؟، قال: لا تقل هذا، قال الله ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ (١) قلت: فقد قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢) فقال: لو قال قائل: إن عيني لم تر مثلي لصدق. ثم قال أبو المواهب: وأنا لم أر مثله، ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدّة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الأول إلا مِنْ عُذْرٍ، ومن الاعتكاف في رمضان، وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع إلى تحصيل الأملاك، وبناء الدور. قد أسقط ذلك عن نفسه، وأعرض عن طلب المناصب من الإمامة، والخطابة، وأباها بعد أن عرضت عليه، وأخذ نفسه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال لي: لما عزمت على الحديث - والله المطلع - أنه ما حملني على ذلك حبّ الرئاسة والتقدم، بل قلت: متى أروي كل ما سمعت؟ وأي فائدة في كوني أُخَلّفه في صحائف، فاستخرت الله، واستأذنت أعيان شيوخي ورؤساء البلد، وطفت عليهم، فكلهم قال: من أحق بهذا منك؟ فشرعت في ذلك سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. وكان حافظ العصر أبو الحجاج المزي يميل إلى أنَّ ابن عساكر ما رأى حافظًا مثل نفسه. وقال الحافظ عبد القادر: ما رأيتُ أحفظ من ابن عساكر. وقال ابن النجار: أبو القاسم إمام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والإتقان والثقة والمعرفة التامة، وبه ختم هذا الشأن، وكان فقيهًا أديبًا سنيًا. [كان قد توجه لزيارة القدس، ثم أتى مصر، فأكرم الملك العزيز مقدمه، وسُرَّ به كافة أهل مصر. كتب الفاضل إلى الملك الناصر في أمره كتابًا منه: «المملوك يقبل الأرض بين يدي مولانا الملك الناصر، لا زالت عواطفه مرجوّة، ومحاسنه متلوّة، وعوارفه برة بالحظوظ المحفوة، ومكارمه تأخذ كتاب السؤال بقوّة، وينهي أنه كان قد وصل الخبر بأن الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبا القاسم بن عساكر، قد زار بيت المقدس قدس الله

стр. 1586

فاتحه، ومنح النصر مانحه، فاستشرف أهل مصر شرف زيارته لقربه، واستشفعوا بالإمام الشافعي ﵀ إلى قلبه، وأملوا أن يقيمه علماؤهم للاستفادة وأولادهم للقراءة والإجادة فلما كان في أوائل شهر رمضان ورد الخبر بوصوله، وبأنه مريض، فهرع الخاصة والعامة لتقبله، وقضاء الحق الذي يوجبه منصب إمامته، ويقتضيه. ولا خفاء عن مولانا أنه أقرب رسل رسول الله ﷺ إلى هذه الأمة عهدًا به، إسنادًا عاليًا، وفهمًا واعيًا، وذهنًا واريًا، ولسانًا راويًا، ولما لقيه المملوك، عرفه أنه جمع بين الفرضين وهو الزيارة الشافعية، والإسماع لأهل الديار المصرية، وبر الوفادة على الجانب الملكي العزيزي عز جنابه، وسعد بالوافدين، بابه، ذكر فيه ما استأذن عليه أن يجيء به»]. توفي في حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، ورؤي له منامات حسنة، ورثي بقصائد، وقبره يزار بباب الصغير. ومنهم: [٤٣] أبو موسى المديني، واسمه محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى الأصبهاني (١) الحافظ، المشهور.

стр. 1587

فما به حاجة إلى التعريف، والمشهود فضله نورًا يشف في زجاج التصنيف، الأصبهاني الذي ما تنوّر البصائر إلا بكحل مداده، ولا يجلو بياض العين أنفع من كحل سواده، وزنت به الجبال فرجح على سؤددها، وازَّيَّنَتْ به أصفهان، وليس سوى سيادته صيت إثمدها. رحل عن بلده أصفهان ثم عاد إليها مُشرّفًا مدينته لمدينتها، مشرفًا أسوارها لحمايتها به ولزينتها، فحلَّ بها حيث يأوي الأسد من الغيل، وأقام يدوس لممها، وغيره يتمنّى أن يكتحل من ترابها بميل. ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة بأصبهان. وكان إمام عصره في الحفظ والمعرفة، وله في الحديث وعلمه تواليف مفيدة، وصنّف كتاب «المغيث» في مجلد كمل به كتاب «الغريبين» للهروي، واستدرك عليه، وله مصنفات أُخر ورحل عن أصبهان في طلب الحديث، ثم رجع إليها وأقام بها، وانتهى إليه التقدم في هذا الشأن في علو الإسناد، والمعرفة التامة، والرواية الواسعة. قال الدبيثي: عاش أبو موسى المديني، حتى صار أوحد وقته، وشيخ زمانه إسنادًا وحفظًا. وقال عبد القادر: حصل من المسموعات بأصبهان ما لم يتحصل لأحد في زمانه، وانضم إلى ذلك الحفظ والإتقان، وله شيء يسير يتربح به وينفق منه، ولا يقبل من أحد شيئًا قط، أوصى إليه غير واحد بمال فرده، فيقال له: فرقه على من ترى، فيمتنع. وكان فيه من التواضع بحيث إنه يقرئ الصغير والكبير، ويرشد المبتدئ. رأيته يحفظ الصبيان القرآن في الألواح، ويمنع من يمشي معه. فعلت ذلك مرة فزجرني، وتردّدت إليه نحوًا من سنة ونصف، فما رأيتُ منه، ولا سمعتُ عنه سقطة تعاب عليه. وكان أبو مسعود كوتاه يقول: أبو موسى كنز مخفي. وقال الحسين بن يوحنا الباوري: كنتُ في مدينة الخان، فسألني سائل عن رؤيا. قال: رأيتُ رسول الله ﷺ قد توفي فقلت: إن صدقت رؤياك، يموت إمام لا نظير له في زمانه، فإنَّ مثل هذا الإمام رئي حال وفاة الشافعي والثوري وأحمد، فما أمسينا حتى جاءنا الخبر بوفاة الحافظ أبي موسى. وكانت وفاته ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بأصبهان. قال عبد الله بن محمد الخُجَنْدي: لما مات أبو موسى، لم يكادوا أن يفرغوا حتى جاء مطر عظيم في الحر الشديد، وكان الماء قليلًا بأصبهان. ومنهم:

стр. 1588

[٤٤] عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ثم الصالحي الحنبلي (١) الحافظ تقي الدين، أبو محمد صاحب التصانيف، وجبل الحجى الذي لا تنسفه الزعانيف، والقائم في ذات الله لا تأخذه لومة لائم يمضه تعنيفه، ويمضي فيه تصريفه، ويقضي عليه سيفه الماضي إما يقتله، وإما يخيفه ما لان لمن قصد به غضاضة، ولا هان، وقد قذف نجمه يريد انقضاضه، بل رفعه الله من حيث أراد العدو أن يضعه، وقربه من حيث أبعد موضعه، ما ضره وهو الغمام أن أنأى محله، ولا نقصه وهو الذهب حيث أحلّه. عاش لا يبالي بالخمول، وقد أنامه في مرقده، وأسكنه في قرارة ملحده، وألقاه في جانب بيته لا يستطيع حراك لسانه ولا يده، وبقي لا يشكو قترًا ولا إقتارًا، ودام على هذا حتى مات، فتعوض خيرًا من الأهل أهلًا، ومن الدار دارًا. ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة هو وابن خالته موفق الدين بجماعيل واصطحبا مدة في أول اشتغالهما ورحلتهما، وحدّث أبو محمد عبد الغني بالكثير، وصنف في الحديث التصانيف الحسنة، وكان غزير الحفظ، من أهل الاتقان والتجويد، قيمًا بجميع فنون الحديث، تكلّم في الصفات والقرآن بشيء أنكره أهل التأويل، فَعُقد له مجلس بدار السلطان بدمشق، فأصرّ وأباحوا قتله، فشفع فيه أمراء الأكراد على أن

стр. 1589

ينزح من دمشق، فذهب إلى مصر، وأقام بها خاملًا إلى أن مات. قال أبو موسى المديني: قل من قدم علينا من الأصحاب من يفهم هذا الشأن. كفهم الإمام عبد الغني - زاده الله توفيقًا - وقد وفق لتبيين هذه الغلطات - يعني التي في كتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم - ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء، لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا ما فهمه. وقال الحافظ ضياء الدين: خرج عبد الغني إلى أصبهان، وليس معه كيس فلوس فسهل الله من حمله، وأنفق عليه فأقام بأصبهان مدة، وحصل بها الكتب الجيدة. قال: وسمعت إسماعيل بن ظفر يقول: جاء رجل إلى الحافظ عبد الغني، فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق. قال: وشاهدت عبد الغني غير مرة بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر: اقرأ لنا من غير الناس غير الجزء، فيقرأ الأحاديث علينا بأسانيدها عن ظهر قلبه، فقيل له: لم لا تقرأ دائمًا من غير الجزء؟، فقال: أخاف العجب. وقال تاج الدين الكندي: لم يكن بعد الدارقطني مثل عبد الغني المقدسي قال: ولم ير مثل نفسه. وقال الشيخ موفق الدين: كان عبد الغني رفيقي، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بما أوذي به وصبر عليه، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها. وقال الضياء: كان عبد الغني لا يرى منكرًا إلا غيره بيده أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. رأيته مرتين يريق خمرًا، فسل صاحبه [سيفًا] فلم يخف، وكان قويًا فأخذ السيف من الرجل، وكان يكسر الشبابات والطنابير. قال: وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان يقول: اجعلوا الملاهي عند باب جيرون، فجاء الحافظ عبد الغني، فكسر كثيرًا، وصعد المنبر، فجاءه رسول القاضي يطلبه ليناظره في الدف والشبابة، فقال: ذاك حرام، ولا أمشي إليه، إن كان له حاجة، يجيء هو. قال: فعاد الرسول يقول: لا بدّ من مجيئك قد أبطلت هذه الأشياء على السلطان. فقال: ضرب الله رقبة السلطان فمضى الرسول وخفنا من فتنة، فما أتى أحد بعد. قال أبو موسى عبد الله بن عبد الغني، مرض والدي أيامًا، ووضأته وقت الصبح، فقال: يا عبد الله صل بنا وخفّف فصليتُ بالجماعة وصلّى معنا جالسًا، ثم

стр. 1590

قال: اقرأ عند رأسي «يس» فقرأتها، وقلت: هنا دواء تشربه؟ فقال: ما بقي إلا الموت، فقلت: ما تشتهي شيئًا؟ قال: أشتهي النظر إلى وجه الله، فقلت: ما أنت عنّي راض؟ قال: بلى. وجاؤوا يعودونه، ففتح عينه وقال: ما هذا اذكروا الله قولوا: «لا إله إلا الله» ثم دخل درع النابلسي، فقمت لأناوله كتابًا من جانب المسجد فرجعت وقد توفي يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ستمائة بمصر. قال الضياء: سمعته يقول لي: رأيتُ أخاك عبد الرحيم في المنام، فقلت: أين أنت؟ قال: في جنة عدن؟ فقلت: أيما أفضل الحافظ عبد الغني، أو الشيخ أبو عمر؟، فقال: ما أدري، وأما عبد الغني، فينصب له كرسي تحت العرش، وينثر عليه الدرر، وهذا نصيبي منه، وأشار إلى كمه. وكان عبد الغني ليس بالأبيض الأمهق، يميل إلى سمرة، حسن الثغر، كثّ اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كان النور يخرج من وجهه، ضعف بصره من كثرة النسخ والمطالعة والبكاء، وكان جوادًا كريمًا لا يدخر درهمًا، وقيل: كان يخرج بالليل بالقفاف فيها الدقيق فإذا فتحوا له، ترك ما معه ومضى؛ لئلا يعرف، وربما كان عليه ثوب مرقع. ومنهم: [٤٥] محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي (١)، ضياء الدين أبو عبد الله الحافظ الحجة، محدث الشام، شيخ السنة. طلب وما نهنه، ولَعِبَ وما أغبّ المَهْمَه، ولم يُلق حبل قلمه عن غاربه، ولم يُلق

стр. 1591

مداد دواته إلا بعرق متاعبه، أخذ لرحلته أهبتها، وعاجل الأيام ووثبتها، وشدّ نسوع نجائبه، وأجد شسوع مذاهبه وتعب حتى استراح، وتمنّى حتى فرغ الاقتراح، ولم يدع واديًا تفد أفواج ريحه، ولا جبلًا تُسرّح لمم شيحه، حتى حال بين جنبيه، أو داس مفرقه وصعد عليه، إلى أن ضبط عن كل امرئ ما هو لافظ، وهبط عن مطا مطيه، وهو يدعى الإمام الحافظ. ولد سنة تسع وستين وخمسمائة، ورحل مرتين إلى أصبهان، وسمع بها ما لا يوصف كثرة، وحصل أصولًا كثيرة، ونسخ، وصنّف، وصحح، ولين، وجرح وعدّل. وكان مرجوعًا إليه في هذا الشأن. قال تلميذه عمر بن الحاجب: شيخنا أبو عبد الله شيخ وقته ونسيجُ وَحْدِهِ علمًا، وحفظًا، وثقة، ودينًا. من العلماء الربانيين. وهو أكبر من أن يدل عليه مثلي، وكان شديد التحرّي في الرواية، مجتهدًا في العبادة، ذكروه فأطنبوا في حقه، ومدحوه بالحفظ والزهد. وقال ابن النجار: حافظ متقن، حجة عالم بالرجال، ورع تقي، ما رأيت مثله. توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ومنهم: [٤٦] محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي المعروف بابن النجار (١) صاحب التصانيف. بحر فسيح الجوانب، طليح المقانب، متسع المدى. لا تُحصى لديه ذنوب المذانب، ورث من جده محاسن، وأرث بجهده الأحاسن،

стр. 1592

ورحل رحلة أمضت أكثر العمر، وأفنت الليالي العتم والقمر، ولقي جمًا غفيرًا، وسمع خلقًا كبيرًا، كأنما ضرب لهم نفيرًا، وأعار التاريخ طرفه، فما فاته منه طرفة عين ولا طُرفة عين، ولا بقي في بغداد من لا ضبط قلمه، وضمه لقمه، وحواه تأليفه، وآواه تصنيفه، وأوراه أو واره تصريفه. ولد سنة ثماني وسبعين وخمسمائة، وسمع وله عشر سنين، واعتنى بالطلب وهو ابن خمس عشرة سنة، وتلا بالروايات الكثيرة، وسمع بأصبهان، ونيسابور، وهراة، ودمشق، ومصر، وغير ذلك، وكتب العالي والنازل، وجمع فأوعى، وخرج لغير واحد، وجمع تاريخ مدينة السلام ذيل به، واستدرك فيه على الحافظ أبي بكر الخطيب، ومقداره ثلاثمائة جزء. وكان من أعيان الحفاظ الثقات مع الدين والصيانة، والنسك، والفهم، وسعة الرواية. وكانت رحلته سبعًا وعشرين سنة، واشتملت مشيخته على ثلاثة آلاف شيخ، ووقفت كتبه ومصنفاته وهي تزيد على خمسة عشر مصنّفًا بالمدرسة النظامية،

стр. 1593

وكان من محاسن الدنيا ﵀. توفي في خامس شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ومنهم: [٤٧] القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف بن محمد بن أبي يداس البرزالي الأشبيلي الأصل الدمشقي الشافعي (١) أبو محمد الحافظ عمدة الحفاظ، مؤرخ الشام، ممن ولدته دمشق، والفحل فحل مُعْرِق، وأوجدته الأيام، فسطع ضوؤها المشرق، وتمخضت منه الليالي عن واحدها واحد أهل المشرق، ومشى فيها على طريق واحد ما تغيّر عن سلوكها، ولا تقهقر في سلوكها يصحب الخصمين وهما من هما، والنظيرين والضرغامة الأسد منهما، وكل منهما راض بصحبته، واثق به لا يعده إلا من أحبته. وكان عند شيخي الإسلام آخر المجتهدين ابن تيمية، وابن الزملكاني، وما منهما إلا من هو عليه مرتبط، وبه مغتبط، يذيع إليه سره في صاحبه، ويتبسط لديه في معاتبه، وهو ساكت لا ينطق بحرف، ولا يشارك حتى ولا بإيماء طرف. وعرف بهذا واشتهر حتى صار عندهما موضع الثقة، ومكان المقة، ومحل الصداقة المحققة، ثم كان يسعى في صلاح ذات بينهما فيعجز، ويعده كل منهما به، ولا ينجز، فاغمد لسانه، وترك كل امرئ منهما وشانه وكان ممن ينفع الطلبة، ويستلذ في راحتهم تعبه، ويحرص على إسماعهم، ويقيد مجالس سماعهم، لا يشغله عنهم ما كان معدًا له من حضور مجالس الحكام، والتسجيل عنهم بالأحكام، وحضور الوظائف ومجالسة أكثر الطوائف، ثم بلغني أنه توجه إلى الحج فمات بخليص، وقد استقبل مكة ميممًا، وكفّن في ثياب إحرامه، ليبعث يوم القيامة محرمًا. ولد في عاشر جمادى الأولى سنة خمس وستين وستمائة، واعتنى بالرواية من صغره، فقرأ بنفسه الكتب الكبار، ورحل إلى الديار المصرية، والثغر، والبلاد

стр. 1594

الشمالية، وسمع مما ينيف على ألفي شيخ، وأجاز له ألف آخر، فاشتمل معجمه على نيف وثلاثة آلاف شيخ، وكتب الأثبات، والتعاليق، والأجزاء، والتاريخ، والتخاريج، ما لا يحصى كثرة. حرّر مسموعاته وصار مقتدى به مرجوعًا إليه في هذا الشأن مع الحفظ، والاتقان، والصدق، والتحري. وكتب الشروط فأحكمها، والسجلات، فأتقنها، وله فيها مصنّفات، وكان محسنًا إلى الطلبة، متلطفًا بهم، صبورًا على التعليم، سهل العارية لكتبه وأجزائه فيقضي أوقاته في السماع والتسميع، وكتابة الطباق، وقضاء حوائج الناس، والمواظبة على وظائفه من غير انقطاع إلا لعذر مانع شرعًا. ولي المشيخات، وصحب الأكابر من أهل العلم. وولد له عدة أولاد توفوا كلهم في حياته، فصبر واحتسب. منهم: المحصل بهاء الدين أبو الفضل محمد. اعتنى به واجتهد إلى أن حفظ المحافيظ، وقرأ القرآن للسبع، وشهد على الحكام، ولم ينبت، وحجّ به، وتوفي وهو شاب. ومنهم فاطمة اجتهد عليها وعلمها الخط، وكتبت ربعة شريفة، وشرعت في صحيح البخاري، فكتبت منه مقدار النصف، ثم حصل لها نفاس، وأعقبها مرضًا أشرفت فيه على الموت مرات، حتى إنَّ كثيرًا من الأعيان كانوا يبطلون مهماتهم، ويتهيئون لتشييع جنازتها، ثم نَقِهَتْ من ذلك، فأكملت الصحيح كتابة في ثلاثة عشر مجلدًا بخط واضح؛ فلما فرغت شرعت في تحصيل الورق وغيره لكتابة صحيح مسلم، فتوفيت قبل شروعها في الكتابة، وذلك بعد فراغها من صحيح البخاري بنحو شهر. وحكى والدها أنها في أثناء مرضها المذكور كانت تتأسف على عدم تكميل البخاري، وتودّ لو عاشت إلى أن تكمله، ثم تموت، فكان ذلك، وصبر والدها، واحتسبها عند الله، وقابل النسخة المذكورة مرتين، واعتنى بها، وصارت عمدةً في الصحة. وحج أبو محمد البرزالي خمس حجج سمع وأسمع فيها بدرب الحجاز، والحرمين، والأماكن المعظمة، ثم قصد الحجّ مرّة سادسة عقيب مرض، فعاوده بدرب الحجاز، ودخل المدينة النبوية محمولًا لمرضه، ثم أحرم، فتوفي بخليص بكرة الأحد رابع ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، فعزم على نقله، ودفنه بمكة، فحصل خلاف بين الفقهاء الحجاج في هذه السنة، وكانوا جماعة من شيوخ المذاهب في جواز النقل، وخيف عليه من الحرّ فصلّي عليه بمخيم الحاج، ودفن إلى جانب البرج بخليص. ووصل خبره إلى الديار المصرية، ثم إلى دمشق في خامس المحرم سنة أربعين، وصلّي

стр. 1595

عليه صلاة الغائب بالبلاد، ووقف كتبه وأجزاءه، وتصدق بثلث ماله. وقلتُ أرثيه لما بلغني وفاته، وكنت إذ ذاك بالقاهرة المعزية: [من البسيط] تُرَاهُمُ بِالَّذِي أَلْقَاهُ قَدْ عَلِمُوا … شَطَ المَزَارُ وَبَانَ البَانُ والعَلَمُ لَهْفِي عَلَيْهِمْ وَقَدْ شَدُّوا رَكَائِبَهُمْ … عَنِ الدِّيَارِ وَلَا يَثْنِي بِهِمْ نَدَمُ قَدْ كَانَ يُذْنِيْهُمُ طَيْفٌ يُلِمُّ بِنَا … فَالآنَ لا الطَّيْفُ يُدْنِيْهِمْ وَلَا الحُلُمُ اللهُ أَكْبَرُ كَمْ أَجْرَى فِرَاقُهُمُ … دَمْعًا وَعَادَ بِمَنْ لَا عَادَ وَهُوَ دَمُ أَمُّوا الحِجَازَ فَمَا سَارَتْ مَطِيَّتُهُمْ … حَتَى اسْتَقَلَّتْ نُعُوشًا قُدِّمَتْ لَهُمُ وَأَحْرَمُوا لِطَوافِ البَيْتِ لَا حُرِمُوا … مِنْ لَذَّةِ العَيْشِ طُولَ الدَّهْرِ مَا حُرِمُوا زَارُوا النَّبِيَّ وَسَارُوا نَحْوَ مَوْقِفِهِمْ … حَتَّى إِذَا قَارَبُوا مَطْلُوبَهُمْ جَثَمُوا يَا سَائِرِينَ إِلَى أَرْضِ الحَجَازِ لَقَدْ … خَلَّفْتُمُ فِي حَشَايَ النَّارَ تَضْطَرِمُ هَلْ مُنْشِدٌ فِيكُمُ أَوْ نَاشِدٌ طَلَبًا … أَضْلَلْتُهُ وَادْلَهَمَّتْ بَعْدَهُ الظُّلَمُ قَدْ كَانَ فِيْ قَاسِمِ مِنْ غَيْرِهِ عِوَضٌ … فَاليَوْمَ لَا قَاسِمٌ فِيْنَا وَلَا قَسَمُ مَنْ لَوْ أَتَى مَكَّةٌ مَالَتْ أَبَاطِحُهَا … بِهِ سُرُورًا وَجَادَتْ أُفْقَهَا الدِّيَمُ أَقْسَمْتُ مُنْذُ زَمَانٍ مَا رَأَى أَحَدٌ … لِقَاسِم شَبَهًا فِي الأَرْضِ لَوْ قَسَمُوا هَذَا الَّذِي يَشْكُرُ المُخْتَارُ هِجْرَتَهُ … وَالبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ مَا كَانَ يُنكِرُهُ رُكْنُ الحَظِيمِ بِهِ … لَوْ أُخْرَ العُمْرُ حَتَّى جَاءَ يَسْتَلِمُ لَهُ إِلَيْهِ وَفَادَاتٌ تُقِرُّ بِهَا … جِبَالُ مَكَّةَ وَالبَطْحَاءُ وَالأَكَمُ مُحَدِّثُ الشَّامِ صِدْقًا بَلْ مُؤَرِّخُهُ … جَرَى بِهَذا وَذَا فِيْمَا مَضَى القَلَمُ يَا طَالِبَ العِلْمِ فِي الفَنَّينِ مُجْتَهِدًا … فِي ذَا وَهَذَا يُنَادَى المُفْرَدُ العَلَمُ يُرْوَى حَدِيثُ العَوَالِي عَنْ يَرَاعَتِهِ … وَمَا لَهُ طَاعِنٌ فِيْها وَمُتَهِمُ قَدْ كَانَ يَدْأَبُ فِي نَفْعِ الأَنَامِ وَلَا … يَرُدُّهُ ضَجَرٌ مِنْهُ وَلَا سَأَمُ وَحَقَّقَ النَّقْدَ حَتَّى بَانَ بَهْرَجُهُ … وَصَحَّحَ النَّقْلَ حَتَّى مَا بِهِ سَقَمُ وَعَرَّفَ النَّاسَ كَيْفَ الطَّرْقُ أَجْمَعُها … إِلَى النَّبِيِّ فَمَا جَارُوا وَلَا وَهَمَوا وَعَلَّمَ الخَلْقَ فِي التَّارِيخِ مَا جَهِلُوا … وَبَعْضُ مَا جَهِلُوا أَضْعَافُ مَا عَلِمُوا يُرِيْكَ تَارِيخُهُ مَهْمَا أَرَدْتَ بِهِ … كَأَنَّ تَأْرِيْحَهُ الآفَاقُ والأَمَمُ مَا فَاتَهُ فِيْهِ ذُو ذِكْرٍ أَخَلَّ بِهِ … وَلَوْ يَرُومُ لَعَادَتْ عادُ أَوْ إِرَمُ إِذَا نَشَرْتَ لَهُ جزءًا لِتَقْرَأَهُ … تَظَلُّ تَنْشُرُ أَقْوَامًا وَهُمْ رِمَمُ يَا أَيُّها المَوْتُ مَهْلًا فِي تَفَرُّقِنَا … شَتَّتَ شَمْلَ المَعَالِي وَهُوَ مَنْتَظِمُ تِجِدُّ فِيْنَا وَتَسْعَى فِي تَطَلُّبِنا … إِصْبِرْ سَنَأْتِيْكَ لَا تَسْعَى بِنَا قَدَمُ

стр. 1596

هَا قَدْ ظَفِرْتَ بِفَرْدٍ لا مَثِيلَ لَهُ … وَإِنْ أَرَدْتَ لَهُ مِثْلًا فَأَيْنَ هُمُ يَا ذَاهِبًا مَا لَنَا إِلا تَذَكَّرْهُ … آهًا عَلَيْكَ وَآهُ كُلُّها أَلَمُ جَادَتْ عَلَيْكَ مِنْ الغُفْرَانِ بَارِقَةٌ … غَرَّاءُ يَضْحَكُ فِيْهَا البَارِدُ الشَّبِمُ تَرْوِي شَرَاكَ وتُسْقَى مِنْ جَوَانِبِهِ … إِلَى جَوَانِبِ حَزْوَى البَانِ والسَّلَم وَحَلَّ أَرْضَ خُلَيْصٌ كُلُّ رِيحٍ صَبًا … بِنَشْرِهَا تَبْعَثُ الأَرْدَانُ وَاللَّمَم وَخَيَّمَتْ دُوْنَ عُسْفَانٍ لَهَا سُحُبٌ … تُسْقَى بِأَنْوَائِها السُّكَّانُ وَالخِيَمُ لَهْفِي عَلَيْكَ لِتَحْرِيرِ بَلَغْتَ بِهِ … مَا لَيْسَ تَبْلُغُهُ أَوْ بَعْضَهُ الهِمَمُ مَا الحَافِظُ السِّلَفِيُّ الطَّهْرُ إِنْ ذُكِرَتْ … أَسْلَافُكَ الغُرُّ وَالآثَارُ وَالكَرَمُ قَطَعْتَ عُمْرَكَ فِي فَرْضٍ وَفِي سُنَنٍ … هَذِي الغَنِيمَةُ وَالأَعْمَارُ تُعْتَنَمُ ومنهم: [٤٨] يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك القضاعي، الكلبي المزي الدمشقي، أبو الحجاج، جمال الدين (١) الحافظ الجهبذ، حجة الحفاظ. انتهت إليه معرفة الرجال، ومدد الآجال، وزمر البطايا منهم والعجال، إتقانًا للمواليد والوفيات، والتكميل والفوات، والجرح والتعديل بالأمور الظواهر والخفيات، وصنّف الكتب التي ما شنف بمثلها قبله أذن الدنيا مشنف، ولا صنف مثله قبلها مصنّف، سعة معرفة لا يضيق بها حصر، ولا يضيع في جانبها أهل عصر، مع اطلاع على اللغة أنس بها غُربتها، وجس عليه عُريبها بمعارف قصرت مُدّته عن تحليلها، وجملته عن تفصيلها، إلا أن الله سهل له صعابها، وهون عليه أتعابها، فبلغ منها ما لم يصل إليه أمل، آمل، ونبغ فيها وأنبه أهل زمانه معه خامل، إلا أنه كان ظاهر الجمود، لا يتكلّم كأنه جلمود، ولم يكن فيه وحاشاه ما يعاب، ولا ما يدنّسه من قبح ألعاب، إلا أنه كان يتهوس بالمطالب والكنور، ويتفرّس أنه لها بمساعيه يتحوز، وكان يتبذل لأجلها مع العوام، ويقتحم بسببها الموت الزؤام، ولا يدع نفسه النفيسة، ويدع عنها أطماع هذه الخسيسة، وهيهات لقد ظفر من حديث الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - بمطلب لا يفنى، وذهب خلاص لا بَلْ أين

стр. 1597

الذهب من ذلك الجوهر الأسنى، فوا أسفًا لرتبته العليا، ووالهفًا كيف ضيع وقتًا من أوقاته بطلب سحت الدنيا. مولده بظاهر حلب سنة أربع وخمسين وستمائة ونشأ بالمزة، وحفظ القرآن، وتفقه قليلًا، ثم أقبل على هذا الشأن، ورحل سنة ثلاث وثمانين، ونسخ بخطه المليح المتقن كثيرًا لنفسه ولغيره، ونظر في اللغة، ومهر فيها، وفي التصريف، وقرأ العربية. وأما معرفة الرجال، فهو حامل لوائها، والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله، وخرج لغير واحد، وأملى مجالس، وأوضح مشكلات ومعضلات ما سبق إليها من علم الحديث ورجاله، وكان ثقة كثير العلم، غزير الفضل حسن الأخلاق، كثير السكوت، قليل الكلام جدًا، صادق اللهجة، لم تعرف له صبوة، وكان يطالع وينقل الطباق إذا حدث، وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شيء مما يقرأ، بل يرد في المتن والإسناد ردًّا مفيدًا بحيث يتعجب منه فضلاء الجماعة. وكان متواضعًا حليمًا صبورًا مقتصدًا في ملبسه ومأكله كثير المشي في مصالحه. تَرَافَقَ هو وشيخ الإسلام ابن تيمية في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرّر طريقة السلف في السنة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية، وقواعد كلامية. وكان له عمل كثير في المعقول وما وراء ذلك - بحمد الله - إلا حسن إسلام وخشية الله. وصحب في وقت العفيف التلمساني، فلما تبين له إنحلاله وإلحاده تبرأ منه وحط. وكان ذا مروءة وسماحة، وتقنع باليسير باذلًا لكتبه وفوائده ونفسه. كثير المحاسن؛ ولقد آذاه أبو الحسن بن العطار، وسبّه، فما تكلم فيه، ولا فيمن آذاه. وقرأ بدمشق مرة تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر الخطيب، فوثب عليه جماعة من الروم الحنفية، ودفعوه إلى قاضي القضاة حسام الدين الرازي، وهو إذ ذاك حاكم بدمشق، فلتطف الحاكم المذكور مع الفقهاء الحنفية المذكورين، ووعدهم، ومناهم، وعفا عنه، ومنعه بالحسنى منهم، وأخرجه ليلًا، فغيّب مدة حتى سكنت الثائرة، وخمدت الفتنة، وعصمه الله منهم، وكانوا قد عزموا على قتله بأيديهم. وكانت وفاته في ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وصلّي عليه الغد بجامع دمشق، ودفن بمقبرة الصوفية. ومنهم:

стр. 1598

[٤٩] محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن الذهبي، أبو عبد الله، شمس الدين (١) بقية الحفاظ. وهو شمس العصر لا غابت، ولا اعتلت أصلها ولا خابت. بقي في هذا الزمن الأخير بقاء الشمس في العصر، وتفرد تفردها بالمحاسن التي تجل عن الحصر. فضائل لا يستطيعها أهل التحصيل، وفواضل تحلّى بها ذهبي العصر بمثل ذهبية العصر من الأصيل. معدن لا غرو أن نُسب إلى ذهبية الذهب أو حُسِبَ للهبية ما لا ينكر لقريحته من اللهب. ما المزي عنده إلا ممن تمزز، وما شرب حتى اضطلع، ووقف دون العقبة الكؤود، وما طلع، فاقه بل ساوى كل سابق متقدّم إن لم يكن فاقه، وضبطه فما قيده، ثم ما حلّ وثاقه علم الحديث، وتاريخ أصبح فيهما فردًا لا يخلف، وسابقًا ونحن نسأل الله أن يتخلف، وإمامًا بقي في أثناء الدهر حتى صلوا خلفه وسلموا عليه، وعرفوا حقه فودوا أن يتأخر ويقدموا، وواحدًا لو أنَّ لأهل هذا الزمان همة من كان قبلهم، لشدُّوا إليه المطي تلطم وجوه السباسب، وتشقق جلباب الضحى والغياهب، ولا تزال تحط لديه رحال، وتشدّ رحال، وتعدّ سوى لقيه محالًا كل حال. مولده في ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وعمل مع والده صناعة الذهب ثم في سنة تسعين، أحبّ القراءات، فقرأ التجويد وقرأ للسوسي بالإدغام في سنة إحدى وتسعين، وقرأ لنافع بكماله على الشيخ محمد المزراب، ولازمه، وحصل شرح الشاطبية. وفي أيام التشريق منها شرع في القراءات السبعة جمعًا على الشيخ جمال الدين البدوي، فَرَسَمَهُ في كيفية الجمع، ومات الفاضلي وقد جمع عليه إلى أواخر القصص سنة اثنتين وتسعين في ربيع الآخر. قال الذهبي: فتألمت لكوني لم أكمل، ففتح الله علينا بشمس الدين الدمياطي، فذهبنا إليه، وكلمناه، فوجدناه ذاكرًا للقراءات ذاكرًا جيدًا أجود من الفاضلي، فإن الفاضلي كان قد استولى عليه الفالج، وتغيّر حفظه. فقعد لنا الدمياطي في الكلاسة طرفي النهار، وكان مستحضرًا للشاطبية، فكملت عليه القراءات في مدة

стр. 1599

يسيرة، وكذا ابن بصخان، وابن غدير. وقرأت عليه ختمة واحدة لابن عامر، وكملت القراءات على الإسكندري في تلك المدّة، وقرأت في تلك المدة على الشمس الخياضري عليه في أول سنة ثلاث وتسعين. ثم لازمت الشيخ مجد الدين التونسي في أثناء سنة اثنتين وتسعين، وشرعت عليه في ختمة للسبعة، وشرحنا عليه في القصيد أنا وابن غدير، والعلم الحلبي، وابن بصخان، وتفقهنا في بحوث القراءات به. وقرأت النحو على ابن أبي الفتح، وحضرت دروس النحو في العادلية عند الشيخ شرف الدين الفزاري، وقرأت النحو أيضًا على الشهاب الشاغوري. وفي رجب سنة اثنتين وتسعين سمعتُ الحديث أول ما سمعت فيها على ابن عساكر، وابن البزوري، وعائشة بنت المجد، وجماعة. ثم دللت على ابن القواس بعربيل، فأخذت المنهج في القراءات، وطلعت إليه، فقرأت عليه يومئذ منه نحو عشرة كراريس وذلك أول يوم من سنة ثلاث، ثم دخل المدينة، وسمعت عليه الحديث، وغَوِيت بالحديث، وقرأ على النظام التبريزي ختمة لأبي عمرو. ثم استأذنت والدي في الرحلة إلى بعلبك، فأذن لي بعد تكرر سؤالي له، فلازمت التاج عبد الخالق، والموفق بن قدامة والشيوخ تسمع. قرأت على الشيخ موفق الدين بن قدامة ختمة للسبعة في نحو خمسين يومًا، وكملتها في سلخ سنة ثلاث وتسعين، وقرأت في تلك المدّة عدة كتب من المسندات. ثم عزمت على الرحلة إلى الديار المصرية، فاستأذنت والدي، فغضب، وضج، وحلف بالطلاق أنه ما يُعطيني فلسًا إن رحت، فحزنت، وقعدت أنسخ بالأجرة حتى كنت أحس ظهري ينقطع، وأنا أتجلّد، وأكابد حتى أني كنت يوم سبت في بستان ضمناه، وهم فيما هم، وأنا قد شددت خلف ظهري دفة خشب من الوجع، وأنا لا أستريح، وصمدت مائة وخمسين درهمًا، ثم مرضت، وبرد عزمي، وأيست من السفر، ثم هيجني السفر قليلًا، فألقيت في ذهن أمي السفر، فقالت لوالدي، وقلت: معي الدراهم أتوصل بها، فقال والدي: [من البسيط] إِنَّ الغَرِيبَ الطَّوِيلَ الذَّيْلِ مُمْتَهَنٌ … فَكَيْفَ حَالُ غَرِيْبٍ مَا لَهُ قُوْتُ؟ وضرب لي الأمثال، ثم قال: قد بلشت باليمين. فأعطتني أختي خواتيم ذهب، وغير ذلك، فسافرت في رجب سنة خمس وتسعين، ومعي ما قيمته ثمانمائة درهم، فسمعت بالبلاد التي بالطريق، ونزلت بزاوية ابن الظاهري وقرأت السيرة لابن هشام

стр. 1600

على الأبرقوهي في ستة أيام، فكنت أقرأ من بكرة النهار إلى المغيب في النهار، نستريح ساعة في وسط النهار. ثم سافرت في أوائل رمضان إلى الإسكندرية في النيل، فلقيت بها يحيى بن الصوّاف فشرعت عليه في ختمة جمعًا، فأقرأني آياتٍ، وقال: قف، وكان قد أصم، وعمي، وهو عسر الأخذ، وانقطع صوتي مما أرفعه؛ ليسمع، فسلوته، وسمعت عليه ثلاثة أجزاء من الخلعيات. ثم مضيتُ إلى سحنون، فكنت أقرأ عليه من القرآن كل يوم جزئين وأكثر النافع وعاصم، فأكملت عليه الختمة في أحد عشر يومًا، ومات ثاني يوم ختمت، وذلك في رابع شوال. ثم رجعت في خليج الإسكندرية إلى القاهرة، وشرعت في تتمة ما قدّر لي أن اسمعه، وعدت إلى دمشق، وزرت الخليل ﵊ والقدس، وقرأت على الجعبري كتابه في القراءات العشرة الذي نظمه مرموزًا كالشاطبية، وسمعت بنابلس من العماد بن بدران هذا ملخص ما ذكره في ابتداء طلبه. ثم إنه ولي خطابة قرية كفر بطنا - من قرى غوطة دمشق - فسكنها مدة، ولازم الاشتغال والتخريج، والاختصار والتصنيف، ولم يكن له هم غير ذلك، ولا له عنه شاغل. ثم انتقل عن الخطابة المذكورة لما ولي مشيخة دار الحديث الظاهرية، وولي معها مشيخة الحديث بتربة أم الملك الصالح، ومشيخة الدار التنكزية ومشيخة الدار النفيسية. وانتهت إليه الرئاسة في معرفة الحديث وعلله وصحيحه، وسقيمه ورجاله، وجَرَحَ، وعَدَّلَ، َوصَحَّحَ وضَعف، واستدرك على الحفاظ. ولم يزل يكتب وينقي، ويُصنّف الكتب الكبار هذا دأبه مع مباشرة الوظائف، وإفادة الطلبة إلى أن أضر بأخَرَةٍ. وأما التاريخ، فتفرد بمعرفته، وصنّف فيه «تاريخ الإسلام» في أحد وعشرين مجلدًا واختصر تاريخ بغداد، و «تاريخ دمشق» في عشر مجلدات، و «تاريخ ابن الدبيثي» وانتخب كثيرًا من «تاريخ ابن النجار»، و «ذيل السمعاني»، و «وفيات المنذري، والشريف، والبرزالي، واختصر تاريخ نيسابور»، و «تاريخ أبي شامة»، وصنف طبقات القراء مرتين الثانية مهذبة، و «طبقات الحفاظ المهرة» في مجلدين، وعمل ميزان الاعتدال في نقد الرجال ثلاث مجلدات، و «نبأ الدجال» وألف كتاب المشتبه في الأسماء والأنساب، و «مناقب العشرة»، وكتاب «العبر في خبر من غبر»

стр. 1601

مجلدين، و «تاريخ دول الإسلام» مجلد، و «تجريد أسماء الصحابة» مجلد كبير، وكتاب «المغني في الضعفاء» مجلد، و «الضعفاء» كتاب آخر أصغر من المغني، وكتاب «النبلاء في شيوخ الأئمة الستة»، وكتاب «مختصر الكنى». وصنف تراجم أعيان النبلاء من الأئمة، والحفاظ، والكبراء، والوزراء، و «الملوك» في عشرين مجلدًا، وكتاب «الممتع» في ستة أسفار. وأما ما صنّفه من المسائل وغيرها من الأبواب، مما هو جزء فكتاب «الزيارة المصطفوية» جزء، وآخر كبير، و «آية الكرسي» جزء، و «سيرة الحلاج» جزءان، و «تحريم أدبار النساء» صغير، وآخر ضخم، وكتاب «الكبائر» ثلاثة كراريس، وجزء في «الشفاعة»، وجزءان في «صفة الجنة»، وجزء في «حديث القهقهة»، «طرق ينزل ربنا»، «طرق حديث الطير»، «طرق من كنت مولاه»، «ما تصح به التلاوة» ثلاثة أجزاء، «مسألة الاجتهاد»، «مسألة خبر الواحد» «التمسك بالسنن»، «التلويح بمن سبق ولحق»، «معرفة آل منده»، «أهل المائة عام، «مهم تقييد المهمل»، «مختصر القراءات»، «الوصية العفيفية»، «اللآلئ السفطية في الليالي الغوطية»، «هالة البدر إلى أهل بدر»، «مسألة السماع»، جزء، و «مسألة الخميس»، و «مسألة الغيبة»، جزء «الخضاب» جزء أربعة تعاصروا»، و «مسألة الوعيد»، وكتاب «الموت وما بعده»، «رؤية الباري». وأما ما اختصر من الكتب الكبار، فكتاب «السنن الكبير» للبيهقي في مقدار النصف مع المحافظة على المتون، واختصر المدخل إليه، واختصر «الروض الأنف»، واختصر من «تهذيب الكمال»، «تجريد الاسماء» عمله عشر طبقات وكتابًا سماه «تذهيب التهذيب» واختصر منه «الكاشف» مجلد، واختصر «الفاروق» وهذبه، واختصر «الرد على ابن طاهر»، وكتاب «جواز السماع» لجعفر الأذفوي، واختصر «المحلّى» لابن حزم في ثلاث مجلدات ونصف سمّاه «المستحلى»، واختصر «المستدرك» للحاكم، واختصر «الأطراف» في مجلدين، واختصر «تقويم البلدان» لصاحب حماة. وأما ما خرجه لكبار شيوخه من المعاجم الكبار والصغار، فينيف على العشرة، وخرج لنفسه معجمًا مرتين، ومعجمًا لطيفًا منقى. وغالب مصنّفاته موشجة بمروياته. قال: وعملت عدة تواليف في السُّنة والعرش أخفيتها خوف الفتن والأهواء. هذا ما حضرني من كتبه و به تمام حفاظ المشرق، وسُحب هذا النوء المُعْدِق، ولا أعرف معه آخر فأذكره، وأشهده محفل هذا الكتاب وأحضره.

стр. 1602

[مشاهير الحفاظ من أهل الحديث في الجانب الغربي] فأمام الحفاظ بالجانب الغربي، فلولا مصر، ما نهضت قوادمهم المحصوصة، وسدت خصاصاتهم المعروفة بهم فواقرها المخصوصة، وسأذكر من لاح نجمه مصوبًا في غربهم، وسقى صبًا من سحبهم. فمنهم: [٥٠] يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس الليثي الأندلسي (١) راوي كتاب «الموطأ»، وعاقل الأندلس، وعاقد أزِمَّتها الشمس، والمقدم في حفاظها، والميمم يقصد ألحاظها، والمعدود في معارف أعلامها، وثانيًا في عوارف أيامها، وثالثًا لتدافق بحرها، وساكب غمامها، ورابعًا لنجوم سمائها، وشموس ضيائها، وبدور ظلامها، وخامسًا إلى ما لا نهاية له من العدد من المحاسن المؤذنة بتمامها، مشدّد في دين، ومسدّد لا يلين، ومشيد لأركان الشريعة. فرد ما له خدين. سمع من مالك الموطأ غير أبواب في الاعتكاف، شك في سماعها، فأثبت روايته فيها عن زيادة بن عبد الرحمن اللخمي، عن مالك.

стр. 1603

وسمع بمكة من ابن عيينة، وبمصر من الليث بن سعد، وعبد الله بن وهب، وعبد الرحمن بن القاسم. وتفقه بالمدنيين والمصريين من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك، وملازمته له، وكان مالك يسمّيه عاقل الأندلس، وكان سبب ذلك فيما روي أنه كان في مجلس مالك مع جماعة من أصحابه، فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحاب مالك كلّهم؛ لينظروا إليه، ولم يخرج يحيى، فقال له مالك: ما لك لا تخرج تراه؛ لأنه لا يكون بالأندلس؟، فقال: أنا جئت من بلدي؛ لأنظر إليك، وأتعلم منك هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل، فأعجب به مالك، وسماه عاقل الأندلس. ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس، وانتهت إليه الرئاسة بها، وبه انتشر مذهب مالك في تلك البلاد، وتفقه به جماعة لا يحصون عددًا، وروى عنه خلق كثير، وأشهر روايات الموطأ وأحسنها روايته. وكان مع إمامته ودينه معظمًا عند الأمراء مكينًا، عفيفًا عن الولايات، متنزهًا، جلت رتبته عن القضاء، فكان أعلى قدرًا من القضاة عند ولاة الأمر هناك؛ لزهده في القضاء، وامتناعه منه. قال ابن حزم مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة؛ فإنه لما ولي قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قبله، فكان لا يولي قضاء البلدان من أقصى المشرق إلى أقصى إفريقية إلا أصحابه ومن انتمى إلى مذهبه، ومذهب مالك بن أنس عندنا في بلاد الأندلس، فإن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان، مقبول القول في القضاة، وكان لا يلي قاض في أقطار بلاد الأندلس إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه، ومن كان على مذهبه. والناس سراع إلى الدنيا، فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ أغراضهم به على أن يحيى بن يحيى لم يل القضاء قط ولا أجاب. وكان ذلك زائدًا في جلالته عندهم، وداعيًا إلى قبول رأيه لديهم. وقال أحمد بن أبي الفياض: كتب الأمير عبد الرحمن بن الحكم المرتضى - صاحب الأندلس - إلى الفقهاء يستدعيهم إليه، فأتوا إلى القصر. وكان عبد الرحمن المذكور قد نظر في شهر رمضان إلى جارية له كان يحبها حبًّا شديدًا، فعبث بها، ولم يملك نفسه أن وقع عليها، ثم ندم ندمًا شديدًا، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته، فقال يحيى بن يحيى: يكفر ذلك بصوم شهرين متتابعين؛ فلما بدر يحيى إلى هذه الفتيا، سكت بقية الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقال بعضهم لبعض،

стр. 1604

وقالوا ليحيى: ما لك لم تُفته بمذهب مالك، فعنده أنه مخير بين العتق والطعام والصيام، فقال: لو فتحنا له هذا الباب، سهل عليه أن يطأ كل يوم، ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور؛ لئلا يعود. وقال محمد بن عمر بن لبابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك ابن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى. وكان أحمد بن خالد يقول: لم يُعط أحمد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من الحظوة، وعظم القدر، وجلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى. وقال ابن بشكوال: كان يحيى بن يحيى مجاب الدعوة، وكان قد أخذ في نفسه وهيأته ومقعده هيأة مالك. وحكي عنه أنه قال: أخذت ركاب الليث بن سعد، فأراد غلامه أن يمنعني، فقال: دعه، ثم قال لي الليث: خدمك العلم، فلم تزل بي الأيام حتى رأيت ذلك. ثم قال ابن بشكوال: توفي يحيى في رجب سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقبره بظاهر قرطبة بمقبرة ابن عياش يستسقي به. وزاد الحميدي: أن وفاته كانت لثمان بقين من الشهر المذكور. ومنهم: [٥١] بقي بن مَخْلَد، الإمام شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن القرطبي (١) الحافظ صاحب «المسند» الكبير، و «التفسير» الجليل، والتقرير الجميل،

стр. 1605

والتقريب لما لم يدر في خلد، ولم يدر ما لابن مخلد منه خلد، أسوة أنظاره، وقدوة زمانه، والناس على آثاره، لو لم يكن للأندلس سواه، لما فنيت غروسه، ولا فتئت في سن الفتاء شموسه، ولا تجاسر الأصيل إذا غربت الشمس بذلك الأفق أن تشعشع كؤوسه. أقلع نَوْؤُه وهذه غُدره، وغاض بحره، وهذه درره، وذهب زمانه، وهذه مصنفاته، وهذا خبره. ولد في شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وطوّف الشرق والغرب، وشيوخه مائتان ونيف وثمانون شيخًا، وروى عنه جماعة. وكان إمامًا عالمًا، قدوة، مجتهدًا، لا يقلّد أحدًا، ثقة، حجة، صالحًا، عابدًا، مجتهدًا، أوّاها، منيبًا، عديم النظير في زمانه. قال أحمد بن أبي خيثمة: ما كنا نسميه إلا المكنسة، وهل يحتاج بلد فيه بقي إن يأتي منه إلينا أحد. وقال أبو الوليد الفرضي: ملأ بقي الأندلس حديثًا. وقال أبو عبد الملك القرطبي في تاريخه: كان بقي طوالًا أقنى، ذا لحية، مضبّرًا، وكان متواضعًا، ملازمًا لحضور الجنائز، وكان يقول: إني لا أعرف رجلًا كانت تمضي عليه الأيام في وقت طلبه ليس له عيش إلا ورق الكرنب. وقال بقي: لما رجعت من العراق، أجلسني يحيى بن بكير إلى جنبه، وسمع مني سبعة أحاديث. وقد تعصبوا على بقي لإظهاره مذهب أهل الأثر، فدفعهم عنه أمير الأندلس محمد بن عبد الرحمن المرواني، واستنسخ كتبه، وقال لبقي: انشر علمك. وقال بقي: لقد غرست للمسلمين غرسًا بالأندلس لا يقلع إلا بخروج الدجال. وقال ابن حزم: كان بقي ذا خاصة من أحمد بن حنبل، وجاريًا في مضمار

стр. 1606

البخاري ومسلم والنسائي. وقال بقي: كل من رحلت إليه، فماشيًا على قدمي. وكان بقي مجاب الدعوة، يؤثر عنه إيثاره حتى بثوبه. وقيل: إنه كان يختم القرآن كل ليلة في ثلاث عشرة ركعة، ويسرد الصوم، وحضر سبعين غزوة، ومات في جمادي الآخرة سنة ست وسبعين ومائتين. ومنهم: [٥٢] محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي، الحميدي، الأندلسي، الميورقي (١) الحافظ المشهور. تنازعت فيه الجزائر، وسارعت إلى تلقي خياله الزائر، أفرشه الأندلس نمارقه الخضر، فأباها، وأحلّه مفارقه البيض فنَفَس بنفسه على رباها، وأخذ يسمو سمو حُباب الماء حالًا على حال، ويتعقب سفائن بحر، وسفائن آل، إلى

стр. 1607

أن نزل بكنف بغداد المخصب، وتطرف بمطرف العراق المعشب. ثم حرم على الرجل ظهورها، وإلى الارتحال ظهورها، وسكن بجانب دجلة لا يُسقى إلا بمائها، ولا يُظلل إلا بسمائها، وحبّب إلى أهلها لوجود الملاءمة، ووجوه المحاسن التي تخلق بأخلاقها. وعداه اللائمة. أصله من قرطبة، من ربض الرصافة، وهو من أهل جزيرة ميورقة تجاه شرق الأندلس. روى عن أبي محمد بن حزم واختص به، وأكثر من الأخذ عنه، وشهر بصحبته، وعن أبي عبد البر، وغيرهما من الأئمة. ورحل إلى الشرق سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، فحج، وسمع بإفريقية والأندلس، وبمكة - حرسها الله وشرفها - وبمصر، والشام والعراق، واستوطن بغداد. وكان موصوفًا بالنباهة، والمعرفة، والاتقان والدين، والورع، وكانت له نغمة حسنة في قراءة الحديث. وقال أبو نصر بن ماكولا: لم أر مثله في عفته ونزاهته وتشاغله بالعلم. وكان من اجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ، وكان يجلس في إجانة ماء يتبرد به، وكان إمامًا في الحديث وعلله، ورواته، متحققًا في علم التحقيق، والأصول على مذهب أصحاب الحديث، متبحرًا في علم الأدب والترسل، وله كتاب «الجمع بين الصحيحين» وهو مشهور، وأخذه الناس عنه، وله مصنفات أخرى مفيدة. توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، ودفن من الغد بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وصلّى عليه أبو بكر الشاشي في جامع مع القصر، ثم نقل بعد ذلك في صفر سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى مقبرة باب حرب، ودفن عند قبر بشر الحافي. ومولده قبل العشرين وأربعمائة. ومن نظمه قوله: [من الوافر] لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيْئًا … سِوَى الهَذَيَانِ مِنْ قِيْلٍ وَقَالِ فَأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إلا … لأَخْذِ العِلْمِ أَوْ إِصْلَاحِ حَالِ ومنه قوله: [من الوافر] طَرِيقُ الزُّهْدِ أَفْضَلُ مَا طَرِيقِ … وَتَقْوَى اللهِ تَأْدِيَّةُ الحُقُوقِ

стр. 1608

فَثِقْ بِالله يَكْفِكَ وَاسْتَعِنْهُ يُعِنْكَ … وَذَرْ بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ ومنه قوله: [السريع] كِتَابُ اللهِ قَوْلِيْ … وَمَا صَحَتْ بِهِ الآثَارُ دِينِي وَمَا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلَيْهِ بَدْءًا … وَعَوْدًا فَهْوَ عَنْ حَقٌّ مُبِينِ فَدَعْ مَا صَدَّ عَنْ هَذِي وَخُذْهَا … تَكُنْ مِنْهَا عَلَى عَيْنِ اليَقِينِ ومنهم: [٥٣] خلف بن عبد الملك بن مسعود بن موسى بن بشكوال أبو القاسم الأنصاري، الأندلسي القرطبي (١) محدّت الأندلس ومؤرخها، ومتعب المساعي في مجاراته وموبخها، ومسمع رممها الأموات بنداء تاريخه ومصرخها، وكاتب آثارها بيديه ومستنسخها، حفظ عن السلف، وتأخر ونعم الخلف خلف، وفخر وما تكلّم إلا تصنيفه، وما ثُمَّ إلا معترف، وذخر ما هو إلا عمله الطود الذي ما نُسِف، والبحر الذي ما نُزِف. ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة.

стр. 1609

قال أبو عبد الله الأبار: كان متسع الرواية، شديد العناية بها، عارفًا، إخباريًا، تاريخيًا، وذاكرًا لأخبار الأندلس. سمع العالي والنازل، وأسند عن شيوخه أزيد من أربعمائة كتاب بين صغير وكبير، ورحل إليه الناس، وأخذوا عنه، ووصفوه بصلاح الدخلة، وسلامة الاعتقاد، وصحة التواضع، وصدق الصبر للطلبة، وطول الاحتمال. ألف خمسين تأليفًا في أنواع العلم، وولي بأشبيلية قضاء بعض جهاتها نيابة لأبي بكر بن العربي، وعقد الشروط، ثم اقتصر على إسماع العلم، وعلى هذه الصناعة، وهي كانت بضاعته، والرواة عنه لا يحصون. واستوعب ابن الزبير ترجمته، وقال: كان يؤثر الخمول والقناعة بالدون من العيش، ولم يتدنس ﵀ بخطة تحط من قدره، حتى لم يجد أحد إلى الكلام منْهُ من سبيل. توفي في ثامن شهر رمضان سنة ثمان وسبعين وخمسمائة عن أربع وثمانين سنة. ومنهم: [٥٤] عبد الحق بن عبد الرحمن بن الحسين بن سعيد، الحافظ أبو محمد الأزدي، الأشبيلي، ويعرف بابن الخراط (١) فاضل أرشفته الدنيا ريقها، وألحفته وريقها، ثم نغصت له جرعها، وخلعت عن

стр. 1610

منكبيه خلعها، واستردت منه أيام عواريها وردت إليه سهام عواديها، وقلبت له ظهر مجنّها، ودهر أمنها، فنابته نوائبها، وأصابته صوائبها، وأخذ فيها من حيث ظنَّ أنَّها سالمته، وقد اغتر بأنّها في زخرفها ساهمته، وخدعته بغرورها، وما عرف أنها أوهمته. سكن إليها، وهي التي لا يسكن إليها ذو حجى واطمأن بها، وكيف يطمئن خابط في الدجى. سكن بجاية وقت الفتنة التي زالت فيها الدولة اللمتونية، فنشر بها علمه، وصنف التصانيف واشتهر اسمه، وبعد صيته وسعد قسمه، وولي خطابة بجابة. ذكره أبو عبد الله الأبار، فقال: كان فقيهًا، حافظًا، عالمًا بالحديث وعلله، عارفًا بالرجال، موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع، ولزوم السنة، والتقلل من الدنيا، مشاركًا في الأدب، وقول الشعر، وصنّف في «الأحكام» نسختين كبرى وصغرى. سبقه إلى مثل ذلك أبو العباس بن أبي مروان الشهيد بلبلة، فحظي عبد الحق دونه. وله في الجمع بين الصحيحين مصنّف، وله أيضًا مصنف كبير جمع فيه بين الكتب الستة، وله مصنفات أخرى منها كتاب في اللغة حافل، ضاهي به كتاب «الغريبين» للهروي. وتوفي ببجاية بعد محنة نالته من قبل الدولة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ومن شعره قوله: [من الكامل] إِنَّ فِي المَوْتِ وَالمَعَادِ لَشُغْلًا … وَادِّكارًا لِذِي النُّهَى وَبَلاغَا فَاغْتَنِمْ خُطَّتَيْنِ قَبْلَ المَنَايَا … صِحَّةَ الجِسْمِ يَا أَخِي وَالفَرَاغَا ومنه قوله: [السريع] واهًا لِدُنيا وَلِمَغْرُورِهَا … كَمْ شَابَتِ الصَّفْوَ بِتَكْدِيْرِهَا إِنَّ امْرَءًا أُمِّنَ فِي سِرْبِهِ … وَلَمْ يَنَلْهُ سُوْءُ مَقْدُورِهَا وَكَانَ فِي عَافِيَةٍ جِسْمُهُ … مِنْ مَسٌ بَلْوَاهَا وَتَغْيِيرِهَا وَعِنْدَهُ بُلْغَةُ يَوْمٍ فَقَدْ … حِيْزَتْ إِلَيْهِ بِحَذَا فِيرِهَا ومنهم:

стр. 1611

[٥٥] محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس اليعمري، الأندلسي الأشبيلي (١) عالم المغرب. فاضل أشهر من ظهور النجوم في العَتَم، وأنفع من وجود الغنى في العَدَم عَلَمُ عِلْمِ لا يُنكر، وفضل لا يستحق معه أحد أن يذكر، وكان يرى مذهب أهل الظاهر لا يتعداه إلى قياس، ولا يوسع نظره في رأي خوف الالتباس، رقى صهوة المنبر معلنًا بالخطب، وأعاد غُصنًا غضًا تحته عود ذلك الحطب، ببلاغة جنى ثمرها يانعًا، وجلا قمرها ولم يجد مانعًا. ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وذكره الشريف عز الدين في وفياته، فقال: كان أحد حفاظ الحديث المشهورين، وفضلائهم المذكورين، و به ختم هذا الشأن بالمغرب. وقال ابن الزبير: أجاز له نحو من أربعمائة، وانتقل إلى حصن القصر، ثم إلى طنجة، وأقرأ بجامعها، وأم وخطب، ثم انتقل إلى بجاية فخطب بجامعها، ثم طلب إلى تونس فدرس بها. وكان ظاهري المذهب توفي في رجب سنة تسع وخمسين وستمائة. وهذا آخر المحدثين بالغرب الممحض، ويأتي بعده من كان منهم بمصر؛ لأنها لسوء بختها في الغرب واقعة، وفي قسمها محسوبة إن لم يكن ثم أجوبة دافعة.

стр. 1612

[مشاهير الحفاظ في مصر] فمنهم: [٥٥ م] يزيد بن أبي حبيب الإمام الكبير أبو رجاء الأزدي (١) مولاهم المصري، الفقيه الذي لو أودع الغمام لكان بجفنه يقيه، ولو عقل الزمان لما سأل إلا أن الله يمدُّ حياته ويبقيه. أبدل أراجيف مصر سكونًا، وتخاويف أهلها تأمينًا، وسكت فيها ملاحاة الملاحم، وملاواة الملاوم، حتى أعادها غراء آمنة في مدته، بيضاء كصحيفة عمله الصالح لا جلدته. قال ابن يونس: كان مُفتي أهل مصر، وكان عليمًا، عاقلًا، وهو أول من أظهر العلم بمصر، والمسائل في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون في الترغيب والملاحم والفتن. وقال الليث بن سعد: يزيد سيدنا وعالمنا. وقيل: إنَّ يزيد أحد ثلاثة جعل إليهم عمر بن عبد العزيز الفتيا بمصر. وقال ابن لهيعة: كان أسود نوبيًا، ولد سنة ثلاث وخمسين. سمعته يقول: كان أبي من أهل دَنْقلة، ونشأت بمصر، وهم علوية - يعني شيعة - فقلبتهم عثمانية. وقال الليث: حدثنا عبيد الله بن جعفر، ويزيد بن أبي حبيب - وهما جوهرتا البلاد -: كانت البيعة إذا جاءت لأحد كانا أول من يبايع. وقال ابن لهيعة مرض يزيد، فعاده أمير مصر الحوثرة بن سهيل فقال: يا أبا رجاء ما تقول في الصلاة في الثوب فيه دم البراغيث؟ فحوّل وجهه، ولم يكلمه، فقام ونظر إليه يزيد، وقال: يقتل كُلّ يوم خلقًا، ويسألني عن دم البراغيث. وقال يزيد: لا أدع أخًا لي يغضب علي مرتين، بل انظر الأمر الذي يكره، فأدعه. وأرسل زبان بن عبد العزيز إلى يزيد: اثتني لأسألك عن شيء من العلم، فأرسل إليه: بل أنت فأتني، فإنَّ مجيئك إلي زين لك، ومجيئي إليك شين عليك.

стр. 1613

توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. ومنهم: [٥٦] عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان (١)، الحافظ، النسابة أبو محمد، الأزدي، المصري مفيد تلك الناحية، ومعيد شموسها الضاحية، وأيامها الممطرة إلا أنها الصاحية، وليالها المطهرة من قول اللاحية، وأوقاتها التي جاءت بآية النهار لآية الليل ماحية، فطن لا يحتاج أن يكدح، وألمعي في زناد ذهنه لا يُقدح، عارف بالنسب تعدُّ منه خصائله، وتعدد به قبائله وشعوبه وفضائله. ردّ جوهر كل نسب إلى معدنه، وتبين من آدم مرمى كل فريق تفرق وموطنه، عارف فيهم بالممادح والمذام، لكنه لم يتعود من القول غير أحسنه. قال البرقاني: لما قدم الدارقطني من مصر سألته؛ هل رأيت في طريقك من يفهم شيئًا من العلم؟، قال: ما رأيتُ في طول طريقي إلا شابًا بمصر يقال له عبد الغني كأنه شعلة نار، وجعل يفخم أمره، ويرفع ذكره.

стр. 1614

وقال منصور بن علي الطرسوسي: لما أراد الدارقطني الخروج من عندنا من مصر، خرجنا نودعه وبكينا، فقال: تبكون وعندكم عبد الغني بن سعيد، وفيه الخلف؟! وقال عبد الغني: لما رددت على أبي عبد الله الحاكم الأوهام التي في المدخل إلى الصحيح، بعث إليّ يشكرني، ويدعو لي، فعلمت أنه رجل عاقل. وقال القعنبي: كان عبد الغني إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، ثقة مأمونًا، ما رأيت بعد الدارقطني مثله. وقال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني المصري. وقال الصوري: قال لي عبد الغني: ابتدأت بعمل كتاب «المختلف والمؤتلف» فقدم علينا الدارقطني فأخذت عنه أشياء كثيرة منه؛ فلما فَرَغْتُه سألني أن أقرأه، لأُسْمِعَهُ مني، فقلتُ: عنك أخذت أكثره، فقال: لا تقل هذا؛ فإنك أخذته عنّي مفرقًا، وقد أوردته مجموعًا، وفيه أشياء عن شيوخك، فقرأته عليه. وذكر أبو الوليد الباجي عبد الغني، فقال: حافظ متقن، قلتُ لأبي ذر: أخذت عنه؟ قال: لا إن شاء الله - على معنى التأكيد - وذلك أنه كان له اتصال ببني عبيد. توفي في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة، وكان له جنازة عظيمة تحدّث بها الناس، ونودي له: هذا نافي الكذب عن حديث رسول الله ﷺ . ومنهم: [٥٧] أبو طاهر الأصبهاني، واسمه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ابن إبراهيم بن سلفة الأصبهاني (١)، صدر الدين أحد الحفاظ المكثرين. أتى مصر، ومذهب الإسماعيلية بها قد أخذ على كل مذهب، وأخذ بكل مذهب، وعقارب تلك العقائد المسمومة قد دبَّت في تلك الأقطار، وصلال

стр. 1615

تلك الأفاعي المساورة قد تمكنت في تلك الديار، وقد أميت علم الحديث، والتاريخ، والنسب، وافيت في فائت الحقب، وجُعِلَ إلى أذيّة من عرفه أو قال به اعظم سبب بأعظم سبب ليخفوا تلك الأنساب الدعية المدخولة، ويطير بقوادم تلك الأحساب
следующие страницы →