← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

[٥٥] محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس اليعمري، الأندلسي الأشبيلي (١) عالم المغرب. فاضل أشهر من ظهور النجوم في العَتَم، وأنفع من وجود الغنى في العَدَم عَلَمُ عِلْمِ لا يُنكر، وفضل لا يستحق معه أحد أن يذكر، وكان يرى مذهب أهل الظاهر لا يتعداه إلى قياس، ولا يوسع نظره في رأي خوف الالتباس، رقى صهوة المنبر معلنًا بالخطب، وأعاد غُصنًا غضًا تحته عود ذلك الحطب، ببلاغة جنى ثمرها يانعًا، وجلا قمرها ولم يجد مانعًا. ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وذكره الشريف عز الدين في وفياته، فقال: كان أحد حفاظ الحديث المشهورين، وفضلائهم المذكورين، و به ختم هذا الشأن بالمغرب. وقال ابن الزبير: أجاز له نحو من أربعمائة، وانتقل إلى حصن القصر، ثم إلى طنجة، وأقرأ بجامعها، وأم وخطب، ثم انتقل إلى بجاية فخطب بجامعها، ثم طلب إلى تونس فدرس بها. وكان ظاهري المذهب توفي في رجب سنة تسع وخمسين وستمائة. وهذا آخر المحدثين بالغرب الممحض، ويأتي بعده من كان منهم بمصر؛ لأنها لسوء بختها في الغرب واقعة، وفي قسمها محسوبة إن لم يكن ثم أجوبة دافعة.

стр. 1612

[مشاهير الحفاظ في مصر] فمنهم: [٥٥ م] يزيد بن أبي حبيب الإمام الكبير أبو رجاء الأزدي (١) مولاهم المصري، الفقيه الذي لو أودع الغمام لكان بجفنه يقيه، ولو عقل الزمان لما سأل إلا أن الله يمدُّ حياته ويبقيه. أبدل أراجيف مصر سكونًا، وتخاويف أهلها تأمينًا، وسكت فيها ملاحاة الملاحم، وملاواة الملاوم، حتى أعادها غراء آمنة في مدته، بيضاء كصحيفة عمله الصالح لا جلدته. قال ابن يونس: كان مُفتي أهل مصر، وكان عليمًا، عاقلًا، وهو أول من أظهر العلم بمصر، والمسائل في الحلال والحرام، وقبل ذلك كانوا يتحدثون في الترغيب والملاحم والفتن. وقال الليث بن سعد: يزيد سيدنا وعالمنا. وقيل: إنَّ يزيد أحد ثلاثة جعل إليهم عمر بن عبد العزيز الفتيا بمصر. وقال ابن لهيعة: كان أسود نوبيًا، ولد سنة ثلاث وخمسين. سمعته يقول: كان أبي من أهل دَنْقلة، ونشأت بمصر، وهم علوية - يعني شيعة - فقلبتهم عثمانية. وقال الليث: حدثنا عبيد الله بن جعفر، ويزيد بن أبي حبيب - وهما جوهرتا البلاد -: كانت البيعة إذا جاءت لأحد كانا أول من يبايع. وقال ابن لهيعة مرض يزيد، فعاده أمير مصر الحوثرة بن سهيل فقال: يا أبا رجاء ما تقول في الصلاة في الثوب فيه دم البراغيث؟ فحوّل وجهه، ولم يكلمه، فقام ونظر إليه يزيد، وقال: يقتل كُلّ يوم خلقًا، ويسألني عن دم البراغيث. وقال يزيد: لا أدع أخًا لي يغضب علي مرتين، بل انظر الأمر الذي يكره، فأدعه. وأرسل زبان بن عبد العزيز إلى يزيد: اثتني لأسألك عن شيء من العلم، فأرسل إليه: بل أنت فأتني، فإنَّ مجيئك إلي زين لك، ومجيئي إليك شين عليك.

стр. 1613

توفي سنة ثمان وعشرين ومائة. ومنهم: [٥٦] عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان (١)، الحافظ، النسابة أبو محمد، الأزدي، المصري مفيد تلك الناحية، ومعيد شموسها الضاحية، وأيامها الممطرة إلا أنها الصاحية، وليالها المطهرة من قول اللاحية، وأوقاتها التي جاءت بآية النهار لآية الليل ماحية، فطن لا يحتاج أن يكدح، وألمعي في زناد ذهنه لا يُقدح، عارف بالنسب تعدُّ منه خصائله، وتعدد به قبائله وشعوبه وفضائله. ردّ جوهر كل نسب إلى معدنه، وتبين من آدم مرمى كل فريق تفرق وموطنه، عارف فيهم بالممادح والمذام، لكنه لم يتعود من القول غير أحسنه. قال البرقاني: لما قدم الدارقطني من مصر سألته؛ هل رأيت في طريقك من يفهم شيئًا من العلم؟، قال: ما رأيتُ في طول طريقي إلا شابًا بمصر يقال له عبد الغني كأنه شعلة نار، وجعل يفخم أمره، ويرفع ذكره.

стр. 1614

وقال منصور بن علي الطرسوسي: لما أراد الدارقطني الخروج من عندنا من مصر، خرجنا نودعه وبكينا، فقال: تبكون وعندكم عبد الغني بن سعيد، وفيه الخلف؟! وقال عبد الغني: لما رددت على أبي عبد الله الحاكم الأوهام التي في المدخل إلى الصحيح، بعث إليّ يشكرني، ويدعو لي، فعلمت أنه رجل عاقل. وقال القعنبي: كان عبد الغني إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، ثقة مأمونًا، ما رأيت بعد الدارقطني مثله. وقال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغني المصري. وقال الصوري: قال لي عبد الغني: ابتدأت بعمل كتاب «المختلف والمؤتلف» فقدم علينا الدارقطني فأخذت عنه أشياء كثيرة منه؛ فلما فَرَغْتُه سألني أن أقرأه، لأُسْمِعَهُ مني، فقلتُ: عنك أخذت أكثره، فقال: لا تقل هذا؛ فإنك أخذته عنّي مفرقًا، وقد أوردته مجموعًا، وفيه أشياء عن شيوخك، فقرأته عليه. وذكر أبو الوليد الباجي عبد الغني، فقال: حافظ متقن، قلتُ لأبي ذر: أخذت عنه؟ قال: لا إن شاء الله - على معنى التأكيد - وذلك أنه كان له اتصال ببني عبيد. توفي في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة، وكان له جنازة عظيمة تحدّث بها الناس، ونودي له: هذا نافي الكذب عن حديث رسول الله ﷺ . ومنهم: [٥٧] أبو طاهر الأصبهاني، واسمه أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد ابن إبراهيم بن سلفة الأصبهاني (١)، صدر الدين أحد الحفاظ المكثرين. أتى مصر، ومذهب الإسماعيلية بها قد أخذ على كل مذهب، وأخذ بكل مذهب، وعقارب تلك العقائد المسمومة قد دبَّت في تلك الأقطار، وصلال

стр. 1615

تلك الأفاعي المساورة قد تمكنت في تلك الديار، وقد أميت علم الحديث، والتاريخ، والنسب، وافيت في فائت الحقب، وجُعِلَ إلى أذيّة من عرفه أو قال به اعظم سبب بأعظم سبب ليخفوا تلك الأنساب الدعية المدخولة، ويطير بقوادم تلك الأحساب

стр. 1616

الوضيعة المرذولة، فقام مشمّرًا للعزائم، مُجاهرًا لا تردّه اللوائم، حتى أحيا ميت السنة، وأمات حي البدعة، وفعل ما شكر الله له، والإسلام عليه صنعه، وكأنما كان ممهدًا لبني أيوب، ومقدّمًا لمآثرهم التي أقسمت الأيام أنها بمثلها لا تؤوب. رحل في طلب الحديث، ولقي أعيان المشايخ، وكان شافعي المذهب. ورد بغداد، واشتغل بها على الكيا الهراسي في الفقه، وعلى أبي زكريا يحيى التبريزي اللغوي في اللغة، وجاب البلاد، وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وأقام به، وقصده الناس من الأماكن البعيدة، وسمعوا عليه، وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله. وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار - وزير الظاهر صاحب مصر - سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور، وفوّضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن. وكتب الكثير وأماليه وتعاليقه كثيرة. وكان رجلًا مقصودًا مُمَدَّحًا وقصدته الأمراء، ومدحته الشعراء، وفيه يقول عمارة (١): [من البسيط] وَقَائِلٍ مَنَ أَجَلُّ النَّاسِ منزلةٌ … فِي أَهْلِ ذَا الجِيْلِ، قُلْتُ الحَافِظُ السَّلَفِي وَذَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَا أَنَّهُ رَجُلٌ … مَا فِي الزَّمَانِ سِوَاهُ وَارِثُ السَّلَفِ مَا لِلصَّفَائِحِ مِنْ سَمْعِ وَلَا نَظَرٍ … إلا إلَى نَصِّ ما يُملي مِنَ الصُّحُفِ كَمْ ضَاقَ خَطْبٌ بِمَلْهُوفٍ فَقُمْتَ بِهِ … يَا وَاسِعَ الصَّدْرِ وَالبَاعَيْنِ وَالكَتِفِ عَرِيضُ جَاهِكَ لَا تُطْوَى مَرَاحِلُه … إِلا بِقَذْفِ المَطَايَا في نَوَى قُذُفِ حَسْبِي أَبَا طَاهِرٍ أَنِّي أَمنت بِمَا … عَلِمتَ مِنْيَ وُدًّا غَيْرَ مُنْحَرِفِ شَرِيعَةٌ مِنْ وَفَاء أَنْتَ تَعْرِفُهَا … مَا كُلُّ مَعْرِفَةٍ بِاللَامِ وَالأَلِفِ أَحْرَزْتُ وُدَّكَ لَا أَبْغِي بِهِ بَدَلًا … مَنْ أَحْرَزَ الدُّرَّ لَمْ يَسْأَلْ عَنِ الصَّدَفِ ولا بن قلاقس (٢) فيه غرر قصائد، ودرر فرائد.

стр. 1617

منها قوله (١): [من الكامل] لولا ظُبْيى يُسْتَلُّ مِنْ لَحَظَاتِهِ … لَجَنَيْتُ وَرْدًا لَاحَ مِنْ وَجَنَاتِهِ أَقْطَعْتُهُ قَلْبِي فَقَطَّعَهُ أَسَى … فَعَلامَ يُتْلِفُ ذَاتَهُ بِأَذَاتِهِ وَلَقَدْ عَدِمْتُ العَيْشَ لمَّا هَالَنِي … بَدْرٌ حُدُوجُ العِيْسِ مِنْ هَالَاتِهِ فَلِيَ الغَرَامُ وللإمام المُرْتَجَى … مَجْدٌ عُقُودُ الحَمْدِ فِي لَبَّاتِهِ يَقِظُ أَضَاءَ بعلمه نُوْرَ الهُدَى … فَكَأَنَّمَا النَّبْرَاسُ فِي مِشْكَاتِهِ

стр. 1618

أَبَدًا رَوِيَّتُهُ بَدِيهَتُهُ فَمَا … تَلْقَاكَ لَوْلَا حِلْمُهُ بِأَنَاتِهِ ذُو رَاحَةٍ وَكَفَتْ نَدَى وَكَفَتْ ردّى … فَقَضَتْ بتلك عِدَاتُهُ وَعُدَاتُهُ إِنَّا حَمِدْنَا الدَّهْرَ فِيْكَ وَلَمْ نَكُنْ … لِنَذُمَّ دَهْرًا أَنْتَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وقوله (١): [من الخفيف] اسْقِنِيهَا قَبْلَ اتَّفَاقِ ذَوِي العِلْمِ … فَإِنِّي رَأَيْتُهُم فِي اخْتِلَافِ قَهْوَةً مَا وَصَفْتُ بَعْضَ حُلاها … لَكَ إِلا سَكِرْتُ بِالأَوْصَافِ مَا تَرَى الصُّبْحَ كَيْفَ جَهَّزَ جَيْسًا … آذَنَ اللَّيْلُ عِنْهُ بِالانْصِرَافِ وَعُقُودَ النُّجُومِ قَدْ نَشَرَتْهَا … رَاحَةُ النُّوْرِ مِنْ طُلَى الأَسْدَافِ فَاقْتَرِفْ وَاعْتَرِفْ فَثَمَّ كَرِيمُ … يَهَبُ الاقْتِرَافَ لِلاعْتِرافِ أتي حبر لآل فارس أضحى … حلل النُّسْكِ عِندَهُ والعَفَافِ وَامْدَحِ الحَافِظَ المَدَّحَ تَلْبَسْ … كَنَبِيّ الهُدَى لِعَبْدِ مَنَافِ سَلَفِيٌّ مَخَايِلُ الفَضْلِ دَلَّتْ … أَنَّهُ مِنْ بَقِيَّةِ الأَسْلَافِ] ومولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريبًا بأصبهان، وتوفي ضحوة نهار الجمعة، وقيل ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بالإسكندرية. ومنهم: [٥٨] عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن التوني، الدمياطي، الشافعي، شرف الدين أبو محمد (٢) الفقيه الحافظ النسابة، صاحب التصانيف. أكثر من أدركت بمصر من السادات، بل كلّهم عن علمه أخذ، ومن فهمه فلذ، وبسهمه نفذ، فأصاب المفاصل، ونفذ ماءً جرى رونقًا في المناصل، ولم أجد إلا لهجًا بذكره، لا يفتر منه لسانه، ولا ينكر لديهم في غاية إحسانه. وكان الناس في وقته، ما عداه أشباه وأنظار ما فيهم غيره من تعقد عليه حباه، وله رحلة هي

стр. 1619

قصارى من ارتحل في زمانه بتونة، وحلّ بلادًا غير بلاده، وأوطانًا غير أوطانه. ولد في آخر سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتفقه بدمياط، وبرع، ثم طلب الحديث، فارتحل إلى الإسكندرية، ومصر، ودمشق، وحماة وحلب، وماردين، وحران، وبغداد، وحمل عن ابن خليل حمل دابة كتبًا وأجزاء، وكتب العالي والنازل، وجمع فأوعى، وسكن دمشق، فأكثر عن ابن سلمة، وغيره. ومعجم شيوخه يبلغ ألفًا وثلاثمائة نفر. وكان صادقًا، حافظًا، ناقلًا للقراءات، متقنًا، جيد العربية، غزير اللغة، واسع الفقه، رأسًا في علم النسب، دينًا، كيسًا متواضعًا، بسامًا، محبّبًا إلى الطلبة، مليح الصورة، نقي الشيبة، كبير القدر. قال أبو الحجاج المزي: ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وروى عنه وتوفي فجأة بعد أن قرئ عليه الحديث، فأُصْعِدَ إلى بيته مغشيًا عليه في منتصف ذي القعدة سنة خمس وسبعمائة بالقاهرة، وصلي عليه بدمشق في أول جمعة من ذي الحجة. وبه تم الحفاظ بالجانب الغربي ممن أخرج من سباسب الأوطان، وأدرج في سبائب الأكفان، وأصبح أثرًا بعد عين، وخبرًا يسأل عنه بكيف بعد أين.

стр. 1620

[مشاهير فقهاء المحدثين] وسنذكر بعدهم: - فقهاء المحدثين؛ إذ كانوا المُنبطين لأحكامه، والمستبسطين لإحكامه، والمستنبئين في علمه بالوصول، والمبينين بفهمه لمراد الرسول ﷺ ، ونتبين ما أراده - عليه أفضل الصلاة والسلام - فيما يقول. [مشاهير فقهاء المحدثين في الجانب الشرقي] وأبدأ فيهم بالجانب الشرقي، فأقول. منهم: [١] علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك (١) فقيه العراق، الإمام، أبو شبل النخعي، الكوفي، خال إبراهيم، وعم الأسود.

стр. 1621

لَقِن بالحديث وفقهه، وفطن للأمر وشبهه تصدر في الصدر الأول، وتصور الحقائق حتى كان عليه المعوّل. وكان في ذلك الجيل، واضطربوا، ولم ينكل، واضطروا إلى أن سألوا منه عما أشكل، ولم تكن لتعرض عليه مبهمة، إلا يجليها لوقتها، ولا مشكلة إلا يزيل لباس مقتها، وكان ممن إذا قرأ، حرّك الجماد، وإذا قرر علمًا، استنبط الثماد، وإذا قدر شيئًا، لا يخطئه، ولو بعدت به الآماد. ولد في حياة رسول الله ﷺ ولحق الجاهلية، وسمع من عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وجود القرآن على ابن مسعود، وتفقه به، فكان أنبل أصحابه، حتى قال ابن مسعود: ما أقرأ شيئًا، وما أعلم شيئًا إلا علقمة يُقرأوه، ويعلمه. وقال قابوس بن ظبيان: قلت لأبي: لأي شيء تدعُ الصحابة، وتأتي علقمة؟ قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ وهم يسألون علقمة، ويستفتونه. وكان فقيهًا، إمامًا، بارعًا، طيّب الصوت بالقرآن، ثبتًا فيما ينقل، صاحب خير، وورع. كان يُشَبّه بابن مسعود في هديه، وسمته، ودله، وفضله. وكان أعرج، أخذ عنه طائفة، ومات سنة اثنتين وستين. ومنهم: [٢] القاضي شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي (١) هو الذي إلى الآن يُضرب به المثل، ويُحدّث عنه العجب. بحر لجي لا يمشي فيه

стр. 1622

إلا مساحله، وبر فسيح لا يُسلك إلا مساهله. وربّ فضل لا تُعدّ فواضله، وفعل يرضيك ده، ويلهيك باطله. لا يسأم معه في مراح، ولا يُسأم له حق يحبّبه مزاح، أرضى مثل عمر بن الخطاب ﵁ قضاؤه، ومات على الرضا عنه. وحسبك من مثل ذلك الشديد في دين الله إرضاؤه. كان من كبار التابعين، وأدرك الجاهلية واستقضاه عمر بن الخطاب في الكوفة، فأقام بها قاضيًا خمسًا وستين سنة، لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين. امتنع من القضاء فيها في فتنة ابن الزبير، واستعفى الحجاج بن يوسف من القضاء فأعفاه، ولم يقض بين اثنين حتى مات، وكان أعلم الناس بالقضاء، ذا ذكاء، وفطنة، ومعرفة، وعقل، وإصابة. قال ابن عبد البر: كان شاعرًا محسنًا وهو أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس الذي يضرب به المثل في الحلم، والقاضي شريح المذكور، والأطلس الذي لا شعر في وجهه. وكان مزاحًا. دخل عليه عدي بن أوطاة، فقال له: أين أنت أصلحك الله؟! قال: بينك وبين الحائط. قال: اسمع مني. قال: قل أسمع. قال: إني رجل من أهل الشام. قال: مكان سحيق. قال: وتزوجت عندكم. قال: بالرفاء والبنين. قال: وأردت أن أرحلها. قال: الرجل أحق بأهله. قال: وشرطت لها دارها. قال: الشرط لها، قال: فاحكم الآن بيننا، قال: قد فعلت. قال: فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك قال: بشهادة من؟، قال: بشهادة ابن أخت خالتك. وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دخل مع خصم ذمي على القاضي شريح، فقام له، فقال: هذا أول جورك، ثم أسند ظهره إلى الجدار، فقال: أما إنَّ خصمي لو كان مسلمًا لجلست بجنبه. وتزوج شريح امرأة من بني تميم تسمّى زينب، فنقم عليها شيئًا، فضربها، ثم ندم وقال: [من الطويل] رَأَيْتُ رِجَالًا يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ … فَشَلَّتْ يَمِيْنِي يَوْمَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا أَأَضْرِبُها مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ أَتَتْ بِهِ … فَمَا العَدْلُ مِنِّي ضَرْبَ مَنْ لَيْسَ مَذْنِبًا فزَيْنَبُ شَمْسُ والنِّسَاءُ كَوَاكِبٌ … إِذَا طَلَعَتْ لَمْ نَرْأَ مِنْهُنَّ كَوْكَبَا

стр. 1623

وروي أن عليًا ﵁ قال: اجمعوا لي القراء، فاجتمعوا في رحبة المسجد، فقال: أُوشِكُ أن أفارقكم، فجعل يسألهم ما تقولون في كذا؟ ما تقولون في كذا؟ وشريح ساكت؛ فلما فرغ منهم، قال: اذهب، فأنت من أفضل الناس، أو من أفضل العرب. ويروى ان زياد ابن أبيه كتب إلى معاوية: يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي، وفرّغت يمين لطاعتك، فولني الحجاز، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر، وكان مقيمًا بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد، فأصابه الطاعون في يمينه، فجمع الأطباء، واستشارهم، فأشاروا عليه بقطعها، فاستدعى القاضي شريحًا، وعرض عليه ما أشار به الأطباء، فقال له: لك رزق معلوم، وأجل مقسوم، وإني أكره إن كانت لك مدة أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى ربّك مقطوع اليد، فإذا سألك: لم قطعتها؟ قلت: بغضًا في لقائك. فلام الناس شريحًا على منعه من القطع؛ لبغضهم له، فقال: إنه استشارني والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة في المشورة، لوددت أن قطع رجله يومًا، ويده يومًا، وسائر جسده يومًا يومًا، ومات زياد في يومه ذلك. وتوفي شريح سنة سبع وثمانين، وهو ابن مائة سنة، وقيل: سنة ثمان وسبعين. قاله الحافظ أبو عبد الله الذهبي. ومنهم: [٣] سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المدني (١) أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، والنبهاء الفضل الموقدينه، والنبلاء الممدين الغمام المرفدينه، أجل التابعين أجد ما يلج المسامع طربًا لو وعين، سر ذلك الصدر المكتنف، وعميم ذلك البر المؤتنف، والفطن كأنه إذا سئل يعلم المغيب، والفد

стр. 1624

الفريد وكفى إذا قيل: قال، أو فعل سعيد بن المسيب. ولد لسنتين مضيتا من خلافة عمر، وسمع منه شيئًا وهو يخطب، وكان سيد التابعين من الطراز الأول. جمع بين الحديث والفقه والزهد، والعبادة، والورع. قال عبد الله بن عمر لرجل سأله عن مسألة: ايت ذاك، فسله - يعني سعيدًا - ثم ارجع إلي، فأخبرني، ففعل ذلك، وأخبره، فقال: ألم أخبرك أنه أحد العلماء السبعة. وقال في حقه أيضًا لأصحابه: لو رأى هذا رسول الله ﷺ لسره. وكان لقي جماعة من الصحابة وسمع منهم، ودخل على أزواج النبي ﷺ وأخذ عنهن، وأكثر روايته المسند عن أبي هريرة، وكان زوج ابنته. وسئل الزهري ومكحول: من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيب. وحج أربعين حجة، وقال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة؛ لمحافظته على الصف الأول. وقيل: إنه صلى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة، وكان واسع العلم، وافر الحرمة، متين الديانة، قوالًا بالحق، فقيه النفس. قال قتادة: ما رأيت أحدًا أعلم من سعيد بن المسيب؛ ولذا قال الزهري، ومكحول، وغير واحد، وصدقوا. وقال علي بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا من سعيد. هو عندي أجل التابعين، وكان لا يقبل جوائز السلطان، وله أربعمائة دينار يتّجر فيها.

стр. 1625

وقال سعيد: ما أعلم أحدًا أعلم بقضاء قضى فيه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وعمر مني. وكان الحسن إذا أشكل عليه شيء، كتب إلى ابن المسيب يسأله. وقال المطلب بن السائب: كنتُ جالسًا مع ابن المسيب في السوق، فمر بريد لبني مروان، فقال له سعيد: من رسل بني مروان أنت؟ قال: نعم. قال: كيف تركت بني مروان أنت؟، قال: بخير. قال: تركتهم يجيعون الناس، ويُشبعون الكلاب. فاشرأب الرسول، فقمت إليه فلم أزل أرجيه حتى انطلق، فقلت لسعيد: يغفر الله لك تشيط بدمك، بالكلمة هكذا تلقيها - فقال: اسكت يا أحيمق، فوالله لا يُسلمني الله ما أخذتُ بحقوقه. وقال مصعب بن عثمان: أراد مسلم بن عقبة قتل سعيد بن المسيب، فشهد عمرو ابن عثمان، ومروان بن الحكم إنه مجنون، فخلى سبيله. وقال ابن سعد: توفي عبد العزيز بن مروان فعقد عبد الملك لابنيه العهد، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، فدعا هشام المخزومي - عامله على المدينة - الناس إلى البيعة، فبايعوا، وأبي سعيد بن المسيب أن يبايع لهما، وقال: حتى أنظر، فضربه ستين سوطًا، وطاف به في تبان من شعر حتى بلغ به رأس الثنية؛ فلما كروا به، قال: إلى أين؟ قالوا: السجن، قال: والله لولا أنّي ظننتُ أنه الصلب، ما لبست هذا التبان أبدًا، فردوه السجن، وكتب هشام إلى عبد الملك بخلافه، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ويقول: سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضر به، وإنا لنعلم ما عند سعيد شقاق، ولا خلاف فندم هشام، وخلى سبيله. وقال عمران بن عبد الله: أرى نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في الله من نفس ذباب. ومن مفردات سعيد بن المسيب: أنَّ المطلقة ثلاثًا تحلّ للأول بمجرد عقد الثاني من غير وطء. توفي على الصحيح سنة أربع وتسعين. ومنهم: [٤] عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي (١) أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، والعلماء أهل الدرجات المكينة، والصلحاء

стр. 1626

أصحاب الديانة المتينة، والأكفاء من رجال طيبة أخت البلدة الأمينة، والقرناء لما بين لابتيها، ونعم القرين، ونعم القرينة. كان في صباه بين لِدَاتٍ من أقرانه وإخوته وإخوانه بالمسجد الحرام، فتمنوا الأماني من الدنيا والملك، وتمنّى الجنة والنسك، فلم يبق رجل منهم حتى نال أمنيته، ونال الواحدة، ولا عجب أن يكون بلغ الثانية لما بلغ منيته. ذكر العتبي: أنَّ المسجد الحرام جمع بين عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير، وأخويه مصعب وعروة. أيام تألّفهم بعهد معاوية بن أبي سفيان، فقال بعضهم: هلم فلنتمنه، فقال عبد الله: منيتي أن أملك الحرمين، وأنال الخلافة، وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين، وأجمع بين عقيلتي قريش سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة، وقال عبد الملك بن مروان: منيتي أن أملك الأرض كلها، وأخلف معاوية، فقال عروة: لستُ في شيء مما أنتم فيه منيتي الزهد في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، وأن أكون ممن يُروى عنه العلم، قال: فصرف الدهر من صروفه إلى أن بلغ كل واحد منهم أمله، فكان عبد الملك بعد ذلك يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة في الدنيا، فلينظر إلى عروة بن الزبير. ولد عروة سنة نيف وعشرين للهجرة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وإحدى عجائز الجنة، وهو شقيق عبد الله بن الزبير بخلاف مصعب، فإنَّ أمه غير أسماء.

стр. 1627

وقد وردت الرواية عنه في حروف القرآن وسمع خالته أم المؤمنين عائشة، وروى عنه خلق. وكان عالمًا صالحًا، وأصابته الآكلة في رجله - وهو بالشام عند الوليد بن عبد الملك - فقطعت رجله في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه، فلم يتحرك، ولم يشعر الوليد أنها قطعت، حتى كويت، فوجد رائحة الكي. كذا قال ابن قتيبة، ولم يترك ورده تلك الليلة. ويقال: إنه مات ولده محمد في تلك السفرة؛ فلما عاد إلى المدينة، قال: «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا»، وعاش بعد قطع رجله ثمان سنين. وذكر المبرد في كتاب التعازي: أنّ عروة قدم على الوليد بن عبد الملك، ومعه ولده محمد بن عروة، فدخل محمد دار الدواب، فضربته دابة، فخر ميتًا، ووقعت في رجل عروة الآكلة، ولم يدع تلك الليلة، فقال له الوليد: اقطعها، قال: لا، فترقت إلى ساقه، فقال له الوليد: اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك، فقطعها بالمنشار، وهو شيخ كبير لم يمسكه أحد، وقال: «لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا». وقدم على الوليد بن عبد الملك قوم من بني عبس تلك السنة فيهم رجل ضرير، فسأله الوليد عن عينه، فقال: يا أمير المؤمنين بت ليلةً في بطن واد، ولا أعلم عبسيًا يزيد ماله على مالي، فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد غير بعير وصبي مولود. وكان البعير صعبًا، فند، فوضعت الصبي، واتبعتُ البعير، ولم أجاوز إلا قليلًا حتى سمعت صيحة ابني ورأسه في فم الذئب، وهو يأكله، ولحقت البعير لأحبسه، فنفحني برجله على وجهي، فحطمه، وذهبت عيناي، وأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر، فقال الوليد: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أرب في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك، وابن من أبنائك إلى الجنة، والكلّ تبع للبعض إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء من علمك ورأيك، نفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك، والضمين لحسابك. ولما قتل عبد الله بن الزبير، قدم أخوه عروة على عبد الملك بن مروان، فقال له يومًا: أن تعطيني سيف أخي عبد الله، فقال: هو بين السيوف، ولا أميزه من بينها، فقال عروة: إذا حضرت السيوف ميزته أنا، فأمر عبد الملك بإحضارها؛ فلما حضرت أخذ منها سيفًا مُفَلّل الحدّ، فقال: هذا سيف أخي، فقال عبد الملك: كنت تعرفه قبل الآن؟ فقال: لا، فقال: كيف عرفته؟، فقال: يقول النابغة الذبياني: [من الطويل] وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ

стр. 1628

واحتفر عروة بئرًا بالمدينة، وهي بئر منسوبة إليه، ليس بالمدينة بئر أعذب من مائها. وتوفي بالفرع في سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين ودفن هناك ﵀. ومنهم: [٥] أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي (١) أحد الفقهاء السبعة الذين هم السبعة الشهب السواري، والكواكب الدراري، والأيام السبعة التي هي الدهر كله، والأفلاك السبعة التي هي العالم أو جُلّه، وكان يسمى راهب قريش؛ لملازمة معبده، ومداومة تعبّده، دينًا عمر باطنه، وعم مواطنه، حتى شف من وراء زجاجته، وخفَّ معه، فلم يقعد في طلب مراضي الله عن قضاء حاجته. اسمه في الصحيح كنيته، ويقال: اسمه محمد، وكان من سادات التابعين، وانتشر عنه، وعن باقي الفقهاء السبعة العلم والفتيا في الدنيا. واستصغر يوم الجمل فرد من عسكر طلحة. وكان ثقة، فقيهًا، إمامًا، كثير الرواية سخيًا صالحًا، عابدًا، متألهًا. وكان مكفوفًا. توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين، ومولده في خلافة عمر.

стр. 1629

ومنهم: [٦] سعيد بن جبير الوائلي، مولاهم الكوفي (١) الفقيه أحد الأعلام والتابعين في صدر الإسلام، قتل في وفائه، وخُتل دون تكدير صفائه، أعطى موثقًا لم يخنه، والموت يُصالته جهرًا، والسيف ينظر إليه شزرًا، وعدوّ الله مبير ثقيف تتوقد نار غضبه، وتتوقل الكبرياء في هضبه، وهو بجنان لا يخامره الوهل، ولا يخادعه حب المهل، مقدمًا بين يديه المسير، متقدّمًا لا يحب التأخير؛ لما يعرفه من حسن المصير. سمع ابن عباس فأكثر عنه، وروى عن عدي بن حاتم، وعبد الله بن مغفل، وطائفة، وروى عنه خلق، وكان ابن عباس إذا حج أهل الكوفة، وسألوه، يقول: أليس فيكم سعيد بن جبير؟!.

стр. 1630

وقال أشعث بن إسحاق: كان يقال لسعيد بن جبير جهبذ العلماء. وقال القاسم بن أبي أيوب: كان يبكي بالليل حتى عمش وسمعته يردّد هذه الآية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) بضعًا وعشرين مرة. وقيل: إنه قام ليلة في جوف الكعبة فقرأ القرآن في ركعة. وروي أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين. وروى الثوري عن عمر بن سعيد، قال: دعا سعيد بن جبير ولده لما قتل، فجعل يبكي، فقال: ما يبكيك؟، قال: ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة. وقال ابن عيينة: لما أتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج، قال: أنت شقي بن كسير، قال: أنا سعيد بن جبير. قال: لأقتلنّك. قال: أنا إذًا كما سمتني أمي، ثم قال: دعوني أصلي ركعتين. قال: وجهوه إلى قبلة النصارى. قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢) ثم قال: إني أستعيذ منك بما عاذت به مريم: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٣). وقال عتبة مولى الحجاج حضرت سعيد بن جبير، فجعل الحجاج يقول له: ألم أفعل بك؟ فيقول: بلى، فقال: فما حملك على ما فعلت؟ قال: بيعة كانت علي، فغضب، وصفق بيديه، وقال: بيعة أمير المؤمنين كانت أسبق، وأولى، وأمر به، فقتل. وكان قتل الحجاج له؛ لكونه قاتل مع ابن الأشعث، وكان سعيد قد هرب من الحجاج إلى مكة، فأرسل الحجاج يطلب من الوليد جماعة قد التجأوا إلى مكة، فكتب الوليد إلى عامله على مكة خالد بن عبد الله القسري يأمره بإرسال من طلبه الحجاج. فطلب الحجاج سعيد بن جبير، وغيره، فأرسل خالد بن عبد الله كل من يطلبه الحجاج، وكان فيهم سعيد بن جبير، فقتله الحجاج]. وكان قتله في شعبان سنة خمس وتسعين، وله تسع وأربعون سنة على الأشهر. وقيل: عاش بضعًا وخمسين سنة، وكان أسود اللون أبيض الرأس واللحية. وقال ميمون بن مهران: مات سعيد وما على ظهر الأرض رجل إلا ويحتاج إلى علمه. [وكان لا يدع أحدًا يغتاب عنده. وكان يُصلّي في الطاق، ولا يقنت في الصبح، ويعتم عمامته ويرخيها شبرًا من ورائه]. ومنهم:

стр. 1631

[٧] إبراهيم بن يزيد بن الأسود، الفقيه الكوفي النخعي (١) أحد الأئمة المشاهير. تابعي، ما خرج عن الطريق، ولوذعي تشبّث لنار فطنته

стр. 1632

حريق، وألمعي لا يُخطئ رأيه رائد التوفيق، تقيل سنة داود صيامًا، وتقلل من الدهر فقسمه أيامًا مع خوف لمقام ربه، واستعداد للموت وكربه، وحتى إذا حضره الموت، وحصره عدم الفوت، وتحقق المسير دون المصير، تمنّى بقاء حالة النزاع، ومعالجة سكرات الموت البشاع، خوفًا مما لا يدري ما يقدم عليه، ويقدم إليه قول صادق غير كاذب، ومنى حق لا يخادعها، وحبل وريده في يد الجاذب. رأى عائشة ﵂ ودخل إليها، وهو صبي، ولم يثبت له منها سماع، وأخذ عنه خلق، وكان من العلماء ذوي الإخلاص. قال مغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير. وقال الأعمش: ربما رأيت إبراهيم يصلّي، ثم يأتينا فيبقى ساعة كأنه مريض. وقال الأعمش: كان إبراهيم صيرفيًا في الحديث، وكان يتوقى الشهرة، ولا يجلس إلى أسطوانة. قال الحسن بن عمرو الفقيمي: كان إبراهيم يشتري الوز، ويسمنه، ويهديه إلى الأمراء. وقال ابن عون: كان إبراهيم يأتي الأمراء، ويسألهم الجوائز. وقال حماد: بشرتُ إبراهيم بموت الحجاج، فسجد، وبكى من الفرح. وقال سعيد بن جبير: تستفتوني، وفيكم إبراهيم النخعي. وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، ولا يتكلّم في العلم إلا أن يسأل؛ ولما حضرته الوفاة جزع جزعًا شديدًا، فقيل له في ذلك، فقال: وأي خطر أعظم مما أنا فيه، أنا أتوقع رسولًا يرد علي من ربي إما بالجنة، وإما بالنار. والله لوددت أنها تلجلج في حلقي إلى يوم القيامة.

стр. 1633

توفي سنة ست، وقيل: سنة خمس وتسعين للهجرة. قال الشعبي: ما خَلَف بعده مثله. ومنهم: [٨] عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي (١) أحد الفقهاء السبعة وابن أخي عبد الله بن مسعود؛ لقي خلقًا كثيرًا من الصحابة ﵃ حلّق إليهم فخبّ، ولحق بهم وما سحب، وكان فيه ظرف عباد الحجاز، ولطف عشاق ذلك الزمان، مع الزيادة على ما فيهم من عفاف وكرم، وورع لا ينكر لأهل الحرم. كان من أعلام التابعين، وأعلى المتابعين والمقفين على آثار من سلف تحت الشجرة من المبايعين، والذين مضت فُراطهم أممًا قبلهم، ومضوا بعدهم متتابعين. سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وعائشة. قال الزهري: أدركت أربعة بحور. فذكر منهم عبيد الله المذكور.

стр. 1634

وقال أيضًا: سمعتُ من العلم شيئًا كثيرًا، فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله ابن عبد الله، فإذا كأني ليس في يدي شيء. وقال عمر بن عبد العزيز: لأن يكون لي مجلس ن عبيد الله أحب إلي من الدنيا. وكان ناسكًا، توفي سنة ثمان ومائة، وله شعر، فمن ذلك ما أورده له صاحب الحماسة فيها: [من الوافر] فشَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتٍ فِيْهِ … هَوَاكِ فَلِيمَ فَالتَأَمَ الفُطُورُ تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ فِي فُؤَادِي … فَبَادِيْهِ مَعَ الخَافِي يَسِيرُ تَوَغَّل حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ … وَلَا حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ ولما قال هذا الشعر، قيل له: أتقول مثل هذا؟، فقال: في اللدود راحة المفقود. وهو القائل: لا بُدَّ للمَصْدُور أَنْ يَنْفُتْ ومنهم: [٩] خارجة بن زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان، أبو زيد الأنصاري (١) أحد الفقهاء السبعة والعلماء أهل السمعة، وَلَدُ المُستأمن على جمع القرآن، والمستأمر على عظيم هذا الشأن. ابن كاتب الوحي، وصاحب الوعي. ما قصر عن

стр. 1635

السبق، ولا تأخر إذ، حلق، ولا انقطع عن ذيل ذلك السلف الذي به تعلّق، ما جحد علوّ قدره إلا من لا يعرف مدارجه، ولا أمل الرقي إليه إلا أنكر معارجه، ولا فضل عليه سواه إلا ظهر له باطل رايه، فقال: أردتَ عَمْرًا وأراد الله خارجة. قال مصعب بن عبد الله: كان خارجة بن زيد، وطلحة بن عبد الله بن عوف في زمانهما يُستفتيان وينتهي الناس إلى قولهما، ويُقسّمان المواريث من الدور والنخل والأموال بين أهلها، ويكتبان الوثائق للناس. وقال خارجة: والله لقد رأيتُنا ونحن غلمان شباب في زمان عثمان، فدفن في مؤخر البقيع. وقال ابن سعد؛ قال خارجة: رأيت في المنام كأني بنيت سبعين درجة؛ فلما فرغت منها، تدهورت. وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها، قال: فمات فيها. قال الواقدي، والهيثم بن عدي، والجماعة: توفي سنة مائة. وقال الفلاس: توفي سنة تسع وتسعين. وقال رجاء بن حيوة لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين؛ قدم قادم الساعة، فأخبرنا أن خارجة بن زيد مات فاسترجع، وصفق بإحدى يديه على الأخرى، وقال: ثلمة والله في الإسلام. ومنهم: [١٠] عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الشعبي الكوفي (١) ذو اللفظ المتشعب، والحفظ المستوعب والفهم الذي يُذلل المستصعب،

стр. 1636

والعلم المريح إلا أنه لغيره المتعب. وكان يُدمّتُ حواشي علمه بمزاح يندى أطاريفه، وبسط يُوطا ريفه. فكاهةً تصقل الأفهام، وتزيل صَدَى الأوهام، وتحلّ عُقد النشاط، وتمد طرف الانبساط. يمزح ولا يعدو الحق، وإن لعب، ولا يزيد على أن يُريح من حبسه الانحصار التعب. ولد سنة إحدى وعشرين، وقيل: قبل ذلك، ويقال: إنه أدرك خمسمائة من الصحابة. وروي أن ابن عمر مر به يومًا، وهو يُحدّث بالمغازي، فقال: شهدت القوم وهو أعلم بها مني. وحكى الشعبي، قال: أنفدني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم؛ فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة عنده، فحبسني أيامًا كثيرة. حتى استحثثت خروجي؛ فلما أردت الانصراف، قال: من أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا، ولكنّي رجل من العرب في الجملة، فهمس بشيء، فدفعت إلي رقعة، وقال: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك، فأوصل إليه هذه الرقعة. قال: فاديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك، وأنسيت الرقعة؛ فلما صرت في بعض الدار أريد الخروج

стр. 1637

فذكرتها، فرجعت، فأوصلتها إليه؛ فلما قرأها، قال: أقال لك شيئًا قبل أن يدفعها إليك؟ قلت: نعم، قال لي: من أهل بين المملكة أنت؟، قلت: لا، ولكني رجل من العرب في الجملة، ثم خرجت من عنده؛ فلما بلغت الباب رددت؛ فلما مثلت بين يديه، قال لي: أتدري ما في هذه الرقعة؟ قلت: لا. قال: اقرأها، فقرأتها، فإذا فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره؟! فقلت: والله لو علمت ما فيها ما حملتها، وإنما قال هذا؛ لأنه لم يرك. قال: أفتدري لم كتبها؟ قلت: لا. قال: حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك، قال: فتأدى ذلك إلى ملك الروم، فقال: ما أردت إلا ما قال. وروي أن الشعبي كلم عمرو بن هبيرة - أمير العراقين - في قوم حبسهم، ليطلقهم، فأبى، فقال له: أيها الأمير إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم، فأطلقهم. وكان قد ولد هو وأخ آخر في بطن، وأقام في البطن سنتين. ويقال: إنَّ الحجاج قال له يومًا: كم عطاؤك في السنة؟، فقال: ألفين، فقال: ويحك كم عطاؤك؟ فقال: ألفان، فقال: كيف لحنتَ أولًا؟ قال: لحن الأمير، فلحنت، فلما أعرب، أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير، فأعرب أنا، فاستحسن ذلك منه، وأجازه. وكان مزاحًا يُروى: أن رجلًا دخل عليه يومًا، ومعه امرأة في البيت، فقال: أيكم الشعبي؟، فقال: هذه. وكان نحيفًا ضئيلًا، فقيل له يومًا: ما لنا نراك ضئيلًا؟ فقال: زوحمت في الرحم - أشار إلى توأمه المذكور -. وكان إمامًا حافظًا ذا فنون. قال أحمد العجلي: مرسل الشعبي صحيح لا يكاد يرسل إلا صحيحًا. وقال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء. وروى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه طائفة كبيرة منهم: أبو حنيفة، والأعمش. توفي سنة أربع ومائة، ويقال: سنة ثلاث، والله أعلم. ومنهم: [١١] طاوس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني (١)، أبو عبد الرحمن من أبناء الفرس الذين سيرهم كسرى إلى اليمن، أحد الأعلام التابعين. طار بجنح

стр. 1638

العلم المأنوس، وزاد به حسنًا إذ جناح طاوس إلا، ذو حق يلهو بمن مزح، ورياش ما فضل منه عن ريش طاوس إلا ما فضل لقوس قزح وحلي ما ازدانت به عقائل الأرض، وحلل ما لبست ثيابه الخود، والبعض أقصر من بعض. هذا من علم نافع به ينبأ، وعمل صالح له يخبأ، ويقين ما عليه أنَّ الليل بفجره المماطل يربأ، ولا أنَّ الصباح في جيشه المطل يعبأ، النور جلاله الصدق صفيحته، وأرى بصر بصيرته صبيحته. قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا مثل طاوس. وقال قيس بن سعد: كان طاوس فينا مثل ابن سيرين في أهل البصرة. وقال ابن طاوس: إني لأظنّ طاووسًا من أهل الجنة. وقال النعمان بن الزبير الصنعاني: بعث أمير المؤمنين إلى طاوس بخمسمائة دينار، فلم يقبلها. وقال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيتُ أحدًا الشريف والوضيع عنده بمنزلة إلا طاوسًا، وكان طاوس شيخ أهل اليمن، وبركتهم، ومفتيهم. له جلالة عظيمة، وكان كثير الحج، فاتفق موته بمكة قبل التروية بيوم سنة ست ومائة، وصلى عليه هشام بن عبد الملك. [وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: من زعم أنَّ قبره ببعلبك، فهو مخطئ غالط، ولعله قبر رجل آخر اسمه طاوس، كما بظاهر دمشق قبر أبي، وليس بالصحابي.] ومنهم:

стр. 1639

[١٢] سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي، العدوي (١)، أبو عمر أحد فقهاء المدينة. ابن ذينك الأبوين، وثالث ذينك الاثنين، ووارث ذلك التراث، وحائز ذلك الميرات، بقية طينة الضجيع، ولمعة ذلك السيف الصنيع. قال عمر بن عبد العزيز: لو كان لي من الأمر شيء - يعني بعده - لما عدوت بها القاسم بن محمد، أو سالم بن عبد الله، أو إسماعيل صاحب الأحوص. [وصدق عمر فإنَّ الخلافة بعده كانت بعهد من سليمان إلى أخيه يزيد بن عبد الملك]. وقد ضمنت كتابي «فواضل السمر» من ذكره ما هو المسك لمنتشق، والغاية لمستبق. وكان من سادات التابعين، وعلمائهم، وثقاتهم، روى عن أبيه، وغيره، وروى عنه الزهري وطائفة. قال أحمد، وإسحاق، أصح الطرق الزهري، عن سالم، عن أبيه. وقال ابن إسحاق: رأيت سالمًا يلبس الصوف، ويعالج بيديه، ويعمل. وقال مالك: لم يكن أحد في زمانه أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل، وكان عَلِجَ الخلق، شديد الأدمة، خشن العيش. ودخل هشام بن عبد الملك الكعبة، فرأى سالمًا، فقال له: سلني حوائجك؟،

стр. 1640

فقال: والله لا سألت في بيت الله غير الله تعالى. وكان يأتدم الخل والزيت حتى كانت له منه عكنة، فقال له هشام وقد رأى عكنته: ما أدامك؟ قال: الخل والزيت، قال: أفما تمله؟، قال: إذا مللته، تركته حتى أشتهيه. فمرض سالم فمات، فقال أهل المدينة: إنه أصاب بعينه عالمنا. وكانت وفاته في آخر ذي الحجة سنة ست ومائة، وقيل: سنة ثمان ومائة، وكان هشام بن عبد الملك يومئذ بالمدينة، وكان قد حجّ بالناس تلك السنة، ثم قدم المدينة، فوافق موت سالم عليه بالبقيع؛ لكثرة الناس؛ فلما رأى هشام كثرتهم، قال لإبراهيم بن هشام المخزومي: اضرب على الناس بعثَ أربعة آلاف، فسُمي عام أربعة آلاف. ومنهم: [١٣] القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، القرشي، التيمي (١) أحد الفقهاء السبعة. سلالة ذلك الصديق، وسلافة ذلك الرحيق المفضل العالم، والمفضل على سالم، وبه بدأ عمر بن عبد العزيز الثلاثة، وكاد ينص عليه باستحقاق على أنها لو أتته، وجاءته صفوًا، وواتته، لما قبل كوكبها، ولا حمل صوبها، ولا رضي بها من تراث كريم لا يبالي العواقب، ولا يوالي إلا المناقب، وحسبك من رجل يُفضّل حتى على سالم بن عبد الله بن عمر، وإن يبغ عليك قومك لا يبغي عليك القمر.

стр. 1641

كان أفضل أهل زمانه من سادات التابعين، روى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه طائفة من كبار التابعين. قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا أحدًا نفضّله على القاسم بن محمد. وقال مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة. وقال ابن إسحاق: جاء رجل إلى القاسم، فقال: أنت أعلم أم سالم؟ فقال: ذاك مبارك سالم. قال ابن إسحاق: كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، أو يقول: أنا أعلم فيزكي نفسه. وكان القاسم أعلمهما. وقال أبو الزناد: ما رأيت فقيهًا أعلم من القاسم، وما رأيت أحدًا أعلم بالسنة منه. وقال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وأمه هي ابنة يزد جرد، وربي يتيمًا في حجر عمته عائشة ﵂. وتوفي سنة سبع ومائة بقديد وقال: كفنوني بثيابي التي كنت أصلّي فيها: قميصي، وإزاري، وردائي، فقال له ابنه: يا أبه ألا نزيد ثوبين جديدين؟، فقال: هكذا كفن أبو بكر في ثلاثة أثواب والحي أحوج إلى الجديد من الميت. وكان عمره سبعين سنة، وقيل: اثنتين وسبعين. ومنهم: [١٤] سليمان بن يسار (١) مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ﵂ أبو أيوب أحد الفقهاء السبعة، وآخرهم وفاة. ورع لا تجرّه المطامع، ولا تغرّه المجامع، ولا يسره خيلاء الكبر، إذا ألقيت إليه

стр. 1642

المسامع، ولا يضره كلمة الحق إذا قالها، وغصت بها المدامع، مشرف بولاء ذلك الحجاب الممنع، والجناب الذي لا تعلق به مطمع، والستر الذي يتدانى له السحاب ويخضع، ويخشع الرعد علمًا بأنه بوميض البرق لا يُخدع، زهده في الدنيامعرفته بحقيقتها، وأنفته من سوء طريقها، لعلمه الغزير، ودينه، وما هو منه بكثير، كان عالمًا، ثقة، عابدًا، ورعًا، حجة. قال قتادة: قدمت المدينة، فسألت: من أعلم أهلها بالإطلاق؟ فقالوا: سليمان ابن يسار. وقال الحسن بن محمد ابن الحنفية: سليمان أفهم عندنا من سعيد بن المسيب. وكان المستفتي إذا أتى سعيد بن المسيب، يقول له: اذهب إلى سليمان بن يسار. روى عن طائفة من الصحابة، وروى عنه جماعة من التابعين. قال مصعب بن عثمان: كان سليمان بن يسار من أحسن الناس، فدخلت عليه امرأة، فراودته، فامتنع، فقالت: إذا أفضحك، فتركها في منزله، وهرب. وهو أخو عطاء وعبد الملك ابني يسار، توفي في سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل قبل ذلك. ومنهم: [١٥] الحسن بن أبي الحسن يسار البصري (١)، أبو سعيد السيد المذكور، والفرد الموصوف، والندرة في الدهر، والواحد في الزمان،

стр. 1643

والعديم النظير على كثرة الأقران، ما كشفت البصرة عن مثله سجوف مشارقها، ولا أبصرت شبهه أحداق حدائقها، ولا سقت نظير نظيره أبلتها، ولا شفيت بمثل رواء أَرْيِهِ غلتها، ولا جال بين جنبي برّها وبحرها أفضل منه بعد السلف الأول رجلًا، ولا أرجي منه في الخلف الصالح عملًا، ولا أسير في الآفاق، وأعلق بالأسماع، إذا ذكر مثلًا. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بالمدينة، ويقال: إنه ولد على الرق؛ فإن أباه مولى زيد بن ثابت، ويقال: مولى جميل بن قطبة، وأمه خيرة مولاة أم سلمه زوج النبي ﷺ . وكانت أمه ربما غابت في حاجة، فيبكي، فتعطيه أم سلمة ﵂ ثديها تعلله به إلى ن تجيء أمه، فَدَرَّ ثديها عليه، فشربه. فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك. ثم نشأ بوادي القرى، وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان، وسمعه يخطب مرات، وكان يوم الدار ابن أربع عشرة سنة. ثم كبر ولازم الجهاد والعلم والعمل، وكان أحد الشجعان الموصوفين، يُذكر مع قطري بن الفجاءة، وصار كاتبًا في دولة معاوية لوالي خراسان الربيع بن زياد. قال ابن سعد: كان عالمًا رفيعًا، ثقة، حجة، مأمونًا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم فصيحًا جميلًا، وسيمًا. وما أرسله فليس بحجة. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري، ومن الحجاج ابن يوسف. وكان عرض زند الحسن شبرًا.

стр. 1644

ومن كلامه: ما رأيتُ يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت. ولما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق، وأضيفت إليه خراسان في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري، ومحمد بن سيرين والشعبي، وذلك سنة ثلاث ومائة، فقال لهم: إنَّ يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولأني ما ترون، فقال ابن سيرين والشعبي قولًا فيه تقية، فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله. إنَّ الله يمنعك من يزيد، وإنَّ يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكًا، فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك. يا ابن هبيرة، إن تعص الله، فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرًا لدين الله وعباده فلا تتركن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأجازهم ابن هبيرة، وأضعف جائزة لحسن. ورأى الحسن يومًا رجلًا وسيمًا، حسن الهيأة، قيل: إنه يسحر للملوك، ويحبونه، فقال: الله أبوه! ما رأيت أحدًا طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا. ودخل يومًا على أمه - وفي يدها كراثة تأكلها - فقال لها: يا أم ألق هذه البقلة الخبيثة من يديك، فقالت: يا بني إنك قد كبرت وحرفت، فقال: يا اماه، أينا أكبر؟. وأكثر كلامه حكم وبلاغة، ومناقبه كثيرة، وقد جمعها الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء سماه «الزخرف القصري في مناقب الحسن البصري». وتوفي بالبصرة في مستهل رجب سنة عشر ومائة عن ثمان وثمانين سنة، وكانت جنازته مشهورةً، وكان من بحور العلم، فقيه النفس كبير الشأن، عديم النظير، مليح التذكير بليغ الموعظة رأسًا في أنواع الخير ﵀. ومنهم: [١٦] مكحول بن عبد الله الشامي (١) من سبي كابل، مولى لامرأة من قيس.

стр. 1645

لم يَعْدُه مأمول، ولم يُعَدِّه سبب موصول، العلم لم يسه عنه، ولم يُطره مذهول، ولم يله من غيره بأغن غضيض الطرف مكحول. تدير بيروت مدة مرابطًا حيث البحر تجول أساطيله، والعدو تجوز أباطيله، فلاطف بحسناه وإحسانه، وجاهد بسنانه ولسانه، وجرّد لذلك البحر أمضى من صوارمه، وجلا في ذلك الثغر أضوأ من مباسمه. وأطال الحافظ ابن عساكر في ترجمته التي ذكرها، وقالها على رؤوس العلماء، فما فيهم من أنكرها. قال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام. ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. هذا رأي والرأي يُخطئ ويصيب. وكان سنديًا لا يفصح، وفي لسانه عجمة ظاهرة، ويُبدل بعض الحروف ببعض، وكان مقامه بدمشق. توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. ومنهم: [١٧] عطاء بن أبي رباح القرشي (١) مولاهم مفتي أهل مكة، ومحدّثهم القدوة العلم أبو محمد. لقد عرف به فضله حيث الأنساب، وأعطى الزمان منه عطاء بلا حساب لقد عبقت أردانه بمسكها، وفتتت

стр. 1646

كافور الصباح في مسكها، ووقفت عليه الركائب بمكة؛ لتمام نسكها. لا يُرَدّ عليه إذا أفتى، ولا يعد معه أكرم يدًا منه، ولا أفتى. ولقد كانت بقايا الصحابة تشير إليه بالتعظيم، وتشير منه بالتعليم، وتثير منه لأهل المطالب كنزًا لا يردّ منه عديم. ولد في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة عمر، وهو أشبه، وسمع عائشة، وأبا هريرة، وابن عباس، وطائفة، وروى عنه جماعة من الأئمة كابن إسحاق، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وخلق كثير. وكان أسود مُفَلْفَلًا، فصيحًا، كثير العلم، من مُوَلَّدي الجند. قال أبو حنيفة: ما رأيتُ أفضل من عطاء. وقال ابن جريح: كان في المسجد فراشه عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات، وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلّم، خيل إلينا أنه يُؤَيَّد. وقال عبد الله بن عباس: يا أهل مكة، تجتمعون إلي، وعندكم عطاء. وقدم ابن عمر مكة، فسألوه، فقال: تجمعون لي المسائل، وفيكم عطاء. وقال جعفر الباقر: ما بقي على وجه الأرض أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء. توفي في رمضان سنة أربع عشرة ومائة، وقيل: سنة خمس عشرة بمكة. ومنهم:

стр. 1647

[١٨] أبو الزناد، عبد الله بن ذكوان المدني القرشي (١)، مولاهم، أبو عبد الرحمن فقيه المدينة، وفقيد المِثْلِ لا تجد قرينه برع في علم، ونزع حتى لا يراد منه إلا السلم كان إذا لز بالقرناء، وهُنَّ للفتاء، طال وقصروا، ونص واستنصروا، واعترف له بالرجاحة، وعرف لمجاهدته في الليل ما ينوّر صباحه، وولى جند الحندس مهزومًا وفي جبينه البرق جراحة. سمع أنس بن مالك، وأبا أمامة بن سهل، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن المسيب، وهو راوية عبد الرحمن الأعرج. وحدث عنه مالك، وشعيب بن أبي حمزة، والليث، والسفيانان، وابنه عبد الرحمن وخلق. وكان أحد الأئمة الأعلام. قال الليث بن سعد: رأيته وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه، وطالب شعر، وصنوف. قال: ثم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة. وقال أبو حنيفة: رأيت أبا الزناد وربيعة. وأبو الزناد أفقه الرجلين. وقال أحمد بن حنبل: هو أعلم من ربيعة. قال: وكان سفيان يُسمّي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث. وقال مصعب الزبيري: هو كان فقيه أهل المدينة، وكان صاحب كتابة وحساب. وفد على هشام بحساب ديوان المدينة، وكان يعاند ربيعة. وقال إبراهيم بن المنذر: كان هو سبب جلد ربيعة فولي بعد أمير، فطين على أبي الزناد بيتًا، فشفع فيه ربيعة. وقيل: إن أبا الزناد هو ابن أخي أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 1648

توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين. ومنهم: [١٩] ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ مولى آل المنكدر التيمي، أبو عثمان، ويقال أبو عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي (١) فقيه أهل المدينة. إمام ما دجت مشكلة إلا كان سراجها، ولا أعيت مسألة إلا فرى بأول ضربة أوداجها، ولا فخرت رتبة إلا كان تاجها، ولا زخرت حُجّة، إلا خرق برأيه الصائب أمواجها. سَعِد به مالك وشقي، وتقدّم عليه وبقي، وحدّث عنه، والمسجد يجمعهما، وضيق ذكره الطائر مسالكه، والمدينة تسعهما. رزق دونه الحظوة، وتمسك بذيله وحل قبله الذروة، ولم يؤخره إلا شقاشق جعلت صواب مقاله هدرا، وصفو زلاله كدرا، وطالع نجمه منكدرا، ومُحَلِّق سَهْمه منحدرًا، وما هي إلا أحاظ قسمت وجدود، وشقاوة قدرت في سابق القدم وسعود. أدرك جماعة من الصحابة، وروى عن أنس، وغيره، وعنه أخذ الثوري، ومالك، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، وأنس بن عياض. وكان حافظًا، حجة، فقيهًا، مجتهدًا، حاذقًا. قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة. الرأي، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة، وهو نائم في الطاق؟ فأتينا ربيعة، فأنبهناه، وقلنا له: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس، قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟، قال: أما علمتم أنَّ مثقالًا من دولة خير من حمل من علم. وكان ربيعة يكثر الكلام، ويقول: الساكت بين النائم والأخرس. وكان يومًا

стр. 1649

يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابي دخل من البادية، فأطال الوقوف والإنصات إلى كلامه، فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه، فقال له: يا أعرابي ما البلاغة عندكم؟، فقال: الإيجاز مع إصابة المعنى، فقال: وما العِيُّ، قال: ما أنت فيه منذ اليوم. فخجل ربيعة. وكانت وفاته سنة ست وثلاثين ومائة بالهاشمية، وهي مدينة بناها السفاح بأرض الأنبار وكان يسكنها، ثم انتقل إلى الأنبار. قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. ومنهم: [٢٠] يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الحافظ، شيخ الإسلام، أبو سعيد، الأنصاري البخاري، المدني (١). قاضي المدينة، ثم قاضي القضاة للمنصور. المقدم في سالف العصور، والمُقدِم على ذلك الليث الهصور، اختاره مثل ذلك الرجل، وأقامه حيث تضرب إليه آباط الأينق الذلل، وقدمه في ذلك الجيل، ولحظه بما يستحق من التبجيل، وأخلى له الميدان كيف شاء يجيل، فلهذا أرم ما فسد، وتم له ما أرضى ذلك الضرغامة الأسد. حدث عن أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وأبي أمامة بن سهل، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وخلق. وروى عنه شعبة، ومالك، والسفيانان، والحمادان، وابن المبارك، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وأمم سواهم. قال أيوب السختياني: ما تركت بالمدينة أحدًا أفقه من يحيى بن سعيد. وقال أبو حاتم: ثقة يوازي الزهري. وقال يحيى القطان: هو مقدّم على الزهري، اختلف على الزهري، وهو لم يختلف عليه. وقال الثوري: كان من الحفاظ.

стр. 1650

وقال سليمان بن بلال: كان يحيى بن سعيد قد ساءت حاله، وأصابه ضيق شديد، وركبه الدين، فجاءه كتاب المنصور بالقضاء، فوكَّلني بأهله، وقال لي: والله ما خرجت وأنا أجهل شيئًا، فلما قدم العراق كتب إليَّ: والله لأول خصمين جلسا بين يدي، فاقتضيا شيئًا والله ما سمعته قط، فإذا جاءك كتابي، فسل ربيعة، واكتب إليَّ بما يقول، واكتم هذا. قال سليمان: ولما سار، خرجتُ معه أشيعه، فاستقبله جنازة فتغيَّرت، فقال لي: يا أبا محمد أراك تغيرت فقلت: اللهم لا طير إلا طيرك، قال: والله لئن صدق طيرك لينعش أمري، قال: فما أقام إلا شهرين حتى قضى دينه وأصاب خيرًا. وقال أحمد بن حنبل: يحيى بن سعيد أثبت الناس. وقال يحيى بن أيوب المقابري: حدثني أبو عيسى، وغيره: أن قومًا كان بينهم وبين المسيب بن زهير خصومة، فارتفعوا إلى يحيى بن سعيد قاضي أبي جعفر، فكتب إليه يحيى أن يحضر، فاتوا المسيب بكتابه، فانتهرهم، وتمنع فأتوا يحيى فاخبروه، فقام مغضبًا يريد المسيب، فوافقه وقد ركب بين يديه نحو المائتين من الخشابة؛ فلما رأوا يحيى أفرجوا له فأتى المسيب، وأخذ بحمائل سيفه، ورمي به إلى الأرض، ثم نزل عليه يحيى يخنقه. قال: فما خلص حمائل السيف من يده إلا أبو جعفر المنصور بنفسه. وقال يحيى بن سعيد: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحلل هذا، ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا، وإنَّ المسألة لترد على أحدهم مثل الجبل، فإذا فتح له بابها، قال: ما أهون هذه. وقال يزيد بن هارون حفظت ليحيى بن سعيد ثلاثة آلاف حديث، فمرضت، فنسيت نصفها (١). توفي بالهاشمية سنة ثلاث وأربعين ومائة. ومنهم: [٢١] سليمان بن مهران مولى بني كاهل أبو محمد، المعروف بالأعمش الكوفي (٢) الغمام المشهور شهرة الأعلام المذكور ذكر الروض للغمام، الدمث الأخلاق،
следующие страницы →