← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

كافور الصباح في مسكها، ووقفت عليه الركائب بمكة؛ لتمام نسكها. لا يُرَدّ عليه إذا أفتى، ولا يعد معه أكرم يدًا منه، ولا أفتى. ولقد كانت بقايا الصحابة تشير إليه بالتعظيم، وتشير منه بالتعليم، وتثير منه لأهل المطالب كنزًا لا يردّ منه عديم. ولد في خلافة عثمان، وقيل: في خلافة عمر، وهو أشبه، وسمع عائشة، وأبا هريرة، وابن عباس، وطائفة، وروى عنه جماعة من الأئمة كابن إسحاق، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وخلق كثير. وكان أسود مُفَلْفَلًا، فصيحًا، كثير العلم، من مُوَلَّدي الجند. قال أبو حنيفة: ما رأيتُ أفضل من عطاء. وقال ابن جريح: كان في المسجد فراشه عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة. وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات، وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلّم، خيل إلينا أنه يُؤَيَّد. وقال عبد الله بن عباس: يا أهل مكة، تجتمعون إلي، وعندكم عطاء. وقدم ابن عمر مكة، فسألوه، فقال: تجمعون لي المسائل، وفيكم عطاء. وقال جعفر الباقر: ما بقي على وجه الأرض أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء. توفي في رمضان سنة أربع عشرة ومائة، وقيل: سنة خمس عشرة بمكة. ومنهم:

стр. 1647

[١٨] أبو الزناد، عبد الله بن ذكوان المدني القرشي (١)، مولاهم، أبو عبد الرحمن فقيه المدينة، وفقيد المِثْلِ لا تجد قرينه برع في علم، ونزع حتى لا يراد منه إلا السلم كان إذا لز بالقرناء، وهُنَّ للفتاء، طال وقصروا، ونص واستنصروا، واعترف له بالرجاحة، وعرف لمجاهدته في الليل ما ينوّر صباحه، وولى جند الحندس مهزومًا وفي جبينه البرق جراحة. سمع أنس بن مالك، وأبا أمامة بن سهل، وعبد الله بن جعفر، وسعيد بن المسيب، وهو راوية عبد الرحمن الأعرج. وحدث عنه مالك، وشعيب بن أبي حمزة، والليث، والسفيانان، وابنه عبد الرحمن وخلق. وكان أحد الأئمة الأعلام. قال الليث بن سعد: رأيته وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه، وطالب شعر، وصنوف. قال: ثم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة. وقال أبو حنيفة: رأيت أبا الزناد وربيعة. وأبو الزناد أفقه الرجلين. وقال أحمد بن حنبل: هو أعلم من ربيعة. قال: وكان سفيان يُسمّي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث. وقال مصعب الزبيري: هو كان فقيه أهل المدينة، وكان صاحب كتابة وحساب. وفد على هشام بحساب ديوان المدينة، وكان يعاند ربيعة. وقال إبراهيم بن المنذر: كان هو سبب جلد ربيعة فولي بعد أمير، فطين على أبي الزناد بيتًا، فشفع فيه ربيعة. وقيل: إن أبا الزناد هو ابن أخي أبي لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 1648

توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين. ومنهم: [١٩] ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ مولى آل المنكدر التيمي، أبو عثمان، ويقال أبو عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي (١) فقيه أهل المدينة. إمام ما دجت مشكلة إلا كان سراجها، ولا أعيت مسألة إلا فرى بأول ضربة أوداجها، ولا فخرت رتبة إلا كان تاجها، ولا زخرت حُجّة، إلا خرق برأيه الصائب أمواجها. سَعِد به مالك وشقي، وتقدّم عليه وبقي، وحدّث عنه، والمسجد يجمعهما، وضيق ذكره الطائر مسالكه، والمدينة تسعهما. رزق دونه الحظوة، وتمسك بذيله وحل قبله الذروة، ولم يؤخره إلا شقاشق جعلت صواب مقاله هدرا، وصفو زلاله كدرا، وطالع نجمه منكدرا، ومُحَلِّق سَهْمه منحدرًا، وما هي إلا أحاظ قسمت وجدود، وشقاوة قدرت في سابق القدم وسعود. أدرك جماعة من الصحابة، وروى عن أنس، وغيره، وعنه أخذ الثوري، ومالك، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، وأنس بن عياض. وكان حافظًا، حجة، فقيهًا، مجتهدًا، حاذقًا. قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة. الرأي، فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة، وهو نائم في الطاق؟ فأتينا ربيعة، فأنبهناه، وقلنا له: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس، قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟، قال: أما علمتم أنَّ مثقالًا من دولة خير من حمل من علم. وكان ربيعة يكثر الكلام، ويقول: الساكت بين النائم والأخرس. وكان يومًا

стр. 1649

يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابي دخل من البادية، فأطال الوقوف والإنصات إلى كلامه، فظن ربيعة أنه قد أعجبه كلامه، فقال له: يا أعرابي ما البلاغة عندكم؟، فقال: الإيجاز مع إصابة المعنى، فقال: وما العِيُّ، قال: ما أنت فيه منذ اليوم. فخجل ربيعة. وكانت وفاته سنة ست وثلاثين ومائة بالهاشمية، وهي مدينة بناها السفاح بأرض الأنبار وكان يسكنها، ثم انتقل إلى الأنبار. قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. ومنهم: [٢٠] يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الحافظ، شيخ الإسلام، أبو سعيد، الأنصاري البخاري، المدني (١). قاضي المدينة، ثم قاضي القضاة للمنصور. المقدم في سالف العصور، والمُقدِم على ذلك الليث الهصور، اختاره مثل ذلك الرجل، وأقامه حيث تضرب إليه آباط الأينق الذلل، وقدمه في ذلك الجيل، ولحظه بما يستحق من التبجيل، وأخلى له الميدان كيف شاء يجيل، فلهذا أرم ما فسد، وتم له ما أرضى ذلك الضرغامة الأسد. حدث عن أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وأبي أمامة بن سهل، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وخلق. وروى عنه شعبة، ومالك، والسفيانان، والحمادان، وابن المبارك، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وأمم سواهم. قال أيوب السختياني: ما تركت بالمدينة أحدًا أفقه من يحيى بن سعيد. وقال أبو حاتم: ثقة يوازي الزهري. وقال يحيى القطان: هو مقدّم على الزهري، اختلف على الزهري، وهو لم يختلف عليه. وقال الثوري: كان من الحفاظ.

стр. 1650

وقال سليمان بن بلال: كان يحيى بن سعيد قد ساءت حاله، وأصابه ضيق شديد، وركبه الدين، فجاءه كتاب المنصور بالقضاء، فوكَّلني بأهله، وقال لي: والله ما خرجت وأنا أجهل شيئًا، فلما قدم العراق كتب إليَّ: والله لأول خصمين جلسا بين يدي، فاقتضيا شيئًا والله ما سمعته قط، فإذا جاءك كتابي، فسل ربيعة، واكتب إليَّ بما يقول، واكتم هذا. قال سليمان: ولما سار، خرجتُ معه أشيعه، فاستقبله جنازة فتغيَّرت، فقال لي: يا أبا محمد أراك تغيرت فقلت: اللهم لا طير إلا طيرك، قال: والله لئن صدق طيرك لينعش أمري، قال: فما أقام إلا شهرين حتى قضى دينه وأصاب خيرًا. وقال أحمد بن حنبل: يحيى بن سعيد أثبت الناس. وقال يحيى بن أيوب المقابري: حدثني أبو عيسى، وغيره: أن قومًا كان بينهم وبين المسيب بن زهير خصومة، فارتفعوا إلى يحيى بن سعيد قاضي أبي جعفر، فكتب إليه يحيى أن يحضر، فاتوا المسيب بكتابه، فانتهرهم، وتمنع فأتوا يحيى فاخبروه، فقام مغضبًا يريد المسيب، فوافقه وقد ركب بين يديه نحو المائتين من الخشابة؛ فلما رأوا يحيى أفرجوا له فأتى المسيب، وأخذ بحمائل سيفه، ورمي به إلى الأرض، ثم نزل عليه يحيى يخنقه. قال: فما خلص حمائل السيف من يده إلا أبو جعفر المنصور بنفسه. وقال يحيى بن سعيد: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحلل هذا، ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا، وإنَّ المسألة لترد على أحدهم مثل الجبل، فإذا فتح له بابها، قال: ما أهون هذه. وقال يزيد بن هارون حفظت ليحيى بن سعيد ثلاثة آلاف حديث، فمرضت، فنسيت نصفها (١). توفي بالهاشمية سنة ثلاث وأربعين ومائة. ومنهم: [٢١] سليمان بن مهران مولى بني كاهل أبو محمد، المعروف بالأعمش الكوفي (٢) الغمام المشهور شهرة الأعلام المذكور ذكر الروض للغمام، الدمث الأخلاق،

стр. 1651

المنبعث انبعاث الشمس في الآفاق، المخضّر عوده الرطيب، المفتر ثغره الشنيب، المنهل ندي ورقاته المخضل ندى أوقاته، لمفاكهة تؤتي أكلها كل حين، وآداب لو تومي إلى الحنادس لمحين. مداعبة ألطف من كؤوس الأندرين، وأخف من وصل الحبائب إن درين. قدم أبوه الكوفة، وامرأته حامل بالأعمش، فولدته بها سنة ستين للهجرة، وقيل إنه ولد يوم مقتل الحسين - وهو يوم عاشوراء - سنة إحدى وستين، وحضر أبوه قتل الحسين. وعده ابن قتيبة من المعارف في جملة من حملت به أمه سبعة أشهر، ولا يعرف بغير الكوفي. وكان يقارن الزهري في الحجاز، ورأى أنس بن مالك، وكلمه، لكنه لم يرزق السماع عليه، وما يرويه عنه، فهو وارسال، ولقي كبار التابعين، وروى عنه خلق كثير من جلة العلماء. وقال أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب إليَّ مناقب عثمان، ومساوئ علي، فأخذ القرطاس، وأدخلها في فم شاة، فلاكتها، وقال لرسوله: قل له: هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني، إن لم آته بجوابك، وتحمل عليه بإخوانه، فقالوا: يا أبا محمد خلصه من القتل؛ فلما ألحوا عليه كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي مساوئ أهل الأرض ما ضرتك، فعليك بخويصة نفسك». وقال زائدة بن قدامة: تبعتُ الأعمش يومًا، فأتى المقابر، فدخل قبرًا محفورًا، فاضطجع فيه، ثم خرج منه، وهو ينفُضُ التراب عن رأسه، ويقول: واضيق مسكناه! قال علي بن المديني: له نحو ألف وثلاثمائة حديث. وقال ابن عيينة: كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله وأحفظهم للحديث وأعلمهم بالفرائض. وقال أبو حفص الفلاس: كان الأعمش يسمي المصحف من صدقه. وقال القطان: هو علامة الإسلام.

стр. 1652

وقال وكيع: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الحربي: ما خَلَف أعبد منه، وكان صاحب سنة، وكان مع هذا كله مزاحًا، جاءه أصحاب الحديث يومًا، ليسمعوا عليه، فخرج إليهم، وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم، ما خرجت إليكم، وجرى بينه وبين زوجته يومًا كلام، فدعا رجلًا، ليُصلح بينهما، فقال لها الرجل: لا تنظري إلى عمش عينيه، وحموشة ساقيه؛ فإنه إمام وله قدر، فقال الأعمش: خزاك الله، ما أردت إلا أن تعرفها عيوبي. وقال له داود بن عمر الحائك: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟؛ فقال: لا بأس بها على غير وضوء. قال: ما تقول في شهادة الحائك؟ قال: تقبل مع عدلين. ويقال: إن الإمام أبا حنيفة عاده يومًا في مرضه، فطول القعود عنده؛ فلما عزم على القيام، قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك؟ فقال: والله إنك لثقيل علي، وأنت في بيتك. وعاده أيضًا جماعة، فأطالوا الجلوس عنده، فضجر منهم، فأخذ وسادته، وقام، وقال: شفى الله مريضكم بالعافية. وله أخبار وملح مشهورة. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. ومنهم: [٢٢] محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١)، أبو عبد الرحمن الفقيه، المقرئ، مفتي الكوفة وقاضيها. قام بها حتى أكمد قلوب المعتدين، وأرمد عيون أعداء الدين، بفضل يبهر الشموس اللامعة، والغصون اليانعة، والبروق الخواطف والسحب المبتلة المعاطف. لم تزل آفاته وإفاداته للمستظل والمستبين، وفتاويه وفتوته للجهول والمسكين، بشيء تفرد به في زمانه سجية طبع عليها نقده المبين، وجمع عقده الثمين، فسلّم بها الكمال لواهبه، والجمال لما يزرّر عليه في جلابيبه.

стр. 1653

حدث عن الشعبي، وعطاء، والحكم، ونافع، وعمرو بن مرة، وطائفة وكان أبوه من كبار التابعين، فتوفي وهو طفل، فلم يدرك الأخذ عنه. وحدث عنه شعبة، والسفيانان، وزائدة، ووكيع، وأبو نعيم، وعمران ابنه. قال أحمد بن يونس: كان محمد بن أبي ليلى أفقه أهل الدنيا. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: كان فقيهًا صدوقًا صاحب سُنّة، جائز الحديث، عالمًا بالقرآن، وقرأ عليه حمزة الزيات. وقال أبو حفص الأبار عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء، فجعل يسألني، فكأن أصحابه أنكروا ذلك، فقال: وما تنكرون هو أعلم مني! توفي في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين ومائة. ومنهم: [٢٣] عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي الأموي (١) مولاهم. المكي صاحب التصانيف أبو الوليد. فقيه الحرم ونزيل ذلك الحمى الذي لم يُرم. عالم كان يخاف منه الفوات، وتُعجّ لديه الطلبة حتى لا تكاد تفهم بناديه الأصوات. انصبت شعوب فكره، وأصْبَتْ تصانيفه؛ لأنها عقائل ما أوت غير خِدْره، وأتى منها بما لا يأتي به الصَّيِّبُ من بدائع الألوان، ووشائع الحبر التي لا تتغير بتغير الأوان. ولد سنة نيف وسبعين، وأدرك صغار الصحابة، لكنه لم يحفظ عنهم، وروى عنه أمم. قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية العلم. هو وابن أبي عروبة أوّل من صنف الكتب. وقال عبد الرزاق: ما رأيتُ أحسن صلاة من ابن جريح. وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يكن ابن جريح عندي بدون مالك في نافع. وقال ابن المديني: لم يكن في الأرض أعلم بعطاء من ابن جريج. وقال ابن جريج: كنت أتتبع الأشعار العربية والأنساب، فقيل لي: لو لزمت عطاء، فلزمته ثمانية عشر عامًا.

стр. 1654

وقال جرير: كان ابن جريج يرى المتعة. تزوج ستين امرأة. وقيل: سمع من مجاهد حرفين في القراءات. وكان إمامًا، ثقة، صاحب عبادة، وقيل: إنه جاز مائة سنة. وتوفي في أول الحجة سنة خمسين ومائة. ووهم ابن المديني حيث يقول: مات سنة تسع وأربعين. ومنهم: [٢٤] عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد الأوزاعي (١) إمام أهل الشام، وغمام برقه الذي يُشام، وواحد زمانه، ولا احتشام، كان في زمان بني أمية، يُرمى إليه طرف كل مؤمر، ويومئ إليه حتى طرف البنان المخمر وجاءت الدولة العباسية، فزادته راياتها السود المطلة سؤددًا، وأعلمته أنَّ مع اليوم غدا، وشَدَتْ باسمه محافلها، واقتدت بعلمه جحافلها، ولم يقدم لمكانه أمير جيشهم القادم على الشام على إسراف في إطلال الدماء، واستحلال لأتلاف نفوس أولئك

стр. 1655

العظماء، إلا ما سبق السيف فيه العذل، وقبل سرعان الجيش من سومهم السائب ما بذل، حتى ألجمهم بفتياه، وألجأهم إلى الوقوف دون منتهاه، وكان ربّ جهاد في الثغر، وسداد للثغر، ينام والعدو الأزرق من البحر ينظر شزرا، وينوي للرقاب الممتدة جزرا. أقام ببيروت، وكتب في عددها، وحسب زيادة في عمدها، وكان محط الرحلة، ومحل الفضل الذي لا يجنى مثل مجاجة النحلة، علمًا جمًا ما نقص، وفضلًا مقبلًا ما نكص، ورسائل هي قطع الروض المنوّر، وصفو الزلال المتحدّر، وعدد النجوم إلا أنه يضعها غير متكثر، وبفرعها الشامخ غير متكبر، ولجلالة مكانه في العلم، لم أذكره إلا لحلة فضله طرازا، ولجملة كماله تمامًا لا إعوازا. كل هذا إلى دين لا يجاذبه فيه منازع، وتقى كمن عساه يزع إن لم يكن منه للأوزاعي وازع. ولد ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، وقيل: سنة ثلاث وتسعين. ونشأ يتيمًا بالكرك بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت. وكان فوق الربعة، خفيف اللحية، به سمرة، وكان يخضب بالحناء، ولم يكن بالشام أعلم منه. قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة. روي أن سفيان الثوري بلغه مقدم الأوزاعي، فخرج حتى لقيه بذي طُوى، فحل سفيان رأس بعيره عن القطار ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة، قال: الطريق للشيخ. وقال إسماعيل بن عياش: سمعتهم يقولون - سنة أربعين ومائة: الأوزاعي اليوم عالم الأمة. وقال أبو إسحاق الفزاري، لو خُيِّرتُ لهذه الأمة، لاخترت الأوزاعي - يعني في الخلافة -. وقال بشر بن المنذر: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع. وقال أبو مسهر: كان الأوزاعي يُحيي الليل صلاة، وقرآنًا، وبكاء. وقال الأوزاعي: رأيتُ كأنَّ مَلَكَين عرجا بي إلى الله، فأوقعاني بين يديه. فقال: أنت عبدي عبد الرحمن الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؟، قلت: بعزتك ربي، فرداني إلى الأرض. وقال أبو الوليد بن مزيد تعجز الملوك أن تؤدّب أولادها أدبه في نفسه. ما سمعت منه كلمة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكًا بقهقهة، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول: تُرى في المجلس، قلب: لم يبك. وقال أبو زرعة الدمشقي: كانت صنعته الكتابة والترسل ورسائله تؤثر، فمما يؤثر من كلامه: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال،

стр. 1656

وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم. وقال: إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث، فإياك أن تقول بغيره، فإنه كان مبلغًا عن الله. وقال: ما ابتدع رجل بدعة إلا سُلب ورعه. وقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة والمستحلين الحرمات بالشبهات. واجتمع سفيان، والأوزاعي، وعباد بن كثير، فقال سفيان: يا أبا عمرو حدثنا حديثك مع عبد الله بن علي - يعني عم السفاح - فقال: لما قدم الشام، وقتل بني أمية، جلس على سريره، وعبأ أصحابه أربعة أصناف مع كل صنف نوع من أنواع السلاح، ثم بعث إلي؛ فلما صرت إلى الباب أنزلوني عن دابتي، وأخذ اثنان بعضدي وأدخلوني بين الصفوف حتى أقاموني بحيث يسمع كلامي، فقال لي: أنت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي؟، قلت: نعم، أصلح الله الأمير! قال: ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قد كان بينك وبينهم عهود كان ينبغي أن يفوا لك بها. قال: ويحك! اجعلني وإياهم لا عهد بيننا، فأجهشت نفسي، وكرهت القتل، فذكرت مقامي بين يدي الله، فلفظتها، فقلت: دماؤهم عليك حرام، فغضب، وانتفخت عيناه وأوداجه، فقال لي: ويحك، ولم؟، قلت: قال رسول الله ﷺ لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيب زان، ونفس بنفس، وتارك لدينه، فقال: ويحك أوليس الأمر لنا ديانة؟، قلت: كيف ذاك؟، قال: أليس كان رسول الله ﷺ أوصى إلى علي؟، قلت: لو أوصى إليه ما حكم الحكمين، فسكت، وقد اجتمع غضبًا، فجعلتُ أتوقع رأسي يسقط بين يدي، فقال بيده هكذا، يومئ أن أخرجوه، فخرجت فما أبعدت حتى لحقني فارس فنزلت، وقلت: قد بعث لأخذ رأسي، أصلي ركعتين، فكبرتُ، وصليت، فسلَّم، وقال: إنَّ الأمير بعث إليك بهذه الدنانير، قال: ففرقتها قبل أن أدخل بيتي. وقال الأوزاعي: كنا نمزح ونضحك؛ فلما صرنا يُقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسم. وكان أهل الشام ثم أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي مدة، ثم فني العارفون به، وبقي منه ما يوجد في كتب الخلاف. وقال عقبة بن علقمة البيروتي: دخل الأوزاعي حمامًا في بيته، وأدخلت معه زوجته كانونًا، ليدفأ به، ثم أغلقت عليه، وتشاغلت فهاج الفحم، فمات. قال عقبة: فوجدناه متوسدًا ذراعه إلى القبلة. قال أبو مسهر: أغلقت عليه غير متعمدة، فمات. فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة، ولم يُخلّف إلا ستة دنانير فضلت من عطائه، وكان قد كتب في ديوان الساحل.

стр. 1657

وكانت وفاته يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقتل: في ربيع الأول سنة سبع وخمسين ومائة ببيروت، وقبره في قرية على باب بيروت، يقال لها حنتوس، وأهلها مسلمون، وهو مدفون في قبلة المسجد، وأهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون: ها هنا رجل صالح ينزل عليه النور، ولا يعرفه إلا الخواص من الناس. والأوزاعي منسوب إلى أوزاع: بطن من ذي كلاع، وقيل: بطن من همدان. ومنهم: [٢٥] شفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله، من موهبة، أبو عبد الله، الثوري، الكوفي (١) الفقيه الإمام. سيد الحفاظ، ومرتمى الألفاظ، ومرتمق الألحاظ. ذو المذهب الواضح الذي لا يضلُّ سالكه، ولا يظلم به إن دجا الليل حالكه. تمذهب به جماعة، وكاد الزمان يعقد عليه إجماعه، والآن هو إنما مُحي رسمه، وبقي حكمه. هذا وقد

стр. 1658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1659

فرقت أوصاله الدود، ومزقت أعضاءه اللحود، وأبلى جدته التراب، وأطال مدته الذهاب، لكن هو العلم الذي يورث صاحبه الخلود، ويحييه وقد بليت محاسن أوجه وخدود. قال سفيان بن عيينة: ما رأيتُ رجلًا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري. وقال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما فيهم أفضل من سفيان الثوري، ولا أعلم على وجه الأرض أفضل من سفيان. وقال الأوزاعي: لم يبق من تجمع عليه الأمة بالرضا والصحة إلا سفيان. وقال يحيى القطان: سفيان فوق مالك في كل شيء. وقال أبو أسامة: من أخبرك أنه رأى مثل سفيان، فلا تصدقه. وقال ابن أبي ذئب: ما رأيتُ بالعراق أحدًا يشبه ثوريكم. وقال سفيان: العالم طبيب الدين، والدرهم داء الدين، فإذا اجتر الطبيب الداء إليه، متى يداوي غيره. وقال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي، وأتى سفيان الثوري، فلما دخل سلّم عليه تسليم العامة، ولم يسلّم بالخلافة، والربيع قائم على رأسه، متكئًا على سيفه، يرقب أمره، فأقبل المهدي عليه بوجه طلق، وقال له: يا سفيان تفر منا ههنا وههنا، وتظنّ أنا لو أردناك بسوء، لم نقدر عليك؟ فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ قال سفيان: إن تحكم في يحكم فيك مَلِكُ قادر يفرّق بين الحق والباطل، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: أسكت ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم، فنشقى بسعادتهم. اكتبوا عهده على قضاء الكوفة، على أن لا يعترض عليه. فكتب عهده، ودفع إليه، فأخذه، وخرج، فرمي به في دجلة، وهرب، فطلب في كل بلد، فلم يوجد.

стр. 1660

ولما امتنع من قضاء الكوفة، وتولاه شريك بن عبد الله النخعي، قال الشاعر: [من الطويل] تَحَرَّرَ سُفْيَانٌ وَفَرَّ بِدِيْنِهِ … وَأَمْسَى شَرِيْكٌ مُرصَدًا لِلْدَرَاهِمِ وحكي عن أبي صالح المدائني أنه قال: إني لأحسب سفيان الثوري يوم القيامة حجة من الله على الخلق. يقال لهم: لم تدركوا نبيكم ﷺ فقد رأيتم سفيان الثوري هلا اقتديتم به؟! مولده سنة بضع وتسعين للهجرة، وتوفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة متواريًا من السلطان، ودفن عشاء ولم يُعقب. ومنهم: [٢٦] حماد بن سلمة بن دينار (١) الإمام الحافظ شيخ الإسلام، أبو سلمة، الربعي، مولاهم البصري، البزاز،

стр. 1661

البطائني، النحوي، المحدّث. شرارة زند، ونوّارة رند، وسحابة ندّ، وسخاءة عنبر ختم بها معاقد بند، سلّم به إلى أبيه سلمة، وحمد لدين ما أسلمه، جددًا ما نكب عن طريقه،

стр. 1662

ولا نكل عن فريقه، ولا نكد به إلا عدوًا جرعه غيظًا بريقه. قال وهيب: حماد بن سلمة سيدنا وأعلمنا. وقال أحمد بن حنبل: حماد أعلم الناس بثابت البناني، وأثبتهم في حميد. وقال علي بن المديني: كان عند يحيى بن ضريس عن حماد عشرة آلاف حديث. وقال شهاب بن معمر: كان حماد بن سلمة يُعَدُّ من الأبدال، وهو أول من صنف التصانيف مع ابن أبي عروبة، وكان بارعًا في العربية، فقيهًا، فصيحًا، مفوّهًا، صاحب سنة. وقال ابن مهدي: لو قيل لحماد: إنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا. وقال عفان: ما رأيتُ أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل الله منه. وقال عمرو بن عاصم: كتبتُ عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألف حديث. وقيل: إن حمادًا تزوّج سبعين امرأة، ولم يولد له ولد. وقال أحمد بن حنبل: إذا رأيت الرجل ينال من حماد بن سلمة، فاتهمه على الإسلام. توفي بعد عيد النحر سنة سبع وستين ومائة وقد قارب الثمانين. ومنهم: [٢٧] عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (١) مولى بني حنظلة، والمؤتى من كل شيء أفضله هو المبارك وابنه، وأصله الزاكي

стр. 1663

وغصنه، لعلم جد منصله، وصاد الشوارد أجدله، هذا إلى دماثة خلق خف على القلوب محمله، وأسرع إلى الخواطر، توصله، يُنزّهه ورع ما رنق غديره قذى، ولا نبع منه أذى،

стр. 1664

بنقاء سريرة أصفى من الماء في المزن، وأغسل للغماء من السرور غب الحزن. تفقه على الثوري ومالك وروى عنه الموطأ، وكان كثير الانقطاع محبًا للخلوة شديد التورع جامعًا بين العلم والزهد. نقل أبو عبد الله الحياني: أنَّ عبد الملك بن المبارك سُئل أيما أفضل معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز؟، فقال: والله إنَّ الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عمر بألف مرة، صلّى معاوية خلف رسول الله ﷺ فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا. ومن كلامه تعلمنا العلم للدنيا، فدلنا على ترك الدنيا. ومن شعره: [من البسيط] قَدْ يَفْتَحُ المَرْءُ حَانُوتًا لِمَتْجَرِهِ … وَقَدْ فُتَحْتَ لَكَ الحَانُوتِ بِالدِّيْنِ صَيَّرْتَ دِيْنَكَ شَاهِيْنًا تَصِيْدُ بِهِ … وَلَيْسَ يُفْلِحُ أَصْحَابُ الشَّوَاهِيْنِ توفي منصرفًا من الغزو بهيت في رمضان سنة نيف وثمانين ومائة. ومولده بمرور سنة ثمان عشرة ومائة. ومنهم: [٢٨] سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي (١) قمر طلع من هلال، ودر تجسّد من زلال، من خير من تنقلت به الأصلاب،

стр. 1665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1666

ونقلت له الأسلاب، ونفلت له خوص المطايا الأجلاب، وأقبلت إليه الطلبة في هيأة الأطلاب، وحطّت عليه بأملها الركائب الطلاح، وخطت إليه بغللها السحائب الدلاح. طالما شكر الموقف بالصخرات موقفه، وحمد منه معرق المعرفة، وأجمع جمع أنه ما رأى مثله بالعيان، ولا بالصفة. ولد بالكوفة في منتصف شعبان سنة سبع ومائة، ونقله أبوه إلى مكة وكان إمامًا، عالمًا، ثبتًا زاهدًا ورعًا، مجمعًا على صحة حديثه وروايته، وحجّ سبعين حجة، وروى عنه جماعة من الأعيان، وروى عن خلق كثير. قال ابن خلكان ﵀ رأيتُ في بعض المجاميع أن سفيان خرج يومًا إلى من جاءه يسمع منه وهو ضجر - فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد، وجالس هو أبا سعيد الخدري، وجالست عمرو بن دينار، وجالس هو عبد الله ابن عمر، وجالست الزهري، وجالس هو أنس بن مالك، حتى أتى عدَّ جماعة، ثم أنا أجالسكم؟! فقال له حدث في المجلس: أتنصفُ يا أبا محمد؟، قال: إن شاء الله تعالى، فقال: والله لشقاء أصحاب أصحاب رسول الله ﷺ بك أشد من شقائك بنا، فأطرق، وأنشد قول أبي نواس: [من مجزور الرمل] خَلٌ جَنْبَيْكَ لِرَامِي … وَامْضِ عَنْهُ بِسَلَامٍ مُتْ بِدَاءِ الصَّمْتِ خَيْرٌ … لَكَ مِنْ دَاءِ الكَلامِ

стр. 1667

وتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث، وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم، فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء يعني السلطان. وقال الشافعي: ما رأيت أحدًا فيه من آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أكف منه عن الفتيا. وقال سفيان: دخلت الكوفة، ولم يتم لي عشرون سنة، فقال أبو حنيفة لأصحابه ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم ابن دينار، قال: فجاء الناس يسألوني عن عمرو بن دينار، فأوّل من صيّرني محدثًا أبو حنيفة، فذاكرته. توفي بمكة في آخر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة ودفن بالحجون. ومنهم: [٢٩] إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله، الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه (١)، أبو يعقوب الحافظ الكبير نزيل نيسابور وعالمها. إمام لا يُعام في بحره، وتمام لا يُغام على

стр. 1668

بدره. لسان جدل لا يحجّ، وبيان جدل للمحتج، أثنت عليه الأئمة، وثنت إليه الأزمة، وخلف في الخير سالف الأمة، وخلف الناس بعده تتمة، وأقامت إليه المطي صدورها، وأدامت به سرورها، وترامت إليه بالطلبة أشباحها، وأمَّت به حيث يطلع صباحها، وكان لحنًا بالحجج إذا ناظر، محسنًا إذا حاضر، لا تمل مجالسته، ولا تخل بالصواب منافسته. ذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي، وعده البيهقي في أصحاب الشافعي، وكان قد ناظر الشافعي في مسألة جواز بيع دور مكة؛ فلما عرف فضله نسخ كتبه وجمع مصنفاته. قال أحمد بن حنبل: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وما عبر الجسر أفقه منه. قال محمد بن أسلم الطوسي لما بلغه موت إسحاق: ما أعلم أحدًا كان أخشى الله من إسحاق. يقول الله: «إنما يخشى الله من عباده العلماء» وكان أعلم الناس، ولو كان الحمادان، والثوري في الحياة، لاحتاجوا إليه. وقال أحمد أيضًا: لا أعلم لإسحاق نظيرًا بالعراق، لم يلق مثله. وقال إسحاق: أحفظ سبعين ألف حديث وأذاكر بمائة ألف، وما سمعت قط شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا قط، فنسيته. وقال أيضًا: كأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفًا أسردها. وقال أبو داود الخفاف: أملى علينا إسحاق من حفظه، أحد عشر ألف حديث، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفًا، ولا نقص حرفًا. وقال أبو حاتم: العجب من إتقانه، وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. وقال أبو زرعة: ما رئي أحفظ من إسحاق، وله مسند مشهور رحل إلى

стр. 1669

الحجاز، والعراق واليمن، والشام، وسمع ابن عيينة وطبقته، وسمع منه البخاري، ومسلم، والترمذي. وكانت ولادته سنة إحدى وستين ومائة وسكن آخر عمره في نيسابور، وتوفي بها ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين، وقيل: سنة سبع وثلاثين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة. ومنهم: [٣٠] إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي (١) الفقيه البغدادي، أبو ثور. ورد البحر، فاستقل السواقي، وظفر بالمنى، فهان عليه ما كان يلاقي، وصحب الإمام المعرق في قريش. وأنشد: [من الخفيف] كُلّما فَاتَ فِي اللَّيَالِي المَواضِيْ … فَهْوَ فِي ذِمَّةِ اللَّيَالِي البَوَاقِي صحب الإمام الشافعي، ونقل الأقوال عنه، وكان أحد الفقهاء الأعلام، والثقات المأمونين في الدين، واشتغل أولًا بمذهب أهل الرأي، حتى قدم الشافعي

стр. 1670

العراق، فاختلف إليه، واتَّبعه، ورفض مذهبه الأول، ولم يزل كذلك إلى أن توفي لثلاث بقين من صفر سنة أربعين ومائتين ببغداد، وله الكتب المصنفة في الأحكام، جمع فيها الحديث والفقه. ومنهم: [٣١] محمد بن نصر الإمام، أبو عبد الله، المَرْوَزِي (١) أحد الأئمة الأعلام، والأزمة فيما تمليه الأقلام، ضرب الآفاق في طلب الحديث، واغترب لا يقنعه السير الحثيث، ثم لم يرض بمجرد الرواية، حتى وصلها بالدراية، وتفقه فيما اتصل به، حتى أبرزه علمًا جليًا، ومثله عيانًا مرئيًا. ولد ببغداد سنة اثنتين ومائتين، ونشأ بنيسابور وسكن سمرقند، وغيرها. وكان أبوه مروزيًا. تفقه أبو عبد الله على أصحاب الشافعي بمصر، وعلى إسحاق بن راهويه، ورحل في طلب الحديث والعلم إلى الآفاق. قال الحاكم: هو إمام الحديث في عصره بلا مدافعة. وقال الخطيب: كان من أعلم الناس؛ باختلاف الصحابة، ومن بعدهم. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر إمامًا بمصر، فكيف بخراسان. وقال القاضي محمد بن محمد: كان الصدر الأول من مشايخنا يقولون: رجال خراسان أربعة؛ ابن المبارك، وابن راهوية، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن نصر.

стр. 1671

وقال السليماني: محمد بن نصر المروزي إمام الأئمة الموفق من السماء. له كتاب «تعظيم قدر الصلاة» وكتاب «رفع اليدين» وغيرهما من الكتب المعجزة. وكان له مال يقارض عليه، وينفق عليه من غلته، وكان إسماعيل بن أحمد - والي خراسان. وأخوه يصله كل منهما بأربعة آلاف في السنة، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف، فكان ينفقها في السنة إلى السنة، فقيل له: لو ادخرت لنا منه، فقال: سبحان الله! أنا بقيت بمصر كذا سنة. قوتي وثيابي، وكاغدي، وحبري، وجميع ما أنفقته على نفسي عشرون درهمًا، أفترى إن ذهب ذا لا يبقى ذاك؟. وقد ذكرت له كرامات منها: ما رواه أبو الفضل محمد بن عبيد الله. قال: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند، فجلست يومًا للمظالم. وجلس أخي إلى جنبي فدخل أبو عبد الله محمد بن نصر، فقمتُ له إجلالًا لعلمه؛ فلما خرج عاتبني أخي، وقال: أنت والي خراسان تقوم لرجل من الرعية؟ هذا ذهاب السياسة. فبت تلك الليلة وأنا منقسم الفكر، فرأيت النبي ﷺ فأخذ بعضدي، فقال لي: ثبت ملكك وملك بنيك بإجلالك محمد بن نصر، ثم التفت إلى إسحاق وقال: ذهب ملك إسحاق، وبنيه باستخفافه بمحمد بن نصر. وقال ابن حزم - في بعض تواليفه -: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن، وأضبطهم لها، وأذكرهم لمعانيها، وأدركهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها في محمد بن نصر المروزي؛ فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث، ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما بعد عن الصدق. توفي بسمرقند سنة أربع وتسعين ومائتين. ومنهم: [٣٢] محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النيسابوري (١) الحافظ الفقيه شيخ الحرم. مشكاة النقل، ومرآة العقل، ألقى ما أغلق إليه

стр. 1672

الأقاليد، وأقال عثرات دينه من آفة التقليد، وجعل كتبه حججًا لا تخصم، ولججًا ما منها معصم، لم يُخَلّ ثنية ما طلع ولا خفيةً ما استطلع، فَصِينَت مصنفاته مع الأعلاق، وحفظت الضنين من الإملاق، فكانت مما تغلق عليه الخزائن أبوابها وتقفل، ويتفطن للاحتراز عليها، ثم لا يبالي بما تفعل. عده الشيخ أبو إسحاق في طبقات الفقهاء الشافعية، وقال: صنّف في اختلاف الفقهاء كتبًا لم يصنّف أحد مثلها، واحتاج إلى كتبه الموافق والمخالف. ولا أعلم عمن أخذ الفقه. قال: وتوفي بمكة سنة تسع أو عشر وثلاثمائة. وهذا لا يصح، فإنَّ ابن عمار لقيه، وسمع منه في سنة ست عشرة وثلاثمائة. وأرّخ ابن القطان وفاته سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. ومن مصنّفاته كتاب المبسوط في الفقه، وكتاب «الأشراف في اختلاف العلماء»، وكتاب «الإجماع»، وكان غاية في معرفة الخلاف والدليل، مجتهدًا لا يقلّد أحدًا. ومنهم: [٣٣] أبو سليمان الخطابي، حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب القرشي العدوي البستي (١) من ولد زيد بن الخطاب بن نفيل، ومن بقية أبناء ذلك القيل، وغدر ما غادر ذلك

стр. 1673

السيل، والطراز الذي امتد رقمه في ذلك الثوب من الكم إلى الذيل. وهو ممن اتيت على ذكره في «فواضل السمر»، وهو به أولى. ولهذا ما كدت أذكره هنا، لولا أنَّ مثله ممن يُباهي به، ويباهل الشرق الغرب بتذهيبه. سمع بالعراق أبا علي الصفار، وأبا جعفر الرزاز، وغيرهما، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وعبد الغفار الفارسي. وكان فقيهًا، أديبًا، صنف التصانيف البديعة، منها: «غريب الحديث»، و «معالم السنن في شرح سنن أبي داود»، «وأعلام السنن في شرح البخاري». وكان يُشبه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلام، علمًا، وزاهدًا، وأدبًا، وورعًا، وتدريسًا، وتأليفًا. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. وذكره صاحب اليتيمة وأنشد له قوله (١): [من الطويل] وَمَا غُرْبَةُ الإِنْسَانِ فِي شُقَّةِ النَّوَى … وَلَكِنَّهَا وَاللَّهِ فِي عَدَمِ الشَّكْلِ وَإِنِّي غَرِيبٌ بَيْنَ بُسْتٍ وَأَهْلِهَا … وَإِنْ كَانَ فِيْهَا أُسْرَتِي وَبِهَا أَهْلِي وقوله (٢): [من البسيط] شَرُّ السَّبَاعِ العَوَادِي دَوْنَهُ وَزَرُ … وَالنَّاسُ شَرُّهُمُ مَا دَوْنَهُ وَزَرُ كَمْ مَعْشَرٍ سَلِمُوا لَمْ يُؤْذِهِمْ سَبْعٌ … وَمَا تَرَى بَشَرًا لَمْ يُؤْذِهِ بَشَرُ ومنهم: [٣٤] الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علي، أبو الفضائل القرشي العدوي العمري (٣) عُرف بالصغاني الحنفي المحدّث الفقيه اللغوي. رضي الدين، صاحب

стр. 1674

التصانيف. إمام مشهور، وغمام مشكور، وكمام تفتح بالشُّذُور، وتمام سلم مما يعترى من النقص للبدور. وقد ذكرته في «فواضل السمر في فضائل آل عمر»، وهو أمس به، وأمد لسببه،

стр. 1675

على أن المطنب فيه مقصر، والموفي متعذر، وهيهات أن تُبلغ السماء، أو تُحصى الأسماء، أو توفي حق شكرها النعماء. ولد بمدينة لوهور من بلاد الهند في عاشر صفر سنة سبع وسبعين وخمسمائة، ونشأ بغزنة، ودخل بغداد سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع بعدة بلاد. قال عبد المؤمن الدمياطي: كان شيخًا صالحًا صدوقًا، صموتًا عن فضول الكلام، ملازمًا للصوم، إمامًا في الحديث واللغة والفقه. وقال ابن الشعار في عقود الجمان (١): كان فاضلًا في النحو والعربية، إمامًا في اللغة. وقدم العراق، وأقام ببغداد مديدة، وتأمر هناك، ثم حجّ، ودخل اليمن، ونفق له بها سوق، ثم قدم العراق، وأقام ببغداد، وكان عنده خبرة بلعب الرمح، والنضال بالسهام والنبل والخزندارات وركوب الخيل، والتصيد بالكلاب، وجميع الآداب الملوكية. وأثرى، وكثر ماله، ونفذ إلى الخليفة يشعره أنه قد حوى من الذهب العين سبعين ألف دينار، ومثل ذلك أثاث، وقماش، وكتب وغير ذلك من آلات السلاح. وله من مصنفات الحديث والفقه واللغة والنحو والتصريف بضع وعشرون مصنفًا؛ منها «مشارق الأنوار في الجمع بين الصحيحين»، «وشرح البخاري»، وكتاب في «علوم الحديث»، و «وكف السحابة في وفيات الصحابة»، وكتاب «مجمع البحرين» في اللغة اثنا عشر مجلدًا، «والعباب الزاخر واللباب الفاخر»، في اللغة أيضًا عشرون مجلدًا، وصنف في «مناسك الحج» ختمه بأبيات وهي: [من البسيط] شَوْقِي إِلَى الكَعْبَةِ الغَرَّاءِ قَدْ زَادَا … فَاسْتَحْمِلِ القُلُصَ الوَفَّادَةِ الزَّادَا أَذَاقَكَ الحَنْظَلَ العَامِيّ مُنْتَجِعًا … وَغَيْرُكَ انْتَجَعَ السَّعْدَانَ وَالرَّادَا أَسَرْتَ سَرْحَكَ حَتَّى أَضَ عَنْ كَثَبٍ … نِيَاقُهَا رَازِحًا وَالصَّعْبُ مُنْقَادَا فَاقْطَعْ عَلائِقَ مَا تَرْجُوهُ عَنْ عُرْضٍ … وَاسْتَوْدِعِ اللَّهَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادَا ومما أورد له ابن الشعار أيضًا: [من الوافر] أَطَرْفَ العَيْنِ مَا لَكَ لَاتَنَامُ … عَسَى طَيْفٌ يُؤَرِّقُهُ حِمَامُ! فَيَنْقَعَ غُلَّةٌ ويُثِيْبَ أَجْرًا … وَيَشْفِي مَنْ أَضَرَّ بِهِ السَّقَامُ تَقَضَّتْ بِالمُنَى أَيَّامُ عَمْرِي … وَأَخْلَقَ جِدَّتِيْ شَهْرٌ وَعَامُ وَلِي أَرَبِّ لَوَ انَّ الدَّهْرَ يَوْمًا … يُقَرِّبُهُ ويلبسني الحِمَامُ

стр. 1676

لَرَوَّضِ مَا تَصَوَّحَ مِنْ شَبَابِي … وَأَضْحَى الشَّيْخُ وَهْوَ بِهِ غُلامُ توفي ببغداد ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان سنة خمسين وستمائة، ودفن بداره، ثم نقل إلى مكة - شرفها الله تعالى - بمقتضى وصيته، وإعداده لمن يحمله إليها خمسين دينارًا. ومنهم: [٣٥] أبو عمرو، عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر النصري الكردي والشهرزوري (١) عرف بابن الصلاح. تقي الدين الفقيه، الحافظ، شيخ الشافعية. رجل يرجع إلى فتاويه، ويمنع كبرياءه من يناديه. دوّنت فتاويه، وأشير إليها،

стр. 1677

وأدير زمانًا العمل عليها. وكان لَقِنًا بالحديث وأجوبته، ويفاضل ما بين رجاله وأسولته. أذهب في هذا صدر شبيبته، ولقي الخصم لا يبالي بصدم كتيبته، ووطئ حجج أهل المنازعة بكلكله، ورمى شمس أرباب المقارعة بأفكله، وكان لا يعاب بترخيص في دين، ولا تنقيص إلا لمعتدين، لكنه كان يسرّ على ابن عبد السلام دقائق الضغناء، ويشحن له باطنه بحقائق الشحناء، ويُعين عليه غير أهل مذهبه، ولا يخليه من حريق لهبه، ويُغري به الملك الأشرف شاه أرمن موسى على ألسنة حاشيته، ويسري إليه المكائد في ليل ناشئته، ويسلّط عليه قوارص الذئاب، ويرمي على جسمه قوارض الذباب، إلى أن امتلأ صدر الملك الأشرف عليه حنقًا، وابتدأ لا يبل عليه لغليله حرقًا، لمكانة كانت لابن الصلاح ولأهل عصبته من خاطره، ولانحراف منه على ابن عبد السلام كان يراه به قذى ناظره، إلى أن كان ما هو معروف مما أرج به ذكر ابن عبد السلام، وعرج إلى حيث ينجلي عن الصبح الظلام. والسكوت أولى من نبش ما كان كامنًا بين أئمة الإسلام. وكان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، ونقل اللغة. وكان له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسدّدة. قرأ الفقه على والده وكان من جلة المشايخ الأكراد المشار إليهم، ثم نقله والده إلى الموصل فاشتغل بها مدّة، ثم سافر بها إلى خراسان، وأقام بها مدة، وحصل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام، وتولى تدريس المدرسة الصلاحية ببيت المقدس، وأقام مدة وأشغل الناس وانتفعوا به. ثم عاد إلى دمشق فولي تدريس الرواحية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وتدريس الشامية التي داخل دمشق، وقام بالوظائف الثلاثة من غير إخلال بشيء إلا لعذر شرعي. وكان من العلم والدين على قدم حسنة، وله مصنفات مفيدة وإشكالات على الوسيط، وجمعت فتاويه في مجلد، ولم يزل أمره جاريًا على سداد، وصلاح حال واجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلي عليه بعد

стр. 1678

الظهر، وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق، ودفن بمقبرة الصوفية. ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة. ومنهم: [٣٦] يحيى بن شَرَف بن مُرّي بن الحسن بن الحسين الخرامي النووي الشافعي (١) الحافظ، شيخ الإسلام، علم الأولياء، قدوة الزهاد، محيي الدين أبو زكريا صاحب التصانيف. رجل علم وعمل، ونجاح سؤل وأمل، وكامل، وقل مثله في الناس من كمل. وفق للعلم، وسهل عليه، ويسر له وسير إليه، من أهل بيت من نوى من كرام القرى، وكرام أهل القرى، لهم بها بيت مضيف لا تخمد ناره، ودار قرى لا يخمل مناره، طلع من أممهم سادات، وسمع لكرمهم عادات وجمع لهممهم أطراف السعادات، ونبت فيهم نباتًا حسنًا، ونبغ ذكاءًا ولَسَنًا، وأتى دمشق متلقنًا، للأخذ عن علمائها متقلّلًا من

стр. 1679

عيشها، حتى يكاد يعف، فلا يشرب من مائها، فنَبُه، شكره، ونهب مدى الآفاق ذكره، وحلّق اسمه، وذكر تصنيفه وعلمه؛ فلما سولت للملك الظاهر بيبرس أمانيه، وحدثته نفسه من الظلم بما كاد يأتي قواعده من مبانيه، وكتب له من الفقهاء من كتب، وحمله سوء رأيه على بيع آخرته بشيء من الذهب، ولم يبق سواه، فلما حضر هابه، وألقى إليه الفتيا، فألقاها، وقال: لقد أفتوك بالباطل. ليس لك أخذ معونة حتى تنفد أموال بيت المال، وتعيد أنت ونساؤك ومماليكك وأمراؤك ما أخذتم زائدًا عن حقكم، وتردُّوا فواضل بيت المال، وأغلظ له في القول؛ فلما خرج قال: اقطعوا وظائف هذا الفقيه ورواتبه فقيل له: إنه لا وظيفة له، ولا راتب. قال: فمن أين يأكل؟ قالوا: مما يبعثه إليه أبوه من نوى. فقال: والله لقد هممت بقتله، فرأيتُ كأن أسدًا فاغرًا فاه بيني وبينه، لو عرضت له لالتقمني، ثم وقر له في صدره ما وقر، ومد إليه يد المسألة يسأله، وما افتقر. ثم كانت سمعة النووي التي شرقت وغربت، وبعدت وقربت، وعظم شأن تصانيفه، وبيان البيان في مطاوي تفاويفه، ثم هي اليوم محجة الفتوى، وعليها العمل، وما ثم سوى سببها الأقوى. ولد في المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقدم دمشق سنة تسع وأربعين، فسكن في الرواحية، وتناول خُبز المدرسة، وحفظ «التنبيه» في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع «المهذب» حفظًا في باقي السنة. ثم حج مع أبيه ومرض أكثر الطريق. قال مخبرًا عن نفسه: أنه كان يقرا كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه شرحًا وتصحيحًا في الحديث والفقه، والنحو، والأصلين، والتصريف، وأسماء الرجال. قال: وكنتُ أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل، ووضوح عبارة، وضبط لغة. وبارك الله لي في وقتي، وخطر لي أن أشتغل في الطب، واشتريت كتاب القانون، فأظلم قلبي، وبقيتُ أيامًا لا أقدر على الاشتغال، فأفقت على نفسي، وبعت القانون، فأنار قلبي. وسمع الكتب الستة، والمساند، و «الموطأ»، وغير ذلك، ولازم الاشتغال، والتصنيف، ونشر العلم والعبادة، والأوراد والصيام، والذكر، والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلية لا مزيد عليها ملبسه ثوب خام، وعمامته شنجبابيه صغيرة، وتخرج به جماعة من العلماء. وكان لا يضيع له وقتًا في ليل ولا نهار، إلا في اشتغال حتى في الطرق، ودام على هذا ست سنين. ثم أخذ في التصنيف، والإفادة، والنصيحة، وقول الحق مع ما هو فيه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الورع والمراقبة، وتصفية النفس من الشهوات والشوائب، ومحقها من أغراضها. وكان حافظًا للحديث، وفنونه، ورجاله،

стр. 1680

وصحيحه، وعلله، رأسًا في معرفة المذهب. [حكى أبو الحسن بن العطار عنه أنه قال: كنت مريضًا بالرواحية، فبينا أنا ليلة في الضفة الشرقية بها، ووالداي وأخواي نائمون إلى جانبي إذ عافاني الله من ألمي، ونشطني للذكر، فجعلت أسبح بين السرّ والجهر. فبينما أنا كذلك إذا بشيخ حسن الصورة، جميل المنظر، يتوضأ على البركة قريبًا من نصف الليل؛ فلما فرغ من وضوئه، أتاني، وقال لي: يا ولدي لا تذكر تزعج أباك وإخوتك وأهل المدرسة، فقلت: يا شيخ من أنت؟، قال: أنا ناصح لك، ودعني أكون من كنت فوقع في نفسي أنه إبليس، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ورفعت صوتي بالتسبيح، فأعرض عنّي، ومشى نحو باب المدرسة فقمت أتبعه فلم أجده، ووجدت الباب مقفلًا، وفتشتها، فلم أجد أحدًا فيها غير من كان فيها، فقال لي والدي: ما خبرك يا يحيى؟ فأخبرته به، فجعل هو وإخوتي يتعجبون، وقعدنا كلنا نسبح، ونذكر]. قال ابن فرح: صار الشيخ محيي الدين إلى ثلاث مراتب كل مرتبة منها لو كانت لشخص الشدَّت إليه الرحال [في] العلم والزهد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. [حكى لي العلامة أبو اليسر أنه جرى في مجلس أبيه قاضي القضاة أبي عبد الله الصايغ ذكر النووي وشيخه العالم الرباني أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي الشافعي - رحمهما الله - فقال ابن الصايغ: لو أدرك القشيري صاحب الرسالة النووي وشيخه، لما قدم عليهما أحدًا من مشايخ الرسالة؛ لما جُمع فيهما من العلم، والعمل، والزهد والورع والنطق بالحكم، وغير ذلك. وحكى الشيخ القدوة المسلك أبو الحسن علي المقيم بجامع بيت لهيا. قال: مرضت بالنقرس في رجلي، فعادني النووي؛ فلما جلس إليّ جعل يتكلم في الصبر، وجعل الألم الذي بي يذهب؛ فلما انتهى كلامه جميعه، زال الألم جميعه، فعلمت أنَّ ذلك ببركته، أو كما قال]. قال شمس الدين، ابن الفخر: - كان إمامًا بارعًا، حافظًا، متقنًا، أتقن علومًا شتى، وصنّف التصانيف الجمة، وكان شديد الورع والزهد، تاركًا لجيع ملاذ الدنيا من المأكول إلا ما يأتيه به أبوه من تين وكعك، وكان يلبس الثياب المرقعة الرثة، ولا يدخل الحمام، ولا يأكل الفواكه، ولم يتناول من الجهات درهمًا. وحكى أبو الحسن بن العطار: أنه عُذل في عدم دخوله الحمام، وتضييق العيش في مأكله، وملبسه، وأحواله، وخوّف من مرض يُعطله عن الاشتغال، فقال: إن فلانًا يأكل في اليوم والليلة أكلة، ويشرب مرة واحدة عند السحر. قال ابن العطار: كلمته في الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف، وأملاك من

стр. 1681

تحت الحجر والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم، ثم المعاملة لهم فيها على وجه المساقاة، وفيها خلاف، فكيف تطيب نفسى بأكل ذلك؟ [وأيضًا فغالب من يطعم إنما يأخذ الأقلام والعين غصبًا، أو سرقة؛ لأنَّ أحدًا ما يهون عليه بيع أقلام أشجاره، وكشط لحائها، ولا جرت بذلك عادة ولا يختاره أحد من خلق الله تعالى، فيطلع الثمر في نفس وذلك المغصوب أو المسروق، فتكون الثمرة ملكًا لصاحب القلم، أو العين، لا لصاحب الشجرة، ويبقى بيعه وشراؤه حرامًا]. وكان لا يقبل من أحد شيئًا إلا في النادر ممن لا يشتغل عليه. أهدى له فقير إبريقًا، فقبله، وعزم عليه البرهان الإسكندري للفطر عنده في رمضان، فقال: أحضر الطعام إلى هنا ونفطر جملة، فأكل من طعامه، وكان لونين، وربما جمع بعض الأوقات بين أدامين. وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار، ويكتب إليهم، ويخوّفهم بالله، كتب مرّةً إلى بيليك الخزندار كافل الممالك: «من عبد الله يحيى النووي. سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء بدر الدين أدام الله له الخيرات، وبارك له في جميع أحواله آمين. وينهى إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام في ضيق وضعف حال؛ بسبب قلة الأمطار». وذكر فصلًا طويلًا. وفي طي ذلك ورقة إلى الملك الظاهر، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وواقفة مرة بدار العدل، فحكي أن الظاهر قال: أنا أفزع منه، وجرت له معه فصول. ثم إنَّ الشيخ سافر، فزار القدس، ثم عاد إلى نوى، فمرض عند والده، وحضرته المنية، فانتقل إلى الله في الرابع والعشرين من شهر رجب الفرد سنة ست وسبعين وستمائة، وقبره ظاهر مقصود بالزيارة - رحمه الله تعالى. [وحكى لنا أخوه الشيخ عبد الرحمن عنه: - أنه لما مرض مرض موته اشتهى التفاح، فأتي به، فلم يأكله؛ فلما مات رآه بعض أهله، فقال له: ما فعل الله بك؟، فقال: أكرم نزلي وتقبل عملي، وأوّل قرى جاءني التفاح. وحكى لنا أنه لما دفن حيث هو الآن أراد أهله أن يبنوا على ضريحه قبّة، فرأته عمته وهو يقول لها: قولي لأخي والجماعة: كلما بنوا شيئًا يهدم عليهم]. ومنهم: [٣٧] أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني (١) العلامة الحافظ، الحجة المجتهد، المفسر شيخ الإسلام، نادرة العصر، علم الزهاد، تقي الدين أبو العباس ابن تيمية.

стр. 1682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1683

هو البحر من أي النواحي جئته، والبدر من أي الضواحي أتيته، جرت آناؤه لشأو ما قنع به، ولا وقف عنده طليحًا مريحًا من تعبه طلبًا لا يرضى بغاية، ولا يقضي له بنهاية. رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح؛ ليحاكيه، فلطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن أنسى السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه: [من البسيط] وَشَقَّفَ اللهُ أَمْرًا بَاتَ يَكْلَؤُهُ … يَمْضِيْ حُسَامَاهُ فِيْهِ السَّيْفُ وَالقَلَمُ بِهِمَّةٍ فِي الثَّرَيَّا إِثْرَ أَخْمَصِهَا … وَعَزْمَةٍ لَيْسَ مِنْ عَادَاتِهَا السَّامُ على أنه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونشأت منه عظماء على المشاهير الشهور، فاحيا معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فنه الرطيب ما غرس،

стр. 1684

وأصبح في فضله آية إلا أنه أية الحرس عرضت له الكدى فزحزحها، وعارضته البحار فضحضحها. ثم كان أمة وحده، وفردًا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كل عظيم، وأخمد من أهل الغناء كل قديم، ولم يكن منهم إلا من يجفل عنه إجفال الظليم، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم [الكامل]. مَا كَانَ بَعْضَ النَّاسِ إِلا مِثْلَ مَا … بَعْضُ الحَصَى اليَاقُوْتَهُ الحَمْرَاءُ جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم، وتشرق في أنديته بدور دُجُنَّة، وصدور أسنة، وتثار جنود رعيل، وتزأر أسود غيل، إلا أن صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طم على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك القلاع، وأطلت قسورته على تلك السباع، ثم عبئت له الكتائب، فحطم صفوفها، وخطم أنوفها، وابتلع غديره المطمئن جداولها، واقتلع طوده المرجحن جنادلها، وأخمدت أنفاسهم ريحه، وأكمدت شرارتهم مصابيحه: [من الوافر] تَقَدَّمَ رَاكِبًا فِيهِمْ إِمَامًا … وَلَوْلَاهُ لَمَا رَكِبُوا وَرَاءَهُ فجمع أشتات المذاهب، وشُتَّاتِ المذاهب، ونقل عن أئمة الإجماع فمن سواه مذاهبهم المختلفة، واستحضرها، ومثل صورهم الذاهبة، وأحضرها، فلو شعر أبو حنيفة بزمانه، وملك أمره لأدنى عصره إليه مقتربًا، أو مالك لأجرى وراءه أشهبه ولو كبا، أو الشافعي لقال: ليت هذا كان للأم ولدًا وليتني كنتُ له أبًا، أو الشيباني ابن حنبل لما لام عذاره إذا غدا منه لفرط العجب أشيبا، لا بل داود الظاهري، وسنان الباطني، لظنا تحقيقه من منتحله، وابن حزم، والشهرستاني، لحشر كل منهما ذكره أمة في نحله، والحاكم النيسابوري، والحافظ السلفي، لأضافه هذا إلى استدراكه، وهذا إلى رحله. ترد إليه الفتاوى، ولا يردها، وتفد عليه فيجيب بأجوبة كأنه كان قاعدًا لها يُعِدُّها: [من الكامل] أَبَدًا عَلَى طَرفِ اللِّسَانِ جَوَابُهُ … فَكَأَنَّمَا هِيَ دَفْعَةٌ مِنْ صَيِّبِ تَعْدُو مُسَاجِلُهُ بِغُرَّةٍ صَافِحٍ … وَيَرُوحُ مُعترفًا بِذِلَّةِ مُذْنِبِ ولقد تضافرت عليه عُصَبُ الأعداء، فأقحموا إذ هدر فحله، وأفحموا إذ زمزم وأَفَحَموا ليجني الشهد نحله، ورفع إلى السلطان غير ما مرّة، ورمي بالكبائر، وتربصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه، وكثر فارتاب، ونَمَّ وما زاد على أنه اغتاب، وأزعج من وطنه تارةً إلى مصر، ثم إلى الإسكندرية، وتارة إلى

стр. 1685

محبس القلعة بدمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزبانى المنون، وهو على علم يُسطّر صحفه، ويدخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلا أن يصنفه، ويُقَرِّط به، ولو سَمْعَ امرئ واحد، ويُشَنِّفه حتى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع بنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبتها إلى مهواتها قرارة الرزايا. وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم؛ فكان مبدأ مرضه، ومنشأ عرضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر، وحل ساحة تربه وما يُحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذذر، فمات لا بل حيي، وعُرف قدره أنَّ مثله ما رئي. وكان يوم دفنه يومًا مشهودًا ضاقت به البلد وظواهرها، وتُذكِّرَتْ به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين. جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعًا على الرؤوس، متبوعًا بالنفوس، تحدوه العبرات، وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم: لا فقدت من غائب، ولأقلامه النافقة لا أبعدكن الله من شجرات، وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله، وينبذ في حفرة اعتقاله لا تبرد له غلة بالجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة، والبحث حيث العيون ناظرة، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله، أو يمنعه من الفتوى، أو بأشياء من نوع هذه البلوى لا بعد إقامة بينة، ولا تقدم دعوة، ولا ظهور حجّة بالدليل، ولا وضوح محجّة للتأميل. وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى، ولا يُطفأ ضرم عدوى: [من الطويل] وَكُلُّ امْرِيءٍ حَازَ المَكَارِمَ مَحْسُودُ كَضَرَائِرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا … حَسَدًا وَبُغْضًا إِنَّهُ لَذَمِيْمُ كل هذا لتبريزه في الفضل حيث قصرت النظراء، وتجليه كالمصباح إذ أظلمت الآراء، وقيامه في دفع حجة التتار، واقتحامه وسيوفهم تتدفق لجة البدار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث تجمّ الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، وتجد النار فتورًا في ضرمها، والسيوف فرقًا في قربها، خوفًا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال والأجل الذي لا يُدفع بحيلة محتال، فجلس إليه، وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء، فرفع يديه ودعا دعاء مُنصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه، وهو مقبل إليه. ثم كان على هذه المواجهة القبيحة، والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كل من طلع معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر. هذا مع ما له من جهاد في الله لم يفزعه فيه طلل الوشيج، ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج. مواقف
следующие страницы →