← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

تحت الحجر والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم، ثم المعاملة لهم فيها على وجه المساقاة، وفيها خلاف، فكيف تطيب نفسى بأكل ذلك؟ [وأيضًا فغالب من يطعم إنما يأخذ الأقلام والعين غصبًا، أو سرقة؛ لأنَّ أحدًا ما يهون عليه بيع أقلام أشجاره، وكشط لحائها، ولا جرت بذلك عادة ولا يختاره أحد من خلق الله تعالى، فيطلع الثمر في نفس وذلك المغصوب أو المسروق، فتكون الثمرة ملكًا لصاحب القلم، أو العين، لا لصاحب الشجرة، ويبقى بيعه وشراؤه حرامًا]. وكان لا يقبل من أحد شيئًا إلا في النادر ممن لا يشتغل عليه. أهدى له فقير إبريقًا، فقبله، وعزم عليه البرهان الإسكندري للفطر عنده في رمضان، فقال: أحضر الطعام إلى هنا ونفطر جملة، فأكل من طعامه، وكان لونين، وربما جمع بعض الأوقات بين أدامين. وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار، ويكتب إليهم، ويخوّفهم بالله، كتب مرّةً إلى بيليك الخزندار كافل الممالك: «من عبد الله يحيى النووي. سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء بدر الدين أدام الله له الخيرات، وبارك له في جميع أحواله آمين. وينهى إلى العلوم الشريفة أن أهل الشام في ضيق وضعف حال؛ بسبب قلة الأمطار». وذكر فصلًا طويلًا. وفي طي ذلك ورقة إلى الملك الظاهر، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وواقفة مرة بدار العدل، فحكي أن الظاهر قال: أنا أفزع منه، وجرت له معه فصول. ثم إنَّ الشيخ سافر، فزار القدس، ثم عاد إلى نوى، فمرض عند والده، وحضرته المنية، فانتقل إلى الله في الرابع والعشرين من شهر رجب الفرد سنة ست وسبعين وستمائة، وقبره ظاهر مقصود بالزيارة - رحمه الله تعالى. [وحكى لنا أخوه الشيخ عبد الرحمن عنه: - أنه لما مرض مرض موته اشتهى التفاح، فأتي به، فلم يأكله؛ فلما مات رآه بعض أهله، فقال له: ما فعل الله بك؟، فقال: أكرم نزلي وتقبل عملي، وأوّل قرى جاءني التفاح. وحكى لنا أنه لما دفن حيث هو الآن أراد أهله أن يبنوا على ضريحه قبّة، فرأته عمته وهو يقول لها: قولي لأخي والجماعة: كلما بنوا شيئًا يهدم عليهم]. ومنهم: [٣٧] أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني (١) العلامة الحافظ، الحجة المجتهد، المفسر شيخ الإسلام، نادرة العصر، علم الزهاد، تقي الدين أبو العباس ابن تيمية.

стр. 1682

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1683

هو البحر من أي النواحي جئته، والبدر من أي الضواحي أتيته، جرت آناؤه لشأو ما قنع به، ولا وقف عنده طليحًا مريحًا من تعبه طلبًا لا يرضى بغاية، ولا يقضي له بنهاية. رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح؛ ليحاكيه، فلطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن أنسى السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه: [من البسيط] وَشَقَّفَ اللهُ أَمْرًا بَاتَ يَكْلَؤُهُ … يَمْضِيْ حُسَامَاهُ فِيْهِ السَّيْفُ وَالقَلَمُ بِهِمَّةٍ فِي الثَّرَيَّا إِثْرَ أَخْمَصِهَا … وَعَزْمَةٍ لَيْسَ مِنْ عَادَاتِهَا السَّامُ على أنه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونشأت منه عظماء على المشاهير الشهور، فاحيا معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فنه الرطيب ما غرس،

стр. 1684

وأصبح في فضله آية إلا أنه أية الحرس عرضت له الكدى فزحزحها، وعارضته البحار فضحضحها. ثم كان أمة وحده، وفردًا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كل عظيم، وأخمد من أهل الغناء كل قديم، ولم يكن منهم إلا من يجفل عنه إجفال الظليم، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم [الكامل]. مَا كَانَ بَعْضَ النَّاسِ إِلا مِثْلَ مَا … بَعْضُ الحَصَى اليَاقُوْتَهُ الحَمْرَاءُ جاء في عصر مأهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم، وتشرق في أنديته بدور دُجُنَّة، وصدور أسنة، وتثار جنود رعيل، وتزأر أسود غيل، إلا أن صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طم على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك القلاع، وأطلت قسورته على تلك السباع، ثم عبئت له الكتائب، فحطم صفوفها، وخطم أنوفها، وابتلع غديره المطمئن جداولها، واقتلع طوده المرجحن جنادلها، وأخمدت أنفاسهم ريحه، وأكمدت شرارتهم مصابيحه: [من الوافر] تَقَدَّمَ رَاكِبًا فِيهِمْ إِمَامًا … وَلَوْلَاهُ لَمَا رَكِبُوا وَرَاءَهُ فجمع أشتات المذاهب، وشُتَّاتِ المذاهب، ونقل عن أئمة الإجماع فمن سواه مذاهبهم المختلفة، واستحضرها، ومثل صورهم الذاهبة، وأحضرها، فلو شعر أبو حنيفة بزمانه، وملك أمره لأدنى عصره إليه مقتربًا، أو مالك لأجرى وراءه أشهبه ولو كبا، أو الشافعي لقال: ليت هذا كان للأم ولدًا وليتني كنتُ له أبًا، أو الشيباني ابن حنبل لما لام عذاره إذا غدا منه لفرط العجب أشيبا، لا بل داود الظاهري، وسنان الباطني، لظنا تحقيقه من منتحله، وابن حزم، والشهرستاني، لحشر كل منهما ذكره أمة في نحله، والحاكم النيسابوري، والحافظ السلفي، لأضافه هذا إلى استدراكه، وهذا إلى رحله. ترد إليه الفتاوى، ولا يردها، وتفد عليه فيجيب بأجوبة كأنه كان قاعدًا لها يُعِدُّها: [من الكامل] أَبَدًا عَلَى طَرفِ اللِّسَانِ جَوَابُهُ … فَكَأَنَّمَا هِيَ دَفْعَةٌ مِنْ صَيِّبِ تَعْدُو مُسَاجِلُهُ بِغُرَّةٍ صَافِحٍ … وَيَرُوحُ مُعترفًا بِذِلَّةِ مُذْنِبِ ولقد تضافرت عليه عُصَبُ الأعداء، فأقحموا إذ هدر فحله، وأفحموا إذ زمزم وأَفَحَموا ليجني الشهد نحله، ورفع إلى السلطان غير ما مرّة، ورمي بالكبائر، وتربصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه، وكثر فارتاب، ونَمَّ وما زاد على أنه اغتاب، وأزعج من وطنه تارةً إلى مصر، ثم إلى الإسكندرية، وتارة إلى

стр. 1685

محبس القلعة بدمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزبانى المنون، وهو على علم يُسطّر صحفه، ويدخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلا أن يصنفه، ويُقَرِّط به، ولو سَمْعَ امرئ واحد، ويُشَنِّفه حتى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع بنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبتها إلى مهواتها قرارة الرزايا. وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم؛ فكان مبدأ مرضه، ومنشأ عرضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر، وحل ساحة تربه وما يُحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذذر، فمات لا بل حيي، وعُرف قدره أنَّ مثله ما رئي. وكان يوم دفنه يومًا مشهودًا ضاقت به البلد وظواهرها، وتُذكِّرَتْ به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين. جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعًا على الرؤوس، متبوعًا بالنفوس، تحدوه العبرات، وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم: لا فقدت من غائب، ولأقلامه النافقة لا أبعدكن الله من شجرات، وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله، وينبذ في حفرة اعتقاله لا تبرد له غلة بالجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة، والبحث حيث العيون ناظرة، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله، أو يمنعه من الفتوى، أو بأشياء من نوع هذه البلوى لا بعد إقامة بينة، ولا تقدم دعوة، ولا ظهور حجّة بالدليل، ولا وضوح محجّة للتأميل. وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى، ولا يُطفأ ضرم عدوى: [من الطويل] وَكُلُّ امْرِيءٍ حَازَ المَكَارِمَ مَحْسُودُ كَضَرَائِرِ الحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا … حَسَدًا وَبُغْضًا إِنَّهُ لَذَمِيْمُ كل هذا لتبريزه في الفضل حيث قصرت النظراء، وتجليه كالمصباح إذ أظلمت الآراء، وقيامه في دفع حجة التتار، واقتحامه وسيوفهم تتدفق لجة البدار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث تجمّ الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، وتجد النار فتورًا في ضرمها، والسيوف فرقًا في قربها، خوفًا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال والأجل الذي لا يُدفع بحيلة محتال، فجلس إليه، وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء، فرفع يديه ودعا دعاء مُنصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه، وهو مقبل إليه. ثم كان على هذه المواجهة القبيحة، والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كل من طلع معه إليهم، وهم سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر. هذا مع ما له من جهاد في الله لم يفزعه فيه طلل الوشيج، ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج. مواقف

стр. 1686

حروب باشرها، وطوائف ضروب عاشرها، وبوارق صفائح كاشرها، ومضائق رماح حاشرها، وأصناف خصوم لد اقتحم معها الغمرات، وواكلها مختلف الثمرات، وقطع جدالها قوي لسانه، وجلادها شبا سنانه، قام بها وصابرها، وبلي بأصاغرها، وقاسى أكابرها، وأهل بدع قام في دفاعها، وجهد في حط يفاعها، ومخالفة ملل بين لها خطأ التأويل، وسقم التعليل، وأسكت طنين الذباب في خياشيم رؤوسهم الأضاليل، حتى ناموا في مراقد الخضوع، وقاموا وأرجلهم تتساقط للوقوع بأدلة أقطع من السيوف، وأجمع من السجوف، وأجلى من فلق الصباح، وأجلب من فلق الرماح: [من الطويل] إِذَا وَثَبَتْ فِي وَجْهِ خَطْبٍ تَمَزَّقَتْ … عَلَى كَتِفَيْهِ الدَّرْعُ وَانْتَثَرَ السَّرْدُ إلا أنَّ سابق المقدور، أوقعه في خلل المسائل، وخطل خطأ لا يأمن فيه مع الإكثار قائل. وأظنه - والله يغفر له - عُجّلت له في الدنيا المقاصة، وأخذ نصيبه من بلواها عامةً وله خاصة، وذلك لحظه على بعض سلف العلماء، وحلّه لقواعد كثيرة من نواميس القدماء، وقلّة توقيره للكبراء، وكثرة تكفيره للفقراء، وتزييفه لغالب الآراء، وتقريبه لجهلة العوام وأهل المراء، وما أفتى به آخرًا في مسألتي الزيارة والطلاق، وإذاعته لهما حتى تكلم فيهما من لا دين له ولا خلاق، فسلّط ذُبال الأعداء على سليطه، وأطلق أيدي الأعداء في تقريعه، ولقم نارهم سعفه، وأرى أقساطهم سرفه، فلم يزل إلى أن مات عِرْضُه منهوبًا، وغَرَضه موهوبًا، وصفاته تتصدّع، ورفاته لا تتجمع، ولعل هذا لخير أريد به، وأُرِيغَ له لحسن منقلبه، وكان لتعمده للخلاف، وتقصده لغير طريق الأسلاف، وتقويته للمسائل الضعاف، وتقويضه عن رؤوس السعاف، تغير مكانته من خاطر السلطان، وتسبب له التغرّب عن الأوطان، وتنفذ إليه سهام الألسنة الرواشق، ورماح الطعن في يد كل ماشق؛ فلهذا لم يزل منغصًا عليه طول مدته، لا تكاد تنفرج عنه جوانب شدّته. هذا مع ما جمع من الورع وإلى ما فيه من العلا، وما حازه بحذافير الوجود من الجود كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام والحرث فيهبه بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه لا يأخذ منه شيئًا إلا ليهبه، ولا يحفظه إلا ليذهبه كله في سبيل البر، وطريق أهل التواضع لا أهل الكبر، لم يمل به حبّ الشهوات، ولا حُبّب إليه من ثلاث الدنيا غير الصلاة، ولقد نافست ملوك جنكز خان عليه، ووجهت دسائس رسلها إليه، وبعثت تُجد في طلبه، فنُوسِيَتْ عليه لأمور أعظمها خوف توثبه، وما زال على هذا ومثله إلى أن صرعه أجله، وأتاه بشير الجنة يستعجله، فانتقل إلى الله والظن به أنه لا يخجله.

стр. 1687

ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم مع والده وأهله دمشق، وهو صغير، فسمع ابن عبد الدائم وطبقته، ثم طلب بنفسه قراءة وسماعًا من خلق كثير، وقرأ بنفسه الكتب، وكتب الطباق والإثبات، ولازم السماع مدة سنتين، واشتغل بالعلوم، وكان من أذكى الناس كثير الحفظ، قليل النسيان؛ قلما حفظ شيئًا فنسيه. وكان إمامًا في التفسير وعلوم القرآن، عارفًا بالفقه، واختلاف الفقهاء، والأصلين، والنحو، وما يتعلق به، واللغة، والمنطق، وعلم الهيأة، والجبر، والمقابلة، وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين، وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظنّ أنَّ ذلك الفن فنه، وكان حفظه للحديث مميّزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله متضلّعًا من ذلك، وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة وفتاوى مشبعة في الفروع والأصول، كمل منها جملة في الفقه والحديث، وردّ البدع بالكتاب والسنة، مثل كتاب «الصارم المسلول على متنقص الرسول ﷺ »، وكتاب «تبطيل التحليل»، وكتاب «اقتضاء الصراط المستقيم»، وكتاب «تأسيس التقديس» في عشرين مجلدًا، وكتاب «الردّ على طوائف الشيعة» أربع مجلدات، وكتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وكتاب «السياسة الشرعية»، وكتاب «التصوف»، وكتاب «الكلم الطيب»، وكتاب «المناسك في الحج». وكان من أعرف الناس بالتاريخ. وكثير من مصنّفاته مسوّدة ما بيضت. وتوفي والده، وهو شاب، فولي مشيخة الحديث بدار الحديث السكرية، وحضر عنده جماعة من الأعيان، فشكروا علمه، وأثنوا عليه وعلى فضائله وعلومه، حتى قال الشيخ إبراهيم الرقي: الشيخ تقي الدين يؤخذ عنه، ويقلّد في العلوم، فإن طال عمره، ملأ الأرض علمًا، وهو على الحق، ولا بدّ ما يعاوده الناس؛ فإنه وارث علم النبوة. وقال ابن الزملكاني: لقد أعطي ابن تيمية اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين، وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد. ثم كتب على بعض تصانيف ابن تيمية من نظمه هذه الأبيات: [من الكامل] مَاذَا يَقُولُ الوَاصِفُونَ لَهُ … وَصِفَاتُهُ جَلَّتْ عَنِ الحَصْرِ هُوَ حُجَّةٌ للهِ قَاهِرَةٌ … هُوَ بَيْنَنَا أُعْجُوبَةُ العَصْرِ هُوَ آيَةٌ فِي الخَلْقِ ظَاهِرَةٌ … أَنْوَارُهَا أَرْبَتْ عَلَى الفَجْرِ ثم نزغ الشيطان بينهما، وغلبت على ابن الزملكاني أهويته، فمال عليه مع من مال.

стр. 1688

ولما سافر على البريد إلى القاهرة سنة سبعمائة، نزل عند عمي الصاحب شرف الدين - تغمده الله برحمته وحض على الجهاد في سبيل الله، وأغلظ في القول، ورتب له مُرتَب في كل يوم وهو دينار ومنحفية، وجاءته بقجة قماش، فلم يقبل من ذلك شيئًا. وقال القاضي أبو الفتح بن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيتُ رجلًا كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد، ويدع ما يريد. وحضر عنده شيخنا العلامة شيخ النحاة أبو حيان، وقال: ما رأت عيناي مثله، ثم مدحه أبو حيان على البديهة في المجلس بقوله: [من البسيط] لمَّا أَتَيْنَا تَقِيُّ الدِّينِ لَاحَ لَنَا … دَاعِ إِلَى اللهِ فَرْدٌ مَا لَهُ وَزَرُ عَلَى مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْما الألَى صَحِبُوا … خَيْرَ البَرِيَّةِ نُورٌ دُونَهُ القَمَرُ حَبْرٌ تسربل منهُ دهرُهُ حِبَرًا … بحرٌ تَقَاذَفُ مِنَ أَمْوَاجِهِ الدِرُ قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِرْعَتِنَا … مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمِ إِذْ عَصَتْ مُضَرُ فَأَظْهَرَ الحَقَّ إِذْ آثَارُهُ دَرَسَتْ … وَأَحْمَدَ الشَّرَّ إِذْ طَارَتْ لَهُ الشَّرَرُ كُنَّا نُحَدَّثُ عَنْ حَبْرٍ يجيءُ فَهَا … أَنْتَ الإِمَامُ الَّذِي قَدْ كَانَ يُنْتَظَرُ [قلت: ثم دار بينهما كلام جرى فيه ذكر سيبويه، فتسرع ابن تيمية فيه بقول نافره عليه أبو حيان، وقطعه بسببه، ثم عاد اكثر الناس ذمًا له، واتخذه له ذنبًا لا يغفر]. ولما قدم غازان دمشق، خرج إليه ابن تيمية في جماعة من صلحاء الدماشقة، منهم القدوة الشيخ محمد بن قوام؛ فلما دخلوا على غازان، كان مما قال ابن تيمية للترجمان: قُلْ للقان: أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاض، وإمام، وشيخ، ومؤذنون، على ما بلغنا، فغزوتنا، وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين، وما عملا الذي عملت. عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت. [وجرت له مع غازان، وقطلوشاه، وبولاي أُمور ر ونوب قام فيها كلها الله، وقال الحق، ولم يخش إلا الله. أخبرنا قاضي القضاة أبو العباس ابن صصرى انهم لما حضروا مجلس غازان، قدّم لهم طعام، فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل له: لم لا تأكل؟، فقال: كيف آكل من طعامكم وكله مما نهبتم من أغنام الناس، وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس. ثم إن غازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللهم إن كنت تعلم أنه إنما قاتل؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وجهادًا في سبيلك، فأن تؤيده وتنصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر، فأن تفعل به وتصنع - بدعو عليه - وغازان يؤمن على دعائه، ونحن نجمع ثيابنا خوفًا أن يقتل فنطرطش بدمه. ثم لما خرجنا قلنا له: كدت تهلكنا معك، ونحن ما نصحبك من هنا، فقال: وأنا

стр. 1689

لا أصحبكم فانطلقنا عُصبة، وتأخر في خاصة من معه، فتسامعت الخوانين والأمراء، فأتوه من كل فج عميق، وصاروا يتلاحقون به؛ ليتبركوا برؤيته، فأما هو، فما وصل إلاّ في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، وأما نحن فخرج علينا جماعة، فلحقونا. وكان لا يسمح لمناظريه في بلوغ مرادهم من ضرره، ويقول: ما لي وله. وكان قاضي القضاة أبو عبد الله بن الحريري يقول: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام، فمن هو؟!] ثم بعد ذلك تمكن ابن تيمية في الشام حتى صار يحلق الرؤوس، ويضرب الحدود، ويأمر بالقطع والقتل. ثم ظهر الشيخ نصر المنبجي، واستولى على أرباب الدولة بالقاهرة، وشاع أمره وانتشر، فقيل لابن تيمية: إنه اتحادي، وإنه ينصر مذهب ابن العربي وابن سبعين، فكتب إليه نحو ثلاثمائة سطر ينكر عليه، فتكلّم نصر المنبجي مع قضاة مصر في أمره، وقال: هذا مبتدع، وأخاف على الناس من شرّه، فحسن القضاة للأمراء طلبه إلى القاهرة، وأن يُعقد له مجلس، فعقد له مجلس بدمشق، فلم يرض نصر المنبجي، وقال لابن مخلوف: قل للأمراء: إنَّ هذا يُخشى على الدولة منه، كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب، فطلب من الأفرم - نائب دمشق - فعقد له مجلس ثان وثالث بسبب العقيدة الحموية. ثم سكنت القضية إلى أيام الجاشنكير، فأوهمه الشيخ نصر أن ابن تيمية يخرجهم من الملك، ويُقيم غيرهم، فطلب إلى الديار المصرية فمانع نائب الشام، وقال: قد عقد له مجلسان بحضرتي، وحضرة القضاة والفقهاء، وما ظهر عليه شيء، فقال الرسول لنائب دمشق: أنا ناصح لك، وقد قيل: إنه يجمع الناس عليك، وعقد لهم بيعة، فجزع من ذلك، وأرسله إلى القاهرة في رمضان سنة خمس وسبعمائة، وكتب معه كتابًا إلى السلطان، وكُتب معه محضر فيه خطوط جماعة من القضاة، وكبار الصلحاء والعلماء بصورة ما جرى في المجلسين، وأنه لم يثبت عليه فيهما شيء، ولا منع من الإفتاء، فما التفتَ إلى شيء من ذلك، وسجن بالإسكندرية مدةً، ثم عاد إلى دمشق. [وحكي من شجاعته في مواقف الحرب نوبة شقهب ونوبة كسروان ما لم يسمع إلا عن صناديد الرجال، وأبطال اللقاء، وأحلاس الحرب. تارةً يباشر القتال، وتارةً يحرّض عليه. وركب البريد إلى مهنا بن عيسى، واستحضر. إلى الجهاد، وركب بعدها إلى السلطان، واستنفره، وواجه بالكلام الغليظ أمراءه وعسكره؛ ولما جاء السلطان إلى شقحب لاقاه إلى قرب الحرّة، وجعل يُشجّعه، ويلينه، فلما رأى السلطان كثرة التتار، قال: يا لخالد بن الوليد، فقال له: لا تقل هذا، بل قل: يا الله، واستغث بالله

стр. 1690

ربك، ووحده وحده تنصر، قال: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، ثم ما زال يقبل تارة على الحليفة، وتارة على السلطان، ويهدئهما، ويربط جأشهما، حتى جاء نصر الله والفتح. وحكي انه قال للسلطان: اثبت فأنت منصور، فقال له بعض الأمراء قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، فكان كما قال. وحكى أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزاز البغدادي، قال: حدثني الشيخ المقرئ تقي الدين عبد الله بن أحمد بن سعيد قال: مرضت بدمشق مرضة شديدة، فجاءني ابن تيمية، فجلس عند رأسي - وأنا مثقل بالحمى والمرض - فدعا لي، ثم قال: قم، جاءت العافية، فما كان إلا أن قام وفارقني، وإذا بالعافية قد جاءت، وشفيت لوقتي. قلتُ: وكان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافًا ومئين لا يلمس درهمًا بيده، ولا ينفقه في حاجة له، وكان يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألف القلوب، ولا ينسب إلى باحث لديه مذهبًا، ولا يحفظ لمتكلّم عنده زلة، ولا يشتهي طعامًا، ولا يمتنع من شيء منه، بل هو مع ما حضر، لا يتجهم مرآه، ولا يتكدر صفوه، ولا يسأم عفوه]. وآخر أمره أنه تكلم في مسألتي الزيارة والطلاق، فأخذ وسجن بقلعة دمشق في قاعة، فتوفي بها في العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وحضر جمع كبير إلى القلعة، وأذن لبعضهم في الدخول، وغُسل، وصلّي عليه بالقلعة، ثم حمل على أصابع الرجال إلى جامع دمشق ضحوة النهار، وصلي عليه، ودفن بمقبرة الصوفية، وما وصل إلى قبره إلا وقت العصر. وخرج الناس من جميع أبواب البلد، وكانوا خلقًا لا يحصيهم إلا الله تعالى، وحزر الرجال بستين ألفًا، والنساء بخمسة آلاف امرأة، وقيل، أكثر من ذلك. ورويت له منامات صالحة، ورثاه جماعات من الناس بالشام، ومصر، والعراق، والحجاز، والعرب من آل فضل ﵀ عليه -. ورثيته بقصيدة لي وهي: [من البسيط] أَهَكَذَا بِالدَّيَاجِي يُحْجَبُ القَمَرُ … وَيُحْبَسُ النُّورُ حَتَّى يَذْهَبَ المَطَرُ أَهَكَذَا تَمْنَعُ الشَّمْسُ المُنِيرَةُ عَنْ … مَنَافِعِ الْأَرْضِ أَحْيَانًا فَتَسْتَتِرُ أَهَكَذَا الدَّهْرُ لَيْلًا كُلُّهُ أَبَدًا … فَلَيْسَ يُعْرَفُ فِي أَوْقَاتِهِ سَحَرُ أَهَكَذَا السَّيْفُ لَا تَمْضِيْ مَضَارِبُه … وَالسَّيْفُ فِي الفَتْكِ مَا فِي عَزْمِهِ خَوَرُ أَهَكَذَا القَوسُ تُرْمَى بِالعَرَاء … وَمَا تَمْضِي الرَّمَايَا وَمَا فِي بَاعِهَا قِصَرُ أَهَكَذَا يُتْرَكُ البَحْرُ الخِضَمُّ وَلَا … يُلْوَى عَلَيْهِ وَفِي أَصْدَافِهِ الدُّرَرُ

стр. 1691

أَهْكَذَا يَتَّقِي الدِّينَ قَدْ عَبِثَتْ … أَيْدِي الْعِدَا وَتَعَدَّى نَحْوَهُ الضَّرَرُ اَلْآيِنُ تَيْمِيَّةٌ تَرْمَى بِسِهَامِ أَذَىً … مِنَ الْأَنَامِ وَيَدْمَى النَّابُ وَالظُّفُرُ بَدْءُ السَّوَابِقِ مُمْتَدُّ الْعِبَادَةِ لَا … يَنَالُهُ مَلَلٌ فِيهَا وَلَا ضَجَرُ وَلَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ بَعْدَ الصَّحَابَةِ فِي … عِلْمٍ عَظِيمٍ وَزُهْدٍ مَا لَهُ خَطَرُ طَرِيقَةٌ كَانَ يَمْشِي قَبْلَ مَشْيَتِهِ … بِهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَوْ عُمَرُ فَرَدَّ الْمَذَاهِبِ فِي أَقْوَالِ أَرْبَعَةٍ … جَاءُوا عَلَى أَثَرِ السِّبَاقِ وَابْتَدَرُوا لَمَّا بَنَوْا قِبْلَةً عَلْيَا مَذَاهِبُهُمْ … بَنَى وَعَمَّرَ مِنْهَا مِثْلَ مَا عَمَرُوا مِثْلَ الْأَئِمَّةِ قَدْ أَحْيَا زَمَانَهُمُ … كَأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ وَهُوَ مُنْتَظَرُ إِنْ يَرْفَعُوهُمْ جَمِيعًا رَفْعُ مُبْتَدَأً … فَحَقُّهُ الرَّفْعُ أَيْضًا أَنَّهُ خَبَرُ أمثلة بينكم بينكم بمضيعة … حتى يطيخ له عمدًا دم هَدْر يكونُ وهو أماني لغيركم … تشويهُ منكمُ الأحداثُ والغيرُ والله لو أنه في غير أرضكم … لكانَ منكم على أبوابه زَمْرُ مثلُ ابنِ تيميَّةَ ينسى بِمُحبِّه … حتى يموتَ ولمْ يُكحلْ به بَصَرْ مثلُ ابنِ تيميَّةَ ترضى حوائدُه … بِحبسهِ أوْ لكم في حبسه عُذرُ مثلُ ابنِ تيميَّةَ في السجنِ كالغمدِ … وهوَ الصارمُ الذكرُ مثلُ ابنِ تيميَّةَ يُرمى بكلِّ أذى … وليسَ يُجلى قذى منه ولا نظرُ مثلُ ابنِ تيميَّةَ تذوى حمائلُه … وليسَ يُلقطُ منْ أغصانه الزهرُ مثلُ ابنِ تيميَّةَ شمسٌ تغيبُ سدى … وما ترقُّ بها الآصالُ والبُكرُ مثلُ ابنِ تيميَّةَ يَمضي وما غفلتْ … بِمَمسِكِهِ العاطرِ الأردانِ والطُرُرُ مثلُ ابنِ تيميَّةَ يَمضي وما نَهَلَتْ … له سيوفٌ ولا خُطبَةٌ سُمْرُ ولا تُجارى له خيلٌ مُسَوَّمةٌ … وجوهُ فرسانها الأوضاعُ والغُرَرُ ولا تحفُّ بهِ الأبطالُ دائرةٌ … كأنهم أنجمٌ في وسَطها قمرُ ولا تعبسُ حربٌ في مواقفهِ … يومًا ويضحكُ في أرجائه الظفَرُ حتى يقومَ هذا الدينُ من ميلٍ … ويستقيمَ على منهاجه البشرُ مثلُ هكذا السلفُ الأبرارُ ما برحوا … يُبلى اضطرابُهم جهدًا وهم صبرُ تأنسُ بالأنبياءِ الطُّهرِ كم بلغتْ … فيهم مضرةُ أقوامٍ وكم هَجَرُوا في يوسفَ في دخولِ السجنِ منقبةٌ … لمن يُكابدُ ما يلقى وينضبطرُ ما أهملوا أبدًا بلْ أمهلوا لمدى … والله يغلبُ تأييدًا وينتصرُ أيذْهبُ المنهلُ الصافي وما نقعتْ … به الظماءُ ويبقى الحمأةُ الكدِرُ

стр. 1692

مَضَى حَمِيدًا ولَمْ يَعْلَقْ بِهِ وَضَرٌ … وَكُلُّهُمْ وَضَرٌ فِي النَّاسِ أَوْ وَذَرُ طودٌ مِنَ الحِلْم لا يُرقَى لَهُ قُنَنٌ … كَأَنَّمَا الطَّوْدُ مِنْ أَحْجَارِهِ حَجَرُ بَحْرٌ مِنَ العِلْمَ قَدْ فَاضَتْ بَقِيَّتُهُ … فَفَاضَتِ الأَبْحُرُ العُظْمَى وَمَا شَعَرُوا يَا لَيْتَ شِعْرِيَ هَلْ فِي الحَاسِدِينَ لَهُ … نَظِيْرُهُ فِي جَمِيعِ القَوْمِ إِنْ ذُكِرُوا هَلْ فِيْهُمُ لِحَدِيْثِ المُصْطَفَى أَحَدٌ … يُمَيِّزُ النَّقْدَ أَوْ يُرْوَى لَهُ خَبَرُ هَلْ فِيْهُمُ مَنْ يصمُّ البَحْثَ فِي نَظَرٍ … أَوْ مِثْلُهُ مَنْ يَضمُّ البَحْثُ وَالنَّظَرُ هَلًا جَمَعْتُمْ لَهُ مِنْ قَوْمِكُمْ مَلًا … كَفِعْلِ فِرْعَونَ مَعْ مُوسَى لِتَعْتَبِرُوا؟ قُولُوا لَهُمْ: قَالَ هَذَا فَابْحَثُوا مَعَهُ … قُدّامَنَا وَانْظُرُوا الجُهَالَ إِنْ قَدَرُوا تُلْقِي الأباطيلَ أَسْحَارٌ لَهَا دَهَسٌ … فَيَلْقَفُ الحَقُّ مَا قَالُوا وَمَا سَحَرُوا فَلَيْتَهُمْ مِثْلُ ذَاكَ الرَّهْطِ مِنْ مَلا … حَتَّى يَكُوْنَ لَكُمْ فِي شَأْنِهِمْ عِبَرُ وَلَيْتَهُمْ أَذْعَنُوا لِلْحَقِّ مِثْلَهُمُ … فَآمَنُوا كُلُّهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا كَفَرُوا يَا ظَالِمًا نَفَرُوا عِنْهُ مُجَانَبَةً … وَلَيْتَهُمْ نَفَعُوا فِي الضَّيْمِ أَوْ نَفَرُوا هَلْ فِيهِمُ صَادِعٌ بِالحَقِّ مِقْوَلُهُ … أَوْ خَائِضٌ لِلْوَغَى وَالحَرْبُ تَسْتَعِرُ رَمَى إِلَى نَحْرِ غَازَانٍ مُوَاجَهَةٌ … سِهَامَهُ مِنْ دُعَاءِ عَوْنُهُ القَدَرُ بِتَلِّ رَاهِطٍ وَالْأَعْدَاءُ قَدْ غَلَبُوا … عَلَى الشَّامِ وَطَالَ الشَّرُّ وَالشَّرَرُ وَشَقَّ فِي الْمَرْجِ وَالْأَسْيَافُ مُصْلَتَةٌ … طَوائِفًا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا النُّشُرُ هَذَا وَأَعْدَاؤُهُ فِي الدُّورِ أَشْجَعُهُمْ … مِثْلُ النِّسَاءِ يَظَلُّ الْبَابَ مُسْتَثْيَرُ وَبَعْدَهَا كِسْرَوَانُ وَالْجِبَالُ وَقَدْ … أَمَامَ أَطْوَادِهَا وَالطَّوْدِ مُنْفَطِرٌ وَاسْتَحْصَدَ الْقَوْمَ بِالْأَسْيَافِ جَهْدَهُمُ … وَطَالَمَا بَطَلُوا طَغْوَى وَمَا بَطَرُوا قَالُوا: قَبَرْناهُ، قُلْنَا: إِنَّ ذَا عَجَبٌ … حَقًَّا الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ قَدْ قَبَرُوا وَلَيْسَ بِذَهَبٍ مَعْنَى مِنَّةٍ مُنْقَدٍ … وَإِنَّمَا تَذْهَبُ الْأَجْسَامُ وَالصُّوَرُ لَمْ يَبْكِهِ دَمًَا مَنْ لا يَصُبُّ دَمًَا … يَجْرِي بِهِ دِمًَا يَهْمِي وَيَنْهَمِرُ لَهْفِي عَلَيْكَ أَبَا الْعَبَّاسِ كَمْ كَرَمٍ … لَمَّا قَضَيْتَ قَضَى مِنْ عُمْرِهِ الْعُمُرُ سَقَى ثَرَاكَ مِنَ الْوَسْمِيِّ صَيْبُهُ … وَزَارَ مَغْنَاكَ قَطْرٌ كُلُّهُ قَطَرُ وَلَا يَزَالُ لَهُ بَرْقٌ يُغَازِلُهُ … حَلْوِ الْمَرَاشِفِ فِي أَجْفَانِهِ حُوَرُ لِفَقْدِ مِثْلِكَ يَا مَنْ مَالُهُ مِثْلُ … تَأَسَّى الْمَحَارِيبُ وَالْآيَاتُ وَالسُّوَرُ يَا وَارِثًا مِنْ عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ نَهَى … أَوْرَثْتَ قَلْبِي نَارًا وَوَفْدَهَا الْفِكَرُ يَا وَاحِدًَا لَسْتُ أَسْتَثْنِي بِهِ أَحَدًَا … مِنَ الْأَنَامِ وَلَا أَبْقَى وَلَا أَذَرُ

стр. 1693

يَا عَالمًا بِنُقُولِ الفِقْهِ أَجْمَعِها … أَعَنْكَ تُحْفَظُ زَلَاتٌ كَمَا ذَكَرُوا يَا قَامِعَ البِدَعِ اللاتِي تَجَنَّبَها … أَهْلُ الزَّمَانِ وَهَذَا البَدْرُ وَالحَضَرُ وَمُرْشِدَ الفِرْقَةِ الضَّلالِ مَنْهَجُهُمُ … مِنَ الطَّرِيقِ فَمَا حَارُوا وَلَا سِهِرُوا أَلَمْ يَكُنْ لِلنَّصَارَى وَاليَهُودِ مَعًا … مُجَادِلًا وَهُمُ فِي البَحْثِ قَدْ حَصِرُوا وَكَمْ فتًى جَاهِل غِرِّ أَبَنْتَ لَهُ … رُشْدَ المَقَالِ فَزَالَ الجَهْلُ وَالغَرَرُ مَا أَنْكَرُوا مِنْكَ إِلَّا أَنَّهُمْ جَهِلُوا … عَظِيمَ قَدْرِكَ لِكِنْ سَاعَدَ القَدَرُ قَالُوا: بِأَنَّكَ قَدْ أَخْطَأْتَ مَسْأَلَةً … وَقَدْ يَكُوْنُ فَهَلًا مِنْكَ تُغْتَفَرُ غَلِطْتَ فِي الدَّهْرِ أَوْ أَخْطَأْتَ وَاحِدَةً … أَمَا أَجِدْتَ إِصَابَاتٍ فَتَعْتَذِرُ وَمَنْ يَكُونُ عَلَى التَّحْقِيقِ مُجْتَهِدًا … لَهُ الثَّوَابُ عَلَى الحَالَيْنِ لَا الوَزَرُ أَلَمْ تَكُنْ بأَحَادِيثِ النَّبِيِّ إِذَا … سُئِلْتَ تَعْرِفُ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ حَاشَاكَ مِنْ شُبَةٍ فِيْها وَمِنْ شَبَةٍ … كِلَاهُمَا مِنْكَ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرُ عَلَيْكَ فِي البَحْثِ أَنْ تُبْدِي غَوَامِضَهُ … وَمَا عَلَيْكَ إِذَا لَمْ تَفْهَمِ البَقَرُ قَدَّمْتَ اللهِ مَا قَدَّمْتَ مِنْ عَمَلٍ … وَمَا عَلَيْكَ بِهِمْ ذَمُّوكَ أَوْ شَكَرُوا هَلْ كَانَ مِثْلُكَ مَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ هُدًى … وَمِنْ سَمَائِكَ تَبْدُو الأَنْجُمُ الزُّهُرُ وَكَيْفَ تَحْذَرُ مِنْ شَيْءٍ تَزِلُّ بِهِ … أَنْتَ التَّقِيُّ فَمَاذَا الخَوفُ وَالحَذَرُ * * *

стр. 1694

[مشاهير فقهاء المحدثين في الجانب الغربي] فأما من نذكره من مشاهير الجانب الغربي. فمنهم: [٣٨] أبو عمرو، يوسف بن عبد الله بن عبد البر (١) النمري (٢) القرطبي. إمام عصره في الحديث والأثر، وكتبه زمام من استقام أو عثر. بحر يتموّج، وصبح يتبلج، وضيغم إلا أنه لا يخاف، ومفعم إلا أنه بطيب ما جمع من تفاريق الكتب واللخاف. وهو ممن شيَّد مباني الأندلس، وجدد معالمه الدُّرس، بكتبه التي صقل منها

стр. 1695

حُسْنُه اليوسفي مرآة الشمس، ثم لم يُصدِها، ومعارفه التي ما أسرها في نفسه، ثم لم يبدها. روى بقرطبة عن جماعة، وكتب إليه من الشرق جماعة. قال أبو الوليد الباجي: لم يكن بالأندلس مثل أبي عمرو بن عبد البر في الحديث، وهو أحفظ أهل المغرب طلب العلم بقرطبة، وتفقه بها، ولزم أبا الوليد بن الفرضي الحافظ، وأخذ عنه كثيرًا من علم الحديث، ودأب في طلب العلم، وتفنن فيه، وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس. وألف في الموطأ كتبًا مفيدة، منها كتاب «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»، ومنها كتاب «الاستذكار لمذاهب الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معنى الرأي والآثار»، ومنها كتاب الاستيعاب في أسماء الصحابة، وله غير ذلك. وكان موفقًا في التأليف معانًا عليه، ونفع الله به، وكان مع تقدمه في علم الأثر، وبصره بالفقه، ومعاني الحديث، له بسطة كثيرة في علم النسب. وفارق قرطبة، وجال في غرب الأندلس مدّة، ثم تحوّل إلى مشرق الأندلس، وسكن دانية من بلادها، وبلنسية، وشاطبة في أوقات مختلفة، وتولى قضاء الأشبونة، وشنترين في أيام مالكها المظفر بن الأفطس. وتوفي يوم الجمعة آخر يوم من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة بمدينة شاطبة من شرق الأندلس. ومولده يوم الجمعة وقت الخطبة لخمس بقين من ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة. ومنهم: [٣٩] أبو عبد الله، محمد بن علي بن عمر التميمي المازري (١) الفقيه، الحافظ، المالكي.

стр. 1696

أحد الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه، والاهتمام الذي صرف إليه. شرح فشرح الصدور، وكتب فكتب البدور، هذا إلى تنوع ما نقص به في مشاركة، ولا قصر به عن علم، تضع له اجنحتها الملائكة، مقترنًا بآداب أغَضُّ من تفاح الخدود، وأهز من رماح القدود، أحلى من رشفات الرضاب، وأغلى من مشتقات النبت في أكاليل الهضاب، يزيّن هذا جميعه ورع قام باسمه ونهض، وأجمع على علمه وأبرم، ثم ما نقض، وناضل بسهمه حتى سبق إلا أنه لغباره في وجوه الكواكب نفض. شرح صحيح مسلم شرحًا جيدًا، وسمّاه كتاب «المعلم بفوائد مسلم»، وعليه بنى القاضي عياض كتاب «الإكمال»، وله «إيضاح المحصول من برهان الأصول»، وله في الأدب كتب متعددة. وكان فاضلًا، متقنًا، زاهدًا، ورعًا. توفي في ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمسمائة، وقيل في ثاني الشهر بالمهدية، وعمره ثلاث وثمانون سنة. ومنهم: [٤٠] القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليخصبي السبتي، أبو الفضل (١) الفقيه الحافظ جمال الأعلام، وقدوة أئمة الإسلام، شغف بخير الخلق حُبًّا،

стр. 1697

وكلف بنبي الله حبًّا، وهام بسكان العقيق حتى أجراه دمعًا، بنزال الأبيرق حتى كاد يفنيه جزعًا، وولع بأهيل الحي حتى ظلَّ دمعه بالحمى صَبّا، وبات كراه لا يلاءم مضجعه من الجفون جنبًا، وتشوق ديارًا كان يود لو طاف بربوعها، وطاح مرطه في مسارح ربيعها، وأسف لزمانٍ أخره عن زمان تلك الأقمار الطلّع والسمار، ومقل الكواكب مغضية لا تجسر أن تتطلع وغشيان نادي النبوة، والقرآن ينزل عليه، وجبريل يؤدي ما أوتمن على إبلاغه إليه، وسيد الكونين محمد خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء ﷺ حتى يأتلق قمره في ذلك النادي، ويتدفق مطره في ذلك الوادي، وطيبة به تأرج جنبات أرجائها نشرًا، وتخلّق أردان فنائها بشرًا، وتلك المعالم مأهولة بأهلتها، وتلك المعاهد معهودة لا تستسقي السحب لغُلّتها؛ فلما فاته سالف تلك الأيام أن يكون من بينها وبعدت عليه شقة تلك المنازل أن يكون فيها، جعل فيها غرر تأليفه، ودرر تصنفه. وصنف كتاب «الشفا في شرف المصطفى»، وأوقد مصباحه مذ كان فما انطفا، ينطق بغرام برسول الله ﷺ أسكنه شغاف قلبه، وأنزله شفاف حبّه، وذكر في تعظيمه أوصاف ربه، وأخلص فيه النية فما جاء بعده كتاب ألف في بابه، ثم كان له مدانيًا، ولا منه دانيًا، بل عليه المعتمدون دون بقية تلك الكتب على كثرتها، والمخصوص بالأثرة عليها على آثرتها، وجُرّب أنه لم يكن عند رجل فنكب، ولا في رَحْلٍ فأخذ، ولا في بيت فخرب. ولقلد كان مصنفه ﵀ أنفع لمدينته سبتة من بحرها، وأجمع لقطريها مما تخنقه جوانبها الثلاث من برها. وقد ذكره الفتح فقال: جاء على قدر، وسبق إلى نيل المعالي وابتدر، فاستيقظ

стр. 1698

لها، والناس نيام، وورد حياضها، وهم حيام، فتحلَّت به للعلوم نحور، وتجلّت له منها حور، كأنهنَّ الياقوت المرجان، لم يطمثهن أنس قبله ولا جان، وقد ألحفته الأصالة رداءها، وسقته الجلالة أنداءها، وأزرت محاسنه بالبدر اللياح، وسرت فضائله سرى الرياح، فتشوفت لعُلاه الأقطار، ووكفت تحكي نداه الأمطار، وهو على اعتناء بعلوم الشريعة، واختصاصه بهذه الرتبة الرفيعة، يعني بإقامة أود الأدب، وتنسل إليه أربابه من كل حدب، إلى سكون ووقار كما رسا الطود، وجمال مجلس كما حلّيت الخُود، وعفاف وصون ما علما فسادًا بعد الكون، ورواء لو رأته الشمس ما تاهت بأضواء الخفر، أو كان الصبح ما لاح ولا أسفر. قال ابن بشكوال: دخل الأندلس طالبًا للعلم، فأخذ بقرطبة عن جماعة، وجمع من الحديث، وكان له عناية كثيرة به، وبالاهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنّن في العلم. واستقضي بسبتة مدة طويلة فحمدت سيرته فيها، ثم نُقل عنها إلى قضاء غرناطة، فلم يطل أمده فيها. صنف التصانيف المفيدة منها كتاب الإكمال في شرح مسلم، كمل به كتاب المعلم لأبي عبد الله المازري، وله كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» لم يسبق إلى مثله، وله «مشارق الأنوار في غريب الحديث المختص بالموطأ والبخاري ومسلم»، وله كتب أُخر. وكان إمام وقته في الحديث وعلومه، والنحو واللغة، وكلام العرب، وأيامهم، وأنسابهم. ومن نظمه قوله في جامات زرع بينها شقائق نعمان هبت عليه ريح: [من السريع] أَنْظُرْ إِلَى الزَّرْعِ وَجَامَاتِهِ … تَحْكِي وَقَدْ مَاسَتْ أَمَامَ الرِّيَاحُ كَتِيْبَةٌ خَضْرَاءَ مَهْزُوْمَةً … شَقَائِقُ النُّعْمَانِ فِيهَا جِرَاحٌ ومنه قوله: [من البسيط] اللهُ يَعْلَمُ أَنِّي مُنْذُ لَمْ أَرَكُمْ … كَطَائِرْ خَانَهُ رِيْسُ الجَنَاحَيْنِ فَلَوْ قَدَرْتُ رَكِبْتُ البَحْرَ نَحْوَكُمُ … فَإِنَّ بُعْدَكُمُ عَنِّي جَنَى حَيْنِي وأورد له العماد في الخريدة في لزوم ما لا يلزم: [من المتقارب] إِذَا [مَا] نَشَرْتَ بِسَاطَ انْبِسَاطِ … فَعَنْهُ فَدَيْتُكَ فَاطْرِ المُزَاحَا فَإِنَّ المُزَاحَ كَمَا قَدْ حَكَى … أُولُو العِلْمِ قَبْلِي عَنِ العِلْمِ زَاحَا ومدحه أبو الحسن المالقي الفقيه بقوله: [من الكامل] ظَلَمُوا عِيَاضًا وَهُوَ يَحْلُمُ عَنْهُمُ … وَالظُّلْمُ بَيْنَ العَالَمِينَ قَدِيمُ

стр. 1699

جَعَلُوا مَكَانَ الرَّاءِ عَيْنًا فِي اسْمِهِ … كَيْ يَكْتُمُوهُ وَإِنَّهُ مَعْلُومُ لَوْلَاهُ مَا فَاحَتْ أَبَاطِحُ سَبْتَةٍ … وَالرَّوْضُ حَوْل فِنَائِهَا مَعْدُومُ (١) مولده بسبتة في نصف شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة. وتوفي بمراكش يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، وقيل في رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة. ومنهم: [٤١] أبو بكر، محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافري الأندلسي (٢) الحافظ المشهور، والحامل له الزمان راية الظهور. تجول في الأرض طلبًا

стр. 1700

للعلم، وتقديمًا لأمره المهم، وتكميلًا لمعوز فضله ليتم، ورحل من أقصى الأندلس حتى أتى الحجاز، وخيم بالعراق، وعاد من الشرق بما ملأ الغرب بالإشراق، وتنقل في أفقيها، فتهلل هذا فرحةً باللقاء، وعلت الآخر صفرة الفراق. قال ابن بشكوال: هو الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها. لقيته بمدينة أشبيلية في جمادى الآخرة سنة ست عشرة وخمسمائة، فأخبرني أنه رحل إلى الشرق مع أبيه سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وأنه دخل الشام، ولقي بها أبا بكر الطرطوشي، وتفقه عنده، ودخل بغداد، وسمع بها من جماعة من أعيان مشايخها، ثم دخل الحجاز، وحج سنة تسع وثمانين، ثم عاد إلى بغداد، وصحب أبا بكر الشاشي، وأبا حامد الغزالي، وغيرهما من العلماء والأدباء، ثم صدر عنهم، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين، فكتب عنهم، واستفاد منهم، وأفادهم، ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وقدم إشبيلية بعلم كثير لم يدخل به أحد قبله ممن رحل إلى الشرق. وكان من أهل التفنن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها، مقدمًا في المعارف كلها متكلّمًا في أنواعها، نافذًا في جميعها، حريصًا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها، ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة، وكثرة الاحتمال وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الود. واستقضي ببلده، فنفع الله به أهلها؛ لصرامته، وشدته، ونفوذ أحكامه، وكانت له مع الظالمين سَوْرَة مرهوبة، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه. وسألته عن مولده، فقال: ولدت يوم الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة. وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ودفن بمدينة فاس، ومن مصنّفاته عارضة الأحوذي في شرح الترمذي. ومنهم: [٤٢] أبو القاسم السهيلي، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن الخثعمي (١) ويكنى أيضًا أبا زيد الإمام المشهور.

стр. 1701

صاحب التصانيف البديعة، والتفاويف الصنيعة، ما جمع مثله ليل، ولا طلع به ولا على شبهه سهيل، كان بحضرة مراكش بغداد المغرب. نجم هداها الطالع، وطود حجاها الشب المطالع، يملأ أكنافها، ويكلأ أضيافها، وينشر فيها من علومه المقنّنة ضرائر الحبرات، ونظائر ما تجرّه وشائع البيض الخفرات. كان ببلده يتسوغ بالعفاف، ويتبلّغ بالكفاف، حتى نمي خبره إلى صاحب مراكش، فطلبه إليه، وأحسن إليه، وأقبل بوجه الإقبال عليه، وأقام بها نحو ثلاثة أعوام كأنها ساعات منام. وكان إمامًا، محدثًا، فقيهًا، أصوليًا، تصريفيًا، عروضيًا، نحويًا، خبيرًا بالأنساب والمشتبه منها. ومن مصنّفاته كتاب «الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن إسحاق»، أملاه في نحو خمس شهور من نيف على مائة وعشرين ديوانًا، غير ما نقحه فكره، ولقنه عن مشيخته وكتاب التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام، وكتاب «نتائج الفكر»، و «مسألة رؤية الباري في المنام»، و «رؤية النبي ﷺ » والسر في عور الدجال، ومسائل كثيرة مفردة لم يسبق إليها، ولا حام أحد قبله عليها؛ وغالب مصنّفاته إملاء؛ فإنه كان مكفوفًا. وتوفي بحضرة مراكش يوم الخميس، ودفن وقت الظهر سادس عشرين شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ومولده سنة ثمان وخمسمائة بمالقة ﵀. قال أبو الخطاب ابن دحية: أنشدني السهلي، وقال: إنه ما سأل الله تعالى بها حاجة إلا أعطاه إياها، وكذلك من استعمل إنشادها وهي: [من الكامل]

стр. 1702

يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيْرِ وَيَسْمَعُ … أَنْتَ المُعِدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدائِدِ كُلِّها … يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ كُنْ … أُمْنُنْ فَإِنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيْلَةٌ … بالافْتِقَارِ إِلَيْكَ رَبِّي أَضْرَعُ مَا لِي سِوَى قَرْعِيْ لِبَابِكَ حَيْلَةٌ … فَلَئِنْ وُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ … إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيْرِكَ يُمْنَعُ حَاشًا لِمَجْدِكَ أَنْ تُقَنِّطَ عَاصِيًا … الفَضْلُ أَجْزَلُ وَالمَوَاهِبُ أَوْسَعُ ومنهم: [٤٣] أبو الخطاب، عمر بن الحسين بن علي بن محمد بن الجميل بن فرح ابن دحية بن خليفة الكلبي المعروف بذي النسبين الأندلسي البلنسي (١) الحافظ، وقف للاطلاع على كل ثنية، وهتف للاستطلاع بكل قضية، وقاد نافر

стр. 1703

اللغة عنفًا، حتى جعل الغريب قريبًا، والحوشي ربيبًا، وأتى بها إلى الحاضرة قسرًا من باديتها، وقهرًا لها في تأديتها، فعادت إلى الحسنى، ورق كلامها، ودق حتى خفي أكمامها. وله رسائل حوشية كتبها؛ لتدلّ على غزارة مادته، وإنارة جادته، وقد أضربت عن ذكرها صفحًا، ولم أسمع لها صَدْحًا؛ لثقل وطأتها على الأسماع، وشدّة منافرتها للطّباع، كأنها كلام النائم، ونقيق الضفادع في الليالي العواتم، تظن أنها ليست مركبةً من الحروف، ولا دالة على معنى معروف، على أنَّ له في أخر ما يخف، ولكنه مما لا يشف، ولا يندى ورقه، ولا يرق، فلذلك أيضًا ألغيتها، وأعرضت عنها، فما أردتها، ولا ابتغيتها. كان من أعيان العلماء، ومشاهير الفضلاء، متقنًا لعلم الحديث النبوي، وما يتعلق به، عارفًا بالنحو واللغة وأيام العرب، وأشعارها. اشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة، ودخل مراكش، واجتمع بفضلائها، ثم ارتحل إلى إفريقية، ومنها إلى الديار المصرية، ثم الشام والشرق والعراق وسمع ببغداد من بعض أصحاب ابن الحصين، ودخل عراق العجم وخراسان، وما والاها، ومازندران؛ كل ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمته، وأخذ عنه وهو في تلك الحال، وقدم مدينة إربل سنة أربع وستمائة، وهو متوجّه إلى خراسان، فرأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين مولعًا بعمل مولد النبي ﷺ عظيم الاحتفال به فعمل له كتابًا سماه «التنوير في مولد السراج المنير»، وقرأه عليه بنفسه وختمه بقصيدة طويلة فأعطاه المعظم ألف دينار، وله عدة تصانيف. وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم. ومولده في مستهل ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. * * *

стр. 1704

[مشاهير فقهاء المحدثين في مصر] ومن متقدميهم بالديار المصرية: [٤٤] الحافظ، الفقيه أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، الحنفي (١) الذي جمع بفقهه بين المذهبين، وطلع بتصنيفه في المذهبين، تاهت به طحا، وباهت به الشمس في الضحى، وأصبحت تُضاهي النجوم بقعتها، وتُظاهر صفيح الغيوم نقعتها، وتشرق سنى، وتغدق منى، ويعرج عليها ساري كل ركاب، وسائر كل طلاب، ويَقفُ به مُغتبطًا لبلده الذي فنيت بفوائده، وكلفت بعوائده، يهيم بغرر فرائده الحسان، وقلائده المقلدة للإحسان، وقالت: صحابك نوء للإحسان سكوب، وطحا بك قلب للحسان طروب طحابك يغل نوائب الزمان، فهل نون مخلب كاسر أو نوب.

стр. 1705

ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، وتفقه بمصر على أبي جعفر أحمد بن أبي عمران، وبدمشق على القاضي أبي خازم، وتفقه عليه أبو بكر أحمد بن محمد بن منصور الدامغاني وغيره، وحدث عن خلائق سمع منهم. وصنف التصانيف المطوّلة الدالة على تبحره، وتفقه أولًا على مذهب الشافعي، ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة. وسبب انتقاله أن خاله أبا إبراهيم المزني - صاحب الشافعي - قال له يومًا في أثناء مذاكرته: والله لا جاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك، وأنف لنفسه، وانتقل إلى ابن عمران؛ فأول ما صنّف من الكتب مختصره في الفقه، وهو على ترتيب كتاب المزني؛ فلما فرغ منه، قال: رحم الله أبا إبراهيم، لو كان حيًا، لكفر عن يمينه. وذكر أبو يعلى الخليلي في كتاب «الإرشاد»: أنَّ إبراهيم بن محمد الشروطي، قال: قلت للطحاوي: لِمَ خالفت خالك، واخترت مذهب أبي حنيفة؟ قال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فانتقلت إلى مذهبه لذلك. وذكره الحافظ أبو محمد بن خلف في كتابه «الدر المنظم فيمن دفن بسفح المقطم»، فقال: فريد دهره ووحيد عصره، له التصانيف المفيدة، والآثار الحميدة، صاحب فقه، وأثر، ورواية، ونظر. ومن تصانيفه «الفقهيات المعروفات الكبار والمختصرات المعروفات الخالية من الاكثار». وكتبه في الوراقة مشهورة أيضًا، وفضائله أكثر من أن تعدّ، ومناقبه أوفر من دخولها تحت الحصر والعد، وروى عنه القضاة المحققون، والعلماء المبرّزون، وبلغ من العمر ثمانين سنة، وكان السواد أغلب على لحيته من البياض. توفي في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بمصر، ودفن بالقرافة، وقبره مشهور. ومن متأخريهم: [٤٥] القاضي أبو الفتح، محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة، القشيري، المنفلوطي الصعيدي، المالكي والشافعي، تقي الدين عرف بابن دقيق العيد (١) صاحب التصانيف، آخر المجتهدين، وفاخر دور المقلدين. حجة العلماء

стр. 1706

الأعلام، ومحجة القصد والسلام، رافع منار الشرع المطهر، ومعلي قدر فرقده، ومعلن اسم سودده، ومعلم البروق اللامعة بأنها لا طاقة لها بتوقده، ومُعلّق طيبه بمفرق الدهر مسك ليلته وكافور غده، قام بالحق، وكل قاعد، وهبت وكلُّ على جفنه النوم عاقد، وتخلق بخلائق السلف عليه مضوا، وبه جاؤوا وعليه قضوا من علم تلافي الفساد، وأوفى بقدر السلف وزاد، وورع ما دنّس ثوبه، ولا كدر صوبه، إلا أنه كان مغرى بالنكاح، مُغرمًا منه بالمباح، يغالي في شراء الجواري، واستسراء قيم السواري، ولم تكن له جدّة للانفاق، فكان يشتريهن بالثمن الربيح إلى أجل يستدينه، فإذا حلّ يغدوب وهو رهينه، فيتسامع به أهل اليسار ممن ربطه عليه حبّ علمه، وحسن ظنه في دينه، لا

стр. 1707

خاب في زعمه، فيتكفل بوفاء ذلك الدين، وغسل ذمته وتنقيته من ذلك الشين، حتى إذا صار بريئًا من الطلبات، خالصًا من المطالبات عن له أن يشتري جارية، أو يزيد نفقة جارية، فلا يلبث شهرًا، حتى يعود أثقل ما كان ظهرا، ويدوم على هذا في الزمان دهرا، فيُقدّر له آخر، فيوفي عنه ما اشتغلت به ذمته، واشتعلت بشيب همه لمته، واستجيزت بسببه عند أهل الورع مذمته، هكذا كان دأبه، ودأب ما يحمل نفسه من أثقال التكاليف، وإنفاق جُمل المصاريف كان يحتفر الذهب، وفاء دينه على أهل الدنيا وجب، وكان على وفور علمه ودينه، وشواغله بالتصنيف في كل حينه، يكمن تارة في زناده، ويحبس أواره في فؤاده، ويلبس الرجال على بعضها، ويسلب كل الأعمال لبعضها، وربما قدر فعقر، وأخذ فما غفر، إلا أن التقوى كانت تمنعه من أليم المجازاة، وتردّه عن بلوغ حَدّ الغاية من التشفي وفي النفس حزازات. ولد في شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بقرب الينبع من أرض الحجاز، وسمع الحديث، وخرج لنفسه أربعين تساعية، وكان من أذكياء زمانه، واسع العلم، كثير الكتب، مديمًا للسهر، مكبًا على الاشتغال، ساكنًا، وقورًا، ورعًا، قل أن ترى العيون مثله، وله اليد الطولى في الأصول والعقول، وخبرة بعلل المنقول. ولي قضاء الديار المصرية سنوات إلى أن مات، وكان في أمر الطهارة والمياه في نهاية الوسوسة. قال الحافظ قطب الدين الحلبي: كان إمام أهل زمانه، وممن فاق بالعلم والزهد على أقرانه، عارفًا بالمذهبين، وإمامًا في الأصلين، حافظًا متقنًا في الحديث وعلومه يُضرب به المثل في ذلك، وكان آية في الحفظ والاتقان والتحرّي، شديد الخوف، دائم الذكر، لا ينام الليل إلا قليلًا يقطعه فيما بين مطالعة، وتلاوة، وذكر، وتهجد، حتى صار السهر له عادة، وأوقاته كلها معمورة، ولم ير في عصره مثله. وعدّ مصنفاته، ثم قال: عزل نفسه من القضاء غير مرّة، ثم يُسال ويُعاد. قال: وبلغني أن السلطان حسام الدين لما طلع الشيخ إليه، قام للقيه، وخرج عن مرتبته، وكان كثير الشفقة على المشتغلين كثير البر لهم. توفي في صفر سنة اثنتين وسبعمائة. ومن نظمه قوله: [من البسيط] الحمدُ للهِ كَمْ أَسْمُو بِعَزْمِيَ فِي … نَيْلِ العُلَا وَقَضَاءُ اللهِ يُنْكِسُهُ كَأَنَّنِي النَّجْمُ يَبْغِي الشَّرْقَ وَالْفَلَكُ … الأَعْلَى يُعَارِضُ مَسْرَاهُ فَيَعْكِسُهُ ومنه قوله (١): ومنه قوله: [من الطويل]

стр. 1708

لَعَمْرِي لَقَدْ قَاسَيْتُ لِلْفَقْرِ شِدَّةً … وَقَعْتُ بِهَا فِي حَيْرَةٍ وَشَتَاتِ فَإِنْ بُحْتُ بِالشَّكْوَى هَتَكْتُ مُرُوءَتِي … وَإِنْ لَمْ أَبُحْ بِالصَّبْرِ خِفْتُ مَمَاتِيْ فَأَعْظِمْ بِهِ مِنْ نَازِلٍ بِمُلِمَّةٍ … يُزِيْل حَيَائِي أَوْ يُزِيلُ حَيَاتِي ومنه قوله: [من السريع] تَهِيمُ نَفْسِي طَرَبًا عِنْدَمَا … أَسْتَلْمِحُ البَرْقَ الحِجَازِيَّا وَيَسْتَخِفُ الوَجْدُ عَقْلِي وَقَدْ … أَصْبَحَ لِي حُسْنُ الحِجَى زِيَّا يَا هَلْ أُقَنِّي حَاجَتِي مِنْ مُنّى … وَأَنْحَرُ البُزْلَ المَهَارِيَّا وَأَرْتَوِي مِنْ زَمْزَم فَهْيَ لِي … أَلَذُّ مِنْ رِيْقِ المَهَا رِيَّا ومنه قوله: [من البسيط] أَهْلُ المَرَاتِبِ فِي الدُّنْيَا وَرِفْعَتِها … أَهْلُ الفَضَائِلِ مَرْذُولُونَ بَيْنَهُمُ فَمَا لَهُمْ فِي تَوَقِّي ضَيْرِنَا نَظَرٌ … وَلَا لَهُمْ فِي تَرَقِّي قَدْرِنَا هَمَمُ قَدْ أَنْزَلُونَا لأَنَّا غَيْرُ جِنْسِهُمُ … مَنَازِلَ الوَحْشِ فِي الإِهْمَالِ عِنْدَهُمُ فَلَيْتَنَا لَوْ قَدَرْنَا أَنْ نُعَرِّفَهُمْ … مِقْدَارَهُمْ عِنْدَنَا أَوْ لَوْ دَرَوْهُ هُمُ لَهُمْ مُرِيْحَانِ مِنْ جَهْلٍ وَفَضْلِ غِنِّى … وَعِنْدَنَا المُتْعَبانِ العِلْمُ وَالعَدَمُ فناقضه في ذلك الفتح بن البقي المقتول على الزندقة، فقال: [من البسيط] أَيْنَ المَرَاتِبُ وَالدُّنْيَا وَرِفْعَتُهَا … عِنْدَ الَّذِي حَازَ عِلْمًا لَيْسَ عِنْدَهُمُ لَا شَكَ أَنَّ لَنَا قَدْرًا رَأَوْهُ وَمَا … لِقَدْرِهِمْ عِنْدَنَا قَدْرٌ وَلَا لَهُمُ هُمُ الوُحُوسُ وَنَحْنُ الإِنْسُ حِكْمَتُنَا … تَقُودُهُمْ حَيْثُ مَا شِئْنَا وَهُمْ نَعَمُ وَلَيْسَ شَيْءٌ سِوَى الإِهْمَالِ يَقْطَعُنَا … عَنْهُمْ لأَنَّهُمُ وَجْدَانُهُمْ عَدَمُ لَنَا المُرِيحَانِ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ عَدَمٍ … وَفِيهِمُ المُتْعِبَانِ الجَهْلُ وَالحَشَمُ عُدنا إلى ذكر قاضي القضاة أبي الفتح ﵀ ومن شعره قوله: [من الكامل] نَفَرَتْ سُلَيْمَى نَفْرَةٌ لمَّا رَأَتْ … وَضَحَ المَشِيْبِ بِعَارِضَيَّ وَمَفْرِقِيْ قَدْ أَبْصَرَتْ مِنْهُ عَدُوًّا أَبْيَضًا … أَرْبَى أَذَاهُ عَلَى العَدُوِّ الأَزْرَقِ وقوله: [من الخفيف] أَنْكَرَتْنِي لَمَّا ادَّعَيْتُ هَوَاهَا … وَأَصَرَّتْ عَلَى العِنَادِ جُحُودًا قُلتُ: إِنَّ الدُّمُوعَ تَشْهَدُ لِيْ … قَالَتْ: صَحِيْحٌ لَكِنْ قَذَقْتُ الشُّهُودًا وقوله: [من السريع] كَمْ ليلةٍ فِيْكِ وَصَلْنَا السُّرَى … لَا نَعْرِفُ النَّوْمَ وَلَا نَسْتَرِيح

стр. 1709

وَكَادَتِ الأَنْفُسُ مِمَّا بِهَا … ترهق الأَبْدَانِ مِنَّا تطيح وَاخْتَلَفَ الرُّفْقَةُ مَاذَا الَّذِي … يَرُدُّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ يُرِيح فَقِيلَ: تَعْرِيْسِهُمُ سَاعَةً … وقُلْتُ: بَلْ ذِكْرَاكِ وَهُوَ الصَّحِيْحٌ] قلت: هكذا فليكن، وإلا فلا أدب الفقهاء، وفي مثل هذا مذهب أهل الحزم أضعاف ذهب السفهاء، هذا الذي لا يقدر عليه من قدر عليه رزقه، وابتسم بسمة أهل الفضل، وهو لا يستحقه. [ومنه قوله: [من الطويل] أَتَيْتُكَ وَالآمَالُ تَسْرِي إِلَى مَدَى … بَعِيدٍ أَرَاهُ بِاصْطَنَاعِكَ يَقْرُبُ وَقَدْ شَنَّعَ الأَعْدَاءُ أَنَّ مَطَالِبِي … تُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِهَا وَهْيَ خُيِّبُ ومَا تَرَكُوا مِنْ حُجّةٍ أو أَتَوا بِهَا … عَلَى أَنَّنِي مَالِي بِبَحْرِكَ مَشْرَبُ ووالله لَا صَدَّقْتُ أَنَّكَ تُرْتَجَى … لِدَفْعِ مُلِمٌ حَادِثٍ فَتُخَيِّبُ] وقوله: [من الوافر] أَوَدِّعُكُمْ وَأَوْدِعُكُمْ حَيَاتِي … وَأَنْشُرُ دَمْعَتِي نَشْرَ الجُمَانِ وَقَلْبِيْ لَا يُرِيدُ لَكُمْ فِرَاقًا … وَلَكِنْ هَكَذَا حُلْمُ الزَّمَانِ ومن نثر القاضي أبي الفتح ما كتبه إلى نوابه في الحكم بالوجه القبلي البحري، عندما فوض إليه قضاء القضاة بالديار المصرية، بعد البسملة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١)؛ صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، وفقه الله لقبول النصيحة، وآتاه لما يُقرّبه قصدًا صالحًا، ونية صحيحة، أصدرناها إليه: بعد حمد الله الذي ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٢)، ويُمهل حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، تذكره بأيام الله ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٣)، وتحذره صفقة من باع آخرته بدنياه، فما أحد سواه مغبون، عسى الله أن يرشده بهذا التذكار وينفعه، وتأخذ هذه النصائح بِحُجْزَتِهِ عن النار؛ فإني أخاف أن يتردّى فيغر من ولاه، والعياذ بالله معه، والموجب لإصدارها ما تلمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يجب للرب على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدار وهم يزعجون عنها، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود، وهم لا يتخففون منها، ولا سيما القضاة الذين تحملوا أعباء الأمانة على كواهل ضعيفة، وظهروا بصورٍ كبار، وهمم نحيفة. ووالله إنَّ الأمر لعظيم، وإن الخطب

стр. 1710

لجسيم، ولا أرى أن مع ذلك أمنًا ولا قرارًا، ولا راحة؛ اللهم ألا رجل نبذ الآخرة وراءه، واتخذ إلهه هواه، وقصر همه وهمته على حظ نفسه ودنياه، فغاية مطلبه حب الجاه والرغبة في قلوب الناس، وتحسين الزي، والملبس، والركبة، والمجلس، غير مستشعر خسة حاله، ولا ركاكة مقصده، وهكذا لا كلام معه ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (١) ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢) فاتق الله الذي يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه؛ فالمحروم من فضله غير مرحوم، وما أنا وأنتم أيها النفر إلا كما قال حبيب العجمي ﵁ وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق؟!، فقال: قد وقعتم، فاحتالوا، وإن خفي عليك بعض هذا الخطر، وشغلتك الدنيا أن تقضي من معرفته الوطر، فتأمل قوله: القضاة ثلاثة، وقوله ﷺ مشفقًا: لا تَأَمَّرَةٌ على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم: [من المتقارب] وَمَا أَنَا وَالسَّيَرفِي مَتْلَفٍ … يُتبرحُ بِالذَّكَرِ الضابط هيهات جف القلم، ونفذ أمر الله، فلا راد لما حكم إيه ومن هنالك شم الناس من فم الصديق رائحة الكبد المشوي، وقال الفاروق: ليت أم عمر لم تلده، واستسلم من عثمان، وقال: من أغمد سيفه، فهو حرّ، وقال علي - والخزائن بين يديه مملوءة -: من يشتري منّي سيفي هذا؟، ولو وجدت ما أشتري به رداءً ما بعته، وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز، فمات من خشية العرض، وعلّق بعض السلف في بيته سوطًا يؤدب به نفسه إذا فتر. أفترى ذلك سُدًى، أم وضح أنا نحن المقربون، وهم البعداء؟ وهذه أحوال لا تؤخذ من كتاب السلم والإجارة والجنايات، نعم إنما تُنال بالخضوع والخشوع، وبان تظمأ وتجوع، وتحمي عينيك الهجوع، ومما يعينك على الأمر الذي دعوت إليه، ويُزوّدك في مسيرك إلى العرض عليه، أن تجعل لك وقتًا تعمره بالتفكر والتدبّر، فإنّها تجعلها مُعدَّة لجلاء قلبك؛ فإنه إن استحكم صداه، صعب تلافيه، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه، واجعل أكثر همومك الاستعداد للمعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد؛ فإنه يقول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) ومهما وجدت من همتك، قصورًا، أو استشعرت من نفسك عما يذللها نفورا، فاجأر إليه، وقف ببابه، واطلب منه؛ فإنه لا يعرض عمَّن صدق، لا يَعْزُب عن علمه خفايا الضمائر ألا يعلم من خلق. هذه نصيحتي إليك، وحجتي بين يدي الله إن

стр. 1711

فرطت عليك، أسأل الله لي ولك قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، ونفسًا مطمئنة، بمنه وكرمه. ومنهم: [٤٦] علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمرو بن عثمان بن علي بن مسوار بن سوار ابن سليم الأنصاري الخزرجي السبكي، ثم المصري الشافعي (١) حجة المذاهب. مفتي الفرق، قدوة الحفاظ، آخر المجتهدين. قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن صاحب التصانيف التقي البرّ، العلي القدر، سمي علي - كرم الله وجهه - الذي هو باب العلم، ولا غرو أن كان هو المدخل إلى ذلك الباب، والمستخرج من دقيق ذلك الفضل هذا اللباب، والمستنير من تلك المدينة التي ذلك الباب بابها، والواقف عليها مع سميه فذاك بابها وهذا بوّابها. بحر لا يُعرف له عبر، وصدر لا يداخله كبر، وأفق لا تقيسه كف الثريا بشبر، وأصل قدره أجل مما يموه به لجين النهار ذائب التبر، إمام ناضح عن رسول الله ﷺ بنضاله، وجاهد بجداله، ولم يلطخ بالدماء حد نصاله. حمى حساب النبوة الشريف بقيامه في نصره، وتتسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره، فلم يُخْطِ - على بعد الديار - سهمه الراشق، ولم يخف مسام تلك الدسائس فهمه الناشق. ثم لم يزل حتى نقى الصدور من شبه دنسها، ووقى من الوقوع في ظلم حندسها، قام حين خُلط على ابن تيمية الأمر، وسوّل له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر، حين سد باب الوسيلة يغفر الله له، لا حرمها وأنكر شد الرحال لمجرد الزيارة، لا وآخذه الله وقطع رحمها، وما برح يُدلج ويسير حتى نصر صاحب ذلك الحمى الذي لا ينتهك نصرًا مؤزّرًا، وكشف من خبّ الضمائر في الصدود عنه صدرًا موغرًا فأمسك ما تماسك من باقي العرى، وحصل أجرًا في الدنيا يُسمع، وفي الآخر يرى، حتى سهل السبيل إلى زيارة صاحب القبر ﵊ وقد كادت تزور عنه قسرًا صدور الركائب، وتُجَرُّ قهرًا أعنّة القلوب وهنَّ لوائب، بتلك الشبهة التي كادت شرارتها تعلق بحداد الأوهام، وتمدّ غيهب صداها صدًا على مرايا الافهام، وهيهات كيف يُزار

стр. 1712

المسجد، ويجفى صاحبه ﷺ أو تخفيه الأفهام، أو تُذادُ المطي عنه وهي تتراشق إليه كالسهام، ولولاه ﵊ لما عُرف تفضيل ذلك المسجد، ولا تم إلى ذلك المحل تأميل المغير، ولا المنجد، ولولاه لما قدّس الوادي، ولا أُسس على التقوى مسجد في ذلك النادي، وكذلك قبلها شكر الله له قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع، وبعد الظهور بمخالفته على الاطلاع، ومنع في مسألة الطلاق أن يجري في الكفارة مجرى اليمين، وأن تجلى في صورة إن حققت لا تبين، خوفًا على محفوظ الأنساب، ومحظوظ الأحساب، لما كانت تؤدي إليه هذه العظيمة، وتستولي عليه هذه المصيبة العميمة، وصنّف في الردّ في هاتين المسألتين كتابيه، بل جرد سيفه وأرهف ذبابيه، وردّ القِرْنَ وهو ألد خصيم، وشدَّ عليه وهو يشدّ غير هزيم، وقابله وهو الشمس التي تُعشي الأبصار، وقاتله وكم جهد ما يثبت البطل لعلي في يده ذو الفقار (١): [من الكامل] وَتَطَاعَنَا وَتَوَاقَفَتْ خَيْلَاهُما … وَكِلاهُمَا بَطَلُ اللِّقَاءِ مُقَنَّعُ وما زالت حتى تقصدت الصفاح، وتقصفت الرماح، وتحيفت الكلم الأدلة، وجف القلم حتى لم يبق في فيه بلة، وانجلت غياهب ذلك العثير تبرق فيه صفحات الحق السوي، والحظ السعيد النبوي، والنصر المحمدي إلا أنه بالفتوح العلوي، بجهاد أيد صاحب الشريعة وآزره، وردّ على من سد باب الذريعة، وخذل ناصره، وأمضى يُسابِقُ إليه مرمى طرفه جواد جرى على أعراقه، وجاء على اثر سُبّاقه، من عصابة الأنصار حيث تعرف في الحسب التليد، وتدخر شرف النسب للمواليد، وتصغر عظائم الأخيار، وتُصعّرُ هامة كلّ جبّار، وتنشر ذؤابة يعرب على كتف شرفها، وتركز عصابة المجد المؤثل لسلفها (٢): [من الطويل] والله أَوْسٌ آخَرُوْنَ وَخَزْرَجُ لا بل هو والله ممن تشيدت به حصونهم الحصينة، وحميت به أن يدخل الدجال أنقاب المدينة، واستله الفخار من بقايا تلك الأسرة في أكرم ظهورها، وأعظم شموسها المجللة للآفاق بظهورها وأعلى في مراقي الشريعة الشريفة درجا، وأسرى في أرجاء طيبة الطيبة أرجا، وأحوى لعلومها أشتاتا، ولعلوّها في أسانيد العوالي إثباتا،

стр. 1713

ولحنوها على من نزل بها فيما هو أدفأ وأكن أبياتا، وأسكن في صدور محافلها من الأسرار، واطلع في أفق جحافها من الأقمار. بزغ من مطلع الصحابة ﵃ ونزع به عرقه إلى التابعين لهم بإحسان، وهو مثلهم إن لم يكن منهم، ثم خرج من بيت الوزارة حيث تتعاصر النجوم، وتتناصر ثم تتناصف الخصوم، وتخفض أعناق الغيوم، ويجري رحضاء البرق كأنه محموم، وتحضر أندية الأفق، وسهيل قد نُبذ بالعراء كأنّه ملوم، ويسري هودج النجم وكأنه برسن الجوزاء مزموم، ويباري صدر صدره الليل فيربد حنقًا ولو أُلقي في تياره لما استطاع أن يعوم، وتتطاير زبد شهبه، ويتنفّس سحره كأنه مظلوم، ويظهر على آخر فجره، ثم يخفى كأنه غيظ مكظوم، ويُضاهي مرآه الضوي النهار، وأنّى له ووجه صباحه كأنه من حمرة الشفق ملطوم، ولو بذل ألفًا مثل دينار شمسه، لما بلغ ما يروم. وبرز في طلب العلم حتى أسكت لسان كل متكلم، وأمات ذكر كل متقدم، وأحيا إمامه الشافعي بنشر مذهبه، ونصر ذي النسب القرشي في عليا رتبته، وقام بالاحتجاج الإمامة ابن المطلب في الائتمام بشريعة سيد بني عبد المطلب، وإقامة الحجة في سبب تقديمه، وحسب ما أحرز في حديثه مضافًا إلى قديمه يحتج لقوليه، ويحيل كنف المُمنَّع من طريقيه، حتى أضحت تسفر له وجوهه سافرة النقب، ظاهرة المحاسن من وراء الحجب، لا ترد الهيم إلا حياضه، ولا تعد المسيم إلا رياضه حتى تفرد والزمان بعدد أهله مشحون، والعصر بمحاسن بنيه مفتون، وساد أهل مصر قاطبة، واستوطنها وضرتها الشام له خاطبة، وكان بها لدين يُقيمه، ويقين يديمه، وتُقى هو وصفه، وعُلًا أراد مطاولته الطود، وما هو يصفه، وقطع بها مدة مقامه في علم ينشره. وحق ينصره، وضال يهديه، وطالب يجديه، وسنة يؤيدها، وبدعة في دكادك الخذلان يُلحدُها، وزيغ يقوم مناده، وزيف يُعجّل انتقاده، وطريقة سلف ما عداها، وحقيقة صلف ما أنكرتها عِدَاها، وفتاوٍ يعتمد عليها فقهاء الآفاق، ويستند إليها علماء مصر والشام والعراق. وتصانيف هي جادة السبيل، ومادة الدليل، تصدُّ الأضاليل، وتَرُدُّ الأباطيل، وتَرِدُ على العلماء، فغاية المجيد أن يستحضر ما حوته من نقول، أو يمتد إلى أن يعدّ نفسه معه، فلا يزيد على أن يكتب تحت خطه: كذلك أقول. ثم ولي قضاء الشام فذال عَطَلَه، وأزال خَطَلَه، وأصلح فاسده، ونفق كاسده، وتوقل ذروة منصبه حيث لا يمتطي السنام، ولا يستصلح الأنام، ولا يوجد الموهل واحد في مصر، ولا شامه في الشام، فحكم بسيرة العمرين في الإنصاف، وحكى صورة القمرين في الأوصاف.

стр. 1714

وانتهت إليه مشيخة دار الحديث بالاستحقاق فوليها، وعرضت له أخواتها فما رضيها وتدارك العلم ولم يبق منه إلا آخر الرمق، وصان المذهب، وما له وجه إلا ظاهر الرهق، وانتاش الطلبة من مراقد الخمول، ومقاعد الونى عن أوائل الحمول، حتى نفضت كواكبهم عن مقلها الكرى، ورفضت سحائبهم إلا مواصلة السرى، إلى أن كثر العلم وطالبه، وعز ذو الفضل وصاحبه، بكرم الله درّه ما أغزره، وجود ما أقل لديه جدا البحر وما أنزره، لو عاصره حاتم، وهو في الكرم، لما ذكر أو كعب بن مامة قد سمح حتى يحص جناحه لما شكر، بندى يُغَصّ به البحر شرقًا، ويتفصد جبين السحاب عرقًا، ويتهيبه البرقُ، فترتعد فرائصه فرقا، ويخشى صوائبه الرعد، فيتعوّذ، ولا تنفعه الرقى. هذا كله وهو بعض ما في كرم سجاياه، وأقل ما في كثير مزاياه. هذا إلى جبين كالهلال، ووقار عليه سيماء الجلال، وأدب أعذب في المقيل من الماء الزلال، واطيب في المقيل من برد الظلال؛ بنوادر أحر من الحجر، وألعب بالعقول - أستغفر الله من الخمر. حدا على طريق كسلفه العرب، ما قصرت عن مداه الأوائل، واستجدت من نداه النائل، وطرق علمه منه بمقدار ما أعانه على التفسير الذي أسكت عارضة كل قائل، وغير هذا من انتزاع الميل وإقامة الدلائل. ثم سرح إلى حيث يسرح الطرف، ويذوب الظرف، ويُلمّ ينادي المتيمين، وينزل بوادي سلف أهل الصبابة المغرمين، ويخالط تلك العصابة في كيسها، ويذكر حديث ليلى وقيسها، لطائف لو أنها لأهل ذلك الزمان السالف، لما قالوا الأسمار إلا في طرائف طرائفها، ولا قالوا في سمرات الحيّ إلا في ظلّ وارفها، ولا زادوا من ربيع ابن أبي ربيعة إلا بعض زخارفها، ولا عدوا جميلًا إلا ما نشر من فضل مطارفها، ولا رجعوا عنها إلى مذهب جرير في أوبة، ولا خيموا عزل الأناشيد بتوبة، كل ذلك بطرف أدب غض الجنى، ليس منه إلا إطراب السامع، وتنويع ما لا إثم فيه، إذا قيل في فضله الجامع. هو والله الجامع الذي لا تضاهي، هي بيوت عبادته المساجد، ولا تساهر مقل قناديلها طرفه الهاجد، ولا تضمّ ضلوع محاربها مثل صدره، ولا يشتمل أحناء عقودها على مثل سره، بسيرة زينها العفاف، فما تعنست صحف أيامها، وأقنعها الكفاف، فما رأت ما زاد عليه إلا من أيامها. وقد عادت دمشق به معمورة الأندية، مأثورة الأنحية باهرة العلماء، ظاهرة بزينة نجوم السماء، ماضية على منهج القدماء، قاضية على سواها بأن العلم فيها بالحقيقة، وفي غيرها بالأسماء، وها هو اليوم - والله يبقيه - خير من أظلته خضراؤها، وصغرت لدى قدرة الجليل كبراؤها، قد ملك أهواء قلوب أهلها المتنائية، وساق بعصاه، سوائم شُرّدها

стр. 1715

المتقاصية، واستوسق به أمر الشام لعليّ، وكان لا يطيق إلا معاوية. مولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وسمع من الحافظ أبي محمد الدمياطي وطبقته، وبالثغر من يحيى الصوّاف وأقرانه، وبدمشق من ابن مشرف بن الموازيني، وبالحرمين. وكانت رحلته إلى دمشق سنة سبع وسبعمائة، وقرأ الروايات على تقي الدين الصائغ، وصنّف التصانيف المتقنة وانتهت إليه رئاسة العلم في القراءات، والحديث، والأصلين، والفقه، وخرج له الإمام شهاب الدين الدمياطي معجمًا كبيرًا، وقصده به بدمشق، فحدّث به بالكلاسة من جامع دمشق بحضرة الحافظين أبي الحجاج المزي، وأبي عبد الله الذهبي، وجماعة من أعيان العلماء (١). وأنشدني له تذييلًا على قول عبد القاهر الجرجاني: [من الوافر] طَلَبْتُ مِنَ الجَيْبِ زَكَاةَ خمس … عَلَى صِغَرِ مِنَ القَمَرِ البَهِي فَقَالَ: وَهَلْ عَلَى مِثْلِي زَكَاةٌ … عَلَى رَأْيِ الْعِرَاقِي الكَمِي؟ فَقُلْتُ: الشَّافِعِيُّ لَنَا إِمَامٌ … وَقَدْ فَرَضَ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّبِيِّ والذي قاله ذيلًا على هذا (٢): [من الوافر] فَقَالَ: اذْهَبْ إِذَنْ فاقبض زَكَاتِي … بِقَوْلِ الشَّافِعِي مِنَ الوَلِي فقلت لَهُ: فَدَيْتُكَ مِنْ فَقِيْهِ … أَيُطْلَبُ بِالْوَفَاءِ سِوَى المَلِيِّ نِصَابُ الحُسْنِ عِنْدَكَ ذُو امْتِنَاعِ … بِلَحْظِكَ وَالقَوَامِ السَّمْهَرِي فَإِنْ أَعْطَيْتَنا طَوْعًا وَإِلا … أَخَذْنَاهُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قلتُ: ولما وقع إليه ما صنعه ابن تيمية في مسالة الطلاق، وجده قد أكثر ذكر ليلي وحسنها، وردّد ذكرها في غير موضع،، فلما رد عليه قال (٣): [من البسيط] فِي كُلِّ وَادٍ بِلَيْلَى وَالِهٌ شَغِفٌ … مَا إِنْ يَزَالُ بِهِ مِنْ مَسْهَا نَصَبٌ فَفِي بَنِي عَامِرٍ مِنْ حُبّها دَنَفٌ … وَلابْنِ تَيْمِيَّةٍ مِنْ عَهْدِهَا شَغَبُ وأراد بعهد ليلى ظاهرًا ما هو له وباطنًا يمينها، واليمين العهد. ومن تصانيفه: «الدر النظيم في تفسير القرآن الكريم»، «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»، «إبراز الحكم من حديث رفع القلم»، «السيف المسلول على من سبّ الرسول»، «تكملة المجموع في شرح المهذب في الفقه الابتهاج في شرح المنهاج» في الفقه، «والتحبير المذهب في تحرير المذهب» ولم يتمه، «التحقيق في مسألة

стр. 1716

تيمية»، «رافع الشقاق عن مسألة الطلاق»، وكلاهما في الرد على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، «منبه الباحث عن حكم دين الوارث»، «الرياض الأنيقة» في مسألة الحديقة، «أمثلة المشتق»، «إحياء النفوس في إلقاء الدروس»، «كشف القناع عن حكم لو الامتناع»، «ضوء المصابيح في صلاة التراويح» واختصره مرات، «أحكام كل وما عليه تدل»، «القول الموعب في القضاء بالموجب»، «المناسك»، «المناسك الصغرى»، «منتخب طبقات الفقهاء»، «القراءة خلف الإمام»، «المناساخات»، «تلخيص التلخيص» وتاليه، «الردة على الشيخ زين الدين ابن الكناني»، «المناقشات المصلحية»، «جواب سؤال علي بن عبد السلام»، «كشف اللبس» منتقى من المكمل، «نقد الاجتماع والافتراق»، «بيع المرهون في غيبة المديون»، «بيان حكم الربط في اعتراض الشرط على الشرط»، «نور الربيع من كتاب الربيع»، «الرقم الأبريزي في شرح مختصر التبريزي»، في الفقه، «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» في الأصول، «الابتهاج في شرح المنهاج» في الأصول، «فصل المقال في هدايا العمال»، «عقود الجمان في عقود الرهن والضمان»، «طليعة الفتح والنصر في صلاة الخوف والقصر»، «كشف الغمّة في ميراث أهل الذمّة»، «التهدي إلى معنى التعدي»، «حسن الصنيعة في أحكام الوديعة»، «الطوالع المشرقة في الوقف على طبقة بعد طبقة»، «الغيث المغدق في ميراث ابن المعتق»، «السهم الصائب في قبض دين الغائب»، «الاتساق في بقاء وجه الاشتقاق»، «العارضة في البينة المتعارضة»، «قطف النور في مسائل الدور»، «الكلام على قوله [ما لم تمسوهن]» وأما غير ذلك ما بسط فيه الكلام في المسائل المفردة، وأجوبة الفتاوى وغير ذلك، فيزيد على ثلاثين مسألة، نفع الله بذلك. * * * آخر السفر الخامس من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» ويتلوه في السفر السادس - إن شاء الله تعالى -: وإذ قد ختمنا فقهاء المحدثين بالجانبين، ولم ندع منهم زينة مشرق ولا مغرب، ولا مطلع هلال ولا كوكب .. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم تسيلمًا كثيرًا. حسبنا الله ونعم الوكيل. * * *

стр. 1717

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين. وبعد: فهذا هو السفر السادس من موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م. وقد تناول فيه تاريخ وتراجم مشاهير الفقهاء وأصحاب المذاهب الإسلامية. وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على ثلاث نسخ وهي: ١ - نسخة مكتبة لاله لي - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٢٠٣٧، يغلب الظن أنها بخط المؤلف، وإن له تكن بخطه فإنها نقلت عن نسخة المؤلف. وجعلتها (الأصل) في عملي. ٢ - نسخة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٣٤١٩، وهي نسخة قديمة عليها تملك محمد بن علي بن عيسى بن داود بن شيركوه الأيوبي سنة ٧٦١ هـ. وقد وقفها السلطان العثماني محمود خان وعليها ختم بإسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين. وعليها تأييد الوقفية يعود تاريخه سنة سبع و … وسبعمائة. ٣ - مخطوطة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول برقم ٢٧٩٧/¬٦. وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي الملك المؤيد شيخ ابن

стр. 1718

عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة. أما طريقتي في تحقيقه فقد ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة. هذا ما استطعت أن أقدمه للقاريء الكريم والباحث الفاضل، أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد ما استطعت، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه. والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل جمهورية العراق - الكوفة كامل سلمان الجبوري

стр. 1719

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعلى الله توكلت وإليه أنيب وإذ قد ختمنا فقهاء المحدثين بالجانبين، ولم ندع منهم زينة مشرق ولا مغرب، ولا مطلع هلال ولا كوكب، حتى وصلنا سبب الأموات بالأحياء، وسكان المدن والأحياء، فلم يبق إلا أن نذكر مجرد الفقهاء، ونكتفي بفراقد النبهاء، ونبدأ من الأئمة بأبي حنيفة، ثم الشافعي، ثم ابن حنبل، ثم أهل الظاهر، ذكرناهم اقتداءً بالشيخ أبي إسحاق (١) حيث ذكرهم في طبقات الفقهاء، ونتبع رأس كل مذهب بمشاهير أتباعه، وجماهير أشياعه، ونبدأ بأهل الجانب الشرقي على عادتنا فيما سلف، ونعوذ بالله من إحلال التقصير وإطناب السرف، وبه نستعين. * * *

стр. 1720

طبقات الفقهاء الحنفية
следующие страницы →