تيمية»، «رافع الشقاق عن مسألة الطلاق»، وكلاهما في الرد على الشيخ تقي الدين ابن تيمية، «منبه الباحث عن حكم دين الوارث»، «الرياض الأنيقة» في مسألة الحديقة، «أمثلة المشتق»، «إحياء النفوس في إلقاء الدروس»، «كشف القناع عن حكم لو الامتناع»، «ضوء المصابيح في صلاة التراويح» واختصره مرات، «أحكام كل وما عليه تدل»، «القول الموعب في القضاء بالموجب»، «المناسك»، «المناسك الصغرى»، «منتخب طبقات الفقهاء»، «القراءة خلف الإمام»، «المناساخات»، «تلخيص التلخيص» وتاليه، «الردة على الشيخ زين الدين ابن الكناني»، «المناقشات المصلحية»، «جواب سؤال علي بن عبد السلام»، «كشف اللبس» منتقى من المكمل، «نقد الاجتماع والافتراق»، «بيع المرهون في غيبة المديون»، «بيان حكم الربط في اعتراض الشرط على الشرط»، «نور الربيع من كتاب الربيع»، «الرقم الأبريزي في شرح مختصر التبريزي»، في الفقه، «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» في الأصول، «الابتهاج في شرح المنهاج» في الأصول، «فصل المقال في هدايا العمال»، «عقود الجمان في عقود الرهن والضمان»، «طليعة الفتح والنصر في صلاة الخوف والقصر»، «كشف الغمّة في ميراث أهل الذمّة»، «التهدي إلى معنى التعدي»، «حسن الصنيعة في أحكام الوديعة»، «الطوالع المشرقة في الوقف على طبقة بعد طبقة»،
«الغيث المغدق في ميراث ابن المعتق»، «السهم الصائب في قبض دين الغائب»، «الاتساق في بقاء وجه الاشتقاق»، «العارضة في البينة المتعارضة»، «قطف النور في مسائل الدور»، «الكلام على قوله [ما لم تمسوهن]»
وأما غير ذلك ما بسط فيه الكلام في المسائل المفردة، وأجوبة الفتاوى وغير ذلك، فيزيد على ثلاثين مسألة، نفع الله بذلك.
* * *
آخر السفر الخامس من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار»
ويتلوه في السفر السادس - إن شاء الله تعالى -: وإذ قد ختمنا فقهاء المحدثين بالجانبين، ولم ندع منهم زينة مشرق ولا مغرب، ولا مطلع هلال ولا كوكب ..
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم تسيلمًا كثيرًا.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
* * *
стр. 1717
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد:
فهذا هو السفر السادس من موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وقد تناول فيه تاريخ وتراجم مشاهير الفقهاء وأصحاب المذاهب الإسلامية. وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على ثلاث نسخ وهي:
١ - نسخة مكتبة لاله لي - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٢٠٣٧، يغلب الظن أنها بخط المؤلف، وإن له تكن بخطه فإنها نقلت عن نسخة المؤلف.
وجعلتها (الأصل) في عملي.
٢ - نسخة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٣٤١٩، وهي نسخة قديمة عليها تملك محمد بن علي بن عيسى بن داود بن شيركوه الأيوبي سنة ٧٦١ هـ.
وقد وقفها السلطان العثماني محمود خان وعليها ختم بإسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
وعليها تأييد الوقفية يعود تاريخه سنة سبع و … وسبعمائة.
٣ - مخطوطة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول برقم ٢٧٩٧/¬٦.
وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي الملك المؤيد شيخ ابن
стр. 1718
عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة.
أما طريقتي في تحقيقه فقد ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة.
هذا ما استطعت أن أقدمه للقاريء الكريم والباحث الفاضل، أرجو أن أكون قد قمت بإحياء جزء من تراثنا الخالد ما استطعت، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه.
والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 1719
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعلى الله توكلت وإليه أنيب
وإذ قد ختمنا فقهاء المحدثين بالجانبين، ولم ندع منهم زينة مشرق ولا مغرب، ولا مطلع هلال ولا كوكب، حتى وصلنا سبب الأموات بالأحياء، وسكان المدن والأحياء، فلم يبق إلا أن نذكر مجرد الفقهاء، ونكتفي بفراقد النبهاء، ونبدأ من الأئمة بأبي حنيفة، ثم الشافعي، ثم ابن حنبل، ثم أهل الظاهر، ذكرناهم اقتداءً بالشيخ أبي إسحاق (١) حيث ذكرهم في طبقات الفقهاء، ونتبع رأس كل مذهب بمشاهير أتباعه، وجماهير أشياعه، ونبدأ بأهل الجانب الشرقي على عادتنا فيما سلف، ونعوذ بالله من إحلال التقصير وإطناب السرف، وبه نستعين.
* * *
стр. 1720
طبقات الفقهاء الحنفية
стр. 1721
فقهاء الحنفية في الجانب الشرقي
- فأما أهل الجانب الشرقي، فالإمام المقدم.
منهم:
[١] أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى الكوفي (١)
أحد أئمة الإسلام، وسراج الأمة المستصبح في الظلام، نشر بمذهبه الأعلام، ونصر شريعة محمد ﵊، أول من دَوَّن الفقه والأحكام، ودوخ القضايا للحكام، وقاس الأمر على شبهه، وأتى بالحق على وجهه، وتفقه فغلب الناس بفقهه، وكان لا يعجزه دليل، ولا يعجبه ذليل، لو شاء أن يستدل على أن سواري المسجد ذهب لفعل، ولو قصر، لاحتذى بالثريا وانتعل، لو أطل على المجرة، لما رضي شربًا في أعطانها، أو جاور الجوزاء، لما استطاب مقامًا في أوطانها، أو حل في دارة الشمس، لأنف من مجاورة سلطانها، أراده المنصور على القضاء فأبى، وجرد للمضاء سيفه فنبا، ولم تخدعه الدنيا بزخارفها، ولا سرته بعواري عوارفها، فكفَّ عن بوائق الأنام، وعفَّ عن طوارق المنام، تقللًا من قليل الدنيا المعار، وتعريًا مما تلبسه من رداء العار، وكان لو شك في الماء، لما شربه، أو ظن في الهواء، لما استلذ مستطيبه، تقدم بالاستحقاق والزمان، وقدم عملًا
стр. 1722
حل به دار الأمان، لم يكن في الأربعة أحد معه، ولا جاء منهم إلا من تبعه، ووضح ضوء نهاره، ووضع كل تصنيف إجلالًا لمقداره.
أسف للتقصير عنه سفيان، وأنبت دونه البتي عثمان، وجهد ابن أبي ليلى بالكوفة خلفه فما أدركه، وابن جريح بمكة وما سلك مسلكه، ووثب الليث بمصر فما زاد على أن ولج عرينه، وحرص مالك إمام دار الهجرة فما حصل إلا على المدينة، وكان لا يمثل بذكائه إياس، ولا يجيء معه في فقهه على قياس، فما جاء مثله ابن الماجشون، ولا تقدمه الشافعي وداره بين الصفا والحجون، ولا خرج ذو فقه في الفروع عن ظله الأثيث، ولا جاراه ابن حنبل إلا وكان له القديم ولذاك الحديث، ولقد كثرت طائفته، وتفرعت من بحره الأنهار، وتوزعت من شمسه الأقمار، وجال ذكره في الأرض، فضوعها عبقًا، وضوّاها، ثم ألقى جرانه مشرقًا، فتملك أكثر أهل الأرض مذهبه، وتوقل أشرف المطالع كوكبه، حتى عم صيته، وانتعش به كل عالم إذا ذكر معه يحييه وكأنه يميته.
وأدرك أربعة من الصحابة، وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدًا منهم، ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون لقي جماعة من الصحابة، وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل.
وذكر أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد (١): أنه رأى أنس بن مالك، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، ومحارب بن دثار، والهيثم بن حبيب ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى عبد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وسماك بن حرب، وروى عنه عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر بن الهذيل.
وكان عالمًا، عاملًا زاهدًا، عابدًا ورعًا تقيًا، كثير الخشوع، دائم التضرع إلى الله تعالى.
ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، فأراده أن يوليه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة لا يفعل، فقال الربيع بن يونس الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف، فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلي، فأمر به إلى الحبس في الوقت، والعوام يدعون أنه
стр. 1723
تولى عدد اللبن أيامًا ليكفر بذلك عن يمينه، ولم يصح هذا من جهة النقل.
قلت: وذكر ثقات من أهل التاريخ أنه كان على ربع من أرباع بغداد في بنائها حين بناها المنصور.
وقال الربيع: رأيت المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله، ولا تسترع في أمانتك إلا من يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتجه الحكم عليك، ثم تهددني أن تغرقني في الفرات أو تدع الحكم، لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، ولا أصلح لذلك، فقال له: كذبت أنت تصلح، فقال: قد حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضيًا على أمانتك وهو كذاب.
وحكى الخطيب أيضًا في بعض الروايات (١): أن المنصور لما بنى مدينته ونزلها، ونزل المهدي في الجانب الشرقي، وبنى مسجد الرصافة، أرسل إلى أبي حنيفة، فجيء به، فعرض عليه قضاء الرصافة فأبى، فقال له: إن لم تفعل ضربتك بالسياط قال: أو تفعل؟ قال: نعم، فقعد في القضاء يومين، فلم يأته أحد، فلما كان في اليوم الثالث أتاه رجل صفار ومعه آخر، فقال الصفار: لي على هذا درهمان وأربعة دوانيق ثمن تَوْر صُفْر، فأنكر الرجل، فقال أبو حنيفة للصفار: ما تقول؟ قال: استحلفه لي، فقال أبو حنيفة للرجل: قل والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول، فلما راه أبو حنيفة معتمدًا على أن يحلف قطع عليه، وضرب بيده على كمه، وأخرج در همين ثقيلين، وقال للصفار: هذان الدرهمان عوض عن باقي تورك، فنظر الصفار إليهما وقال: نعم، فأخذ الدرهمين، فلما كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة، فمرض ستة أيام ثم مات.
وكان يزيد بن عمر بن هبيرة أمير العراقين أراده أن يلي القضاء بالكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية، فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، وهو على الامتناع، فلما رأى ذلك خلى سبيله.
وكان أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك، بكى، وترحم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضرب الإمام أحمد على القول بخلق القرآن.
وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: مررت مع أبي بالكناسة فبكى، فقلت له: يا أبت ما يبكيك؟ فقال: يا بني في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبي على أن
стр. 1724
يلي القضاء، فلم يفعل.
وكان أبو حنيفة حسن الوجه، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لإخوانه، وكان ربعة من الرجال، وقيل: كان طوالًا، تعلوه سمرة، أحسن الناس منطقا، وأحلامهم نغمة.
وذكر الخطيب (١): أن أبا حنيفة رأى في النوم كأنه ينبش قبر رسول الله ﷺ ، فبعث من سأل ابن سيرين، فقال ابن سيرين: صاحب هذه الرؤيا يثير علمًا لم يسبقه إليه أحد قبله.
وقال الشافعي: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ فقال: نعم رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.
وقال الشافعي: الناس عيال على هؤلاء الخمسة، من أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في التعبير فهو عيال على مقاتل بن سليمان، ومن أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة. كان أبو حنيفة ممن وفق له. حكاه الخطيب (٢).
وقال يحيى بن معين: القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة. على هذا أدركت الناس.
وقال جعفر بن ربيع: أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتًا منه، فإذا سئل عن الفقه تفتح، وسال كالوادي، وسمعت له دويًا وجهارة بالكلام، وكان إمامًا في القياس (٣).
قال علي بن عاصم: دخلت على أبي حنيفة، وعنده حجام يأخذ من شعره، فقال للحجام: تتبع مواضع البياض، فقال الحجام: لا. قال: ولم؟ قال: لأنه يكثر. قال: فتتبع مواضع السواد لعله يكثر. وحكيت لشريك هذه الحكاية فضحك، وقال: لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه مع الحجام.
وقال عبد الله بن رجاء: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف، يعمل نهاره أجمع حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله، وقد حمل لحمًا فطبخه، أو سمكة فيشويها. ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غرد بصوت غردٍ، وهو يقول: [من الوافر]
أضاعُوني وأيَّ فتى أضاعوا … ليوم كريةٍ وسِدَادِ ثَغْرِ
стр. 1725
فلا يزال يشرب، ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم. وكان أبو حنيفة يصلي الليل، ويسمع جلبته، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه فقيل: أخذه العسس منذ ليال وهو محبوس، فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غدٍ، وركب بغلة، واستأذن على الأمير، فقال الأمير: الذنوا له، وأقبلوا به راكبًا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط ببلغته، ففعل. ولم يزل الأمير يوسع له في مجلسه وقال: ما حاجتك؟ قال: إن لي جارًا إسكافًا أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم، وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه، وقال: يا فتى أضعناك، فقال: لا بل حفظت ورعيت - جزاك الله خيرًا - عن حرمة الجوار ورعاية الحق وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان (١).
وقال ابن المبارك: رأيت أبا حنيفة في طريق مكة، وقد شوي لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخل، فلم يجدوا شيئًا يصبون فيه الخل فتحيروا، فرأيت أبا حنيفة وقد حفر في الرمل حفرةً، وبسط عليها السفرة، وسكب الخل على ذلك الموضع، فأكلوا الشواء بخل، فقالوا: تحسن كل شيء، فقال: عليكم بالشكر، فإن هذا شيء ألهمته لكم فضلًا من الله عليكم (٢).
وقال ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعته يغتاب عدوًا له قط، فقال: والله هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها.
وقال أبو يوسف: دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة فقال الربيع حاجب المنصور - وكان يعادي أبا حنيفة -: يا أمير المؤمنين هذا أبو حنيفة يخالف جدك، كان عبد الله بن عباس يقول: إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلًا باليمين، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين إن الربيع يزعم أنه ليس لك في رقاب جندك بيعة.
قال: يحلفون لك، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل إيمانهم. فضحك المنصور، وقال: يا ربيع لا تعرض لأبي حنيفة، فلما خرج أبو حنيفة، قال له الربيع: أردت أن تشيط بدمي، قال: لا ولكنك أردت أن تشيط بدمي، فخلصتك، وخلصت نفسي (٣).
стр. 1726
وكان أبو العباس الطوسي سيئ الرأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك، فدخل أبو حنيفة على المنصور وكبراء الناس، فقال الطوسي: اليوم أقتل أبا حنيفة، فأقبل عليه، فقال: يا أبا حنيفة، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل، فيأمره بضرب عنق الرجل لا يدري ما هو، أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال: يا أبا العباس أمير المؤمنين يأمر بالحق أم بالباطل؟ قال: بالحق، قال: أنفذ الحق حيث كان، ولا تسأل عنه، ثم قال أبو حنيفة لمن قرب منه: إن هذا أراد أن يوبقني فتحيلتُ (١).
وقال يزيد بن الكميت: كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله تعالى، فقرأ بنا علي بن عيسى المؤذن ليلة في عشاء الآخرة، سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة، وخرج الناس نظرت إلى أبي حنيفة، وهو جالس يتفكر ويتنفس، فقلت: أقوم لا يشتغل قلبه بي، فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم، وقد أخذ بلحية نفسه وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا، ومن يجزي بمثقال ذرة شر شرا، أجر عبدك النعمان من النار، ومما يقرب منها من السوء، وأدخله في سعة رحمتك. قال: فأذنت وإذا القنديل يزهر، وهو قائم، فلما دخلت قال: تريد أن تأخذ القنديل، قد أذنت الصلاة الغداة فقال: اكتم علي ما رأيت، وركع ركعتين، وجلس حتى أقمت الصلاة، وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل (٢).
وقال أسد بن عمرو: صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة ليلة يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة، وكان يُسمع بكاؤه في الليل حتى يرحمه جيرانه. وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة.
وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه: لما مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسله، ففعل، فلما غسله قال: رحمك الله وغفر لك لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء (٣).
وروي أن أبا عمرو بن العلاء سأله عن القتل بالمثقل هل يوجب القود أم لا؟ فقال: لا، فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر؟ فقال: ولو قتله بأبا قبيس يعني الجبل المطل على مكة. فعاب قليلو المعرفة هذا على أبي حنيفة، وزعموا أنه ناقض العربية.
стр. 1727
والجواب: أن أبا حنيفة كوفي، ومن مذهب الكوفيين ولغتهم في الأسماء الستة إعرابها في الأحوال الثلاثة بالألف، ويستدلون على ذلك بقول الشاعر: [من الرجز]
إنَّ أباها وأبا أباها … قَدْ بَلَغا في المجد غايتاها
وولد أبو حنيفة سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي في رجب، وقيل: في شعبان، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة خمسين ومائة، وقيل: بل توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: اثنتين والأول أصح. وتوفي بالسجن ببغداد ليلي القضاء فلم يقبل. هذا هو الصحيح، وقيل: لم يمت في السجن، وقيل: إنه توفي في اليوم الذي ولد فيه الشافعي، ودفن بمقابر الخيزران، وقبره هناك يزار.
وبنى عليه شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفي مملكة السلطان ملكشاه السلجوقي مشهدًا، وقبة في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية، فلما فرغ من عمارة ذلك ركب إليها في جماعة من الأعيان؛ ليشهدوها، فبينما هم كذلك، إذ دخل عليهم الشريف أبو جعفر مسعود البياضي الشاعر، وأنشد: [من الطويل]
ألم تر أنَّ العلم كانَ مُبدَّدًا … فجمَّعَهُ هذا الموسَدُ فِي اللَّحْدِ
كذلك كانت هذه الأرض مَيتَةً … فَأَنشرَها فِعل العميد أبي سعد
فأجازه أبو سعد جائزة سنية.
وأما نسب أبي حنيفة فهو: النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه مولى تيم الله بن ثعلبة، وجده زوطى من أهل كابل، وقيل: من أهل الأنبار، وقيل: من أهل نسا، وقيل: من ترمذ، وهو الذي مسه الرق فأعتق، وولد ثابت على الإسلام.
وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أنا إسماعيل بن حماد بن نعمان بن ثابت بن المنعم بن المرزبان، من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قط. ولد جدي سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك لعلي فينا. والنعمان بن المرزبان أبو ثابت هو الذي أهدى لعلي بن أبي طالب الفالوذج في يوم المهرجان، فقال: مهرجونا كل يوم كذا (١).
ومن أصحابه:
стр. 1728
[٢] أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنس بن سعد بن حبتة الأنصاري (١)
صاحب أبي حنيفة، وساحب ذيله على كل منيفة، ذو مذهب لو أفرد لاستقل، ولكثر بنفسه وما قل، بعلم لو تدفق لزخر، ولو تجسد لفخر، ولو عرض لاحتقر كل
стр. 1729
عالم ما اقتنى وما ذخر. بحر موجه مكفوف، وبدر بالنجوم محفوف، وفجر متألق يزيد جوهره في الشفوف، وإمام تقدم والعلماء خلفه صفوف. استقضاه الرشيد، وارتضاه لحلول بنائه المشيد، فانتقاه لتسليم المقاليد وانتضاه سيفًا للتقليد، وكان موضع أمانته، ومرجع أمور ديانته حتى كان يدخله إلى ما وراء حجابه، ويستدعيه بغير محضر من حُجَّابه، ويعارضه أحيانًا في حرمه، ويفاوضه فيما يكون بينه وبين حُرَمِه، ويساره حيث لا يكون نجي، ويشاوره فيما أمره به الله والنبي ﷺ ، فعظمت لهذا لديه مكانته، وعرفت بالتسديد في دين الله متانته، واتسع له ذيل مال من الحلال مكسبه، ومن تحف الرشيد وأهل بيته سببه، وما زال على هذا حتى خبت ريحه، وآواه في مستقر الترب ضريحه.
ذكر الخطيب (١) عن أبي يوسف قال: توفي أبي وخلفني صغيرًا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة، فأجلس أسمع، فكانت أمي تجيء خلفي إلى الحلقة تأخذ بيدي، وتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعتني بي؛ لما يرى من حضوري، وحرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي، وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما أرى لهذا الصبي فسادًا غيرك. هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وأؤمل أن يكسب دائقًا يعود به على نفسه، فقال لها أبو حنيفة: مُرّي يا رعناء، هذا هو ذا والله يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه، وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك. قال أبو يوسف: ثم لزمته، فنفعني الله بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء، وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام، قدم إليَّ الرشيد فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب، كل منه فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها، فقلت: وما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق، فضحكت، فقال لي: مم ضحكك؟ فقلت: خيرًا، أبقى الله أمير المؤمنين، فقال: لتخبرني، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فعجب من ذلك، وقال: لعمري إن العلم ليرفع وينفع دينًا ودنيا، وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعيني عقله ما لا يراه بعيني رأسه.
وزاد السمعاني في تاريخه أن الرشيد سأل أبا يوسف عن أمه، فقال له: هي حية باقية، فقال: يحمل ذلك إليها، ويذكر لها ذلك، وتُبر قسم أبي حنيفة.
стр. 1730
وقال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة لا أفارقه في فطر، ولا أضحى إلا من مرض.
وولي أبو يوسف القضاء لثلاثة من الخلفاء للمهدي، والهادي، والرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويبجله، وحج معه، واجتمع بمالك وناظره في مقدار الصاع، وهو أول من خوطب بقاضي القضاة في خلافة الرشيد، ولم يخاطب بها أحد قبله، وهو أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيأة.
وقال محمد بن جرير الطبري: كان أبو يوسف فقيهًا، عالمًا، حافظًا، وكان يعرف بحفظ الحديث، وكان يحضر المحدث خمسين حديثًا وستين، ثم يقوم فيمليها على الناس، وكان كثير الحديث.
وقال طلحة بن محمد الحافظ: كان أبو يوسف مشهور الأمر، ظاهر الفضل، وهو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان نهاية في العلم، والحكم، والرياسة، والقدر، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض، وقد قيل: لولا أبو يوسف ما ذكر أبو حنيفة، ولكنه هو نشر قوله، وبث علمه.
وقال هلال الرأي: لم يكن في أصحاب أبي حنيفة مثل أبي يوسف، كان يحفظ التفسير والمغازي، وكان أقل علومه الفقه.
وقال ابن كرامة: كنت عند وكيع بن الجراح يومًا، فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع: كيف يقدر أبو حنيفة يخطئ ومعه مثل أبي يوسف، وزفر في قياسهما، ومثل يحيي بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وحبان، ومندل، وحفظهم للحديث، والقاسم بن معن في معرفته باللغة والعربية، وداود الطائي، والفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما، من كان هؤلاء جلساؤه لم يكن يخطئ؛ لأنه إن أخطأ ردّوه.
وقال أبو حنيفة: أصحابنا هؤلاء ستة وثلاثون رجلًا: منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، ومنهم ستة يصلحون للفتوى، ومنهم اثنان يصلحان يؤدبان القضاة وأصحاب الفتوى، وأشار إلى أبي يوسف وزفر.
توفي في خلافة الرشيد سنة اثنتين وثمانين ومائة عن تسع وثمانين سنة، ودفن في مقابر قريش.
ومنهم:
стр. 1731
[٣] محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء (١)
الفقيه الحنفي، توقد؛ لأنه لمعة فرقد، وبان به نسبه في شيبان، هو وإن كان المولى، فإنه من ذوي النسب الصريح أولى رفعه علمه وشفعه حلمه، ولم يقلع غمامه الممطر حتى غادر الغدر، وأبلى في بث العلم العذر، ولازم العلم إلى أن حصل وفرع وأصل، وأبقى من جامعيه ما لا يعدوهما المصلّى، ولا يجلى مثلهما في دجى الليل الصباح المجلّى، لقد أدّت أبوابهما إلى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وتنفع، وتبصر بشريعة نبي الرحمة المشفع، ويزيد على كل تصنيف، فيتغطى حياء منها بذيوله ويتلفع.
أصله من قرية على باب دمشق اسمها حرستا، ورحل أبوه من الشام إلى العراق، وأقام بواسط فولد له بها محمد المذكور، ونشأ بالكوفة، وطلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة.
وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة،
стр. 1732
وصنف الكتب الكثيرة النادرة، منها: «الجامع الكبير» و «الجامع الصغير» وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصًا المتعلقة بالعربية، ونشر علم أبي حنيفة، وكان من أفصح الناس، ولما دخل الشافعي بغداد كان بها، وجرى بينهما مجالس ومسائل بحضرة هارون الرشيد.
وقال الشافعي: ما رأيت أحدًا يسأل عن مسألة فيها نظر إلا تبينت الكراهة في وجهه إلا محمد بن الحسن.
وقال أيضًا: حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير.
وقال الربيع بن سليمان المرادي: كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن وقد طلب منه كتبًا لينسخها، فتأخرت عنه: [من مجزوء الرمل]
قل لمن لم ترعَيْنا … مَنْ رَآهُ مِثْلَهُ
ومَنْ له بعلمِهِ … دليل حق دلَّهُ
العلمُ يَنْهَى أهلَهُ … أن يمنعوه أهله
لعله يبذله … لأهلِهِ لعَلهُ
فأنفذت إليه الكتب من وقته.
ورُوِيَ عن الشافعي أنه قال: ما رأيت سمينًا ذكيًا إلا محمد بن الحسن، ويُسمّى ابن أبي حنيفة.
ولم يزل محمد ملازمًا للرشيد حتى خرج إلى الري خرجته الأولى، فخرج معه، ومات في سنة تسع وثمانين ومائة، ومولده سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: سنة إحدى، وقيل: سنة اثنتين، ومات هو والكسائي في يوم واحد، وكان الرشيد يقول: دفنت الفطنة والعربية بالري.
ومنهم:
[٤] زُفَرُ بن الهُذيل (١)
بدر لا يستره طلوعه، وفجر لا يكتمه صديعه، وجواد جرى إلى أقصى أمد
стр. 1733
يستطيعه. لم يزل زمانه كله ربيعًا، وأيام دهره أعيادًا جميعًا؛ لعلم يبثه. وعمل يسره إذا آن بعثه، وصفات كان في سماء المفاخر كوكبها، وفي أصائل تلك الأيام مذهبها.
فخارًا يشدخ الهام. وينسخ بالتطبع سجايا الإلهام. وكان فضله شقيق شقائق النعمان، وردء أبي حنيفة في تحقيق الإيمان فكان فرد أصحابه، ورديف سحابه، موجهًا لمذهبه، ومتشبهًا بمذهبه لفضل أوتيه، وفقه لا يخطئ مستفتيه.
قال أبو جعفر الطحاوي: كان سبب انتقال زفر إلى أبي حنيفة أنه كان من أصحاب الحديث، فوردت عليه وعلى أصحابه مسألة فأعيتهم، فأتى أبا حنيفة، فسأله عنها، فأجابه في ذلك، فقال له زفر: من أين قلت هذا؟ فقال: لحديث كذا والقياس من جهة كذا، ثم قال له أبو حنيفة: لو كانت المسألة كذا، ما كان الجواب فيها؟ قال: فكنت فيها أعمى مني في الأولى، فقال: الجواب فيها من جهة كذا. قال: ثم زادني مسألة أخرى، وأجابني فيها وبين وجهها، قال: فرحت إلى أصحابي، فسألتهم عن المسائل، فكانوا فيها أعمى مني، فذكرت لهم الجواب؛ وبينت لهم العلل، فقالوا: من أين لك هذا؟ فقلت: من عند أبي حنيفة، فصرت رأس الحلقة بالثلاث مسائل، ثم انتقلت إلى أبي حنيفة. قال أبو جعفر: فكان أحد العشرة الذين دونوا الكتب مع أبي حنيفة.
قال محمد بن الحسن: حضرت زفر وأبا يوسف يتناظران فكان أبو يوسف يقهره بكثرة الرواية عن أبي حنيفة والأخبار، فإذا صارا إلى المقايسة قهره.
قال زفر: ما خالفت أبا حنيفة في قول إلا وقد كان أبو حنيفة يقول به.
وقال الطحاوي: لما قدم يوسف بن خالد البصرة، كان يأتي عثمان البتي وهو رئيسها وفقيهها، ويناظره، ويذكر له خلاف أبي حنيفة فيسبون أبا حنيفة، فلم يزالوا كذلك حتى قدم زفر بن الهذيل البصرة، فكان أعلم بالسياسة منه، فكان يأتي حلقة البتي، ويناظره ويتبع أصوله، ثم يسألهم عن فروعهم، فإذا وقف على خروجهم عن الأصل، ناظر البتي عليه حتى يتبين خروجه عن أصله، فيستحسن أصحاب البتي ذلك من زفر، فيقول لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكر لهم قول أبي حنيفة ويقيم الحجة عليهم، ويأتيهم بالدلائل عليه، ويطالب البتي بالرجوع إليه، ويشهد أصحابه عليه بذلك، فيقول لهم: هذا قول أبي حنيفة، فما مضت الأيام حتى تحولت الحلقة إلى زفر، وبقي البتي وحده.
توفي في شعبان سنة ثمان وخمسين ومائة عن ثمان وأربعين سنة.
ومنهم:
стр. 1734
[٥] نوح الجامع ابن أبي مريم يزيد بن معاوية. أبو عِصْمَة المَرْوَزِي (١)
القاضي الحنفي، نوح الجامع، ونور المجامع لا تتحلى الفضائل إلا بزينته، ولا يشق طوفان العلوم إلا على سفينته كثرت على خواطره سوانح الفتوح، وعمّت الآفاق بفضله دعوة نوح، وكان على عهد إمامه إمامًا، وممن يرجع إلى اختياره ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا﴾ [سورة الرعد: ٧].
تفقه على أبي حنيفة، وجالسه حتى صار من أكبر أصحابه. وروى الحديث عن جماعة من التابعين.
قال السمعاني: استقضي على مرو، وأبو حنيفة حي، فكتب إليه أبو حنيفة بكتاب موعظة، وذلك الكتاب تتداوله المراوزة بينهم، ثم استقضي مرة أخرى بعد موت أبي حنيفة.
وقال محمد بن علي بن الحسين بن شقيق: سمعت أبي يقول: كان أبو عصمة نوح الجامع صحيح الرواية إلا أنه ابتلي بالقضاء، وإنما قيل له الجامع؛ لأنه أول من جمع فقه أبي حنيفة بمرو، وقيل: لأنه كان جامعًا بين العلوم، وقيل: لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة والحديث عن الحجاج بن أرطأة، ومن كان في زمانه، والمغازي عن محمد بن إسحاق، والتفسير عن الكلبي ومقاتل، وكان مع ذلك عالمًا بأمور الدنيا، فسمي الجامع.
стр. 1735
وقيل: كانت له أربعة مجالس: مجلس للأثر، ومجلس لأقاويل أبي حنيفة، ومجلس للنحو، ومجلس للشعر، وكان على قضاء مرو.
توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة.
وروي من شعره قوله: [من الطويل]
إذا كنت في الدنيا مصرًا على الذي … يضرُّكَ منها كنتَ فيها مُضَيَّعا
لحا الله أيامًا يكن ركائبا … إلى حيث لا يلقى الفتى ثَمَ مَنْزَعا
هنالك يلقى المرءُ ما قدَّمتْ لَهُ يداه … وما قدْ كانَ فرق جمعا
إنَّ فيض الدَّمعِ للبؤس صالح … رويدَكَ قدم قبل موتك أدمعا
ومنهم:
[٦] أسد بن عمرو بن عامر بن عبد الله بن عمر بن عامر البَجَلِيّ، الكوفي، أبو عمرو (١)
القاضي صاحب أبي حنيفة، أحد الأعلام المشهورين، والحكام المذكورين، أسد لا يولج له غاب، ولا يطمع لسواه في رغاب، كان له من الرشيد التقريب، ومكان لا يدانيه القريب، لما له من قدم صدق، وقدم فضل له يستحق.
تفقه على أبي حنيفة ولازمه، وسمع الحديث من جماعة، ورواه عنه آخرون. قال أبو نعيم: كان أول من كتب كُتُبَ أبي حنيفة أسد بن عمرو، ولي القضاء ببغداد بعد أبي يوسف للرشيد، وحج معه معادلًا له.
وقال الخطيب: تولى قضاء واسط.
وقال ابن سعد: أسد بن عمرو البجلي من أنفسهم. وعنده حديث كثير، وهو ثقة إن شاء الله تعالى، وصحب أبا حنيفة وتفقه عليه وكان من أهل الكوفة، فقدم بغداد
стр. 1736
فولي قضاء الشرقية بعد العوفي.
وقال هلال بن يحيى الرازي: كنت أطوف بالبيت فرأيت هارون الرشيد يطوف مع الناس ثم أتى إلى الكعبة، فدخل معه بنو عمه، قال: فرأيتهم جميعًا قيامًا وهو قاعد وشيخ قاعد معه أمامه، فقلت لبعض من كان معي من هذا الشيخ؟ فقال لي: أسد بن عمرو قاضيه، فعلمت أنه لا مرتبة بعد الخلافة أجل من القضاء.
وقال يحيى بن معين: كان أسد بن عمرو صدوقًا، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، وولي القضاء فأنكر من بصره شيئًا فرد عليه القمطر؛ واعتزل القضاء.
وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة. وقال ابن سعد: سنة تسعين ومائة.
ومنهم:
[٧] الحسن بن زياد اللؤلؤي (١)، أبو علي
الفقيه مولى الأنصار، كوفي نزل بغداد، وضرب بالأسداد، وزاد على دجلة في الامداد، عرف بين أمثاله من العلماء البحار باللؤلؤي لما أخرج. وبابن زياد لأنه زاد
стр. 1737
ما شاء من الفوائد ولم يحرج، يفاخر بلؤلؤه الفريد، ويغاير البحار بأنها تجهد ولا تبلغ ما تريد.
أخذ عن الإمام أبي حنيفة، وتفقه عليه، وكان أحذق الناس في السؤال، حتى قيل: لو صار الناس مُجيبين، لوسعهم الحسن بن زياد سائلًا. تفقه عليه جماعة من الأئمة الكبار، وله أقوال في المذهب قالها من تلقاء نفسه، ودونها الناس في الكتب، وتفرد بالرواية عن أبي حنيفة في وقته، وعمر حتى توفي أقرانه ودرجوا.
قال الحسن بن زياد كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث كلها يحتاج إليها الفقهاء، نقله الخطيب.
قال أحمد بن يونس: ولي الحسن بن زياد القضاء، فلم يوفق فيه، وكان حافظًا لقول أصحابه، فبعث إليه البكائي: ويحك إنك لم توفق للقضاء، وأرجو أن يكون هذا لخيرة أرادها الله بك، فاستعف، فاستعفى واستراح.
قال أحمد بن عبد الحميد الحارثي: ما رأيت أحسن خلقًا من الحسن بن زياد، ولا أقرب مأخذًا، ولا أسهل جانبًا، وكان يكسو مماليكه كما يكسو نفسه.
واستفتي في مسألة فأخطأ، ولم يعرف الذي أفتاه، فاكترى مناديًا فنادى أن الحسن بن زياد استفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ، فمن كان أفتاه الحسن في شيء، فليرجع إليه. ومكث أيامًا لا يفتي حتى وجد صاحب الفتوى، فأعلمه أنه أخطأ والصواب كذا وكذا.
قال محمد بن منصور الأسدي: سألت نمر بن جدار. فقلت: أيما أفقه الحسن بن زياد، أو محمد بن الحسن؟ فقال: الحسن: والله لقد رأيت الحسن يسأل محمد بن الحسن حتى بكى محمد مما يخطئه، فقلت له: لقد لقيت أبا يوسف وحسنًا ومحمدًا فكيف رأيتهم؟ قال: أما محمد، فكان أحسن الناس جوابًا، ولم يكن سؤاله على قدر جوابه، وكان الحسن أحسن الناس سؤالًا، ولم يكن جوابه على قدر سؤاله، وكان أبو يوسف أحسن الناس جوابًا وسؤالًا.
ومنهم:
[٨] عافية بن يزيد بن قيس بن عافية بن شداد بن ثمامة بن سلمة بن كعب بن أود، الأودي، الكوفي (١)
أحد من تفقه بحضرة الإمام أبي حنيفة، ودون المسائل وأثبتها، وغرس الفضائل
стр. 1738
وأنبتها، سالت به أودية أود، وشرفت العرب بدءًا على عود، سامت مجاراته السحب، فقصر عنان الجود، وطاولت مجده الرعانُ فَعُلِمَ قصر الطود، وظنت مماثلة كلمه الدرر فَعُلّقت في ترائب الخود. أدنى فضائله كافيه، وأقصى فواضله أنه كان عافية.
ذكره أبو بكر الخطيب (١)، وأسند عنه حديثًا واحدًا، وقال: ولاه أمير المؤمنين المهدي القضاء ببغداد في الجانب الشرقي.
وقال علي بن محمد بن كاس بإسناده: كان أصحاب أبي حنيفة الذين يذاكرونه: أبو يوسف، وزفر، وداود الطائي، وأسد بن عمرو، وعافية بن يزيد الأودي، والقاسم بن معن، وعلي بن مسهر، ومندل وحبَّان ابنا علي، وكانوا يخوضون في المسألة، فإن لم يحضر عافية، قال أبو حنيفة: لا ترفعوا المسألة حتى يحضر عافية. فإذا حضر عافية، فإن وافقهم، قال أبو حنيفة: أثبتوها، وإن لم يوافقهم، قال: لا تثبتوا.
قال علي بن الجعد: رأيت محمد بن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد الأودي وقد شرك المهدي بينهما في القضاء يقضيان جميعًا في المسجد الجامع هذا في أدناه، وهذا في أقصاه، وكان عافية أكثرهما دخولًا على المهدي.
وقال إسماعيل بن إسحاق: كان عافية بن يزيد يتقلد القضاء للمهدي، وكان عالمًا، زاهدًا، فصار إلى المهدي في يوم من الأيام، واستأذن عليه واستعفاه من القضاء، فسأله عن سبب استعفائه، فقال: كان قد تقدم إليَّ خصمان موسران وجيهان منذ شهرين في قضية معضلة، وكان يدعي بينة وشهودًا، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتثبت فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا، أو يعن لي وجه فصل بينهما. قال: فوقف أحدهما من خبري على أني أحب الرطب السكر، فعمد في وقتنا وهو أوقات الرطب إلى أن جمع رطبًا سكرًا لا يتهيأ في وقتنا جمع مثله إلا لأمير المؤمنين، وما رأيت أحسن منه، ورشا بوابي جملة من الدراهم على أن يدخل الطبق إلي، ولا يبالي أن يرد، فلما دخل إلي أنكرت ذلك، وطردت بوابي، وأمرت برد
стр. 1739
الطبق فرد، فلما كان اليوم تقدم إلي مع خصمه، فما تساويا في عيني، ولا في قلبي، وهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل، فكيف يكون حالي لو قبلت؟ ولا أمن أن تقع علي حيلة في ديني، فأهلك وقد فسد الناس، فأقلني أقالك الله واعفني، فأعفاه.
وقال الأصمعي: كنت يومًا عند الرشيد، فرفع إليه في قاض كان استقضاه يقال له عافية بن يزيد الأودي، فأمر بإحضاره، فأحضر، وكان في المجلس خلق كثير، فجعل أمير المؤمنين يخاطبه، ويوقفه على ما رفع إليه، فعطس أمير المؤمنين، فشمته بالحضرة من قرب منه سواه، فإنه لم يشمته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟ فقال عافية: لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله، فلذلك لم أشمتك، هذا النبي ﷺ عطس عنده رجلان فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال: يا رسول الله ما بالك شمت هذا ولم تشمتني؟ قال:، لأن هذا حمد الله، فشمتناه وأنت لم تحمد الله، فلم أشمتك، فقال له الرشيد ارجع إلى عملك أنت لم تسامح في عطسة، تسامح في غيرها، وصرفه منصرفًا جميلًا، وزبر القوم الذين كانوا رفعوا عليه.
ومنهم:
[٩] إسماعيل بن اليسع الكندي، أبو عبد الرحمن، الفقيه، الحنفي (١)
قاضي مصر أول من أقام بها مذهب أبي حنيفة في ذلك الزمان، وبث في جنبات روضها شقائق النعمان، وهمى فيها، فاعترف النيل للغيث، وزار في نواحيها، فسكت في عرينه الليث. ولي قضاء مصر، وحكم بمذهب أبي حنيفة، ولم يكن أهل مصر يعرفونه.
قال ابن يونس: ولي قضاء مصر من المهدي سنة أربع وستين ومائة، ثم روى بسنده. قال: قدم علينا إسماعيل بن اليسع الكوفي قاضيًا بعد ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، وكان يذهب إلى قول أبي حنيفة. ولم يكن أهل مصر يعرفون مذهب أبي حنيفة، قال: وكان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل أمره على أهل مصر وشق.
وكتب الليث بن سعد إلى المهدي في أمره، وكتب إليه: إنا لم ننكر عليه شيئًا في مال ولا دين، غير أنه أحدث أحكامًا لا نعرفها ببلدنا فعزله.
стр. 1740
وقال يحيى بن بكر: كان إسماعيل بن اليسع مأمونًا فقيهًا، وكان يصلي بنا الجمع، عليه كساء مربع من صوف وقطن وقلنسوة خز.
وقال أبو عمر في أخبار قضاة مصر: جاء الليث بن سعد إلى إسماعيل بن اليسع فجلس بين يديه، فرفعه إسماعيل، فقال الليث: إنما جئت مخاصمًا لك. قال: فيم؟
قال: في إبطالك أحباس المسلمين، وقد حبس رسول الله ﷺ ، وحبس عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة والزبير، فمن بقي بعد هؤلاء، وقام فكتب إلى المهدي فورد الأمر بعزله، وكانت ولايته ثلاث سنين وصرف سنة سبع وستين ومائة.
ومنهم:
[١٠] الحكم بن عبد الله بن مسلمة بن عبد الرحمن، أبو مطيع القاضي القرشي، مولاهم البلخي الفقيه (١)
أحد أصحاب أبي حنيفة، وأحد من تفقه عليه، رجل في الدين لا تلين له حصوة، ولا تجيئ البحار من علمه حثوة، أشد على الشيطان من ألف عابد، وأمد إلى ما يزع السلطان من كل ساعد، لا يخشع للسيوف تحملها العواتق، ولا للسيول ليس تمنعها العوائق، بجرأة ليست بهوج، وطريقة ليس فيها عوج.
تفقه به الفقهاء الخراسانيون من أصحاب أبي حنيفة، وولي قضاء بلخ، وكان بصيرًا بالرأي، وكان عبد الله بن المبارك يعظمه، حدث عن الإمام أبي حنيفة، ومالك ابن أنس، وسفيان الثوري وغيرهم، وروى عنه طائفة، وولي القضاء ست عشرة سنة، وكان يخضب بالحناء.
قال عبد الله بن المبارك: أبو مطيع له المنة على جميع أهل الدنيا.
стр. 1741
وقال مالك بن أنس لرجل: من أين أنت؟ قال: من بلخ، قال: قاضيكم قام مقام الأنبياء.
قال محمد بن الفضيل البلخي: سمعت عبد الله بن محمد العابد يقول: جاء كتاب في كل مدينة يقرأ على المنابر، وفيه مكتوب ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (١) وكان الخليفة ولى العهد صبيًا، قال: فلما جاء الكتاب بلخ ليقرأ، سمع أبو مطيع فقام فزعًا، ودخل على والي بلخ، وقال: بلغ من خطر الدنيا أننا نكفر بسببها، وكرر مرارًا حتى أبكى الأمير، فقال الأمير لأبي مطيع: إني معك وإنني عامل لا أجترئ بالكلام، ولكن كن مني آمنًا، وقل ما شئت. وكان أبو مطيع يومئذ قاضيًا، فلما أُذن ارتقى أبو مطيع المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، وأخذ بلحيته فبكى، قال: يا معاشر المسلمين بلغ من خطر الدنيا أن نجر إلى الكفر من قال ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ غير يحيى بن زكرياء فهو كافر. قال: فرج أهل المسجد بالبكاء، وقام الذي أرسل مع الكتاب وهرب.
وذكر في المحيط والبدائع: أن ابنة لأبي مطيع البلخي صارت جدةً في تسع عشرة سنة، فقال أبو مطيع فضحتنا هذه الجارية وصورته أنها حملت لتسع سنين، وولدت لستة أشهر، فحملت هذه البنت لتسع سنين، ووضعت لستة أشهر، فذلك تسع عشرة سنة.
ومما وقع من مثل هذا ما رواه الدارقطني: أن عباد بن عباد المهلبي قال: أدركت فينا - يعني المهالبة - امرأة صارت جدة، وهي بنت تسع عشرة سنة.
ومات أبو مطيع البلخي ببلخ في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنة.
ومنهم:
[١١] إبراهيم بن رستم، أبو بكر المروزي (٢)
أحد المشاهير الأعلام والجماهير من أئمة الإسلام، كان متشددًا في الدين
стр. 1742
وصعبًا في الحق لا يلين، ثبتًا لا يتزعزع، وطودًا لا يتضعضع، وبطلًا في مضائق الجهاد لا يتتعتع، و مُطلع شهب لوامع، ومسير كلم جوامع، ومحرر دروس، ومحبر طروس، ومقرر فروع يجنى منها طيبات الغروس، طالما أشرقت به أرجاء بغداد، وأحدقت به من أهلها زمر أهل الاستعداد، وأكثر الأمراء إليه الترداد، وبما لديه الاعتداد، وتكرر حضورهم إليه، ورتبته في صدورهم تزداد.
تفقه على محمد بن الحسن، وروى عن نوح بن أبي مريم، وأسد بن عمرو، وتفقه عليه جماعة، وسمع الحديث من مالك وابن أبي ذئب، وسفيان الثوري، وطبقتهم، وقدم بغداد غير مرة، وحدث بها، وروى عنه أحمد بن حنبل وطائفة.
قال ابن رستم عرض علي أمير المؤمنين المأمون القضاء، فقلت: ما أصلح له. والله أن كنت صادقًا ما يسعك أن تستقضيني، ولئن كنت كاذبًا، فأولى أن لا تستقضيني فتركني وانصرف إبراهيم إلى منزله، فتصدق بعشرة آلاف درهم.
ونقل الحاكم في تاريخ نيسابور. قال: كان إبراهيم بن رستم من أهل كرمان، ثم نزل مرو في سكة الدباغين، وكان من أصحاب الحديث، أخذ عليه في أحاديث، فخرج إلى محمد بن الحسن، فكتب كتبهم، وحفظ كلامهم، فأتاه ذو الرياستين إلى منزله فلم يتحرك له، ولا فرق أصحابه عنه، فقال له: يأتيك وزير الخلافة، فلا تقوم من أجل هؤلاء الدباغين عندك، فقال بعض المتفقهة: نحن من دباغي الدين الذي رفع إبراهيم بن رستم حتى جاءه وزير الخلافة. ومات بنيسابور، وكان قدمها حاجًا. وكانت وفاته في جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين ومائتين.
ومنهم:
[١٢] إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة الكوفي، الفقيه، القاضي، أبو حيان، وأبو عبد الله (١)
شملته سعادة ذلك الجد ونهضت به سيادة ذلك الماجد لما جَدَّ، على أنه كان
стр. 1743
بنفسه كثيرًا، وبفضله أثيرًا، لعلم ما رنق صفوه، ولا كدر عفوه، سر ذلك الوالد، ومسير تلك الفوائد، ومصير الفضاء يقطع مناط القلائد.
تفقه على أبيه حماد، والحسن بن زياد، ولم يدرك جده، وسمع الحديث من أبيه وجماعة، وكان إمامًا جليلًا، فقيهًا فاضلًا ذكيًا بصيرًا بالقضاء وأسبابه، محمودًا فيه عارفًا بالأحكام والوقائع والنوازل والحوادث، فقيهًا على مذهب جده، صالحًا دينًا، عابدًا، ولي القضاء بالجانب الشرقي من بغداد، وقضاء الرصافة، قضاة البصرة، وصنف الجامع في الفقه عن جده أبي حنيفة، وكتاب «الرد على القدرية» و «كتاب» رسالته إلى البَتِّي وكتاب «الإرجاء» ونقضه عليه أبو سعيد البردعي.
روى الخطيب بسنده عن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: ما ولي القضاء من لدن عمر بن الخطاب إلى اليوم أعلم من إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، فقيل له: يا أبا عبد الله ولا الحسن بن أبي الحسن؟ قال: لا والله ولا الحسن بن أبي الحسن.
وقال إسماعيل بن حماد: ما ورد عليَّ مثل امرأة تقدمت إلي فقالت: أيها القاضي، ابن عمي زوجني من هذا، ولم أعلم، فلما علمت رددت، فقال لها: ومتى رددت؟ قالت: وقت علمت قال: فقلت لها: ومتى علمت؟ قالت: وقت رددت. قال: فما رأيت مثلها.
وفي موضع آخر قيل له: إنها من نسل أبي حنيفة، فقال: هذا الفرع من ذلك الأصل.
وحكي أن رجلًا ضرب امرأة فادعت ذهاب سمعها، فاختصما إلى القاضي إسماعيل بن حماد، فتشاغل عنها ساعة، ثم قال: استري، عورتك، فضمت ذيلها فعلم أنها كاذبة.
وقال رجل لإسماعيل بن حماد قد ذهب نصفك، قال: لو بقيت في شعرة لبقي
стр. 1744
فيها ما يقضي عليك.
وقال أبو العيناء: لما ولي إسماعيل بن حماد البصرة دس عليه محمد بن عبد الله الأنصاري إنسانًا يسأله عن مسألة. فقال: اتق الله أيها القاضي، رجل قال لامراته، فقطع عليه إسماعيل، وقال: قل للذي دسك، إن القضاة لا تفتي.
ومات إسماعيل سنة اثنتي عشرة ومائتين.
ومنهم:
[١٣] خلف بن أيوب أبو سعيد، الفقيه العامري، البلخي، الزاهد (١)
أحد المشاهير الأعلام المتقدمين.
رجل ما أدار على مثله النجم مقلته، ولا أقل الوهم عن طريقه نقلته، أنعم منه بخلف صالح، وسلف مضى وقد أضاء في وجه الزمن الكالح، معلم الطريقة، ومعلم لإعلان الشريعة وأسرار الحقيقة، أشبه إمامه أبا حنيفة في مناقبه، وخلفه، وكلاهما خلف من فقد صاحبه.
تفقه على أبي يوسف، وأخذ الزهد عن إبراهيم بن أدهم، وصحبه مدة، وسمع الحديث من جماعة، وروى له الترمذي في كتابه، وكان مفتي أهل بلخ وزاهدهم وعابدهم.
قال أبو عمرو محمد بن علي الزاهد: سمعت مشايخنا يذكرون أن السبب لثبات ملك آل سامان أن أسد بن نوح جد الأمير إسماعيل خرج إلى المعتصم، وكان أسد رجلًا بهيًا. حسن المنظر، شجاعًا عالمًا، فصيحًا، عاقلًا، فتعجبوا من حسنه، وجماله، وشجاعته، وعقله.
فقال له المعتصم: هل في أهل بيتك أشجع منك؟.
قال: لا.
стр. 1745
قال: فهل فيهم أعقل منك؟.
قال: لا.
قال: فلم يعجب الخليفة ذلك منه، فدخل عليه بعد ذلك، فأجابه بمثل ذلك، فلم يعجبه، فقال للمعتصم: هلا قلت: ولم ذلك؟.
فقال له: ولم ذلك؟.
قال: لأنه ليس في أهل بيتي أحد وطيء بساط الخليفة وشاهد طلعته غيري، فأنا أفضلهم إذًا. فاستحسن المعتصم منه ذلك، وتمكن موقعه لديه، وولاه بلخ، فلما وردها تولى الخطبة بنفسه، ثم إنه سأل عن علماء بلخ فذكر له خلف بن أيوب ووصفوا له زهده وعلمه وتجنبه السلطان، فاشتهى أسد بن نوح لقاءه، فترقب مجيئه الجمعة، فلما رآه أسد بن نوح ترجل وقصده، فلما رآه خلف قد قصده، قعد مكانه وغطى وجهه بردائه، فقال السلام عليكم، فأجابه جوابًا خفيًا، فسلم المرة الثانية، فأجاب ولم يرفع رأسه، فرفع أسد بن نوح رأسه إلى السماء، ثم قال: اللهم إن هذا العبد الصالح يبغضنا ونحن نحبه فيك، ثم ركب ومر فأخبر بعد ذلك أن خلف بن أيوب مرض، فذهب إليه يعوده، فقال: هل لك من حاجة؟ قال: نعم حاجتي أن لا تعود إلي. قال: وهل غير ذلك؟ قال: إن مت فلا تصل علي، وعليك السواد، فلما توفي خلف بن أيوب شهد أسد بن نوح جنازته راجلًا، فلما بلغ المصلى، نزع السواد وتقدم فصلى عليه فسمع صوتًا: بتواضعك وإجلالك لخلف بن أيوب ثبتت الدولة في عقبك فلا تنقطع أبدًا.
ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور (١).
وقد ذكر هذه الحكاية أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم (٢)، ثم قال: وفي رواية أخرى أن أسد بن نوح رأى النبي ﷺ في المنام كأنة يقول له: يا أسد بن نوح ثبت ملكك وملك بنيك بإجلالك لخلف بن أيوب وهذه زيادة على ما رواه الحاكم.
وقد ذكر الحافظ أبو عبد الله الذهبي (٣): أن وفادة أسد بن نوح كانت على [عهد] المأمون والله أعلم.
стр. 1746
قال الحاكم في تاريخ نيسابور (١): توفي خلف بن أيوب في شهر رمضان سنة خمس عشر ومائتين.
ومنهم:
[١٤] موسى بن سليمان الجوزجاني (٢)
أحد القومة بالدين والقولة، ولو أن خصمه أسد العرين، له أسوة بمن تقدم، وسلوة عما يروق من وجه دينار ودرهم، لم يغتر بزخرف الدنيا الغرور، ولا بتقلب حزن وسرور.
تفقه على يد أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وروى عنهما الكتب والأمالي. قال أبو بكر الخطيب (٣): كان فقيهًا بصيرًا بالرأي، يذهب مذهب أهل السنة، سكن بغداد، وحدث بها.
وقال ابن أبي حاتم: كان يكفر القائلين بخلق القرآن كتب عنه أبي، وقال: كان صدوقًا.
وقال الصيمري: كان من الورع والدين، وحفظ الحديث والفقه بالمنزلة الرفيعة.
وقال إبراهيم بن سعيد: أحضر المأمون أبا سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، ومعلى بن منصور الرازي، فبدأ بأبي سليمان لسنه وشهرته بالورع، فعرض عليه القضاء، فقال: يا أمير المؤمنين احفظ حقوق الله تعالى في القضاء ولا تول على أمانتك مثلي، فإني والله غير مأمون على القضاء، ولا أرضى نفسي الله أن أحكم في عباده. قال: صدقت وقد أعفيناك فدعا له بخير، وأقبل على معلى بن منصور، فقال له مثل ذلك، فقال: لا أصلح، فقال: ولم؟ قال: لأني رجل أداين وأتقاضى، فأبيت مطلوبًا وطالبًا، قال: نأمر بقضاء دينك وتتقاضي ديونك، فمن أعطاك قبلناه، ومن لم يعطك عوضناك مالك عليه، قال: فأنا شكوك في الحكم، وفي ذلك تلف أموال الناس. قال: يحضر مجلسك أخوانك أهل الدين فما شككت
стр. 1747
فيه سألتهم عنه، وما صح عندك أمضيه، قال: أنا أريد رجلًا أوصي إليه من أربعين سنة، فما أجد من أوصي إليه، فمن أجد من يعينني على قضاء حقوق الله الواجبة عليك، قال: فأعفاه (١).
ومنهم:
[١٥] عيسى بن أبان بن صدقة بن موسى الفقيه القاضي (٢)
أحد المشهورين من أئمة أصحاب أبي حنيفة، وأرباب الرتب المنيفة، أبي له تمامه النقيصة، وأنف له شرفه أن يبتاع المعالي رخيصة. أخذ الفقه على كبر، وصب عليه ثوب السهاد وصبر، وجد فيه حتى كان إمامًا، ودخل مدنه، ولم يُلم به إلمامًا، ورأى ما سواه نقصًا فأنف إلا أن يكون تمامًا.
تفقه على محمد بن الحسن وصحبه وسبب تفقهه أنه قال: دخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي وعزمت على الإقامة شهرًا، فجعلت أتم صلاتي، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال لي: أخطأت فإنك تخرج إلى منى وعرفات، فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج وعزمت على أن أصاحبه، فجعلت أقصر الصلاة، فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت فإنك مقيم بمكة، فإن لم تخرج منها لا تكون مسافرًا، فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين، ولم ينفعني ما جمعت من الأخبار، فرحلت إلى مجلس محمد بن الحسن، واشتغلت بالفقه.
وقال محمد بن سماعة: كان عيسى بن أبان حسن الوجه، وكان حسن الحفظ للحديث، قال: وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن فيقول: هؤلاء يخالفون الحديث، فلم أزل به حتى جلس في مجلس محمد بن الحسن، فقلت لمحمد: هذا
стр. 1748
عيسى بن أبان معه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبي ويقول: إنا نخالف الحديث، فأقبل عليه محمد بن الحسن وقال له: ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث لا تشهد علينا حتى تسمع؟ قال: فسأله عن خمسة وعشرين بابًا في الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها، ويخبره بما فيها من المنسوخ، ويأتي بالشواهد والدلائل، فالتفت إلى عيسى، وقال: كان بيني وبين النور ستر فارتفع عني. قال: ولزم محمد بن الحسن لزومًا شديدًا حتى تفقه، وكان يعظمه المأمون والمعتصم.
قال ابن سعد ولي قضاء البصرة سنة إحدى عشرة ومائتين لما عزل عنها إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة.
قال أبو بكر الخطيب (١): واستخلفه قاضي القضاة يحيى بن أكثم على القضاء بمعسكر المهدي لما خرج مع المأمون إلى فم الصلح، فلم يزل على عمله إلى وقت رجوع يحيى بن أكثم وذلك سنة عشر ومائتين.
وقال بكار بن قتيبة: كان لنا قاضيان لا مثل لهما إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة وعيسى بن أبان قال بكار: سمعت هلال بن يحيى يقول: ما قعد في الإسلام قاض أفقه من عيسى بن أبان في وقته.
وقال أبو حازم القاضي: ما رأيت لأهل بغداد حدثًا أذكى من عيسى بن أبان وبشر بن الوليد، وقال أيضًا: تقدم رجلان إلى عيسى بن أبان، فادعى أحدهما على صاحبه دعوى، فأنكر المدعى عليه، فقال عيسى للمدعي: ألك بينة؟ قال: نعم.
فأحضر البينة، فقال المشهود عليه لعيسى: والله الذي لا إله إلا هو، لقد شهدا علي بزور، فقال عيسى للشاهدين: إني لم أدعكما، وإن تقوما لم أمنعكما، وإنما يقضي أنتما، وإني متَّق بكما، فاتقيا الله ربكما، فقاما ولم يشهدا.
وقال أيضًا: كان عيسى رجلًا سخيًا جدًا، وكان يقول: والله لو أتيت برجل يفعل في ماله كفعلي في مالي لحجرت عليه.
قال: وقدم إليه رجل محمد بن عباد المهلبي، فادعى عليه بأربعمائة دينار، فسأله عيسى عما أدعاه، فأقر له بذلك، فقال الرجل: احبسه لي، قال: أما الحبس فواجب، ولكني لا أرى حبسه، وأنا أقدر على فدائه من مالي قال: فغرمها عنه عيسى بن أبان من ماله.
وقال شعيب بن أيوب - وهو من متقدمي أصحاب أبي حنيفة: أتى عيسى بن
стр. 1749
هارون إلى المأمون بعدة أحاديث خرجها على أصحابنا، وزعم أنهم خالفوها، فقال المأمون لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، ولبشر بن الوليد، وليحيى بن أكثم، ولمحمد بن سماعة: إن لم تثبتوا الحجة لأصحابكم على هذه الأقوال بمثل هذه الأخبار وإلا منعتكم من الفتوى بهذا القول، وجمعت الناس على خلافه. قال: فتكلف كل منهم، فلم يعمل شيئًا، فوضع عيسى بن أبان كتابه الصغير، وأدخله على المأمون، فلما قرأه عليه قال متمثلًا (١): [من الكامل]
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقومُ أعداء له وخصومُ
كَفَرائرِ الحَسناءِ قُلنَ لوجهها … حَسَدًا وبَعْيًا إِنَّهُ لأميمُ
ومات عيسى بن أبان في صفر، أو في المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين.
ومنهم:
[١٦] محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال بن وكيع التميمي الكوفي (٢)، أبو عبد الله القاضي
محافظ على الخير، لافظ بما ينفعه، ولا يضر الغير، منسك نُسك، ومنجا أقوام من هلك، ما فاتته أكثر عمره جماعة مشهودة، ولا طاعة معهودة، ولا ساعةً أضاعها، ولا دقيقة في شهوة أطاعها، ولا أقل من هذا، ولا أكثر قدرة عليها واستطاعها.
مولده سنة ثلاثين ومائة، تفقه على أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وكتب النوادر عنهما جميعًا، وروى الكتب والأمالي وبرع في المذهب، وصنف
стр. 1750
التصانيف، وروى الحديث عنهما، وعن الليث بن سعد وغيرهم.
قال يحيى بن معين: لو كان أصحاب الحديث يصدقون كما يصدق محمد بن سماعة في الرأي، لكانوا فيه على نهاية.
وقال الصيمري: كان سبب كتابة ابن سماعة للنوادر عن محمد بن الحسن أنه رآه في النوم كأنه يثقب الابر فاستعبر، فقيل له: هذا رجل ينطق بالحكمة، فاجتهد أن لا يفوتك من لفظه شيء، فبدأ حينئذ وكتب عنه النوادر. قال: وولي ابن سماعة القضاء ببغداد للمأمون، ثم لم يزل إلى أن ضعف بصره في أيام المعتصم فاستعفى.
وقال محمد بن عمران: سمعت محمد بن سماعة يقول: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى إلا يومًا واحدًا ماتت فيه أمي، ففاتتني صلاة واحدة في جماعة، فقمت فصليت خمسًا وعشرين صلاة أريد بذلك التضعيف، فغلبتني عيني، فأتاني آت، فقال: يا محمد صليت خمسًا وعشرين صلاة، ولكن كيف بتأمين الملائكة. وقيل: كان يصلي كل يوم مائتي ركعة.
توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين عن مائة وثلاث سنين.
ومنهم:
[١٧] نصر بن زياد بن نهيك، أبو محمد النيسابوري (١)
قاضي نيسابور، حَكَمٌ لا يجور، وعلم قاصده لا يجور، يوضح الحق، ولا يكاد يبين. ويقضي بالعدل ولو على الوالدين والأقربين؛ لشدة في الدين، وقوة حصاتها لا تلين.
أخذ الفقه عن محمد بن الحسن، والأدب عن النضر بن شميل، وسمع الحديث من عبد الله بن المبارك وغيره.
قال الحاكم في تاريخ نيسابور ولي قضاء نيسابور بضع عشرة سنة، ولم يزل محمود الأثر عند السلطان والرعية، وكان من وجوه نيسابور ومن المقبولين في الحديث والرواية، وله عندنا بنيسابور آثار كثيرة مذكورة، وكانت كتب الخليفة إليه متواترة، ثم قال: ورد رجل من هراة فرفع قصة إلى عبد الله بن طاهر، فلما قدم بين
стр. 1751
يديه قال: من خصمك؟
قال: الأمير أيده الله.
قال: ما الذي تدعي علي؟
قال: ضيعة لي بهراة اغتصبها والد الأمير.
قال: ألك بينة؟
قال: إنما تقام البينة بعد الحكومة إلى القاضي، فإن رأى الأمير أن يحملني وإياه على حكم الإسلام.
قال: فدعا عبد الله بن طاهر القاضي نصر بن زياد ثم قال للرجل: ادع.
قال: فادعى الرجل مرة بعد أخرى، فلم يلتفت إليه نصر بن زياد، ولم يسمع دعواه، فعلم الأمير أنه قد امتنع عن استماع الدعوى حتى يجلس الخصم مع المدعي.
فقام عبد الله بن طاهر من مجلسه حتى جلس مع خصمه بين يديه، فقال نصر للمدعي: ادع.
فقال: إن ضيعة لي بهراة وذكرها بحقوقها وحدودها، هي لي في يد الأمير.
فقال له عبد الله بن طاهر: قد غيرت الدعوى إنما ادعيت أولًا على أبي.
فقال الرجل: لم أشته أن أفضح والد الأمير في مجلس الحاكم فأدعي أن والد الأمير، قد كان غصبني عليها، وأنها اليوم في يد الأمير. فسأل القاضي الأمير عن دعواه، فأنكرها، فالتفت إلى الرجل، فقال: ألك بينة؟
قال: لا.
قال: فما الذي تريد؟
قال: يمين الأمير بالله الذي لا إله إلا هو.
قال: فقام الأمير إلى مكانه وأمر أن يكتب إلى هراة برد الضيعة عليه.
وكان يحيي الليل ويصوم الاثنين والخميس والجمعة، ولا يرضى من العمال حتى يؤدوا حقوق الناس إليهم، فدخل عليه أحمد بن حرب يومًا فوعظه وأشار في مواعظه بأن يستعفي عما هو فيه، فقال نصر: يا أبا عبد الله ما يحملني على ما أنا فيه إلا نصر الملهوفين، والقدرة على الانتصار للمظلومين، ولعل الله قد عرف لي ذلك.
وقال نصر بن زياد: كتب إليَّ المأمون: «كان المتوقع منك بأن تكاتب بأخبار ناحيتك لنعتمد ما تذكره من ذلك» فأجبته بأن الأمانة التي قلدنيها أمير المؤمنين قد
стр. 1752
شغلتني عن غيرها».
قال الحاكم: توفي في صفر سنة ست وثلاثين ومائتين.
ومنهم:
[١٨] بشر بن الوليد بن خالد، أبو الوليد الكندي (١)
تبلج في وجه الأيام، بشره، وتأرج في عبق الشام نشره، وتقدم في جماهير الأولياء تقدم المشاهير في بكر وائل. علم وعمل واستقام ولم يمل، وكان لا يبالي بكلمة الحق إذا قالها، ولا يعد مواجهته به عثرةً ليقالها، يصدع بما أمر ويصدع من لا يأتمر، بل كان يقضي وما يعتذر ويحكم عُذل أم عذر، ويتكلم ولا يبالي ولو أن السيوف جواب، ولا يندم ولو أن السكوت صواب.
أحد أصحاب أبي يوسف. أخذ الفقه عنه خاصةً، وروى عنه كتبه وأماليه، قال بشر: كنا نكون عند سفيان بن عيينة فإذا وردت عليه مسألة مشكلة يقول: ههنا أحد أصحاب أبي حنيفة، فيقال بشر، فيقول: أجب فيها، فأجيب فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين.
وكان بشر جميل المذهب، حسن الطريقة، صالحًا دينًا، عابدًا، عالمًا، واسع الفقه، حسنًا في باب الحكم، وحمل الناس عنه من الفقه والمسائل والنوادر، بما لا يمكن جمعها كثرة، وكان من المتقدمين عند أبي يوسف، وكان متحاملًا على محمد بن الحسن، منحرفًا عنه، وكان الحسن بن أبي مالك ينهاه عن ذلك، وسمع الحديث من مالك بن أنس وطائفة من الأعيان.
قال أبو بكر الخطيب (٢): ولي بشر القضاء بمعسكر المهدي من جانب بغداد
стр. 1753
الشرقي في سنة ثمان ومائتين، فأقام على ولايته سنتين ثم عزل، وولي قضاء مدينة المنصور سنة عشر، فلم يزل يتولاه إلى أن صرف سنة ثلاث عشرة ومائتين.
وقال عبد الباقي بن قانع عن بعض شيوخه: إن يحيى بن أكثم كان قد غلب على المأمون حتى كان عنده أكبر من ولده، فشكا بشر بن الوليد إلى المأمون وقال: إنه لا ينفذ قضائي، فأقعده المأمون معه على سريره، ودعا بشر بن الوليد، فقال له: ما ليحيى يشكوك ويقول إنك لا تنفذ أحكامه؟ فقال: يا امير المؤمنين سألت عنه بخراسان فلم يحمد في بلده، ولا في جواره، فصاح به المأمون، وقال: اخرج، فخرج بشر، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين قد سمعت فاصرفه، فقال: ويحك هذا لم يراقبني فيك كيف أصرفه؟ فلم يفعل.
وقال أحمد بن عطية: كان بشر يصلي كل يوم مائتي ركعة، وكان يصليها بعدما فلج وشاخ.
وولي بشر القضاء ببغداد في الجانبين جميعًا فسعى به رجل وقال: إنه لا يقول القرآن مخلوق، فأمر به أبو إسحاق المعتصم أن يجلس في منزله، فجلس ووكل ببابه، ونهى أن يفتي أحدًا بشيء، فلما ولي المتوكل الخلافة، أمر بإطلاقه، وأن يفتي الناس، ويحدثهم، فبقي حتى كبرت سنة.
ومات ببغداد سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ومنهم:
[١٩] محمد بن شجاع الثلجي البغدادي، أبو عبد الله (١)
أحد الفقهاء الأعلام في وقته بالعراق، برز على نظرائه، وأحرز الفضل كله
стр. 1754
برأيه، وكان خلفًا من أبي حنيفة وصاحبيه، وبدلًا منهم لمن نظر إليه، ضاهي أشعة الشموس نوؤه الثلجي، وصدع ضوؤه حندس السحاب الدجوجي، وأعاد الزمان كله يومًا أبيض، والنهار نهرًا به وَضَرُ الظلام يدحض، والدهر لسانًا بالنصيحة يمحض، والسحاب وطابًا إذا تطاير نوؤه الثلجي يمحض.
مولده في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وتفقه على الحسن بن زياد اللؤلؤي، وتفقه عليه أبو الحسن القمي، وصنف التصانيف المعتمدة وحكيت أقواله في الكتب، وكان فقيهًا ورعًا ثابتًا على رأيه، وهو الذي فتق فقه أبي حنيفة واحتج له، وأظهر علله، وقواه بالحديث، وجلاه في الصدر، وكان يرى رأي أهل العدل والتوحيد.
وقال محمد بن شجاع: قال لي إسحاق بن إبراهيم المصعبي: دعاني أمير المؤمنين، فقال: اخترلي رجلًا قد كتب الحديث وتفقه به مع الرأي، وليكن مديد القامة، جميل الخلقة، خراساني الأصل، ممن في دولتنا حتى أقلده القضاء، فقلت: لا أعرف رجلًا هذه صفته غير محمد بن شجاع، وأنا أفاوضه في ذلك، قال: فافعل ثم صر به إليَّ، فدونك يا أبا عبد الله، فقلت: أيها الأمير لست إلى ذلك محتاجًا، وإنما يصلح القضاء لأحد ثلاثة: لمن يكتسب مالًا أو جاهًا أو ذكرًا، فأما أنا فمالي وافر، وأنا غني، وأن الأمير ليوجه إلي بالمال لأفرقه، ولو احتجت إلى شيء منه لأخذته، وأما الذكر، فقد سبق لي عند من يقصدنا من أهل العلم والفقه لما فيه كفاية.
وقيل: إن المتوكل هم بتوليته القضاء، فقيل له: إنه من أصحاب بشر المريسي فامتنع عن توليته.
قال الصيمري: محمد بن شجاع هو المقدم في الفقه والحديث وقراءة القرآن مع ورع وعبادة.
وقال محمد بن شجاع: ادفنوني في هذا البيت؛ فإنه لم يبق فيه طابق إلا ختمت عليه القرآن.
وتوفي فجأة سادس ذي الحجة سنة ست وستين ومائتين، وهو في صلاة العصر ساجدًا وقيل: سنة سبع.
стр. 1755
[٢٠] محمد بن زُرزُور، أبو عبد الله الفقيه الفارسي (١)
أي رجل غلب عليه بلهه، وجلب لها السوء ولهه على فضل خزنه في حافظته، وحصله بمحافظته، مع إطلاع على الوقائع واضطلاع بحسن حفظ الودائع، إلى إقدام يساور به الأسد، ويصابر الخصم الألد لو عارض السيل المنحدر لرده، أو السيف المصلت لفل حده، وكان لو أتته أطراف الرماح لتلقاها، أو نصال السهام لما توقاها حتى رمي بالجنون، وقلب له ظهر المجون، وفعل عندنا بعاقل ما يفعل بمجنون.
كان بارعًا في الحفظ والعلم، يضرب بحفظه المثل، قال يومًا: إني أحفظ القرآن من أوله إلى آخره، وأحفظ «تفسير ابن سلام» كما أحفظ القرآن، وأحفظ فقه أبي حنيفة كما أحفظ التفسير، وأحفظ الموطأ وفقه مالك كما أحفظ فقه أبي حنيفة، وأحفظ بعد ذلك كثيرًا من دواوين العرب وأشعارها.
وكان ورعًا زاهدًا، وكان يحفظ مناظرات الفقهاء، فيكرهون حضوره لكثرة محفوظه، فحضر يومًا جنازة وحضرها أبو المنهال، وكان عظيم الجاه، رفيع الذكر، فسأله عن مسألة فأخطأ ثم ثانية، ثم ثالثة، فقام ابن زرزور قائمًا وصف قدميه، ثم كبر وصلى عليه كما يصلى على الموتى وقال: أنت أولى بأن يصلى عليك من هذا الميت. وقيل: إنه فعل مثل ذلك بالقاضي ابن عمران، فلما تغير عقله وجد إليه سبيلًا، فحجر عليه، ثم بعث إليه يومًا يخيره في تزويج امراة، أو شراء جارية، وفي أشياء من أسبابه، فقال للرسول يكون جوابي مشافهة، فأتاه فقال له: أتاني يخبرني في كذا وكذا، قال: نعم، فما تشاء؟ قال:
أفأتكلم ولي الأمان؟ قال: نعم.
قال: إن كنت خيرتني وأنا عندك سفيه فقد أخطأت إذ خيرتني، وإن كنت عندك رشيدًا، فقد أخطأت في حجرك علي.
ثم قال: الله أكبر أربع مرات كما يصلى على الجنازة، وانصرف، فأطرق القاضي سليمان، ولم يتكلم.
وقيل لابن زرزور وهو في النزع: يا أبا عبد الله كيف حالك؟ فبكى وقال: