يديه قال: من خصمك؟
قال: الأمير أيده الله.
قال: ما الذي تدعي علي؟
قال: ضيعة لي بهراة اغتصبها والد الأمير.
قال: ألك بينة؟
قال: إنما تقام البينة بعد الحكومة إلى القاضي، فإن رأى الأمير أن يحملني وإياه على حكم الإسلام.
قال: فدعا عبد الله بن طاهر القاضي نصر بن زياد ثم قال للرجل: ادع.
قال: فادعى الرجل مرة بعد أخرى، فلم يلتفت إليه نصر بن زياد، ولم يسمع دعواه، فعلم الأمير أنه قد امتنع عن استماع الدعوى حتى يجلس الخصم مع المدعي.
فقام عبد الله بن طاهر من مجلسه حتى جلس مع خصمه بين يديه، فقال نصر للمدعي: ادع.
فقال: إن ضيعة لي بهراة وذكرها بحقوقها وحدودها، هي لي في يد الأمير.
فقال له عبد الله بن طاهر: قد غيرت الدعوى إنما ادعيت أولًا على أبي.
فقال الرجل: لم أشته أن أفضح والد الأمير في مجلس الحاكم فأدعي أن والد الأمير، قد كان غصبني عليها، وأنها اليوم في يد الأمير. فسأل القاضي الأمير عن دعواه، فأنكرها، فالتفت إلى الرجل، فقال: ألك بينة؟
قال: لا.
قال: فما الذي تريد؟
قال: يمين الأمير بالله الذي لا إله إلا هو.
قال: فقام الأمير إلى مكانه وأمر أن يكتب إلى هراة برد الضيعة عليه.
وكان يحيي الليل ويصوم الاثنين والخميس والجمعة، ولا يرضى من العمال حتى يؤدوا حقوق الناس إليهم، فدخل عليه أحمد بن حرب يومًا فوعظه وأشار في مواعظه بأن يستعفي عما هو فيه، فقال نصر: يا أبا عبد الله ما يحملني على ما أنا فيه إلا نصر الملهوفين، والقدرة على الانتصار للمظلومين، ولعل الله قد عرف لي ذلك.
وقال نصر بن زياد: كتب إليَّ المأمون: «كان المتوقع منك بأن تكاتب بأخبار ناحيتك لنعتمد ما تذكره من ذلك» فأجبته بأن الأمانة التي قلدنيها أمير المؤمنين قد
стр. 1752
شغلتني عن غيرها».
قال الحاكم: توفي في صفر سنة ست وثلاثين ومائتين.
ومنهم:
[١٨] بشر بن الوليد بن خالد، أبو الوليد الكندي (١)
تبلج في وجه الأيام، بشره، وتأرج في عبق الشام نشره، وتقدم في جماهير الأولياء تقدم المشاهير في بكر وائل. علم وعمل واستقام ولم يمل، وكان لا يبالي بكلمة الحق إذا قالها، ولا يعد مواجهته به عثرةً ليقالها، يصدع بما أمر ويصدع من لا يأتمر، بل كان يقضي وما يعتذر ويحكم عُذل أم عذر، ويتكلم ولا يبالي ولو أن السيوف جواب، ولا يندم ولو أن السكوت صواب.
أحد أصحاب أبي يوسف. أخذ الفقه عنه خاصةً، وروى عنه كتبه وأماليه، قال بشر: كنا نكون عند سفيان بن عيينة فإذا وردت عليه مسألة مشكلة يقول: ههنا أحد أصحاب أبي حنيفة، فيقال بشر، فيقول: أجب فيها، فأجيب فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين.
وكان بشر جميل المذهب، حسن الطريقة، صالحًا دينًا، عابدًا، عالمًا، واسع الفقه، حسنًا في باب الحكم، وحمل الناس عنه من الفقه والمسائل والنوادر، بما لا يمكن جمعها كثرة، وكان من المتقدمين عند أبي يوسف، وكان متحاملًا على محمد بن الحسن، منحرفًا عنه، وكان الحسن بن أبي مالك ينهاه عن ذلك، وسمع الحديث من مالك بن أنس وطائفة من الأعيان.
قال أبو بكر الخطيب (٢): ولي بشر القضاء بمعسكر المهدي من جانب بغداد
стр. 1753
الشرقي في سنة ثمان ومائتين، فأقام على ولايته سنتين ثم عزل، وولي قضاء مدينة المنصور سنة عشر، فلم يزل يتولاه إلى أن صرف سنة ثلاث عشرة ومائتين.
وقال عبد الباقي بن قانع عن بعض شيوخه: إن يحيى بن أكثم كان قد غلب على المأمون حتى كان عنده أكبر من ولده، فشكا بشر بن الوليد إلى المأمون وقال: إنه لا ينفذ قضائي، فأقعده المأمون معه على سريره، ودعا بشر بن الوليد، فقال له: ما ليحيى يشكوك ويقول إنك لا تنفذ أحكامه؟ فقال: يا امير المؤمنين سألت عنه بخراسان فلم يحمد في بلده، ولا في جواره، فصاح به المأمون، وقال: اخرج، فخرج بشر، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين قد سمعت فاصرفه، فقال: ويحك هذا لم يراقبني فيك كيف أصرفه؟ فلم يفعل.
وقال أحمد بن عطية: كان بشر يصلي كل يوم مائتي ركعة، وكان يصليها بعدما فلج وشاخ.
وولي بشر القضاء ببغداد في الجانبين جميعًا فسعى به رجل وقال: إنه لا يقول القرآن مخلوق، فأمر به أبو إسحاق المعتصم أن يجلس في منزله، فجلس ووكل ببابه، ونهى أن يفتي أحدًا بشيء، فلما ولي المتوكل الخلافة، أمر بإطلاقه، وأن يفتي الناس، ويحدثهم، فبقي حتى كبرت سنة.
ومات ببغداد سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ومنهم:
[١٩] محمد بن شجاع الثلجي البغدادي، أبو عبد الله (١)
أحد الفقهاء الأعلام في وقته بالعراق، برز على نظرائه، وأحرز الفضل كله
стр. 1754
برأيه، وكان خلفًا من أبي حنيفة وصاحبيه، وبدلًا منهم لمن نظر إليه، ضاهي أشعة الشموس نوؤه الثلجي، وصدع ضوؤه حندس السحاب الدجوجي، وأعاد الزمان كله يومًا أبيض، والنهار نهرًا به وَضَرُ الظلام يدحض، والدهر لسانًا بالنصيحة يمحض، والسحاب وطابًا إذا تطاير نوؤه الثلجي يمحض.
مولده في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وتفقه على الحسن بن زياد اللؤلؤي، وتفقه عليه أبو الحسن القمي، وصنف التصانيف المعتمدة وحكيت أقواله في الكتب، وكان فقيهًا ورعًا ثابتًا على رأيه، وهو الذي فتق فقه أبي حنيفة واحتج له، وأظهر علله، وقواه بالحديث، وجلاه في الصدر، وكان يرى رأي أهل العدل والتوحيد.
وقال محمد بن شجاع: قال لي إسحاق بن إبراهيم المصعبي: دعاني أمير المؤمنين، فقال: اخترلي رجلًا قد كتب الحديث وتفقه به مع الرأي، وليكن مديد القامة، جميل الخلقة، خراساني الأصل، ممن في دولتنا حتى أقلده القضاء، فقلت: لا أعرف رجلًا هذه صفته غير محمد بن شجاع، وأنا أفاوضه في ذلك، قال: فافعل ثم صر به إليَّ، فدونك يا أبا عبد الله، فقلت: أيها الأمير لست إلى ذلك محتاجًا، وإنما يصلح القضاء لأحد ثلاثة: لمن يكتسب مالًا أو جاهًا أو ذكرًا، فأما أنا فمالي وافر، وأنا غني، وأن الأمير ليوجه إلي بالمال لأفرقه، ولو احتجت إلى شيء منه لأخذته، وأما الذكر، فقد سبق لي عند من يقصدنا من أهل العلم والفقه لما فيه كفاية.
وقيل: إن المتوكل هم بتوليته القضاء، فقيل له: إنه من أصحاب بشر المريسي فامتنع عن توليته.
قال الصيمري: محمد بن شجاع هو المقدم في الفقه والحديث وقراءة القرآن مع ورع وعبادة.
وقال محمد بن شجاع: ادفنوني في هذا البيت؛ فإنه لم يبق فيه طابق إلا ختمت عليه القرآن.
وتوفي فجأة سادس ذي الحجة سنة ست وستين ومائتين، وهو في صلاة العصر ساجدًا وقيل: سنة سبع.
стр. 1755
[٢٠] محمد بن زُرزُور، أبو عبد الله الفقيه الفارسي (١)
أي رجل غلب عليه بلهه، وجلب لها السوء ولهه على فضل خزنه في حافظته، وحصله بمحافظته، مع إطلاع على الوقائع واضطلاع بحسن حفظ الودائع، إلى إقدام يساور به الأسد، ويصابر الخصم الألد لو عارض السيل المنحدر لرده، أو السيف المصلت لفل حده، وكان لو أتته أطراف الرماح لتلقاها، أو نصال السهام لما توقاها حتى رمي بالجنون، وقلب له ظهر المجون، وفعل عندنا بعاقل ما يفعل بمجنون.
كان بارعًا في الحفظ والعلم، يضرب بحفظه المثل، قال يومًا: إني أحفظ القرآن من أوله إلى آخره، وأحفظ «تفسير ابن سلام» كما أحفظ القرآن، وأحفظ فقه أبي حنيفة كما أحفظ التفسير، وأحفظ الموطأ وفقه مالك كما أحفظ فقه أبي حنيفة، وأحفظ بعد ذلك كثيرًا من دواوين العرب وأشعارها.
وكان ورعًا زاهدًا، وكان يحفظ مناظرات الفقهاء، فيكرهون حضوره لكثرة محفوظه، فحضر يومًا جنازة وحضرها أبو المنهال، وكان عظيم الجاه، رفيع الذكر، فسأله عن مسألة فأخطأ ثم ثانية، ثم ثالثة، فقام ابن زرزور قائمًا وصف قدميه، ثم كبر وصلى عليه كما يصلى على الموتى وقال: أنت أولى بأن يصلى عليك من هذا الميت. وقيل: إنه فعل مثل ذلك بالقاضي ابن عمران، فلما تغير عقله وجد إليه سبيلًا، فحجر عليه، ثم بعث إليه يومًا يخيره في تزويج امراة، أو شراء جارية، وفي أشياء من أسبابه، فقال للرسول يكون جوابي مشافهة، فأتاه فقال له: أتاني يخبرني في كذا وكذا، قال: نعم، فما تشاء؟ قال:
أفأتكلم ولي الأمان؟ قال: نعم.
قال: إن كنت خيرتني وأنا عندك سفيه فقد أخطأت إذ خيرتني، وإن كنت عندك رشيدًا، فقد أخطأت في حجرك علي.
ثم قال: الله أكبر أربع مرات كما يصلى على الجنازة، وانصرف، فأطرق القاضي سليمان، ولم يتكلم.
وقيل لابن زرزور وهو في النزع: يا أبا عبد الله كيف حالك؟ فبكى وقال:
стр. 1756
حدثني البهلول بن عبيدة أن الله عمر نوحًا مائتي سنة وخمسين سنة قبل إرساله، ثم أرسله فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمرًا، وأكثرهم عملًا، كيف وجدت الدنيا؟ قال: كبيت له بابان دخلت من باب، وخرجت من الآخر.
وتوفي محمد بن زرزور يوم الاثنين لتسع مضين من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين ومائتين.
ومنهم:
[٢١] عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو خازم القاضي (١)
وكان أنقد في حكمه من الصيارف وأشهر في علمه من المعارف، برأي يفرق بين الماء واللبن، ويتصرف بين الحق والظنن، لو لبس عليه الليل لكشطه، أو دلس عليه الغمام لأسقطه، مع وقوف مع الحق لا يتعداه، وتفطن لو ضل معه النهار لهداه. أنفذ من الرمح إذا صمم، وأقضى من السيف إذا تذمم، لو رفع إليه الدهر لما هاب أن يقضى عليه، أو النجم لسدد سهمه إليه، وكان الخليفة وهو مثل المعتضد، وذلك البأس المتقد طوعًا لقضائه الفصل، ومضائه الذي وقع دونه طائر النصل، فكيف من دون ذلك الطود المشمخر، والرواق المسبطر.
وكان قد أعطي مزيد حظ من حسن النظر في الحساب والفرائض التي لا تخطئ الأنساب، وجمع من الشروط ما أقرت له الكتاب، وبقي زينة لكل كتاب، أخذ الفقه عن هلال بن يحيى الرازي وغيره، وتفقه عليه أبو طاهر الدباس، وأبو جعفر الطحاوي لما رحل إلى دمشق، وروى الحديث عن محمد بن بشار، وشعيب بن أيوب وغيره.
стр. 1757
وولي قضاء الشام وقضاء الكوفة، واستقضاه المعتضد على قضاء الشرقية. وكان رجلًا، دينًا ورعًا، عالمًا بمذهب أبي حنيفة وأصحابه، عالمًا بالفرائض والحساب والذرع والقسمة، حسن العلم بالجبر والمقابلة، وحساب الدور، وغامض الوصايا، والمناسخات، قدوة في العلم بصناعة الحكم، ومباشرة الخصوم، وأحذق الناس بعمل المحاضر والسجلات والإقرارات، وأما عقله فلا يعلم أن أحدًا رآه، وقال إنّه رأى أعقل منه.
قال وكيع القاضي: كنت أتقلد لأبي خازم القاضي أوقافًا في أيام المعتضد، وكان منها شيء في يد المعتضد، فلما بلغت السنة آخرها، حصلت مالها إلا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرفته اجتماع مال السنة، وأستأذنته في قسمته في سبله وعلى أهل الوقف، فقال: هل أخذت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ فقال:
والله لا قسمتُ الارتفاع، أو تأخذ ما عليه، ثم قال: امض إليه وطالبه، فدخلت على الخليفة، وقلت: إن القاضي أبا خازم امتنع من تفريق مال الوقف حتى يؤخذ ما على أمير المؤمنين. قال: فسكت ساعة، ثم قال: أصاب عبد الحميد، ثم أمر بإحضار المال ودفع إلي أربعمائة دينار، فقبضتها وانصرفت إلى أبي خازم، فقال لي: اجمع ما اجتمع للوقف عندك، وفرقه في غدٍ في سبله، قال: ففعلت ذلك، فكثر شكر الناس من أبي خازم بإقدامه على الخليفة بمثل ذلك، وشكرهم للمعتضد في إنصافه.
وقال أبو طاهر محمد الهذلي: كان أبو حازم جالسًا للقضاء فارتفع إليه خصمان، فاجترأ أحدهما، بحضرته إلى ما أوجب عليه التأديب، فأمر بتأديبه فأدب، فمات في الحال، فكتب إلى المعتضد: اعلم أمير المؤمنين أطال الله بقاءه. أن خصمين حضراني، فاجترأ أحدهما، فأمرت بتأديبه فمات، وإذا كان المراد بتأديبه مصلحة المسلمين، فمات في الأدب، فالدية واجبة في بيت مال المسلمين، فأمير المؤمنين يأمر بحمل الدية؛ لأحملها إلى ورثته. قال: فعاد الجواب إليه بإنفاذ الأمر، وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر القاضي ورثة المتوفى، ودفعها إليهم.
وقال مكرم بن بكر: كنت في مجلس القاضي أبي خازم، فارتفع إليه شيخ وصبي، فادعى الشيخ على الصبي بألف دينار، فأقر الصبي فطلب الشيخ حبسه، فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقده البعض وتسأله إنظارك، فقال: لا، فطلب الشيخ حبسه، قال: فتفرس القاضي أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر، قال: فقلت: لم أخر القاضي حبسه؟ فقال:
стр. 1758
ويحك إني أعرف في وجه الخصوم وجه المحق من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لي أن سماحة هذا الغلام بالإقرار هي عن بلية وأمر يبعد من الحق، وليس في تلازمها بطلان حق، ولعلّه ينكشف من أمرهما ما أكون على وثيقة مما أحكم به بينهما، أما رأيت قلة مناظرتهما واختلافهما، وسكون طباعهما مع عظم المال؟ وما جرت العادة بالإقرار عجلًا بمثل هذا المال. قال: فبينا نحن كذلك إذ دخل على القاضي رجل موسر، فقال: قد بليت بابن لي يتلف كل ما يظفر به من مالي، وإن منعته المال يحتال بحيلة اضطر إلى التزام غرم له، وقد بلغني أنه تقدم إلى القاضي وأقر بألف دينار، فلما سمعت بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر. فيداويه بما يشكر، فلما سمع القاضي كلامه تبسم، وقال لي: كيف رأيت؟ فقلت له: لهذا ولمثله فضل الله القاضي، ثم أمر القاضي بإحضارهما، فأرهب الشيخ ووعظ الغلام، فأقر الشيخ بأن الأمر كذلك، وأنه لا شيء له على الصبي، فأخذ الرجل بيد ابنه وانصرفوا.
ومات أبو خازم في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
ومنهم:
[٢٢] أحمد بن الحسين، أبو سعيد البرذعي (١)
أحد الفقهاء الكبار، وأصحاب التحقيق والإكثار، وكان أي سيف يُسل، وعلم عليه لا يستدل، قطع بجدله كل حجة. وقرع هام الطوائف المحتجة، سرت منه دار السلام بمسلم إلا أنه ورع، ومسلم إليه في البحث لا يدفع، ثم أقام بمكة المعظمة إذ شارف أجله، وسكن بها على ظاهر قبره ثم نزله، قتل شهيدًا في فتنة القرامطة، وطار رأسه في تلك الجثث الساقطة، فلزم ذلك المثوى، إلى أن قدم على جنة المأوى.
تفقه على أبي علي الدقاق، وموسى بن نصر، وتفقه عليه أبو الحسن الكرخي،
стр. 1759
وأبو طاهر الدباس وغيرهما، وكان إماما، فقيهًا، مناظرًا، بارعًا، من فحول المناظرين.
ورد بغداد حاجًا، فدخل الحاج فوقف على داود بن علي الظاهري، وكان يكلم رجلًا من أصحاب أبي حنيفة، وقد ضعف في يده الحنفي فجلس، فسأله عن بيع أمهات الأولاد، فقال: يجوز فقال له: لم قلت؟ قال: لأنا أجمعنا على جواز بيعهن قبل العلوق فلا يزول عن هذا الإجماع إلا بإجماع مثله، فقال له: أجمعنا بعد العلوق قبل الوضع على أنه لا يجوز بيعها، فيجب أن نتمسك بهذا الإجماع، ولا يزول عنه إلا بإجماع مثله، فانقطع داود وقال: ننظر في هذا.
وقام أبو سعيد وعزم على القعود ببغداد والتدريس لما رأى من غلبة أصحاب الظاهر، فلما كان بعد مديدة رأى في المنام كأن قائلًا يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) فانتبه بدق الباب، فإذا قائل يقول له: مات داود الظاهري فإن أردت أن تصلي عليه فاحضر.
وأقام أبو سعيد ببغداد يدرس، ثم خرج إلى الحج، فاستشهد في عشر ذي الحجة في وقعة القرامطة لعنهم الله بمكة سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
ومنهم:
[٢٣] أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان، أبو جعفر التنوخي، الأنباري (٢) القاضي الحنفي النحوي
حرص على العلم حتى وجده، ورحل إليه العيس حتى ورده، وأعمل إليه اليعملات على وجاها، وخبط إليه الظلماء يشق قمره دجاها، لا يهوله برد ولا حر، ولا بحر ولا بر يركب نوازله وسفنه وينزل بواديه ومدنه، لفائدة يقتبسها،
стр. 1760
وزائدة عما لديه يلتمسها، بحرص يتوقد شرارًا، ويتفقد برق الفطنة لا يتوارى، مع حظ من أدب ما نهنه في مذهبه، ولا بخل بإنفاق ذهبه. كل هذا مع قيام بالحق وإن شق، وعمل بما يجب وإن حجب، وتصميم على الحق ولو غضب.
مولده بالأنبار في المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين. كان ثبتًا في الحديث. ثقة، مأمونًا، جيد الضبط لما حدث فيه، متقنًا لعلوم شتى، فقيهًا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما في مسيلات يسيرة، تام العلم باللغة، حسن القيام بالنحو على مذهب الكوفيين، والتتبع لحفظ الشعر القديم والحديث، والأخبار الطوال، والسير، والتفسير، وكان شاعرًا كثير الشعر مجيده، خطيبًا حسن الخطابة والتفوه بالكلام، لسنًا، صالح الحظ من الترسل في المكاتبة، والبلاغة في المخاطبة، ورعًا متخشنًا في الحكم.
تقلد القضاء بالأنبار، وهيت، وطريق الفرات من قبل الموفق الناصر، سنة ست وسبعين ومائتين، ثم قلده الناصر دفعةً أخرى، ثم قلده المعتضد، ثم تقلد بعض كور الجبل للمكتفي سنة اثنتين وتسعين، ولم يخرج إليها، ثم قلده المقتدر سنة ست وتسعين بعد فتنة المعتز القضاء بمدينة المنصور من مدينة السلام، وطسوجي قطربل ومسكن والأنبار، وهيت، وطريق الفرات، ثم أضاف له إلى ذلك بعد سنتين القضاء بكور الأهواز مجموعة لما مات قاضيها، فما زال على الأعمال إلى أن صرف عنها سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
وحكى الخطيب في تاريخ بغداد (١) عن القاضي أبي طالب محمد ابن القاضي أبي جعفر بن البهلول قال: كنت مع أبي في جنازة، فجاء أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فجلس إلى جانبه، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسليه، وينشده أشعارًا، ويروي له أخبارًا، فداخله محمد بن جرير الطبري في ذلك، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من العلم والأدب، فلما افترقنا قال لي أبي: يا بُني هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة، من هو؟ فقلت: هذا أبو جعفر الطبري، فقال: ما أحسنت عشرتي يا بني، فقلت: كيف؟ قال: ألا قلت لي في الحال، فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة؟ هذا رجلٌ مشهور بالحفظ، والاتساع في صنوف من العلم، وما ذاكرته بحسبها. قال: ومضت على هذا مدة. فحضرنا في جنازة أخرى وجلسنا، فإذا بالطبري قد أقبل فقلت له: أيها القاضي هذا الطبري قد جاء مقبلًا. قال فأومأ إليه بالجلوس عنده فجلس إلى جنبه، وأخذ أبي يجاريه. فلما جاء إلى
стр. 1761
قصيدة ذكر الطبري منها أبياتًا، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها، فيتلعثم الطبري، فينشدها إلى آخرها، وكلما ذكر شيئًا من السير قال أبي: كان هذا في قصة بني فلان، ويوم بني فلان مر يا أبا جعفر، فربما مر، وربما تلعثم، فيمر أبي في جميعه. قال: فما سكت أبي يومه ذلك إلى أن بان للحاضرين تقصير الطبري، ثم قمنا فقال أبي: الآن شفيت صدري.
وقال ابن الجوزي في المنتظم (١): طلبت أم المقتدر من القاضي أبي جعفر كتاب وقف ضيعة كانت ابتاعتها، وكان الكتاب في ديوان القضاء، وأرادت أخذه لتحرقه وتبطل الوقف، ولم يعلم أحد بذلك، فقيل لها: قد أحضر القاضي الكتاب، قالت: نريد أن يكون عندنا، فأحس القاضي الأمر، فقال: لا طريق إلى هذا أبدًا، أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم، فإن مكنتموني من خزنه، وإلا فاصرفوني وتسلموا الديوان دفعةً واحدةً إليكم، واعملوا فيه ما شئتم، وأما أن تفعل شيئًا من هذا على يدي، فوالله لا كان ذلك أبدًا، ولو عرضت على السيف، ونهض القاضي والكتاب معه، فشكت أم الخليفة ذلك إلى ولدها المقتدر، فكلمه مشافهة في ذلك، فكشف له الصورة، وقال مثل ذلك القول والاستعفاء، فقال له المقتدر: مثلك من قلّد القضاء. أقم على ما أنت عليه بارك الله فيك، ولا تخف ينثلم محلك عندنا، ثم قال المقتدر لوالدته: الأحكام ما لا طريق إلى اللعب فيها، والقاضي أحمد مأمون علينا، محب لدولتنا. ولو كان هذا يجوز لما منعك إياه، فقالت: كأن هذا لا يجوز؟ فقيل لها: لا هذه حيلة من أرباب الوقف على بيعه، وإن الشراء لا يصح، وتحريق كتاب الوقف لا يحل، فارتجعت المال، وفسخت الشراء، وعادت إلى شكر القاضي، وانقلب ذلك الأمر جميلًا عندهم، فقال القاضي: من قدم أمر الله على المخلوقين كفاه الله شرهم.
ومات في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة. ومنهم:
[٢٤] محمد بن محمد، أبو منصور الماتريدي (٢)
أحد أعلام الدين ومشايخ المسلمين، إمام كل العالم بعلمه يقتدون، وبنهجه
стр. 1762
يهتدون، لوهب ريحه على أبي حنيفة، لتطيب به من زفر، وأيقن أن فوق اللؤلؤي من هو أدرى بالدرر، ولما أسي لأبي يوسف إذا انتضت عنه من الحزن، وذهب سواد البصر، ولا أمهل أصحابه لغائب ولو كان محمد بن الحسن المنتظر، ولا بالي بالبلخي إن غاب أو حضر، ولا بابن أبي ليلى، وإن عكفت منه الطير على لحم كريم، ولا بالطائي، وإن رفعت ناره في دجى الليل البهيم، ولكان سابع الستة الذين لا تثبت إلا بإجماعهم المسائل، وثالث الصاحبين ولا رابع لهم في تنوع الفضائل.
كان أحد أئمة الدنيا فقهًا، وعلمًا، وورعًا، وفضلًا، وديانة، وخيرًا مقبولًا عند الموافق والمخالف، مجمعًا على أنه عديم النظير، وسيف السنة وقامع أهل الزيغ والبدعة، صنف الكتب، وفرع على السنن وذب عن حريمها، وقمع مخالفيها، ووصفه سيف الحق، فقال: أبو منصور الماتريدي الذي غاص في بحر العلوم، فاستخرج دررها، وأتى بحجج الدين، فزين بفصاحته، وغزارة علومه غررها. وقال غيره: كان المعتزلة يلقبون أهل السنة به، وينسبون سالكي طريقة أبي حنيفة في العقائد والأصول إليه. فيقولون: هؤلاء الماتريدية لشدة ما يغيظهم شأنه وقوة انتصاره لمذهب أهل السنة والجماعة بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، وله المصنفات الجليلة في الأصول، والرد على أهل الزيغ ومات بعد الأشعري بقليل، وكانت وفاة الأشعري سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٢٥] محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله السلمي أبو الفضل الوزير المروزي (١)
قاضي بخارى المعروف بالحاكم الشهيد حصل من العلم على جانب موفور، وحظ به التعب مغفور، وأدرك رجالًا من أهل الحديث الشريف كانت تشد إليهم الرحال، وتسمو إليهم الركائب حالًا على حال، فسمع منهم ما هو السرور لمستمع، والسور الذي لا يباح المبتدع، فلقي أفرادًا، ولقن منهم مثنى وفرادى، وكان لو أمسك النجم بيده لم يقنع، ولو بلغ الغاية لا يرضى بما يصنع فجد بقريحة تلتهب، وفكرة صحيحة تنتهب، وعاش سعيدًا، ومات شهيدًا لا يخاف وعيدًا.
стр. 1763
قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم في تاريخ نيسابور: ما رأيت في جملة من كتبت عنهم من أصحاب أبي حنيفة أحفظ للحديث، وأهدى إلى رسومه، وأفهم له منه.
ولما قلد قضاء بخارى كان يختلف إلى الأمير الحميد فيدرسه الفقه، فلما صارت الولاية إليه، قلده أزمة الأمور كلها، وكان يمتنع عن اسم الوزارة، فلم يزل به إلى أن تقلدها، ولما ورد السلطان نيسابور سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ورد بوروده الحاكم، وعقد له مجلس النظر، ثم التمسوا منه مجلسًا للإملاء فأجابهم إلى ذلك، ولم يبق بنيسابور أحد من مشايخ الفريقين حتى حضر ذلك المجلس.
قال الحاكم: وسمعت أبا العباس المعراني يقول: ما رأيت في صدور الإسلام أحدًا أميل إلى كتبة الحديث من الحاكم أبي الفضل. كان يقدمهم على كافة أهل العلم، ويأنس بهم ويتحرى مسرتهم، ولا يقصر في برهم، وكان يصوم الاثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل في السفر والحضر، ولا يدع التصنيف في السفر والحضر، كان يقعد والكتب بين يديه وهو وزير السلطان، فيأذن لمن لا يجد بدًا من الإذن له، ثم يشتغل بالتصنيف.
قال الحاكم: سمعت أبا العباس المصري - وكان من الملازمين لبابه - يقول: دعا الحاكم أبو الفضل بالبوابين وقال: قد ذكرت لكم غير مرة أن لا تحجبوا عني أحدًا من أهل العلم، واحجبوا الفرسان وأصحاب الأموال، وأنتم لأطماعكم الكاذبة تأذنون للأغنياء وتحجبون الفقراء لرثاثتهم، فلئن عدتم نكلت بكم.
وكان الحاكم لم يزل يدعو في صلاته وأعقابها دعوات ثم يقول: اللهم ارزقني الشهادة، إلى أن سمع عشية الليلة التي قتل من غدها جلبة، فقال: ما هذا، فقالوا: غارة العسكر قد اجتمعوا يلزمون الحاكم الذنب في تأخير الأرزاق عنهم، فقال: اللهم غفرًا، ثم دعا بالحلاق فحلق رأسه، وأسخن له الماء، ونظف نفسه، ولبس الكفن ولم يزل طول ليلته يصلي فكبسوه، فقتلوه وهو ساجد وقد صلى الصبح، والكتب بين يديه، وذلك في شهر ربيع الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٢٦] عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم، أبو الحسن الكرخي (١)
المصنف على مذهب أبي حنيفة والمصرف في النكت اللطيفة، اقتنى جوهر
стр. 1764
العلم النفيس، وجلس في صدر التدريس، فأصبحت سوابح السيول تجري به، وصفائح السيوف دون تجربته، وما زال على هذا حتى قعدت به الزمانة، وقيدت تحته مكانه، فرنق كأس المرض آخر عمره، وكان هذا آخر أمره.
مولده سنة ستين ومائتين.
تفقه على أبي سعيد البردعي، ولقي أبا حازم القاضي، وحضر مجلسه، وسكن بغداد، ودرس بها فقه أبي حنيفة حتى اشتهر ذكره في الآفاق، وبرع له غلمان حذاق، وخرج منهم علماء ومدرسون وقضاة، وكان مع غزارة علمه وكثرة رواياته، عظيم العبادة، كثير الصوم والصلاة، صبورًا على الفقر والحاجة، منقبضًا عن الدولة، مقبلًا على نشر العلم وبثه متقشفًا، وله في المذهب قدم راسخ.
قال الصيمري: صار التدريس ببغداد بعد أبي خازم، وأبي سعيد البرذعي إلى أبي الحسن الكرخي، وإليه انتهت رياسة أصحاب أبي حنيفة، وانتشر أصحابه في البلاد.
قال الصيمري: لما أصاب أبا الحسن الكرخي الفالج في آخر عمره، حضرته وحضر أصحابه: أبو بكر الدامغاني، وأبو علي الشاشي، وأبو عبد الله البصري، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج وهو مقل، ولا يجب أن نبذله للناس، فيجب أن نكتب إلى سيف الدولة بن حمدان، ونطلب منه ما ينفقه عليه، ففعلوا ذلك، فلما أحس الشيخ بما هم فيه، سألهم عن ذلك، فأخبروه، فبكى، وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني. قال: فمات قبل أن يحمل سيف الدولة شيئًا، ثم ورد كتاب سيف الدولة ومعه عشرة آلاف درهم، ووعد أن يمد بأمثالها، فتصدق بها.
وقال أبو عبد الله الحسين بن علي بن سلمة: أنشدت أبا الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي: [من البسيط]
ما إن ذكرتك في قومٍ أُحدثهم … إلا وجدتُ فُورًا بين أحشائي
стр. 1765
فأنشدني أبو الحسن لنفسه يريد تضمين هذا البيت: [من البسيط]
كم لوعة في الحشا أبقت بهِ سَقَمًا … خوفًا لهجرك أو خوفًا من النائي
لا تهجرني فإني لستُ ذا جَلَدٍ … ولا اصطبار على هجر الأخلاء
الله يعلم ما حُمِّلتُ مِنَ سَقَم … وما تَضَمِّنتُه مِنْ شدةِ الدَّاءِ
لو أن أعضاءَ صَب خاطبت بشرًا … لخاطبتكِ بوجدي كل أعضائي
فارْعَى حقوق فتى لا يبتغى شَطَطًا … إلا السلام بإيحاء وإيماء
هذا على وزن بيت كنتُ منشده عار إذا كانَ مِنْ لحن وإقْوَاءِ
ما إن ذكرتُكِ في قوم أحدثهم … إلا وجدتُ فُورًا بين أحشائي
ولا هَمَمْتُ بشُرب الماءِ مِنْ عَطَشِ … إلا وجدتُ خيالًا منكِ في الماء
وقال أبو القاسم علي بن المُحسّن التنوخي الحنفي عن أبيه عن جده، قال: خرج إلينا أبو الحسن الكرخي يومًا فقال: تعرفون ببغداد رجلًا يقال له ابن أصدق، قال فقلت: أعرفه.
فقلل: أي شيء يعمل؟ فقلت: ينوح على الحسين بن علي.
قال: فبكى أبو الحسن الكرخي، وقال: عندي عجوز هي من صوالح النساء، تكثر من الصوم والتهجد، فانتبهت في جوف الليل فصاحت: أبا الحسن.
قلت: ما لك؟
قالت: الحقني، فجئتها فوجدتها ترعد، فقلت: ما أصابك؟
قالت: رأيت في النوم كأنني في درب من دروب الكرخ فيه حجرة مبيضة مفتوحة الباب، وعليه نساء وقوف، فقلت لهن: ما الخبر؟
فأشار إلى داخل الدار، وإذا امرأة شابة حسناء بارعة الجمال عليها ثياب بياض مروية وفي حجرها رأس يشخب دمًا، ففزعت. فقالت: لا عليك أنا فاطمة بنت رسول الله وهذا رأس الحسين، فقولي لابن أصدق حتى ينوح: [من مجزوء الرمل]
لم أمرضْهُ فأَسلُو … لا ولا كان مريضا
وانتبهت مذعورة، ثم قال أبو القاسم بن المحسن التنوخي: قال أبو الحسن الكرخي لجدي: قد حملت هذه الأمانة في أداء هذه الرسالة، فقال جدي: سمعًا وطاعة لأمر سيدة النساء رضوان الله عليها، فخرجت إلى ابن أصدق، وقلت له: إن فاطمة تأمرك أن تنوح بالقصيدة التي فيها: لم امرضه فأسلو، فانزعج من ذلك،
стр. 1766
وقصصت عليه وعلى من كان عنده، فاكثروا البكاء، وناح بذلك طول ليلته.
وتوفي أبو الحسن الكرخي لعشر خلون من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة، وقيل: للنصف من شعبان.
ومنهم:
[٢٧] أحمد بن عمرو الشيباني، الإمام، أبو بكر الخصاف (١)
فقيه لبيب صالح، وأديب للفضائل ماتح، ومهيب لا تستثبته العيون اللوامح، وقليب أبيحت لدلو ماتح، اختصه المهتدي بالتقريب وأحله منه المكان القريب، وكان جليسه الذي لا يفارق، وأنيسه الذي لا يأسى بعده المفارق، إذ كان كلاهما من المهتدين، وكل منهما مذكرًا للآخر بالدين، ثم بسببه أصيب، وأخذ ماله، ولم يكن له مما له نصيب.
كان فاضلًا، فارضًا حاسبًا، عارفًا بمذاهب أصحابه، مقدمًا عند المهتدي بالله، وصنف له كتابه في الخراج فلما قتل المهتدي نُهب الخصاف، وذهبت بعض كتبه من جملتها كتاب عمله في المناسك لم يكن خرج إلى الناس، وكان زاهدًا يأكل من كسب يمينه.
وقال بعض مشايخ بلخ: دخلت بغداد وإذا على الجسر رجل ينادي ثلاثة أيام يقول: ألا إن القاضي أحمد بن عمرو استفتي في مسألة كذا، فأجاب بكذا وكذا وهو خطأ، والجواب كذا وكذا رحم الله تعالى من بلغها صاحبها.
توفي ببغداد سنة إحدى وستين ومائتين، وعدّ [ابن] النديم مصنفاته أربعة عشر مصنفًا منها «الحيل» مجلدين، ومنها كتاب «القصر وأحكامه».
ومنهم:
[٢٨] أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو الحسن النيسابوري، الحنفي (٢)
قاضي الحرمين، وشيخ أصحاب أبي حنيفة بلا مدافعة، ومحيي آثاره النافعة،
стр. 1767
جدد رسومه الدائرة، وشيد علومها المتكاثرة، قضى بالحرمين الشريفين قضاء كانت تقص الركبان خبره، وتنشر حبره، دام على هذا حينًا من الدهر، كان شيئًا مذكورًا وسببًا مشكورًا، ثم آب به حب الوطن إلى نيسابور، ونفق والرجال تبور.
تفقه على أبي الحسن الكرخي، وأبي طاهر الدباس، وبرع في المذهب، وتفقه به فقهاء نيسابور من أصحاب أبي حنيفة.
قال أبو بكر الأبهري المالكي شيخ الفقهاء ببغداد بلا مدافعة: ما قدم علينا من الخراسانيين أفقه من أبي الحسين النيسابوري.
وقال الحاكم: سمعت أبا الحسين يقول: حضرت مجلس النظر لعلي بن عيسى الوزير، فقامت امرأة تتظلم من صاحب التركات، فقال: تعودين إليَّ غدًا، وكان يوم مجلسه للنظر، فلما اجتمع فقهاء الفريقين، قال لنا: تكلموا اليوم في مسألة توريث ذوي الأرحام.
قال: فتكلمت فيها مع بعض فقهاء الشافعية.
فقال الوزير: صنف هذه المسألة، وبكّر بها غدًا إليَّ، ففعلت وبكرت بها إليه، فأخذ مني الجزء وانصرفت، فلما كان ضحوة النهار طلبني الوزير إلى حضرته، فقال لي: يا أبا الحسين قد عرضت تلك المسألة بحضرة أمير المؤمنين وتأملها، فقال: لولا أن لأبي الحسين عندنا حرمات لقلدته أحد الجانبين، ولكن ليس في أعمالنا أجل عندي من الحرمين، وقد قلدته الحرمين، فقلت للوزير: بعد أن رضي أمير المؤمنين المسألة وتأملها، وجب على الوزير أن ينجز أمره العالي بأن يرد السهم إلى ذوي الأرحام، فأجاب إليه وفعله، وانصرفت من حضرة الوزير، ووصل العهد إلي.
وكانت مدة إقامته بالحرمين قاضيًا بضع عشرة سنة، ثم انصرف إلى نيسابور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ثم ولي القضاء بها سنة خمس وأربعين.
وتوفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.
ومنهم:
стр. 1768
[٢٩] محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، أبو جعفر، الهنداوني، البلخي (١)
أحد الفقهاء الكبار المشاهير، فقيه لا تعييه حجة، ولا تغويه محجة، أحيا مذهب إمامه حتى أطلق عليه اسمه، وأطلع على ما اطلع عليه فهمه. ضرب للطلب أكباد الإبل وأعملها، وأخذ أوقار العلم وحملها، وأشرق به عصره، فدقت ذهبيته، وظهرت بالطيب تحت ذيل النسيم خبيئته.
تفقه على الاستاذ أبي بكر الأعمش، وكان إمامًا، فاضلًا، عارفًا جليلًا، تفقه على مذهب أبي حنيفة حتى كان يقال له من كماله في الفقه: أبو حنيفة الصغير، وأفتى بالمشكلات، وشرح المعضلات، ورحل من بلخ إلى بخارى، فوجد بها الميداني، ومحمد بن الفضل البخاري، فاجتمعوا في بيت محمد بن الفضل في يوم جمعة، وكان يومًا مطيرًا.
فقال أبو جعفر: أنا مسافر، ولا جمعة على مسافر، وقال الميداني: أنا أعمى ولا جمعة على أعمى. قال محمد بن الفضل: قد ورد إذا ابتلت النعال فصلوا في الرحال، وهذا شامل للكل، وكان غرضهم عدم التفرق.
فلما عاد أبو جعفر الهندواني إلى بلخ سئل عن أهل بخارى، فقال: رأيت فقيهًا ونصف فقيه، فقيل له: من الفقيه؟ فقال: الميداني، ونصف الفقيه: محمد بن الفضل، فقيل له: ولم؟ قال: لأن محمد بن الفضل لا يعرف الحسبانيات، وأما الميداني فإنه اتقن هذا الفن، وقيل: إن محمد بن الفضل [اشتغل] بالحسبانيات، وصار قدوة.
ومات في ذي الحجة سنة إثنين وستين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٣٠] أحمد بن علي، أبو بكر الرازي، الجصاص (٢)
صاحب التصانيف، خُطب للقضاء فما نظر إليه بطرف مقلته، ولا التفت إليه
стр. 1769
استحقارًا له لقلته لحق عرف يقينه، وألف منه عوائد يقينه، وأنف لجواده السابق أن يقاد بأرسانه، ولطوده الشاهق أن يلبس عليه جناح طيلسانه، فما اغتر بالقضاء وتحسينه، ولا سلم إليه نحره ليذبحه بسكينه.
سكن بغداد وكان وردها في شبيبته، وعنه أخذ فقهاؤها، وإليه انتهت رياسة الأصحاب بها، تفقه على الكرخي، وصنف المصنفات التي أدرك بها من سبقه، وأعيى من رام أن يلحقه، وكلامه فيها يدل على تفقهه، وسيلان ذهنه، وكان حافظًا للفقه، مستنبطًا للأحكام من الكتاب والسنة، مشهورًا بالزهد، ورحل إليه المتفقهة. وخوطب في أن يلي قضاء القضاة فامتنع، وأعيد عليه الخطاب فلم يفعل.
قال أبو بكر الأبهري: خاطبني المطيع على قضاء القضاة، وكان السفير في ذلك أبو الحسن بن عمرو، فأبيت عليه، وأشرت بأبي بكر الرازي، فأحضر الخطاب، وخوطبت في المعاونة عليه، فامتنع، فخلوت به فقال لي: تشير علي بذلك، فقلت: لا أرى لك ذلك، فقيل لي: تشير علينا بإنسان ثم تشير عليه أن لا يفعل، قلت: نعم، إمامي في ذلك مالك بن أنس، أشار على أهل المدينة أن يقدموا نافعًا القارئ في مسجد رسول الله ﷺ ، وأشار على نافع أن لا يفعل، فقيل له في ذلك، فقال: أشرت عليكم بنافع لا أعرف مثله، وأشرت عليه أن لا يفعل؛ لأنه يحصل له أعداء وحساد، وكذلك أنا أشرت عليكم؛ لأني لا أعرف مثله، وأشرت عليه أن لا يفعل؛ لأنه أسلم لدينه.
توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة عن خمس وستين سنة، وصلى عليه صاحبه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي.
стр. 1770
ومنهم:
[٣١] الحسين بن علي بن محمد بن جعفر، أبو عبد الله القاضي (١)، الحنفي عرف بالصيمري (٢)
صدع جنح زمانه حتى تكشف صدفه عن منضد لؤلوه، وانجلى سدفه عن مبيض جؤجؤه. سكن بغداد من صباه معدودًا في جلتها، مردودًا فائض بحره على دجلتها، مجاورًا فيها الإمام، مجاريًا للبحر وجارًا للغمام، ثم أتى الشام ففتقه أنهارًا، وفرقه نهارًا، وملأه علمًا جمًا تعمل إليه المهاري.
كان إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، ومن أعيان المصنفين، سمع الدارقطني وجماعة، وتفقه على القاضي أبي عبد الله الدامغاني، وروى عنه هو وأبو بكر وأبو الوليد الباجي، وشرح مختصر الطحاوي في عدة مجلدات. وله مصنف في مناقب أبي حنيفة.
قال الخطيب في تاريخ بغداد (٣): أحد الفقهاء المذكورين من العراقيين، حسن العبادة، جيد النظر، سكن (بغداد) وكتبت عنه، وكان صدوقًا، وافر العقل، جميل المعاشرة، عارفًا لحقوق أهل العلم، وولي قضاء المدائن في أول أمره. ثم ولي القضاء بأخرة بربع الكرخ، ولم يزل يتقلده إلى حين وفاته.
وقال أبو القاسم بن العديم في تاريخ حلب: اجتاز بحلب أو ببعض
стр. 1771
عملها حاجًا على طريق الشام، وهو من كبار الحنفيين وأعيانهم المصنفين، وكان قاضيًا عاقلًا خبيرًا.
وتوفي ليلة الأحد حادي عشر شوال سنة ست وثلاثين وأربعمائة عن خمس وثمانين سنة.
ومنهم:
[٣٢] محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الملك الدامغاني، قاضي القضاة، أبو عبد الله (١)
رجل سودته نفسه، وسَوَّرته على منازل القمر شمسه، وسوغته الموارد شجراته وغرسه، وعلا قدره حتى ناطح رتبة الوزراء، ورمق الكواكب بالإزراء، وعقدت عليه الخلفاء خناصرها، وعدت منه حيث تبذخ ناصرها، فلهذا كانت رتبته لا تطاول، وهضبته لا تحاول، والأيام تختلف عليه، وسعادته لها تتداول.
قال الخطيب (٢): كان يذكر أنَّ مولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة بالدامغان ورد بغداد في شبيبته ودرس بها الفقه على أبي الحسين القدوري، وأبي عبد الله الصيمري، وبرع في العلم حتى ساد أهل زمانه عقلًا، ونباهة، وعلمًا، ورزانة، وله
стр. 1772
أصحاب كثيرون تفقهوا عليه، وانتشروا في البلاد، ودرسوا ببغداد، وولي قضاء القضاة ببغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وطالت أيامه، وانتشر ذكره، وكان نزهًا، عفيفًا، انتهت إليه الرئاسة في مذهب العراقيين، وكان وافر العقل، سديد الرأي، وجرت أموره في حكمه على السداد. وكان القاضي أبو يوسف قاضي الرشيد في أيامه حشمةً، وسؤددًا، وبقي في القضاء مدة ثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ولقد شهد له أبو الطيب الطبري شيخ الشافعية، وكان/ ٥٦/ يقول: أبو عبد الله الدامغاني القاضي أعرف بمذهب الشافعي من كثير من أصحابنا.
وفي ذيله: اجتمع له ما لم يجتمع لغيره في سيادته، وعلو رتبته من الحلم، والعلم، وجزالة الرأي، والاطلاع على غوامض الأحكام الشرعية. قال: وكان قد حصل العلم بجهد جهيد، وفقر حتى سمعت أنه كان يحرس في درب بالكرخ ويأكل من إجرة الحراسة على ما جرت به عادة السلف من احتمال المشقة في طلب العلم.
وقال محمد بن عبد الوهاب في طبقات الفقهاء: كان أبو عبد الله الدامغاني قد جمع الصورة البهية، والمعاني الحسنة من الدين، والعقل، والعلم، والحلم، وكرم المعاشرة للناس، والتعصب لهم. وكانت له صدقات في السر واتصاف في العلم لم يكن لغيره، وكان يورد من المداعبات في مجلسه، والحكايات المضحكة في تدريسه نظير ما يورده الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فإذا اجتمعا صار اجتماعهما نزهة.
وقال السمعاني: إمامان ما اتفق لهما الحج: أبو إسحاق الشيرازي، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني. أما أبو اسحاق فلم يقدر على الاستطاعة: الزاد والراحلة، ولكن لو أراد الحج لحملوه على الأحداق إلى مكة، وأما الدامغاني فلو أراد الحج على السندس والإستبرق كان يمكنه ذلك، ولم يحج.
وتوفي في رجب سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ودفن بداره، ثم نقل، ودفن في القبة إلى جانب أبي حنيفة.
ومنهم:
[٣٣] أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد (١)، أبو نصر، قاضي القضاة
رجل يرى النجم أحد مواطئ قدميه، وعبيد الليل وإماء النهار من خدميه، كان
стр. 1773
الرمح أقل قَلَميه، والعلم أحد علميه أذعنت الأبطال لشجاعته، وتوقته الأسود أوان احتدم مجاعته، وأمنت العلماء على مقالته، وانضمت العلماء دائرةً لهالته، وكان زعيم الجيش، ومقيم صدر المحفل إذا مال به الطيش، لولا آخرة أوقعت حظه في انتكاسه، ووصلت شعاعه بانعكاسه، وحركت من القذى آخر ما رسب في كأسه.
ذكره أبو الحسن عبد الغافر الفارسي في السياق (١) فقال: صدر المحافل المقدم، العزيز من وقت صباه في بيته وعشيرته الفائق أقرانه بوفور حشمته. ربّي في حجر الإمامة، وكان من أوجه الأحفاد عند القاضي الإمام صاعد. وأخصهم بحسن نظره، وكان في عهد الصّبا برجولية في طبعه، وميل إلى الاشتغال بالفروسية والرمي، واستعمال الاسلحة، وتعلم ما يتعلق بذلك، فرأى جده صاعد ذلك منه، فأقره عليه، وعلم أنه سيسود به عشيرته بالتفرس فنشأ على ذلك، وكان من أجمل شبان زمانه، وأكملهم آلةً، وأجمعهم لأسباب الفروسية والسياسة، حتى اضطرب الزمان وانقرضت دولة آل سبكتكين عن خراسان، وتحركت رياح آل سلجوق في حدود سنة ثلاثين وأربعمائة، ووقع القحط مع انقلاب الدولة، وظهر الغلاء والجلاء، وتتابعت المحن، وظهر اللصوص والعيارون في البلد، وكانوا يغيرون على السكك والخانات المعروفة الموسومة بالخزائن، فاحتاج البلد وأهله إلى أن يطاف بالليالي ويحرس الناس عن القتل وبالبيات، ويدفع أذى العيارين، وكان هذا الصدر متهيبًا لذلك، فأشار عليه جده صاعد بردع المفسدين، وأفتاه بدفع ذلك، وقتل العيارين واللصوص لما فيه من المصلحة، فقام بذلك أحسن قيام وساس الرعايا أبلغ سياسة، ولم يزل بأهل الزعارة والفساد واللصوص حتى أتى على أكثرهم، وتولى قتلهم بنفسه ودفعهم عن المسلمين حتى سكنت تلك النائرة، واستقلت الدولة السلجوقية، وزال الغلاء بعض الزوال، فحصل له ما سبق به أقرانه وأقاربه من أهل العلم، وسادهم وتقدم عليهم، ثم لم يزل يرتفع أمره لما فيه من المروءة والرجولية والهمة العالية إلى أن فوضت
стр. 1774
رياسة نيسابور إليه، فصار رئيس الرؤساء بها، وساعدته الاتفاقات الحسنة من أسباب الدنيا، فأجرى الرئاسة ورسومها على أحسن مجاريها، ورسم المحافل والمشاهد والمجامع أحسن رسم وأزينه، وكان ملحوظًا من السلطان وأركان الدولة بعين الاحترام والإكرام، سافر إلى العسكر مرات ونال من المكرمة والحشمة والجاه ما لم ينله غيره، ولم يلحق وجه حاله غيره في هذه المدد إلى نيف وأربعين وأربعمائة، فمال بعد ذلك بعض الميل إلى التعصب في المذهب، وأخذ الهوى بزمام اختياره إلى ما لا يليق بالكبار مثل ذلك من المبالغة في العناد ومطاولة الأقران من سائر الفرق حتى أدى إلى إفحاش العلماء والأئمة، وإعزاء بعض الطوائف على بعض، والخروج عن الاعتدال في المصاحبة والمؤالفة. فكان ذلك غضًا من منصبه واتساق أحواله وأموره إلى أن فترت تلك الفترة بعد اشتعال نيرانها، وتأذى طائفة من أهل السنة بها إلى سنة نيف وخمسين وأفضى الأمر إلى أحوال غير مرضية حتى انتهت نوبة الولاية إلى السلطان الب ارسلان فانجلت تلك السحابة عن نوبة العدل والإنصاف واستقامة الأمور وإزالة الرسوم الممقوتة، وكان هذا الصدر صاحب الترجمة خاليًا عن العمل، مشتغلًا بأمور نفسه مع الأبهة والحشمة والنعمة، وقد بعث رسولًا إلى ما وراء النهر، وأحمد سعيه في الدولة الماضية، وعهد من حشمته ورزانة نفسه أمور، فبقي على ذلك مدة إلى ابتداء الدولة الملكشاهية، فصار مقدم البلد أيام الكهولة، وأدى الحال إلى تفويض القضاء بنيسابور إلى هذا الصدر، قاضي القضاة على الإطلاق، وجرى في ذلك من العدل والإنصاف ونقاء الجيب وصون اليد وصيانة النفس، ورد الحقوق إلى أهلها، والقبض على الأيدي الخاطئة، وكان يجمع الوصايا، وما يفضل من التركات طول السنة، ثم يفرقها على العلماء والصالحين من الفرق في شهر رمضان، وسن سننًا صالحة في الأمور، وعقد مجلس الإملاء عشيات الخميس في الجامع القديم على رسم أسلافه، وكان يحضر ذلك المجلس من دب ودرج من الفرق بالنوب، ويتقرب إليه المشايخ والأمور بالحضور، ولم يزل يرتفع أمره لحسن سيرته، وكان صدوق اللهجة، يحب كل من ظهر عنده صدق في مقالته، ويبغض الكذب وأهله أشد البغض، وكانت أموره كلها متناسقة، وأسبابه منتظمة، ومساعيه مع قضاء حقوق المعارف، وحضور التهاني والقيام لكل من يستعين به ما بلغ ما يؤول إلى صلاح حاله إلى أن أدركه قضاء الله الذي لا بدَّ لكل أحدٍ منه، بعد امتداد مرض به، كفر عنه بعض ما سلف له من الخطايا التي لا يخلو الإنسان منها.
ومات ليلة الثلاثاء قبل الصبح الثامن من شعبان سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
стр. 1775
ومنهم:
[٣٤] علي بن محمد بن الحسن بن عبد الملك بن عبد الوهاب الدامغاني (١)
قاضي القضاة، أبو الحسن ابن قاضي القضاة أبي عبد الله الحنفي، جد وهم لداته أن يلعبوا، واستراح ودأب أمثاله أن يلعبوا، وهان عليه الطلب، وشأن نظرائه أن يستصعبوا، ثم كان أشد ما يكون في دين الله قوة، وأعظم ما يكون وقارًا في فتوة. لم يأخذه في الله عارضة تأنيب، ولا معارضة مريب، ولا مفاوضة صديق حميم، ولا سلطان مهيب حتى طار رغب مجلسه في النفوس، وطاح رداء الكبرياء عن مناكب مزررة الكبر بالرؤوس.
مولده في مستهل رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة، تفقه على والده، وبرع في مذهبه، وولي القضاء بباب الطاق، ومن بغداد إلى الموصل، وله من العمر ست عشرة سنة وهذا شيء لم يكن لغيره.
قال ابن النجار: ولم يسمع أن قاضيًا تولى القضاء أصغر سنًا منه، وسمع الحديث من ابن هزار مرد الصريفيني وأبي بكر الخطيب، وأبي يعلى الحنبلي، وغيرهم، وحدث باليسير، وروى السلفي عنه، وولي القضاء لأربعة من الخلفاء: القائم، والمقتدي، والمستظهر، ولما ولي المسترشد أقره على قضاء القضاة.
قال ابن الجوزي في المنتظم (٢): ولا يعرف أن قاضيًا تولى لأربعة خلفاء غيره وغير القاضي شريح.
قال ابن النجار: جرت أموره في قضاياه وأحكامه على السداد والاستقامة، وكان فقيهًا، فاضلًا، كثير المحفوظ، متدينًا، عفيفًا، نزهًا، ذا مروءة وصدقات، وبر ومعروف، وكانت له معرفة حسنة بالشروط وكتب السجلات.
وقال أبو العباس الواسطي: حكى لي جماعة أن عاملًا من عمال السلطان
стр. 1776
محمد بن ملكشاه وجب عليه حق، فحبسه قاضي القضاة علي بن محمد الدامغاني، فنفذ السلطان لأجل الإفراج عنه، فقال الرسول للقاضي: السلطان يقول لك تفرج عن هذا العامل، فقال له: من السلطان؟ فقال: محمد العجمي: فقال: قل له إن السلطان محمد العربي قال لي: لا تفرج عنه، فعاد الرسول وقد ضاق صدره من ذلك، فحكى السلطان ما قال له، فقال السلطان للرسول: قل للقاضي: يقبل من السلطان محمد العربي.
وقال ابن الجوزي (١): حضر أبو الحسن الدامغاني باب الحجرة، فقال له الخادم: أمير المؤمنين يسمع كلامك، ويقول: أنحن نحكمك أم أنت تحكمنا، قال: فكيف يقال لي هذا وأنا بحكم أمير المؤمنين؟ فقال: أليس قد تقدم إليك بقبول قول فلان فلم تفعل؟ قال: فبكى وقال: قل لأمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة جيء بديوان، فسئلت عنه، فإذا جيء بديوان القضاء، كفاك أن تقول: وليته لذلك المدبر ابن الدامغاني، فتسلم أنت وأقع أنا فبكى الخليفة، وقال: افعل ما تريد.
قال ابن الجوزي (٢): وناب في الوزارة في الأيام المستظهرية، والمسترشدية مرات بمشاركة غيره معه، وتفرد بأخذ البيعة للمسترشد، وكان ورعًا، مهيبًا، مقدمًا عند الدولة، ذا رأي، وحزم، وسؤدد، وهو أحد من قتله الطب.
قال محمد بن عبد الملك الهمذاني: علا جوفه، فظنوه استسقاء، فأعطوه الحرارات، ومنعوه البوارد، وكان في جوفه مادة دوائها البقلة، فلم يمكنوه من شرب الماء، فلما أنضجتها الحرارات بأن لهم الخطأ، وقيل إنه أنشد عند موته: [من الكامل]
والناسُ يَلْحَونَ الطَّبِيبَ … وإنما غَلَط الطبيب إصابَةُ المِقْدَارِ
ومات في المحرم سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وصلى عليه ولده، وحضر أرباب الدولة، ونواب القضاء والشهود وأهل العلم، وخدم الخليفة.
ومنهم:
[٣٥] الحسين بن علي بن أبي القاسم، أبو علي، اللامشي (٣)
من أهل سمرقند، كان يضرب به المثل في علم الخلاف، وعدم التكليف على
стр. 1777
طريقة الأسلاف، وقول الحق ولو على رأسه الأسياف، يلج على الأسد غَابَهُ، ويتبسط في القول ولا تقبضه المهابة، تقدم على كل موصوف، ودوم نسره الطائر على كل معروف، لعلم أبى الله أنه يخفيه، ودين حسبه منه أن يوصف بما فيه.
ذكره أبو سعد السمعاني في ذيله، فقال: إمامٌ فاضل، متدين، خير، غزير الفضل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يدخل على الملوك، ويقول الحق في وجوههم.
قدم بغداد سنة خمس عشرة وخمسمائة في رسالة من جهة خاقان محمد بن سليمان ملك ما وراء النهر إلى الإمام المسترشد بالله.
وقال أبو الفرج بن الجوزي (١): بعث رسولًا إلى دار الخلافة، فقيل له: لو حججت، وقد وصلت بغداد، فقال: لا أجعل الحج تبعًا لرسالتهم، فرجع إلى سمرقند. وقال أبو سعد: قدم علينا مرة، فتكلم مع .. في مسائل، وأجاد الكلام فيها.
قال: وسمعت أبا بكر السمرقندي الزاهد يقول: بت مع اللامشي فخرج نصف الليل، ومر على وجهه، فقمت وتبعته بحيث لا يراني، فوصل إلى نهر كبير عميق، فخلع ثيابه، واتزر بمئزر، وغاص في الماء، وبقي زمانًا لا يرفع رأسه من الماء، فظننت أنه غرق فصحت وقلت يا مسلمين غرق الشيخ، فإذا بعد ساعة قد ظهر، وقال لي: يا بني ما غرقت ولكن أردت أن أتخذ الله تعالى سجدةً على أرض هذا النهر، فإن أجدًا لم يسجد الله عليها سجدة.
قال أبو سعد وسمعت أبا بكر محمد بن عمر البلخي بمرو يقول: خرجت مع الإمام اللامشي إلى بستان له، فلما رجعنا وعبرنا في وسط البلد، وكان الناس في الأسواق والدكاكين يسلمون عليه.
توفي يوم الاثنين خامس شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وهو ابن إحدى وثمانين سنة.
ومنهم:
[٣٦] عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري، أبو حفص بن أبي المفاخر، المعروف بالحسام الشهيد (٢)
والإمام القانع بالعيش الزهيد، حرص على الشهادة حتى ختم بها عمله، وخدم
стр. 1778
بنجاح سعيه لها أمله، وكان مدة حياته في جهاد لا تنزع سرابيله، ولا تمسك حجج الباطل غرابيله. ولا تنقشع عن رؤوس أهل العناد أبابيله.
مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة، تفقه على والده، وسمع الحديث. وحدث باليسير، وبرع في المذهب واجتهد وبالغ إلى أن صار أوحد عصره وفريد دهره في علم النظر، وحاز قصب السبق دون أقرانه، ورأى الخصوم الكبار بخراسان والعراق في حياة والده وناظرهم، وظهر كلامه عليهم، وارتفع أمره بما وراء النهر إلى أن صار السلطان يصدر عن رأيه، ويتلقى إشارته بالقبول، وعاش مدة محترمًا مقبولًا عند الخاص والعام.
وعاش في حرمة وافرة، وقبول زائد إلى أن رزقه الله الشهادة بعد وقعة قطوان وانهزام المسلمين في صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة بسمرقند، ونقل إلى بخارى بعد سنة، فدفن عند والده.
قال السمعاني: سمعت أنه لما خرج في هذه الكرة كان يودع أصحابه وأولاده وداع من لا يرجع إليهم.
ومن تصانيفه: «الجامع الصغير المطول و الفتاوى الصغرى» و «الفتاوى الكبرى».
ومنهم:
[٣٧] عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن لقمان النَّسَفِي، ثم السمرقندي (١)
العلامة أبو حفص، نجم الدين صاحب المنظومة في الخلافيات المظهرة
стр. 1779
للمحاسن الخفيات الباهرة بالمعاني الوفيات، وكان رجل دهره إطلالًا على النوب، وإطلالًا لدم المآقي في الكرب، وإطلاعًا لصحبه في ظلم النوائب، واتلاعًا لجيد مناظرته غير هائب كل هذا إلى أدب ما نقص منه حظه، ولا نكص عنه حفظه، وكان لا يمائل لفظه الدر الثمين، ولا تتفارق عقود السبح في يده ويعود اللائمين.
مولده سنة إحدى أو اثنتين وستين وأربعمائة.
قدم بغداد حاجًا سنة سبع وخمسمائة، وحدث بكتاب: «تطويل الأسفار لتحصيل الأخبار» من جمعه وتأليفه، روى فيه عن عامة مشايخه ومستجازاته ومتناولاته عن جميع مشايخه، قال: وهم خمسمائة وخمسون رجلًا.
كان مبرزًا، متفننًا، صنف في كل نوع من العلم في التفسير، والحديث، والشروط، ومن مصنفاته «القند في ذكر علماء سمرقند» (١).
وأورد أبو الحسن البيهقي في كتاب «وشاح دمية القصر» للشيخ أبي حفص النسفي: [مخلع البسيط]
الأمن واليمن في ثلاث … في الحِلْمِ والرِّفْقِ والسخاوة
والشر والشؤم في ثلاث … في البحث والظلم والعداوة
ومن شعره قوله: [من السريع]
كم ساكت أبلغ مِنْ ناطق … وراجل أَشجع من فارس
ولاحق يسبق عربًا مضوا … بفضل دين وهو من فارس
ومن قوله: [من المتقارب]
تزور المشاهد مستشفعًا … بحُرمةِ مَنْ دفنُوهُمْ هُنَاك
فكُنْ آخذًا أَنْتَ أوصافهم … نزُورَكَ حيًا وميتًا لِذَاك
وقيل: أن أبا حفص لما حج أراد أن يزور الزمخشري، فلما وصل إلى منزله دق الباب، فقال له الزمخشري: من ذا؟
فقال: عمر.
فقال: انصرف.
стр. 1780
فقال: عمر لا ينصرف.
فقال: الزمخشري: إذا نكر ينصرف.
وتوفي بسمرقند في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
ومنهم:
[٣٨] الحسن بن أحمد بن أبي سهل، أبو بكر، شمس الأئمة، السَّرْخَسِي (١):
مصنف المبسوط، والفقيه الذي الفقه بيده منوط استمد من شمس الأئمة حتى كان بدرًا تمامًا، وصدرًا إمامًا وبحرًا يريك كل قطرة غمامًا، ثم كان به أمس، ومنه خلفا لما غابت الشمس لقب بلقبه، وأخذ من علمه ملء حقائبه، وملء حقبه.
تفقه على شمس الأئمة أبي محمد بن عبد العزيز بن أحمد الخلواني ولقب لقبه، وكان إمامًا، فاضلًا، متكلمًا، فقيهًا، أصوليًا، مناظرًا، يتوقد ذكاء، لزم شمس الأئمة، وتخرج به حتى صار في النظر فرد زمانه، وواحد أقرانه، وأخذ في التصنيف والتعليق، وناظر وشاع ذكره، صنف كتاب المبسوط في الفقه في أربعة عشر مجلدًا إملاء من خاطره، من غير مطالعة كتاب، ولا مراجعة تعليق، بل كان محبوسًا في الجب بسبب كلمة نصح بها، وكان يملي عليهم من الجب وهم على أعلى الجب يكتبون ما يملى عليهم.
حكى عنه أنه كان جالسًا في حلقة الأشغال، فقيل له: حكي عن الشافعي أنه كان يحفظ ثلاثمائة كراس، فقال: حفظ الشافعي زكاة ما أحفظ، فحسب حفظه فكان اثني عشر ألف كراس، وله عدة مصنفات كلها معتمد عليها.
وحكي عنه أنه لما خرج من السجن كان أمير البلد قد زوج أمهات أولاده من خدامه الأحرار، فسأل العلماء الحاضرين عن ذلك فكلهم قال: نعم ما فعلت، فقال شمس الأئمة: أخطأت؛ لأن تحت كل خادم امرأة حرة، فكان هذا تزويج الأمة على الحرة.
فقال الأمير: أعتقت هؤلاء ووجد العقد، فسأل العلماء فكلهم قال: نعم ما
стр. 1781
فعلت، فقال شمس الأئمة: أخطأت؛ لأن العدة تجب على أمهات الأولاد بعد الإعتاق فكان تزويج المعتدة من الغير، ولا يجوز. فألبس الله جواب هذه المسألة على العلماء في موضعين من مسألة واحدة؛ ليظهر فضل شمس الأئمة على غيره (١).
ومنهم:
[٣٩] علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن أبي بكر، برهان الدين، أبو الحسن المَرْغِينَاني الراشدي (٢)
صاحب الهداية أرشدت تصانيفه الضّلال، ومد بتثقيفه أفياءها وارفة الظلال، وأوقدها مصابيح تشب لقفال، وقلدها مفاتيح لا تتأشب معها أقفال، كواكبه طلع، وكواعبه سوافر تتطلع، وكتائبه بغير لثم السطور لا تتبرقع.
كان إمامًا جليلًا، زاهدًا، حجاجًا، أستاذًا، عاملًا، فاضلًا، متبحرًا، تحريرًا، قدوة، محققًا، فصيحًا، كاشفًا للأسرار الفقهية، كبير القدر، بعيد الصيت، ومن تصانيفه: بداية المبتدئ وكفاية المنتهي قريب من ثمانين مجلدًا، و «التجنيس والمزيد»، و «مناسك الحج» وأما كتاب الهداية فهو العمدة في المذهب، وغالب المدرسين منه يلقون دروسهم، وعليه يرمون نفوسهم (٣).
ومنهم:
[٤٠] علي بن الحسن بن محمد البلخي، أبو الحسن الزاهد، الفقيه، الحنفي، الجعفري، عرف بالبرهان البلخي (٤)
إمام الحرم، وغمام الكرم أقام بجوار البيت الحرام، وقام بما قعد عنه الكرام،
стр. 1782
وأقبلت الركائب تهوى إليه، وترى تمام الحج الوقوف عليه، وهو يَنشُرُ إزاء الركن اليماني جرأته، ويطوف بالبيت العتيق حول حجراته، حتى استدعت غروس دمشق وده الفارك، واسترعت عهده وقد حيل دونها يضرب كأفواه الحيتان الأوارك، فراجعها بعد مطال، وضاجعها بعد هجر طال، وكان بها ظاهر الكرامة، طاهر الثوب من دنس لا يدنس بالملامة.
تفقه ببخارى على الإمام عبد العزيز بن عمر بن مازه وغيره، وسمع الحديث من جماعة بما وراء النهر.
قال ابن عساكر (١): قدم دمشق سنة بضع عشرة وخمسمائة ونزل بالمدرسة الصادرية، فناظر في الخلافيات، وعقد مجلس التذكير، وحصل له قبول، فحسده علي بن مكي الكاساني مدرس الصادرية إذ ذاك، وتعصب عليه الحنابلة؛ لأنه أظهر خلافهم، فمضى إلى مكة، وجاور بها، وصار [إمام] الحنفية بالمسجد الحرام، ثم ندم الكاساني على خروجه، وقال لجماعة من أصحابه كاتبوه إلى مكة، ورغبوه في الرجوع إلى دمشق، واذكروا له أن عليًا الكاساني يسلم المدرسة إليه.
قال ابن عساكر (٢): الكتب على يدي، فأوصلتها إليه بالمسجد الحرام سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، فذكر أن عوده في ذلك العام متعذر، فلما كان بعد ذلك مضى إليه الفقيه سعيد بن علي بن عبد الله البوزكندي، وحمله إلى بغداد، وتوجه به إلى دمشق فقدمها وتسلم المدرسة، واشتغل بالتدريس والتذكير، فحصل له جماعة كثيرة، ووجاهة عند الخاصة والعامة.
وكان صحيح الاعتقاد، حسن السمت، محبًا لنشر العلم، مراعيًا للأصحاب، سخي النفس، وعقد مجلسًا للإملاء، فحضره خلق كثير، وجمع كبير، وكانت كتبه، بخراسان، فوجه من جاءه بها، وجعلت له دار طرخان مدرسة فدرس بها، ودرس أيضًا بمسجد خاتوني، ووقفت عليه أوقاف، وفتح عليه فتوح، ولم يدخر منها شيئًا، ولا يمسها، ثم إنه خرج إلى حلب ليفقه أهلها، وينشر السنة بها، فانتفع به
стр. 1783
خلائق هناك، وأزال البدعة التي كانت في التأذين.
قال الصاحب أبو القاسم ابن العديم: أخبرني والدي قال: لما فتح نور الدين محمود المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية بحلب لأصحاب أبي حنيفة، استدعى البلخي إليها، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء، ودخلها وألقى بها الدروس، وكان الأذان بحلب في المنارة على قاعدة الشيعة يزاد فيه «حي على خير العمل محمد وعلي خير البشر»، فلما سمع البلخي ذلك أمر الفقهاء، فصعدوا المنارة وقت الآذان، وقال لهم: مُرُوا المؤذنين ليؤذنوا الأذان المشروع، ومن امتنع منهم كبوه على رأسه، فصعد الفقهاء وفعلوا ما أمرهم به، فأذن المؤذنون الأذان المشروع، واستمر الأمر على ذلك إلى أن مرض نور الدين بقلعة حلب، ودخل نصير الدين أخوه إلى حلب، فأعاد الشيعة الآذان أيامًا ثم ترك.
قال ابن العديم: كان سبب خروج البلخي بعد ذلك من حلب أن بعض الأمراء المختصين بمجد الدين أبي بكر بن الداية كان ساكنًا إلى جانب المدرسة، فبلغ البلخي عنه أنه يشرب الخمر، فأمر الفقهاء أن ينكروا عليه فمشوا إليه فقام إليهم وضربهم، فجمع البلخي الفقهاء، وأمرهم بالدخول إليه، فدخلوا إليه وأراقوا الخمر، وضربوه فشق ذلك على ابن الداية، وأخرجه من حلب.
قال ابن العديم: وأخبرني ابن قاضي العسكر قال: حدثت عن حاجب شمس الملوك صاحب دمشق: أنه كان لشمس الملوك في مقابلة المسجد الذي عمرته والدته الخاتون للبلخي مدرسةً، قصر له يشرب فيه، وعنده المغنون له بالملاهي، وكان الشيخ إذا علم بهم أمر الفقهاء بأسرهم، فيصعدون إلى السطح، ويكررون ليشوشوا عليه ما هو فيه، فكان يتكدر عليه لذته ويتشوش عليه، قال الحاجب: فأخذني في بعض الليالي وليس معنا ثالث، وقال لي: لابد من قتل هذا الشيخ الكلب العجمي، واستصحب معه سيفًا، وجاء إلى المسجد، وإذا بالشيخ قاعد فيه، فأعمى الله بصره عنه، وأنا أبصره، فقال لي: ما أراه هنا وأين هو هذا الفاعل الصانع؟ فلما رأيته كذلك لم أعلمه أني أراه، فجعل يدور عليه ولا يراه، ثم جاء إلى حائط هناك، فقال: اقعد إلى الأرض حتى أصعد على كتفيك. قال: ففعلت ذلك وصعد على كتفي، فلما وضع يده على رأس الحائط، انقلب إلى خلف، ووقع مغمى عليه، قال: فابتدرت إليه، ووضعت رأسه على ركبتي وجعلت أسكنه وأسأله، فلما أفاق قال لي: لا تسأل ما تم علي، وإن حدثت به أحدًا ضربت عنقك، اعلم أني لما هممت بالطلوع فما هو إلا أن وضعت يدي على رأس الحائط، وصعدت، وإذا بأسد عظيم
стр. 1784
قد لطمني فألقاني وأنا استغفر الله مما جرى، ولا بد لي في غد من زيارة هذا الشيخ، فلما كان في الغد أتى شمس الملوك إلى الشيخ وزاره واستغفر وتاب، ثم كان من بركة الشيخ أن ذلك القصر وقف خانقاه على الصوفية إلى الآن بطريق النيرب.
وقال أبو العلا بن أمين الدولة: كان سبب توبة نور الدين محمود بن زنكي عن شرب الخمر، وإقباله على الخير والصلاح أنه دخل ذات يوم على البلخي يزوره، فأخذ الشيخ يعظه فرق قلبه وبكى، فقيل للشيخ سرًا: اذكر له في الخمر شيئًا، فشرح الشيخ، وأطنب في ذكر الخمر، وذكر ما جاء فيها من الأحاديث ونور الدين يبكي، ولم يزل حتى تاب نور الدين على يد الشيخ توبة نصوحًا في ذلك الوقت.
قال ابن العديم: حدثني ابن قاضي العسكر، قال: حدثني جماعة من الفقهاء من أصحاب البلخي منهم والدي، قال: عمر آنق صاحب دمشق دارًا فاحتاج فيها رخامًا، فذكرت له أسكفة عظيمة من الرخام على باب مسجد دمشق، فأمر بقلعها، وعمل أسكفة عوضها من غيرها، فجاؤوا، واقتلعوها وحملوها ومعهم الملاهي لحملها، فبلغ الخبر الشيخ، فخرج من منزله، وتبعه جماعة من الفقهاء، وجعل لا يمر بمحلةٍ إلا اجتمع معه خلق منها حتى كثروا جدًا، ولا يعلمون إلى أين يذهب، فلقيهم في الطريق ومعهم الأسكفة، فقال لهم: ارجعوا، فلم يسعهم إلا امتثال أمره، فعادوا ووضعوها في مكانها، ثم أتوا إلى آنق صاحب دمشق، فأخبروه فأنكر عليهم امتثال أمره، فقالوا: لو لم نفعل ذلك هلكنا من كثرة الخلق علينا. فأنفذ إليه، فقال له السلطان: دمشق لك هبها لي، فقام وخرج ماشيًا حتى أتى بصرى، والوالي بها ربيع الإسلام أمين الدولة فأكرمه، وأحسن إليه، وأنزله في مدرسة كانت له هناك، فوقع بين صاحب دمشق ووالي بصرى خلاف، فأتى صاحب دمشق إلى بصرى محاصرًا لها، فأرسل إلى واليها أنفذ إلي البلخي ليصلح بيننا. فقال ربيع الإسلام للشيخ: إن هذا الجبار قد سأل أن تخرج إليه، فأجابه الشيخ إلى ذلك، فخرج إليه فالتقاه صاحب دمشق، وأكب على قدميه يقبلها والشيخ لا يرفعه عنهم، ثم قال له: ما جئت إلا لأجلك فإني لم ألق خيرًا منذ خرجت ولا لقيت دمشق خيرًا منذ خرجت، ولابد من الرجوع إليها معي، وأخذه معه وعاد فتلقاه أهل دمشق أحسن لقاء.
قال ابن العديم في تاريخه: أنا داوود بن عمر خطيب بيت الأبار، حدثني عبد الرحمن بن عساكر، قال: أحكي لك حكايتين عن الشيخ البلخي. أما إحداهما فإنه استفتي في قضية، فأفتى فيها، فحمل صاحب الفتيا الفتوى إلى ديوان نور الدين، فلم يعملوا بها، فجاء إلى الشيخ، فحكى له ذلك، فشق عليه وقال: بلد لا يعمل فيها بما
стр. 1785
يفتي به الفقهاء لا أسكنه، وقام ولبس ثيابه وخرج ليرحل من دمشق، فبلغ ذلك نور الدين فخرج في أثره، فلحقه في المزة، فجاء ونزل وتلقاه، وقال: ما الذي دعاك إلى هذا؟ فقال: أفتي بشيء لا يعمل به، لا حاجة لي إلى سكنى بلدة تكون بهذه الصفة. فاعتذر إليه، وقال: لابل يعمل بقولك وبما تفتي به. وسأله في العود فأجاب إلى ذلك، فرجع نور الدين معه ماشيًا على قدمه من المزة حتى دخل إلى المدرسة الصادرية بباب الجامع.
أما الثانية: فإنه كان بالصادرية بواب يتصفح حال الفقهاء، فجاء إلى الشيخ يومًا وقال: إن فلانًا وفلانًا من الفقهاء يجتمعان بالبيت الفلاني ويشربان الخمر، فقال: لا تتكلم بشيء، وإذا رأيتهم على هذه الحالة، فأعلمني بذلك، وعمد الشيخ إلى السوق فاشترى منه ما يصلح للنقل على الشرب، وتركه في مئزر مشدود عنده، فجاء البواب في بعض الليالي، فقال: هما يشربان الساعة، فأخذ الشيخ ذلك النقل بيده، وأتى إلى الباب الذي فيه الفقيهان، ووقف على الباب، وقال: اللهم تب عليهما، ونقر الباب، فلم يسعهما إلا فتحه، فناولهما ذلك النقل، وقال: خذا هذا واستعملاه، فأخذاه، فلما أصبحا جاءا إلى الشيخ وتابا على يده، وحسنت توبتهما، ثم صارا إمامين في الفقه، ودرس كل منهما بمدرسة بدمشق.
وسئل يومًا عن مسألة في الزهد، فنزل عن المنبر، وقال: مكانكم حتى أرجع إليكم، وراح إلى بيته بالمدرسة، وكان عنده ديناران، فأخذهما، وتصدق بهما، ثم عاد إلى مجلس وعظه، وقال: سألني هذا عن الزهد، وكان عندي ديناران، فاستحييت من الله أن أتكلم في الزهد وعندي شيء من الدنيا. وقبل موته بقليل جرى بين الصوفية بخانقاه السمياطي نقار، فجاءهم الشيخ ودق الباب، فقالوا: من؟ فقال: علي البلخي، فعرفوه وفتحوا له، فدخل وأصلح بينهم، وخلع ثيابه لتعمل الصوفية بها استغفارًا كما جرت العادة لهم، فلم يبق عليه إلا ثوب واحد، وخرج وصلى فأصابه برد فتأثر بدنه لذلك، فأصبح وذكر الدرس، ثم بعد أيام خرج وصلى بهم الصبح، وكان يؤم بهم، ويطيل الصلاة. يبدأ بغلس، ويختم بإسفار، فقرأ في الصلاة ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ (١) فأجهش الناس بالبكاء عندما قرأ ذلك، فركع وأتم الصلاة، ودخل منزله، فلم يخرج منه بعد ذلك حتى مات يوم الخميس في شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة باب الصغير.
стр. 1786
قال ابن قاضي العسكر: دعوت عند قبره في أمور أهمتني ثلاث دعوات، فاستجيب لي، وهو أول من درس بالمدرسة الحلاوية بحلب، وبالطرخانية بدمشق، وبمسجد خاتون ظاهر دمشق، وبالمدرسة البلخية المجاورة للصادرية جوار الجامع الأموي، وإليه نسبت.
ومنهم:
[٤١] محمد بن عبد الحميد بن الحسين بن الحسن بن حمزة، أبو الفتح السمرقندي المعروف بالعلاء العالم (١)
فهو أبو الفتح المعروف بالعلاء، بل الموصوف بالعلا، جمع الأسفار المفيدة، ولزم الأسفار البعيدة، وكان لسانه في الجدال أمضى من الصفاح في الجلاد، وأوحى من الرماح في الجهاد أقرب إصابة من السهام، وأسرع إجابة من الإلهام، وأشد إنارة من التخيل في الافهام، وأشد من تحقيق البراهين في إزالة الأوهام، وقع الاتفاق على حسن طرائقه في الخلاف، وحدائقه البديعة الافواف، تفقه واعتزل، وجد في العبادة وقط ما هزل.
مولده في جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، صنف التصانيف في علم الخلاف منها: الطريقة المعروفة بطريقة العلاء العالم في مجلدات عدة، وشاعت في البلدان. وكان إمامًا، فقيهًا، فاضلًا، مناظرًا بارعًا، وله العباره الحسنة، والباع الطويل في علم الخلاف والجدل، ثم إنه تنسك، وترك المناظرة، واشتغل بالخير إلى أن توفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٢] عبد الغفور بن لقمان بن محمد الكردري (٢) أبو المفاخر، القاضي الحنفي، الدانقيني، قاضي حلب
رجل عنده الناس أسوياء، لا يشينه اللين والرياء، ولديه السلطان كآحاد الناس
стр. 1787
في اطراد القياس، لا يبالي إذا رضي الله بمن غضب، ولا إذا وصل سبب الحق بما اقتضب، ولا إذا أطل دم الباطل بأي كف خضب وقوفًا مع الشريعة المطهرة، ونزعًا الجلابيب الأباطيل المشهرة.
تفقه على الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الكرماني، وبرع في الفقه وحدث بحلب، وكان يحفظ المبسوط لمحمد بن الحسن، وصنف التصانيف الحسنة.
قال أبو القاسم عمر بن العديم في تاريخ حلب: قدم الكردري حلب، فولاه الملك العادل نور الدين محمود القضاء بها، وولي التدريس بالمدرسة التي وقفها حسام الدين لاجين بحلب، وسمعت شيخنا أبا هاشم عبد المطلب يصفه بالدين، ويثني عليه بالعلم والفقه، ويفضله على العلاء بن الغزنوي، وعلى الكاساني، وكان يتورع أن يجلس للحكم على حصر المدرسة، ويأمر برفعها إذا جلس للقضاء، ويقول: هذه الحصر للدرس فلا يجوز استعمالها لغيره، وكان له برسم القضاء حصير صغير يجلس عليها للحكم.
قال أبو هاشم: لما ولى الملك العادل نور الدين أبا الفضل الشهرزوري قضاء القضاة بالبلاد الشامية، واستناب ابنه أبا حامد، قال السلطان نور الدين: نريد حاكمًا يحكم على مذهب الإمام أبي حنيفة بحلب، فذكر له الكردري، فسير إليه وعرض عليه القضاء فامتنع، وقال: بنو الشهرزوري لا أقدر على النيابة عنهم، فسير إليه نور الدين، وقال له: أنت نائب نور الدين لا غير، وليس للقاضي عليك أمر ولا ولاية، فأجاب وتولى القضاء، فجعل أبو حامد بن القاضي يقول: امضوا إلى النائب، وقولوا للنائب، فغضب القاضي الكردري من ذلك، وتبين الغيظ في وجهه، فقيل له: لست إلا نائب نور الدين، فجعل بعد ذلك يمضي القضايا على ما يختار استقلالًا، فكان عنده غلام جعله لمجلس الحكم يدعى سويدًا يحضر الخصوم إلى مجلس الحكم، فحضر بعض التجار وأدعى أن له على نور الدين دعوى فقال: الكردري السويد: امض إلى نور الدين، وادعه إلى مجلس الحكم، وعرفه أنه حضر شخص يطلب حضوره، فمضى سويد في طلب نور الدين، فقيل لنور الدين: إن تاج الدين الكردري قد أرسل سويدًا يطلب المولى إلى مجلس الحكم، وذكر أنه حضر تاجر، وذكر أنه له دعوى شرعية على المولى. فقال نور الدين: يحضر الفرس حتى نركب إليه السمع
стр. 1788
والطاعة، قال الله تعالى ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (١) ثم نهض وركب حتى دخل باب المدينة، فاستدعى سويدًا، وقال له: امضِ إلى القاضي تاج الدين، وسلم عليه، إنني جئت إلى هنا امتثالًا لأمر الشرع، وهذا وكيلي يسمع الدعوى، وإن توجهت على يمين أحضر إن شاء الله تعالى، قال: فحضر الوكيل وسمع الدعوى، وتوجهت اليمين، فقال الكردري توجهت اليمين فليحضر، فلما بلغ نور الدين ذلك، استدعى التاجر، وأصلح الأمر فيما بينه وبينه وأرضاه.
توفي بحلب في رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٣] محمد بن محمد بن محمد أبو عبد الله السرخسي (٢)
رضي الدين، صاحب «المحيط»، بوأته حلب مقامها، وقصرت في عينه مددًا أقامها، وقدمت له حلاوة حلاوتيها ما طاب له به كل زمان مر، وأرته كل أوان ماسرّ، وأقام بين أهلها ولا يظن إلا أنه بين الكواكب نازل، وان ما وجده يهم جدّ وصوب السحائب هازل، ولم يزل بينهم حتى أثرى وأصبح لا يرى المال وإن جل كثرا.
قال: كان من الفقهاء المعتبرين من الحنفية، قدم حلب، ودرس بالمدرسة النورية والحلاوية بعد محمود الغزنوي، فتعصب عليه جماعة، ونسبوه إلى التقصير وإلى أنه ادعى تصنيف المحيط، وحاله في الفقه تقصر عن ذلك، وذكر أن هذا الكتاب صنفه [شيخه] وأنه وقع به وادّعاه لنفسه، وكان أكثر الناس في ذلك تعصبًا افتخار الدين الهاشمي، وكتبوا فيه رقاعًا إلى نور الدين الشهيد يذكرون أنهم أخذوا عليه تصحيفًا كثيرًا، فأوجب ذلك عزله عن التدريس، فسار إلى دمشق فتولى تدريس المدرسة المعروفة بمسجد خاتون، فلما مرض مرض الموت أحضر المحيط وفتق كعابه جميعها، فأخرج منها ذهبًا مقداره ستمائة دينار، وأوصى أن تفرق على فقهاء، المدرسة، ولم يكن له وارث ومات، فجاء نواب الحشر، وطلبوا أن ينزعوه،
стр. 1789
وكانت خاتون واقفة المدرسة في الحياة، ولها جاه، فامتنع الفقهاء من دفع ذلك إلى نواب الحشر بجاهها.
ومنهم:
[٤٤] أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (١)
علاء الدين صاحب «البدائع،» وساحب جلبات الصنائع، وندرة أصحاب الإمام أبي حنيفة في الزمن الأخير، لم يكن فيهم من ملاصق سجاله، ولا من تضايق مجاله، وكان يُسكتُهم إذا، هدر، ويبكتهم في حلبة السباق إذا بدر، هذا إلى سعة صدر، ورفعة قدر، وقرب من الملوك، وبعد لا تطأ قدم الثريا أثره المسلوك، وكثرة استحضار، وقدرة قوّى لا تبدرك بإحصار، إلا أنه ربما احتد، وجدل الخصماء وما اعتد، وكان يأخذ نفسه بلقاء الأقران إذا التقى الجمعان، واتقى الصدغان، ويربط لهذا كرائم الخيل، وينعت من سبقه الباتك زائد السيل.
تفقه على محمد بن أبي أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم تصانيفه، وزوجه شيخه بابنته فاطمة الفقيهة العالمة.
قال ابن العديم في تاريخ حلب: كان الكاساني قد أقام ببلاد الروم، فتناظر هو وبعض الفقهاء في مسألة: المُجتهدين مصيب ومخطئ والحق في جهة واحدة، وهذا الذي يقوله مذهب المعتزلة، وجرى بينهما كلام في ذلك، فرفع الكاساني على ذلك الفقيه المقرعة، فتأذى ملك الروم، وقال لوزيره: هذا قد أفتأت على الرجل، فاصرفه عنه، فقال الوزير: هذا الرجل شيخ العلم، وله حرمة وافرة ولا ينبغي أن نصرفه بل تنفذه رسولًا إلى نور الدين محمود بن زنكي، ونتخلص منه بهذه الطريق، فسير من الروم رسولًا إلى حلب، وكان قدم الرضي السرخسي صاحب المحيط حلب، فولاه السلطان نور الدين المدرسة الحلاوية، وكان في لسانه لكنة، فتعصب عليه جماعة من الفقهاء الحنفية، وصغروا أمره عند نور الدين، فأوجب ذلك عزله عن التدريس فاتفق وصول الكاساني في الرسالة إلى نور الدين، فاحترمه وأكرمه، فاجتمع فقهاء المدرسة، وطلبوا من السلطان أن يوليه التدريس، فعرض عليه نور الدين ذلك
стр. 1790
فأجاب إلى ذلك، وقال: هذه الرسالة أمانة معي، فإذا أعدت الجواب إليهم عدت بعد ذلك، فكتب نور الدين خطه للكاساني بالمدرسة، فرجع وأعاد الجواب، وبسطت له سجادة بالمدرسة، وكانت تبسط كل يوم، ويجتمع الفقهاء حولها إلى أن عاد، فخرج جماعة عظيمة من الفقهاء وتلقوه، وأكرمه السلطان، وفوض إليه النظر في أمر المدرسة وزاوية الحديث بالجامع، فحدث، ودرس أيضًا بالمدرسة الجاولية.
قال ابن العديم: وكان حريصًا على تعليم العلم، ونفع الطلبة، مواظبًا على ذكر الدرس، فقيهًا، عالمًا، صحيح الاعتقاد، كثير الذم للمعتزلة وأهل البدع، مصرحًا بشتمهم ولعنهم في دروسه، وصنف في الفقه والأصول، وكان له حصان يركبه ولا يركب غيره، ويقول: لا يركب الفحل إلا الفحل، وكان له رمح يصحبه في الحضر والسفر، وكان عنده نخوة الإمارة وعزة النفس، وكان شجاعًا، وكان لا يأكل في عمره إلا اللحم المطبوخ بالماء والحمص.
قال ابن العديم: وحدثني والدي قال: كان الكاساني كثيرًا ما يعرض النقرس في رجليه، ووجع المفاصل، وكان يحمل في محفة من منزله، ويخرج إلى الفقهاء، ويذكر الدرس، ولا يمنعه ذلك الألم من الأشغال، ولا يخل بذكر الدرس، وكان نور الدين ربما عاده في بعض الوقت.
قال: ولم تزل حرمة الكاساني تعظم وتزيد، ويرتفع أمره عند نور الدين ومن بعده من الملوك إلى أن تناقصت في أيام الملك الناصر صلاح الدين، فلزم مكانه بالمدرسة، ثم عظم بعد ذلك أمره عند الملك الظاهر غازي، وما زال يحترمه إلى أن مات، وكان يصعد إلى القلعة راكبًا، وينزل حيث ينزل الملك الظاهر، فاتفق أن صعد يومًا والفقهاء بأجمعهم بين يديه، فلما وصل إلى باب القلعة، قام البواب وقال: يدخل الشيخ ويرجع الفقهاء، فلوى الشيخ عنان حصانه، وقال: يرجع الشيخ أيضًا، فبلغ الملك الظاهر ذلك، فأرسل في الحال من أدخل الشيخ والفقهاء إلى مجلس السلطان.
قال ابن العديم: وسمعت قاضي العسكر يقول: قدم الكاساني دمشق، فحضر إليه الفقهاء وطلبوا منه الكلام معهم في مسألة، فقال: أنا لا أتكلم في مسألة فيها خلاف أصحابنا، فعينوا مسألة، فعينوا مسائل كثيرة، فجعل يقول: ذهب إليها من أصحابنا فلان، فلم يزل كذلك حتى أنهم لم يجدوا مسألة إلا وقد ذهب إليها واحد من أصحاب أبي حنيفة، فانفض المجلس، ولم يتكلموا معه.
ومما وجد ونقل من شعر الكاساني على ظهر نسخة بكتاب البدائع: [من الوافر]