قال ابن قاضي العسكر: دعوت عند قبره في أمور أهمتني ثلاث دعوات، فاستجيب لي، وهو أول من درس بالمدرسة الحلاوية بحلب، وبالطرخانية بدمشق، وبمسجد خاتون ظاهر دمشق، وبالمدرسة البلخية المجاورة للصادرية جوار الجامع الأموي، وإليه نسبت.
ومنهم:
[٤١] محمد بن عبد الحميد بن الحسين بن الحسن بن حمزة، أبو الفتح السمرقندي المعروف بالعلاء العالم (١)
فهو أبو الفتح المعروف بالعلاء، بل الموصوف بالعلا، جمع الأسفار المفيدة، ولزم الأسفار البعيدة، وكان لسانه في الجدال أمضى من الصفاح في الجلاد، وأوحى من الرماح في الجهاد أقرب إصابة من السهام، وأسرع إجابة من الإلهام، وأشد إنارة من التخيل في الافهام، وأشد من تحقيق البراهين في إزالة الأوهام، وقع الاتفاق على حسن طرائقه في الخلاف، وحدائقه البديعة الافواف، تفقه واعتزل، وجد في العبادة وقط ما هزل.
مولده في جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، صنف التصانيف في علم الخلاف منها: الطريقة المعروفة بطريقة العلاء العالم في مجلدات عدة، وشاعت في البلدان. وكان إمامًا، فقيهًا، فاضلًا، مناظرًا بارعًا، وله العباره الحسنة، والباع الطويل في علم الخلاف والجدل، ثم إنه تنسك، وترك المناظرة، واشتغل بالخير إلى أن توفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٢] عبد الغفور بن لقمان بن محمد الكردري (٢) أبو المفاخر، القاضي الحنفي، الدانقيني، قاضي حلب
رجل عنده الناس أسوياء، لا يشينه اللين والرياء، ولديه السلطان كآحاد الناس
стр. 1787
في اطراد القياس، لا يبالي إذا رضي الله بمن غضب، ولا إذا وصل سبب الحق بما اقتضب، ولا إذا أطل دم الباطل بأي كف خضب وقوفًا مع الشريعة المطهرة، ونزعًا الجلابيب الأباطيل المشهرة.
تفقه على الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الكرماني، وبرع في الفقه وحدث بحلب، وكان يحفظ المبسوط لمحمد بن الحسن، وصنف التصانيف الحسنة.
قال أبو القاسم عمر بن العديم في تاريخ حلب: قدم الكردري حلب، فولاه الملك العادل نور الدين محمود القضاء بها، وولي التدريس بالمدرسة التي وقفها حسام الدين لاجين بحلب، وسمعت شيخنا أبا هاشم عبد المطلب يصفه بالدين، ويثني عليه بالعلم والفقه، ويفضله على العلاء بن الغزنوي، وعلى الكاساني، وكان يتورع أن يجلس للحكم على حصر المدرسة، ويأمر برفعها إذا جلس للقضاء، ويقول: هذه الحصر للدرس فلا يجوز استعمالها لغيره، وكان له برسم القضاء حصير صغير يجلس عليها للحكم.
قال أبو هاشم: لما ولى الملك العادل نور الدين أبا الفضل الشهرزوري قضاء القضاة بالبلاد الشامية، واستناب ابنه أبا حامد، قال السلطان نور الدين: نريد حاكمًا يحكم على مذهب الإمام أبي حنيفة بحلب، فذكر له الكردري، فسير إليه وعرض عليه القضاء فامتنع، وقال: بنو الشهرزوري لا أقدر على النيابة عنهم، فسير إليه نور الدين، وقال له: أنت نائب نور الدين لا غير، وليس للقاضي عليك أمر ولا ولاية، فأجاب وتولى القضاء، فجعل أبو حامد بن القاضي يقول: امضوا إلى النائب، وقولوا للنائب، فغضب القاضي الكردري من ذلك، وتبين الغيظ في وجهه، فقيل له: لست إلا نائب نور الدين، فجعل بعد ذلك يمضي القضايا على ما يختار استقلالًا، فكان عنده غلام جعله لمجلس الحكم يدعى سويدًا يحضر الخصوم إلى مجلس الحكم، فحضر بعض التجار وأدعى أن له على نور الدين دعوى فقال: الكردري السويد: امض إلى نور الدين، وادعه إلى مجلس الحكم، وعرفه أنه حضر شخص يطلب حضوره، فمضى سويد في طلب نور الدين، فقيل لنور الدين: إن تاج الدين الكردري قد أرسل سويدًا يطلب المولى إلى مجلس الحكم، وذكر أنه حضر تاجر، وذكر أنه له دعوى شرعية على المولى. فقال نور الدين: يحضر الفرس حتى نركب إليه السمع
стр. 1788
والطاعة، قال الله تعالى ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (١) ثم نهض وركب حتى دخل باب المدينة، فاستدعى سويدًا، وقال له: امضِ إلى القاضي تاج الدين، وسلم عليه، إنني جئت إلى هنا امتثالًا لأمر الشرع، وهذا وكيلي يسمع الدعوى، وإن توجهت على يمين أحضر إن شاء الله تعالى، قال: فحضر الوكيل وسمع الدعوى، وتوجهت اليمين، فقال الكردري توجهت اليمين فليحضر، فلما بلغ نور الدين ذلك، استدعى التاجر، وأصلح الأمر فيما بينه وبينه وأرضاه.
توفي بحلب في رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٣] محمد بن محمد بن محمد أبو عبد الله السرخسي (٢)
رضي الدين، صاحب «المحيط»، بوأته حلب مقامها، وقصرت في عينه مددًا أقامها، وقدمت له حلاوة حلاوتيها ما طاب له به كل زمان مر، وأرته كل أوان ماسرّ، وأقام بين أهلها ولا يظن إلا أنه بين الكواكب نازل، وان ما وجده يهم جدّ وصوب السحائب هازل، ولم يزل بينهم حتى أثرى وأصبح لا يرى المال وإن جل كثرا.
قال: كان من الفقهاء المعتبرين من الحنفية، قدم حلب، ودرس بالمدرسة النورية والحلاوية بعد محمود الغزنوي، فتعصب عليه جماعة، ونسبوه إلى التقصير وإلى أنه ادعى تصنيف المحيط، وحاله في الفقه تقصر عن ذلك، وذكر أن هذا الكتاب صنفه [شيخه] وأنه وقع به وادّعاه لنفسه، وكان أكثر الناس في ذلك تعصبًا افتخار الدين الهاشمي، وكتبوا فيه رقاعًا إلى نور الدين الشهيد يذكرون أنهم أخذوا عليه تصحيفًا كثيرًا، فأوجب ذلك عزله عن التدريس، فسار إلى دمشق فتولى تدريس المدرسة المعروفة بمسجد خاتون، فلما مرض مرض الموت أحضر المحيط وفتق كعابه جميعها، فأخرج منها ذهبًا مقداره ستمائة دينار، وأوصى أن تفرق على فقهاء، المدرسة، ولم يكن له وارث ومات، فجاء نواب الحشر، وطلبوا أن ينزعوه،
стр. 1789
وكانت خاتون واقفة المدرسة في الحياة، ولها جاه، فامتنع الفقهاء من دفع ذلك إلى نواب الحشر بجاهها.
ومنهم:
[٤٤] أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (١)
علاء الدين صاحب «البدائع،» وساحب جلبات الصنائع، وندرة أصحاب الإمام أبي حنيفة في الزمن الأخير، لم يكن فيهم من ملاصق سجاله، ولا من تضايق مجاله، وكان يُسكتُهم إذا، هدر، ويبكتهم في حلبة السباق إذا بدر، هذا إلى سعة صدر، ورفعة قدر، وقرب من الملوك، وبعد لا تطأ قدم الثريا أثره المسلوك، وكثرة استحضار، وقدرة قوّى لا تبدرك بإحصار، إلا أنه ربما احتد، وجدل الخصماء وما اعتد، وكان يأخذ نفسه بلقاء الأقران إذا التقى الجمعان، واتقى الصدغان، ويربط لهذا كرائم الخيل، وينعت من سبقه الباتك زائد السيل.
تفقه على محمد بن أبي أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم تصانيفه، وزوجه شيخه بابنته فاطمة الفقيهة العالمة.
قال ابن العديم في تاريخ حلب: كان الكاساني قد أقام ببلاد الروم، فتناظر هو وبعض الفقهاء في مسألة: المُجتهدين مصيب ومخطئ والحق في جهة واحدة، وهذا الذي يقوله مذهب المعتزلة، وجرى بينهما كلام في ذلك، فرفع الكاساني على ذلك الفقيه المقرعة، فتأذى ملك الروم، وقال لوزيره: هذا قد أفتأت على الرجل، فاصرفه عنه، فقال الوزير: هذا الرجل شيخ العلم، وله حرمة وافرة ولا ينبغي أن نصرفه بل تنفذه رسولًا إلى نور الدين محمود بن زنكي، ونتخلص منه بهذه الطريق، فسير من الروم رسولًا إلى حلب، وكان قدم الرضي السرخسي صاحب المحيط حلب، فولاه السلطان نور الدين المدرسة الحلاوية، وكان في لسانه لكنة، فتعصب عليه جماعة من الفقهاء الحنفية، وصغروا أمره عند نور الدين، فأوجب ذلك عزله عن التدريس فاتفق وصول الكاساني في الرسالة إلى نور الدين، فاحترمه وأكرمه، فاجتمع فقهاء المدرسة، وطلبوا من السلطان أن يوليه التدريس، فعرض عليه نور الدين ذلك
стр. 1790
فأجاب إلى ذلك، وقال: هذه الرسالة أمانة معي، فإذا أعدت الجواب إليهم عدت بعد ذلك، فكتب نور الدين خطه للكاساني بالمدرسة، فرجع وأعاد الجواب، وبسطت له سجادة بالمدرسة، وكانت تبسط كل يوم، ويجتمع الفقهاء حولها إلى أن عاد، فخرج جماعة عظيمة من الفقهاء وتلقوه، وأكرمه السلطان، وفوض إليه النظر في أمر المدرسة وزاوية الحديث بالجامع، فحدث، ودرس أيضًا بالمدرسة الجاولية.
قال ابن العديم: وكان حريصًا على تعليم العلم، ونفع الطلبة، مواظبًا على ذكر الدرس، فقيهًا، عالمًا، صحيح الاعتقاد، كثير الذم للمعتزلة وأهل البدع، مصرحًا بشتمهم ولعنهم في دروسه، وصنف في الفقه والأصول، وكان له حصان يركبه ولا يركب غيره، ويقول: لا يركب الفحل إلا الفحل، وكان له رمح يصحبه في الحضر والسفر، وكان عنده نخوة الإمارة وعزة النفس، وكان شجاعًا، وكان لا يأكل في عمره إلا اللحم المطبوخ بالماء والحمص.
قال ابن العديم: وحدثني والدي قال: كان الكاساني كثيرًا ما يعرض النقرس في رجليه، ووجع المفاصل، وكان يحمل في محفة من منزله، ويخرج إلى الفقهاء، ويذكر الدرس، ولا يمنعه ذلك الألم من الأشغال، ولا يخل بذكر الدرس، وكان نور الدين ربما عاده في بعض الوقت.
قال: ولم تزل حرمة الكاساني تعظم وتزيد، ويرتفع أمره عند نور الدين ومن بعده من الملوك إلى أن تناقصت في أيام الملك الناصر صلاح الدين، فلزم مكانه بالمدرسة، ثم عظم بعد ذلك أمره عند الملك الظاهر غازي، وما زال يحترمه إلى أن مات، وكان يصعد إلى القلعة راكبًا، وينزل حيث ينزل الملك الظاهر، فاتفق أن صعد يومًا والفقهاء بأجمعهم بين يديه، فلما وصل إلى باب القلعة، قام البواب وقال: يدخل الشيخ ويرجع الفقهاء، فلوى الشيخ عنان حصانه، وقال: يرجع الشيخ أيضًا، فبلغ الملك الظاهر ذلك، فأرسل في الحال من أدخل الشيخ والفقهاء إلى مجلس السلطان.
قال ابن العديم: وسمعت قاضي العسكر يقول: قدم الكاساني دمشق، فحضر إليه الفقهاء وطلبوا منه الكلام معهم في مسألة، فقال: أنا لا أتكلم في مسألة فيها خلاف أصحابنا، فعينوا مسألة، فعينوا مسائل كثيرة، فجعل يقول: ذهب إليها من أصحابنا فلان، فلم يزل كذلك حتى أنهم لم يجدوا مسألة إلا وقد ذهب إليها واحد من أصحاب أبي حنيفة، فانفض المجلس، ولم يتكلموا معه.
ومما وجد ونقل من شعر الكاساني على ظهر نسخة بكتاب البدائع: [من الوافر]
стр. 1791
سبقت العالمين إلى المعالي … بصائب فكرة وعلو همه
ولاح بحكمتي نُورُ الهُدى في … ليال بالضلالة مُدلهمة
يُريد الجاحدون ليطفِئُوهُ … ويأبى الله إلا أنْ يُتِمَّه
قال ابن العديم: سمعت ضياء الدين محمد بن خميس الحنفي يقول: حضرت الشيخ الكاساني عند موته، فشرع في قراءة سورة إبراهيم حتى انتهى إلى قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١) فخرجت روحه عند فراغه من قوله وفي الآخرة.
وكانت وفاته يوم الأحد بعد الظهر عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
ودفن داخل مقام إبراهيم الخليل بظاهر حلب، وخلف ولدًا ذكرًا فتولى الملك الظاهر غازي تربيته، والقيام بأمره، وكان صبيًا واجتهد في اشتغاله بالفقه، فلم ينجب.
ومنهم:
[٤٥] محمد بن يوسف بن الخضر بن عبد الله الحنفي، الحلبي، أبو عبد الله (٢)
ويعرف بابن الأبيض، أبو عبد الله، شمس الدين.
قاضي العسكر، وقائل القول لا ينكر، وقائد الجحفل إلا أنه لحياءه لا يظهر، ولظهوره لا يذكر، تقلد الملك منه رأيًا ماضيًا، وجرد عزمًا قاضيًا، وصرح لحلب منه زبدتها، ووضح به في وجه شهبائها المغبر زينتها، وعلا مقامها بمقامه في موطنها، وطارت بروق صرائرها المصلتة السيوف ذعرًا من جوشنها، وترسل بكلم ألطف من الوسائل، وأشجى من تغريد حمام الرسائل.
مولده بحلب في صفر سنة ستين وخمسمائة، وتفقه على والده يوسف بن الخضر، وأبي بكر الكاساني، وتفقه عليه أبو القاسم بن العديم مؤرخ حلب. وقال: نشأ بحلب، فلما انتقل أبوه إلى دمشق وولي القضاء بها، سار إلى والده وتقدم ونفق على الملك العادل، فولاه قضاء العسكر وسيره إلى الملوك في الرسائل، وقلده عدة مدارس، ولم يزل كذلك حتى حصل بينه وبين ابن شُكر وحشة خاف منها على نفسه،
стр. 1792
وكان العادل قد سيره رسولًا إلى حلب وإلى الديار الرقية.
قال ابن العديم: وكان قد اتصل بوالدي، فلما ورد حلب عرض عليه الملك الظاهر غازي المقام بحلب، وضمن له أشياء، فأجابه إلى ذلك، وسار إلى البلاد الشرقية لأداء الرسالة، وعاد إلى حلب فأقام بها، وسير جواب الرسالة إلى الملك العادل، وولاه الملك الظاهر مدرسة شاذ بخت، قال: وحكى لي إنما سيره الملك العادل في هذه الرسالة؛ ليتلطف في طلب الدستور بألطف حيلة، وذلك أنه قال له: قد علم مولانا أنني قد تأهلت بحلب، وأنا أستخرج الإذن الكريم في المقام عند أهلي عند قضاء شغل السلطان، فأذن له في ذلك ظنًا منه أنه يقيم مدة ثم يعود، ولم يزل بعد ذلك مقيمًا بحلب إلى أن ولى الملك الظاهر افتخار الدين أبا هاشم عبد المطلب الهاشمي رياسة أصحاب أبي حنيفة ﵁، فاستوحش لذلك، وترك منصبه وسافر إلى حماة، فأنزله الملك المنصور محمد بن عمر بها، وأكرمه وولاه المدرسة النورية بها، ثم إنّ الملك الظاهر طلب من والدي عوده فسار والدي إليه إلى حماة، وأعاده إلى منصبه بحلب.
قال ابن العديم: وكان دمث الأخلاق، حسن المحاضرة، كريم الطباع، غزير العلم، كثير الورع مليح النظم والنثر أنشدني لنفسه: [من الطويل]
أشدُّ المُحبّين اشتياقًا ووحشةً … لمحبوبِهِ صَب يبيت على وعدِ
يخاف اجتنابًا واقعًا عن تعمُّدٍ … وأصعب ما كان التجنُّبُ عَنْ عَمْدِ
توفي في رمضان سنة أربع عشرة وستمائة فجأة، وكان قد استدعى فقهاء المدرسة للإفطار عنده، ثم صلى العشاء والتراويح وسجد، فمات ﵀، ودفن من صبيحته بمقام إبراهيم الخليل ﵇.
ومنهم:
[٤٦] عبد الله بن علي بن صابر بن عبد الجليل الفرغاني، أبو بكر، الفقيه الحنفي (١)
أحد الشهداء الذين قتلوا صبرا وبوئوا من حواصل الطير الخضر المعلقة بساق
стр. 1793
العرش قبرا من الأحياء الذين عند ربهم يرزقون، والأوعياء غير أنهم لا ينطقون، وأمسوا نورًا في قناديل الجنة التي إليها يأوون وروحًا في سرابيل النعيم، فلهذا على الأحياء لا يلوون.
قال ابن النجار في ذيله سكن سمرقند، وكان متولي الخطابة، قدم علينا بغداد حاجًا في صفر سنة ستمائة، وسمع الحديث من شيوخنا، وكان إمامًا كبيرًا في المذهب، والخلاف والجدل، ومعرفة الحديث، والنحو واللغة، وله النظم والنثر، وما رأت عيناي إنسانًا جمع حسن الصورة مع لطف الأخلاق، وكمال التواضع، وغزارة الفضل، ومتانة الدين، والبراعة، وحسن الخط، والقدرة على الإنشاء نظمًا ونثرًا، وفصاحة اللسان، وعذوبة الألفاظ والصدق والنبل، والثقة. ولقد كان من أفراد الدهر، ونوادر العصر، كامل الصفات، بعيد المثل، قل أن تلد النساء مثله. ولقد تأدبنا بأخلاقه، واقتدينا بأفعاله وتعلمنا من فوائده وفرائده، واقتبسنا من علومه ما ينفس بالخناجر على الحناجر وأنشدنا لنفسه: [من المتقارب]
تَحَرَّ فديتُكَ صِدْقَ الحديث … ولا تَحْسب الكذب أمرًا يسيرا
ومَنْ كانَ بالكذب مُستهترًا … سيدعُو ثُبُورًا ويَصلَى سَعِيرا
قال ابن النجار: وبلغنا أنه قتل شهيدًا ببخارى صابرا محتسبًا على يد التتار الكفرة حين استولوا عليها في ذي الحجة سنة ست عشرة وستمائة.
ومنهم:
[٤٧] محمود بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان بن نصر بن عبد الملك أبو المحامد، جمال الدين الحصيري (١)
البخاري المولد الحنفي نزيل دمشق أحد أئمة الحنفية ورئيسهم في وقته غير
стр. 1794
مدافع، ورأسهم الذي يتابع ذو المكانة التي تُفْرجُ لها الصدور، وتخرج لرفعتها البدور، وقر له في خاطر السلطان ما خضع له به حتى تسلط عليه، وتطأطأ بسببه لديه، وكان يدخل عليه إذا عرضت له إليه حاجة راكبًا حماره، لا ينزل عنه حتى يصير إلى إيوانه، ويسير من باب القلعة، فتتثعلب حوله أسود أعوانه، وكان إذا انتهى إلى السلطان، قام إليه وأنزله عن حماره بيده، ومشى معه حتى يجلسه في مقعده، ولولاه زمان الملك الأشرف موسى ما سلم ابن عبد السلام، ولا تجلى عنه الظلام.
مولده ببخارى سنة ست وأربعين وخمسمائة، وتفقه بها على جماعة منهم ابن منصور قاضي خان، وتفقه عليه جماعة منهم العلامة ذو الفنون محمود بن عابد الصرخدي، وأبو المظفر سبط ابن الجوزي، وأبو الفتوح الملك المعظم عيسى بن العادل، وسمع الحديث بنيسابور وهو كهل، ولو سمع في صغره، لكان سند أهل الشام، وروى مؤلفات محمد بن الحسن، وتفرد بروايتها، وروى عنه الكبار من الشاميين.
قال أبو المحامد بن الصابوني: كان إمامًا، فاضلًا، تفقه وصنف، ودرس، وأفتى، وحدث، وانتفع به جماعة كثيرة، وكان جامعًا للعلم والعمل، كثير التواضع، حسن المعاشرة.
قال أبو شامة: فوض إليه تدريس المدرسة النورية بدمشق الشيخ محمود الحصري، وحضر الملك المعظم درسه مع الفقهاء، وذلك في ربيع الأول سنة إحدى عشرة وستمائة، وكان سيدًا، فقيهًا دينًا متواضعًا، وصنف في الفقه الكتب الكبار، وصارت عمدةً في المذهب خصوصًا «التحرير في شرح الجامع الكبير».
وتوفي في ثامن صفر سنة ست وثلاثين وستمائة، وازدحم الخلق على جنازته، وحمله الفقهاء على الأصابع، ودفن بمقابر الصوفية في جانب الطريق. ومنهم:
стр. 1795
[٤٨] عبد الله بن عطاء بن حسن بن عطاء بن جبير بن جابر الحنفي، الأذرعي، أبو محمد قاضي القضاة، شمس الدين، عرف بالشمس عبد الله (١)
قاض لا يهاب ملكًا، ولا يحابي مؤتفكًا، ولا يحل عقدًا بذيل الشعر متمسكًا، يقضي بالحق، ولا يهاب، ويقول الصدق فما يعاب، ولقد شهد له يوم نكلت عنه القرناء، ونكصت الجبناء، أرغم فيه معطس السلطان، وصدع في دأديه دجى العدوان، لقوة وهبها، ونعمة لولاها وجدت كثيرًا قد سُلبها، وهو أول من ولي القضاء بدمشق على مذهب الإمام أبي حنيفة استقلالًا.
مولده سنة خمس وتسعين وخمسمائة، كان والده حنبلي المذهب، وكان يتغالى في الشيخ الفقيه محمد اليونيني ويحبه محبة مفرطة، وبسببه انتقل إلى بعلبك، وقرأ ولده هذا عبد الله على الشيخ الفقيه القرآن العزيز، واستأذنه والده فيما يشتغل به ولده المذكور، فأشار عليه الشيخ الفقيه أن يشتغل في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، فاشتغل، وحفظ مختصر القدوري، ورحل إلى دمشق، وتفقه بحيث صار المشار إليه في المذهب، وكان أحد الأئمة المشكورين رفيع القدر، كثير الفضل، حسن الهيأة، وافر الديانة عالي الإسناد، قوالًا بالحق، كثير التواضع، عديم النظير، قليل الرغبة في الدنيا، يقنع منها باليسير، ولا يحابي أحدًا في الحق، ودرس بالمدرسة المعظمية بسفح قاسيون، وبالمدرسة المرشدية، وهو أول من درس بها واستنابه ابن سنى الدولة ومن بعده في نيابة الحكم على مذهبه، ثم وليه مستقلًا للحنفية في سادس جمادى الأولى سنة أربع وستين وستمائة، واستمر قاضي القضاة إلى أن توفي.
стр. 1796
قال أبو شامة: وفي سنة أربع وستين وستمائة جاء من مصر من سلطانها الملك الظاهر بيبرس الصالحي ثلاثة عهود، لثلاثة من القضاة: شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي المذكور، وشمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي، وزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي، وجعل كل واحد منهم قاضي القضاة، كما هو المنصب لشمس الدين بن خلكان الشافعي، وكان قد فعل بديار مصر في العام الأول كذلك، وَلَّوا أربعة كل واحد منهم قاضي القضاة من المذاهب الأربعة، ولكل واحد منهم نائب، فلما وصلت العهود الثلاثة، لم يقبل المالكي والحنبلي، واعتذرا بالعجز والتقصير، وقبل الحنفي؛ لأنه كان نائبًا للشافعية واستمر على الحكم، ثم ورد الكتاب بإلزامهما، وأخذ ما بأيديهما من الأوقاف إن لم يفعلا، فأجابا، ثم أصبح المالكي، وأشهد على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء، وعن الأوقاف فترك، واستمر الحنبلي، ثم ورد الأمر بإلزامه فقبل، واستمر الجميع لكن امتنع المالكي والحنبلي من أخذ جامكية على القضاء، وقالا: نحن في كفاية فاعفيا منها.
ومن العجب اجتماع ثلاثة على ولاية قضاء القضاة، في زمن واحد، كل واحد منهم لقبه شمس الدين، واتفق أنَّ الشافعي منهم استناب أيضًا من لقبه شمس الدين، فقال بعض الظرفاء: [من المجتث]
أهل دمشق استرابوا … من كَثْرَةِ الحُكَّامِ
إذ الجميع شموس … وكلهم ظلام
وقيل أيضًا: [من مجزوء الرمل]
بدمشق آيةٌ قد … ظهرت للناس عاما
كُلَّما وُلِّيَ شمس … قاضيًا زادت ظلاما
ولما وضعت الأيدي واحتيط على البساتين في الدولة الظاهرية، حضر السلطان بدار العدل، وجرى الكلام في ذلك، فتكلم القاضي شمس الدين عبد الله المذكور من بين الحاضرين، وقال: اليد لأرباب الأملاك، ولا يحل لأحد أن ينازعهم في أملاكهم، ومن استحل ما حرم الله، فقد كفر، فغضب السلطان الملك الظاهر غضبًا شديدًا، وتغير لونه، وقال: أنا أكفّر، فجعل بعض أرباب الدولة يسكن غضبه، ويقول: القاضي إنما أشار بالتكفير إلى من أفتى السلطان بذلك. وكان الذي حمل القاضي على ذلك مخافة الله وخشيته، وألقى الله على خاطره في ذلك الوقت قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
стр. 1797
تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) وكانت العقبي إلى سلامة وخير، وصار للقاضي منزلة عند السلطان، وعلم دينه وصدقه في المقالة، وعظم في عينه، ثم كان يقول: لا تثبتوا كتبنا إلا عند القاضي الذي شتمنا.
توفي يوم الجمعة ثامن جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وستمائة ودفن بقاسيون.
ومنهم:
[٤٩] سليمان بن أبي العز بن وهيب بن عطاء (٢)، أبو الربيع، وأبو الفضل الحنفي، قاضي القضاة، صدر الدين
صدر مذهبه الفسيح، ولسان فتاويه الفصيح، وسليمان وقته الذي فُهم، وسابق أقرانه الذي قدّم، صدر الدين المملو، وبدر الإيمان المجلو، أضيف إليه بمصر مع القضاء قضاء عسكرها، وحضر الحروب فأضاء به وجه عثيرها، ثم جذبه الحنين إلى البلد، وأزعجه الأنين شوقًا إلى الولد، فأعيد إلى دمشق متوليًا للقضاء، ومتصديًا للمضاء، فكان بها موافاة وفاته، ومكان محياه ومماته.
تفقه على أبي المحامد محمود الحصيري حتى برع في المذهب، ودرس بالظاهرية بدمشق قبل الفراغ من عمارتها، وإيماء قبتها المبنية إلى الهلال بإشارتها.
وكان الملك الظاهر يحبه، ويبالغ في احترامه، وأذن له في الحكم حيث حل، وكان لا يكاد يفارقه في غزواته، وحج مرافقًا له.
وكان إمامًا، عالمًا، عارفًا بدقائق المذهب وغوامضه انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر والشام، وأقرأ الفقه بدمشق مدّةً، ثم توجه إلى الديار المصرية، واستوطنها،
стр. 1798
وحكم بها، وأفتى ودرس، وتصدر وقرأ عليه جماعة، ثم عاد إلى الشام بعد وفاته بيسير، واتفق وفاة ابن العديم، فتقلد بعده القضاء بالشام.
وكتب له تقليد بخط أبي جعفر أحمد بن سعيد بن الأثير قال فيه: ولولا تشوقه إلى ولده، وتشوفه إلى بلده، لما حكم إلا بمرأى منا ومسمع، ولما نقلنا خاتم تصرفه من إصبع إلى إصبع.
ثم أدركته المنية، فمات في ليلة الجمعة سادس شعبان سنة سبع وسبعين وستمائة، ولم يخلف بعده مثله في المذهب، وكان عنده فضائل في غير الفقه، وولي الحكم بعده الرازي.
وله شعر، ومن شعره المروي ما قاله في مملوك حسن الصورة من مماليك المعظم بن العادل زوجه بجارية من جواريه موصوفة بالحسن: [من البسيط]
يا صاحبي [أفيقا] فانظُرا عَجَبًا … أتى به الدهر فينا مِنْ عَجَائِبِهِ
البدر أصبح فوق الشمس منزلةً … وما العلو عليها مِنْ مَراتبِهِ
أضحى يماثلها حسنا وصار لها … كفوًا وسار إليها في مواكبه
فأشكل الفرق لولا وَشْيُ نَمْنَمَةٍ … بِصُدْغِهِ واخضرار فوق شاريه
ومنهم:
[٥٠] عمر بن محمد بن عمر، أبو محمد الخجندي، المعروف بالشيخ جلال الدين الخبازي (١)
هو الطود أوله يواري، والبحر لا بل البحر بعض ما يجاري، رحل عن خجند ونهرها يترقرق عليه دمعًا، بل نهر جيحون لابل سائر تلك الأنهار جمعًا، وأسفت خوارزم فقامت تلطم بأيدي الأمواج بحيرتها، ويظهر في منقطع الرمل حيرتها، فلما قدم دمشق استحسن على خجند غوطتها الفسيحة، وبقعتها التي كأنها مدارس صفيحه فحل فيها أنيقه، ورعى في جانبها المخضر مؤنقه، وهجر ما سواها قائلًا:
стр. 1799
[من الوافر]
وجاشت من بلاد الصغدِ نفسي … وخافَتْ مِنْ جبالِ خُوارزم
ورد دمشق وحج سنة تسعين وستمائة، ودرس بالعزيّة البرانية بدمشق، ودرس أيضًا بمسجد خاتون في رجب سنة تسعين وستمائة، وبقي مدرسًا به إلى أن مات، ودرس أيضًا، بخوارزم، وأعاد تصانيفه «المغني في أصول الفقه» و «مصنف في أصول الدين» و «حواشي على كتاب الهداية».
وكان فقيهًا، زاهدًا، عابدًا، متنسكًا، عارفًا بمذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وتوفي لخمس بقين من ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وستمائة، عن اثنتين وستين سنة.
ومنهم:
[٥١] محمد بن محمد بن نصر القلانسي، أبو الفضل (١)
المنعوت حافظ الدين، شيخ الإسلام ببلاد المشرق، والظاهر في السواد الأعظم كالفرق أدى الفرضي فرض شكره أو قارب، وقارض بوصفه الدر وما راقب، أتى البيت الحرام مرّة بعد أخرى، يرشدهم هداه، ويرشهم بوبل الغمام فيض نداه، ويريهم مناسكهم حيث يحز رقاب الحساد قبل الجزر مداه.
ولد ببخارى في حدود سنة خمس وستمائة، وتفقه على شمس الأئمة الكردري، وقرأ عليه الأدب وسائر العلوم، وسمع من جماعة.
وذكره أبو العلاء الفرضي، فقال: كان إمامًا عالمًا ربانيًا، زاهدًا، عابدًا، مفتنًا، مدرسًا، تحريرًا، فقيهًا، مدققًا، محدثًا جامعًا لأنواع العلوم، حائزًا لقصب السبق في فنون الفضائل، علامةً في فني الأصولين مشارًا إليه في حل مشكلات الكشاف. قدم بغداد حاجًا في الأيام المستعصمية، فحج وتوجه إلى الشام قاصدًا لزيارة الخليل إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام والصلاة في بيت المقدس، وأقام بدمشق مدة، ثم حج ثانيًا، ورجع إلى بغداد، وتوجه إلى بخارى، فدخلها ونشر العلوم بها. وكان شيخ الإسلام ببلاد الشرق، وكان مكرمًا للطلبة الواردين من البلاد،
стр. 1800
محسنًا إليهم، مشفقًا على التلامذة. ذا مروءة تامة، وسخاء وكرم نفس، وكان ذا هيبة في الدين، يهابه كل أحد، وكان على قاعدة السلف علمًا وعملًا، وزهدًا، وعبادة، قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء: فالثلث الأول للاستراحة، والثلث الثاني للعبادة، والثالث لمطالعة الدروس. وكان يتلألأ وجهه نورًا، لم تر عيناي مثله في حسن سمته وطريقته. انتهى كلامه.
قال: وتوفي ببخارى في النصف الثاني من شعبان سنة ثلاث وتسعين وستمائة.
ومنهم:
[٥٢] الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان، أبو الفضائل، قاضي القضاة حسام الدين، الرازي، الحنفي (١)
فاق فضلًا متنوعًا، وعلمًا متفرعًا، ذكر يفيض سلسالًا، ويفوت الغمام إرسالًا، بجودٍ ينبّه رياح المطالب الكسالى، ويدع سجاح البروق كأجنحة البزاة رمت نسالا، هذا مع مروءة غزيرة، وسيرة غريرة وسريرة ما أترع شبهها السحاب غديره، وفواضل غطت على الرفاق، وفضائل بالقصد وكأنها بالاتفاق، وعلمان علم أديان يزكو بالإنفاق، وعلم أبدان لو عالج الزمان أفاق، وخط ما حملت مثل شعاره المنابر، ولا أمدت الأحداق نظير سواده في المحابر.
ولد في ثاني المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بأقسرا، وكتب الخط الحسن الفائق على الولي التبريزي، وكان مجموع الفضائل، يعرف الفقه، والنحو، والشعر، والأدب، والإنشاء، والطب. ولي قضاء ملطية أكثر من عشرين سنة، ثم توجه إلى الشام سنة خمس وسبعين وستمائة خوفًا من التتار، وأقام بدمشق، ودرس في عدة من مدارسها الكبار، ثم باشر قضاء الحنفية بها في رمضان سنة سبع وسبعين وستمائة،
стр. 1801
فحمدت سيرته، وكثر إحسانه ومروءته، وجرت أحكامه على السداد، وامتدت أيامه إلى أن تسلطن المنصور لاجين، فسار إليه إلى الديار المصرية سنة ست وتسعين، فأقبل عليه إقبالًا وافرًا، وأكرم مورده وعظمه، وأحب مقامه عنده لمودة كانت بينهما، فولاه القضاء بالديار المصرية عوضًا عن السروجي، وولى ولده جلال الدين قضاء دمشق حتى قتل المنصور لاجين وزالت دولته، ثم عاد إلى دمشق سنة ثمان وتسعين وستمائة، فخرج الناس للقائه فورد دمشق على ما كان عليه من قضائها والتدريس بها، وغير ذلك من المناصب بتقليد جديد، وخلعة سلطانية لبسها يوم دخوله.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في تاريخه (١): حضرت مجلسه فجري شيء من الكلام، فرأيته يرجح طريقة السلف ويصوبها، وكان آخر أمره أنه خرج إلى الغزاة، وشهد المصاف، وكان آخر العهد، وذلك سنة تسع وتسعين وستمائة، فقيل: أسر، وقيل: استشهد، والله أعلم بما صار إليه.
ومنهم:
[٥٣] إسماعيل بن عثمان بن محمد بن عبد الكريم بن تمام القرشي، الدمشقي، الفقيه، الحنفي، أبو الفداء، رشيد الدين (٢)
عرف بابن المعلم.
نزيل القاهرة، حيث شيدت قصورها، وجودت بسحب الوفود المنهمرة دورها، إذ ساقت إليها سيوف هولاكو من أبقت وضمت إليها من وقت، وأكنت في حجرها أولئك الشذاذ، ومنت على الطرداء من وراء بغداذ فلاذوا منها بركن الحطيم، وعادوا من أمها الرؤوف بحنو الوالدات على الفطيم ووصلوا إليها أشلاء حتوف مزقتهم القواضب، وفرقتهم النوائب، وأرقتهم المخاوف، فجاؤوا إليها يقطعون السباسب.
стр. 1802
مولده في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة.
قرأ القرآن بالروايات على علم الدين السخاوي، وقيل: برواية أبي عمرو، وتفقه على الحصري وغيره، وقرأ النحو على ابن مالك، وروى الحديث عن الحسن بن الزبيدي، وشيخه السخاوي، وابن الصلاح وابن خليل، وانفرد بالرواية عن الحسن بن الزبيدي بالديار المصرية، وسمع منه جماعة من الأعيان، ودرس بدمشق،
وعرض عليه قضاؤها فامتنع.
وكان شيخًا جليلًا، علامةً، من أعيان الفضلاء، وأصحاب الفتوى لديه علوم شتى، وعنده زهادة، وانقطاع عن الناس، ثم توجه إلى الديار المصرية في جفل التتار هو وولده وأقاما بها، فلازم الشيخ بيته جوار الجامع الأزهر، وكان أبو الفتح بن دقيق العيد يعظمه، ويثني على علمه وديانته وفضله.
وتوفي بالقاهرة سحر يوم الأربعاء خامس رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة، وصلي عليه بدمشق صلاة الغائب.
ومنهم:
[٥٤] محمد بن محمد بن أبي العز بن صالح بن أبي العز بن وهيب، أقضى القضاة، الحنفي، الخطيب، شمس الدين أبو عبد الله بن أبي البركات (١)
حاكم يخشع، وعالم يخضع، ومصرف أقضية لا ترتد، وعيون المنايا إليه تتطلع، ومطرف أندية بمثل جلابيب الشمس تتوسع، وملحف أردية من الفخار جاءت المجرة على آثارها تتبع يقضي وأنف الرُّمح راغم ويمضي وطرف السيف واجم، وغير هذا من المحاسن التي تملأ بالوسامة عين المتوسم والمآثر التي قل أن تكون لغيره وبالله أقسم.
مولده ليلة الاثنين سابع عشرين رمضان سنة ثلاث وستين وستمائة بسفح قاسيون.
تفقه على الشيخ رشيد الدين سعيد، وتقي الدين التركي وغيرهما، وسمع الحديث، وحدث بدمشق، وطريق الحجاز، ودرس، وخطب، وأفتى، وكان إمامًا
стр. 1803
فقيهًا، فاضلًا، يعرف الفقه، بصيرًا بالأحكام والقضايا، محمود السيرة في حكمه، حكم بدمشق نيابة عن ابن الحريري. وخاله صدر الدين علي الحنفي، فحكم بدمشق نيابةً مدة عشرين سنة، ودرس بالظاهرية، والقليجية، والمعظمية، وخطب بجامع الافرم، وهو أول خطيب خطب به بحضور بانيه نائب السلطنة والقضاة والأعيان. ولبس الخلعة من القصر الظاهري، فشكرت فصاحته، وتوفرت الأدعية لمنشيء الجامع.
وكان فيه ديانة وخير حسن الشكل، تام المروءة، دمث الأخلاق، طيب المعاشرة، كثير التودد والإحسان إلى أصحابه ومعارفه، عنده قوة نفس في الأحكام وإمضائها، ويقول على طريقة الفقهاء، ونظم عدة مسائل في الفقه، ذكر فيها ضوابط وقيودًا.
وكان إذا صعد المنبر ليخطب تغير لونه، وطَارَ لبه واحمرت وجنتاه، وخنقته العبرة. وعزّر مرة رجلًا معتبرًا من ذوي السيوف لسفه بدا منه في حق ابن قاضي القضاة صدر الدين، وأبوه إذ ذاك خاله ومستنيبه، فطلبه كافل الممالك «تنكز» وأنكر عليه ما فعل بغير إذنه، وقال له: كيف تعزر أنت مثل هذا لأجل قرابتك وابن الذي استنابك؟ فقال له: يا أمير الناس عندي سواء في الحق إن كان قرابتي أو غير قرابتي، والذي استنابني أو غيره، وإذا وجب على واحد منهم أو له فعلته فقال كالمستهزئ به فغدًا بعده إذا وجب عندك علينا شيء افعله! فقال: نعم والله لو وجب عليك شيء بحكم الشرع فعلته، وها قد عزلت نفسي وامتنع من الحكم حتى استرضي، وأعيد على كره منه له، فلما آن وقت الحج عزل نفسه، وحج ومات ﵀ عقيب قدومه متبرئًا من الأحكام، وذلك بكرة يوم الخميس آخر أيام من المحرم سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة بمسجد ابن يغمور ظاهر دمشق، ودفن عند أقاربه بالقرب من المدرسة المعظمية بسفح قاسيون.
ومنهم:
[٥٥] علي بن أبي القاسم بن محمد بن عثمان أبو الحسن، قاضي القضاة، صدر الدين، البصروي، الحنفي (١)
أبو حنيفة الثاني، والمنمق لمذهبه المذهب أو الباني، بحر يقذف أمواجًا،
стр. 1804
وسحاب يرسل أفواجًا، وأسد يأكل من أهل الجدل ماجا. ذو يراع حطم القنا، وحط السيوف إلى أدنى، وكانت الفتاوى لا تنهض إلا إذا راشها مداد قلمه، ولا تدحض إلا إذا نصلها ماضي تقدمه، والمدارس لا تطير إن لم تجنحه محاريبها، والفوائد لا تسير ما لم تصبحه جلابيبها، والعلوم تتجلى إذا قال أو كتب، وتتحلى من حصباء ياقوت على أرض من الذهب.
مولده في أيام الخوارزمية سنة اثنتين وأربعين وستمائة بقلعة بصرى، وتفقه على والده ثم على القاضي شمس الدين بن عطاء. وتفقه عليه جماعة، وسمع الحديث من ابن عبد الدايم، وإسماعيل بن الدرجي، وابن عطاء القاضي، وابن النحاس وغيرهم، وخرج له جزء حديث عن شيوخه، وحدث به، وكان من أعيان الفقهاء الحنفية، ودرس قديمًا سنة أربع وستين وستمائة، وأذن له في الإفتاء في ذلك الوقت، وكانت له بعمي شرف الدين سابق صحبة، وحج معه عديله في المحمل، ولم يزل يترقى في المدارس الكبار إلى أن ولي الحكم بدمشق على مذهبه، وحظي بصحبة رجل قدمته وأمطته الأيام وأخدمته، وبقي قاضي القضاة أكثر من عشرين سنة، وتفرد في آخر عمره بالتقدم على جميع أهل مذهبه، لكثرة تحصيله، وجودة ذهنه، وغزارة استحضاره، وأذعن له الناس، وانتهت إليه رياسة العلم.
وكان نزهًا، نظيف العرض، عفيفًا، مستغنيًا بماله ومناصبه، وكان له ثروة وأملاك، وقاربت تركته ألف ألف درهم، وأوصى منها بثلثها صدقة، كان حفظةً للكثير من الحكايات والأشعار حسن المناظرة، كثير الفوائد، ولي قضاء العساكر الشامية سنة تسع وسبعمائة على قاعدة من تقدمه من قضاة العساكر، توفي ببستانه بسطري ظاهر دمشق يوم الأربعاء ثالث شعبان سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ودفن بسفح قاسيون، بالقرب من المعظمية.
ومنهم:
[٥٦] محمد بن عثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري، الدمشقي، أبو عبد الله، قاضي القضاة بمصر والشام، شمس الدين ابن الحريري (١)
حافظ كتاب الهداية، وحامل هذه الراية، قوي لا يلين، قويم لا يبل له طعين،
стр. 1805
مصمم كالسيف في اليمين ميمم طريق السلف لولا إفراط التكليف المبين، ماش على الجدد لو لم ينكب به خيلاؤه، ويخرج به عن الحد استعلاؤه، كان متوعر الطريق متعدد التحقيق، متقعر الألفاظ، يخرجها بكلفة كأن به خوانيق، وكما يحكى عنه أنه كان في بيته بين أهله وجواريه إذ تطرح المؤنة. وتذاع الأسرار المصونة، لا يزداد حيث يتوسع مثله إلا تضييقا، وحيث ترق حاشيته إلا تعميقًا، ثقالة جبلت عليها جبلته، وأبغضت لأجلها جملته، حتى قيل إنه اتخذ له نقيبة في بيته إذا دخل إليه قالت قدامه: بسم الله مولانا وسيدنا قاضي القضاة، ومن هذا وأمثاله، وأنه كان يقول لزوجته: أكرمي النقيبة؛ فإنها تكرم بعلك إلى غير هذا مما يثقل على القلوب سماعه، ويعرف أنه من الجبل الأصم قد نحتت طباعه مما يضحك منه من سمع، ويعلم منه أنه ممن تبدد عرضه؛ ثم ما جمع.
مولده بدمشق في عاشر صفر ثلاث وخمسين وستمائة، وتفقه على الشيخين عماد الدين بن الشماع، ورشيد الدين سعيد، وتفقه عليه جماعة من أعيان العلماء الدمشقيين، وسمع الحديث، وخرج له جزء عن عشرة من شيوخه، وحَدَّث به بدمشق، والقاهرة، وشرح محفوظه في عدة مجلدات، وله تعاليق ومسودات.
درس بدمشق بالمدارس الكبار، وتولى قضاء القضاة بها، ثم صرف، فثبت لذلك، والتزم أن لا يتعرض لطلب هذا الأمر، وأنه كان في تعب ثم أعيد إلى القضاء وبعض مدارسه التي كانت بيده ثم أعيدت إليه المدرسة التي كانت خلفت عنه من مدارس درس بها نحو شهر ونصف، ثم صرف عنها، ثم طلب إلى الديار المصرية لقضاء القضاة بها، فتوجه إليها ودخلها في شهر ربيع الآخر، وكان عنده قوة نفس في الأحكام وإمضائها، مراعيًا للمذهب لا يراعي زيدًا ولا عمرًا، ولا يألو ذمًا ولا شكرًا.
ولما كان بالديار المصرية اتفق أنَّ الأمير الكبير بكتمر الساقي كان له إسطبل بأرض بركة الفيل، والأرض لورثة الملك الظاهر بيبرس وقف عليهم، فتعرض إليها، وقيل: إن الأرض زادت معهم، فأرسل وكيل بيت المال ونواب الحكم والعدول لقياس الأرض، فلم تزد شيئًا، فأرسلوا مرة أخرى، فقيل: إنها زادت قطعة، فقالوا:
стр. 1806
لو أعطونا أرض الإسطبل عوضًا عن هذه الزيادة، فقيل: الأرض وقف وما يمكن التعويض لكن يشهد علينا بقبض أجرة الأرض مهما أردتم من السنين، فقيل للسلطان: إن مذهب أبي حنيفة يجوز فيه الاستبدال بالوقف، وطلب منه ذلك فامتنع، وقال: هذه رواية عن أبي يوسف، وأنا لا أعمل بها، فولى السلطان بمصر سراج الدين عمر صهر السروجي حاكمًا. وعزل ابن الحريري عن الحكم بمصر دون القاهرة، وأجاب سراج الدين إلى الحكم بالاستبدال واختاره، وبقي على قضاء مصر مدة يسيرة، ثم مات قبل أن يحكم بالاستبدال، وأعيد ابن الحريري، فعظمت مكانته عند السلطان بهذه الواقعة، وخلع عليه ليلة عيد الفطر، وكان ذلك سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولم يزل متولي الحكم إلى أن توفي يوم السبت خامس جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وكان له جنازة عظيمة.
وكان حسن السيرة في منصب الحكم، له همة ونهضة، وعليه مهابة، وله وقع في قلوب الأكابر والأصاغر، والخاص والعام، وله قصد في استخلاص الحقوق، وفصل القضايا، وهو موصوف بالطريقة الحميدة والنزاهة والديانة، نقي العرض، لا يقبل لأحد هدية ولا رشوة القريب والبعيد عنده سواء في الحق، وكان ملازمًا للاشتغال، وإعادة محفوظاته، وله أوراد في ذلك، وكان فيه مودة لأصحابه ومعارفه، كثير النفع لهم.
ومنهم:
[٥٧] إبراهيم بن علي بن أحمد بن علي بن يوسف المعروف بابن عبد الحق أبو إسحاق، قاضي القضاة، برهان الدين (١)
حق ظهر به برهانه، وصدق تجلى به زمانه، إبراهيم حلم وكل الناس ضيفانه، ونوح علم وبحر الفقه طوفانه، وبقية في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، بقي فيه وحده أمة، وتفرد وقد درجت الأئمة، فقام للدين برهانا، وقام للحق، فقعد الباطل مهانا، ولي قضاء القضاة بالديار المصرية بسيرة ملأت صدور الإيمان سرورا، وانبثت في مقل النجوم نورا، وكان يحضر مجلس السلطان يصدع بما يؤمر، ويتكلم ورفاقه جلوس كأنه
стр. 1807
عليهم مؤمر، ليس إلا في فقه ينقله في موضعه، وعلم يستخص لأنفعه، ثم عمل عليه عند السلطان من عمل على الناس عنده حتى أخلى منه الأوطان، وأتى دمشق، وصار بها صدر ناديها، وبدر واديها، وغيث صنائعها، وجميل أياديها.
تفقه على الشيخ تقي الدين أبي الربيع سليمان التركي الزاهد، وسمع الحديث من ابن النجار، وطائفة، وخرج له مشيخة في الحديث، وحدث بها بالقاهرة، ودرس بدمشق بالمدرسة الشبلية، وبالمدرسة الفرخشاهية ظاهر دمشق، وأعاد في كبار المدارس، وتصدر للإفادة بالجامع الأموي ورجع إليه في مهمات الفتاوى والوقائع، ولم يكن في وقته أفقه منه في مذهبه، ولا أتم بحثًا، ولا أدق نظرًا، ولا أعذب لسانًا، عارف بغوامض المذهب ومشكلاته، حديد النظر، شديد الفكر في الفقه، وله تصرف في جملة من علوم الشريعة، ويجيب الفضلاء من أرباب المذاهب وطلبة الحديث.
وبرز المرسوم السلطاني الملكي الناصري في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بطلبه من دمشق إلى الديار المصرية قاضيًا بعد ابن الحريري فقابله بالامتثال، وتوجه لها على خيل البريد وفوض إليه قضاء القضاة، وتدريس المدارس الكبار، وخلع عليه وأكرم مورده ورسم له ببغلة سلطانية وركب الأعيان والحجاب، وبعض أرباب الدولة في خدمته وقرى تقليده.
وحكم، وألقى الدروس البديعة، وأقام هناك نحوًا من عشر سنين، ثم صرف عن القضاء، وعاد إلى دمشق سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأقام بها مدة ليس له راتب ولا معلوم، وهو قانع صابر، ثم ولي تدريس المدرسة العذراوية بدمشق، ولم تزل الفضلاء يترددون إليه، ويستفيدون منه، ويرجعون إلى رأيه. وله المصنفات المفيدة، وله مسائل مفرده عديدة.
توفي ليلة الأربعاء سابع عشر ذي الحجة سنة أربع وأربعين وسبعمائة.
ومنهم:
[٥٨] أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنو شروان الرازي الحنفي، أبو المفاخر، قاضي القضاة، جلال الدين (١)
نزيل دمشق. طالما تكلم والناس سكوت، وامتد به البقاء وحياة العلم أنه لا
стр. 1808
يموت، مع كرم منهل اليدين، وسماح مُتهلّل الفرقدين، وعلم، وعمل، وسوي دين ومروءة كأنما يُتقاضَى منها بدين، وأريحية يهزه طربها، ويلزه أربها، ويعزه بها فريقا الأمم عجمها وعربها. يوفي حقوق الناس بسعة، بل يسلفهم ويعدهم بلسان حال فعله ثم لا يخلفهم، ويبسط كفًا ما تعود في السماح قبضها، ويدًا لا تجس الثريا في عرق البرق نبضها.
مولده بمدينة أنكوريا سنة إحدى وخمسين، وتفقه على والده وغيره، وقرأ القرآن الكريم، والتفسير، والنحو والتصريف، والخلاف والجدل، وأصول الدين، والفقه، والفرائض، وسمع الحديث، وحدث بدمشق، وولي القضاء بخرتبرت وأعمالها، وعمره سبع عشرة سنة، ثم قدم دمشق فناب عن والده في الحكم سنة ست وتسعين وستمائة، ثم وصل تقليده بالاستقلال بالحكم سنة سبع وتسعين، واستقر والده بالديار المصرية، ودرس بالمدارس الكبار بدمشق، وحج ثلاث مرات.
وهو كثير المروءة لقصاده، حسن المعاشرة، طيب الأخلاق، سخي النفس جدًا، محبوب عند الفرق كلها، متودد إلى الناس لا يرد سائلًا، ولا يخيب قاصدًا، يحب أهل العلم، ويصلهم كل وقت ويدنيهم.
وله نيف وسبعون سنة يدرس بدمشق، وغالب مفتيي مذهبه من الحكام والمدرسين، والمفتون كانوا فقهاء عنده، وقل منهم من درس وأفتى بغير خطه، وهو محترم عند الدولة، مسموع الكلمة، مقبول القول، ولا يصدر عنه لا الخير، ولا يؤثر عنه إلا الجميل.
[ولما قدم السلطان - من الكرك - دمشق في سلطنته الأخيرة، سنة تسع وسبعمائة تردد الرازي إليه، ونفق عليه. وحضرته وقد جلس وهو والقضاة إلى جانب السلطان وقت صلاة الجمعة بالميدان الصغير، فقرأ القارئ عشرًا، فسأل السلطان عن معنى آية منه، فلم تحر القضاة جوابًا، فقال هو للسلطان بالتركي: هؤلاء حمير ما فيهم من يعرف التفسير، ثم أخذ يفسرها له بالتركي، فقال له: لم لا تقول بالعربي، فقال: لأن هؤلاء ما هم أهل لأن أعلمهم وإنما الخطيب يعرف عن القزويني وسيتفرج مولانا السلطان علي وعليه، ويظهر له ذلك الوقت جهل هؤلاء القضاة، فضحك السلطان وجميع من حضر، وفسر ايدمر الدوادار لوالدي قوله وأنا أسمع، ثم جاء الخطيب فخطب وصلى فلما فرغ طلبه السلطان، وأعاد السؤال. فتكلم هو والرازي، وتناظرا والقضاة سكوت قد سقطوا من الأعين كلها، وكان الاستظهار للرازي.
وحكى لي أعجوبة جرت له قال: كان والدي قد سفرني لإحضار أهله من
стр. 1809
الشرق، فلما جزت البيرة، ألجأنا المطر إلى أن نمنا في مغارة، وكنت في جماعة، فبينا أنا نائم إذا بشيء يوقظني، فانتبهت فإذا أنا بامرأةٍ وسط من النساء لها عين واحدة مشقوقة بالطول، فارتعت فقالت: ما عليك إنما أتيتك لتتزوج ابنة لي كالقمر، فقلت لخوفي منها: على خيرة الله. ثم نظرت فإذا برجال قد أقبلوا، فنظرتهم فإذا هم كهيأة المرأة التي أتتني عيونهم كلها مشققة بالطول في هيأة قاض وشهود، فخطب القاضي وعقد، فقبلت ثم نهضوا وعادت المرأة ومعها جارية حسناء إلا أن عينيها مثل عين أمها، وتركتها عندي وانصرفت فزاد خوفي واستيحاشي، وبقيت أرمي من كان معي بالحجارة لينتبهوا، فما انتبه والله ولا واحد منهم، فأقبلت على الدعاء والتضرع، فلما كان في اليوم الرابع أتتني المرأة وقالت: كأن هذه الشابة ما أعجبتك، كأنك تختار فراقها، فقلت: أي والله، قالت: فطلقها فطلقتها فانصرفتا، ثم لم أرهما. فسألته إن كان أفضى إليها، فزعم أن لا].
وهذا آخر من ذكرته من الفقهاء الحنفية بالجانب الشرقي.
стр. 1810
[فقهاء الحنفية في الجانب الغربي]
فأما من الجانب الغربي من الحنفية، فلم أر من أهل الذكر منهم بالجانب الغربي الممحض إلا رجلًا واحدًا. كدت أكون له بعدم عرفاني جاحدًا، هذا وقد نقبت في البلاد، وقمت لهذا الأمر ملقيًا عن كتفي البجاد.
وهو:
[٥٩] محمد بن عبد الله بن عبدون بن أبي ثور الرعيني قاضي إفريقية المعروف بابن عبدون الحنفي (١)
مولى رعين، ومرمى كل عين، أنبت في أرض المغرب شقائق النعمان، وصرح بذكر أبي حنيفة في أذنها ذلك الزمان، حتى ملأ مذهب الكوفة تلك المسالك. وملك أبو حنيفة الغرب كأنه مالك، وتولى القضاء بإفريقية فكانت لا تعدل بعلمه أحدًا، ولا تقول لغير حكمه دائم النفوذ أبدًا.
قال ابن يونس: حدث عن سليمان بن عمران الإفريقي وغيره، حدثنا عنه غير واحد وحدثنا أبو جعفر الطحاوي عنه بما كتب إليه إجازة.
وذكره أبو بكر عبد الله بن محمد في رياض النفوس في علماء إفريقية، وقال: إنه كان عالمًا بمذهب العراقيين، يتفقه لأبي حنيفة، ويحتج له، قال: وله تواليف كثيرة، وكان أكثر علمه الشروط وله في ذلك تواليف حسنة، وكان حسن الغريب، والنحو، وقلمه خير من لسانه.
وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله الربعي عن أبيه، قال: ولى الأمير إبراهيم بن أحمد، محمد بن عبدون قضاء القيروان، وجلس في جامعها سنة خمس
стр. 1811
وسبعين ومائتين، وكان الأمير محبًا له، معجبًا به وعزل عن القضاء في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائتين.
قال أبو علي في المغرب: انتهى محمد بن عبدون في الدرجة، ورفيع الذكر إلى ما فاق به على أقرانه، وسبق نظراءه، وأصبح نسيج وحده، وواحد عصره، معرفةً، وفقهًا، وأدبًا، ومنظرًا، وجمالًا، وأبَّهةً، ونزاهة، وصيانة. آل به عظمها إلى أن وصف بالكبر والعجب في فعله وخلقه، وكان يضرب به المثل. يقال: إذا أغلق ابن عبدون بابه لم يحتج إلى غيره لعلمه بالفقه، واللغة، والشعر، والرسائل: قال: وكان يتفقه بفقه أبي حنيفة.
وتوفي بإفريقية سنة ثلاثمائة، وقيل: سنة تسع وتسعين ومائتين.
وهذا بالغرب أول القوم وآخرهم، وبعضهم وسائرهم، كأنما كان في ذلك الجانب بيضة الديك أو الفأر من مضايقة الشريك.
* * *
стр. 1812
[فقهاء الحنفية بمصر]
فأما من كان منهم بمصر، فجماعات في كل حين تزين بهم الدهر، وشرف الزمان.
فمنهم:
[٦٠] إبراهيم بن الجراح بن صبيح التميمي، ثم المازني (١)
القاضي الحنفي، قاضي مصر مولى بني تميم، ثم لبني مازن من أهل مرو الروذ، والقاعد في الصدور، وسواه منبوذ والزناد الذي من سنى قبسه مأخوذ. خراساني غلبت مصر عليه بلده البعيد، وجذبت منه الذهب جذب المغناطيس للحديد، واستهدت ديباجه الخسرواني الخراساني، واستشفت زجاجه النيراني النوراني، واستهدت في جانبها الغربي غيره الذي افتر عنه ثغر الصباح، ونهاره الذي تبحر بها لما انفجر فجره من الأفق الشرقي وساح.
تفقه على أبي يوسف، وهو من أصحابه خاصة، وكتب عنه الأمالي وكان أبو يوسف يقول له: تأخذ المسألة من عندنا طرية وتردها منك حيلة. وسمع الحديث، ونزل مصر، فولي القضاء بها سنة خمس ومائتين، وعزل نفسه سنة إحدى عشرة ومائتين.
قال يونس بن عبد الأعلى: كان ذا همةٍ، عالمًا، وكان الذي كتب الشروط لعبيد الله بن السري، فأخذ الأمان له ولجميع جنده، ولم يأخذ لنفسه أمانًا، ففعل ابن طاهر به الأفاعيل.
وقال عبد الرحمن بن عبد الحكم: لم يكن إبراهيم بن الجراح بالمذموم في أول ولايته حتى قدم عليه ابنه من العراق فتغير حاله، وفسدت أحكامه.
стр. 1813
توفي بمصر في المحرم سنة سبع عشرة ومائتين، وقيل: مات بالرملة.
ومنهم:
[٦١] القاضي بكار بن قتيبة بن أبي برذعة بن عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي (١)
والحارث بن كلدة صاحب رسول الله ﷺ ، وبكار قاضي الديار المصرية، البز الرفيع والعز المنيع، والورع المشهور شهرة الأعلام، المشهود به شهادة الإسلام، الراسخ علمًا، الراسي ثباتًا، وقد حبس ظلمًا، أبت له عفته أن يرتقها بتكدير، وأمانته أن يضيعها بألوف الدنانير، وكان يعلم الحمد لله هكذا قدر إيذانًا بأنه أكره على القضاء إذ ولي، وأنه كان يكره منه ما يلي، كفرت به ثقيف سيئة مبيرها، وطت سوءة شريرها، وعفت أولها وأخيرها، ولأهل مصر فيه حسن معتقد، وفرط غلو لا ينتقد، وصدق فراسة أخمدت جمر البرق وقد وقد.
وقد كان حنفي المذهب، تولى القضاء بمصر، وظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهور، وله مع أحمد بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة، وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجًا عن المقرر له، فيتركها بختمها، ولا يتصرف فيها، فلما دعاه إلى خلع الموفق بن المتوكل، وهو والد المعتضد من ولاية العهد، امتنع القاضي بكار من ذلك. والقضية مشهورة، فاعتقله ابن طولون، وطالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه في كل سنة، فحمله إليه بختمه، فكان ثمانية عشر كيسًا، فاستحيا
стр. 1814
أحمد منه، وكان يظن أنه أخرجها، وأنه يعجز عن القيام بها، فلهذا طالبه، ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شادان الجوهري، ففعل، وجعله كالخليفة له، وبقي مسجونًا مدة سنين. وكان يحدث في السجن من طاف فيه؛ لأن أصحاب الحديث شكوا إلى ابن طولون انقطاع سماع الحديث من بكار، وسألوه الإذن له في الحديث ففعل.
توفي قاضيًا يوم الخميس لست بقين من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين، وقبره معروف باستجابة الدعاء.
ومنهم:
[٦٢] أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد. عرف بابن أبي العوام السعدي الحنفي (١)
قاضي مصر، وبها الإسماعيلية، لا يُحكم إلا بآرائها، ولا تزداد أضاليلها باللوم إلا من أغرابها، فقضى بالحق وعدل، ومضى على سننه، وما لواه الجدل، ولم يظلم في وجهه سواد تلك النحل المضلة، ولا شدت عليه تلك الشبه طرف الأدلة، ولا ربطت تلك البدع على ما ينافي الملة، وكذلك كان شأنهم في الدين لا يكرهون، وعلى الباطل لا ينيمون ولكنهم له ينبهون، لا يقلبون الصور، ولكنهم يشوهون، ولا يغلطون الحقائق، ولكنهم يشبهون، ولا يخبتون الخالص بغشهم، ولكنهم يموهون.
مولده بمصر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة له بيت كلهم يتفقهون على رأي أبي حنيفة. وكان من صباه من أهل الصيانة طالبًا للحديث والفقه.
قال إسماعيل بن علي الحسيني في أخبار القضاة بمصر: حدثني أبو حفص الفرائضي: أنه دخل إلى مجلس القاضي أبي الطاهر هو وأبو يوسف بن يعقوب بن إسحاق فقال للحكمي الوراق: يا أبا حفص ترى هذين الحدثين سوف يكون لهما بمصر شأن، فما مضيت الأيام والليالي حتى ولي أبو العباس القضاء، وصار أبو يوسف شيخ الشيوخ، ولما استخلفه أبو الطاهر على الفرض، كان الخصوم يخرجون من عنده وهم يشكرون تأتيه ولطفه، وحصل له في قلوب الناس الموضع الجليل، ولم يعلم عليه إلا الخير والصيانة والديانة. فلما قتل مالك بن سعيد بقي الناس بلا قاض
стр. 1815
من ربيع الآخر إلى شعبان سنة خمس وأربعمائة، ويتطلع كل إنسان إلى القضاء غير أنهم جزعون بما جرى على من تقدمهم. وقام في نفس أبي يعقوب إسحاق، وكذلك سليمان بن رستم وما يجري مجراهما، فلزموا موكب الحاكم. وأبو العباس بن أبي العوام هذا لازم داره ينظر في الفرض، ويشهد ولم يسأل الحاكم إن يكون في جملة من يدخل إليه. وكان بمصر رجل مكفوف يعرف بأبي الفضل جعفر الضرير من أهل العلم والنحو واللغة، فقدمه الحاكم، وخلع عليه، وأقطعه ولقبه بعالم العلماء، وسأله عن الناس واحدًا واحدًا من يصلح منهم، وهو أعلم بما يسأله عنه، وإنما أراد أن ينظر مبلغ عقله، فذكر أبا العباس بن أبي العوام وغيره، فوقع الاختيار على أبي العباس، فقيل للحاكم: يا أمير المؤمنين ما هو على مذهبك، ولا مذهب من تقدم من سلفك غير أنه نفسه مأمون، مصري عارف بالقضاء، عارف بالناس، وما في مصر من يصلح لهذا الأمر غيره. وقام أبو الفضل الضرير من عند الحاكم وقد أحكم له الأمر، فأمر الحاكم أن يكتب له سجل وشرط عليه فيه أنه إذا جلس في مجلس يكون معه أربعة من فقهاء الحاكم كي لا يكون إلا على المذهب. وقرئ عهد على المنبر بالجامع العتيق، وزكاه فيه بأحسن تزكية، وخلع عليه، وحمله على مركب حسن، وجعل له النظر في القاهرة ومصر والحرمين وسائر الأعمال ما خلا فلسطين، فإن الحاكم ولاها أبا طالب المعروف بابن بنت الرندي، ولم يجعل لأبي العباس عليه نظرًا، وكان هذا يجل نفسه عن قضاء مصر وأعمالها غير أن هيبة الحاكم جعلته امتثل أمره، وجعل الحاكم لأبي العباس بن أبي العوام هذا النظر في العيار في دار الضرب والموازين، والمواريث، والنظر في أحباس المساجد، والجوامع، فوليها أبو العباس وهو مؤيس من نفسه، وعلم أنه مقتول لا محالة، وإنما حب الدنيا غلب عليه، ومنع الله يد الحاكم أن تمتد إليه بسوء لما بقي له من الأجل، وكان يركب أيام الجمع مع الحاكم، ويطلع يوم السبت إليه يعرفه ما يجري من أمر الأحكام، والشهود، والأمناء وغيرهم، وما يتعلق بالحكم. ويوم الأحد يجلس في الجامع العتيق، ويوم الثلاثاء يجلس في القاهرة في الجامع الأزهر يحكم بين أهلها، ويوم الأربعاء سأل الحاكم أن يجعله له راحة، فاشترى دارًا بالقرافة ينقطع فيها يوم الأربعاء من بكرة النهار إلى المغرب يتعبد فيها، ويخلو بمن يريد من الشهود ومن غيرهم ويجلس يوم الخميس أيضًا في الجامع العتيق. ولم يزل ناظرًا في الأحكام إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثمان عشرة وأربعمائة.
ومنهم:
стр. 1816
[٦٣] أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، الحنفي، أبو العباس (١)
قاضي قضاة الديار المصرية، شمس الدين، ممن مهد منصب القضاء لأجل حلوله، وأخليت أفئدة المدارس لحظ حموله، والتطم بحر العلم بين جنبيه، واضطرم فريد الذكاء بين غربيه، وعز مكانًا، وعد من خيراته شهب السماء سكانًا، وعلا قدرًا. شخصت الحدق إليه، وسما شمسًا فلم تتجاسر العيون عليه. كم نودي باسمه فحيعل داعي الفلاح، وعودي بحكمه فألقى الزمان السلاح، وذكر منه السروجي صاحب المقامات، ولكنها مقامات أهل الصلاح، ووقفت له في الهيأة على ما لم أظنه لغيره تهيا، ولا لسواه قسمت العلياء ممسوحةً بشبر الثريا، ورأيت غُبر رجال من أهل مصر أدركوه تعبق بذكره أفواههم، وتغيب في بحار شكره سوابح النجوم وهم وأشباههم.
مولده سنة تسع وثلاثين وستمائة. تفقه على أبي الطاهر الحلبي، وصدر الدين سليمان بن أبي العز، وقيل: إنه كان يتفقه أولًا على مذهب الإمام أحمد، وقرأ طرفًا من «المقنع» ثم خوطب في الاشتغال على مذهب أبي حنيفة، فشكا الفقر، وعدم كتاب يشتغل فيه، فدفع إليه كتاب البداية، فحفظها واجتهد في طلب العلم إلى أن ولي قضاء الديار المصرية، وصنف وشرح شرحًا كبيرًا للهداية، ولم يتممه، وكان له مشاركة تامة في علم التفسير والنحو، مع مكارم أخلاق، وطلاقة وجه، وبسط نفس، ومروءة تامة، ورياسة، وجلالة، وحسن معاشرة، صحب الفقراء، وكان مؤثرًا لهم، مكرمًا للغرباء، محبًا للعلم وأهله. يذب عن طائفته. ويحسن إليهم بجاهه وماله.
وروي أنه لما حج سأل الله في الملتزم حاجةً في نفسه لم يطلع عليها أحدًا من الناس، فجاءه شخص فقير بعد مدة، فخلا به، وقال: رأيت النبي ﷺ في النوم وأمرني أن أجيء إليك، وأقول لك بإمارة ما سألت الله تعالى في الملتزم كيت وكيت، أعطني ما معك كله لأنفقه في مصالح ذكرها لي رسول الله ﷺ ، فقال: هذه إمارة صحيحة، ثم أخرج له جميع ما كان عنده، وكان نحو مائة دينار وألف درهم، وقال: خذها، فوالله ما اطلع على هذا أحد إلى الآن، ولو كان عندي أكثر من ذلك لدفعته إليك.
стр. 1817
وقيل: إنه شرب من ماء زمزم لقضاء مصر كما ورد في الحديث: ماء زمزم لما شرب له، فرزقه بتوفيق الله ومشيئته.
ومما يؤثر عنه أنه كان له درج يكتب فيه جميع ما عليه من الدين، فاتفق أنه لما توفي أوفوا ما عليه بذلك الدرج، فجاء شخص فقال: لي عليه مائتا درهم، فنظروا في الدرج وفتشوه، فلم يجدوا شيئًا، فقالوا له: ما كتب لك شيئًا، فرآه بعض الفقهاء في النوم وهو يقول: أعطوا فلانًا مائتي درهم، فإن له علي، فقال له: لم لا كتبتها في الدرج؟ فقال: هي مكتوبة بخط دقيق في الدرج، فأصبح وطلب الدرج، وفتشوه فوجدوه كما قال فأعطوا صاحب الدين المائتين.
وتوفي يوم الخميس ثاني عشر رجب سنة عشر وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى.
ومنهم:
[٦٤] الأمير علاء الدين علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي الحنفي (١)
رجل أخمله عند السلطان فضله، وأخره إذ لم يكن يأتي مثله، ما شد في زمانه على نظيره حميلة سيف، ولا سمحت بشبهه حمية طيف، علمًا متقنًا، وحلمًا متيقنًا، وفضلًا غزيرًا مدده مزيرًا منده مميزًا ما نطق به لسانه، وأثرت يده، مغيرًا به زمانه، كل عصر يضنى نحولًا، ويبلى تحت غلائله جسده، إلا أنه وسم بتشيع كان يسره، ووصم بتتبع كاد يضره، لكنه سلم لما أعتزل، وقنع بكفاف قوت له واختزل.
مولده سنة خمس وسبعين وستمائة بالقاهرة تفقه على السروجي، وشرح الهداية على ابن المعلم، وقرأ الأصولين والمعاني والبيان والبديع، والمنطق على الشيخ علاء الدين القونوي الشافعي، وقرأ العربية على الشيخ أبي حيان، وسمع الحديث. وورد دمشق مع العسكر مرتين، فسمع بها الحديث، و «شرح الجامع الكبير» للأخلاطي شرحًا جيدًا في أربع مجلدات، وصنف عدة مصنفات، وشهد له بصلاحية الإفتاء، والأشغال والتدريس، واعتزل عن الناس، واختار الخمول، وترك الشهرة، ولازم بيته واشتغل بالجمع والتصنيف، وهو باق على زي الأجناد، ولباس الأتراك،
стр. 1818
لم يغير زيه إلى زي العلماء، ولا تغير عن إقطاع الجندية.
توفي سنة تسع وثلاثين وسبعمائة بالقاهرة.
ومنهم:
[٦٥] عثمان بن علي بن محجن بن موسر، أبو عمر، فخر الدين الصوفي، ويعرف بالبازعي، الزيلعي الحنفي (١)
كان من أعيان الفقهاء المرجوع إليهم، والمسموع ما لديهم، يعول على ما أفتى، ويجاذب القول في المسألة حتى لا يتكثر برياش، ولا يتكبر بحشاش. لا يقنع من سحب العلم برشاش ولا يتهافت على الفتوى تهافت الفراش، لما وقر في صدر العصر من مكانه، وما أقر له به كل عدو من فضل دين وأمانة؛ ولأنه كان ﵀ حيث يحمد، ويعرف أنه في كل خلق أحمد.
ورد القاهرة سنة خمس وسبعمائة، واشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وبرع فيه، ودرس بالعاشورية، والدوادارية والتربة المسعودية بالقرافة الصغرى، وكان فقيهًا، فاضلًا، يعرف الفقه، والنحو والفرائض وتصدر للإفادة، والإفتاء، وكان قضاة عصره في مذهبه يميلون إليه، ويسمعون كلامه، وكان أسمر اللون شديد السمرة (٢).
ومنهم:
[٦٦] علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني الحنفي، علاء الدين، أبو الحسن (٣)
هو آخر من بقي، وفاخر الدر مما انتقي، علمًا وعملًا، هما الغاية التي لا
стр. 1819
مزيد عليها، والنهاية التي يجد المجتهد، ولا يصل إليها، ترى الفضل لديه أنواعًا، وبيديه ينقسم أفراقًا واجتماعًا، ونوع الفقه على مذهب أبي حنيفة اليوم بمصر، منحصر في واحده، منحسر قناع السؤال عن فوائده، منحدر منه سيل السائل، مبتدر كل سائل (١).
وهذا من الحنفية آخر من انتهينا إلى أمره، وختمنا الفصل بمسك ذكره، ثم نتلوهم من الفقهاء بمن بعدهم في الرتبة بحكم أزمان الأئمة.
* * *
стр. 1820
طبقات الفقهاء المالكية
стр. 1821
طبقات الفقهاء المالكية في الجانب الشرقي
ونبدأ بمن كان في الجانب الشرقي من المالكية
فإمامهم:
[١] الإمام أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غَيْمان بن خُثيل بن عمرو بن ذي أصبح، واسمه الحارث، الأصبحي المدني (١)
إمام دار الهجرة، ونظام شريعة صاحب الحجرة، وغمام الأنواء الثرة، والنعماء
стр. 1822
بكثرة، وأحد الأئمة الأعلام، وحامي بيضة الإسلام.
تحلل مذهبه المغرب حتى طبق مفاصله، وأطلق في أهل الزيغ مناصله، وعظم حرمات صاحب الشريعة بما طل من الدماء، وداوى من مرض الأعداء بهذا الدواء، فأقيمت به الحدود، وأقيلت عواثر الجدود، وقيدت فرق الزيغ بحبال الوريد إلى حفر اللحود، وطل دماء منع الدماء بها أن تطل، وصان بها عقد الدين أن تحل، وحسم مواد أهواء لولاه لسرى مرضها حتى تفسد كل الأعضاء، وأمهل خصماء الغرماء حتى تكثر ديون الدين على الاقتضاء، بل جاء في أمرهم بالعزائم، وجال في دفع ضرهم بالعظائم، ولم يأخذه على تلك الطوائف القاسية قلوبهم رقة ولا لين، ولا رأفة في دين، ولا رحمة تتأنى بهم إلى وقت، ولا حين.
стр. 1823
وكان هارون الرشيد لا يرجع إلا إليه، ولا هجع جفن طمأنينته إلا لديه، لما يعلمه منه من فضل جل عن الذكر، ودق عن الفكر؛ لأنه ما نظر في علم إلا انفجر … فلقه، وانفرج غلقه ملأ نشره الفضاء، وتلألأ بشره فأضاء، وأشارت إليه الأصابع بالأنامل، وأثنت عليه بالصنائع الجميلة الأرامل وانتصب لنصر المرسل، فكفي مؤنة النصال، وشفي من الداء العضال، وقمع الفئة الباغية، والطائفة الطاغية، بتثبيت تزل الجبال الشم، وهو لا يتقلقل، وتنتقل الصخور الصم وهو راسخ لا يتنقل، فما ورد العلماء حتى صدر، ولا مشى القدماء قدمًا حتى تبين لهم منه الأثر، ولا ركب بنانه القلم حتى قيل إنها لإحدى الكبر.
أخذ القراءة عرضًا عن نافع بن أبي نعيم، والعلم عن ربيعة الرأي، ثم أفتى معه عند السلطان.
قال ابن وهب: سمعت مناديًا ينادي: ألا لا يفتى الناس إلا بفتيا ابن أنس وابن أبي ذئب.
وكان مالك إذا أراد أن يُحدث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث. فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدث إلا مستمكنًا على طهارة.
وكان يكره أن يحدث الناس على الطريق أو قائمًا أو مستعجلًا، ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ ، وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه، وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ مدفونة.
وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة، والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي، وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فقيل له في ذلك، فقال: ليس كل الناس يقدر يتكلم بعذره.
وسعي به إلى جعفر بن سليمان ابن عم أبي جعفر المنصور وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر، ودعا به، وجرده، وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه وأزيلت، ولقي منه أمرًا عظيمًا. فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليًا حلي بها.
وذكر ابن الجوزي في سنة سبع وأربعين ومائة وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطًا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان.
стр. 1824
وقال حسين بن عروة قدم المهدي، فبعث إلى مالك بن أنس بألفي دينار، أو قال: بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيع، فقال: إن أمير المؤمنين يحب أن تعاد له إلى مدينة السلام، فقال مالك: قال رسول الله ﷺ : «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، والمال عندي على حاله.
وقال قتيبة: كنا إذا أتينا مالكًا، خرج إلينا متزينًا مكحلًا، متطيبًا، قد لبس من أحسن ثيابه، فتصدر ودعا بالمراوح فأعطى كل إنسان مروحة، وكان يجلس في منزله ضَجَّاعٌ له، ونمارق مطروحة يمنة ويسره لمن يأتيه، وكان مجلسه مجلس وقار، وحلم، وعلم، وكان رجلًا مهيبًا نبيلًا ليس في مجلسه شيء من المراء، واللغط، ولا رفع الصوت، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث، فلا يجيب إلا الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه، وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له حبيب يقرأ للجماعة، فليس أحد ممن يحضره يدنو ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهم هيبةً لمالك وجلالًا، وكان إذا أخطأ حبيب، فتح عليه مالك.
قال عبد الرزاق في حديث: «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل في طلاب العلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة» فكنا نرى أنه مالك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: مالك أفقه من الحكم وحماد.
وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة، لذهب علم الحجاز.
وقال ابن وهب: لولا مالك والليث، لضللنا.
وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من «موطأ» مالك.
وقال أشهب: كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه، ويسدل طرفها بين كتفيه.
وقال مصعب: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد، ويتطيب.
وقال القعنبي: كنا عند ابن عيينة، فبلغه نعي مالك فحزن، وقال: ما ترك على ظهر الأرض مثله.
وحكى عبد الله الباجي في سبب ظهور مالك: أن امرأة غسلت امرأة ماتت، فلما غسلت فرجها، ضربت الغاسلة بيدها على فرج، الميتة وقالت: يا فرج ما كان أزناك، فلصقت يدها بالفرج، فسئل علماء المدينة في ذلك، ومالك صفة طالب للعلم فاختلفت علماء المدينة في ذلك بين تغليب حرمة الميت على الحي أو حرمة الحي على الميت، فمن قائل بقطع يدها، ومن قائل بقطع الفرج، ومالك حاضر، فقال: ما
стр. 1825
أرى إن سمعتم إلا أن تجلد الغاسلة جلد الفرية، فلعله تخلى عنها، قال: فجلدت ثمانين، فانطلقت يدها، فمن هناك عرف علماء المدينة فضل مالك في العلم.
ولد مالك سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين. وقيل: سنة تسعين، وتردد السمعاني فقال: ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين، والله أعلم.
وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وعاش أربعًا وثمانين سنة.
وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة.
وقال ابن الفرات: سنة تسع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، والله أعلم. وكانت وفاته بالمدينة الشريفة النبوية زادها الله شرفًا ودفن بالبقيع.
وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست فرأيته يبكي فقلت: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأيي سوطًا سوطًا، وقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أُفتِ بالرأي، أو كما قال.
وكان مالك شديد البياض إلى الشقرة، طويلًا، عظيم الهامة أصلع، يلبس الثياب العدنية الجياد، ويكره حلق الشارب، ويعيبه يراه من المثلة، ولا يغير شيبه.
ومن أصحابه:
[٢] عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة الفقيه المالكي (١)
علمه يُثري العدم، وعمله يجلي العتم، وفضله ذو المتلب العمم، صنف كتابًا لا