← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

طبقات الفقهاء المالكية في الجانب الشرقي ونبدأ بمن كان في الجانب الشرقي من المالكية فإمامهم: [١] الإمام أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غَيْمان بن خُثيل بن عمرو بن ذي أصبح، واسمه الحارث، الأصبحي المدني (١) إمام دار الهجرة، ونظام شريعة صاحب الحجرة، وغمام الأنواء الثرة، والنعماء

стр. 1822

بكثرة، وأحد الأئمة الأعلام، وحامي بيضة الإسلام. تحلل مذهبه المغرب حتى طبق مفاصله، وأطلق في أهل الزيغ مناصله، وعظم حرمات صاحب الشريعة بما طل من الدماء، وداوى من مرض الأعداء بهذا الدواء، فأقيمت به الحدود، وأقيلت عواثر الجدود، وقيدت فرق الزيغ بحبال الوريد إلى حفر اللحود، وطل دماء منع الدماء بها أن تطل، وصان بها عقد الدين أن تحل، وحسم مواد أهواء لولاه لسرى مرضها حتى تفسد كل الأعضاء، وأمهل خصماء الغرماء حتى تكثر ديون الدين على الاقتضاء، بل جاء في أمرهم بالعزائم، وجال في دفع ضرهم بالعظائم، ولم يأخذه على تلك الطوائف القاسية قلوبهم رقة ولا لين، ولا رأفة في دين، ولا رحمة تتأنى بهم إلى وقت، ولا حين.

стр. 1823

وكان هارون الرشيد لا يرجع إلا إليه، ولا هجع جفن طمأنينته إلا لديه، لما يعلمه منه من فضل جل عن الذكر، ودق عن الفكر؛ لأنه ما نظر في علم إلا انفجر … فلقه، وانفرج غلقه ملأ نشره الفضاء، وتلألأ بشره فأضاء، وأشارت إليه الأصابع بالأنامل، وأثنت عليه بالصنائع الجميلة الأرامل وانتصب لنصر المرسل، فكفي مؤنة النصال، وشفي من الداء العضال، وقمع الفئة الباغية، والطائفة الطاغية، بتثبيت تزل الجبال الشم، وهو لا يتقلقل، وتنتقل الصخور الصم وهو راسخ لا يتنقل، فما ورد العلماء حتى صدر، ولا مشى القدماء قدمًا حتى تبين لهم منه الأثر، ولا ركب بنانه القلم حتى قيل إنها لإحدى الكبر. أخذ القراءة عرضًا عن نافع بن أبي نعيم، والعلم عن ربيعة الرأي، ثم أفتى معه عند السلطان. قال ابن وهب: سمعت مناديًا ينادي: ألا لا يفتى الناس إلا بفتيا ابن أنس وابن أبي ذئب. وكان مالك إذا أراد أن يُحدث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، ثم حدث. فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدث إلا مستمكنًا على طهارة. وكان يكره أن يحدث الناس على الطريق أو قائمًا أو مستعجلًا، ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ ، وكان لا يركب في المدينة مع ضعفه، وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله ﷺ مدفونة. وقال الواقدي: كان مالك يأتي المسجد، ويشهد الصلوات والجمعة، والجنائز، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، فكان يصلي، وينصرف إلى مجلسه، وترك حضور الجنائز، فكان يأتي أصحابها فيعزيهم، ثم ترك ذلك كله، فقيل له في ذلك، فقال: ليس كل الناس يقدر يتكلم بعذره. وسعي به إلى جعفر بن سليمان ابن عم أبي جعفر المنصور وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، فغضب جعفر، ودعا به، وجرده، وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلعت كتفه وأزيلت، ولقي منه أمرًا عظيمًا. فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت تلك السياط حليًا حلي بها. وذكر ابن الجوزي في سنة سبع وأربعين ومائة وفيها ضرب مالك بن أنس سبعين سوطًا لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان.

стр. 1824

وقال حسين بن عروة قدم المهدي، فبعث إلى مالك بن أنس بألفي دينار، أو قال: بثلاثة آلاف دينار، ثم أتاه الربيع، فقال: إن أمير المؤمنين يحب أن تعاد له إلى مدينة السلام، فقال مالك: قال رسول الله ﷺ : «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»، والمال عندي على حاله. وقال قتيبة: كنا إذا أتينا مالكًا، خرج إلينا متزينًا مكحلًا، متطيبًا، قد لبس من أحسن ثيابه، فتصدر ودعا بالمراوح فأعطى كل إنسان مروحة، وكان يجلس في منزله ضَجَّاعٌ له، ونمارق مطروحة يمنة ويسره لمن يأتيه، وكان مجلسه مجلس وقار، وحلم، وعلم، وكان رجلًا مهيبًا نبيلًا ليس في مجلسه شيء من المراء، واللغط، ولا رفع الصوت، وكان الغرباء يسألونه عن الحديث، فلا يجيب إلا الحديث بعد الحديث، وربما أذن لبعضهم يقرأ عليه، وكان له كاتب قد نسخ كتبه يقال له حبيب يقرأ للجماعة، فليس أحد ممن يحضره يدنو ولا ينظر في كتابه، ولا يستفهم هيبةً لمالك وجلالًا، وكان إذا أخطأ حبيب، فتح عليه مالك. قال عبد الرزاق في حديث: «يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل في طلاب العلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة» فكنا نرى أنه مالك. وقال عبد الرحمن بن مهدي: مالك أفقه من الحكم وحماد. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة، لذهب علم الحجاز. وقال ابن وهب: لولا مالك والليث، لضللنا. وقال الشافعي: ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من «موطأ» مالك. وقال أشهب: كان مالك إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه، ويسدل طرفها بين كتفيه. وقال مصعب: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد، ويتطيب. وقال القعنبي: كنا عند ابن عيينة، فبلغه نعي مالك فحزن، وقال: ما ترك على ظهر الأرض مثله. وحكى عبد الله الباجي في سبب ظهور مالك: أن امرأة غسلت امرأة ماتت، فلما غسلت فرجها، ضربت الغاسلة بيدها على فرج، الميتة وقالت: يا فرج ما كان أزناك، فلصقت يدها بالفرج، فسئل علماء المدينة في ذلك، ومالك صفة طالب للعلم فاختلفت علماء المدينة في ذلك بين تغليب حرمة الميت على الحي أو حرمة الحي على الميت، فمن قائل بقطع يدها، ومن قائل بقطع الفرج، ومالك حاضر، فقال: ما

стр. 1825

أرى إن سمعتم إلا أن تجلد الغاسلة جلد الفرية، فلعله تخلى عنها، قال: فجلدت ثمانين، فانطلقت يدها، فمن هناك عرف علماء المدينة فضل مالك في العلم. ولد مالك سنة خمس وتسعين للهجرة، وحمل به ثلاث سنين. وقيل: سنة تسعين، وتردد السمعاني فقال: ولد سنة ثلاث أو أربع وتسعين، والله أعلم. وتوفي في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وعاش أربعًا وثمانين سنة. وقال الواقدي: مات وله تسعون سنة. وقال ابن الفرات: سنة تسع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، والله أعلم. وكانت وفاته بالمدينة الشريفة النبوية زادها الله شرفًا ودفن بالبقيع. وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلمت عليه، ثم جلست فرأيته يبكي فقلت: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي، ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لوددت أني ضربت لكل مسألة أفتيت فيها برأيي سوطًا سوطًا، وقد كانت لي السعة فيما سبقت إليه، وليتني لم أُفتِ بالرأي، أو كما قال. وكان مالك شديد البياض إلى الشقرة، طويلًا، عظيم الهامة أصلع، يلبس الثياب العدنية الجياد، ويكره حلق الشارب، ويعيبه يراه من المثلة، ولا يغير شيبه. ومن أصحابه: [٢] عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة الفقيه المالكي (١) علمه يُثري العدم، وعمله يجلي العتم، وفضله ذو المتلب العمم، صنف كتابًا لا

стр. 1826

يتعداه من راجع، ولا يتعصاه معنى إلا طاوع بفقه ألين له منه الحديد، وأعين منه بالحميد، حتى أصبح ومدونته ديوان كل ذي غنى وإقتار، وغناء كل ذي مير وممتار، جمع بين الزهد والعلم، وتفقه على مالك ونظرائه، وصحب مالكًا عشرين سنة، وانتفع به أصحاب مالك بعد موت مالك، وكتابه «المدونة» عمدة المالكية في الفقه، ومن أجل كتبهم، وعنه أخذ سحنون. مولده في أرجح الأقوال سنة ثمان وعشرين ومائة، وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائة ليلة الجمعة لسبع ليال مضين من صفر، ودفن خارج باب القرافة الصغرى قبالة قبر أشهب، وهما بالقرب من السور. ومنهم: [٣] عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، أبو مروان القرشي التيمي، المنكدري مولاهم المدني الأعمى الفقيه المالكي (١) معدن فصاحة وعلم، وسماحة وحلم، وجدلٍ لا يخصم، وجد لا يفصم، وسعد ظهره لا يقصم، شرف بولائه في البطحاء، ورواحه وغدوه في الروحاء، وتفيأ في قريش دوحة علياء، وذروة تطاول النجوم علاء.

стр. 1827

تفقه على الإمام مالك، وعلى والده عبد العزيز، وغيرهما، وقيل: إنه عمي في آخر عمره، وكان مولعًا بسماع الغناء. قال أحمد بن حنبل: قدم علينا ومعه من يعينه، وحدث، وكان من الفصحاء، روى أنه كان إذا ذاكره الإمام الشافعي، لم يعرف الناس كثيرًا مما يقولون، لأن الشافعي تأدب بهذيل في البادية، وعبد الملك تأدب بخؤولته من كلب في البادية. قال يحيى بن أحمد بن المعذل: كلما تذكرت أن التراب يأكل لسان عبد الملك، صغرت الدنيا في عيني. وسئل أحمد بن المعذل فقيل له: أين لسانك من لسان أستاذك عبد الملك؟ فقال: لسان عبد الملك إذا تعايى أحسن من لساني إذا تحايي. وتوفي عبد الملك سنة ثلاث عشرة ومائتين. ومنهم: [٤] عبد الله بن سلمة بن قعنب الحارثي، القعنبي، المدني (١) لاذت به العلوم، فأضحى عصمتها، وأخرس عنها ألسنة الخطوب وأصمتها، وشهر الليالي في طلب المعالي، فأقال عاثر الجدود، وأطلع غارب السعود، وأتى الزمان منه بالعذر الجلي، والروض الجني، استحصبت مراده في كنف مالك، واستقرت مواده من شرف ما هنالك. أخذ العلم والحديث عن مالك، وهو من جلة أصحابه، وفضلائهم، وثقاتهم، وخيارهم، وهو أحد رواة «الموطأ» عنه، فإن «للموطأ» رواة، وبين الروايات اختلاف، وأكملها رواية يحيى بن يحيى. وكان القعنبي يسمى الراهب لعبادته وفضله. قال عبد الله بن أحمد بن الهيثم: سمعت جدي يقول: كنا إذا أتينا عبد الله بن

стр. 1828

سلمة خرج إلينا كأنه مشرف على جهنم، نعوذ بالله منها، وكان من أهل المدينة، ثم سكن البصرة، وتوفي بها يوم الجمعة لست خلون من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين. وذكر ابن بشكوال أنه توفي بمكة. ومنهم: [٥] عبد الوهاب القاضي ابن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طوق التغلبي البغدادي (١) الفقيه المالكي، من ذرية مالك بن طوق صاحب الرحبة، فقيه لا يفاضل، وأديب لا يناضل، وكريم بين معروف كرمه لا يُعاضل، بلي بالإملاق، وضني بالرزق الذي لا يبل الآفاق، ورمي بالتشتت في الآفاق، وكان يضني به السفر، ويعلم أن كل دار فارقها هي الفقر، وكان حيث تنقل من البلاد أو بقي حيث فارق الميلاد، مثل الدرة المكنونة إن فارقت البحار، وزايلت المحار، نُقلت إلى التاج، أو بقيت في الأدراج، وسواه كالثمرة إذا فارقت الشجرة، ذبلت نضرتها بمفارقة الأمواه، وابتذلتها الأيدي والأفواه على أنه وصل في وقت من الضائقة إلى حال ترحمه فيها الأعداء، وتساعده البعداء. ومع هذا فكم بخل في زمان من رفعة قدر، وتلبية مضطر. وقال فيه ابن بسام (٢): كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وجدت له

стр. 1829

شعرًا معانيه أجلى من الصبح، وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح، ونَبَتْ به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام في محسني أهلها، فخلع أهلها، وودع ماءها وظلها. وحدثت أنه شيعه يوم فَصَل من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية، ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية. وفي ذلك يقول (١): [من الطويل] سلام على بغداد في كلِّ موطنٍ … وحُقَّ لها مِنِّي سلامٌ مُضاعَفُ فوالله ما فارقتها عَنْ قلّى لها … وإني بشَطَيْ جانبيها لَعَارِفُ ولكنها ضاقت عليَّ بأسرها … ولم تكن الأرزاق فيها تُساعِفُ وكانت كخِلٍّ كُنْتُ أهوى دُنُوَّهُ … وأخلاقه تنأى به وتخالف ثم توجه إلى مصر فحمل لوءاها. وملأ أرضها وسماءها، واستتبع سادتها وكبراءها، وتناهت إليه الغرائب وانثالث في يديه الرغائب، فمات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها، زعموا أنه قال وهو يتقلب ونفسه تتصعد وتتصوب: لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا. وله أشعار رائقة ظريفة فمن ذلك قوله (٢): [من الطويل] ونائمة قبلتها فتنبهت … فقالت تعالوا نأخذ اللص بالحد فقلتُ لها إنّي فديتكِ غاصِبٌ … وما حكموا في غاصب بسوى الرد خذيها وكُفّي عن أثيم ظُلامتي … وإنْ أنتِ لم ترضي فألفًا على العد فقالت: قصاص يشهد العقل أنه … على كبد الجاني النُّ مِنَ الشَّهْدِ فباتت يميني وهي هميانُ خَصْرِها … وباتَتْ يساري وهي واسطةُ العِقْدِ فقالت: ألم أُخْبَرُ بأنك زاهد … فقلت بلى ما زلتُ أزهد في الزهد ومن شعره (٣): [من البسيط] بغداد دار لأهل المالِ طيبة … وللمفاليس دارُ الضَّنْكِ والضيق ظَلَلْتُ حيران أمشي في أزقتها … كأنني مُصحف في بيت زنديق

стр. 1830

انتهى كلام ابن بسام في ذلك. وأنشد ابن خلكان له (١): [من الوافر] متى يصل العطاشُ إلى ارتواء … إذا استقتِ البحارُ مِنَ الرَّكايا ومَنْ يُثني الأصاغرُ عَنْ مُرادٍ … إذا قعد الأكابر في الزوايا وأن تترفع الوضعاء يوما … على الرفعاء من إحدى الرزايا إذا استوت الأسافل بالأعالي … فقد طابت منادمة المنايا صنف في مذهبه كتاب «التلقين» وعدة ومصنفات، وكان فقيهًا، أديبًا، شاعرًا، ثقة، لم يلق من المالكيين أحدًا أفقه منه، وكان حسن النظر، جيد العبارة، تولى القضاء بباذرايا وباكسايا من العراق. وخرج في آخر عمره إلى مصر، فاجتاز في طريقه بمعرة النعمان، وبها أبو العلاء المعري فأضافه، وفي ذلك يقول المعري من جملة أبيات (٢): [من البسيط] والمالكي ابن نصر زارَ في سفرٍ … بلادنا فحَمِدْنا النأي والسفرا إذا تفقّه أحيا مالكًا جَدَلًا … وينشُرُ المَلِكَ الضَّلِّيْلَ إِنْ شَعَرا وتوفي ليلة الاثنين رابع عشر صفر سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة بمصر، وقيل: في شعبان منها، ومولده في شوال سنة اثنتين وستين وثلاثمائة ببغداد. ومنهم: [٦] أبو سعيد، عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان التنوخي (٣) الملقب سحنون، الفقيه المالكي ويكفيه صيتٌ يرفع محله ويسميه، ويكبت عدوه ويصميه، ويشب عمر عزه

стр. 1831

وينميه، ويصون جانب فخاره ويحميه، ولم تزل عين الشرع به قريرة، وأسباب العلياء بسببه مريرة، بسرى كان له إلى المحراب يخلع على الظلام ثوب الصباح، وخوافي دعاء إذا طارت من أوكار المساجد جاءت محلقة الجناح، وكانت مجالسه شفاء كل علة، وسدادًا لكل خلة، وجامعةً من الفضل لكل حلة بحديث كالنسيم يجني كل نسمة، وكالشمس تجلي كل ليلة مظلمة. قرأ على ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وانتهت إليه الرياسة في العلم بالمغرب، وكان يقول: قبح الله الفقر، أدركنا مالكًا، وقرأنا على ابن القاسم. وكان أصله من الشام من مدينة حمص قدم به أبوه مع جند حمص، وولي القضاء بالقيروان، وعلى قوله المعول بالغرب، وحصل له من الأصحاب والتلامذة ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك مثله، وعنه انتشر علم مالك بالمغرب، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة أربعين ومائتين. ومنهم: [٧] علي بن محمد بن خلف المعافري، القَرَويّ، القابسي (١)، أبو الحسن الفقيه الحافظ، رجل نورت بصيرته، وسرت سريرته، وظهرت بزيادة نور الباطل خيرته، فلم يكن ضررًا عماه، ولا عادمًا فضل البصر نعماه، ولم تزل نكبات الأيام عنه ناكبة، ونوائب الحدثان على أعدائه متناوبة، اختلج بحرًا لا تسع مثله الصدور، وأخرج درًا لا تولد شبهه البحور، فما تكلم إلا امتدت إليه يد الالتقاط، وضاق به

стр. 1832

فسيح الفضاء والبحر في مثل سم الخياط، ولم يزل على طرق العلم راصدًا، ولسبل … الحلم قاصدًا إلى أن قطعت حباله، وغاضت أبحره الزواخر، ودكت جباله. مولده سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وكان حافظًا للحديث والعلل، بصيرًا بالرجال، عارفًا بالأصلين رأسًا في الفقه، وكان ضريرًا، وكتبه في نهاية الصحة كان يضبطها له ثقات أصحابه، وكان زاهدًا ورعًا، يقظًا، لم أر بالقيروان أحدًا إلا معترفًا بفضله، وله تواليف بديعة ككتاب «الممهد في الفقه» و «أحكام الديانات». وإنما قيل له القابسي، لأن عمه كان يشد عمامته شدة أهل قابس. قال الداني: أخذ القراءة عرضًا عن أبي الفتح بن بدهن، وعليه كان اعتماد أهل القيروان، ثم قطع الإقراء لما بلغه أن تلميذًا له أقرأ الوالي ثم أعمل نفسه في الفقه حتى صار إمام أهل زمانه كتبت عنه شيئًا، وارتحل سنة اثنتين وخمسين، فغاب خمسة أعوام. قال حاتم: توفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة بمدينة القيروان، وبات عنده قبره خلق كثير، وضربت لهم الأخبية ورثته القراء. ومنهم: [٨] سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث (١) التجيبي (٢) القرطبي، أبو الوليد صاحب التصانيف، إمام لولاه ما وجدت الألسن مقالًا، ولا حلت من العلم

стр. 1833

عقالًا، ولا نفرت من الخواطر المعاني خفافًا وثقالًا، ثم أقبل على الفقه بكليته، فسلم من كل ظنة، ولم يكن على نفسه لغيرها منةً، وفضله أشهر من بشائر الصباح، وأظهر من أمائر السماح، على أن المجد فيه لا يبلغ المرام، والمحيد معرض للملام. قال ابن بسام فيه (١): نشأ أبو الوليد هذا، وهمته في العلم تأخذ عنان السماء، ومكانه في العلم يسامي مناط الجوزاء، وبدأ بالأدب فبرز في ميادينه، واستظهر بأكثر دواوينه، وجعل الشعر بضاعته، فوصل له الأسباب بالأسباب، ونال به من كل الرغاب، ثم رحل عن القيروان إلى جهة مصر، فما حل بلدًا إلا وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، فمال إلى علم الديانة، وقد كان قبل رحلته تولى إلى ظله، ودخل في جملة أهله، فمشى بمقباس، وبني على أساس، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون للأخذ عنه، حتى علم العلم أن له أشكالًا، وتيقن العراق أن بالأندلس رجالًا، ثم كر، وقد نفع وضر، وأحلى وأمر، واستقضى في طريقه بحلب، فأقام بها نحوًا من عام، ثم نازعه هوى نفسه إلى مسقط رأسه دم هدر، ومال لا عين ولا أثر فأسف على ما ضيعه، وندم لو أجدى عليه ذلك أو نفعه. على أنه لأول قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة بصلة ما انبت من تلك الأسباب، بيد أنه كلما وفد على ملك منهم بادره بالترحيب، وهو في الباطن يستثقل به، وكان يفطن بأمورهم، ولكنه كان يرجو حالًا يثوب ومذنبًا يتوب. أصله من مدينة بطليوس فانتقل جده إلى باجة المدينة التي بقرب اشبيلية، فنسب

стр. 1834

إليه، وليس هو من باجة القيروان، ولد سنة ثلاث وأربعمائة، وارتحل سنة ست وعشرين، فحج أربعًا، وجاور ثلاثة أعوام ملازمًا لأبي ذر الحافظ الهروي، وكان يسافر معه إلى سراة بني سيابة ويخدمه، ثم رحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويقر الحديث، ودمشق فسمع من جماعة: كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي والقاضي أبي عبد الله الحسين الصيمري، وأبي الفضل بن عمروس المالكي، وأقام بالموصل سنةً يأخذ علم العقليات عن أبي جعفر السمناني، وبرع في الحديث، وعلله، ورجاله، وفي الفقه، وغوامضه، وخلافه، وفي الكلام، ومضايقه، ورحل إلى الأندلس، وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا، وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى عنه الخطيب بعلم جم حصله مع الفقر والتعفف، وروى عنه الكبار، وتخرج به الأصحاب. قال القاضي عياض: أجر أبو الوليد نفسه ببغداد لحراسة درب، وكان لما رجع إلى الأندلس يضرب ورق الذهب، ويعقد الوثائق. قال لي أصحابه: كان يخرج إلينا للإقراء، وفي يده أثر المطرقة إلى أن فشا علمه وهيبت الدنيا به، وعظم جاهه، وأجزلت صلاته حتى مات عن مال وافر، وكان يستعمله الأعيان في ترسلهم، ويقبل جوائزهم. ولي القضاء بمواضع من الأندلس. قال ابن ماكولا: أما الباجي ذو الوزارتين أبو الوليد، ففقيه، متكلم، أديب، شاعر، سمع بالعراق، ودرس الكلام، وصنف، إلى أن قال: وكان رفيع القدر والخطر. قال أبو علي ابن سكرة: ما رأيت مثل أبي الوليد الباجي، وما رأيت أحدًا على سمته، وهيأته، وتوقير مجلسه، ولما كنت ببغداد قدم ولده أبو القاسم، فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشامي، فقلت له: آدام الله عمرك هذا ابن شيخ الأندلس، فقال: لعله ابن الباجي، قلت: نعم، فأقبل عليه. وقال القاضي: كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته الرؤساء، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره، فكان يبعث إلى خلفائه وربما أتاها المرة ونحوها، وكان في أول أمره مقلًا حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد فيما سمعته، مستفيضًا لحراسة درب، وقد جمع ابنه شعره. قال: ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة إلا أنه كان خارجًا عن المذهب، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه، واتبعه على رأيه جماعة من أهل الجهل، وحل بجزيرة ميورقة، فرأس فيها، واتبعه أهلها، فلما قدمها أبو الوليد

стр. 1835

حكموه في ذلك، فدخل إليه وناظره وشهر باطله. وله معه مجالس كثيرة، ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري، قال بظاهر لفظه فأنكر عليه الفقيه أبو بكر الصائغ، وكفّره بإجازة الكتب على الرسول ﷺ الأمي، وأنه تكذيب للقرآن، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنة، وقبحوا عليه عند العامة، وتكلم به خطباؤهم في الجمع، فقال شاعرهم: [من البسيط] برئتُ ممن شرى دنيًا بآخرةِ … وقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ قَدْ كَتَبا فصنف أبو الوليد رسالة من أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة. قال ابن سكرة: مات بالمدينة في تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة. قال ابن بسام (١): وبلغني عن ابن حزم أنه كان يقول: لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم، وناظره بميورقة ففل غربه، وسبب إحراق كتبه. توفي هو بسبيله في تصنيف الدواوين في علوم الدين. وأنشد له (٢): [من المتقارب] إذا كنتُ أعلم علمًا يقينًا … بأنَّ جميع حياتي كساعه فَلِمْ لا أكون ضنينًا بها … وأجعلُها في صلاح وطاعه ومما روى عنه الخطيب أبو بكر الحافظ قوله في قلم (٣): [من المتقارب] وأسمر ينطقُ في مشيه … ويسكتُ مهما أمر القدم على ساحة ليلُها مُشْرِقٌ … منيرٌ وأبيضُها مُدْلَهِمْ وشبهته ببياضِ المَشيبِ … يُخالط منه سوادَ اللَّمَم وقوله يمدح قاضي القضاة السمناني ببغداد، وكان قد أتاها من مكة المعظمة، فأناله ما أحسبه وأكسبه بقصيدة منها (٤): [من الكامل] يا بُعْدَ صبرِكَ أَتهَمُوا أو أنجَدُوا … هيهات منك تصبر وتجلُّدُ يأبى سلوك بارقٌ متألق … وشميمُ عَرْفِ عَرَارِه ومغرّد في كل أفق لي علاقةُ خُلَّةٍ … تهدي الهدى وبكل أرض تمهد

стр. 1836

طَفِقَتْ تسابقني إلى أمَدِ الصّبا … تلكَ النَّوَى ومنال شاوي يُبْعِدُ أيام أنفض للمراح ذُؤابتي … بيد الشباب ودرع بردي مجسد أَتَقَنَّصُ الظَّبيات في سُبل الصبا … فيصيدها لي العذار الأسود حتى علاني الشيب قبل تحلُّم … وأين ما سبق المشيب المولد أسري إذا اعتكرَ الظَّلامُ وقادَني … أمل مطالبه العلا والسؤدد حيث استقرَّ حِمَى السَّماحة والعُلا … وَرَسَتْ قواعده وحَلَّ القُعْدُدُ عالي محل النار في كلب الشتا … وبالحضيض لغيرِهِ مُستَوقِدُ ومنه قوله (١): [من الطويل] ولله طيف لا يُلم كأَنَّما … لَهُ مِنْ سُهادي في الزيادة عادل ولما التقينا للجمارِ وأُبرزَتْ … أَكُفُ لتقليب الحَصَى وأنامل أسرَّتْ إلينا بالغرامِ مَحَاجِرٌ … وباحَتْ بِهِ مِنَّا جُسَوم نواحِلُ سمًّى أَثَلاثِ الجَزْعِ مِنْ أمِّ مالك … وهيهاتَ دونَ الجَزْعِ سُحْبٌ حَوَافِلُ ومنهم: [٩] سليمان بن عبد الحكيم المالكي، صدر الدين، أبو الربيع (٢) صدر فيه لله سر، وبدر حاشي لله أن يستتر، قام في البدع حتى قمعها، وقاوم فرق الباطل فقطع طمعها، ولم يبل وقد انتصر لله ولرسله، وجال في طريق الخير وسبله، إن ضرس بأنياب، وطمس وأبى الله لصباحه المنجاب وأمسك قلم الفتوى بيده وهو منطلق، وصرف سحابه وهو منطبق، وهو الآن بدمشق لعلوم تنشر، وعلو إليه النجوم تحشر، ومساجد يُنَوّرها بتهجده، ومعابد يسعى بها نوره بين يديه إلى مسجده، هذا إلى ماله من صالح أعمال، وصدقات سر لا يعرف لإنفاقها أصل مال، ومعاناة صبر لا عدم معه حسن الاحتمال.

стр. 1837

اشتغل ببلده، وقرأ فقه مالك على ...... وقدم دمشق سنة ..... واستوطنها، فناظر بها فقهاء مذهبه وغيرهم، ودرس بالمدرسة الشرابيشية وأفتى، وانتهت إليه رياسة مذهبه بالشام، وقصد بالفتاوى، واشتهر بالعلم والفضائل، والتحرير في الفتاوى، وعدم التسرع فيها، ولديه مشاركات جيدة، وله رغبة في اقتناء الكتب، ومواظبة على الحج، وحج عدة مرات، وهو كثير المواظبة على الجماعات، والذكر، والتلاوة، والخير، وعنده مبالغة في ردع المبتدعين، والقيام في نصرة الحق وإظهاره، وإعلاء كلمة الشرع، وتتبع أهل الزيغ والعناد، لا يأخذه في الحق لوم اللائم، ولا يرده عنه عذل العذول، وفيه مكارم أخلاق، وانبساط نفس وقضاء لحقوق أصحابه ولين جانب مع قوة في الحق، وفيه بر للفقراء، ومحبة الصالحين، وزهد في الدنيا، وعدم اكتراث بالفائت منها، وينهض مع الطلبة، ويراعيهم، ويرغبهم في العلم، والاشتغال به. * * *

стр. 1838

[فقهاء المالكية في الجانب الغربي] وأما المالكية بالجانب الغربي، فهم: جمهور سكانه، وعُمَّار دياره، خلا أن أفرادهم الذين هم على الشرط نحو: ابن عبد البر، وأبي عبد الله المازري، والقاضي عياض، وأبي بكر بن العربي، وأبي القاسم السهيلي وغير هؤلاء، فأبت الضرورة إلا أن نأتي بهم في المحدثين، وفقهاء المحدثين، إذ كانوا بهم أمس، وعلى الجملة، فما غربت لهم عن الأفق الغربي شمس، فأما من هو بخاصة مصر منهم، فسنأتي على ذكرهم: فمنهم: [١٠] أشهب بن عبد العزيز بن داود بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي الجعدي المصري (١) وكان أشهب هو السابق الذي لا يعلق له بغبار، ولا يعلم له من غير الرياح أخبار، ولا ينقص أدهم الليل نهار أشهبه ولا تنقض حوائم الطلبة على شهبه، ولا ينفض سواد العين صبغة أهدابه على هدبه، ولا ينبلج النهار إلا بغرة صباحه المذهب، ولا يجلب النهار ند نداه العبق، وعنبره الأشهب، ولا يعد مال مالك إلا

стр. 1839

مما أحرزه جواده السابق، وأبرزه والغمام له مطابق، وأتى به والنجم في الليل مشغول بإرشاد حائره، ووافي عجلًا وقد ألقى الهلال نعل حافره. وكان من أهل مصر أول من مال إلى مالك، وأوضح أثره له مسالك، وكان أبا عذرة معرفته، وسابق مصر إلى تلقي تحفته، أشرب قلوب أهلها بمحبته، واقتادها وما وراءها إلى البحر المحيط في آخر الغرب إلى صحبته. تفقه على مالك، ثم على المدنيين والمصريين. قال الإمام الشافعي: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه، ولم يدرك الشافعي من أصحاب مالك سوى أشهب وابن عبد الحكم، وكانت المنافسة بينه وبين ابن القاسم، وانتهت الرياسة إليه بمصر بعد ابن القاسم. وقال أبو عبد الله القضاعي: كان لأشهب رياسة في البلد ومال جزيل، وكان من أنظر أصحاب مالك. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت، فذكر ذلك للشافعي، فقال متمثلًا: [من الطويل] تمنت رجالٌ أن أموت وإنْ أَمُتْ … فذاك سبيل لستُ فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مَضَى … تزوَّد الأخرى غيرِها فَكَأَنْ قَدِ قال: فمات الشافعي، فاشترى أشهب من تركته عبدًا، ثم مات أشهب فاشتريت أنا ذلك العبد من تركة أشهب. قال محمد بن عاصم المعافري: رأيت في المنام كان قائلًا يقول: يا محمد، فأجبته، فقال: [من الكامل] ذهب الذين يقال عند فراقهم … ليت البلاد بأهلها تتصدَّعُ قال: وكان أشهب مريضًا، فقلت: ما أخوفني أن يموت أشهب، فمات في مرضه ذلك، وكانت وفاته في شعبان سنة أربع ومائتين. ومنهم: [١١] عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع، الفقيه، المالكي، المصري، أبو محمد (١) صدر لا تخلفه المشاهد، وإمام ما عمرت بمثله المساجد، ومبلغ لا ينطق عن

стр. 1840

الهوى، ومشرع الموارد الفتوى لم تزل ربوعه بالعز مأنوسة، وثغور الإسلام به محروسة، وصحف محامده بألسنة الأنام مدروسة، وأسود أعدائه بأنياب النوائب مفروسة، ما له في الحقوق منتهب وآماله لا يطيش بها الذهب، وتلقيه لأهل العلم يقبل عليهم سافرًا، ويقلب من أتاه منهم ظافرًا، فما صدر عنه إلا من نقل سمعته، ولا ورد إليه إلا من أخصب نجعته، وما برح على هذا حتى قبض ودفن، وفني الزمان وأفن، وما فني ذكره ولا أفن. كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضت إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب، وكان من ذوي الأموال والرباع، له جاه عظيم، وقدر كبير، وكان يزكي الشهود ويجرحهم، ولهذا لم يشهد ولا أحدٌ من ولده لدعوة سبقت فيه، ويقال: إنه دفع إلى الإمام الشافعي عند قدومه إلى مصر ألف دينار، وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألف دينار، ومن رجلين آخرين ألف دينار. وروي بشر بن مالك قال: رأيت مالك بن أنس في النوم بعدما مات بأيام، فقال: إن ببلدكم رجلًا يقال له ابن عبد الحكم، فخذوا عنه؛ فإنه ثقة. وتوفي في رمضان سنة أربع عشرة ومائتين بمصر، وقبره إلى جانب قبر الشافعي، وهو الأوسط من القبور الثلاثة، ومولده سنة خمسين ومائة، وقيل: سنة خمس وخمسين ومائة. ومنهم:

стр. 1841

[١٢] أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الفقيه المالكي المصري (١) مَارَسَ العلم منه كافيًا، وشرع له من نطاف الفضل صافيًا، بتثقيف كف الدهر من جماحه، وتعلّم كف البحر من سماحة، وحاط الدين حيث لا يعفو كلمه، ولا يغفو حلمه، فأسبل رداء نعمائه وأسبغ، وجاءت فوائده فأنست ابن الصباع ألوان أصبغ، ومد في مصر منه ما لا جاء به مدد نيلها وقد حشد ولا جاد به الزمان من طلائبه التي نشد، ولا أبقاه من حلل النوار فيض مائه، وحازه من زهر الأزهار لازوردي سمائه. تفقه بابن القاسم، وابن وهب، وأشهب. قال عبد الملك بن الماجشون في حقه: ما أخرجت مصر مثل أصبغ، فقيل: ولا ابن القاسم؟ قال: ولا ابن القاسم، وكان كاتب ابن وهب، وجده نافع عتيق عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي والي مصر (٢). وتوفي أصبغ في آخر شوال سنة خمس وعشرين وقيل سنة ست وعشرين، ومائتين. ومنهم:

стр. 1842

[١٣] علي بن الأنجب بن المُفَضَّل بن أبي الحسن اللخمي المقدسي الأصل، الإسكندري المولد، المالكي المذهب، أبو الحسن (١) أفرج له عن مضائق العلياء، فتبوأها فسيحة، وسخرت له ألسنة المآثر، فأنطقها فصيحة، وقامت دلائل الحق، فأدى منها كل نصيحة، وله مقامات كريمة، لو استطاع الحريري حكاها في هذا المذهب، وحاك عليها طرازه وأنى له والحريري دون المذهب، وقام في البلاغة منه الخطيب البليغ، والعلم منبره، وزاخر البحر العباب واللسان غواصه، والكلم جوهره. كان فقيهًا فاضلًا في مذهب مالك، من أكابر الحفاظ المشاهير في الحديث وعلومه، صحب الحافظ أبا طاهر السلفي، وانتفع به، وصحبه الحافظ زكي الدين المنذري، ولازم صحبته، وبه انتفع، وعليه تخرج، وذكر عنه فضلًا غزيرًا وصلاحًا كثيرًا. ومما أنشد عنه: [من المتقارب] تجاوزت ستينَ مِنْ مَولدي … فأَسعَدُ أَيامي المشترك يُساءلني زائري حالتي … وما حالُ مَنْ حَلَّ فِي المُعَتَركْ وقوله: [من الطويل] أيا نفسُ بالمأثور عن خيرِ مُرسَلٍ … وأصحابه والتابعين تمَسَّكي عساكِ إذا بالغت في نشر دينه … بما طاب من نشر له أن تَمَسَّكي

стр. 1843

وخافي غدًا يوم الحسابِ جهنَّمًا … إذا لَفَحَتْ نيرانُها أَنْ تَمَسَّكِ ومنه قوله: [الطويل] ولمياء تُحيي مَنْ تُحَيّي بريقها … كأنَّ مِزاج الرَّاحِ بالمسكِ مِنْ فِيها وما ذُقْتُ فَاها غير أَنِّي رَوَيْتُهُ … عَنِ الثقة المسواك وهوَ مُوافيها وهذا معنى مستعمل قد سار في كثير من أشعار المتقدمين والمتأخرين، فمن ذلك قول بشار بن برد من جملة أبيات: [من البسيط] يا أطيب الناسِ رِيقًا غيرَ مُخْتَبِر … إلا شهادة أطراف المساويكِ وقال الأبيوردي من جملة أبيات أيضًا: [من الطويل] وأخبرني أترابها أنَّ رِيقَها … على ما حَكَى عُود الأراك لذيذ وكان أبو الحسن بن الأنجب ينوب في الحكم بثغر الاسكندرية، ودرس به في المدرسة المعروفة هناك به، ثم انتقل إلى القاهرة، ودرس بمدرسة الصاحب بن شكر، واستمر بها إلى أن مات يوم الجمعة مستهل شعبان سنة إحدى عشرة وستمائة. ومولده ليلة السبت الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة بالثغر المحروس (١). ومنهم: [١٤] عيسى الزواوي المالكي، شرف الدين، أبو الروح (٢) رجل لا يخاطر معه في شرف مروم، ولا يخاطب منه ما دون النجوم، سكن مصر، فطاب به ناديها، وطال المجرة واديها، ونظر في أفانين العلم، فأسمى فروعها، وأهمى ضروعها، واقتنى الكتب، فأبرأت يده العيسوية سقم صحفها، وأبدت كرم تحفها، وطلب للقضاء خلافة بمصر والقاهرة غير ما مرة، ويربأ به شرف دينه، وشرف زهده فيما لم يمسكه بيمينه، ولج عليه ولي الأمر في هذا وأبى إلا خلافه، وترفع عن رتبة القضاء، وإن سُمي له خلافه، ولقد جالسته، فخفت الغرق؛

стр. 1844

إذ فجأني سيله، وجاءني نهاره الذي محا ليله. أصله من زواوة من بلاد إفريقية، وقدم البلاد كبيرًا، وقد حصل، واشتغل، وصار يعد من الفقهاء، وأقام بمصر واشتغل بها، وحضر فيها الدروس، وزادت نباهته، وظهرت فضيلته، ثم قدم دمشق، وولي بها نيابة الحكم، وصرف القضايا والأحكام بجأش رابط، ونفس قوية في الحق، ودام على هذا مدة، ثم عاد إلى مصر، وأقام بها، وفارقتها، وهو أحد أئمتها الأعلام، وفقهائها الأفاضل، وكنت أسمع فضلاءها إذا ذكر قالوا: هو شيخ المالكية وإليه يرجع فيما أشكل من الفتاوى في مذهب الإمام مالك ﵁، وكان يتردد إليَّ، ويجتمع بي، وهو من أحسن الناس خلقًا وخُلقًا، وأتمهم فضلًا في الفقه، ومشاركة في النحو والعربية، ونظرًا في الهيأة، ومعرفة مقادير الأفلاك، وأشكال الأرض، وأحوال الأقاليم، والبلاد، ووضع المدن، وأحوال الأقاليم الشاسعة والبحار الغامرة. ولما ألفت هذا الكتاب، وسمع به كان يجيء إلي؛ ليقف على ما انتهى فيه شيئًا بعد شيء، وربما عاملني الإحسان ووقع منه الاستحسان ولقد استفدت منه فوائد في هذا الكتاب، ومعارف لولاها لما قدرت على الدخول من هذا الباب، وسيأتي في مواضع من هذا التأليف مقرأ بما أعزوه من الرواية إليه. ولم أر في أمثاله من أهل الفقه مثله في التجمل، وحسن الهيأة، ومكارم الأخلاق، اللهم إلا إن كان ابن القوبع. ولقد يحكى عنه من سعة الصدر، وكرم النفس ما يستغرب من المغاربة، ويستبعد وقوعه من نفوسهم المقاربة، ولقد كنت أرى منه، وأسمع عنه ما يملأ العين والأذن، وعهدي به يجتمع هو وابن القاصح أحد فقهاء الشافعية الأخيار، وشيخنا أبو حيان بالمدرسة الصالحية على تخت هناك، ويجري بينهم بحوث مفيدة ومذاكرات جليلة، وربما تخلل ذلك بنكت طريفة، ومداعبات لطيفة. كان ابن القاصح - على علمه وزهده - تحدثه نفسه بقضاء القضاة، ويظن أنَّ الولاية تأتيه بكرةً أو عشاء، لا يشك في هذا. وعرف هذا منه، فبقي كل متفرغ يأتي إليه، ويقول له: يا سيدي سمعنا بأن السلطان ذكرك، وبلغنا بأن فلانًا شكرك، وأن فلانًا وصفك عند أمراء الدولة وكبرائها، وقيل لنا: إنك ذكرت للقضاء، وذكر معك فلان وفلان، فرجحت عليهم، وعينت دونهم، ومن هذا ومثله مما يعلم القائل أنه ينفق عليه، ويقع موقع الإعجاب منه، وهو يأخذ ما يقال له من هذا بالقبول، وتميل إذنه إليه. وكان شيخنا أبو حيان ينهاه، ولا ينتهي بعذله، ولا يقبل، فاتفق شرف الدين

стр. 1845

عيسى هذا مع رجل من الفقهاء، يعرف بالنجم سعيد، كان ظريفًا، مطبوعًا له نوادر، وطلبا ابن شيخنا أثير الدين أبي حيان، وكان إذ ذاك صغيرًا، وقررا معه أن يقول لهما مقولة عن ابن القاصح من هذا الباب، لينقلوه إليه، ويقولون: قال لنا ابن الأثير كذا وكذا؛ ليظن أنه علاء الدين ابن الأثير كاتب السر في ذلك الزمان، فقال لهم: اعلموا أن ابن القاصح قد ولاه السلطان القضاء، ورسم بكتابة تقليده، فلما قال هذا طار إليه النجم سعيد، وقال له: يا سيدي جئتك ببشارة، قال: وما هي؟ قال: الساعة رأيت ابن الأثير، وقال لي: أن السلطان قد ولى ابن القاصح قضاء القضاة، ورسم بكتابة تقليده، ودخل شرف الدين عيسي، وهم في هذا الحديث، فقال: وأنا سمعت ابن الأثير يقول هذا فما شك ابن القاصح في هذا، وعمم عمامته، ولبس قماشه، وتهيأ للطلب والتولية، وخرج إلى التخت وقعد حتى جاء أبو حيان فقال له: ما لي أراك على هذه الهيأة، فأخبره الخبر، فأنكر أبو حيان ثم قال: والله ما كأنهم عنوا إلا ابن أبي حيان فإنه ابن الأثير، وإلا فهذا ما له صحة، وعيسى ما يكذب، وانقلب الجد هزلًا، والتهنئة له ضحكًا عليه (١). وهذا من المالكية آخر من ذكر. * * *

стр. 1846

طبقات الفقهاء الشافعية - ويتلوهم من الفقهاء ثالث الأئمة وأصحابه.

стр. 1847

[فقهاء الشافعية في الجانب الشرقي] فأما من نذكره منهم ممن كان بالجانب الشرقي فهو: [١] الإمام الشافعي ﵁، محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي، المطلبي، الشافعي (١)، أبو عبد الله بحر امتدت من دُفَعِه الجداول، وطور انحطت من قننه الجنادل، ومرقب درجت

стр. 1848

من عُشه النسور القشاعم، والصقور الأجادل، وإمام يفخر البيت المقدس بمولده، وبطحاء مكة بمحتده، والمطلب بن عبد مناف بكونه من ولده، وابن أخيه عبد المطلب بن هاشم بتألق فرقده ما كان يقصر عن أولئك الأول من أهل الشعب لو حضر يوم الصحيفة، وحظر على سروات قريش قبح تلك الآراء السخيفة، ولما عدا مطلب بني المطلب أبيه، وانتخى لبني عمه بني هاشم على أخيه، حتى تنقاد شموس بني عبد شمس، وتذعن نوفل بأن عدم مباينتها لهم أمس، بل لو تقدمت شمسه قليلًا حتى أدرك ذلك الجيل، وجال في ذلك الصدر الجليل، لكان من أركان البيت بيت هاشم المعرق في بني لؤي، وسكان بيت البطحاء المجمع عليه لقصي، وأقرباء أهل العباء، والمعد للمفاضلة في أهل المباهلة، بيد أنه من قريش في سرة أباطحها، وأسرة جحاجحها، وآبائها الشم الأنوف الكرام الضيوف الخضر الأندية والكفوف، المتقدمة على العرب تقدم الإمام على الصفوف، وقد حفظ دين محمد ﷺ على أمته، واقتاد العلم بأزمته، فأصبح يجادل بحججه، ويقتحم البحر في لججه، وطلب الحديث حتى التقفه من أفواه الرجال، واقتطفه قبل تحين الآجال. وتفقه على مالك، ثم مال إلى أوسع مجال، وجثا له على ركبتيه، وللشباهم قعود ربات الحجال وخاف الرشيد منه على الخلافة، ويحق له أن يخاف، وظن الناس يثبت معه لولا العقول السخاف، ولم يكن في عصره أجمع منه لشروط الإمامة، ولا أنفع للغُلل، ولا الغمامة، وكان حلس الحرب، وخلف الغمام إذا اشتد الكرب، لندى تفيض سواكبه، وتغيض البحار، وأدناها مواهبه، وتحصى النجوم،

стр. 1849

ولا تعد مناقبه، وتحد الغيوم، ولا تحد سواكبه، مع حب أشربته له النفوس وشربته، على هلال جبين ما مثله شفاه الكؤوس، وقرب من الناس ينأى مداه، ويشأى الغيث جداه، وما علمه واحد بل شتى، ولا فضله إلا ما يفنى، مع آداب لا لغو في كأسها، ولا تأثيم، واطراب لا حرج فيها وتحريم، وإنّما هي جنى جنات قطوفها دانية، وصفوفها متدانية، وشنوفها لا تقرط بها حسناء، ولا تجد غنى غانية، نهلة من العرب جرعها وذروة من الأدب فرعها، ومروة من الشعر نحو صفا المُشَقَّر قرعها، بأبيات مأهولة نفح فيها الروح، ونفح بينها النسيم كأنها الخيام بذي طلوح. كان يحفظ ديوان هذيل، ويلفظ أشهر من سهيل، وكانت له فراسة هي فراسة المؤمن التي لا تخطئ، وظنانة هي كمخيلة النوء لا تبطئ، سكن مكة المعظمة حيث شرب للعلم ماء زمزمها، وطلع قمرًا في أفق مأزمها، ثم استوطن مصر يزيد على نيلها في وفائه، وعلى مقطعات خلجها في صفائه، وانتشر هنالك علمه الغزير، وتوارى في سرار ترابها بدره المنير، ودفن بها بالقرافة حيث هو الآن القبة المعقودة، وآثار الجود الموجودة، ولوامع البركات الباقية المشهودة. كان الشافعي ﵀ كثير المناقب، جم المفاخر، منقطع القرين، اجتمعت فيه العلوم بكتاب الله سنة رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة وآثارهم، واختلاف أقاويل العلماء، وغير ذلك من معرفة كلام العرب، واللغة والعربية، والشعر حتى إن الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين ما لم يجتمع في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ما رأيت رجلًا أكمل من الشافعي. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فإني سمعتك تكثر من الدعاء له؟ فقال: يا بني الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض. وقال أحمد: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي، واستغفر له. وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي، ثم استقبلته يومًا، والشافعي راكب بغلة، وهو يمشي خلفه، فقلت: يا أبا عبد الله تنهانا عنه، وأنت تمشي خلفه؟! فقال: اسكت لو لزمت البغلة انتفعت. وحكى خطيب بغداد في تاريخه: أن أمّ الشافعي لما حملت به رأت كأن المشتري خرج من فرجها، حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد شظية، فتأول

стр. 1850

أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان. وقال الشافعي: قدمت على مالك بن أنس، وقد حفظت الموطأ فقال لي: احضر من يقرأ لك، فقلت أنا قاريء، فقرأت عليه الموطأ حفظًا، فقال: إن يكن أحد يفلح، فهذا الغلام. وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا، التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا. وقال الحميدي: سمعت الزنجي بن خالد - يعني - مسلمًا - يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي وهو ابن خمس عشرة سنة. وقال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام، فقلت: يا أبا عبد الله هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث، فقال: إن هذا يفوت، وذاك لا يفوت. وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدًا من أهل العلم تعظيمه للشافعي، ولقد جاءه يومًا، فلقيه وقد ركب محمد بن الحسن، فرجع محمد إلى منزله، وخلا به يومه إلى الليل، ولم يأذن لأحدٍ عليه، والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه، وهو الذي استنبطه. وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل الشافعي في علمه، وفصاحته، ومعرفته، وثباته، وتمكنه، فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى في سبيله لم يعتض منه. وقال أحمد بن حنبل: ما أجد من بيده محبرة ولا دواة إلا وللشافعي في رقبته منة. وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودًا حتى جاء الشافعي، فأيقظهم، فتتيقظوا. ومن دعائه المأثور عنه المداومة عليه في أحيانه كلها: «اللهم، يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير» رواه عنه ثقات، وهو مشهور بين العلماء بالإجابة، وأنه مجرب، والله أعلم. [وذكر الحافظ ابن عساكر (١): قال خرج الشافعي إلى الصفا، ومعه الحارث بن

стр. 1851

لبيد، وكان من الخاشعين، وكان حسن الصوت، فقرأ الحارث ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾ (١) فاضطرب الشافعي، وتغير لونه، وبكى بكاء شديدًا حتى لصق بالأرض، ثم لم يتمالك أن قال: إلهي إني أعوذ بك من مقام الكذابين، وأعلام الغافلين. إلهي خشعت لك قلوب العارفين وولهت بك همم المشتاقين، فهب لي جودك، وجللني سترك، واعف عني بكرم وجهك يا كريم. قال الربيع بن سليمان: سئل الشافعي عن مسألة فأعجب بنفسه فقال (٢): [من المتقارب] إذا المُشكلات تصدين لي … كشفت حقائقها بالنَّظَرْ ولستُ بهيابة في الرِّجالِ … أَسائِلُ هذا وذا ما الخَبَر ولكنني مِدْرَهُ الأصغرينِ … فَتَّاحُ خَير وفراجُ شَرْ وذكر أن رجلًا وقف بباب الشافعي، فقال: يا رب الدار تصدق علينا بما لا يتعب ضرسًا، ولا يؤلم نفسًا، فأخرج إليه طعامًا، فقال: حاجتي إلى كلامك أشد من حاجتي إلى طعامك، وأني طالب هدى لا طالب ندى، فأمر أن يدخل عليه فسأله عن مسألة من المسائل، فأجابه وأفاده، فخرج وهو يقول: علم أوضح لبسًا خير من مال أغنى نفسًا، فقال الشافعي: ما رأيت أعقل من هذا الرجل بارك الله فيه. والشافعي فوق كل وصف،] وفضائله أكثر من أن تعدد، ومولده سنة خمسين ومائة، وقد قيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة، وكانت ولادته بمدينة غزة، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن، والأول أصح، وحمل من غزة إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وقرأ القرآن الكريم، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وأقام بها شهرًا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل: سنة إحدى ومائتين، ولم يزل إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم ﵀. قال الربيع بن سليمان المرادي: رأيت هلال، شعبان، وأنا راجع من جنازته، وقال: رأيته في المنام بعد وفاته، فقلت: يا أبا عبد الله ما صنع الله بك؟ فقال: أجلسني على كرسي من ذهب، ونثر علي اللؤلؤ الرطب.

стр. 1852

وقد اتفق العلماء قاطبةً من أهل العلم والفقه والحديث، واللغة، والنحو، وغير ذلك على ثقته، وأمانته وعدالته وزهده وورعه، ونزاهة عرضه، وعفة نفسه، وحسن سيرته، وعلو قدره، وسخائه. وللإمام الشافعي أشعار كثيرة، من ذلك ما نقل من خط أبي طاهر السلفي، قوله: [من الكامل] إنَّ الذي رُزِقَ اليَسار ولم يُصِبْ … حَمْدًا ولا أجرًا لَغَيرُ مُوفّق الجَدُّ يُدني كل أمر شاسع … والجَدَّ يفتحُ كلَّ بابٍ مُغلَقِ فإذا سمعت بأن محرومًا … أتى ماءً ليشرَبَه فَغَاضَ فَحَقِّقِ وإذا سمعت بأنَّ مَجْدُودًا أَتى … عُودًا فأثمر في يديهِ فَصدق لو كانَ بالحِيلِ الغِنى لوجدتني … بنجُومِ أقطار السماء تعلقي لكنَّ مَنْ رُزِقَ الحِجَا حُرِمَ الغِنَى … ضِدّانِ مفترقان أي تفرق ومن الدليل على القضاء وكونه … بؤس اللبيب وطيب عَيشِ الأَحَمَقِ وأحق خلق الله بالهم أمرؤ … ذو همةٍ يُبلى برزق ضيق (١) ومن المنسوب إليه أيضًا (٢): [من الخفيف] رام نفعًا فضرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ … ومِنَ البِرِّ ما يكونُ عُقوقا ومن المنسوب إليه أيضًا (٣): [من مجزوء الرمل] كلما أدبني الدهر … أراني نقصَ عَقلي وإذا ما ازددت علمًا … زادني علمًا بجهلي وقوله (٤): [من البسيط] وضاحك والمنايا فوق هامَتِهِ … لو كان يعلم غيبًا ماتَ في كَمَدِ مَنْ كانَ لَمْ يُعْطَ عِلمًا في بَقاءِ غَدٍ … ماذا تفكَّرُه في رزق بعد غدِ وقوله (٥): [من الوافر] هي الدنيا فلا يُغضبكَ منها … ولا مِنْ أهلها سَفَهٌ يُعاب أتطلب جيفةً وتنال منها … وتُنكر أن تُهارِشَكَ الكِلاب

стр. 1853

وقوله: [من الوافر] ولولا الشِّعْرُ بالعُلَماءِ يُزْري … لكنتُ اليومَ أشعرَ مِنْ لِبَيدِ قال الشافعي: تزوجت بمكة امرأة من قريش، وكنت أمازحها، فأقول (١): [من مجزوء الكامل] ومن البليةِ أنْ تُحبَّ … فلا يُحبَّكَ مَنْ تُحِبُّه فتقول هي: [من مجزوء الكامل] ويصد عنك بوجهِهِ … وتُلح أنتَ فلا تُغِبه وحكى أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (٢): عن الربيع بن سليمان، قال: كتب الشافعي إلى محمد بن الحسن، وقد طلب منه كتبًا لينسخها، فتأخرت عنه، فكتب: [من مجزوء الرجز] قل للذي لمْ تَرَ عَيْـ … ـنا مَنْ رآه مِثْلَهُ ومن إذا رآه كا … نَ قد رأى مَنْ قَبْلَهُ العلمُ يَنْهَى أهلَهُ … أنْ يمنعوه أهلَهُ لعله يبذله … لأهله لعلَّهُ فأنفذ إليه الكتب من ساعته. ومن شعره ﵁ ما قال لما قدموا به على هارون الرشيد مع العلويين: [من الطويل] عَلَيَّ ثيابٌ لَوْ تُقاس جميعُها … بِفَلْسٍ لكانَ الفَلْسُ منهنَّ أكبرا وما ضَرَّ نصل السيفِ إِخْلاقُ غِمْدِهِ … إذا كانَ عَضْبًا حيث وجَهْتَهُ بَرى وقال الربيع بن سليمان: سُئل الشافعي عن مسألة فأعجب بنفسه فقال (٣): إذا المشكلات تصدين لي … كشفت حقائقها بالنظر ولست بهيابه في الرجال .. هذا وذا ما الخبر ولكنني مدرة الأصغرين … فتّاح خير وفراج شر (٤)

стр. 1854

ومن أصحابه: [٢] الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي (١) صاحب الإمام الشافعي، كان يلازمه ملازمة الحمام لأطواقها، والسهام لأفواقها، لا يمل من طول إيرائه، وطول آرائه، حتى ود من تخلف من الأقران لو اكتحلوا بتراب قدمه، أو عُدُّوا من أتراب خدمه، وعُمِرَ وغرسه من سقيا الفضائل روى، وزنده من لقيا الأفاضل، ورى، قال في الظلال، وقال في الجدال، فلم تعرض لديه مشكلة حتى عجل إزاحة فرقها، وإراحة فرقها، فشكرت منه المنن الغرر والمنح الغر، وأصبحت الأيام بوجوده مُتباهية، والأقدار بجوده متناهية، حمى الشريعة، فأحكم أسوارها، وحكم في مشارق الشموس أنوارها، فلم تبق عارفة إلا سوغها، ولا وارفة إلا أسبغها، ولا فائدة إلا أسناها، ولا فائتة إلا أدناها. صحب الشافعي، وكان أشهر أصحابه بإتيان مجلسه، وأحفظهم لمذهبه، وله تصانيف كثيرة في أصول الفقه وفروعه، وكان متكلمًا، عارفًا بالحديث، وصنف أيضًا في الجرح والتعديل، وأخذ عنه الفقه خلق كثير (٢). وتوفي سنة خمس، وقيل: ثمان وأربعين ومائتين، وهو أشبه بالصواب. ومنهم:

стр. 1855

[٣] الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني (١). صاحب الإمام الشافعي، أبو علي شمس أصيل نفضت على الآفاق زغفرانها وفضت في حقائب الرفاق جفانها، وخلقت رداء الأصائل بردعها وخلفت خلوق البشائر بربعها، وجلت الدنيا تختال في ثوبها المزعفر، وتختار ما راق أوان العصر من شرابها الأصفر، طنب به فضله على يفاع الارتفاع، وخيم حيث حلَّ به جلب الانتفاع، فأحيا رميم الفضائل، وحيا عميم فضله جميل الفعائل، وعني بحياطة العلم، فكفل حزمة سد الثغور، وكلف عزمه سداد الأمور، فولت القرناء لا يقدر منهم من يقارن شهي الشهد بمجاجه، ولا يقابل بهي الدر بزجاجه، وما فيهم إلا من قال لقريحته أريحي الاقتراح، ولا تستدعي الافتضاح.

стр. 1856

برع في الفقه، والحديث، وصنف فيهما كتبًا، وسار ذكره في الآفاق، ولزم الشافعي حتى تبحر، وكان يقول: أصحاب الحديث كانوا رقودًا حتى أيقظهم الشافعي، وكان يتولى قراءة كتب الشافعي عليه. وسمع من سفيان بن عيينة وطبقته، وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي، ورواتها عنه أربعة: هو وأبو ثوار، وأحمد بن حنبل، والكرابيسي، ورواة الأقوال الجديدة ستة: المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، والبويطي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى، وروى عنه البخاري في صحيحه، وأبو داوود، والترمذي، وغيرهم. توفي في سلخ شعبان، وقيل: في رمضان سنة ستين ومائتين. وذكر السمعاني في كتاب الأنساب أنه توفي سنة تسع وأربعين ومائتين. ومنهم: [٤] عبدان بن محمد بن عيسى، الفقيه، أبو محمد المروزي (١)، الجُنُوجردي (٢) أحمد من أظهر مذهب الشافعي، اشتمل بالمناقب، واحتفل لما يبقى ذكره في العواقب، وأتى بالعلوم التي طالت أوضاحها، وآلت، وقد أخجل الصبح افتضاحها، فضاهي الكواكب وباهي العلماء، وقد جالت بفرسانها المواكب، وحبى لعلم يشيده، … وعمل بالشكر يزيده، وفضل يفيده لآخر يستفيده، فكانت تهب من معرسه صبا الصباح، ويستدنى من مغرسه جنى النجاح، وكانت مجالسه معالم بالأماني مغتصه، ومواسم بالأماني مختصة، لا تسامي طماح مراده، ولا تسأم مراح مزاده، وكانت لا تزال الطلبة إليه وافية المناهج، وافرة المباهج، تضرب إليه السباسب، وتأتيه وترجع بالمكاسب. قال السمعاني (٣): اسمه عبد الله، وهو أحد من أظهر مذهب الشافعي بخراسان،

стр. 1857

وكان الرجوع إليه في الفتاوى والمعضلات بعد أحمد بن سيار. قد حمل كتب الشافعي إلى مرو، وأعجب بها الناس، فأراد عبدان أن ينسخها، فمنعه ابن سيار من ذلك، فباع ضيعة له بجنوجرد وسار إلى مصر، ونسخ كتب الشافعي على الوجه وأكثر ورجع، فدخل عليه أحمد بن سيار مسلمًا ومهنئًا، واعتذر من منع الكتب، فقال: لا تعتذر، فإن لك علي مِنَّةً في ذلك، فلو دفعت إليَّ الكتب لما رحلت إلى مصر. ولما رحل إلى مصر تفقه بأصحاب الشافعي، وبرع في المذهب ونشره، وكان يوصف بالحفظ والزهد، وروى الحديث عن جماعة بخراسان والعراق ومصر، وروى عنه جماعة. مولده ليلة عرفة سنة عشرين ومائتين، وتوفي ليلة عرفة سنة ثلاث وتسعين ومائتين. ومنهم: [٥] محمد بن نصر، الإمام أبو عبد الله المَرْوَزِي (١) أحد الأئمة الأعلام والأزمة لما تمليه الأقلام، ضرب الآفاق في طلب الحديث، واغترب لا يقنعه السير الحثيث، وذهب وذكره لم يذهب، وبره محفوظ لم ينهب، وخلف ذخائر العلم مخزونة في كنف الصدور، مكنونة في حجب السطور، وكان ممن شرفت به المعالي وأسعفت بسناء نوره العالي، وكان لملك خراسان منه خلوص ولائه، وخصوص وفاده طالما منعه أن يسفك الدماء، ويهتك الذماء. فخلد ملكه في بنيه وخلص له وده، وكان أشرف ما يقتنيه.

стр. 1858

ولد ببغداد سنة ثنتين ومائتين، وسكن سمرقند وغيرها. وكان أبوه مرزويًا، تفقه على أصحاب الشافعي بمصر، وعلى إسحاق بن راهويه، ورحل في طلب الحديث والعلم إلى الآفاق. قال الحاكم: هو إمام الحديث في عصره بلا مدافعة. وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة، ومن بعدهم. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر بمصر إمامًا، فكيف بخراسان؟ وقال القاضي محمد بن محمد بن محمد: كان الصدر الأول من مشايخنا، يقولون: رجال خراسان أربعة: ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن نصر. وقال السليماني: محمد بن نصر المروزي إمام الأئمة، الموفق من السماء، له كتاب «تعظيم قدر الصلاة» وكتاب «رفع اليدين» وغيرهما من الكتب المعجزة. وكان له مال يقارض عليه، وينفق عليه من غلته، وكان إسماعيل بن أحمد والي خراسان وأخوه يصله كل منهما بأربعة آلاف في السنة، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف، فكان ينفقها من السنة إلى السنة، فقيل له: لو ادخرت لنا منه، فقال: سبحان الله أنا بقيت كذا سنة، قوتي وثيابي وكاغدي وحبري وجميع ما أنفقه على نفسي في السنة عشرين درهمًا. افترى إن ذهب ذا لا يبقى ذاك؟ وقد ذكر له كرامات منها ما رواه أبو الفضل محمد بن عبيد الله البلعمي قال: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند، فجلست يومًا للمظالم، وجلس أخي إلى جانبي، إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر، فقمت له إجلالًا لعلمه، فلما خرج عاتبني أخي وقال: أنت والي خراسان تقوم لرجل من الرعية. هذا ذهاب السياسة. فبت تلك الليلة، وأنا منقسم الفكر، فرأيت النبي ﷺ ، فأخذ بعضدي، فقال لي: ثبت ملكك، وملك بنيك بإجلالك محمد بن نصر، ثم التفت إلى إسحاق، فقال: ذهب ملك إسحاق، وملك بنيه باستخفافه بمحمد بن نصر. وقال ابن حزم في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن وأضبطهم لها. وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها في محمد بن نصر المروزي، فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث، ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما بعد عن الصدق.

стр. 1859

توفي بسمرقند سنة أربعة وتسعين ومائتين. ومنهم: [٦] محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، الفقيه الشافعي (١)، أبو جعفر الزاهد الساهر إذا نام الساهد، الغائب لا يغيب عنه الشاهد المتقلل من الدنيا على كثرة متاعها، ولذة استمتاعها المخلي بينها وبين مبتاعها، قضى عمره كله في قليل من البلاغ، وبلالٍ من ريق الدين إن ساغ، فلما آن له الأطلال على الأجل، ودنا به خطو العجل، حصل له سوء مزاج أصدأ مرآة مخيلته، وأفسد صورة ممثلته فعظم اختلاطًا وكثر خلطًا، وضيق عليه دار البقاء حتى حل من القبر في دار اللقاء. سكن بغداد، وحدث بها، ولم يكن للشافعية في وقته أرأس منه، ولا أورع، ولا أكثر تقللًا منه، وكان ثقةً من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا. قال أبو الطيب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص ابن شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي، فسأله سائل عن حديث رسول الله ﷺ إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا، فالنزول كيف؟ أيبقى فوقه علو؟ فقال أبو جعفر: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وكان من التقلل في المطعم على حال عظيمة فقرًا، وورعًا، وصبرًا على الفقر. أخبرني محمد بن موسى بن حماد أنه أخبره أنه تقوت في سبعة عشر يومًا بخمس حبات، أو قال: ثلاث حبات، قلت: كيف عملت؟ قال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتًا، فكنت آكل كل يوم واحدة. وذكر أبو إسحاق الزجاج أنه كان يجري عليه في كل يوم أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحد [ًا] شيئًا.

стр. 1860

ولد في ذي الحجة سنة ثمان، وقيل: سنة عشر ومائتين، وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين، ولم يغير شيبه، وكان قد اختلط اختلاطًا عظيمًا في آخر عمره. ومنهم: [٧] أحمد بن سريج، أبو العباس الشيرازي الفقيه الشافعي (١) نورٌ لم تزل معاليه باللألاء لائحة، ونوؤه لم تبرح أياديه بالآلاء سائحة، يتوضح في فجر الفخر، وينبجس في صلد الصخر، بما يرق من فضفاض أرديته، ويطف من فياض أنديته، سحب ذيله على المجرة، وصحب سيله الدنيا وفارقها بحلى في برودها المخضرة، بعلوم أعطت المسامع نشوة الاهتزاز، والمجامع جلوة الاعتزاز، وجادل عن مذهبه حيث لا يبل الريق اللسان، ولا يلبي الفكر المجيب للإنسان، وأفاض بتصانيفه المواهب الجسيمة والسحائب في أكناف الرياض البسيمة، فأطال الدعائم، وطار إلى النعائم، ولقي الله وهو مسرور بلقائه، مغبط بحال مماته، وحالي بقائه.
следующие страницы →