← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ويقال: إن عمر بن الخطاب ﵁ غلقهما لما فتح القدس. فلم يفتحا إلى الآن. وقد اتخذ الناس ظاهر هذا السور مقبرة يدفنون فيها موتاهم. وفيها قبر شداد بن أوس (١). وتلو المقبرة المذكورة وادٍ عميق يعرف بوادي جهنم، يزرع. وفيه كروم وبساتين. ومنه يتطرق إلى عين [ … .]. وفيه أبنية عجيبة، وآثار غريبة، ونقوش ومعابد قديمة (٢). وهو وقف على المدرسة الصلاحية. وحدّ هذا الوادي من الشرق طورزيتا الذي يقال: إن الله تعالى رفع عيسى ﵇ منه. وبه قبر رابعة العدوية، يُزار قصدًا. وفيما بين السور الشرقي وصحن الصخرة الشريفة أشجار من الزيتون والميس والتوت والتين. تقدير عدتها مائة شجرة، يستظل الناس تحتها ويصلون. قال الصاحب تاج الدين أحمد بن أمين الملك: «ولقد مضى علي في مجاورة هذا الحرم الشريف الفصول الأربع، فرأيتُ له في كل فصل محاسن في غيره لم تُجمع، وهو أنه من مبدإ فصل الربيع تبدو فيه من الأزاهر المختلفة الألوان ما يستوقف بحسنه لب الذكي الأروع. وكلُّ أحد ممن له معرفة بالأعشاب يأتي إليه، ويأخذ من تلك الأزاهر ما علم منفعته ومضرته». قال: وأما ما شاهدته بالعيان، أنني جلست وقتا في بقعة منه تكللت بأزاهر من الشقائق والبهار والأقحوان، وإلى جانبي فقير عليه أطمار رئة يبدي تبسمًا، وتارة يعلن صوته بالتسبيح والتكبير ترنمًا، ويقول: سبحان من جمع فيك المحاسن، وكساك هذه الحلل الفاخرة، وجعلك تحتوي على كنوز الدنيا والآخرة فقلت له يا سيدي! أما فضله وبركته، فقد صدق العيان فيها الخبر، وقام بها الدليل والبرهان وتواتر بها الأثر؛ لكن ما كنوز الدنيا؟ فقال: ما من زهرة تراها إلا ولها في النفع والضرر خواص، يعرفها اهل الاختصاص! فقلتُ: لعلّ تُظهر للعيان شيئًا مما عرفت يزداد به اليقين تبصرة، وتكون

стр. 212

هذه الجلسة معك عن صبح النجاح مسفرة. فأخذ بيدي ومشى خطُوات إلى جهة من جهات الحرم. ومد يده أخذ قبضة من ذلك الكلأ، وقال: هل معك خاتم أو درهم؟ فقلت: نعم. فأخرجتُ درهما مما معي. فعركه بذلك الكلأ، فعاد كالدينار في صفرته. ثم أخذ حشيشة أخرى، وعركه بها. فعاد أبيض، أنقى مما كان أولا. وقال: هذه رموز احتوت على تلك الكنوز. ولم يترك نبي الله سليمان شيئًا من المواهب التي منحه الله إياها، والمنافع التي وصلت إليه من الإنس والجن على اختلاف صورها ومعناها، إلا وأودعه في هذا الحرم. فأين من يفهم تلك المعاني، أو من كان لها يُعاني؟ ثم أخذ منهجا غير ما كنت أسلكه فسألته التثبت والتلبث. فقال: الدنيء من صرف نظره إلى العرض الأدنى، والسري من صرف زمانه بالتهجد في هذا المعنى. أُوصيك أن تغتنم الفرصة في ركعات تقدمها بين يديك، فما سواها فان، ولا تلتفت إلا إلى ما يقربك من الرحمن فقلت: يا سيدي ومثلك من يفتح لي أبواب الصواب. فقال: ما بعد السنة والكتاب من باب. ثم فارقني مهرولا، معلنا بصوته ومرتلا. يقول: سبحانك يا دائم! سبحانك يا قدوس! سبحانك يا رحمن سبحانك يا محيي النفوس! فجعلت هذا الذكر لي ديدنا، وكلما اشتاقت له منى عين أطربت بذكره أذنا. صفة السور الشمالي وفيه عدة أبواب: أوّلها من جهة الشرق باب يسمّى أسباط. وهو تلو الرواق المقدم ذكره الذي هو نهاية السور الشرقي. وارتفاع هذا الباب خمسة أذرع، وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وربع وثمن ذراع. ويعقب هذا الباب من غربه، رواق معقود على عشر سوار. طوله اثنان وسبعون ذراعا، وعرضه ثمانية أذرع بصدره أربعة شبابيك مطلة على بركة بني إسرائيل. وهي بركة قديمة عميقة. ويعقب هذا الرواق ساحة، وهي أرض كشف ببعضها مصب مياه لبركة بني إسرائيل. وبعضها كشفٌ، قُصد أن يُبنى به أروقة. وإلى الآن لم تكمل. وطولها أربعة وسبعون ذراعا. ويعقب هذه الأرض المدرسة الكريمية. وجاورت ما أمامها من الأروقة بحائطين: غربية وشرقية. وجعلوا مَصِيفَيْن قدامها. وطول هذه المدرسة من الشرق للغرب خمسة وعشرون ذراعا. وجُعل قدّام هذه الأروقة مسطبة يُصعد إليها بأربع درج بارزة في الحرم. طولها من القبلة للشمال ستة عشر ذراعا. وهذه المدرسة بناها كريم

стр. 213

الدين عبد الكريم، ناظر الخواص الشريفة السلطانية الناصرية. ويعقب هذه المدرسة باب، يسمّى باب حِطَّة. عرضه أربعة أذرع وثلثا ذراع، وارتفاعه ثمانية أذرع. أمامه ممشاة مفروشة بالبلاط، طولها مائة وثمانية وسبعون ذراعا، وعرضها خمسة أذرع وكَسْرٌ يُصعد من آخر بدرج إلى ثلاث قناطر معقودة على عمودين رخام وساريتين، يدخل منهن إلى صحن الصخرة. وبخدي هذا الباب مسطبتان لطيفتان، عرض كل منهما ذراعان: الشرقية منهما لصيقة للمدرسة الكريمية المذكورة؛ وتلو الغربية رواق، طوله اثنان وسبعون ذراعا في العرض المذكور. وفي سوره ثلاثة شبابيك للرباط العلمي الدواداري. وبأوّله من الشرق بالقرب شباك للتربة الأوحدية، من بني أيوب. ثم يتلو هذا الرواق باب يعرف بباب شرق الأنبياء. طوله ثمانية أذرع وعرضه أربعة. وأمامه ممشاة نظير الممشاة المذكورة. وقد تقدم ذكر هذه أيضا. ويتلو هذا الباب رواق طوله سبعة وأربعون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع ونصف، معقود على ثمان سَوَارٍ بأوّله شباكان، أحدهما مفتوح يتوصل منه إلى زاوية الصاحب أمين الدين المعروف بأمين الملك. وتلوهُما بابٌ يُصعد من باطنه إلى زاوية اللاوي. وتلو الباب مسطبة، فيها صهريج. ويعقب هذا الرواق من الغرب رواق معقود عقدين على ثلاث سوار. طوله تسعة عشر ذراعا ونصف، وعرضه من الشمال للقبلة تسعة أذرع. ويُصلّي به الآن بعضُ النسوة، الصلوات الخمس، خلف الأئمة. وبأعلاه مدرسة الأمير سيف الدين الحاج آل مَلَك الجوكندار، وخانقاه مجد الدين الإسعردي التاجر. وبأوّله جوار الصهريج المذكور، سُلَّمْ يُصْعد منه إلى المدرسة والخانقاه المذكورتين. ويعقب هذا الرواق كشف ليس به أروقة. وهو صورة مسطبة عالية. ويُنزل من وسطها بست درج إلى الحرم. وبأقصى ارتفاع هذا السور خمسة شبابيك لمدرسة الأمير علم الدين سنجر الجاولي، ﵀. وليس لها استطراق إلى الحرم. ومن حدّ هذا الكشف، طالبا لجهة الغرب، خلوتان. لكل منهما بابٌ يُفتح للجهة القبلية من الحرم. وداخلهما كله في باطن السور الشمالي. وهي من جبل صخرٍ أصمَّ، صفة مغارة. وقيل يعرف قديما بمغارة

стр. 214

إبراهيم. وفي الشرقية منهما شباك لطيف. وإلى جانب هاتين الخلوتين، خلوة لشيخ الحرم. وبها شباكان على الحرم الشريف. وطولها ستة عشر ذراعا. وأمامها مسطبة في الطول المذكور، وعرضها أربعة أذرع وثلث. وبأعلى هذه الخلوة، خلوة يصعد إليها بسلم، بسبع درج في حد الباب الذي يفتح للشرق. ويتلو ذلك رواق على عقدين طوله من الغرب طالبا للشرق خمسة عشر ذراعا وعرضه تسعة ونصف. وتلوه سُلَّم مستطيل جدا، يصعد من أعلاه إلى مأذنة، إلى دار هناك لبني جماعة. وهذه المأذنة هي أقصى السور الغربي، وارتفاعها ثلاثة وخمسون ذراعا. وبأعلاها درابزينات خشب منقوشة. وهي مكللة من العمد الرخام اللطاف بأحد وثلاثين عمودا. صفة السور الغربي ويشتمل على سبعة أبواب بما فيه من باب الطهارة، فإنه الآن غير نافذ. وأمام كل باب شجرة كبيرة من الميس أو التوت، وتحتها مسطبة يصلّي الناس عليها، ويستظلون؛ خلا باب الغوانمة، فليس قدامه شيء. ومبدأ السور من المأذنة المذكورة. وأول أبوابه من هذه الجهة، باب الغوانمة. وطوله أربعة أذرع، وعرضه ثلاثة أذرع. يُصعد إليه من الحرم الشريف بعشر درج. وبحده الشمالي خلوة للبواب، بارزة في الحرم تقدير خمسة أذرع. ومن حدّ هذه الخلوة إلى المأذنة المذكورة خمسة وثلاثون ذراعا. ومن الباب المذكور - على مضى ثمانية عشر ذراعا طالبا للقبلة - باب لطيف الخلوة في باطن عرض السور لبعض الفقراء المجاورين. ومن حدّ هذه الخلوة إلى نهاية أربعة وعشرين ذراعا حاكورة بها أشجار وكروم تحت دار وقفها علاء الدين الأعمى. وكان هذا الرجل من نظار الحرم المتقدمين، وله تأثيرات حسنة في الحرم من المواعيد والأبنية. وطول الحاكورة طالبا للشمال خمسة وأربعون ذراعا، في عرض سبعة أذرع وكسر. ومن نهاية الحاكورة إلى أقصى السور وهو المأذنة المذكورة كشف بلا أروقة. ولصيق هذه الحاكورة من القبلة باب كبير يعرف بباب الرباط المنصوري. طوله ستة وعرضه خمسة ونصف. وأمامه ممشاة يُتوصل بها إلى السلم الذي يتوصل منه إلى صحن الصخرة، قبالة الباب الحديد الآتي ذكره.

стр. 215

وبخد الباب المذكور إلى جهة الشمال عقد على ساريتين، طوله تسعة أذرع وعرضه عرض الحاكورة وسائر الأروقة المتصلة به وهذا العقد أوّل العقود في السور الغربي. وعمل في ثخانة الحائط التي في أوّله مع ثخانة السارية خلوة صغيرة للقيم والبواب بالباب المذكور. وتحت هذا العقد يجلس الناظر والمباشرون يومئذ للنظر في المصالح. وتلو الباب المذكور عرضه عرض الأروقة، وطوله مائة وثمانية أذرع؛ معقود على ست عشرة سارية. وعلى تقدير عشرة أذرع من أوّله شباك القاعة التي هي سكن الناظر على أوقاف الحرم. وهي من وقف الحرم. وفي آخره خلوة لطيفة سكن القيم وبرسم القناديل. وتلو ذلك الباب المعروف بالحديد. طوله أربعة أذرع ونصف، وعرضه ذراعان وثلثا ذراع. وأمامه مَمْشاة مبلطة يتوصل منها إلى سلم لصحن الصخرة الشريفة. عرضه ثلاثة وعشرون ذراعا ونصف، وعدد درجه إحدى وعشرون درجة. وليس بأعلاه قناطر أسوة بقية السلالم. وتلو هذا الباب رواق على ثمان سوار طوله ثمانية وخمسون ذراعا وعرضه عرض سائر الأروقة. وبآخره باب لطيف لخلوة لبعض الفقراء. ثم يتلو هذا الرواق باب كبيرٌ عُمِل من قريب واستجد فتحه، يُنزل إليه بعشر درجات. له مساطب في خدّيه. طول كل منها سبعة أذرع وعرضها ذراع وثلثا ذراع. وقد أتقنت عمارته. وارتفاعه ثمانية أذرع وعرضه خمسة أذرع. وعقده بوجهين، منقوش بالحجر الملوّن وطراز كتابته بالذهب، نُقر في الحجر. وأبوابه مصفحة بالنحاس المذهب المخرّم، متقن العمارة والزخرفة. ويُتوصل منه إلى القيسارية المستجدّة. وتشتمل على صفّي حوانيت، بعضها وقف على الحرم، وبعضها وقف على المدرسة والخانقاه اللتين أنشأهما الأمير سيف الدين تنكز ﵀ وسيأتي ذكرها عن كثب. إن شاء الله. وإلى جانب هذا الباب رواق معقود على ساريتين كبار جدا طوله خمسة عشر ذراعا، وعرضه إلى خارج الساريتين سبعة أذرع وثلثا ذراع وإلى باطنهما خمسة أذرع ونصف. بصدره شباك لقاعة من وقف الحرم. وبجانب الشباك خلوة لطيفة للقيم والبوّاب. وإلى جانب هذا الرواق باب الطهارة. وهو يشتمل على طهارتين: إحداهما للنساء، والثانية للرجال. وتشتمل طهارة الرجال على ثلاثة وعشرين بيتا وفسقية كبيرة. وبأعلى طهارة النساء تكرى لوقف الحرم.

стр. 216

وباب الطهارة يُنزل إليه من أرض الحرم بأربع درجات. وطول الباب أربعة أذرع وثلثا ذراع، وعرضه ثلاثة وثمن، وبعده سبع درجات إلى دهليز مستطيل، يتوصل منه إلى طهارة الرجال وإلى سلم يتوصل منه إلى عُلُو طهارة النساء. وطهارة النساء في أوائل الدهليز، على يمين الداخل. ويتلو باب الطهارة رواق طوله ثلاثة وستون ذراعا، وعرضه سبعة ونصف. معقود على تسع سوار. [وفيه في ثخانة السور بابان لخلوتين: إحداهما للقيم والأخرى برسم فقير] (١). وفي آخره من جهة القبلة محراب ملاصق للمأذنة، يُصلّى فيه صلاة مفردة بإمام مفرد. وتجاوره المأذنة المختصة بالحرم وارتفاعها ثمانية وأربعون ذراعا. وبأعلاها درابزينان من الخشب. وهي مكللة من العمد الرخام اللطاف بثمانية أعمدة. ويتلو المأذنة بابان قد خُلِق الشمالي منهما وسُمِّر والمأذنة إلى جانبه. ويسمّى الباب المفتوح باب السلسلة. ويعرف قديما بباب السحرة. سعته خمسة أذرع وثلث، وطوله ثمانية ونصف. وكذلك المُغْلَق. [وأمام هذا الباب ممشاة قلع يتوصل منها إلى سلالم صحن الصخرة بعقد قبالة المعظمية. ذرعها سبعة وسبعون ذراعا وربع] (٢). ويتلو الباب رواق معقود على عشر سوار طوله سبعة وخمسون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع وربع، وارتفاع عقده عشرة أذرع ونصف. وهو نظير ارتفاع سائر سقوف أروقة الحرم. وهذا الرواق فيه شباكان للمدرسة التنكزية: [أبوابهما من الآبنوس والعاج، وداخلهما المدرسة] (٣). وظهره حامل للخانقاه التنكزية. وفي آخره باب لطيف يُصعد منه إلى أعلى المدرسة وسكن الصوفية. وفي آخر سواريه ستة أعمدة من صَوَّان كبار. ويتلو هذا الرواق من القبلة مسطبة ارتفاعها ذراع وطولها من الجنوب للشمال ثمانية وثلاثون ذراعا إلا تمنا، وعرضها عرض الرواق المذكور. وتقيس من هذه المسطبة ثلاثة وثلاثين ذراعا، تجد باب حارة المغاربة. وسعته ثلاثة أذرع وربع، وطوله أربعة ونصف. وتلو الباب المذكور [على ثلاثة أذرع] (٤) مسطبة. وهي نهاية السور الغربي [وأول السور القبلي] (٥). وهذه المسطبة مجاورة للزاوية الفخرية التي هي أوّل

стр. 217

السور القبلي من جهة الغرب. وقد تقدم ذكرها. * * * وإذ قد استوعبنا صفة السور المحيط، فلنذكر الآن ما وعدنا بذكره مما اشتمل عليه سوى صحن الصخرة. ونبدأ بما هو تحت صحن الصخرة، وعدته تسع خلاو: أحدها جعل حاصلًا لأصناف الحرم. فمنها بالجهة القبلية ثلاثة: منهنّ ما على أبوابه مساطب ومُعَرَّشات كرم، وفيه أبواب الرواق المعظمى التي تحت مدرسته. وهو مصلى للحنابلة بإمام مفرد. وبجانبه الشرقي حاصلان يجعل فيهما زيت الحرم وأصنافه. وفي الجهة الشرقية من تحت صحن الصخرة أربع خلاو: منها ما عمل قدام أبوابه حاكورةٌ وغُرست أشجارًا. والجهة الشمالية خالية من الخلاوي والحواصل. وبالجهة الغربية خلوتان. إحداهما جعلت حاصلا لأصناف الحرم. وفيه أبواب للرواق المعظمي. وقبالة أبواب الرواق المعظمي من الغرب قبة موسى ﵇. وهي أمام باب السلسلة وأمام رواق الحنابلة بين المسطبة الحاملة لها وبين باب السلسلة ثمانية وعشرون ذراعا وطول المسطبة من القبلة للشمال أربعة وعشرون ذراعا، وعرضها من الشرق للغرب أحد وعشرون ذراعا ونصف؛ وارتفاعها نصف ذراع. بصدر المسطبة القبلي القبة المذكورة. طولها من ظاهرها من القبلة إلى الشمال عشرة أذرع، وعرضها من الشرق للغرب مثل ذلك. وارتفاع كرسي القبة من ظاهر المسطبة ثمانية أذرع. تشتمل هذه القبة من باطنها على أرض مفروشة بالرخام. بابها يفتح للشمال. عرضه ذراع ونصف، وطوله ذراعان وثلثان. وبخديه شُبَّاكَا حديد في طول الباب وعرضه. وبكل جهة من جهاتها شُبَّاكا حديد. يُغلق على كل شباك، زوج أبواب وهي محمولة على الأركان. وبين كل حائط وأخيه قوس عقد. وبأعلى كرسي القبة كرسي ثان، فيه خمس طاقات زجاج وبأعلى الكرسي الثاني القبة المعقودة. تقدير ارتفاعها من ظهر الكرسي الثاني ثمانية أذرع. وليس فيها عمد رخام بالجملة الكافية، حتى ولا في خدّي المحراب. صفة قبة سليمان ﵇ وهذه القبة بالجانب الشمالي من الحرم وهي مسامتة للصهريج والسلم الذي يُصعد منه إلى الخانقاه الإسعردية والمدرسة السيفية آل ملك.

стр. 218

ومن واجهة الصهريج إلى باب القبة ثمانية وأربعون ذراعا. وهو يفتح للشمال. طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع وتُمْنٌ. بخديه عمودا رخام ومسطبتان: يمنى، ويسرى. طول كل منهما خمسة أذرع وربع، وعرضهما مثل ذلك. وبخدي الباب المذكور شباكان مطلان على هاتين المسطبتين. طول كل شباك منهما ذراعان وثلثا ذراع، وعرضه ذراع وثلثان. يدخل من هذا الباب إلى قبة مثمنة. وتتمة التثمينات مسدودة. بها أربعة وعشرون عمودا من الرخام طول كل عمود - خارجا عن القواعد - ذراعان ونصف. في كل تثمينة من المسدودات أربعة أعمدة حاملة للرخام التي في عقد القناطر. وبخدي المحراب عمودان لطيفان طول كل منهما ذراع ونصف. وفي نهاية العمد - عند نهاية كرسي القبة - طاقات زجاج بدائرها. سعة القبة ستة أذرع ونصف، وارتفاعها من قطب القبة للأرض عشرون ذراعا. وعلى يَمْنة المصلى في المحراب صخرة صغيرة طولها ذراعان وربع، وعرضها من الجهة القبلية ذراع، ومن الشمالية ثلثا ذراع. يدعو الزوّار عندها. ويقال: إنها من الآثار السليمانية، وإن الدعاء عندها مستجاب. وفي حائط هذه القبة القبلي، من خارج، عمودان من الرخام. وبهما تكمل ما بهذه القبة من الأعمدة ثلاثين عمودا. صفة المجلس الذي بناه سليمان ﵇ ويسمى الآن إصطبل سليمان قال الصاحب تاج الدين: هذا المجلس بناؤه أعجب وأتقن من المسجد الذي أعلاه. وله من داخل الخانقاه الصلاحية (يعني المجاورة لمقصورة الخطابة) [وبها الآن شيخ يعرف بالختني، وتُعرف الآن] (١) سُلَّمَان: أحدهما ست وثلاثون درجةً يُنزل منها إلى بعض أقسام المجلس المذكور؛ والثاني أربع وخمسون درجةً، يُنزل منها إلى بقية أقسام المجلس المذكور. قال: والمكان في غاية النور لما عُمل له من المناور والطاقات المحكمة. وهو رواقات عقودها محمولة على عمد من الصَّوَّان وأركان البناء. وعرض هذه المجالس من القبلة إلى الشمال: منها ما عرضه ثمانية أذرع، ومنها ما عرضه تسعة أذرع، ومنها ما

стр. 219

عرضه عشرة أذرع؛ وارتفاع عقوده من الأرض التي بها الأبواب النافذة لرأس وادي عين سلوان منها ما تقدير ارتفاعه عشرون ذراعا، ومنها ما تقديره خمسة عشر ذراعا. ويقال: إن أحد هذه الأبواب كان منه دخول الأنبياء ﵈. وفي إحدى أسطواناته حَلْقَةٌ. يقال إن البراق ربط بها ليلة الإسراء. وهذه الأروقة كلها آخذة من الشرق للغرب. فمنها ما أمكن قياس طوله، الذي أمكن التطرق إليه. فكان تقديره ثلاثة وتسعين ذراعا. ومنها ما لم يمكن قياس طوله لكون أطواله قسمت حيطانا منها ما هو في وقتنا هذا مملوء بالتراب المهول؛ ومنها ما هو صفة حواصل؛ ومنها ما هو مساكن، ومرافق لسكان الخانقاه المذكورة. قال: ونطاق النطق ضاق عن استيعاب وصف هذا المجلس. لكن الأماكن التي أمكن التطرق إليها والمشي لما هو نافذ منها دلّت على أن البقعة المسماة بالجامع (يعني المسجد الأقصى) موضع الخطبة الآن؛ وبقعة جامع النساء وغالب الممشاوات التي بالحرم والأشجار المزدرعة: كلها معلقة على هذه العقود والسواري. قلت: ولقد دخلتُ إلى بعض هذه الأماكن، ورأيتُ من عجائب الأبنية بها ما يملأ العين. وكان دخولي إليها من الزاوية المعروفة بسكن الخُتني، ثم أفضيتُ منها إلى الكروم وظاهر المسجد (١). قبر الخليل ﵊ وما جاوره من قبور بنيه والأزواج وكلها داخل ذلك المسور، وفي حدود ذلك المكان المنوّر روى الحافظ أبو القاسم مكي بن عبد السلام بن الحسين الرميلي المقدسي (٢)، بسنده إلى كعب الأحبار، قال: أوّل من مات ودفن بِحَبْرى سارة. وذلك أن إبراهيم خرج لما ماتت، يطلب موضعا ليقبرها فيه. فقدم على صفوان. وكان على دينه. وكان

стр. 220

مسكنه وناحيته حبري (١). فاشترى منه الموضع بخمسين درهما. وكان الدرهم في ذلك العصر خمسة دراهم. فدفنت سارة فيه. ثم تُوُفِّي إبراهيم فدفن لَصِيقَها. ثم تُوُفِّيَت ربقة زوجة إسحاق، فدفنت فيه. ثم تُوفي إسحاق فدفن لَزِيقَها. ثم تُوُفِّي يعقوب فدفن في الموضع. ثم توفيت زوجته ليقا فدفنت معهم. فأقام ذلك الموضع على ذلك إلى زمن سليمان. فلما بعثه الله، أوحى إليه أن ابن على قبر خليلي حَيْرا حتّى يكون لمن يأتي بعدك، لكي يُعرف. فخرج سليمان وبنو إسرائيل من بيت المقدس، حتّى قدم أرض كنعان. فطاف فلم يصبه. فرجع إلى بيت المقدس. فأوحى الله إليه: يا سليمان، خالفت أمري! قال: يا رب، قد غاب عني الموضع. فأوحى الله إليه: امض، فإنك ترى نورا من السماء إلى الأرض، فهو موضع قبر خليلي. فخرج سليمان ثانيا، فنظر فأمر الجنَّ فَبَنَوْا على الموضع الذي يقال له الرامة. فأوحى الله إليه: إن هذا ليس هو الموضع، ولكن إذا رأيت النور قد التزق بأعنان السماء. فخرج سليمان فنظر إلى النور قد التزق بأعنان السماء إلى الأرض. فبنى عليه الخير. قلت: ولم يكن لهذا الحير باب. وإنما المسلمون لما افتتحوا البلد، فتحوا له بابا. وبناؤه بناء محكم. وفي حائطه حجارة هائلة في كبر القدر، منها ما طوله سبعة وثلاثون شبرا. وقد أقيم بهذا الموضع خطبة، ورتب به إمام ومؤذنون. وفي قبلته بابٌ يُنزل منه بدرج كثيرة إلى سرداب ضيّق تحت الأرض، يأخذ متشاملا إلى فجوة فيها ثلاث نصائب قبور في حائطه، يقال إنها قبر الخليل وزوجته وإسحاق. وهناك طاقة لا يُعرف إلى أين تنتهي، لكن يقال إنها إلى مغارة تحت أرض الحرم فيها الموتى. وتلك أمثال القبور من فوق. ولقد أتيتُ إلى هذا السرداب ومشيتُ به زحفا، لضيقه ولتطأطؤ سقفه، لا يقدر أحد على المشي منتصبا به. وهو خطوات يسيرة تنتهي إلى الفجوة المذكورة. وهي نحو أربعة أذرع في مثلها. هيأة القبور في قبلة المسجد الآن قبران: الأيمن قبر إسحاق، والأيسر قبر زوجته. وفي شماليه مما هو منفصل عن المسجد بقبتين متقابلتين قبران:

стр. 221

الأيمن قبر إبراهيم الخليل، والأيسر قبر سارة زوجته. وفي شمالي الحرم قبة مفردة مسامته لقبة الخليل. وفيها قبر يقال إنه قبر يعقوب. ولا شك ولا ريب أن إبراهيم (صلوات الله عليه) ومَن ذُكر معه مدفونون داخل هذا المسوَّر. وأما تعيين موضع القبر، فالله أعلم. قال علي بن أبي بكر الهروي (١): حدثني جماعة من مشايخ بلد الخليل أنه لما كان في زمان بردويل الملك، انخسف موضع في هذه المغارة. فدخل جماعة من الفرنج إليها بإذن الملك، فوجدوا فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقد بَلِيَتْ أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط، وعلى رؤوسهم قناديل. وهي مكشوفة. فجدد الملك أكفانهم ثم سدّ الموضع. وذلك سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. حكى ذلك شهاب الدين بن الواسطي. قال: وقيل إن قبر آدم ونوح وسام في المغارة. قال: والمغارة تحت هذه المغارة التي تزار الآن. والله أعلم. ووراء الحرم موضع فيه قبر ينسب إلى يوسف ﵇. يقولون إنه لما بني المكان، أرادوا أن يجعلوا قبره داخل الحرم. فسمع بانيه وهو سليمان ﵇ قائلا يقول: دعوه خارج الحرم، فعليه خراج مصر. ويقال إن موسى ﵇ لما خرج من مصر، استصحب معه تابوت يوسف، ودفنه هناك قريبا من آبائه؛ ولم يدفنه عندهم، لما ناله من المُلك. هكذا

стр. 222

يقال، والعهدة على قائله. والله أعلم] (١). قلتُ: وهذا الحرم مؤزر جُدُرُهُ بالرخام الملوّن والمُذْهَب. وعليه أوقاف جليلة. ويُمدّ فيه كل يوم بعد العصر سِمَاطٌ، ويفرّق فيه من الخبز على الواردين بحسبهم على قدر كفايتهم. وقد زرتُ الخليل (صلوات الله عليه وسلامه) في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فأخبرني جماعة المباشرين أن في بعض ليالي العشر من هذا الشهر في هذه السنة فرقوا زيادة على ثلاثة عشر ألف رغيف؛ وأن غالب أيام العام ما بين السبعة آلاف والعشرة آلاف. ويُفرق أيضًا مع الخبر طعام العدس بالزيت الطيب والسماق. وفي بكرة النهار يُطبخ أيضًا قدر من الدشيش، ويفرّق على الواردين. وفي بعض أيام الأسبوع، يُطبخ ما هو أفخر من ذلك. وله خُدام برسم غربلة القمح وطحنه وعجينه وخبزه. لا يبطلون ليلا ولا نهارا وأهراء القمح والطاحون والفرن، نافذ بعض ذلك إلى بعض. بحيث إن القمح يُفرّغ في الأهراء ويُخرج خبزا مخبوزا. ولم يزل على هذا مدى الشهور والأعوام والليالي والأيام، لا ينقطع له مدد، ولا يُحصر بضبط ولا عدد. ولما استولى الفرنج على بلد الخليل ﵇ أجروا هذا السماط وزادوا على من كان قبلهم، وبالغوا في صلة هذا المعروف. ثم زاد ملوك الإسلام في السماط وهو معروف يشمل المأمور والأمير، والغني والفقير. وقلتُ من قصيد مدحته، ﵊: [من الكامل] هذا خليل الله إبراهيم قد … لاحت لنا أعلامه الشم الذرى! هذا الذي سَنَّ القرى لضيوفه … كرمًا، ولولاه لما سُنَّ القرى! هذا الذي مد السماط فما انطوى … ذاك السماط تكرمًا، وسَلِ الورى! وقلت من أخرى: [من الخفيف] هو ذا صاحب السماط ولكن … صاحب الحوض نجله وذووه! ذو فِناءِ يُقرى به كلُّ ضيف … لم يُخيَّبْ تحت الدُّجى طارقوه! مُنعِمٌ سَيِّدٌ جواد كريم؛ … منذ مدوا سماطه ما طووه.

стр. 223

وقلت من أخرى، حين زرته في ذي الحجة سنة خمس وأربعين [وسبعمائة]: [من الطويل] خليل إله العرش أوّلُ مَنْ قَرى … ضيوفا! وها قد جئته واستضفته أتيت كريما لا تزال رحابه … مُطبّقة بالوفد حيث نظرته دعت ناره الضَّفانَ في غَسَقِ الدُّجى … وليس سواها بارقًا ثَمَّ شِمتُهُ فتى الجود شيخ الأنبياء جميعهم … ووالدهم حقا، يقينًا علمته وقلتُ، عند الوداع في هذه السنة: [من الكامل] هذا الخليل وهذه أبناؤه! … يكفيك بعد فراقه أنباؤه! هيهات لا تُوفي أقل حقوقه … ولو أن جفنك لا يجف بكاؤه! فامسك فؤادك إن ملكت عنانه! … هيهات قد طارت به أهواؤه! وتعز عن أهل الكتيب وإنما … من أين للصب الكئيب عزاؤه! قلت: وكان قدومنا هذه المرة على الخليل ﵇ يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فبتنا ليلتنا نتبرك بما حوت تلك القبور من العظام العظام، ونعفّر الوجوه في تلك البقعة المشرفة في مواضع أقدام أولئك الأقوام. ثم أصبحنا وقد حَمِدنا السُّرى عند الصَّباح، وطلبنا حوائجنا عند تلك الوجوه الصباح. فلما قضينا من الزيارة الأرب، وهزتنا من النوبة الخليلية الطرب، بعثت وراء الصاحب ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن الخليلي التميمي الداري. وهو بقية هذا البيت الجليل، والمنتهي إليه النظر على وقف الحبيب سيدنا محمد ﷺ وبلد أبيه إبراهيم الخليل والتمسنا منه إحضار الكتاب الشريف النبوي المكتتب لهم بهذه النَّطية (١). والمُشرِّف لهم به على سائر البرية. فأنعم بإجابة الملتمس، وجاء به أقرب من رَجْعِ النفس. وهو في خرقة سوداء من مُلْحَم قطن وحرير، ومن كم الحسن محمد أبي المستضيء بالله (٢). أمير المؤمنين، وبطانتها من كتّان أبيض على تقدير كل

стр. 224

إصبع منه ميلان أسودان مشقوقان بميل أبيض، جعل ضمن أكياس يضمها صندوق من آبنوس يُلَفُ في خرقة من حرير. والكتاب الشريف في خرقة من خُفٌ من أدم، أظنُّها من ظهر القدم. وقد موّه سواد الجلد على الخط، لا أنّه أذهبه، وما أخفى من يد كاتبه المشرفة ما كتبه. وهو بالخط الكوفي المليح القوي. فقبلنا تلك الآثار، وتمتعنا منه بمدد الأنوار. ومعه ورقة كتبها المستضيء بنصه شاهدةً لهم بمضمونه، ومزيلة لشكّ الشاك المُريب وظنونه: ومضمون ما كتب كهيأته وسطوره: (١) «نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه» «لتميم الداري وإخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه» «من غزوة تبوك في قطعة أدم من خف أمير المؤمنين علي وبخطه» «نسخته كهيأته» «بسم الله الرحمن الرحيم» «هذا ما انطى محمد رسول الله لتميم» «الداري وإخوته حبرون والمرطوم» «وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهن» «نطية بت بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم» «ولأعقابهم فمن آذاهم آذاه الله فمن آذاهم» «لعنه الله شهد عتيق بن أبو قحافة وعمر بن» «الخطاب وعثمان بن عفان وكتب علي بن» «بو طالب وشهد» هذه نسخة الكتاب الشريف.

стр. 225

و «أبو قحافة» ألف وباء وواو - ثم «قحافة» - و «بو طالب» باء وواو - ثم «طالب». وليس في «بو» ألف. بين ذلك ليُعرف. و «كتب» في ذكر علي ﵁ مقدمة، و «شهد» مؤخرة. بين ذلك أيضا ليعرف. وقد رأيت ذلك كله بعيني، ومن خط المستضيء نقلت. وهو خطه المعروف المألوف. وقد رأيته وأعرفه معرفة لا أشك فيها ولا أرتاب. وقرأته من الكتاب النبوي نفسه. وهو موافق لما كتبه المستضيء، نقلا منه. على أن آثاره كادت لتعفّى، وتحتجب عن الناس لفساد الزمان وتتخفّى (١). وكان التبرك برؤية ذلك على ظهر القبور الصغير الشمالي، في الحرم الخليلي الملاصق لقبر زوج يعقوب ﵇ المفضي منه إلى المأذنة بحضرة مخزن العدس.

стр. 226

وقد كنتُ رأيتُ ذلك مرة متقدمة بالحصن سكن بني الخليلي، بظاهر البلد، لما أتيتُ زائرًا بعد العود من الحج على الدرب المصري في المحرم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ولكني إذ ذاك لم أنقله. قبر يونس بن متى ﵇ بقرية حَلْحُولَ على يسار الذاهب من بلد القدس إلى بلد الخليل ﵇. ويعرج الزائر إليه. وعليه بناء وقُبَّةٌ. وله خادم. زُرْتُه مرات. وآخر عهدي به في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. وكتبتُ على جدار القبة بيتين خطرا لي في ذلك الوقت، وهما: (١) قبر موسى بن عمران ﵇ بالقرب من أريحاء. وتعرف القرية بِشَيْحان. رأيتُ بخط علاء الدين ابن الكلاس (٢) ما صورته: «قال الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الله بن يونس الأرموي (٣) عن والده قال: زرت قبر موسى ﵇ الذي بالقرب من أريحاء. قال الشيخ إبراهيم: وكان إذ ذاك لم تُبْنَ عليه قُبَّةٌ ولا مشهد. قال: فقلت في نفسي: اللهم أرني ما أزداد به يقينا في صحة هذا القبر. قال: فبينا أنا نائم رأيت كأنّ القبر انشق وخرج منه إنسانٌ طُوَال. قال: فجئتُ إليه وسلَّمتُ عليه، وقلتُ له: من أنت؟ قال: موسى بن عمران، وهذا قبري. وأشار إليه. ثم قعدنا. وإذا بالقرب منا رجل يطبخ في قدره فلما استوى طعامه، أحضره إلينا وإذا هو شورباة أرز. فأكل موسى ﵇ منها ثلاث ملاعق، وأنا ثلاث ملاعق والرجل ثلاثا. ثم تداولناها بيننا إلى أن فرغت. قال الشيخ عبد الله: وكنتُ على عزم العود إلى بلاد العجم إلى عند شيخي. فقال لي موسى ﵇: أنت لا تسافر إلى شيخك. وكيف

стр. 227

تسافر؟ وأنت تريد تتزوج بامرأة من نسل الرسول وتُرزق منها أربعة أولاد. وأقام الشيخ إبراهيم أصابع يده اليمنى الأربعة، وضم الإبهام إلى باطن كفه، يحكيه. قال الشيخ إبراهيم: فكان كما ذكر موسى ﵇. فلم يسافر والدي، وتزوج بامرأة شريفة، وهي أمي. ورزق أربعة أولاد، أنا أحدهم. ولما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي أنت راض عني؟ فقال: كيف لا أرضى عنك، وقد بشرني بك موسى ﵇ (١). * * * مسجد دمشق مسجد عظيم (٢)، ومعبد قديم. لا يُعرف على الحقيقة بانيه ولا زمن بنائه. فتح المسلمون الشام، وهو كنيسة لأهل دمشق يُتعبد فيها، زمن الروم. وقد كان قبلهم معبدًا لأمم مختلفة. وتزعم الكلدانية أنه من بنائهم، وأنهم بَنَوْه فيما بَنَوْا من الهياكل السبعة التي اتخذوها للكواكب السبعة. جعلوه بيتا للمشتري. قالوا ولهذا استمر التعبد فيه إذ كان المشتري طالع الديانات والتأله. هذا ما زعموه. وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيْم: حيطان مسجد دمشق الأربعة من بناء هود وما كان من حدّ الفسيفساء إلى فوقُ، فهو من بناء الوليد. وقال الوليد بن مسلم (٣): لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق، وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحا من حجرٍ، فيه كتابُ نَقْشِ. فأتوا به الوليد. فبعث إلى الرُّوم فلم يستخرجوه. فدُلَّ على وهب بن منبه. فأقدمه عليه؛ فأخبره بموضع ذلك اللوح. ويقال ذلك الحائط من بناء هود ﵇، فلما نظر إليه وهبٌ، حَرَّك رأسه. ثم قرأه، فإذا هو: «بسم الله الرحم الرحيم. ابن آدم! لو نظرت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك! وإنما تلقى ندمك، لو قد زلَّتْ بك قدمك، وأسلمك اهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تُدعى فلا تجيب! فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد. فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، وقبل أن يحل بك أجلك، وتنتزع منك روحك! فلا ينفعك مال جمعته، ولا

стр. 228

ولد ولدته، ولا أخ تركته! ثم تصير إلى برزخ المثوى، ومجاورة الموتى. فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوّة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن يؤخذ بالكظم، ويحال بينك وبين العمل! وكتب في زمان سليمان بن داود ﵉». ولما فتح المسلمون دمشق - على ما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى - دخل أمير الجيش أبو عبيدة بن الجراح ﵁ بالأمان من غرب البلد، ودخل خالد بن الوليد بالسيف من شرقه. فكانت دمشق نصفين. والكنيسة كذلك. فاتخذوا منها النصف الشرقي المفتوح عنوةً، مسجدًا يصلُّون فيه. وتصلّي النصارى في النصف الآخر. فتأذى المسلمون لمجاورة النصارى لهم في مكان تعبدهم، وكرهوا قرع النواقيس بإزائهم. واشتدّ ذلك على الوليد بن عبد الملك. وكان مُغْوًى في سلطانه بعمارة المساجد وبناء المعابد. فأعطى رجلا ديته حتى أتى القسطنطينية. ودهل في زي النصارى كنيستها العظمى يوم الأحد، والملكُ فيها فَمَنْ دونه. فلبث حتى رأى أن جمعهم قد استكمل. ثم قام فأذن. فأخذ وأحضر لدى الملك، وقد جلس إلى جانبه البطريرك، واستدارت بهما القسوس والشمامشة. فقال له الملك: من أنت وما حملك على ما صنعت؟ فقال: أما أنا، فرجل من المسلمين من أهل دمشق؛ وأما ما حَمَلني على ما صنعت، فأنشدك الله، أيها الملك: هل ساءك ما فعلته وكرهته أم لا؟ فقال: نعم. فقال: ونحن في معبد في شطره النصارى، نسمع نواقيسهم، ونساء بمجاورتهم. فأراد أمير المؤمنين أن يعرفك أننا نساء بذلك، كما ساءكم ما فعلتُ. فخلّى عنه، وكانوا قد هموا بقتله. ثم قال له: صالحونا على عِوَض. فصولحوا عنه بنصف كنيسة مريم، وكانت شطرين. ثم شرع الوليد بن عبد الملك في تحسين بنائه وتحصين فنائه. أبقى منه ما أبقى، وجدد ما جدد. وقال إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقرئ (١): حدثني أبي عن أبيه المغيرة، أنه دخل يوما على الوليد بن عبد الملك فرآه مغمومًا. فقال: يا أمير المؤمنين ما سبيلك؟ فقال: يا مغيرة إنّ المسلمين قد كثروا، وقد ضاق بهم المسجد. وقد بعثتُ إلى هؤلاء لندخل كنيستهم في المسجد، فأبوا. وقد أقطعتهم قطائع كثيرة وبذلتُ لهم مالًا، فامتنعوا. قال: لا تغتم يا أمير المؤمنين قد دخل خالد من الباب الشرقي بالسيف، ودخل أبو عبيدة من باب الجابية بالأمان. فماسحهم أي موضع بلغ السيف،

стр. 229

فإن يكن لنا فيه حقّ أخذناه. قال: فرّجتَ عني! فتول أنت هذا فتولاه. فبلغت المسحة إلى سوق الريحان حتى حاذى من القنطرة الكبيرة أربعة أذرع وكسرًا بالقاسمي. فإذا باقي الكنيسة قد دخل في المسجد. فبعث إليهم. فقال: هذا حق قد جعله الله لنا! لم يُصَلِّ المسلمون في غَصْبٍ ولا ظلم، بل نأخذ حقنا. قالوا: قد أقطعتنا أربع كنائس، وبذلت لنا من المال كذا وكذا. فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تتفضل بذلك علينا، فافعل! فتمنع عليهم حتى سألوه وطلبوا إليه. فأعطاهم كنيسة حميد بن درّة، وكنيسة أخرى عند سوق الجبن، وكنيسة مريم، وكنيسة المُصَلّبة. ثم جمع الوليد المسلمين لهدم الكنيسة. فقال بعض الأقساء للوليد، والفأس على كتفه، وعليه قباء سفرجلي، وقد شدّ قباءه: إني أخاف عليك من الشاهد (١). قال: ويلك! إني ما أضع فأسي إلا في رأس الشاهد! ثم إنه صعد. فأوّل من وضع فأسه في هدمها الوليد بن عبد الملك. وكبر الناس. وقال يعقوب الفسوي: سألت هشام بن عمار عن هدم الكنيسة. فقال: كان الوليد قال للنصارى: ما شئتم إنا أخذنا كنيسة توما عنوةً وكنيسة الداخلة. فأنا أهدم كنيسة توما، وكانت أكبرهما. قال: فرضُوا أن هَدَمَ كنيسة الداخلة وأدخلها في المسجد. وكان بابها قبلة المسجد اليوم المحراب الذي يُصلّى فيه. قال: وهدم الكنيسة في أوّل خلافته. وكانوا في بنيانه تسع سنين. ولم يتم بناؤه. وقال يزيد بن أبي مالك: أرسل إلي الوليد حين أراد أن ينقض الكنيسة فأتاه النصارى فقالوا: كنيستنا لا نهدمها! قال: فإني أتركها وأهدم كنيسة توما؛ لأنها لم تكن في العهد. فلما رأوا ذلك، قالوا: فإنا نتركها لكم، وتدع لنا كنيسة توما. فصعد الوليد وصعدنا معه. فكان أوّلَ مَنْ ضرب بفأس في هدمها. قال: وأراد أن يبني المسجد أسطوانات إلى الطاقات. فدخل بعض البنائين قال: لا ينبغي أن يُبنى هكذا. ولكن ينبغي أن يُبنى فيه قناطر وتُعقد أركانها، ثم تجعل أساطين وتجعل عُمدا. وتُعقد فوق العُمد قناطر تحمل السقف وتخفف عن العمد البناء. ونجعل بين كل عمودين ركنا. قال: فبني كذلك. وقال إبراهيم بن هشام الغساني (٢): حدثني أبي عن يحيى بن يحيى، قال: لما هم بهدم كنيسة مَرْيُحَنَّا ليزيدها في المسجد، يعني الوليد، صعد المنارة ذات

стр. 230

الأضالع المعروفة بالساعات، وفيها راهبٌ يأوي في صعومعة. فأحدره من الصومعة. فأكثر الراهب كلامه. فلم تزل يد الوليد تدق في قفاه حتى أحدره من المنارة. ثم هم بهدم الكنيسة. فقال له جماعة من نجاري (١) النصارى: ما نجسر على هدمها. فقال: أتخافون؟ هاتِ المِعْوَل يا غلام! ثم أتي بسُلّم فنصبه على محراب المذبح (٢). وصعد فضرب بيده حتّى أثّر فيه أثرا كبيرا. ثم صعد المسلمون فهدموه؛ وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة الكنيسة التي بحمام القاسم، حذاء دار أم البنين في الفراديس. قال يحيى بن يحيى: أنا رأيت الوليد فعل ذلك بكنيسة مسجد دمشق. وروى الوليد بن مسلم عن ابن جابر وغيره، قال (٣): لما كان الوليد وأراد بناء المسجد، فقال إنا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه، ونعطيكم عوضها حيث شئتم. وإن شئتم أعطيتكم ثمنها، وأضعف لكم الثمن. فأَبَوْا ذلك، وقالوا: لنا ذمّةٌ وعهد. والله إنا لنجد ما يهدمها أحد، إلا جُنَّ! قال: فأنا أوّل مَنْ يهدمها. فقام وعليه قباء أصفر فضرب، وهدم الناس معه. قال أحمد بن المُعَلَّى (٤): فأخبرني شيبة بن الوليد، قال حدثني أبي، قال: كنت أمر بعبد الرحمن بن عامر اليحصبيّ، وهو شيخ كبير أزرق، وهو جالس بالروضة، فيقول لي: ألا تأتي حتى أكتب لك ارتجاز جدّك وهو يضرب بالفأس في الكنيسة بعد الوليد؟ قلت: نعم، ولكن حدثني الحديث. فقال: لما عزم الوليد على هدم الكنيسة، قالوا إنه لا يهدمها أحدٌ إلا جُنَّ. فقام جدّك يزيد بن تميم فجمع له وجوه أهل البلد. وأمره الوليد أن يتخذ فأسا صغيرة. ففعل. ثم خرج الوليد وتبعه وجوه أهل البلد حتّى علا الكنيسة. ثم التفت إلى يزيد بن تميم، فقال: أين الفأس؟ فأتاه به. فقال إن هؤلاء الكفرة يزعمون أن أوّل مَنْ يهدمها يُجَنِّ؛ وأنا أوّل من يُجَنُّ في الله. وأخذ برقبة قبائه فوضعها في منطقته. ثم أخذ الفأس فضرب به ضربات. ثم ناوله جدك فضرب به بعده، وتناول الفأس كل من حضر (٥).

стр. 231

وصاح النصارى على الدرج وولولوا. فالتفت إلى يزيد بن تميم، وهو على خراجه، فقال: ابعث إلى اليهود حتّى يأتوا على هدمها. ففعل. فجاء اليهود فهدموها. قال ابن المعلى (١): وأخبرني همام بن محمد بن عبد الباقي، قال: حدثني أبي، قال حدثني مروان بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان، قال: لما أراد الوليد بناء مسجد دمشق، احتاج إلى الصُّنَّاع. فكتب إلى الطاغية أن وجه إلي بمائتي صانع من صُنّاع الروم، فإني أريد أن أبني مسجدا. وإن لم تفعل، غزوتك بالجيوش، وخربت الكنائس، وفعلتُ. فكتب إليه: «لئن كان أبوك فهمها فأغفل عنها، إنها لوصمة عليه؛ ولئن كنت فُهِمْتَها وغُيِّبَتْ عن أبيك، إنها لوصمة عليك. وأنا موجه إليك ما سألت». فأراد أن يعمل لها جوابا، فجلس عقلاء الرجال يذكرون. فقال الفرزدق: أنا أجيبه، قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٢). فَسُرِّي عنهم. وعن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه، قال (٣): كتب ملك الروم إلى الوليد: «إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان حقًا فقد خالفت أباك؛ وإن كان باطلا فقد أخطأ أبوك». فلم يجبه أحد. فوثب الفرزدق، فقال: أنا أبو فراس! «فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَنَ»! قال فكتب به الوليد إلى ملك الروم. وقال أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملاس (٤): حدثني أبي عن أبيه عن جده، قال: بنى الوليد قبة مسجد دمشق، فلما استقلَّتْ وتمَّتْ، وقعت. فشق ذلك عليه. فأتاه بناء، فقال: أنا أتولّى بناءها، على أن لا يدخل أحد معي في بنائها. ففعل. فحفر موضع الأركان حتى بلغ الماء. ثم بناها. فلما استقلت على وجه الأرض، غطاها بالحصر. وهرب. فأقام الوليد يطلبه ولا يقدر. فلما كان بعد سنة، قدم، فقال له: ما دعاك إلى الهرب؟ قال: تخرج حتّى أُريك. فأتَوْا. فكشف عن الحصر. فوجد البنيان قد انحط حتى صار مع وجه الأرض. فقال: من هذا كنتَ تُؤْتى! ثم بناها حتّى قامت. وقال عمر بن الدرفْس الغساني (٥): رأيت قبة مسجد دمشق. وقد حفر لأركانها حتى بلغوا الماء وألقي على الماء جرانُ الكروم. وبنى الأساس عليه. وقال إبراهيم بن أبي حوشب (٦): كان جدّي أحدَ قَوَمَة المسجد في بنائه. فحُدِّثْتُ

стр. 232

أن الوليد بعث إليه عند فراغه من القبة، ولم يبق إلا عقد رأسها. فقال: إني عزمت على أن أعقدها بالذهب. قال: يا أمير المؤمنين! اختلطت؟ هذا شيء يُقْدَرُ؟ فقال: يا مَاجِن، تقول لي هذا؟ وأمر به، فضُرِب خمسين سوطا. ثم قال: اذهب، فافعل ما أمرت به. قال: فذكر لي أنه عمل لَبِنَةً من ذهب. فحملها إليه فلما رآها وعرف ما فيها، قال: هذا شيء لا يوجد في الدنيا. ورضي عنه وأمر له بخمسين دينارًا. وقال أبو بكر أحمد بن البرامي، حدثنا أبي (١): سمعت بعض شيوخنا قال: لما فرغ الوليد من بناء المسجد، قيل له أتعبت الناس في طينه كل سنة. فأمر أن يُسقف بالرصاص من كل بلد. فبقي عليه موضع لم يجد له رصاصًا. فكتب إليه بعض عماله: وجدنا عند امرأة منه شيئا، فأبت أن تبيعه إلا وزنا بوزن. فكتب إليه خذه بما أرادت. فأخذه منها وزنا بوزن فلما وفاها، قالت: هو منّى هدية للمسجد. وقالت: أنا ظننتُ أن صاحبكم يظلم الناس. وقيل كانت يهودية. وقال الوليد بن مسلم (٢): لما أراد الوليد بناء المسجد، كان سليمان بن عبد الملك على الصناع .. وروي محمد بن عائذ عن مشيخة قالوا: ما تم مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة. لقد كان يفضل عند الرجل منهم الفلس ورأس المسمار، فيجيء حتى يضعه في الخزانة. وقال أحمد بن إبراهيم بن هشام (٣): سمعت أبي يقول: ما في مسجد دمشق من الرخام شيء، إلا رخامتا المقام الغربي. فإنه يقال إنهما من عرش سبأ. وأما الباقي فكله مرمر. المقام هو مقصورة الخطابة والرخامتان هما السماقي البراق، لا يُدرى ما قيمتهما. [قلت: قوله في ذلك مردود، فقد أجمعت الحكماء على أن الرخام هو الأبيض. فأما الملوّن فكله حجارة. وبمسجد دمشق من الرخام الأبيض وقر مئتين من الإبل. وإن كان الثاني رخاما بزعمه، ففيه من الملوّن كالغرابي والمنقط والمشحم والأخضر والسماقي غير اللوحين شيء كثير. والناس تطلق على كل ذلك اسم الرخام. وقد استجد شيء كثير منه في الحائط الشامي، جدّده الظاهر بيبرس. واستجد بعد ذلك كثير] (٤). وقوله المقام الغربي، إشارة إلى محراب مقصورة الخطابة. فإن المسجد لم يكن

стр. 233

في حائطه القبلي في ذلك الوقت إلا هذا المحراب، والمحراب الشرقي المعروف بمحراب الصحابة. قال دُحيم: وحدثنا الوليد (١)، حدثنا مروان بن جناح عن أبيه، قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخّم. وقال أبو تقي هشام بن عبد الملك: حدثنا الوليد بن مسلم، قال (٢): لما أخذ الوليد في بناء المسجد وظهر من تزويقه وبنائه وعظم مؤونته، تكلم الناس وقالوا: مَحَقَ بيوت الأموال في نقش الخشب وتزويق الحيطان. فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «قد بلغني مقالتكم، وليس الأمر على ما ظننتم. ألا وإني أمرت بإحصاء ما في بيوت أموالكم فأصبت فيه عطاءكم ست عشرة سنة» (٣). وقال الوليد عن عمر بن مهاجر، قال: حسبوا ما أنفق على الكرمة التي قبلي مسجد دمشق، فكانت سبعين ألف دينار.

стр. 234

وذكر الحافظ ابن عساكر (١) في ترجمة أصبغ بن محمد بن محمد بن لهيعة السكسكي قال: ذكر أن الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق، مر برجل يعمل في المسجد وهو يبكي. فقال: ما قصتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! كنت رجلا جمالا. فلقيني يوما رجل فقال: أتحملني إلى مكان كذا وكذا؟ وذكر موضعا في البرية. فقلت: نعم. فلما حملته وسرنا بعض الطريق التفت إلي فقال لي: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك، وأنا حي، أغنيتك؛ … وإن مت قبل بلوغي إليه، فاحمل جثتي إلى الموضع الذي أصف لك. فإن ثم قصرا خرابا، فإذ بلغته، فامكث إلى ضحوة النهار. ثم عد سبع شرفات من القصر واحفر تحت ظل السابعة منها على قدر قامة. ستظهر لك بلاطة، فاقلعها فإنك سترى تحتها مغارة، فادخلها، فإنك ترى في المغارة سريرين على أحدهما رجل ميت. فاجعلني على السرير الآخر، ومدني عليه، وحمل ما معك مالا من المغارة وارجع إلى بلدك. فمات الرجل في الطريق، ففعلت ما أمرني به. وكان معي أربعة جمال وحمارة فأوسقتها كلها مالا من المغارة؛ وسرت بعض الطريق، وكانت معي مخلاة نسيت أن أملأها وداخلني الشره. فرجعت بها وتركت الجمال والحمارة في الطريق. فلم أجد المكان، وعدت فلم أجد الدواب، فبقيت أدور أياما. فلما يئست، رجعت إلى دمشق ولم أحصل على شيء واضطرني الأمر إلى ما ترى: أعمل في التراب كل يوم بدرهم. وكل ما ذكرت حالي، لم أملك نفسي أن أبكي فقال له الوليد: لم يقسم الله لك

стр. 235

من تلك الأموال شيئا، وإلي صارت، فبنيت بها هذا المسجد. ثم وهبه شيئًا. وقال أبو قُصَيّ العُذري (١): وحسبوا ما أنفقوا على مسجد دمشق، فكان أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار. وبلغ الوليد أنهم تكلموا، فقال: يا أهل دمشق إني رأيتكم تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس. وقال خالد بن تبوك (٢): اشترى الوليد العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار. وقال أحمد بن إبراهيم الغساني: حدثنا أبي عن أبيه عن زيد بن واقد، قال: وكلني الوليد على العُمَّال في بناء مسجد دمشق، فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافي، والشموع تزهر بين يديه، فنزل. فإذا كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع في ثلاثة؛ وإذا فيها صندوق. فإذا فيه سَفَط، وفي السَّقَط رأسُ يحيى بن زكريا. فأمر به الوليد، فردّ إلى المكان. وقال اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة. فجعل عليه عمود مسفط الرأس. وقال ابن البرامي (٣): سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازني يقول: لما كان في أيام الوليد وبنائه المسجد، احتفروا فيه فوجدوا بابًا مغلقًا. فأتى الوليد، ففتح بين يديه. فإذا مغارة فيها تمثال رجل على فرس، وفي يده الواحدة الدرة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة. فأمر بها، فكسرت. فإذا فيها حبتان: حبة قمح وحبة شعير. فسأل عن ذلك، فقيل له: لو تركت الكف، لم يسوس في هذه المدينة قمح ولا شعير. قلت: وحكى لي شيخنا أبو عبد الله محمد بن أسد النجار الحراني الكاتب المجود، وكان يباشر به بعض العمائر، أنه فتح في حضرته الشرقية المعروفة بتحت الساعات لكشف قُنِيّ الماء. فإذا تحت المسجد أقباء معقود وعمد منصوبة يفرق بينهما عضائد محكمة، قد أحكم بناؤها، وشُدّت في سلاسل الأساس معاقدها. قد بنيت بالصُّفَّاح (٤) والعمد، والبناء الذي ما هو في قدرة أحد قال: ودخلناها وجلنا في جوانبها.

стр. 236

وحكى لي المعلم علي بن محمد بن التقي المهندس، قال: حدثني أبي عن أبيه، قال: كان لهذه الكنيسة رواق يحيط بها من الجهات الأربع بأبواب أربعة. في كل جهة باب. فالشرقي باب جَيْرون؛ وكان الباب الغربي تلقاءه، وراء المسرورية، ما بين العَصْرونية وبينها. وبقي إلى زمن العادل أبي بكر. ففكه لما عمر القلعة. ونقل حجارته وعمده إليها. قال: وكان في هذا الرواق قلالي وصوامع. قلت: ومن آخر ما نُقض منها الباب وما يجاوره برأس القباقبيين، مما يلي عقبة الكتان. وبني منه منارة الجامع الشرقية، بعد الحريق الكائن سنة أربعين وسبعمائة. وتأخر من حجارته بقايا اشتريت لعمارة الجامع اليلبغاوي، جوار بَرَدَى، سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. وثم بقايا من سور ذلك الرواق وباب قديم، موجود بين المدرسة النُّورية وبين المدرسة المجاهدية المعروفة بقصر هشام. وقال ابن المُعَلَّى (١): أخبرني أحمد بن أبي العباس، حدثنا ضمرة عن علي بن أبي جَمِيلة قال: لما وَلِيَ عمر بن عبد العزيز، قالت النصارى: يا أمير المؤمنين، قد علمت حال كنيستنا! قال: إنها صارت إلى ما ترون. فعوضهم كنيسة من كنائس دمشق، لم تكن في صُلحهم، يقال لها كنيسة توما. قال ابن المعلى (٢): وبلغني عن الوليد بن مسلم عن ابن جابر أنهم رفعوا إلى عمر ابن عبد العزيز ما أخذوا عليه العهد في كنائسهم. فكلمهم ورفع لهم في الثمن، حتى بلغ مائة ألف. فأبوا. فكتب إلى محمد بن سويد الفهري أن يدفع إليهم كنيستهم، إلا أن يرضيهم. فأعظم الناس ذلك وفيهم بقيّة من أهل الفقه. فشاورهم محمد بن سويد، متولي دمشق. فقالوا: هذا أمر عظيم ندفع إليهم مسجدنا؟ وقد أذنا فيه بالصلاة وجَمَّعْنا فيه. يهدم ويعاد كنيسةً؟ فقال رجل منهم: ها هنا خصلة لهم كنائس عظام حول المدينة: دَيْر مُران، وباب توما، والراهب، وغيرها. إن أحبوا أن نعطيهم كنيستهم، ولا يبقى حول دمشق كنيسة إلا هدمت؛ وإن شاؤوا تُركت هذه الكنائس ونسجل لهم سجلا. ثم عرضوا عليهم ذلك. فقالوا: أنظرونا ننظر في أمرنا! فتركهم ثلاثا. فقالوا: نحن نأخذ

стр. 237

الذي عرضت علينا، ونكتب إلى الخليفة نخبره بذلك، ويسجّل هو لنا بأمان على ما في الغوطة. فكتب إلى عمر فسره ذلك، وسجل لهم كنائسهم، إنهم آمنون أن تُخرَّب أو تسكن. وأشهد لهم شهودا بذلك. وقال صفوان بن صالح (١): حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن مهاجر: سمعت أخي عَمْرًا قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق، فقال: رأيت أموالا أنفقت في غير حقها، فأنا مستدرك ما استدركت منها، فراده في بيت المال: أعمد إلى ذلك الفسيفساء والرخام، فأقلعه وأطينه، وأنزع تلك السلاسل وأجعل مكانها حبالا، وأنزع تلك البطائن. وابيع جميع ذلك. فبلغ ذلك أهل دمشق فاشتد عليهم. فخرج إليه أشرافهم فيهم خالد القسري. فقال لهم خالد الذنوا لي حتى أكون أنا المتكلم. فأذنوا له. فلما أتوا دير سمعان استأذنوا على عمر. ثم قال له خالد: بلغنا يا أمير المؤمنين أنك هممت بكذا وكذا. قال: نعم. قال: والله مالك ذلك. فقال: عمر لمن هو؟ لأمك الكافرة؟! وكانت نصرانية أُمَّ ولد. فقال: إن كانت كافرة، فقد ولدت مؤمنا. فاستحى عمر، وقال: صدقت! فما قولك «ما ذاك لي»؟ قال: لأنا كنا معشر أهل الشام، وإخواننا من أهل مصر والعراق نغزو، فيُفرض على الرجل منا أن يحمل من أرض الروم قفيزا بالصغير من فسيفساء، وذراعا في ذراع من رخام فيحمله أهل العراق وأهل حلب إلى حلب ويستأجر على ما حملوه إلى دمشق. ويحمل أهل حمص إلى حمص فيستأجر على ما حملوه إلى دمشق؛ ويحمل أهل الشام ومن وراءهم حصتهم إلى دمشق. فذاك قولي: ما ذاك لك. فسكت عمر. ثم جاءه بريد من والي مصر يخبره أن قاربا ورد عليه من رومية، فيه عشرة من الروم يريدون الوصول إلى أمير المؤمنين. فأذن لهم وأمره أن يوجه معهم عشرة من المسلمين يحسنون الرومية، ولا يعلمونهم بذلك حتى يحملوا إلي كلامهم. فساروا حتى نزلوا دمشق، خارج باب البريد. فسأل الروم رئيس العشرة من المسلمين أن يستأذن لهم في دخول المسجد. فأذن لهم فمروا في الصحن حتّى دخلوا من الباب الذي يواجه القبلة. فكان أوّل ما استقبلوا المقام. ثم رفعوا رؤوسهم إلى القبة. فخر رئيسهم مغشيا عليه. فحمل إلى منزله، فأقام ما شاء الله أن يقيم. ثم أفاق. فقال له أصحابه بالرومية: ما قصتك؟ وما الذي عَرَض لك؟ قال: كنا معشر أهل رومية نتحدث أن بقاء العرب قليل. فلما رأيت ما بَنَوْا، علمتُ أن لهم مدّة سيبلغونها. فلذلك أصابني

стр. 238

ما أصابني. فلما قدموا على عمر، أخبروه فقال: لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا على الكفار. فترك ما كان هم به من أمره. وقال أبو زرعة الدمشقي (١): حدثني أحمد بن إبراهيم بن هشام، حدثنا أبي عن أبيه عن جده، قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يجرد ما في قبلة مسجد دمشق من الذهب. وقال إنه يَشْغَل عن الصلاة فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه أنفق عليه في المسلمين وأعطياتهم. وليس يجتمع منه شيء ينتفع به. فأراد أن يبيضه بالجص. فقيل له: تذهب النفقات فيه. فأراد أن يستره بالخزف فقيل له: ضاهيت الكعبة، فبينا هو كذلك إذ ورد عليه وفد الروم. فاستأذنوا في دخوله فأذن لهم. وأرسل معهم من يعرف الرومية وقال: احفظوا ما يقولون. فلما وقفوا تحت القبة، قال رئيسهم: كم للإسلام؟ قالوا: مائة سنة. قال: فكيف تُصخّرون أمرهم؟ ما بنى هذا البنيان إلا ملك عظيم. وأتى الرسول عمر فأخبره، فقال: أما إذ غايظ العدو، فدعه. وقال أحمد بن إبراهيم بن ملاس: حدثنا أبي عن أبيه قال: لما قدم المهدي يريد بيت المقدس، ومعه أبو عبيد الله الأشعري كاتبه، فقال: يا أبا عبيد الله! سبقنا بنو أمية بثلاث: بهذا البيت، لا أعلم على الأرض مثله؛ وبنبل الموالي؛ وبعمر بن عبد العزيز. لا يكون والله فينا مثله أبدا. فلما أتى بيت المقدس ودخل الصخرة قال: يا أبا عبيد الله، هذه رابعة. قال أحمد: وحدثنا أبي أن المأمون لما دخل مسجد دمشق ومعه المعتصم ويحيى ابن أكثم، قال: ما أعجب ما في هذا المسجد؟ قال المعتصم: دهنه وبقاؤه، فإنا ندعه في قصورنا فلا يمضي عليه عشرون سنة حتى يتغير. قال: ما ذاك أعجبني منه. فقال يحيى بن أكثم تأليف رخامه، فإني رأيت فيه عقدا ما رأيت مثلها. قال: ما ذاك أعجبني. قالا: فما هو؟ قال: بنيانه على غير مثال متقدم. وقال الشافعي: عجائب الدنيا خمس: منارة ذي القرنين؛ والثانية أصحاب الرقيم بالروم؛ والثالثة مرآة ببلاد الأندلس معلقة على باب مدينتها الكبيرة إذا غاب الرجل من بلادهم على مسافة مائة فرسخ وجاء أهله إليها، يرون صاحبهم من مسافة مائة فرسخ والرابعة مسجد دمشق والخامسة الرخام والفسيفساء، فإنه لا يدرى له موضع.

стр. 239

قلت: وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر. والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهب ثم يطبق عليه زجاج رقيق. ومن هذا النوع المسحور. وأما الملون فمعجون. وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي وحصل منه عدة صناديق وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة، وعمل منه قبل للجامع التنكزي ما على جهة المحراب. غير أنه لا يجيء تماما مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر. والفرق بين الجديد والقديم أن القديم قطعة متناسقة على مقدار واحد، والجديد قطعة مختلفة. وبهذا يعرف الجديد والقديم. وروى الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان قال: ما ينبغي أن يكون أحد أشدّ شوقًا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها. وروى أحمد بن البرامي بسنده عن عبد الرحيم الأنصاري قال: سمعتُ [بعض] الأعراب وهم يدورون المسجد، يقولون: لا صلاة بعد القليلة. فقيل له: رأيتَ القُلَيْلَة؟ قال: نعم وهي تضيء مثل السراج. قلت: مَنْ أخذها. قال: أما سمعت المثل؟ «منصور سرق القلة، وسليمان شرب المرّة» منصور الأمير، وسليمان صاحب الشرطة، يعني صاحب شرطته. وذلك أن الأمين كان يحب البلور. فكتب إلى صاحب شرطة متولي دمشق أن يُنفِذ إليه القُلَيْلَة. فسرقها ليلا، وبعث بها إليه. فلما قتل الأمين ردّ المأمون القليلة إلى دمشق ليُشنّع بها على الأمين. وكانت في محراب الصحابة. فلما ذهبت جُعل موضعها برنية زجاج رأيتها ثم انكسرت فلم يجعل مكانها شيء. وقال علي بن أبي جميلة: كنا نستر مسجد دمشق في الشتاء بلبود حسنة، فدخلته الريح فهرته. فثار الناس فحرقوا اللبود. قلتُ: وأما بناؤه، فهو وثيق البناء، أنيق البهاء، قد بني بالحجر والكلس إلى منتهى حوائطه، وشُرِّف بالشراريف في أعاليه، واتخذت له ثلاث منائر: اثنتان في جناحي قبلته، شرقا وغربا، والثالثة في شامه وتعرف بالعروس. ويدخل إليه من ستة أبواب، منها أربعة أصول واثنان مستجدان. فالأصول باب الزيادة، وهو في حائطه القبليّ؛ وباب الساعات وهو في حائطه الشرقي، يفضي إلى حضرة الساعات المعمولة لمعرفة الأوقات، تدار بالماء، وتعلق بها أبواب الساعات.

стр. 240

وتجاهه في الحائط الغربي باب البريد، وهو أشهر من الشمس في الآفاق، وأكثر ذكرا من «ذكرى حبيب ومنزل» للرفاق. وهو حضرة فسيحة في جانبيها حوانيت للفواكه والشمع والعطر والشراب وأطايب المأكول. وبها القُنِيّ من المياه الجارية، توقد عليها المصابيح بالليل فيموّه الماء ذهب شعاعها، وتُطرب أنابيبها الأسماع بلذة إيقاعها. والرابع باب النطافين وهو في حائطه الشمالي، تلاصقه الخانقاه الشميشاطية وتقاربها الأندلسية. وأما البابان المستجدّان فهما الباب النافذ إلى الكلاسة، والباب النافذ إلى الكاملية. وهما جناحا باب النطافين. والمسجد ذو صحن يصاقب باب النطافين، وقد فُصِّصت حوائطه بالفسيفساء الرومي المذهب والملوّن بغرائب الأشجار والصباغة. ويدور به رواق أُزرت جُدُرُه وسواريه بالرخام الملوّن، وعُقدت رؤوس عمده وسواريه بالقناطر. وجعل على قنطرة منها طاقات صغار، يفصل بين كل اثنتين منها عمود رخام أو سارية. وفي قبله ثلاثة أروقة، وفي وسطها القبة المعروفة بالنسر: قد عُقدت على المحراب الكبير الذي يصلي به خطيب الجامع وعامة الناس؛ ومقصورة الخطابة وبها المنبر؛ وأمامه سُدّة الأذان. وإلى جانبه الأيسر المصحف العثماني بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁. وفي شرقي هذه المقصورة المحراب المعروف بمحراب الصحابة. وهو محراب المسلمين الأول. وبه تصلي المالكية الآن. وغربي المحراب الكبير محراب يعرف باللازوردة. تصلي به الحنفية، جوار دار الخطابة. ثم يليه باب الزيادة، ويليه من الغرب محراب تصلي به الحنابلة. ولكل من هذه المحاريب الثلاثة إمام ومؤذن. وقد وقف في كل محراب منها وقف على مدرس وجماعة من الفقهاء من المذاهب الثلاثة: كلُّ طائفة في محرابها. وكل أروقته بالعمد والعضائد عليها طاقات القناطر المعقودة بعضها على بعض. وقد أُزرت جُدُرُ هذه الأروقة بالرخام الأبيض والمجرَّع والأحمر المنقط والأخضر المرشوش والأسود الغرابي والأبقع والمعجون الأزرق.

стр. 241

وأما أركان القبة الأربعة وجناحا النسر القبلي والشامي فمن الرخام إلى أعلى الجدر والأركان معمول بالفسيفساء، مسقوف بالبطائن المعمولة بالذهب واللازورد والزنجفر والإسفيداج والأصباغ الخالصة من لونٍ والمركبة من لونين. وقد جعل في أركان المسجد الأربعة أربعة مشاهد اتَّخِذت على أسماء الصحابة الأربعة. فالشرقي بقبله [مشهد] على اسم أبي بكر، وبه عدة خزائن كُتُب وقف. وشاميه مشهد على اسم عليّ والغربي بقبله مشهد على اسم عمر، ويعرف الآن بمشهد عروة، وبه شيخ حديث وجماعة من العلماء يستمعون الحديث بوقف مستقل [وعدة خزائن كتب وقف]. وشاميّة مشهد على اسم عثمان. وبه يصلي نائب السلطان في شباكه والحاكم الشافعي إلى جانبه. وبهذا الشباك يحكم الحاكم بعد الصلاة، كأنه كرسي ملك له. وبهذا المشهد تعقد مجالس الحكام الأربعة والعلماء لفصل القضايا المعضلة التي لا ينفرد بها حاكم. فيجتمعون بأمر نائب السلطان وينظرون في تلك الحكومة ويحكمون فيها بأجمعهم. وداخل مشهد علي مشهد لطيف يعرف بالسجن. يقال إنه سُجن به زين العابدين حين أقدم على يزيد. وجواره في زاوية الرواق الشامي - شرقي الباب النافذ إلى الكاملية - مقصورة قد جاور بها جماعةٌ من الفقراء، وتعرف بالحلبية. وبها خزانة كتب وقف. وفي كل من ذلك إمام يؤتم به، ومؤذن يقيم الصلاة ويُبلغ. وفي هذا المسجد زيادات في شماله اتسع بها فناؤه، وتفسحت أرجاؤه. منها الزاوية الحلبية المذكورة في أوّل حدّه الشمالي من الشرق؛ ثم التربة الكاملية، ولها مسجد له إمام ومؤذن؛ والكَلاسة، وبها إمامان ومؤذنان. وفي شامها، الأشرفية والمدرسة العزيزية ينفذ إليهما، ولكل منهما إمام ومؤذن. وجوار المدرسة العزيزية التربة الصلاحية من غربها. هذا إلى عدة أئمة تقوم فيه احتسابا. وقد فرش المسجد بالمرمر، ومقطعه من جبل المزة، وعمد قائمه بالرخام الملون والمنقوش المذهب. وكذلك عملت عضائده وذهبت قواعد عمده ورؤوسها. وأُجري الماء في صحن

стр. 242

عُقدت عليه قبة في صحنه، وفي صحن في ركن النسر من داخل الرواق، وفي جميع مشاهده وزياداته، وفي ميضأة اتخذت أسفل المنارة الشرقية منه. هذا إلى ما في حضرة باب البريد والزيادة وتحت الساعات من مياه جارية، وأسواق قائمة، وسُرُج تتقد ليلا كالأنجم، وبيوت ذات مناظر تملأ عين الناظر المتوسم. فأما القبة فما لا يجول مثلها في ظنّ، ولا يدور في فكر. قد تعلّق رفرفها بالغمام عابثا، وحلّق طائرها إلى أخويه النسرين يبغي أن يكون لهما ثالثا. قد بنيت على قناطر، ممتدة على قناطر، بعقود محكمة، وقطع صخور مُنظّمة، إلى سقوف مُذْهَبَه، ومحاسن موجزة مسهبة. وعلى رأس القبة هلال عال في أنبوبة، طول الرمح قد غُلّفت هي وكل الأسطحة بالرصاص. وحُكمت ميازيبه، وجمع فيه من كل حَسَن غريبه. قال أبو محمد بن زُبر القاضي (١): سمي باب الساعات؛ لأنه عمل هناك بيكار الساعات، يُعلم بها كل ساعة تمضي. عليها عصافير من نُحاس وحيّة من نحاس وغراب من نحاس. فإذا تمت الساعة خرجت الحيّة، وصفرت العصافير، وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطست. وكان في الجامع قبل حريقه طلسمات لسائر الحشرات، مُعَلَّقةً في السقف فوق البطائن. ولم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلسمات، وُجِدتُ ومما كان فيه طلسم للصنونات (٢) لا تعشعش فيه. ولا يدخله غراب. وطلسم للفأر، وطلسم للحيات والعقارب. وما أبصر الناس فيه من هذا شيئا إلا الفأر. وفيه طلسم للعنكبوت. وكان حريق الجامع في نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة. وكان سببه أن أمير الجيوش بدرًا الجمالي ورد من مصر إلى دمشق في هذه السنة. فلما كان بعد العصر يوم نصف شعبان، وقع القتال بين المشارقة والمغاربة. فضربوا دارا كانت مجاورة للجامع بالنار، فبادرت إلى الجامع. وكانت العامة تعاون المغاربة. فتركوا القتال وقصدوا إطفاء النار من الجامع. فجل الأمر وعظم، فجعلوا يبكون ويتضرعون.

стр. 243

ووصف العماد الكاتب (١) هذا الحريق في كتاب. فقال: «وفي النصف من شعبان هذه السنة، احترق جامع دمشق. ففجع الإسلام بمصابه؛ وصلت النار في محرابه؛ واشتعل رأس القبة شيبًا بما شبَّت، وأكلت النار أُمُّ الليالي منها ما ربَّت؛ وطار النسر بجناح الضّرام؛ وكاد يحترق عليه قلب بيت الله الحرام؛ فكأن الجحيم استجارت به فتمسكت بذيله؛ وكأنّ النهار ذكر ثأرا عنده فعطف على ليله؛ فواهًا له! من مسجد أحرقته نَفَحاتُ أنفاس الساجدين؛ وعلقت فيه لفحات قلوب الواجدين؛ ثم تداركه الله بالألطاف والإطفاء؛ وأتاه بالشفاء بعد الاشتفاء؛ وقال حسبه اصطلاء واصطلاما؛ وحقق فيه قوله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (٢).

стр. 244

[وقال ابن العين زَربِيّ (١) في الحريق المذكور: لَهفُ نفسي على دمشقَ التي كا … نَثَتْ جَمالَ الآفاقِ والأَقْطَار وعلى ما أصابَ جامِعُها الجا … مِعَ لِلمُعجَبَاتِ والآثَار إذْ أَتَتْهُ النِّيرانُ طولًا وعَرضًا … عَنْ يمينٍ مِنْ قَطْرِهِ ويسار ثُمَّ مرَّتْ على حَدائقَ نَخْلًا … فإذا الجَمْرُ موضِعُ الجُمَارِ] (٢) قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أقيمت القبة الرخام التي فيها فوارة الماء في سنة تسع وستين وثلاثمائة. قال: «وقرأتُ بخط إبراهيم بن محمد الحنائي: أنشئت الفوارة المنحدرة في وسط جيرون سنة ست عشرة وأربعمائة. وأمر بحر القُصْعة من ظاهر قصر حجاج إلى جيرون وأجرى ماءها الشريف فخر الدولة حمزة بن الحسن بن العباس الحسيني». وتحته بخط محمد بن أبي نصر الحميدي. «وسقطت في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة، من جَمَالٍ تحاكت بها. فأنشئت كُرَّة أخرى». قال ابن عساكر: ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين ورواق دار الحجارة ودار خديجة في سنة اثنتين وستمائة وخمسمائة. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ثم عُمل لها الشاذروان، في آخر دولة الملك العادل سنة نيف عشرة وستمائة. قال: «ورأيتُ القُصْعة وهي أكبر من التي في وسط طهارة جيرون. وفي زُنَّارها الأوسط ست أنابيب صغار، تفور حول الفوَّارة. وعليها درابزينات. فلما احترقت اللبادين سنة إحدى وثمانين وستمائة، تلفت هذه القصعة وبني عوضها هذه البركة المثمنة. [وينبع الماء في هذه البركة من قناة دُفنت إليها من مكان مرتفع. فيعلو بها الماء نحو قامة. وسمعة الفوَّارة أعظم من مرآها، واسمها أجلٌ من معناها»] (٣). قلت: ولما وقع الحريق سنة أربعين وسبعمائة بسوق الدهشة والطرافينيين، وتشعت وجه الجدار الذي للمشهد المعروف بأبي بكر وتعلت شرر النار حتى وصلت إلى دائرة المنارة الشرقية وشرعوا في إصلاح ما وهي من ذلك، وجدوا أعاليها متداعية،

стр. 245

وحجارتها مفخرة مفطرة. فوقف عليها الحكام، وقامت البيّنة بالضرورة الداعية إلى نقض المنارة وتجديد بنائها. فنقضت جُدُرها الأربعة إلى حد أوتار الرواق القبلي، ونقض الجدار القبلي والجدار الشرقي إلى الأرض، وحفر ما بين الجدران في وسط المنارة عدة قامات. وبني ذلك لَبِنةً واحدة، وبنيت المنارة بنيانا جليلا لم يُبن من زمن الوليد أجل منه ولا أوثق. وقال الفاضل صلاح الدين أبو الصفاء الصفدي (١) من مقامة أنشأها في الحريق المذكور، من فصل يتعلق بالجامع: فسألت الخبر، ممن غبر، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى شَبَح الجو كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع! فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم؛ ورأيت النار، وقد نشرت في حداد الظلام مُعَصْفَراتِ ذوائبها، وصعدت إلى السماء عذباتِ ذوائبها: [من الطويل]

стр. 246

ذوائب لجتْ في عُلُو كَأَنَّمَا … تحاول ثأرًا عند بعض الكواكب وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (١)؛ فكم زُمَرٍ «أضحت لذلك «الدُّخان» «جائية». وكم نفس كانت في النازعات وهي تتلو ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢)؟ ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتفنى ما يستقلها ويعتليها؛ إلى أن ارتفعت إلى المنارة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقية؛ وثارت إليها من الأرض لأخذ الثار، وأصبح صَخْرها كما قالت الخنساء: كأنه عَلَم في رأسه نار» (٣). فنكست وكانت للتوحيد سبّابة، ولمعبدها المطرب شبابة؛ وابْتُلِيَ رأسها من الهدم والنار بشقيقه، وأدار الحريق على دائرها رحيقه: [من المتقارب] وبالأرض من حبها صفرة … فما تُنْبت الأرض إلا بهارا وأصبح «باب الساعات» وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنة والجماعة؛ وعادت الدهشة، وقد آل أمرها إلى الوحشة؛ وحسنها البديع وقد ثَلَّتِ النار عرشه. كأن لم أرَ بها سميرا، ولا شاهدتُ من بنائها وقماشها جنَّةً وحريرا». وقال جمال الدين عبد الله بن غانم، من كتاب عن كافل الشام، تنكز ﵀ إلى نائب طرابلس في هذه الواقعة. «وأضحى «فَمُ الفوّارة» يصاعد جمرات أنفاس، و «سوق النحاسين» يُرسل منه إلى سور الجامع «شُوَاظٌ مِنْ نارٍ ونُحاس»؛ وأقعد «بيت الساعات» إلى قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة؛ وكاد يُصلّى مَنْ به يُصَلِّي، ويُقبل على صف العابدين فيُوَلِّي. واهتزت المأذنة بحُمَّى نافض، وتشعث وجه المشهد الأبي بكري فكأنما أصابته عين الروافض؛ وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورق صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المأذنة بنار على عَلَم؛ وما زالت مرآة اللهب حتى خربت المنار، ووصف بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار». قلت: وهذا المسجد معمور بالناس كل النهار وطَرَفِي الليل؛ لأنه ممر المدارس

стр. 247

والبيوت والأسواق. وفيه ما ليس في غيره من كثرة الأئمة والقراء، ومشايخ العلم والإقراء، ووجوه أهل التصدير والإفتاء، ووظائف الحديث وقراء الأسباع والمجاورين من ذوي الصلاح. فلا تزال أوقاته معمورة بالخير، آهلة بالعبادة. قَلَّ أن يخلو طرفة عين في ليل أو نهار من مُصلِّ، أو جالس في ناحية منه لاعتكاف، أو مرتل القرآن، أو رافع عقيرته بأذان، أو مكرر في كتاب علم، أو سائل عن دين، أو باحث في معتقد، أو مقرّر لمذهب، أو طالب لحل مشكل: من سائل ومسؤل، ومفتٍ ومستفت. هذا إلى من يأتي هذا المسجد مستأنسا لحديث، أو مرتقبا لقاء أخ، أو متفرجا في فضاء صحنه وحسن مرأى القمر والنجوم ليلا في سمائه. هذا إلى فسحة الفضاء وطيب الهواء وبَرْد رُواقاته، أوقات الهجير؛ وحسن مَرَائِي ميازيبه أحيان المطر. وفي كل ناحية من وجهها قمر. وعلى هذا الجامع من الوظائف المرتبة ما لا يَسْتَقِلُّ به إلا ديوانُ مَلكِ؛ وعليه جلائل الأوقاف. إلا أن الأيدي العادية قد استولت على كثير منه لسبة الأكابر والمناصبات، وغير ذلك مما عُمل عليه على سبيل النَّصَبَات. وقد أضيف إليه وقف المصالح، وقد كان أفرد زمن نور الدين، ﵀. وهو لا يجاوز تسعين ألفا في السنة. جُعل لها مصارف أخذ بحجتها كل مال المسجد وغُلَّ بالباطل ورتب منه لغير ذوي الاستحقاق. وحُمِّل حتى كلَّ مَطَاه، وأُخِذتْ حتى قَصُرَتْ خطاه. وها هو الآن قد اختلت أحواله، وأكلت وشُربت أمواله. وأصبح نَهْبا مُقَسَّما، وسَوَاما صِيحَ في حَجَراته. وآل حال مباشريه إلى أسوأ الحال وشر المآل. وكانوا غياثًا ثم أَضْحَوْا رَزِيَّةً … ألا عَظُمَتْ تلك الرزايا، وجَلَّتِ! وقد اتفقت كلمة السفار في الآفاق إلى أنه فرد في محاسنه، بديع في نظرائه. مقام إبراهيم ببرزة روى مكحول عن ابن عباس، قال: وُلِدَ إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها بَرْزَةُ، بجبل قاسيون. وعن حَسَّان بن عطية قال: أغار ملك نَبَط هذا الجبل على لوط فسباه وأهله. فأقبل إبراهيم في طلبه في عدة أهل بدر: ثلثمائة وثلاثة عشر. فالتقى هو وملك الجبل في صحراء يعفور. فعبى إبراهيم ميمنةً وميسرةً وقلبا. وكان أوّل من عبّى الحرب هكذا. فالتقوا. فهزمه إبراهيم واستنقذ لوطا وأهله. فأتى هذا الموضع الذي ببرزة، فصلى فيه. وروى أحمد بن حميد بن أبي العجائز عن أبيه عن شيوخه، إن الأثارات التي في

стр. 248

برزة عند المسجد الذي يقال له مسجد إبراهيم (١) في الجبل [عند الشق] أنه مكان إبراهيم، وأن الأثارات التي فوق الشّق في الجبل موضع رأى إبراهيم، فمن صلّى فيه ودعا أجابه الله، وأن ذلك الجبل كان فيه لوط وجماعة من الأنبياء وآثارهم في مواضع من الجبل. أدركتُ الشيوخ يقصدونه ويصلون فيه ويدعون. وهو نافع لقسوة القلب وكثرة الذنوب، وأن بعضهم جاء من مكة فصلّى في الموضع الشق، المنام رآه. وعن أبي الحسين محمد بن عبد الله الرازي، قال: قال أحمد بن صالح: أدركتُ الشيوخ بدمشق وهم يفضلون مسجد إبراهيم ﵇ ببرزة ويقصدونه ويصلون فيه ويذكرون أن الدعاء فيه مجاب، وهو موضع عظيم شريف. ويذكرون ذلك عن شيوخهم ويقولون إن الشق الذي في الجبل خارجا عن المسجد هو الموضع الذي اختبأ فيه إبراهيم من النمرود، صاحب دمشق. وعن عروة بن رويم عن أبيه عن عليّ: سمعتُ رسول الله ﷺ وسأله رجل عن الأثارات بدمشق فقال: لها جبل يقال له قاسيون، فيه قتل ابن آدم أخاه، وفي شرقيه ولد إبراهيم، وفيه أوى الله عيسى ابن مريم وأُمَّه من اليهود. وما من عبد أتى معقل روح الله فاغتسل وصلّى فيه ودعا، إلا لم يُردّ خائبا. وهو جبل كلمه الله. (والحديث طويل. وهو موضوع؛ وإنما ذكرته لئلا يُغتر به). مغارة الدم قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أبا مُسْهِرٍ عن مغارة الدم. فقال: مغارة الدم موضع الحمرة، موضع الحوائج. يعني بذلك الدعاء فيها والصلاة. وقال محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، سمعتُ سعيد بن عبد العزيز: حدثني مكحول أنه صعد مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع الدم يسأل الله أن يسقينا، فسقانا. قال مكحول وخرج معاوية والمسلمون إلى موضع الدم يستسقون. فلم يبرحوا حتى سالت الأودية. قال سعيد بن عبد العزيز: صعدنا في خلافة هشام إلى موضع قتل ابن آدم نسأل الله أن يسقينا. فأتى مطر، فأقمنا في الغار الذي تحته ثلاثة أيام. وقال هشام بن عمار: صعدت مع أبي وجماعة - نسأل الله سُقْيَا - إلى موضع قَتَلَ

стр. 249

ابن آدم أخاه. فأرسل الله علينا مطرًا غزيرًا، حتى أقمنا في المغار. فدعونا الله فارتفع عنا، وقد رويتِ الأرض. وقال محمد بن يوسف الهروي: سمعتُ يزيد بن محمد وأبا زرعة وأحمد بن المُعلّى وسليمان بن أيوب بن حذلم وغيرهم من مشايخنا يقولون: سمعنا هشام بن عمار وهشام بن خالد وأحمد بن أبي الحوارى (١) وسليمان بن عبد الرحمن والقاسم بن عثمان الجوعي يقولون: سمعنا الوليد بن مسلم يقول: سمعت ابن عَيَّاشٍ يقول: «كان أهل دمشق إذا احتبس عنهم القطر أو غلا سعرهم أو جار عليهم سلطان أو كانت لأحدهم حاجة، صعدوا إلى موضع ابن آدم المقتول فيسألون الله، فيعطيهم ما سألوا». قال هشام: ولقد صعدتُ مع أبي وجماعة من أهل دمشق نسأل الله سقيا. فأرسل الله علينا مطرا غزيرا حتى أقمنا في الغار الذي تحت الدم ثلاثة أيام. قال هشام بن عمار: وسمعت من يذكر عن كعب قال: اختبأ إلياس من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين، حتى أهلك الله الملك ووَلِيَ غيره. فأتاه إلياس فَعَرَضَ عليه الإسلام. فأسلم وأسلم من قومه خلق سوى عشرة آلاف منهم. فأمر بهم فقتلهم عن آخرهم (٢). مقام عيسى بالربوة روى هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم، قال حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية أن ملكا من بني إسرائيل حضره الموت، وأوصى بالملك لرجل حتى يُدرك ابنه. وكانوا يؤمِّلون أن يُدرك ابنه فيُملكوه. قال: فمات فجزعوا عليه. فلما خرجوا بجنازته، وفيهم عيسى ابن مريم، دنا من أُمّه فقال: أرأيت إن أحييتُ لك ابنك، أتؤمنين بي وتتبعيني؟ قالت: نعم. فدعا الله. فجعلت أكفانه تتحلل عنه، حتى استوى جالسا. فقالوا: هذا عمل ابن الساحرة. وطلبوه حتى انتهى إلى شعب النيرب. فاعتصم منهم بقلعة على صخرة متعالية. فأتاه إبليس فقال: جئتك، وما أعتذر إليك من شيء. هذا أنت لم تنافسهم في دنياهم ولا شبر من الأرض، صنعوا بك ما صنعوا. فلو ألقيت نفسك من هذا المكان، فتلقاك روح القدس فيذهب بك إلى ربك فتستريح منهم؟ فقال: «يا غَوِيّ، الطويل الغواية! إني واجد فيما علمني ربي، ، أني لا أُجرب ربي حتى أعلم أراض عني أم ساخط علي فأقبلتْ أُمُّ الغلام، فقالت: يا معشر بني

стр. 250

إسرائيل! كنتم تبكون وتشقون ثيابكم جزعا عليه، فلما أحياه الله لكم أردتم قتله. قالوا: فما تأمرينا به؟ قالت: إيتوه فآمنوا به. فأتوه فقالوا: خصلة بيننا وبينك! إن أنت فعلتها، اتبعناك. قال: وما هي؟ قالوا. تُحيِي لنا عُزيرا. قال: دلوني على قبره. فنزل عيسى معهم حتى انْتَهَوْا به إلى قبره. قال: فتوضأ وصلى ركعتين ودعا. فجعل قبره يتفرج عنه التراب. فخرج قد ابياض نصف رأسه ولحيته وهو يقول: هذا فعلك يا ابن مريم قال: لم أصنع بك. هذا فعل قومك زعموا أنهم لا يؤمنون لي ولا يتبعوني حتى أحييك لهم. وهذا في هدى قومك يسير. قال فأقبل عليهم يعظهم ويأمرهم باتباعه. فقال له قومه: عهدناك وأنت أسود الرأس واللحية! فما لنصف رأسك ولحيتك قد ابيض؟ قال: سمعتُ الصيحة، فظننتُ أنها دعوة الداعية، حتى أدركني ملك، قال: إنما هي دعوة ابن مريم. فانتهى الشيب إلى ما ترى. واختلف أهل التفسير في تعيينها. ورُوي مرفوعا عن النبي ﷺ . في قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١). قال: أتدرون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي بالشام بأرض يقال لها الغوطة، مدينة يقال لها دمشق، هي خير مدائن الشام: وروي عن ابن عباس قال: الربوة أنهار دمشق. وكذا قال سعيد بن المسيب ويزيد بن شجرة؛ وقال كعب: أمر الله تعالى عيسى ابن مريم وأمه أن يسكنا دمشق، وهي إرم ذات العماد. وقال الحسن في تفسير الآية: هي أرض ذات أشجار وأنهار. يعني أنهار دمشق. وعن الوليد بن مسلم عن بعض مشيخته أن بني إسرائيل همت بعيسى فأمره الله أن ينطلق إلى دمشق. وقال الحسن: ذات قرار ومعين، ذات معيشة تقوتهم وتحملهم. وماء جار. قال: هي الربوة، هي دمشق. وقيل إن الربوة في القرآن هي الرملة. روي مرفوعا عن النبي ﷺ ، وزاد فيه: ولا تزال طائفة من أمتى على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس. وروى عبد الرزاق في تفسيره عن أبي هريرة قال: هي الرملة من فلسطين.
следующие страницы →