برع في الفقه، والحديث، وصنف فيهما كتبًا، وسار ذكره في الآفاق، ولزم الشافعي حتى تبحر، وكان يقول: أصحاب الحديث كانوا رقودًا حتى أيقظهم الشافعي، وكان يتولى قراءة كتب الشافعي عليه.
وسمع من سفيان بن عيينة وطبقته، وهو أحد رواة الأقوال القديمة عن الشافعي، ورواتها عنه أربعة: هو وأبو ثوار، وأحمد بن حنبل، والكرابيسي، ورواة الأقوال الجديدة ستة: المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، والربيع بن سليمان المرادي، والبويطي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى، وروى عنه البخاري في صحيحه، وأبو داوود، والترمذي، وغيرهم.
توفي في سلخ شعبان، وقيل: في رمضان سنة ستين ومائتين. وذكر السمعاني في كتاب الأنساب أنه توفي سنة تسع وأربعين ومائتين.
ومنهم:
[٤] عبدان بن محمد بن عيسى، الفقيه، أبو محمد المروزي (١)، الجُنُوجردي (٢)
أحمد من أظهر مذهب الشافعي، اشتمل بالمناقب، واحتفل لما يبقى ذكره في العواقب، وأتى بالعلوم التي طالت أوضاحها، وآلت، وقد أخجل الصبح افتضاحها، فضاهي الكواكب وباهي العلماء، وقد جالت بفرسانها المواكب، وحبى لعلم يشيده، … وعمل بالشكر يزيده، وفضل يفيده لآخر يستفيده، فكانت تهب من معرسه صبا الصباح، ويستدنى من مغرسه جنى النجاح، وكانت مجالسه معالم بالأماني مغتصه، ومواسم بالأماني مختصة، لا تسامي طماح مراده، ولا تسأم مراح مزاده، وكانت لا تزال الطلبة إليه وافية المناهج، وافرة المباهج، تضرب إليه السباسب، وتأتيه وترجع بالمكاسب.
قال السمعاني (٣): اسمه عبد الله، وهو أحد من أظهر مذهب الشافعي بخراسان،
стр. 1857
وكان الرجوع إليه في الفتاوى والمعضلات بعد أحمد بن سيار. قد حمل كتب الشافعي إلى مرو، وأعجب بها الناس، فأراد عبدان أن ينسخها، فمنعه ابن سيار من ذلك، فباع ضيعة له بجنوجرد وسار إلى مصر، ونسخ كتب الشافعي على الوجه وأكثر ورجع، فدخل عليه أحمد بن سيار مسلمًا ومهنئًا، واعتذر من منع الكتب، فقال: لا تعتذر، فإن لك علي مِنَّةً في ذلك، فلو دفعت إليَّ الكتب لما رحلت إلى مصر. ولما رحل إلى مصر تفقه بأصحاب الشافعي، وبرع في المذهب ونشره، وكان يوصف بالحفظ والزهد، وروى الحديث عن جماعة بخراسان والعراق ومصر، وروى عنه جماعة.
مولده ليلة عرفة سنة عشرين ومائتين، وتوفي ليلة عرفة سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
ومنهم:
[٥] محمد بن نصر، الإمام أبو عبد الله المَرْوَزِي (١)
أحد الأئمة الأعلام والأزمة لما تمليه الأقلام، ضرب الآفاق في طلب الحديث، واغترب لا يقنعه السير الحثيث، وذهب وذكره لم يذهب، وبره محفوظ لم ينهب، وخلف ذخائر العلم مخزونة في كنف الصدور، مكنونة في حجب السطور، وكان ممن شرفت به المعالي وأسعفت بسناء نوره العالي، وكان لملك خراسان منه خلوص ولائه، وخصوص وفاده طالما منعه أن يسفك الدماء، ويهتك الذماء. فخلد ملكه في بنيه وخلص له وده، وكان أشرف ما يقتنيه.
стр. 1858
ولد ببغداد سنة ثنتين ومائتين، وسكن سمرقند وغيرها. وكان أبوه مرزويًا، تفقه على أصحاب الشافعي بمصر، وعلى إسحاق بن راهويه، ورحل في طلب الحديث والعلم إلى الآفاق.
قال الحاكم: هو إمام الحديث في عصره بلا مدافعة.
وقال الخطيب: كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة، ومن بعدهم.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان محمد بن نصر بمصر إمامًا، فكيف بخراسان؟
وقال القاضي محمد بن محمد بن محمد: كان الصدر الأول من مشايخنا، يقولون: رجال خراسان أربعة: ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن نصر.
وقال السليماني: محمد بن نصر المروزي إمام الأئمة، الموفق من السماء، له كتاب «تعظيم قدر الصلاة» وكتاب «رفع اليدين» وغيرهما من الكتب المعجزة.
وكان له مال يقارض عليه، وينفق عليه من غلته، وكان إسماعيل بن أحمد والي خراسان وأخوه يصله كل منهما بأربعة آلاف في السنة، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف، فكان ينفقها من السنة إلى السنة، فقيل له: لو ادخرت لنا منه، فقال: سبحان الله أنا بقيت كذا سنة، قوتي وثيابي وكاغدي وحبري وجميع ما أنفقه على نفسي في السنة عشرين درهمًا. افترى إن ذهب ذا لا يبقى ذاك؟
وقد ذكر له كرامات منها ما رواه أبو الفضل محمد بن عبيد الله البلعمي قال: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند، فجلست يومًا للمظالم، وجلس أخي إلى جانبي، إذ دخل أبو عبد الله محمد بن نصر، فقمت له إجلالًا لعلمه، فلما خرج عاتبني أخي وقال: أنت والي خراسان تقوم لرجل من الرعية. هذا ذهاب السياسة. فبت تلك الليلة، وأنا منقسم الفكر، فرأيت النبي ﷺ ، فأخذ بعضدي، فقال لي: ثبت ملكك، وملك بنيك بإجلالك محمد بن نصر، ثم التفت إلى إسحاق، فقال: ذهب ملك إسحاق، وملك بنيه باستخفافه بمحمد بن نصر.
وقال ابن حزم في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن وأضبطهم لها. وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها في محمد بن نصر المروزي، فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث، ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر، لما بعد عن الصدق.
стр. 1859
توفي بسمرقند سنة أربعة وتسعين ومائتين.
ومنهم:
[٦] محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، الفقيه الشافعي (١)، أبو جعفر الزاهد
الساهر إذا نام الساهد، الغائب لا يغيب عنه الشاهد المتقلل من الدنيا على كثرة متاعها، ولذة استمتاعها المخلي بينها وبين مبتاعها، قضى عمره كله في قليل من البلاغ، وبلالٍ من ريق الدين إن ساغ، فلما آن له الأطلال على الأجل، ودنا به خطو العجل، حصل له سوء مزاج أصدأ مرآة مخيلته، وأفسد صورة ممثلته فعظم اختلاطًا وكثر خلطًا، وضيق عليه دار البقاء حتى حل من القبر في دار اللقاء.
سكن بغداد، وحدث بها، ولم يكن للشافعية في وقته أرأس منه، ولا أورع، ولا أكثر تقللًا منه، وكان ثقةً من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا.
قال أبو الطيب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص ابن شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي، فسأله سائل عن حديث رسول الله ﷺ إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا، فالنزول كيف؟ أيبقى فوقه علو؟ فقال أبو جعفر: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
وكان من التقلل في المطعم على حال عظيمة فقرًا، وورعًا، وصبرًا على الفقر.
أخبرني محمد بن موسى بن حماد أنه أخبره أنه تقوت في سبعة عشر يومًا بخمس حبات، أو قال: ثلاث حبات، قلت: كيف عملت؟ قال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتًا، فكنت آكل كل يوم واحدة.
وذكر أبو إسحاق الزجاج أنه كان يجري عليه في كل يوم أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحد [ًا] شيئًا.
стр. 1860
ولد في ذي الحجة سنة ثمان، وقيل: سنة عشر ومائتين، وتوفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين، ولم يغير شيبه، وكان قد اختلط اختلاطًا عظيمًا في آخر عمره.
ومنهم:
[٧] أحمد بن سريج، أبو العباس الشيرازي الفقيه الشافعي (١)
نورٌ لم تزل معاليه باللألاء لائحة، ونوؤه لم تبرح أياديه بالآلاء سائحة، يتوضح في فجر الفخر، وينبجس في صلد الصخر، بما يرق من فضفاض أرديته، ويطف من فياض أنديته، سحب ذيله على المجرة، وصحب سيله الدنيا وفارقها بحلى في برودها المخضرة، بعلوم أعطت المسامع نشوة الاهتزاز، والمجامع جلوة الاعتزاز، وجادل عن مذهبه حيث لا يبل الريق اللسان، ولا يلبي الفكر المجيب للإنسان، وأفاض بتصانيفه المواهب الجسيمة والسحائب في أكناف الرياض البسيمة، فأطال الدعائم، وطار إلى النعائم، ولقي الله وهو مسرور بلقائه، مغبط بحال مماته، وحالي بقائه.
стр. 1861
كان من عظماء الشافعية، وأئمة المسلمين، وكان يقال له الباز الأشهب، وولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني. وإن فهرست كتبه كان يشتمل على أربعمائة مصنف، وقام بنصرة مذهب الشافعي، ورد على المخالفين، وفرّع من كتب محمد بن الحسن الحنفي.
وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه.
وأخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه أخذ فقهاء الإسلام، ومنه انتشر مذهب الشافعي في أكثر الآفاق، وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكى أنه قال له يومًا: بلعني ريقي، فقال له: أبلعك دجلة. وقال له يومًا: أمهلني ساعة، فقال: أمهلتك من الساعة إلى يوم الساعة، وقال له يومًا: أكلمك من الرجل فتجيبني من الرأس، فقال له: هكذا البقر إذا حفيت أظلافها ذهبت قرونها.
وكان يقال له في عصره إن الله تعالى بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة من الهجرة، فأظهر كل سنةٍ، وأمات كل بدعة، ومن الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشافعي حتى أظهر السنة، وأخفى البدعة، ومن الله تعالى في رأس الثلاثمائة بك حتى قويت كل سنة، وضعفت كل بدعة.
ومنهم:
[٨] الحسين بن صالح بن خيران الفقيه الشافعي (١)، أبو علي
إمام تهدل له حمائم المدائح، وتهطل به غمائم المنائح، ناضر الحديقة، ناظر
стр. 1862
الحدقة إلى الحقيقة، طلبه السلطان إلى القضاء، فوقف حذاء الحذار، وعطف عذار الأعذار، ورد عليه ما ولأه من حكمه، وأراه منه ما ودَّ كثيرًا لو رآه في حلمه، بعزم أيد جاش جأشه، وعاش انعاشه حتى تَقَشَّع عنه غم ذلك الغمام، وقد اضمحل محله، وتضاءل ظله، ولم يرعه طلب السلطان، وقد أنباه بتهويم وهمه، وأنبهه لكن لما أشغله بهمه، وقبح في الردّ وما وجم ولا وجل، ولا خشع ولا خجل، فقبل منه المعذرة، وأزال عنه ما حذره، فأعفاه العاتب من اللوم، وعفى عما كان منه إلى اليوم.
كان من جلة الفقهاء المتورعين، وأفاضل الشيوخ. وعُرض عليه القضاء ببغداد في خلافة المقتدر، فلم يفعل، فوَكَّل به الوزير أبو الحسن علي بن عيسى بداره مترسمًا، فخوطب في ذلك، فقال: إنما قصدت ذلك، ليقال: كان في زماننا من وكل بداره ليتقلد القضاء، فلم يفعل، وكان يُعاتب أبا العباس بن سريج على توليته، ويقول: هذا الأمر لم يكن فينا، وإنما كان في أصحاب أبي حنيفة.
وكانت وفاته يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي الحجة سنة عشرين وثلاثمائة، قاله أبو العلاء بن العسكري.
وقال الدارقطني: كانت وفاته في حدود سنة عشر وثلاثمائة. وصوّبه أبو بكر الخطيب (١).
ومنهم:
[٩] عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل النيسابوري (٢)، الفقيه، الحافظ، العلامة، الشافعي
إمام أنوار فضائله متلألئة، وآثار فضائله متتالية، وسحب مواطره مغدقة، وشهب
стр. 1863
خواطره محدقة وله المصنفات التي لم يزل فكره السيال منها فيض كرم، وروض نعم، وشذا تصنيف أريج، وسنى تأليف بهيج، بقلم قلم أظفار النوائب، وقلل أكدار الشوائب، ودام على حالي حاله حتى قارب أوان ارتحاله. بلغ به الكبر غايته وما خار له أنبوب ولا حار يعبوب، في حين ما للبلاغة فيه بلاغ، ولا للخواطر فراغ إذ كان البيان قد نضب، واللسان قد قطع ما اقتضب.
قال الحاكم: كان إمام عصره في الشافعية بالعراق، ومن أحفظ الناس للفقهيات، واختلاف الصحابة.
وقال الدارقطني: ما رأيت أحفظ من ابن زياد كان يعرف زيادات الألفاظ في المتون. ولما قعد للتحديث، قالوا: حدّث. قال: بل سَلُوا أنتم، فسئل عن أحاديث أجاب عنها وأملاها.
قال يوسف: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: تعرف من أقام أربعين سنة لم ينم الليل، ويتقوت كل يوم بخمس حبات يُصلي صلاة الغداة على طهارة العشاء الآخرة؟ ثم قال: أنا هو، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، إيش أقول لمن زوجني، ثم قال: ما أراد إلا الخير.
وقال الدارقطني: كُنَّا في مجلس فيه أبو طالب الحافظ، والجعابي وغيرهما، فجاء فقيه، فسأل من روى عن النبي ﷺ ، «وجعل تربتها طهورًا»، فلم يجيبوه، ثم ذكروا وقاموا، فسألوا أبا بكر بن زياد فقال: نعم فلان وسرد الحديث والحديث في مسلم.
مولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين. قال ابن قانع: مات في رابع ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وثلثمائة.
ومنهم:
[١٠] الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل، أبو سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي (١)
قاض لا يجور، وماض أقطع للباطل من سيف الصباح للديجور وقضاياه تصحح
стр. 1864
العقود، وتفسح للنظر مجال النقود، قام بهذا الفرض فيما وليه، وقال هذا في بلده وما يليه، وجهر بهذا، وليس للنطق نطاق، ولا على الصدق صداق، فصحت به الأنساب، وصحت من غمرات سكرها الأحساب، فجلا الهم الماثل، وجلى الفهم الماحل حتى وضح الحق المبين على المنار، ومنع فراش الجهالة من التساقط في النار.
كان من نظراء الشيخ أبي العباس بن سريج، وأقران أبي علي بن أبي هريرة، وله مصنفات حسنة في الفقه منها كتاب «الأقضية» وكان قاضي قم، وتولى حسبة بغداد، وكان ورعًا متقللًا، واستقضاه المقتدر على سجستان، فسار إليها، فنظر في مناكحاتهم، فوجد معظمها على غير اعتبار الولي، فأنكرها وأبطلها.
وتوفي في جمادى الآخرة، وقيل في شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ومولده سنة أربع وأربعين ومائتين.
ومنهم:
[١١] أبو بكر، محمد بن عبد الله الصيرفي، الفقيه، الشافعي (١)
رجل تحلق همته إلى آفاق الكواكب ارتقاء، وتتخير أخلاق السحائب انتقاء، أنفق عمره كله في طلب العلم كرمًا، وجعل فواضله على سواه حرمًا، فحاز أفخر المناقب، وجاءه خاطره يسخر بالنجوم الثواقب، حيث أضحى للفواضل مجمعًا، وحاز الفضائل في العلم والعمل معًا، فتضاءلت البدور في مرمى شمسه، وحرجت الصدور المرأى غرسه، وكان نظره محكًا للنقد، وخاطره مضطرم الوقد، فلو
стр. 1865
تستر الزغل بخافي الوهم لأخرجه، أو جاز الزيف في دراهم النجوم لبهرجه، وكان يتوقى نظره، ويخافه المريب فلا يحضره، فتعالى من جعل شمل الشتات به ملمومًا، وفخر الأشتات إليه مضمومًا.
أخذ الفقه عن ابن سريج، واشتهر بالحذق في النظر والقياس، وعلم الأصول، وله في أصول الفقه كتاب لم يسبق إليه.
حكى أبو بكر القفال: أن أبا بكر الصيرفي كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي، وهو أول من انتدب من أصحاب الشافعي للشروع في علم الشروط، وصنف فيه كتابًا أحسن فيه كل الإحسان.
وتوفي يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وثلاثمائة.
ومنهم:
[١٢] أحمد بن أبي أحمد، المعروف بابن القاص الطبري (١)، أبو العباس، الفقيه الشافعي
رجل أتم على الأمة نعمتها، وسر صدور الشريعة وأئمتها، وصرف قلمه بما صدَّ صروف الأيام، وكفى صنوف الآلام. وتصانيفه كبرت نجمًا، وإن صغرت حجمًا، ملأ منها القطر الإناء فأفعمه، وسما إلى اللسان فأفحمه، ولم يزل الدهر يتعصب لفضله، وتتمتع العيون بلألاء شمسه، وبرد ظله، حتى جلس مجلس ذكر، كان هو فيه أول من أجاب الداعي، وقدم منه على رتبة مشكورة المساعي.
كان إمام وقته بطبرستان، وأخذ الفقه عن ابن سُرَيج، وصنف كتبًا كثيرة جميعها صغيرة الحجم، كثيرة الفائدة، وكان يعظ الناس، فانتهى في بعض أسفاره إلى طرسوس، وقيل: إنه تولى القضاء بها، فعقد له مجلس وعظ وأدركته رقة وخشية وروعة من ذكر الله فخر مغشيًا عليه.
стр. 1866
ومات سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وقيل: سنة ست.
ومنهم:
[١٣] إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المَرْوَزِي، الفقيه الشافعي (١)، أبو إسحاق
بطل جدال يروع، وفارس عليم يبرز عليه صدأ الدروع، تنقاد له الصعاب مذللة، وتقبل إليه متهللة بفتاو ترد من ردى وتعقد رقّى لسهام العدا. نصب تصانيفه منارًا على طرق الهدى، وأخصب لها آثارًا بها يقتدى، وفوفها كالحدائق الزاهرة، وصرفها في الحقائق التي تملأ العيون الساهرة، فسدت كل ثلمة، وجلت كل ظلمة، إلى أن لم يبق بقية، وحتى ذهب مثل يوم الصحو والسماء نقية.
أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج، وبرع فيه، وانتهت إليه الرياسة بالعراق بعد ابن سريج، وكان إمام عصره في الفتوى والتدريس، وصنف كتبًا كثيرة، وشرح مختصر المزني، وأقام ببغداد دهرًا طويلًا يدرّس ويفتي وأنجب من أصحابه خلق كثير، ثم ارتحل إلى مصر في أواخر عمره، فأدركه أجله، فتوفي لتسع خلون من رجب سنة أربعين وثلاثمائة، ودفن قريبًا من الإمام الشافعي.
ومنهم:
[١٤] أبو بكر، محمد بن علي بن إسماعيل القفال، الشاشي (٢)
إمام عصره، والذي ما فتح بابًا في العلم، فخاف من عسره، وقف دون تحصينه
стр. 1867
كل قفال وخبت قبل فهمه مصابيح باتت تشبُّ لقفال، وكان لا يمارى أنه فيما علم، ذو بأس شديد، وفيما عرف أن نظره حديد، وبما عمل أنه لا يقدر على ما قفل إليه، ولا ما قُفِلَ عليه، وأنه ممن ألين الذهب له والحديد على يديه، وأنه أتى بالجوهر ثم اتخذ عليه أقفالًا إلا أنها حافظته التي لا تنسى، وعارضته إلا أنها أشد قوة من الحديد ومسَّا.
كان محدثًا، فقيهًا، أصوليًا، لغويًا شاعرًا، لم يكن بما وراء النهر للشافعيين مثله في وقته، رحل إلى خراسان، والعراق والحجاز، والشام، والثغور، وسار ذكره في البلاد، وأخذ الفقه عن ابن سريج. وهو أول من صنف الجدل من الفقهاء، وعنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده.
توفي سنة ست وستين وثلاثمائة في الصحيح، وقيل: سنة ست وثلاثين وهو تصحيف.
ومنهم:
[١٥] محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد، المروزي القاشاني (١)، الشافعي، أبو زيد
فقيه أيسر بعد الإعسار، واستغنى بعد عدم اليسار، وكثر ماله حيث لا يقدر على
стр. 1868
مد اليمين ولا اليسار، واستطاع، وأوامر شهوته لا تطاع، وقد ذهب أطيباه، وقهر سلطان مشيبه صباه، وجاور مدةً ببيت الله الحرام، وأسف طائره بعد الحيام، وقام قائمًا على قدم التعبد، وأحيا الليل بنور التهجد، والطواف بفناء ذلك البيت الذي لا تمل الملائكة إليه التردد، ثم آب إلى وطنه مملى بظفره، لا يشكو وعثاء سفره، فأثرى بعد توسد الثرى، واكتسى بعدما تعرى وما عرى؛ لفقر طويل طالما ضم عليه أعضاه، وأكثر إسخاطه، ثم أرضاه.
أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وأخذ عنه أبو بكر القفال، ودخل بغداد، وحدث بها وسمع منه الدارقطني وغيره، ثم خرج إلى مكة فجاور بها سبع سنين، وحدث هناك بصحيح البخاري، عن محمد بن يوسف الفربري، وكان حسن النظر، مشهورًا بالعلم، حافظًا للمذهب، وله فيه وجوه غريبة.
قال أبو بكر الخباز: عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة، فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.
وقال أبو زيد: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وأنا بمكة كأنه يقول لجبريل: يا روح القدس، أصحبه إلى وطنه، وكان في أول أمره فقيرًا لا يقدر على شيء، وكان يعبر الشتاء بلا جبة، مع شدة البرد في تلك البلاد، فإذا قيل له في ذلك، يقول بي علة تمنعني من لبس المحشو، يعني به الفقر، وكان لا يشتهي أن يطلع أحدًا إلى باطن حاله، ثم أقبلت عليه الدنيا في آخر عمره، وقد أسن، وتساقطت أسنانه، وكان لا يتمكن من المضغ، وبطلت منه حاسة الجماع، وكان يقول مخاطبًا للنعمة: لا بارك الله فيك، أقبلت حيث لا ناب، ولا نصاب.
ومنهم:
[١٦] عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز الداركي، الفقيه الشافعي (١)
بحر خبيه الدرر، وبرق خفوه المطر، وفقيه هو على الشيطان أشد من ألف
стр. 1869
عابد، ونبيه يرمي الزمان بالأوابد، إلا أنه لم يخل من حاسد قصد أن يضعه، ومعاند ما غير في الصدور موضعه، هيهات أن يوصم دينه باختزال، أو يخصم باعتزاء إلى اعتزال، والقمر على تمام حسنه لا بد له من عائب، والفاضل من تعد له معايب.
نزل نيسابور سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، ودرس الفقه بها سنين، ثم انتقل إلى بغداد، وسكنها إلى حين وفاته وعليه تفقه عامة شيوخ بغداد، وغيرهم من أهل الآفاق. وكان يدرس ببغداد في مسجد دَعْلَج بن أحمد بدرب أبي خلف، وله حلقة بالجامع للفتوى والنظر، وانتهى التدريس إليه ببغداد، وانتفع به خلق كثير، وله في المذهب وجوه جيدة دالة على متانة علمه. وكان يهتم بالاعتزال.
وكان أبو حامد الإسفراييني يقول: ما رأيت أحدًا أفقه من الداركي، وكان إذا جاءته مسألة يفكر طويلًا، ثم يفتي فيها، وربما أفتى على خلاف مذهب الإمامين أبي حنيفية والشافعي، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم حدث فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ بكذا وكذا، والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الإمامين.
وتوفي ببغداد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة عن نيف وسبعين سنة.
ومنهم:
[١٧] محمد بن أحمد الخضري المروزي الشافعي (١)
إمام مرو، كان إذا حفظ شيئًا، كان كأنه النقش في الحجر، والسواد الممثل في
стр. 1870
البصر، والحبيب الذي ما غاب عن القلب منذ حضر، وكان يداوم الدروس كأنها أنفاسه التي لا يملها، ويكرر المحافيظ كأنها أكياسه التي لا يحلها، رابئًا في الدأب، يحمل النفس على مكروهه، وفقهًا في المذهب يعرف على سمات البدور حسن وجوهه.
صحب أبا بكر الفارسي، وكان من أعيان تلامذة أبي بكر القفال الشاشي، وأقام بمرو، ناشرًا فقه الشافعي، وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ، وقلة النسيان، وله في المذهب وجوه غريبة نقلها الخراسانيون، وكان له معرفة بالحديث أيضًا.
وتوفي في عشر الثمانين والثلاثمائة.
ومنهم:
[١٨] سهل بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان، أبو الطيب الصعلوكي، النيسابوري، الفقيه الشافعي (١)
صدر منشرح وأمل منفسح لم يزل قدره رفيعًا، ودهره له ربيعًا، وليله بأعماله الصالحة صديعًا، وكيوده بسيف حتفه صريعًا، وحسوده في نار الحقد بغيظه لا يكل إلا ضريعًا، كم أنقذ أملًا من الإملاق، وصان آمالًا عن الإخفاق، بعدما أطال عند غيره الطلب، وأنضى في قصد سواه المطية والقتب، وجرد له عزمًا، فما أغنى، ووقف بغيره، فكان كواقف على دارس المغنى. وما برح يصحب الدنيا حتى فارقها بالحسنى، واستبدل بالعرض الأدنى الجوهر الأسنى.
كان مفتي نيسابور، وابن مفتيها، وكان يقال له في وقته: الإمام، وهو متفق عليه. عديم المثل في علمه وديانته وكان فقيهًا، أديبًا، متكلمًا، خرجت له الفوائد من سماعاته، وقيل: إنه وضع له في المجلس أكثر من خمسمائة محبرة، وجمع رياسة
стр. 1871
الدنيا والآخرة، وأخذ عنه فقهاء نيسابور.
وتوفي في المحرم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
وقال أبو يعلى الخليلي في الإرشاد: إنه توفي سنة اثنين وأربعمائة.
قال عبد الواحد اللخمي: أصاب سهل الصعلوكي رمد، فكان الناس يدخلون عليه، وينشدونه من النظم، ويروون له من الآثار ما جرت به العادة، فدخل عليه أبو عبد الرحمن السلمي، وقال: أيها الإمام، لو أن عينيك رأتا وجهك ما رمدتا، فقال له الشيخ: ما سمعت بأحسن من هذا الكلام، وسر به.
ولما مات أبوه محمد بن سليمان كتب أبو النصر بن عبد الجبار إلى أبي الطيب المذكور يعزيه عن والده: [من البسيط]
مَنْ مُبلغ شيخ أهل العلم قاطبةً … عنِّي رسالة محزون وأَوَّاهِ
أولى البرايا بحسن الصبرِ مُمْتحنًا … مَنْ كانَ فُتياه توقيعًا عَنِ اللهِ
ومنهم:
[١٩] الحسين بن الحسن بن محمد بن حكيم، الفقيه الشافعي، الجرجاني، المعروف بالحليمي (١)
عُرف بحلمه، وعرض السداد بعزمه، كان نسيج وحده، وذكاء أفق الذكاء، وقمر سعده، والمفرد بمذهبه المذهب، و المنفرد بري الظماء من مورده الأعذب، بفضل يخفض مضاهيه، ويسكت شقشقة مباهيه.
стр. 1872
ولد بجرجان سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وحمل إلى بخارى، وكتب الحديث، وتفقه على أبي بكر الأودني، وأبي بكر القفال، ثم صار إمامًا معظمًا مرجوعًا إليه بما وراء النهر، وله في المذهب وجوه حسنة، وحدث بنيسابور، وروى عنه الحاكم وغيره.
وتوفي في جمادى الأولى، وقيل: ربيع الأول سنة ثلاث وأربعمائة.
ومنهم:
[٢٠] أحمد بن أبي طاهر بن محمد الإسفراييني الفقيه الشافعي (١)، أبو حامد
كان واحد الفضل وأوحده، والمستأثر بكل أثر يثبته من جحده، قعد حيث تأرج نجده، وتبلج مجده، وكان تميمة في جيد المفاخر، وشيمة غراء للبحار الزواخر، وأسفرت لياليه صباحًا، وسجرت في مجامر شقيق الشفق أقاحًا، ففاح عنبر لياليه، وافتر مبسم زمانه عن لآليه، وكانت أوقاته كلها تتفاوح أسحارًا، وتتفاوت في جنى الجنات أشجارًا.
انتهت إليه رئاسة الدنيا والدين ببغداد، وكان يحضر مجلسه أكثر من ثلاثمائة فقيه، وعلق على مختصر المزني تعاليق، وطبق الأرض بالأصحاب، وله في المذهب التعليقة الكبرى وكتاب «اليسار» وهو صغير، وفيه غرائب، واتفق أهل عصره على تفضيله، وتقديمه في جودة النظر.
وقال خطيب بغداد في تاريخه: حدث أبو حامد بشيء يسير عن عبد الله بن عدي، وأبي بكر الإسماعيلي، وإبراهيم بن محمد بن عبدل الإسفراييني، وكان ثقة،
стр. 1873
ورأيته غير مرة، وحضرت تدريسه في مسجد عبد الله بن المبارك، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة متفقه، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي، لفرح به.
وروي عنه أنه قال: ما قمت من مجلس النظر قط، فندمت على معنى ينبغي أن يذكر فلم أذكره.
وروي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق، ثم أتاه في الليل معتذرًا إليه فأنشده: [من الطويل]
جَفَاءٌ جَرَى جَهْرًا لَدَى الناسِ وانْبَسَطْ … وعُذْرٌ أَتَى سِرًا فَأَكَّدَ مَا فُرِطْ
ومَنْ ظَنَّ أَنْ يمحو جَلِيَّ جَفَائِهِ … خَفِيُّ اعتِذَارٍ فهو في أَعْظَمِ الغَلَطْ
ومولده سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وقدم بغداد سنة ثلاث وستين، ودرس الفقه بها إلى أن مات في شوال سنة ست وأربعمائة، ودفن بداره ثم نقل إلى باب حرب سنة عشر وأربعمائة.
ومنهم:
[٢١] أحمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الضبي المحاملي الفقيه الشافعي (١)
فقيه لم يكن له بغير العلم إلمام، ولا بسواه اهتمام، ولا إلى غير رايته انضمام،
стр. 1874
هجر الملاذ، وهجر في غير التعلق بالشواذ، هذا والصبا في عنوانه، والشباب ما لبس من المشيب بيض أكفانه، والنفس نزاعة، والشهرة تكثر نزاعه، وعمره في النمو، وقدره في السمو، وزمانه لا يرمقه إلا بجفن مخادع، ولا يرميه إلا مراماة خادع، ورحاب الأمل فسيحة، وركاب الأجل ما وقعت به طليحة، حتى سرح في فضاء [الفضائل، وتكلم وسكت كل قائل، وأتى بلوامع غرر لو كن نجومًا لكنّ بدورها أو دسوتًا للعلياء لكُنّ صدورها. ضربت إليه الطلبة آباط الإبل، تسأل أين حطت ركابه، وفي أي الأرض سرت محامله وضربت قبابه، فلا تجد إلا من طار، وقد حدا لوداع قلبه، وتاه في تلك الحلل، لا يعرف في أي المحامل قلبه].
أخذ الفقه عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وله عنه تعليقة تنسب إليه، ورزق الذكاء، وحسن الفهم ما أربى به على أقرانه، وبرع في الفقه، ودرس في حياة شيخه أبي حامد وبعده، وسمع الحديث من محمد بن المظفر وطبقته، ورحل به أبوه إلى الكوفة، وأسمعه بها، وصنف في المذهب «المجموع» وهو كتاب كبير، وغير ذلك، وصنف في الخلاف كثيرًا، ودرس ببغداد.
وتوفي ببغداد في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وأربعمائة.
ومنهم:
[٢٢] أبو بكر، عبد الله بن أحمد بن عبد الله الفقيه الشافعي المعروف بالقفال المروزي (١)
إمام لا يعسر عليه قفل، ولا يعرف لديه غفل، تجنح إلى مصابيحه قفال، وتفتح بمفاتيحه أقفال، لا يحط قمر دأديه أفول، ولا تحل بغير ناديه قفول، ولم تحفظ
стр. 1875
أبواب التصانيف بمثل أقفاله التي تشد عليها، وتسد بها الطرق، فلولاه للفتح لم يتوصل إليها، طالما شبت لمعارضه نار قريحة، وشب مثلها فكره النافخ، وهدرت عارضة مجادلة فأسكنها، وهدر رعده الصارخ، وطال عمره، وهو ممتع بحواسه لا يستعين، وقارب المائة والعلماء معه في مثل عقد التسعين.
كان وحيد زمانه فقهًا، وحفظًا، وورعًا، وزهدًا، وله في مذهب الشافعي ما ليس لغيره من أبناء عصره، وتخاريجه كلها جيدة، وإلزاماته لازمة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به منهم أبو علي السِّنْجي، والقاضي حسين، والشيخ أبو محمد الجيني، وإمام الحرمين، وكل واحد من هؤلاء صار إمامًا يشار إليه، ولهم التصانيف النافعة، ونشروا علمه في البلاد، وأخذ عنه أئمة كبار أيضًا.
وكان ابتداء اشتغاله بالعلم على كبر السن بعدما أفنى شبيبته في عمل الأقفال، ولذلك قيل له: القفال، وكان ماهرًا في عملها، ويقال: إنه لما شرع في التفقه، كان عمره ثلاثين سنة.
وكانت وفاته سنة سبع عشرة وأربعمائة، وهو ابن تسعين سنة، ودفن بسجستان، وقبره معروف بها يزار.
ومنهم:
[٢٣] الحسين بن شعيب بن محمد (١) السنجي (٢)، الفقيه الشافعي
جاد به الزمان بعد أن بخل، وأوصل بمثله، ولم يخل، حصل العلوم وجمعها،
стр. 1876
وقصر النجوم وراءه وطمعها، وأتى بما يرقم ديباج الصحف رقم العذار للخدود، والنهار لحلك الليالي السود، حتى حام على مَنْهَلِه كل خاطر، ووقف دون مُنْهَله كل ماطر، وأرى البحار العجائب، وأغص القفار بالنجائب، وأشرق صدر الدست منه بمالي لجوانبه وكالى لسرحه من مجانبه مطل بصقره على البغاث، مقيل بحده على من كره الانبعاث، تارك لسوام أهل الطلب مراده، فحول مرام كل من دأب منهم مراده.
أخذ الفقه بخراسان عن أبي بكر القفال المروزي هو والقاضي حسين، وأبو علي الجويني والد إمام الحرمين، وشرح الفروع التي لأبي بكر بن الحداد المصري شرحًا لم يقاربه فيه أحد مع كثرة شروحها، وهو أول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان، وكان فقيه أهل مرو في عصره، وكانت وفاته سنة نيف وثلاثين وأربعمائة ﵀.
ومنهم:
[٢٤] سُلَيْم بن أيوب بن سُلَيْمٍ الرازي، أبو الفتح، الفقيه الشافعي (١) الأديب
ممن نور فهمه وصور في التحقيق وهمه بكل حركة تمنع المتحرك، وتضيع
стр. 1877
تعب المستدرك، وكان لأهل مذهبه الظهر الذي يقع إليه الاستناد، والصدر الذي عليه الاعتماد. تعرض عليه الأمور الجليلة فيلتهمها، ويمد يده إلى المعالي فيتسلمها، وكان حمى لخلطائه يرعى منهم الغائب، ويخرس العائب لا يقنع لهم دون وجدان النافع لعدم الضائر، ولا يرضى لهم بالشيء إلا وله نظائر، فما تزال مجالسه موقرة، وألسنة جلسائه مطهرة.
كان مشارًا إليه في الفضل والعبادة، وصنف الكتب الكثيرة. قال سليم: دخلت بغداد في حداثتي لطلب علم الفقه، فكنت آتي شيخًا هنالك، فبكرت في بعض الأيام إليه، فقيل لي: هو في الحمام، فمضيت نحوه فعبرت في طريقي على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وهو يملي، فدخلت المسجد، وجلست مع الطلبة، فوجدته في كتاب الصيام في مسألة، فاستحسنت ذلك، وعلقت الدرس على ظهر جزء كان معي، فلما عدت إلى منزلي جعلت أعيد الدرس، فحلي لي، فقلت: أتم كتاب الصيام، فعلقته، ولزمت الشيخ أبا حامد حتى علقت عنه جميع التعليق. كان لا يخلو له وقت عن الاشتغال حتى إنه كان إذا برى القلم قرأ القرآن، أو سبح، وكذلك إذا كان مارًا في الطريق، وغير ذلك من الأوقات التي لا يمكن الاشتغال فيها.
وسكن سليم الشام بمدينة صور متصدرًا لنشر العلم، وإفادة الناس، وكان يقول: وضعت مني صور ورفعت من أبي الحسن المحامل هذا، ثم إنه غرق في بحر القلزم بعد رجوعه من الحج عند ساحل جدة في سلخ صفر سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان قد نيف على الثمانين، ودفن بجزيرة عند المحاضر في طريق عيذاب.
ومنهم:
[٢٥] طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري (١)، أبو الطيب، القاضي، الفقيه، الشافعي
جامع فضل، بيته المطهر كالمساجد، ومصابيحه المنورة للهاجد، أجاد في
стр. 1878
المسائل الشرعية، والفضائل الشعرية، ولولاه في زمانه لم يجر للسنن رسن، ولا عرفت للفطر فطن، فردَّ شأن شانيه صاغرًا، ولسان حاسديه يجوب فمًا فاغرًا، إذ لا يتساوى البليد والبليغ، والمسيء والمسيغ، ولم يتغير عليه حال والقوة مقوية، والمواد مودية لم يزل على هذا حتى أسكت الموت شقاشق لسنه، وأبدل شقائق أدبه بياسمين كفنه.
كان ثقةً، صادقًا، دينًا ورعًا، عارفًا بأصول الفقه وفروعه، محققًا في علمه، سليم الصدر، حسن الخلق، صحيح المذهب، يقول الشعر على طريقة الفقهاء، ومن شعره ما أورده الحافظ أبو طاهر السلفي بسنده إلى أبي الطيب، قال: كتبت إلى أبي العلاء المعري الأديب حين وافى بغداد، وقد كان نزل في سويقة غالب: [من الطويل]
وما ذاتُ در لا تحل لحالب … تناوله واللحم منها مُحَلَّلُ
لمَنْ شاءَ في الحالين حيًا وميتًا … ومَنْ َرامَ شُرْبَ الدَّرِ فهوَ مُضَلَّلُ
إذا طَعَنَتْ في السِّنِ فاللحم طيب … وآكله عند الجميع مُغَفَّلُ
وخرفاتها للأكل فيها كزارةٌ … فما لحصيف الرأي فيهنَّ مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرز … عليم بأسرار القلوبِ مُحَصِّلُ
فأجابني وأملى الرسول في الحال مرتجلًا: [من الطويل]
جوابان عن هذا السؤال كلاهما … صوابٌ وبعضُ القائلينَ مُضَلَّلُ
فمَنْ ظَنَّهُ كَرْمًا فليس بكاذِبِ … ومَنْ ظَنَّه نَخْلًا فليسَ يُجَهَّلُ
لحومهما الأعناب والرّطَبُ الذي … هو الخل والمرز الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضةٌ … تمرُّ وغضُّ الكَرِم يُجنى ويُؤكَلُ
يكلفني القاضي الجليل مسائلًا … هي النجم قدرًا بل أعزُّ وأطول
стр. 1879
ولو لم أُجب عنها لكنتُ بجهلها … جديرًا ولكنْ مَنْ يَوَدُّكَ مُقْبِلُ
فأجبته عنه، وقلت: [من الطويل]
أنار ضميري مَنْ يعزُّ نظيرُهُ … مِنْ الناسِ طُرًّا سابع الفضل مُكْمَلُ
ومن قبله كُتب العلوم بأسرها … وخاطره في حدة النارُ مِشْعَلُ
تساوى له سِرُّ المعاني وجَهْرُها … ومُعضِلُها بادٍ لديهِ مُفَصَّلُ
ولما أنار الحب قادَ مُنيعَهُ … أسيرًا بأنواع البلاء مُكَبَّلُ
وقَرَّبَهُ مِنْ كُلِّ فَهم بكشفِهِ … وإيضاحه حتى رآه المُغَفَّلُ
وأعجب منه نظمه الدر مُسرعًا … ومُرتجلًا مِنْ غيرِ ما يتمهَّلُ
فتخرج من بحر ويسمو مكانُهُ … جَلالًا إلى حيث الكواكب تنزل
فهنأه الله الكريم بفضلِهِ … محاسِنَهُ والعُمْرُ فيها مُطَوَّلُ
فأجاب مرتجلًا وأملى على الرسول: [من الطويل]
ألا أيها القاضي الذي بدهائه … سيوفٌ على أهل الخِلافِ تُسلَّلُ
فؤادك معمورٌ مِنَ العِلمِ آهِلُ … وجَدُّكَ في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غيرَ مُموّلٍ … فأنتَ مِنَ الفَهم المَونِ مُمَوَّلُ
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلًا … فأنتَ وهم مثل الحمائم أجدل
كأَنَّكَ مِنْ فِي الشافعي مُخاطَبٌ … ومِنْ قَبلِهِ تُملِي فَما تتمهَّلُ
وكيف يُرى علم ابن إدريس دارسًا … وأنتَ بإيضاح الهدى متكفّل
تفضَّلت حتى ضاق ذرعي بشُكرِ ما … فعلتَ وكفّي عن جوابك أجمل
لأنك في كُنْهِ التُّريَّا فصاحةٌ … وأعلى ومَنْ يبغي مكانك أسفل
فعُذرك في أَنَّي أُجيبك واثقًا … بفضلِكَ فالإنسانُ يَسْهو ويذهلُ
وأخطأت في إنفاذ رقعتِكَ التي … هي المجد لي منها أخير وأوَّل
ولكنْ عَدَاني أنْ أرومَ احتفاظها … رسولُكَ وهو الفاضل المتفضّل
ومن حقها أن يُصبح المسكُ غامرًا … لها وهي في أعلى المواضع تُجعَلُ
فمَنْ كانَ في أشعارِهِ مُتمثّلًا … فأنتَ امرؤٌ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنَّكَ فوقها … ومثلُكَ حقًا مَنْ بِهِ يُتَجَمَّلُ
ومن شعره: [من الكامل]
قوم إذا غَسَلُوا ثياب جَمالِهم … لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل
стр. 1880
وعاش مائة وسنتين لم يختل عقله، ولا تغير فهمه يفتي ويستدرك على الفقهاء الخطأ، ويقضي ببغداد، ويحضر المواكب في دار الخلافة إلى أن مات، واشتغل عليه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وقال في حقه: لم أر فيمن رأيت أكمل اجتهادًا، وأشد تحقيقًا، وأجود نظرًا منه، ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرستُ أصحابه في مسجده سنتين بإذنه، ورتبني في حلقته واستوطن بغداد، وولي القضاء بربع الكرخ بعد موت عبد الله الصيمري، ولم يزل على القضاء إلى حين وفاته في شهر ربيع الأول يوم السبت لعشر بقين منه سنة خمسين وأربعمائة.
ومولده بآمد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٢٦] أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب البصري، الفقيه الشافعي، الماوردي (١)
الذي ينفح عطرًا، ويملأ الأرض من ماء الورد قطرًا، بما هو أذكى من الورد
стр. 1881
الذي تحمله الغصون، وتذيع الريح سره المصون، ويذبل به ورد الشفق فلا يوصف بالخفر، ولا يوجد منه الخبر مثل الخبر، بل لو قابله الورد في غصونه لأطرق، ولعلم أنه بنار الحسد لماء ورده يحرق، وعلم أنه لمداناته وقع في جور جور، وألقى حمًا في التنور المسجور، وفعل به فعل مردة العفاريت، فأدخل في قمقمه وسد، وأوثق عليه الوكاء وشد، وحين أرسل عليه شواظ من نار ونحاس، وحبس حبس الجن لا الناس، بعد ما خلع من سندس الورق إزاره، وفككت من عرى الغصون أزراره، وسحب نجمه المريخي مصفودًا من الأفق، وأصبح مرميًا على الطرق، وظل مصلوبًا على شجرة، منكس الرأس مائل العنق، وغدا يوقت له الأوان، ويرمى في سوق الهوان، بل هو من ورد الخد الذي تكلل بلؤلؤ العرق، وتموج فلولا ناره لشرب ولولا ماؤه لاحترق، وجاء بما يفخر به نيسان على الزمان، ويذخر منه في قعر البحر الجمان، لا بل هو الورد الذي لا يذوى حسنه، ولا يلوى غصنه، والعنبر الورد الذي تفتقه الأذهان، وتشققه البحار، فيعز، والعنبريهان، من العلم الذي يدني جني الجنان، ويدوم، وقد ذوى الزهر، وفنيت الأفنان، وكان بحره الذي لا يشق، وغمامه الذي لا تخمد له جمرة برق، وصدر مدارسه، ومصدر مجالسه، ومفيد طلبته، ومفيت المطامع قدر رتبته، ومفيء دوحه الفينان على عصبته، ومستخرج دقائقه، ومستدرج الأفهام إلى حقائقه، والمتكلم في مذهب ابن إدريس مما حوى حاويه، بما لو سمعه لسره، ولو جمعه في حجر أمه لظهر على الأم في المسرة. وولي القضاء فما نقص منه، ولا ضره.
كان من وجوه الفقهاء الشافعية من كبارهم، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الصيمري بالبصرة، وعن الشيخ أبي حامد الإسفراييني ببغداد، وكان حافظًا للمذهب، وله كتاب «الحاوي» الذي لم يطالعه أحد إلا شهد له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب، وفوض إليه القضاء ببلدان كثيرة، واستوطن بغداد، وله تصانيف أخر منها: «النكت والعيون في تفسير القرآن الكريم و أدب الدين والدنيا» و «الأحكام السلطانية» و «قانون الوزارة» و «سياسة الملك» و «الإقناع في المذهب» وهو مختصر، وصنف في أصول الفقه والأدب، وانتفع به الناس، وقيل: إنه لم يظهر شيء من مصنفاته في حياته، وإنما جمعها كلها في موضع، فلما دنت وفاته، قال لشخص
стр. 1882
يثق إليه: الكتب في المكان الفلاني تصنيفي كلها، وإنما لم أظهرها؛ لأني لم أجد نية خالصة لله تعالى لم يشبها كدر، فإذا عاينت الموت، ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب، وألقها في دجلة ليلًا، وإن بسطت يدي ولم أقبض على يدك، فاعلم أنها قد قبلت، وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه من النية الخالصة، قال ذلك الشخص: فلما قارب الموت، وضعت يده في يدي، فبسطها، ولم يقبض على يدي، فعلمت أنها علامة القبول، فأظهرت كتبه.
وذكر الخطيب في أول تاريخ بغداد (١) عن الماوردي المذكور قال: كتب إلي أخي من البصرة وأنا ببغداد: [من البسيط]
طيب الهواء ببغداد يشوِّقُني … قِدْمًا إليها وإن عاقت مقادير
فكيف صبري عليها الآن حينَ غَدا … بها هواءان ممدود ومقصور
وكان أبو الحسن الماوردي من أهل البصرة، وما كان يؤثر مفارقتها، فدخل بغداد كارهًا لها، ثم طابت له، ونسي البصرة، فشق عليه فراقها، فلما خرج من بغداد راجعًا إلى البصرة، كان ينشد أبيات الأحنف بن قيس: [من الوافر]
أقمنا كارهين لها فلما … ألفناها خَرَجْنا كارهينا
وما حُبُّ البلاد بنا ولكن … أمرُ العيشِ فُرْقَةُ من هوينا
خرجت أقر ما كانت لعيني … وخلَّفتُ الفؤاد بها رهينا
وقد نسب السمعاني هذه الأبيات إلى أبي محمد المزني.
وتوفي الماوردي يوم الثلاثاء سلخ شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، ودفن من الغد وعمره ست وثمانون سنة.
ومنهم:
[٢٧] الحسين بن محمد بن أحمد المَرْوَزِي، الفقيه الشافعي المعروف بالقاضي (٢)
زين بنيره سماء الفضائل، وبين بقدره قدر البدر المتضاءل، فأخفق منى مناوئه،
стр. 1883
وأظلم مساء مساوئه، وله «التعليقة» التي صح ذهبها على التعليق، وطهر مذهبها على التحقيق، وجاء فيه ما لا يجيء فيه نون هلال بن هلال إلا في مشقة التعريق، فلم يبق من لم يتمنطق بنعمتها، ويتعلق بعصمتها، لما ضمت من أشتات الفضائل في صحفها، وظلت تجمع في أقطارها النائية من تحفها، حتى أغنت مطالعها عن ترقب المطالع وترقي الأمل في المطالع، ولم يحتج في توسيع ذيل الطلب، والجد الذي يحث عليه الطرب إلى تقبيل الثرى، وتقليب البرى فإنه لم يدع قاصية من العلوم حتى حصل على أكتافها، وحصن أطرافها، وأصبحت حقائب تأليفه برحابها رابضة، ولعصاتها رائضة، فطال حتى لم يقم أحد بإزائه. ولا وفي بجزائه.
أخذ الفقه عن أبي بكر القفال المروزي، وصنف في الأصول والفروع والخلاف، وكان إمامًا كبيرًا، صاحب وجوه غريبة في المذهب، ولم يزل يحكم بين الناس، ويدرس ويفتي وأخذ عنه الفقه جماعة من الأعيان.
وتوفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة بمرو روذ.
ومنهم:
[٢٨] عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فُوران الفُوراني، المروزي، الفقيه الشافعي (١)، أبو القاسم
رجل فتح له القفال الباب، ومنح فهمه اللبيب علمه اللباب، فلم يتخذ في الفقه
стр. 1884
أليجةً لم يلجها، ولا للمذهب تاجًا لم يجعل له منه وجهًا، مع توسع في العلم، ترفع أن يدع نقصًا لم يتم، واستطالة في الكلام إذا نطق، وإذا أجرى الأقلام إلى طلق، لا يقف عند فن، ولا يقع إلا على حقيقة إذا ظن، لذكاء حدس، وذكاء قريحة لا شمس.
كان مقدم الفقهاء الشافعية بمرو، وهو أصولي فروعي، أخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشي، وصنف في الأصول والمذهب، والخلاف، والجدل، والملل والنحل، وانتهت إليه رئاسة الفقهاء الشافعية، وطبق الأرض بالتلامذة، وله في المذهب الوجوه الجيدة.
وتوفي في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وأربعمائة بمرو عن ثلاث وسبعين سنة.
ومنهم:
[٢٩] إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، الفيروزآبادي (١)، أبو إسحاق، الإمام جمال الدين صاحب التنبيه
المتفقه به كل نبيه، رجل يضرب به المثل الممثل، ويطرب به الشرف المؤثل،
стр. 1885
كلمه لهوادي الكلام، فرائد، ولصوادي الأفهام موارد لهنة من جني، وأنبوبة من قنا، ببيان يفضح النجوم الزواهر في إشراقها، ويلف الغيوم المواطر في أوراقها، طالما رمى إلى المعالي طرفًا طامحًا، وأجرى طِرفًا جامحًا، وكان مذ كان مغرى بتتبع ما أشكل لكشف غوامضه، وكف ما غطى الحق من عوارضه، بهمة علية لو سقطت السحائب لهم بجمعها، أو الكواكب، لما رضي لكلمه بلمعها، أو الكتائب لَوَلَّوا أمام كتبه، وأعينهم تفيض بدمعها، عادت على حفظة كتبه حسن نيته، وصدق سريرته وعلانيته، فلم ير منهم إلا من أثرى بالآمال، أو ولي بالأعمال، أو تصدر وجاءت منقادة إليه الآمال.
سكن بغداد وتفقه على جماعة من الأعيان، وصحب القاضي أبا الطيب الطبري كثيرًا وانتفع به، وناب عنه في مجلسه، ورتبه معيدًا في حلقته، ولما بنى نظام الملك مدرسته ببغداد سأله أن يتولاها فأبى، فولاها أبا نصر بن الصباغ مدة يسيرة، ثم أجاب إلى ذلك فتولاها، ولم يزل بها إلى أن مات ليلة الأحد حادي عشرين جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة ببغداد ودفن من غده.
وكان في غاية من الورع والتشدد في الدين.
قال ابن النجار (١): انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد، وأكثر علماء الأمصار من تلامذته.
وحكى الملك المؤيد صاحب حماة: أنه كان مستجاب الدعوة، متطرح التكلف. قال: ولما توجه إلى خراسان برسالة المقتدي إلى السلطان ملكشاه ونظام الملك الوزير، قال: ما دخلت بلدًا إلا وجدت خطيبها وقاضيها تلاميذي.
ولما مات جلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية، فلما انقضى العزاء رتب
стр. 1886
مؤيد الملك بن نظام الملك أبا سعد المتولي مكانه، فبلغ الخبر نظام الملك، فكتب ينكر ذلك، وقال: كان من الواجب تغلق المدرسة سنة لأجله، وأزرى على من تولى موضعه، وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر بن الصباغ في مكانه.
ورثاه أبو القاسم عبد الله بن ناقيا بقوله: [من الكامل]
أجرى المدامِعَ بالدَّم المُهْراقِ … خطبٌ أقام قيامة الأماق
ما لليالي لا تؤلِّفُ شَمَلْها … بعدَ ابنِ بَجْدَتِها أَبي إسحاق
وله - أعني أبا إسحاق - الشعر الحسن، فمنه قوله: [من الوافر]
سألتُ الناسَ عَنْ خُلِّ وفي … فقالوا ما إلى هذا سبيل
تَمَسَّكْ إِنْ ظَفِرْتَ بودٌ حُرِّ … فإِنَّ الحُرَّ في الدُّنيا قليل
ومنه قوله: [من مجزوء الكامل]
جاء الربيع بحُسنِ وَرْدِه … ومَضَى الشتاءُ بَخَشنِ بَرْدِه
فاشرب على وجه الحبيـ … ـب ووجنتيهِ وحُسْنِ خَدِّه
ومنهم:
[٣٠] عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد، أبو نصر، المعروف بابن الصباغ (١)
ما فتحت الكتب بمثل أبواب تصانيفه المصبغة، ولا تنزهت النواظر في أحسن
стр. 1887
من قوالبه المفرغة، كأنما توست الوجنات بصباغه، ونمت قطع الرياض في أصباغه، ومرت عليه أخلافها سحب وحيه، ومرت له عليها يد مسيحية، فأخرجت منه ما طلب من ألوان شتى، وأصباغ ما ترك في جملتها من تفاصيل الزهر نبتًا، فجاء بما ظهر من ألوانه، وأشبه الزهر في أوانه، حتى جاء بما يُقِرُّ قوس قزح بتلوينه، وتَقَرُّ عيون الرياض لو برزت في أفانينه ويعيد زمان الربيع وقد ذهب، ويواصل بصنائع صنعاء وقد انقطع الجلب وتتمنى العرائس لو جليت في حلله الملونة، ورفعت أنماطها من أفانينه المفننة، وزينت صورها الحسان بجلابيبه المحسنة، وجاء بألوان البصرة كما يقال إلا أنها تملأ البصر، وتربأ عن مصبغات المحاسن التي في تراكيب الصور، والتشبيه بحضرة العذار، وحمرة الخد وبياض الجبين، وسواد الطرر، حرجًا مما يحرك هوى، أو يحرض على جوى. الله أكبر إنَّ بالفضل لكلفًا أكثر من الكلف بالحسان، وأكبر من أن يوصف إلا إذا جف اللسان، ولقد جمع فما أبقى كتابه الشامل، ولا خلى إلا السحاب ودمعه هامل، ولا أغرى بتمامه إلا البدور بالنقص وهي كوامل بلى أبات حاسده بليال طوال كسهره في تصنيفه، وقاسمه مقالة الناس له بشكره، ولحاسده بتعنيفه.
وكان فقيه العراقين في وقته، وكان يضاهي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، ويقدم عليه في معرفة المذهب، وكان الرحلة إليه من البلاد. كان تقيًا، حجةً، صالحًا، وله مصنفات مفيدة منها كتاب: «الشامل في الفقه»، وهو من أجود كتب الشافعية، وأصحها نقلًا، وأثبتها أدلة، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد أول ما فتحت، ثم عزل عنها بالشيخ أبي إسحاق، وكانت ولايته لها عشرين يومًا، ثم أعيد إليها بعد وفاة أبي إسحاق.
وذكر أبو الحسن بن الصابئ: أنّ المدرسة المذكورة لما فرغ من بنائها أمر نظام الملك واقفها أن يكون المدرس بها أبا إسحاق الشيرازي، وقرروا معه الحضور في يوم السبت عاشر ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة للتدريس، فاجتمع الناس، ولم يحضر وطلب فلم يوجد فنفذ إلى نصر بن الصباغ وأحضر، ورتب بها مدرسا، وظهر الشيخ أبو إسحاق في مسجده، ولحق أصحابه من ذلك ما بان عليهم، وفتروا عن حضور درسه وراسلوه أنه إذا لم يدرس بها مضوا إلى ابن الصباغ وتركوه، فأجاب إلى ذلك، وعزل ابن الصباغ، وجلس أبو إسحاق مستهل ذي الحجة، وكان مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يومًا.
стр. 1888
وقال ابن النجار (١): لما مات أبو إسحاق تولى أبو سعد المتولي ثم صرف في سنة ست وسبعين، وأعيد أبو سعد إلى أن مات.
وكان مولد أبي نصر سنة أربعمائة، وكف بصره في آخر عمره.
وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقيل: بل توفي يوم الخميس منتصف شعبان منها.
ومنهم:
[٣١] عبد الملك ابن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي يعقوب (٢) الجُوَيْني (٣)، أبو المعالي، الفقيه الشافعي، ضياء الدين، إمام الحرمين
إمام مكة والمدينة، ونظام البلدتين الطيبة والأمينة، أفصح الفقهاء لسانًا،
стр. 1889
وأوضح البلغاء إحسانًا، لعباراته في الفقه نزعات أدبية، ونزعات عربية، كأنما جاء بها من البادية، تلاعبها أعطاف ريحها، وتجاذبها أطراف البداوة إلى لمم شيحها، كأنما كلامه صفائح زبر، أو صحائف خبر، أسرى من الخطب في المسامع، وأسرع من الخب (١) في المطامع، وفي دلائه علم يُضوّي الحنادس ويضوع المجالس، ولقد اختار أبوه أُمًّا أخرجه من وعائها النظيف، وزرع في أرضها الزاكية منبته الشريف، ثم احتاط لمطعمه، وخاط بالحمية على فمه، حتى طلع ذهبه خالصًا، وسطع بدره، وما طلع هلاله إلًا تامًا لا ناقصًا، وقد ذكرت في ترجمة أبيه ما هو المشهور في حسن مرباه، وذكرت هنا ما ذكره ابن خلكان على ما يأتي وإن نافاه، وقد يكون هذا غير ذاك، وقد يكون إياه، غير أن الرواية اختلفت، وكلتاهما بتمام المراد قد وفّت.
تفقه في صباه على والده أبي محمد، وكان يعجب بطبعه وجودة قريحته، وما يظهر عليه من مخايل الإقبال، فأتى على جميع مصنفات والده، وتصرف فيها حتى زاد عليها في التحقيق والتدقيق، ولما توفي والده قعد مكانه للتدريس، وإذا فرغ منه مضى إلى الأستاذ أبي القاسم الإسفراييني الإسكافي بمدرسة البيهقي حتى حصل عليه علم الأصول، ثم سافر إلى بغداد، ولقي بها جماعة من العلماء، ثم خرج إلى الحجاز، وجاوز بها أربع سنين، والمدينة يدرس ويفتي ويجمع طرف المذهب، فلهذا قيل إمام الحرمين، ثم عاد إلى نيسابور في ولاية السلطان ألب أرسلان السلجوقي، والوزير يومئذ نظام الملك، فبنى له المدرسة النظامية بنيسابور، وولى الخطابة بها، وكان يجلس للوعظ والمناظرة وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر من الأئمة، وانتهت إليه رئاسة الأصحاب، وفوض إليه أمور الأوقاف، وبقي على ذلك قريبًا من ثلاثين سنة غير مزاحم، ولا مدافع، سلم إليه المحراب والمنبر، والخطابة والتدريس، ومجلس التذكير يوم الجمعة، وصنف في كل فن.
قال أبو جعفر الحافظ: سمعت الشيخ أبا إسحاق الشيرازي يقول لإمام الحرمين يا مفيد أهل المشرق والمغرب، أنت اليوم إمام الأئمة.
وادعى الاجتهاد المطلق، لأن أركانه كانت حاصلة له، ثم عاد إلى تقليد الإمام الشافعي، لعلمه أن منصب الاجتهاد قد مضت سنوه. ومن تلاميذه أبو القاسم الأنصاري.
стр. 1890
وكان والده الشيخ أبو محمد في أول عمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كتب يده شيء اشترى به جارية موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يطعمها من كسب يده أيضًا إلى أن حبلت بإمام الحرمين، وهو مستمر على تربيتها بمكسب الحل، فلما وضعته أوصاها أن لا تمكن أحدًا من إرضاعه، فاتفق أنه دخل عليها يومًا وهي متألمة، والصغير يبكي، وقد أخذته امرأة من جيرانهم وشاغلته بثديها فرضع منه قليلًا، فلما رآه شق عليه وأخذه إليه، ونكس رأسه، ومسح على بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل به ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل علي أن يموت، ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير أمه.
ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه فترة في بعض الأحيان في مجلس المناظرة فيقول: هذا من بقايا تلك الرضعة.
ومولده في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، ولما مرض حمل إلى قرية من أعمال نيسابور يقال لها بشتنفان موصوفة باعتدال الهواء وخفة الماء، فمات بها ليلة الأربعاء، وقت العشاء الآخرة، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ونقلل إلى نيسابور تلك الليلة ودفن من الغد بداره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين، فدفن بجنب أبيه، وصلى عليه ولده أبو القاسم، وأغلقت الأسواق يوم موته، وكسر منبره في الجامع، وقعد الناس لعزائه، وأكثروا فيه المراثي، وكانت تلامذته يومئذ قريبًا من أربعمائة واحد، فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا على ذلك عامًا كاملًا.
ومنهم:
[٣٢] عبد الرحمن بن محمد، أبو سعد المعروف بالمتولي، الفقيه الشافعي، النيسابوري (١)
قدوة الفقهاء، وأسوة القمر في البهاء، تصدر بلا ازدهاء، وبلغ مدى أمانته
стр. 1891
بلا انتهاء، لاذ بركنه المحراب، ولاب الاستسقاء مزنه السحاب، ولام الحبل، … فواراه التراب، ولاح ضاحكًا، ففضح الغمام الانتحاب، وذكر من الدروس ما هو خلاله ذكرى، وخلى حتى الإسطوانة سكرى، وخلف محاجر الصدق بمدامع … اللؤلؤ شكرى.
كان جامعًا بين العلم والدين، وحسن السيرة، وتحقيق المناظرة له، له يد قوية في الأصول والفقه والخلاف. تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد بعد وفاة شيخه أبي إسحاق الشيرازي، ثم عزل عنها في بقية سنة ست وسبعين وأربعمائة، وأعيد أبو نصر بن الصباغ، ثم عزل ابن الصباغ، وأعيد إليها أبو سعد المذكور، واستمر عليها إلى حين وفاته.
ولما جلس للتدريس بالمدرسة المذكورة بعد الشيخ أبي إسحاق، أنكر الفقهاء استناده موضعه، وأرادوا منه أن يستعمل الأدب في الجلوس دونه، ففطن، وقال لهم: اعلموا أنني لم أفرح في عمري إلا بشيئين: أحدهما أني جئت من وراء النهر، ودخلت سرخس وعلي أثواب أخلاق لا تشبه ثياب أهل العلم، فحضرت مجلس أبي الحارث بن أبي الفضل السرخسي، وجلست في أُخريات أصحابه، فتكلموا في مسألة فقلت واعترضت، فلما انتهيت من نوبتي، أمرني أبو الحارث بالتقدم، فتقدمت، ولما عادت نوبتي استدناني، وقربني حتى جلست إلى جنبه، وقام لي، وألحقني بأصحابه، فاستولى الفرح على قلبي، والشيء الثاني: حين أملت الاستناد في موضع شيخنا أبي إسحاق ﵀، فذلك أعظم النعم، وأوفى القسم.
وتخرج على الإمام أبي سعد جماعة من الأئمة، وصنف في الفقه، والخلاف، والفرائض، وكل تصانيفه نافعة.
ومولده سنة ست وعشرين وأربعمائة، وقيل: سنة سبع وعشرين، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر شوال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد.
стр. 1892
ومنهم:
[٣٣] سهل بن أحمد بن علي الأزغياني، الفقيه الشافعي (١)
رجل لم تكن همته أرضية، ولا عزمته إلا رضية، وكان جملة نعماء، وحبلة نماء، وكان للقبائح مباعدًا، وللمنائح مواعدًا، وللمدائح بجميل خلائقه مساعدًا، هذا والشبيبة في ريعانها، وبارقة الصّبا في لمعانها، والقريحة لافحة، والبديهة سافحة، مع التيقظ لأفعال المروءة وأعمال الفتوة. هذا إلى ما كان يصبغ خديه من أديم الحياء، ويجمع تسهيم برديه من الحباء.
كان إمامًا، كبير المقدار في العلم والزهد، قرأ على أبي علي السنجي، ثم على القاضي حسين المروروذي، وحصل طريقته حتى قال: ما علق أحد طريقتي مثله ودخل نيسابور، وقرأ أصول الفقه على إمام الحرمين، وناظر في مجلسه وارتضى كلامه، ثم عاد إلى ناحية أرغيان وتقلد قضاءها سنين مع حسن السيرة، وسلوك الطريق المرضية، ثم خرج إلى الحج، ولقي المشايخ بالعراق، والجبال، والحجاز، وسمع منهم، وسمعوا منه، فلما رجع من مكة، دخل على الشيخ العارف الحسن السمناني شيخ وقته زائرًا، فأشار عليه بترك المناظرة، فتركها، ولم يناظر بعد ذلك، وعزل نفسه عن القضاء، ولزم البيت والانزواء، وبنى للصوفية دويرة من ماله، وأقام بها مشغولًا بالتصنيف، والمواظبة على العبادة إلى أن توفي على تيقظ من حاله مستهل المحرم سنة سبع وتسعين وأربعمائة.
ومنهم:
стр. 1893
[٣٤] عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد (١) الرُّؤْيَاني (٢)، الفقيه الشافعي، أبو المحاسن الشهيد
والقانع في الدنيا بالعيش الزهيد، عبد الواحد المتعبد بالتوحيد، وابن إسماعيل إلا أنه كان هو الذبيح الروياني؛ لأنه رأى أن متجر الآخرة الربيح، والمجاهد لنصرة الحق حتى قتل، والمجاهر لخذلان الباطل حتى ختل، المقتول ظلمًا في ثوب السماء دمه المنقول إلى جوار ربِّ يضاعف حسناته ويرحمه.
رحل إلى بخارى، وأقام بها مدة، ودخل غزنة، ونيسابور، ولقي الفضلاء، وحضر مجلس ناصر المروزي، وعلق عنه، وسمع الحديث، وبنى بآمل مدرسة، ثم انتقل إلى الري، ودرس بها، وقدم اصبهان، وأملى بجامعها، وصنف الكتب المفيدة، ونقل عنه أنه كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي، لأمليتها من خاطري.
وكان له الجاه العريض، والحرمة الوافرة في تلك الديار، وكان الوزير نظام الملك كثير التعظيم له؛ لكمال فضله، وأملى بمدينة آمل، وقتل بعد فراغه من الإملاء بسبب التعصب في الدين في المحرم سنة اثنتين وخمسمائة. قتله الملاحدة في الجامع يوم الجمعة عشر من المحرم.
ومنهم:
стр. 1894
[٣٥] أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الطبري المعروف بالْكِيَا الْهَرَّاسِيُّ (١)
وأيُّ عَليٍّ لو وجد شِيعَةً، وطبري طبيب نوس المذاهب الشنيعة، عماد ما رفع مثله عمود الفجر لرواق الصباح، ولا شيد به إلا بناء البيت في نطاق البطاح، إمام لو وجد مؤتمًا، وعيان لو لم تفتح عينه على أعمى الهراس وأي هريسة وأي زبون وأي عزيز يشتري منه بالنفوس، بارك الله للمغبون لا يذوى له غراس، ولا يموت به إلا حاسد، وقتيل بجانب المهراس.
أصله من طبرستان، وخرج إلى نيسابور، وتفقه على إمام الحرمين إلى أن برع، وكان حسن الوجه، جهوري الصوت، فصيح العبارة، حلو الكلام، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق، ودرس بها مدة إلى أن خرج إلى العراق، وتولى تدريس المدرسة النظامية ببغداد إلى أن توفي.
وقد ذكره عبد الغافر الفارسي في «تاريخ نيسابور»، فقال: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدرس، وكان ثاني أبي حامد الغزالي بل أصل وأصلح، وأطيب في الصوت والنظم، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي، وحظي عنده بالمال والجاه، وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة، وكان محدثًا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه، ومن كلامه:
стр. 1895
إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهب الرياح.
واستفتاه الحافظ أبو طاهر السلفي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بينه وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: ما يقول الإمام وفقه الله تعالى في رجل أوصى بثلث ما له للعلماء والفقهاء، تدخل كتب الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟ فكتب الشيخ تحت السؤال: نعم، كيف لا، وقد قال النبي ﷺ «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا في أمر دينها، بعثه الله يوم القيامة فقيهًا عالمًا».
وسئل الكيا عن يزيد بن معاوية، فقال: إنه لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب، وأما قول السلف، ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة تصريح وتلويح ولمالك قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك، وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهد، والمنادم للقرد ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم منه قوله: [من الطويل]
أقولُ لصحب ضَمَّتِ الكأس شملهم … وداعي صبابات الهوى يترنم
خذوا بنصيب من نعيم ولذة … فكل وإن طال المدى يتصرمُ
وكتب فصلًا طويلًا، ثم قلب الورقة، وكتب: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. وكتب فلان بن فلان.
وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك: فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد: هل يحكم بفسقه؟ أم هل يكون لك مرخصًا له فيه؟ وهل كان مريدًا قتل الحسين؟ أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ الترحم عليه؟ أم السكوت عنه أفضل؟ ينعم بإزالة الاشتباه مثابًا.
فأجاب (١): لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن مسلمًا فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﷺ : «المسلم ليس بلعان». وكيف يجوز لعن المسلم، ولا يجوز لعن البهائم؟ وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكافر بنص النبي ﷺ ، ويزيد صَحَ إسلامه، وما صح قتله الحسين، ولا أمره، ولا