← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

بلا انتهاء، لاذ بركنه المحراب، ولاب الاستسقاء مزنه السحاب، ولام الحبل، … فواراه التراب، ولاح ضاحكًا، ففضح الغمام الانتحاب، وذكر من الدروس ما هو خلاله ذكرى، وخلى حتى الإسطوانة سكرى، وخلف محاجر الصدق بمدامع … اللؤلؤ شكرى. كان جامعًا بين العلم والدين، وحسن السيرة، وتحقيق المناظرة له، له يد قوية في الأصول والفقه والخلاف. تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد بعد وفاة شيخه أبي إسحاق الشيرازي، ثم عزل عنها في بقية سنة ست وسبعين وأربعمائة، وأعيد أبو نصر بن الصباغ، ثم عزل ابن الصباغ، وأعيد إليها أبو سعد المذكور، واستمر عليها إلى حين وفاته. ولما جلس للتدريس بالمدرسة المذكورة بعد الشيخ أبي إسحاق، أنكر الفقهاء استناده موضعه، وأرادوا منه أن يستعمل الأدب في الجلوس دونه، ففطن، وقال لهم: اعلموا أنني لم أفرح في عمري إلا بشيئين: أحدهما أني جئت من وراء النهر، ودخلت سرخس وعلي أثواب أخلاق لا تشبه ثياب أهل العلم، فحضرت مجلس أبي الحارث بن أبي الفضل السرخسي، وجلست في أُخريات أصحابه، فتكلموا في مسألة فقلت واعترضت، فلما انتهيت من نوبتي، أمرني أبو الحارث بالتقدم، فتقدمت، ولما عادت نوبتي استدناني، وقربني حتى جلست إلى جنبه، وقام لي، وألحقني بأصحابه، فاستولى الفرح على قلبي، والشيء الثاني: حين أملت الاستناد في موضع شيخنا أبي إسحاق ﵀، فذلك أعظم النعم، وأوفى القسم. وتخرج على الإمام أبي سعد جماعة من الأئمة، وصنف في الفقه، والخلاف، والفرائض، وكل تصانيفه نافعة. ومولده سنة ست وعشرين وأربعمائة، وقيل: سنة سبع وعشرين، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر شوال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد.

стр. 1892

ومنهم: [٣٣] سهل بن أحمد بن علي الأزغياني، الفقيه الشافعي (١) رجل لم تكن همته أرضية، ولا عزمته إلا رضية، وكان جملة نعماء، وحبلة نماء، وكان للقبائح مباعدًا، وللمنائح مواعدًا، وللمدائح بجميل خلائقه مساعدًا، هذا والشبيبة في ريعانها، وبارقة الصّبا في لمعانها، والقريحة لافحة، والبديهة سافحة، مع التيقظ لأفعال المروءة وأعمال الفتوة. هذا إلى ما كان يصبغ خديه من أديم الحياء، ويجمع تسهيم برديه من الحباء. كان إمامًا، كبير المقدار في العلم والزهد، قرأ على أبي علي السنجي، ثم على القاضي حسين المروروذي، وحصل طريقته حتى قال: ما علق أحد طريقتي مثله ودخل نيسابور، وقرأ أصول الفقه على إمام الحرمين، وناظر في مجلسه وارتضى كلامه، ثم عاد إلى ناحية أرغيان وتقلد قضاءها سنين مع حسن السيرة، وسلوك الطريق المرضية، ثم خرج إلى الحج، ولقي المشايخ بالعراق، والجبال، والحجاز، وسمع منهم، وسمعوا منه، فلما رجع من مكة، دخل على الشيخ العارف الحسن السمناني شيخ وقته زائرًا، فأشار عليه بترك المناظرة، فتركها، ولم يناظر بعد ذلك، وعزل نفسه عن القضاء، ولزم البيت والانزواء، وبنى للصوفية دويرة من ماله، وأقام بها مشغولًا بالتصنيف، والمواظبة على العبادة إلى أن توفي على تيقظ من حاله مستهل المحرم سنة سبع وتسعين وأربعمائة. ومنهم:

стр. 1893

[٣٤] عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد (١) الرُّؤْيَاني (٢)، الفقيه الشافعي، أبو المحاسن الشهيد والقانع في الدنيا بالعيش الزهيد، عبد الواحد المتعبد بالتوحيد، وابن إسماعيل إلا أنه كان هو الذبيح الروياني؛ لأنه رأى أن متجر الآخرة الربيح، والمجاهد لنصرة الحق حتى قتل، والمجاهر لخذلان الباطل حتى ختل، المقتول ظلمًا في ثوب السماء دمه المنقول إلى جوار ربِّ يضاعف حسناته ويرحمه. رحل إلى بخارى، وأقام بها مدة، ودخل غزنة، ونيسابور، ولقي الفضلاء، وحضر مجلس ناصر المروزي، وعلق عنه، وسمع الحديث، وبنى بآمل مدرسة، ثم انتقل إلى الري، ودرس بها، وقدم اصبهان، وأملى بجامعها، وصنف الكتب المفيدة، ونقل عنه أنه كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي، لأمليتها من خاطري. وكان له الجاه العريض، والحرمة الوافرة في تلك الديار، وكان الوزير نظام الملك كثير التعظيم له؛ لكمال فضله، وأملى بمدينة آمل، وقتل بعد فراغه من الإملاء بسبب التعصب في الدين في المحرم سنة اثنتين وخمسمائة. قتله الملاحدة في الجامع يوم الجمعة عشر من المحرم. ومنهم:

стр. 1894

[٣٥] أبو الحسن، علي بن محمد بن علي الطبري المعروف بالْكِيَا الْهَرَّاسِيُّ (١) وأيُّ عَليٍّ لو وجد شِيعَةً، وطبري طبيب نوس المذاهب الشنيعة، عماد ما رفع مثله عمود الفجر لرواق الصباح، ولا شيد به إلا بناء البيت في نطاق البطاح، إمام لو وجد مؤتمًا، وعيان لو لم تفتح عينه على أعمى الهراس وأي هريسة وأي زبون وأي عزيز يشتري منه بالنفوس، بارك الله للمغبون لا يذوى له غراس، ولا يموت به إلا حاسد، وقتيل بجانب المهراس. أصله من طبرستان، وخرج إلى نيسابور، وتفقه على إمام الحرمين إلى أن برع، وكان حسن الوجه، جهوري الصوت، فصيح العبارة، حلو الكلام، ثم خرج من نيسابور إلى بيهق، ودرس بها مدة إلى أن خرج إلى العراق، وتولى تدريس المدرسة النظامية ببغداد إلى أن توفي. وقد ذكره عبد الغافر الفارسي في «تاريخ نيسابور»، فقال: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدرس، وكان ثاني أبي حامد الغزالي بل أصل وأصلح، وأطيب في الصوت والنظم، ثم اتصل بخدمة مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي، وحظي عنده بالمال والجاه، وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة، وكان محدثًا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسه، ومن كلامه:

стр. 1895

إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رؤوس المقاييس في مهب الرياح. واستفتاه الحافظ أبو طاهر السلفي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة لكلام جرى بينه وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية، وصورة الاستفتاء: ما يقول الإمام وفقه الله تعالى في رجل أوصى بثلث ما له للعلماء والفقهاء، تدخل كتب الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟ فكتب الشيخ تحت السؤال: نعم، كيف لا، وقد قال النبي ﷺ «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا في أمر دينها، بعثه الله يوم القيامة فقيهًا عالمًا». وسئل الكيا عن يزيد بن معاوية، فقال: إنه لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب، وأما قول السلف، ففيه لأحمد قولان: تلويح وتصريح، ولأبي حنيفة تصريح وتلويح ولمالك قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك، وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهد، والمنادم للقرد ومدمن الخمر، وشعره في الخمر معلوم منه قوله: [من الطويل] أقولُ لصحب ضَمَّتِ الكأس شملهم … وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيب من نعيم ولذة … فكل وإن طال المدى يتصرمُ وكتب فصلًا طويلًا، ثم قلب الورقة، وكتب: لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل. وكتب فلان بن فلان. وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك: فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد: هل يحكم بفسقه؟ أم هل يكون لك مرخصًا له فيه؟ وهل كان مريدًا قتل الحسين؟ أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ الترحم عليه؟ أم السكوت عنه أفضل؟ ينعم بإزالة الاشتباه مثابًا. فأجاب (١): لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن مسلمًا فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﷺ : «المسلم ليس بلعان». وكيف يجوز لعن المسلم، ولا يجوز لعن البهائم؟ وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكافر بنص النبي ﷺ ، ويزيد صَحَ إسلامه، وما صح قتله الحسين، ولا أمره، ولا

стр. 1896

رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه، لا يجوز أن يظن كثيرًا من الظنِّ ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (١) وقال النبي: «إن الله تعالى حرم من المسلم دمه وماله وعرضه»، وأن يظن به ظن السوء، ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به، فينبغي أن يعلم أن به غاية حماقة، فإن من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن يعلم حقيقةً من الذي أمر بقتله، ومن الذي رضي به، ومن الذي كرهه، لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد وفي زمن بعيد، وقد انقضى فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد؟ وقد تطرق التعصب في الواقعة، فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب، فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلًا، وإذا لم يعرف، وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلمًا، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر، بل هو معصية، وإذا مات القاتل، فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره، لم يجز لعنته، فكيف بمن تاب عن قتل، ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢) فإذًا لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقًا عاصيًا الله تعالى، ولو جاز لعنه، فسكت لم يكن عاصيًا بالإجماع بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة لم لم تلعن إبليس، ويقال للاعن لم لعنت، ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون، والملعون هو المبعد من الله ، وذلك غيب لا يعرف إلا فيمن مات كافرًا، فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه، فهو جائز، بل هو مستحب بل هو داخل في قولنا في كل صلاة: «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات؛ فإنه كان مؤمنًا والله أعلم» كتبه الغزالي. وكانت ولادة الكيا في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرم سنة أربع وخمسمائة ببغداد، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق، وحضر دفنه الشريف أبو طالب الزينبي، وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني، وكان مقدم الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما منافسة في حال الحياة، فوقف أحدهما عند قبره والآخر عند رجليه، فقال ابن الدامغاني متمثلًا قوله: [من الوافر] وما تُغني النوادب والبواكي … وقد أصبحت مثل حديث أمس

стр. 1897

وأنشد الزينبي متمثلًا: [من الكامل] عُقِمَ النساء فلم يلدن شبيهَهُ … إِنَّ النساء بمثلهِ عُقْمُ ومنهم: [٣٦] محمد بن محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الغزالي (١) حجة الإسلام، ومحجة دار السلام، ذو الطرح الغريب، والبرد القشيب، والبز الرفيع العجيب، نسيجُ وَحْدِهِ، ونسيب الروض في برده، ما امتدت إلى دقائقه اللواحظ الغزالة، ولا شبرقت مثل حلله مجاجة الغزالة، مع أدب مات وما بلغه المقتل، ونخب تتجاذب من أطرافه مثل هداب الدمقس المفتل ينصت من حديثه إلى

стр. 1898

أرق سمر، ولا تفنى غلائله، وقد زرت أزرارها على القمر، فقد كان قمر الشافعية الذي لا يعروه نقصان، وسمر الرقاق بسمر الخرصان، وله في التصوف مقامات لا يدعي الحريري شبهها حيث ذهب ولا يموه في مماثلتها حريره الذهب. اشتغل في مبدأ أمره بطوس، ثم قدم نيسابور، واختلف إلى دروس إمام الحرمين، وجد في الاشتغال حتى تخرج في مدة قريبة، وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، وصنف في ذلك الوقت، وكان أستاذه يتبجح به، ولم يزل ملازمًا إلى أن توفي إمام الحرمين، فخرج من نيسابور، ولقي نظام الملك، فأكرمه وعظمه، وبالغ في الثناء عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس، وظهر عليهم، واشتهر اسمه، وسارت بذكره الركبان. ثم فوض إليه الوزير تدريس النظامية ببغداد، فدرس بها في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأعجب به أهل العراق، وارتفعت عندهم منزلته، ثم ترك جميع ما كان عليه سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وسلك طريق الزهد والانقطاع، وقصد الحج، فلما رجع، توجه إلى الشام، فأقام بدمشق مدة يذكر الدرس في الزاوية الغربية من الجامع الأموي، ثم انتقل إلى البيت المقدس، واجتهد في العبادة، وزيارة المشاهد، والمواضع المعظمة، ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية مدة، ويقال: إنه قصد منها الركوب في البحر إلى بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش، فبينما هو كذلك، بلغه نعي يوسف المذكور، فصرف عزمه عن تلك الناحية. ثم عاد إلى وطنه بطوس، واشتغل بنفسه، وصنف الكتب المفيدة في عدة فنون، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور، والتدريس بها بالمدرسة النظامية، فأجاب إلى ذلك بعد تكرار المعاودات ثم نزل في وطنه، واتخذ خانقاه للصوفية، ومدرسة للمشتغلين بالعلم في جواره، ووزع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس إلى أن انتقل إلى ربه يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة. وقد أورد له عماد الدين الأصبهاني في الخريدة: [من الكامل] حَلَّتْ عَقَارِبُ خَدِّهِ في صُدْغِهِ … قَمَرًا يُجَلُّ بِها عَنِ التَّشْبِيه ولقد عهدناه يَحُلُّ ببُرْجِها … فمِنَ العَجَائِبِ كَيْفَ حَلَّتْ فِيهِ ومما أرود له قوله: [من الكامل]

стр. 1899

هَبْنِي صَبَوتُ كَمَا تَرَونَ بزعمِكُمْ … وَحَظِيْتُ منه بلثم خد أزهر أني اعتزلت فلا تلوموا إنه … أضحى يقابلني بوجه أَشْعَري ومنهم: [٣٧] محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر (١) الشاشي (٢) الأصل، الفارقي المولد، فخر الإسلام المستظهري، الشافعي، أبو بكر عمامة رأس، وزينة، لباس، تاج شرف، ومنهاج علم ما أخذ منه بطرف، زعم لتواضعه إذ رأس، وجلس للتدريس كما درس أنه إنما ساد وقد خلت البقاع، وشب شبله إذ ثكلت السباع، وما ذلك كما زعم، بل ساد والبقاع ما خلت، وشب والسباع ما ثكلت لسيادة استحقها، ورتبة استوجب حقها. تفقه أولًا بميافارقين، ثم رحل إلى بغداد، ولازم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وقرأ عليه، وأعاد عنده، ودخل نيسابور صحبة الشيخ أبي إسحاق، وتكلم في مسألة بين يدي إمام الحرمين، فأحسن فيها، وعاد إلى بغداد، وانتهت إليه رئاسة الطائفة الشافعية، وصنف التصانيف الحسنة. ودرس بنظامية بغداد في شعبان سنة أربع وخمسمائة. ولما ذكر بها الدرس، وضع منديله على عينيه، وبكى كثيرًا وهو جالس على السدة التي جرت عادة المدرسين بالجلوس عليها، وأنشد: [من الكامل]

стр. 1900

خَلَتِ الديارُ فَسُدتُ غيرَ مُسَوَّدٍ … ومِنَ البلاء تفردي بالسُّؤدد وجعل يردد هذا البيت ويبكي أسفًا؛ لخلو الزمان، وذهاب أهله حتى هتف باسمه، وقيل: فلان. وتوفي يوم السبت خامس عشرين شوال سنة سبع وخمسمائة ببغداد، ودفن مع الشيخ أبي إسحاق في قبر واحد. ومنهم: [٣٨] أسعد بن أبي نصر بن أبي الفضل الميهني، الفقيه الشافعي، مجد الدين، أبو الفتح (١) حاز الفخر الفخم والشرف الضخم، وارتد عنه كل مناظر، لا يبرز جوهره صدفة، ولا يجلي قمره سدفة بجدل ألزم للخصم من الظل، وأثبت في الصدر من الغل، وكان لا يزال خصيمه معه كلما كتب محا، وكلما صور دحا، وهو لا يستطيع معه إلا أن يصبر على مضض، ويبصر عن مرض، يرجو رواج بهرجه، وهو زيف، ويبدي التحكم، وهو ضيف، ويؤمل أن يقاوم حقيقة اليقظة وهو مجاز طيف. تفقه بمرو، ثم رحل إلى غزنة، واشتهر بتلك الديار، وشاع فضله، ثم ورد بغداد، وفوض إليه التدريس بالنظامية مرتين، وخرج إلى العسكر، فتولى غيره مكانه. وكان إمامًا مبرزًا في الفقه والخلاف، وله فيه «تعليقة» مشهورة، اشتغل عليه الناس، وانتفعوا به وبطريقته الخلافية. قال أبو سعد السمعاني في ذيله: قدم علينا من جهة السلطان محمود السلجوقي رسولًا إلى مرو، ثم توجه رسولًا إلى بغداد إلى همذان فتوفي به سنة سبع وعشرين وخمسمائة. قال السمعاني: سمعت أبا بكر محمد بن علي الخطيب يقول: سمعت فقيهًا من أهل قزوين - كان يخدم الإمام أسعد في أواخر عمره بهمذان - قال: كنا في بيت وقت

стр. 1901

أن قرب حاله، فقال لنا: اخرجوا عني من ها هنا، فخرجنا، فوقفت على الباب، وتسمعت فسمعته يقول ويلطم وجهه: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (١) وجعل يبكي ويلطم وجهه، ويردد هذه الكلمة إلى أن مات. ومنهم: [٣٩] محمد بن يحيى بن أبي منصور النيسابوري، محيي الدين، أبو سعد (٢) أستاذ المتأخرين وأوحدهم علمًا وزهدًا، وعُلًا حلّ ربي لا وهدًا. علا جده، ودنا رفده، وعرف به معنى الغزالي الذي ما حاكته خيوط الغمام، ولا حاكته لمع النجوم المدثرة في برد الظلام، وما مات أبو حامد حتى حمد منه خلفًا، وشيد للطلبة كنفًا، وأورد ما صفا، وجدد ما عفا، واطلع من خراسان بدرًا لا يسكن سدفًا، بل شمسًا اتخذت له في كل بيت بها شرفًا، فما أخلف له وعد، ولا خلد إلى حركة إلا كان فيها أبا سعد. تفقه على أبي حامد الغزالي وغيره، وبرع في الفقه، وصنف فيه وفي الخلاف، وانتهت إليه رئاسة الفقهاء بنيسابور، ورحل إليه الناس من البلاد، واستفاد منه خلق كثير صار أكثرهم سادة، وأصحاب طرق في الخلاف. وكان له حظ في التذكير، واستمداد من سائر العلوم، ودرس بنظامية نيسابور ثم درس بمدينة هراة بالنظامية.

стр. 1902

وحضر بعض فضلاء عصره درسه، وسمع فوائده، وحسن إلقائه، فأنشده: [من الوافر] رفات الدين والإسلام تحيا … بمحيي الدين مولانا ابن يحيى كأَنَّ اللهَ رَبَّ العرشِ يُلقي … عليه حين يُلقي الدرس وَحْيا ومن شعر أبي سعد المذكور: [من الطويل] قالوا يصيرُ الشَّعْرُ في الماءِ حَيّةً … إذا الشمس لاقته فما خِلْتُهُ صِدْقا فلمَّا ثوى صُدْغاهُ في ماء وجهِهِ … وقَدْ لَسَعَا قَلْبي تيقنتُه حَقًّا توفي شهيدًا في رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بنيسابور، ودس في التراب، وكان استشهاده في وقعة السلطان سنجر السلجوقي. ومنهم: [٤٠] أبو القاسم، عمر بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عكرمة (١)، المعروف بابن البرزي (٢)، الجزري، الفقيه الشافعي إمام جزيرة ابن عمر، زين الدين جمال الإسلام، ومال آمالي الأقلام، وزين الدين دين محمد ﵊. جَمَّل الإسلام باتساع علمه، وأوى الأمالي إلى شعاع فهمه، وزين الدين بالجوهر جوهر يمه، وأضاء في الليالي السالفة إضاءة القمر في تمه، وجاء في الأيام الذاهبة طرازًا لعصرها، وطرافًا ممدودًا على أبناء عمرها، ورادًا في حلبة السبق ما قابلته صافية العصور بعذرها.

стр. 1903

تفقه أولًا بالجزيرة، ثم رحل إلى بغداد، واشتغل على الكيا الهراسي، والغزالي، وصحب الشاشي، وأدرك جماعةً من العلماء، واستفاد منهم، ورجع إلى الجزيرة، ودرس بها، وقصد من البلاد الاشتغال بطريقته، وكان من العلم والدين في محل رفيع، كان أحفظ من بقي في الدنيا على ما يقال لمذهب الشافعي، وكان الغالب عليه المذهب، وانتفع به خلق كثير. مولده سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، وتوفي ثاني شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر سنة ستين وخمسمائة بالجزيرة، وما خلف مثله، وله تلامذة كثيرون. ومنهم: [٤١] عبد الله بن محمد بن هبة الله بن مطهر بن أبي عضرون التميمي (١)، الحديثي، ثم الموصلي الفقيه الشافعي، شرف الدين، أبو سعد ذو علم يهتدى بكوكبه، وعلم يقتدى بموكبه، وحلم رُدّي رداؤه على كبكبه،

стр. 1904

وعلاء قدر أخذ بلمة النجم، ولم يزاحمه بمنكبه، وتقدم في تلك الأيام والسيوف تنتضي، وديون الدين تقتضى، والخصم لا ينقاد إلا لحاكم الحتوف، ولا يذعن إلا لقضاء السيوف، فقوى الله به منة الإسلام وشدَّها، وأورف ظلال الأحكام ومدها، وطعن بخطيته الثغور فثغور العدا هتمها (١)، وثغور الإسلام سدها، وأقام الهيبة، فنكست الرؤوس، وعدم في مجلسة الهوى، وكثر الناموس. كان من أعيان الفقهاء، وفضلاء عصره، ومما سار ذكره، وانتشر أمره، قرأ في صباه القرآن الكريم، وتفقه، وقرأ الخلاف، وتوجه إلى واسط، فقرأ على قاضيها الشيخ أبي علي الفارقي، وأخذ عنه فوائد المذهب، ودرس بالموصل في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وأقام بسنجار مدة، ثم انتقل إلى حلب سنة خمس وأربعين، ثم قدم دمشق لما ملكها السلطان الشهيد نور الدين، ودرس بالزاوية الغربية من جامع دمشق المنسوبة إلى الإمام أبي حامد الغزالي، وتولى أوقاف المسجد، ثم رجع إلى حلب، وأقام بها، وصنف كتبًا كثيرة في المذهب، كل مصنف في عدة مجلدات، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، وتعين بالشام، وتقدم عند نور الدين الشهيد، وبنى له المدارس بحلب وحماة وحمص وبعلبك وغيرها، وتولى القضاء بسنجار ونصيبين وحران وغيرها. ثم ديار بكر ثم عاد إلى دمشق في سنة سبعين وخمسمائة، وتولى بها القضاء سنة ثلاث وسبعين عقيب انفصال القاضي ضياء الدين الشهروزري، ثم عُمي في آخر عمره قبل موته بعشر سنين، وابنه محيي الدين (ينوب عنه) وهو باق على القضاء، وصنف جزءًا من «جواز قضاء الأعمى» وهو على خلاف مذهب الشافعي. وذكر أبو الحسين العمراني صاحب كتاب «البيان» فيه وجهًا أنه يجوز وهو غريب. وكتب السلطان صلاح الدين بخطه من دمشق إلى القاضي الفاضل بمصر فصولًا من جملتها حديث الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون، وما حصل له من العمى، وأنه يقول: إن قضاء الأعمى، جائز وأن الفقهاء قالوا: إنّه غير جائز، فتجتمع بالشيخ أبي الطاهر بن عوف الإسكندراني، وتسأله عما ورد من الأحاديث في قضاء الأعمى هل يجوز أم لا، وبالجملة فلا شك في فضله.

стр. 1905

وقد أثنى عليه عماد الدين الكاتب في الخريدة، وقال: ختمت به الفتاوى، وذكر له شيئًا من شعره منه قوله: [من الطويل] أُؤَمِّلُ أنْ أحيا وفي كلِّ ساعةٍ … تمرُّ بي الموتَى تُهَزِّ نُعُوشُها وهل أنا إلا مثلهم غيرَ أنَّ لي … بقايا ليال في الزمان أعيشها وأورد أيضًا في الخريدة قوله: [من الطويل] أُؤَمِّلُ وصلًا من حبيب وإنَّني … على ثقة عما قليل أفارقة تجارى بنا خيل الحِمام كأنَّما … يُسابقني نحو الردى وأُسابقه فيا ليتنا متنا معًا ثم لمْ يَذْقُ … مرارةَ فَقْدي لا ولا أنا ذائقه وأورد أيضًا قوله: [من البسيط] يا سائلي كيف حالي بعدَ فُرقتِهِ … حَاشَاكَ ممَّا بقلبي مِنْ تَنَائِيكا قد أقسم الدمع لا يجفو الجُفونَ أَسى … والنوم لا زارها حتَّى أُلاقيكا وأورد له أيضًا: [من الطويل] وما الدَّهرُ إلا ما مَضَى وهوَ فائِتٌ … وما سوف يأتي وهو غير محصل وعيشك فيما أنتَ فيه فإنَّه … زمانُ الفتى مِنْ مُجْمَلٍ ومُفَصَّلِ ومولده يوم الاثنين ثاني عشرين ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة بالموصل، وتوفي ليلة الثلاثاء الحادي عشر من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة بدمشق، ودفن بمدرسته التي أنشأها داخل البلد، وهي معروفة به. ولما توفي ورد من القاضي الفاضل تعزية فيه جوابًا عن كتاب جاءه في ذلك، وهي: وصل كتاب الحضرة - جمع الله شملها، وسر بها أهلها، ويسر إلى الخيرات سبلها، وجعل في ابتغاء رضوانه قولها وفعلها - ومنه زيادة هي نقص الإسلام، وثلم في البرية تتجاوز رتبة الانثلام إلى الانهدام، وذلك ما قضاه الله من وفاة الإمام شرف الدين بن أبي عصرون ﵀، وما حصل بموته من نقص الأرض من أطرافها، ومن مساءة أهل الملة ومسرة أهل خلافها، فلقد كان علمًا للعلم منصوبًا، وبقية من بقايا السلف الصالح محسوبًا، وقد علم الله اغتمامي لفقد حضرته، واستيحاشي لخلو الدنيا من بركته، واهتمامي بما عدمته من النصيب الموفور من أدعيته. ومنهم:

стр. 1906

[٤٢] الخضر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلي، الفقيه الشافعي (١) فقيه فاضل، وإمام رب فواضل، وهمام لا يثبت له مناضل، له في العلم آثار بقيت بعده رياضًا وأشرقت إشراقًا لا إيماضًا، هذا إلى صدق سريرة، وحسن سيرة، وتقلل من الدنيا الكثيرة، وأخباره نَدُّ في الأندية، وعقد في الأسماء المصغية، تروى بكل لسان، وتوصف أوصاف الحسان، يحكى عن زمانه النضر، وفنونه التي لا تُحدِّث في أفنانها إلا عن الخضر. كان فقيهًا، فاضلًا، عارفًا بالمذهب، والفرائض والخلاف، اشتغل ببغداد على الكيا الهراسي وابن الشاشي، ولقي عدةً من مشايخها، ثم رجع إلى إربل وبنى بها له الأمير أبو منصور سرفتكين الزيني نائب صاحب إربل مدرسة القلعة سنة ثلاث وخمسمائة، ودرس فيها زمانًا، وهو أول من ذكر الدرس باربل. وله تصانيف حسان كثيرة في التفسير والفقه، وغير ذلك، وله كتاب ذكر فيه ستًا وعشرين خطبة للرسول ﷺ ، وكلها مسندة، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وكان رجلًا صالحًا زاهدًا، عابدًا ورعًا، متقللًا، ونفسه كان مباركًا. وقدم إلى دمشق، وأقام بها مدة، ثم رجع إلى إربل، وتوفي بها في رابع عشر جمادى الآخرة، سنة سبع وستين وخمسمائة، ودفن بمدرسته التي بالربض في قبة مفردة وقبره يزار. مولده سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ومنهم:

стр. 1907

[٤٣] محمد بن يونس بن محمد بن مالك بن محمد، عماد الدين، أبو حامد (١) رجل من رجال الشرع المطهر، وبطل من الفقهاء دونه البطل المشهر، عالم من العلماء، وعامل على طريق القدماء، طلب العلم طلبًا شرف قدره في الأنام، وشرد عن جفنه المنام، ومنع خده أن يستقر على وساد، وجنبه أن يلامس مضجعًا حتى شرف وساد، صحب الأيام على هذا الاجتهاد وقطع الليالي في هذا الجهاد، ولم يدع بحرًا ولا ثمادًا، ولا ربيعًا ولا جمادى، حتى حاز في السبق آمادا، ونصب للدين عمادا، وأتته وفود الطلب تمد مطيها الأعناق، وترد من جواهره بالأعلاق. كان إمام وقته في المذهب والأصول والخلاف، وله صيت عظيم، وقصده الفقهاء من البلاد الشاسعة للاشتغال، وتخرج عليه خلق كثير، صاروا كلهم أئمة مدرسين يشار إليهم. وكان مبدأ اشتغاله على أبيه بالموصل ثم توجه إلى بغداد، وتفقه بالنظامية، وعاد إلى الموصل، وخطب بالجامع المجاهدي، ودرس بها بمدارس، وصنف في المذهب، وتقدم في دولة نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل، تقدمًا كثيرًا، وتوجه عنه رسولًا إلى بغداد غير مرة، وإلى الملك العادل، وناظر في ديوان الخلافة في مسألة شراء الكافر للعبد المسلم في سنة ست وتسعين وخمسمائة، وولي القضاء

стр. 1908

بالموصل، وكان شديد الورع والتقشف، لا يلبس الثوب الجديد حتى يغسله، ولا يمسك قلم الكتابة إلا ويغسل يده، وكان دمث الأخلاق، لطيف الخلوة، ملاطفًا بحكايات وأشعار، وكان كثير المواظبة لنور الدين صاحب الموصل يرجع إليه في الفتاوى ويشاوره في الأمور، ولما توفي نور الدين سنة سبع وستمائة توجه إلى بغداد بسبب تقرير ولده الملك القاهر مسعود، فعاد وقد قضى الشغل، ومعه الخلعة والتقليد، فتوفرت حرمته عند القاهر أكثر مما كانت عند أبيه، وكان مكمل الأدوات، غير أنه لم يرزق سعادة في تصانيفه؛ فإنها ليست على قدر فضائله. وولد بقلعة إربل سنة خمس وثلاثين وخمسمائة في بيت صغير منها، ولما وصل إلى إربل في بعض رسائله، دخل ذلك البيت، وتمثل بالبيت المشهور وهو: [من الطويل] بلاد بها نِيطَتْ عليَّ تمائمي … وأولُ جِلْدٍ مَسَّ جِلْدِي ترابها وتوفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستمائة. وكان الملك المظفر صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عماد الدين في المنام بعد موته، فقلت له: ما مت؟ فقال: بلى ولكن مختترم. ومنهم: [٤٤] أحمد بن موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك الفقيه الشافعي، شرف الدين (١) جرى لشأو آبائه، ومضى على ما عرف من أنبائه، ومثلهم في المشاهد حضورًا، وفي المعاهد بدورًا، وأحلهم في المحافل صدورًا، فقاموا به من حفر اللحود، وقالوا فلم يستطع الخلق الجحود، فكان يفيت القمر اللائح، ويفيد العنبر الفائح، ويؤيد الشريعة المطهرة بتقريره لقواعدها، وإنجازه لمواعدها، ومحاماته عن جنابها

стр. 1909

غدت بشهبه محروسة السماء، مأنوسة الأرجاء في الظلماء، لا يختطف الخطفة منها مارد، ولا يزاد عن حياضها وارد. كان إمامًا كبيرًا، فاصلًا، عاقلًا، حسن السمت، جميل المنظر، شرح «التنبيه» فأجاد، واختصر إحياء علوم الدين للغزالي مختصرين كبيرًا وصغيرًا، فأحسن، وكان يلقي منه في جملة دروسه درسًا حفظًا، وكان كثير المحفوظات، غزير المادة وهو من بيت العلم والرئاسة والفضل، ويسبح على أموال والده في التفنن في العلوم، وتخرج عليه جماعة كثيرة، وتولى التدريس بإربل بمدرسة الملك المعظم، ثم انتقل إلى الموصل بعد أن حج ودرس بالقاهرية، وأقام بها ملازمًا للاشتغال والإفادة إلى أن توفي يوم الاثنين رابع عشرين ربيع الآخر سنة خمس وسبعين وستمائة، وكان من محاسن الوجود. ومنهم: [٤٥] عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن السلمي الدمشقي (١)، شيخ الإسلام، عز الدين، أبو محمد بحر لا حد له من أئمة الإسلام، وعلم لا يمكن تعريفه كبقية الأعلام، كان

стр. 1910

منتصرًا لمذهب أبي الحسن الأشعري منتصبًا لخصم خصمه الجري، شديد البغضاء لأهل التجسيم، قد أورثهم سل الأسقام، وسل عليهم الانتقام، وسلط عليهم التضييق في كل مقام، وكان سيفًا من وقف أمامه طرق، وسيلًا من جاء قدامه غرق، وناره لا تبوخ، وأرضه لا تسوخ، ورواشق سهامه لا تخطئ المواقع، وبوائق فكره لا تُحِل الأعداء إلا البلاقع، إلى أن دالت دولة الأشرف شاه أرمن موسى بن العادل، واستمر مريرها، وخضع منبرها له وسريرها، وكان يميل إلى هذه الخرقة، ويظن أنها المحقة، حتى أنست له أكثر حقوقه، وجرت مجرى الدم في عروقه، فأخذ في معارضته وتسكيت عارضته، ويأبى هو إلا أن يجري على غلوائه، ويسري على أضوائه، والأشرف قد أشرف في خلافه، وأشرف على إتلافه، إلا أن الله أنجده بالحصيري إمام الحنفية، فدخل على الأشرف القلعة، وهو على حماره، لم ينزل عنه إلا على فرش داره، وقام الملك الأشرف حتى كان هو الذي نزله، وتلقاه وبجله، ثم أجلسه مكانه، وبذل في كرامته إمكانه وأقبل عليه فرآه الأشرف قابلًا على ابن عبد السلام، قائلًا إنه على معتقده، وهو من دان دين الإسلام، فلم يسع الأشرف الرد عليه، ولا سلم بباطنه إليه فقوي ابن عبد السلام بعد أن وهن، وتكلم بعد أن سكت، وتراجعت سورة غضبه لربه، وترادت عزيمته إلى جهاده وذبه، وكان آخر حاله أنه نفي وكفوا همه وكفى. ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة أو في التي بعدها، وسمع حضورًا من أحمد بن حمزة بن الموازيني، وبركات بن إبراهيم الخشوعي، وسمع من عبد اللطيف بن أبي سعيد، والقاسم بن عساكر، وطائفة من المشايخ، ولم يكثر من السماع. حدث عنه الدمياطي، وابن دقيق العيد، وأبو الحسين اليونيني، وشهاب الدين بن فرج، والقاضي جمال الدين محمد بن سوم المالكي، وعلم الدين الدواداري، وخطيب حلب أبو عبد الله بن بهرام، والمصريون. وبرع في العربية والأصول، وبلغ رتبة الاجتهاد واخرج به الأصحاب، وانتهت إليه معرفة المذهب، مع الذكاء المفرط، وسعة المعرفة، وفقه النفس، والعبادة، والنسك، والقول بالحق المر، وقد ولي خطابة دمشق بعد الدولعي.

стр. 1911

قال الشريف عز الدين في الوفيات: حدث، ودرس، وأفتى، وصنف، وولي الحكم بمصر، مدة، والخطابة بجامعيها العتيق، وكان علم عصره في العلم، جامعًا لفنون متعددة عارفًا بالأصول والفروع والعربية، مضافًا إلى ما جبل عليه من ترك التكلف، والصلابة في الدين، وشهرته تغني عن الإطناب في وصفه. ولي الخطابة فلما تملك دمشق الملك الصالح إسماعيل، وأعطى الفرنج الشقيف وصفد تألم الشيخ، ونال من الصالح، وترك الدعاء له في الخطبة عمدًا، فعزله، واعتقله، ثم أطلقه. فنزح هو وابن الحاجب إلى مصر، فتلقاه السلطان نجم الدين، وبالغ في احترامه إلى الغاية، واتفق موت قاضي القاهرة شرف الدين ابن عين الدولة فولى بعده قاضي القضاة بدر الدين السنجاري ولي قضاء مصر نفسها، والوجه القبلي الشيخ عز الدين مع خطابة جامع مصر، فاتفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين بن الشيخ بنى بنيانًا على سطح مسجد بمصر، وجعل فيه طبلخاناه الصاحب، فأنكر الشيخ عز الدين ذلك، ومضى بجماعته، وهدم البناء، وعلم أن السلطان والصاحب يغضب من ذلك، فأشهد على نفسه بإسقاط عدالة معين الدين، وعزل نفسه عن القضاء، فعظم ذلك على السلطان، وقيل له: اعزله عن الخطابة، وإلا شنع على المنبر، كما فعل بدمشق فعزله، فأقام في بيته يشغل الناس، وكانت عند الأمير حسام الدين بن أبي علي شهادة تتعلق بالسلطان، فجاءه لأدائها، فنفذ يقول للسلطان: هذا ما أقبل شهادته، فتأخرت القضية، ثم أثبتت على السنجاري، وله أفعال من هذا الجنس محمودة، وقد رحل إلى بغداد، فأقام بها أشهرًا، وذلك في سنة سبع وتسعين. وكتب عبد الملك بن عساكر: إن الشيخ عز الدين لما ولي خطابة دمشق فرح به المسلمون، إذ لم يصعد هذا المنبر من مدة مديدة من هو في علمه وفتياه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، لقوة نفسه، وشدة تقوله، فأمات من البدع ما أمكنه، فغير ما ابتدعه الخطباء، وهو لبس الطيلسان للخطبة، والضرب بالسيف ثلاث مرات، وإذا قعد لم يؤذن إلا واحد وترك الثناء، ولزم الدعاء، وكانوا يقيمون للمغرب عند فراغ الآذان، فأمرهم بالتمهل، وكانوا في دبر كل صلاة يقولون: إنَّ الله وملائكته يصلون، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحديث. ولما مرض بعث الملك الظاهر يقول: عين مناصبك لمن تريد من أولادك، فقال: ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين، ففوضت إليه بعده.

стр. 1912

قال قطب الدين اليونيني (١): كان ﵀ مع شدته، فيه حسن محاضرة بالنوادر والأشعار، وكان يحضر السماع ويرقص ويتواجد مات في عاشر جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وشهد جنازته الملك الظاهر والخلق. وقال أبو شامة (٢): شيعه الخاص والعام، ونزل السلطان. قال: وعمل العزاء له في جامع العقيبة، وكان مقتصدًا في لباسه، تاركًا للتكبر، مقدمًا في العلم والعمل. ومن نظر في تصانيفه عرف قدره. ومنهم: [٤٦] محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر قاضي القضاة، ذو الفنون، شهاب الدين، أبو عبد الله ابن قاضي القضاة شمس الدين (٣)، أبو العباس الخُويي (٤) غمام لا ينزف من العلوم، ومنهل لكل طالب منه شرب يوم معلوم، جبل إذا استقرت الحلوم، ونار إذا جف ويبس حطب الظلوم، ولد ذلك الوالد الذي نشأت من

стр. 1913

بحره سحابه، وتلألأ من شمسه شهابه، وولي القضاء بالديار المصرية، ثم بالشام، فقرت به قرارته، وكان قمره الطالع، وداره دارتهن، ولاذت به الطلبة، فكمل نشأتها، وأحيا في ظلمة الليل ناشئها، ونوه بأهل الاستحقاق، ونول ما أزال الشقاق، وكان على كرمه ربما بخل، وضن وطالما وهب سجاياه الغمام ونحل. قال شيخنا ابن الزملكاني: لو لم يقدر الله أن ابن الخويي يجيء إلى دمشق لما جاء منا فاضل، وبه انتفع الجماعة ابن الوكيل، وابن الزملكاني، وابن الفركاح، وغيرهم، واشتغلوا عليه وأذن له بالفتوى، ثم كان ينبه عليهم، ويذكرهم بالعلم والفضيلة. ولد في شوال سنة ست وعشرين وستمائة، ونشأ بدمشق في صغره، ومات والده وله إحدى عشرة سنة، فبقي منقطعًا بالعادلية، ثم أدمن الدرس والسهر، والتكرار مدة بالمدرسة، وحفظ عدة كتب، وعرضها، وتنبه وتميز على أقرانه، وسمع في صغره من ابن اللتي، وابن المقير والسخاوي، وابن الصلاح، وأجاز له خلق من أصبهان، وبغداد، ومصر والشام، وخرج له تقي الدين عبيد الحافظ معجمًا حافلًا، وحدث بمصر، وصنف كتابًا كبيرًا في مجلد يحتوي على عشرين علمًا. وأجاز له عمر بن كرم، وأبو حفص السهروردي وابن منده، وهذه الطبقة، ولازم الاشتغال في كبره، وصنف، وشرح الفصول لابن معط، ونظم «علوم الحديث» لابن الصلاح، و «الفصيح لثعلب و كفاية المتحفظ» وشرح من أول «الملخص» للقابسي خمسة عشر حديثًا في مجلد. قال الذهبي: فلو تم هذا الكتاب لكان أكبر من التمهيد، وأحسن أبدي. وله مدائح نبوية، وكان من الأذكياء الموصوفين، وانتظار المصنفين، يبحث بتؤدة وسكينة، ويحب الذكي، وينوه باسمه، وكان حسن الأخلاق، حلو المجالسة، دينًا، متصونًا، صحيح الاعتقاد، يحب الحديث وأهله، ويقول: أنا من الطلبة. درس وهو شاب بالدماغية، ثم ولي قضاء القدس قبل هؤلاء، قال الذهبي: ثم انجفل إلى القاهرة، فولي قضاء القاهرة، والوجه البحري خاصة. اقتطع له من ولاية الوجيه البهنسي، وأقام البهنسي على قضاء مصر والوجه القبلي إلى أن توفي. قال أبو حيان: تولى القضاء بالمحلة من الغربية، ثم تولى قضاء القاهرة، وما ينسب إليها. انتهى. وتولى موضعه تقي الدين ابن بنت الأعز، ثم نقل الخويي إلى الشام، ومات

стр. 1914

الخضر السنجاري، فجمع قضاء الديار المصرية لابن بنت الأعز، ولما مات ابن الزكي بدمشق، نقل ابن الخويي إليها. سمع منه ابن الفرضي، والمزي، والبرزالي، والختني وغيرهما، وروى صحيح البخاري بالإجازة نوبة عكا، وسمع منه خلق. قال أبو حيان: سمعنا عليه مسند الدارمي. انتهى. وكان يعرف من العلوم التفسير، والأصولين، والفقه، والنحو، والخلاف، والمعاني والبيان، والحساب والفرائض، والهندسة. [وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي ﵀ قال: حججت، وكان من جملة الحاج في تلك السنة قاضي القضاة شهاب الدين الخويي، فلما كنا بالموقف، تذاكرنا ما ورد في فضل يوم عرفة، وما ينزله الله تعالى من الرحمة والمغفرة لأهل الموقف حتى ذكرنا حديث «من ذكرني في نفسه»، فقال القاضي شهاب الدين الخويي: ليت شعري هل ذكرنا بالملأ الأعلى، وإذا شخص ينادي على كتاب لا ندري ما هو، فقلت للخويي: ننظر في هذا الكتاب ما هو؟ ونأخذ منه فألًا في معنى ما نحن فيه، فدعونا الرجل، وأخذنا منه الكتاب، وفتحنا فيه فألًا، فإذا أول الصفحة اليمنى قول ابن الفارض (١): لي البشارة فاخلع ما عليك فقد … ذُكِرْتَ ثَمَّ على ما فيكَ مِنْ عوج فتأملنا الكتاب فإذا هو ديوان ابن الفارض، فخلع القاضي شهاب الدين الخويي ثياب إحرامه، ودفعها إلى الرجل الذي كان معه الكتاب، وسر سرورًا عظيمًا لم يكن مثله]. ومن شعره: [من الكامل] بِخَفِيّ لُطفِكَ كلَّ سوءٍ أَتَّقِي … فامنُن بإرشادي إليه ووفق أحسنت في الماضي وإني واثق … بك أن تجود عليَّ فيما قد بقي أنت الذي أرجو فما لي والورى … إنَّ الذي يرجُو سواك هو الشقي ومنه قوله: [من الكامل] أَمَّا سواك فبابَهُ لا أطرقُ … حَسْبِي كَريمٌ جُوده متدفّق ما إن يخاف بظل بابِكَ واقفٌ … ظِمًَا وبحر نداكَ طَامِ مُغْدِقُ

стр. 1915

بحبال جودك لا يزالُ تعلقي … ما خابَ يومًا مَنْ بها يتعلق بشرى لمَنْ أَضحى رجاؤُكَ كنزَهُ … ولهُ الوثوق بأنَّهُ لا يُملقُ ومنه: [من الطويل] وهَبْني ملكت الأرض طرًا ونلت ما … أنيل ابن داود مِنَ المالِ والمُلْكِ ألستُ أُخليهِ وأمْسِي مُسَلَّمًا … برُغمي إلى الأهوال في منزلٍ ضَنْكِ ومنه قوله في ذم الخمر: [من الكامل] أضحى على ترك المدام يلومني … فأَجَبتُهُ لمَّا أَطالَ مَلامِي العقل أنفس حِلْيَةٍ تكسو الفتى … فَخْرًا فكيف أزيلُهُ بحَرامِ ومنه قوله: [من المتقارب] هجرت المدامة إذ حُرِّمتْ … وما زلتُ مُغرى بهجرِ الحَرَامِ وأنفس ما للفتى عقلُهُ … فكيف يُزال بشربِ المُدَامَ ومنه قوله: [من الوافر] مساوي الخَمرِ لا تُحصى ولكن … سأذكر بعضها فاسمع مقالي حصولُ عُقوبةٍ وظهورُ سِرٌّ … وفقد بصيرة وذهاب مال ومنه قوله: [من البسيط] قالت: وقد أبصرت فضلي ومعرفتي … ما لي أراك بعين الفَقْرِ مَلْحُوظا فقلت: إنَّ الغني آلى وأقسم لا … يحنو على مَنْ غَدا بالعلم مَحْظُوظا فقالت: أبشر بعلم قد ظفرت به … فالمال يفنى ويبقى العلمُ مَحْفُوظا (١) ومنهم: [٤٧] أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، البرمكي، الإربلي (٢)، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو العباس، الشافعي أحنف وقته حلمًا، وشافعي زمانه علمًا، وحاتم عصره الذي لا يقاس به حاتم،

стр. 1916

وخاتم دهره الذي ختم به على الكرماء، ولم يفك له خاتم، من بقايا البرامكة الكرام، والسادة الذين لينوا جانب الدهر العرام، وكان زمنه مثال ذلك الزمان الذاهب، وعلى منوال ذلك الإحسان والمواهب، مع التخلق بتلك الخلائق التي كأنما بات يشب عنبرها، ويتخير من إكليل الثريا جوهرها بحلم ما دار بمثله معاوية سورة غضبه، ولا دارى بشبيهه أبو مسلم أشتات عَصَبه، وكرما ما داني السفاح غمامه، ولا دان به المأمون، وقد طلب الإمامة، هذا إلى أدب خف به الخفاجي، واستصغر الوليد والطائي، مع إتقان في ضبط الوقائع وحفظ البدائع، وتحقيق الأسماء، وتحرير النقل لكل ما تحت خيمة السماء. أحد علماء عصره المشهورين، وسيد أدباء دهره المذكورين. كان خبيرًا بعلم الأدب والنحو واللغة والعروض، حسن الشعر، عارفًا بالتواريخ، صحيح الذهن، كثير المروءة، وافر العقل، كامل الرئاسة، محبًا للفضائل وأهلها. ولي قضاء الشام عشر سنين، ثم انفصل وسافر إلى الديار المصرية، وأقام بها

стр. 1917

مدرسًا بالمدرسة الفخرية. وكان لا يزال يتشوق دمشق وأوطانها، ويتذكر أهلها وقطانها، وفي ذلك يقول: [من الخفيف] علاني عَنِ الشَّامِ بذِكْرِ … إِنَّ قلبي إليه بالأشواق مَثَّلَتْهُ الذِّكرى لعيني كأني … أتمشى هناك بالأحداق قال الكندي: إنّه حكى له أنه طلب بعد عمل هذين البيتين بخمسة أيام، وولي القضاء بدمشق، فرجع إلى الشام متوليًا، فاشتغل بقضاء القضاة ثلاث سنين، وانفصل، فأقام بدمشق مدرسًا معظمًا، مقصودًا إلى حين وفاته. وأول اشتغاله على ابن يونس شارح التنبيه مولده في ربيع الآخر سنة ثمان وستمائة بإربل، وحكى أنه كان في زمن صباه أيام اشتغاله بحلب يحب غلامًا بها كان في بعض الأحايين يغشاه، ويسل عليه سيوف حدقه، ولا يخشاه، فانقطع عنه مدة لم يستطع هو فيها أن يقصده لكشف خبره، ويتعرف ما الذي أوجب حجب قمره، فأتاه الغلام كالعاتب، فألفاه وهو في تقييد درسه يملي على كاتب، فقام إليه وعزم عليه أن يجلس إليه ساعة يقضي بها فائت نظره، ويقنع بها في الدنيا من وطره، فقال له: اقعد واشتغل في الفقه على ذلك، ولا تخدعني بمحالك فقال: [من البسيط] وماتغيَّرتُ عَنْ ذاك الوداد ولا … حالت الحالُ عَنْ عَهدي وميثاقي دَرْسِي غَرَامي بكمْ دَهْرِي أُكرِّرُهُ … فقد تفقّهتُ في وجدي وأشواقي فثنى ذلك الغزال جيده وولى، وقد أوقد النار في جوانحه وأصلي، وبقي مدة لا يزوره، ولا يأذن له، فيعود إليه سروره، فكتب إليه: ولما أن تفرقنا … وحالتْ نُوَبُ الدَّهرِ رأيتُ الشَّهد لا يحلُو … فما ظَنُّكَ بالصَّبْرِ فكان هذا معه سبب صلحه وعفوه عن ذنوبه وصفحه. وحكي أنه كان يهوى بعض أبناء الأمراء، ولا يزيده لائمة فيه غير الإغراء، ولا يزال يتتبع مظانه إذا ركب؛ ليرى قمره الطالع وجبينه، وكان ذا خال طبع الحسن عليه بطابع، ويتقصد المرور به، وهو في الموكب يترنح غصن قوامه، ويصمي جفنه القلوب برواشق سهامه، وذوائب شعره وراءه مجرورة وجلابيب أقبيته على النهار الساطع مزررة، حتى اشتهر أمره في حبه، وظهر عليه حتى كان يفضي إلى قضاء

стр. 1918

نحبه، فقال: [من الكامل] يا سادتي إنّي قنعتُ وحقكم … في حبّكم منكم بأَيْسَرِ مَطْلَبِ إن لم تجودوا بالوصالِ تعطفًا … وقصدتُمُ هجري وفَرْطَ تجنبي لا تحرموا عيني القريحةَ أنْ تَرَى … يوم الخميس جمالكم في الموكب لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي … ألقاهُ مِنْ كَمَدٍ إذا لم تركب لرحمتني ورثيت لي مِنْ حالةٍ … لولاك لمْ يَكُ حملها مِنْ مَذْهَبي ومِنَ البليةِ والرَّزيَّةِ أَنني … أقضي وما تدري الذي قد حَلَّ بي يا مَنْ كَلِفْتُ بِهِ فَعَذَّب مُهْجَتي … عطفًا على كَلِفِ الفؤادِ مُعَذَّبِ إن فاته منك اللقاء فإنَّه … يرضَى بلُقيا طيفك المُتأَوّبِ إن كنت تسمح للجفون بهَجْعَةٍ … فلقدْ أضرَّ بها ارتقاب الكوكب قسمًا بوَجْدي في الهوى وتحرُّقِي … وتحسُّرِي وتلهفي وتلهبي لو قلت لي جُدْ لي بروحك لم أقف … فيما أمرت وإن شككت فجرب مولاي هلْ مِنْ عطفةٍ تُصْغِي إلى … قصصي وطول شكايتي وتعتبي من بعد ذاك الأنس والإقبال قد … أصبحت عندك كالغريب الأجنبي قد كنت تلقاني بوجه باسم … واليوم تلقاني بوجهِ مُقَطَّبِ ما كان لي ذنب إليك سوى الأسى … فعلام تهجرني إذا لم أُذنب وإلى متى هذا الصدودُ وإِنَّهُ … لَيَطُولُ مِنْ هذا الصدود تعجبي وحياة وجهِكَ وهو بدر طالع … وسوادِ طرَّتِكَ التي كالغيهبِ وفتور مقلتك التي قد أذعنت … لجمال بهجتها عيونُ الرَّبْرَبِ وبياضِ مَبْسِمَكَ النَّقِي الواضح الـ … عذب الشهي اللؤلؤي الأشنب وبقامةٍ لكَ كالقضيب ركبْتُ مِنْ … أخطارها في الحُبِّ أصعبَ مَرْكَبِ لو لم أكن في رتبة أرعى لها … العهد القديم صيانة للمنصب لهتكت ستري في هواك ولذَّ لي … خَلَعُ العذار ولج فيك مؤنبي لكن خشيتُ بأن تقول عَوَاذلي … قدْ جُنَّ هذا الشيخ في هذا الصبي فاستر فديتك حرقةً قد قاربت … كشف القناع بحقِّ ذَيَّاك النبي لا تفضحن بحُبِّكَ الصَّبَّ الذي … جرَّعتَهُ في الحُبِّ أكدرَ مَشْرَبِ قد خانني صبري وضاقت حيلتي … وتقسَّمتْ فِكَري وعقلي قد سبي

стр. 1919

فانظر إليَّ برحمة أحيابها … وتُريحُ قلبي مِنْ غَرَامٍ مُتْعِبِ وحكي أن شجنًا له نزل بالغور شاتيًا، وكان له حبيبًا مواتيا، وكان له هناك نشب أطال مقامه، وأطاب في ليل تهامه منامه، وكان الغور قد تعجل حلة الربيع، ولبس رقيق سحابه اللاذ الرفيع، والشريعة قد أبهجت من جهاتها المذاهب الأربعة، وأصبحت مكانس الظباء غاباتها المشبعة، وكان ابن خلكان يخرج في كل يوم إلى جهة القبلة مسيرًا لمخبر يوافيه، أو خبر يخفف ما هو فيه، لعل يهب إليه رفقة رائحة، أو تهب عليه من الغور رائحة، وكان يسير ويقول: [من الكامل] أحبابنا بالغور طالَ فِراقُكُمْ … وتنكَرْتُ لمُحبِّكم أيامُهُ منوا على جفني القريح بهجعة … لعسَى تُمثلُكُمْ لَهُ أحلامه (١) وحكي أنه كان في موعد غلام يجيء إلى زيارته، وقعد ينتظر نزول قمره إليه من دارته، فطال المدى وما زاره، ولا زاد على أن أوقد في قلبه ناره، فقامت قيامته بانتظاره، ومضى أكثر الليل وما حظي بمزاره، فقام يطوف حول البركة إذ لا يقدر على أنه يطوف بربعه، وينظر إلى الماء ويكاد يغرقه بدمعه. هذا والشوق في أحشائه يضطرب، والساعات تمضي وحبيبه لا يدنو، ولا يقترب، وكان الغلام فوق أمل المقترح، وأحسن من الغزال لمن يلتمح، لا يشبه الغصن لين قامته، ولا يراه إلا من يئس من سلامته، فجعل يقول: [مجزوء الخفيف] أنا والله تالف … آيس مِنْ سَلامَتِي أو أرى القام التي … قد أقامت قيامتي ولم يزل يكررها حتى فتح الباب، وطلع عليه الصباح بوجهه المشرق، فانمحى صبغ الليل وانجاب، وبات وليت مثله كل عاشق يظفر بمواصلة الأحباب. وحكي أنه كان يهوى غلامًا من أبناء الملوك الشيركوهية، تبله غرامًا، وصير منامه عليه حرامًا، فكان يكثر الركوب إلى برزة، مظهرًا أن توجهه لزيارة المقام، وقصده المرور على باب الغلام، ولا يقدر له أن يراه، ولا يستطيع في دفع حبه أكثر من أنه واراه، فمر مرةً ببابه، وهناك رجال من أقربائه، فعرضوا عليه النزول عندهم من حر الهجير، وكان الزمان صيفًا يتوقد شراره، وشهر ناجر مثل التمام سراره، فثنى القاضي رجله ونزل، وكان هذا أكبر أمانيه وجل قصده ولأجله كان يطوف حول

стр. 1920

مغانيه، فلما قامت الظهيرة، وطاب النزول في الماء، نزلت الغلمان إلى نهر لتبترد بالماء، وتطلع في أفقه طلوع النجوم في السماء، وقد شدوا سود المآزر على بيض الروادف، فطرفوا الصباح بالظلماء، وانغمسوا في ماء النعماء، وذاك الغلام بينهم يسبح، وقد شخص إليه بصر القاضي فما يبرح، فنهاهم فقيه هناك، لم يلم العشق له بفؤاد. ولم يبت وهو يدري كيف تفتت الأكباد، فذبح القاضي بما جاء به من الاعتراض، وحال بينه وبين بوادر الأغراض، فزجر القاضي ذلك الفقيه المعترض، وسل عليه سيف عتبه الممض، ثم أقسم أنه لا قعد إن خرجوا من الماء ولا لبث ثم أنشأ يقول غير مكترث: [من الطويل] وسرب ظباء في غدير تخالعوا … بدور بأفق الماء تبدو وتغرب يقول خليلي والغرام مصاحبي … أمالك عن هذي الصبابة مَذْهَبُ وفي دمك المطلول خاضوا كما تَرَى … فقلتُ لهُ ذَرْهُمْ يَخُوضُوا ويلعبوا وحكي أنه مر مرة أخرى بعد ذلك بالمكان، لعله يرى ذلك الغصن في ذلك البستان، وكان قد سافر منه في بكرة ذلك النهار، وسار وترك من أثر موقده في قلب القاضي النار، فقال: [من البسيط] كأَنَّني يوم بانَ الحَيُّ عَنْ أَضَم … والقلبُ مِنْ سَطَواتِ البيتِ مَذْعُورُ ورقاء ظَلَّتْ لفقد الإلفِ ساجعةً … تبكي اشتياقًا عليه وهو مأسور يا جيرةَ الحَيِّ هَلْ مِنْ عَودَةٍ فَعَسى … يُفيقُ مِنْ سكرات الوجد مخمور إذا ظَفِرتُ مِنَ الدنيا بقربكم … فكلُّ ذنبٍ جناه الحب مغفور وحكي أنه كان قد دعي إلى وليمة عملت لبعض أبناء الأكابر في بستان، وقد أعرس، فلما أكل منها، ورش عليه من ماء الورد ركب، ولم ينظف يده، وكان يكره الزفر فرأى فقيهًا كانت له به خصوصية، وتحت ثيابه شيء يحمله، فسأله عما معه، فقال: ماء ورد فقال: اسكب على يدي منه، فتأبى، وألح القاضي عليه في إخراجه، وكان معه، فلما لم يجد الفقيه بدًا، أخرج ما معه فلما رآه القاضي، قال: ما هذا ويحك؟ فقال له الفقيه: يا مولانا ماء ورد إلا أنه لما رآك استحيا، فقال القاضي لعن الله من لا يستحي ثم تركه وسار. ومنهم:

стр. 1921

[٤٨] عبد الرحمن بن سباع بن ضياء الفزاري، البدري، الشافعي، الشيخ تاج الدين، أبو محمد، وأبو إبراهيم (١) إمام أنشأ غرس العلماء، وبث منهم في الأرض مثل النجوم في السماء، وأنجب غرسه، وثبت أسه. لم يبق إلا من اغترف من بحره، واعترف لبره، طبق البلاد علماء، وملا الجواد إليه ارتماء، وأوجب للخلائق إليه انتماء، واقتضى أن تومئ إليه الحقائق إيماء، وكان لا يعد عدد أتباعه، ولا يخالف في وجوب اتباعه، بعلم أيد بدين، وقرن بصلاح به أعين، وكان على هذا غاية في اللطف، ونهاية في الظرف، لو مزج الماء بصفاء خلقه لما تكدر، أو استعار النهار بياض سريرته لما تغير، كل هذا إلى كمال أدوات أنَّى صرف إليها النظر تحير، وصفات ما يعرف المرء اللبيب من محاسنها ما يتخير. قال فيه بعض المؤرخين: آخر علماء المسلمين، وعين أعيان مذهبه، ومن انتهت إليه رئاسة الشافعية بالشام، أقر له الموافق والمخالف بالتقدم، وغزارة العلم، وفقه النفس، وله التصانيف الحميدة، والتآليف المفيدة. تفقه على الإمام أبي محمد بن عبد السلام، وبرع في المذهب بروعًا تامًا، وكان تفقه قبله على ابن الصلاح، وقرأ الأصول والعربية، ونظر في الطريقة، وسمع

стр. 1922

الحديث من جماعة كابن الزبيدي وطبقته، وخرج له مشيخة عن مائة شيخ سمع عليهم، وجلس للإقراء من سنة أربعين وستمائة والانتفاع به متعد عام للخلق لاسيما الفتاوى التي ما كان وقته يخلو منها، وانتفع به جماعة بما درس وأفتى. مولده سنة أربع وعشرين وستمائة، وحين ولد ضاق صدر أبيه لما رأى في رجليه التغيير، وكان رجلًا صالحًا فرأى النبي ﷺ ، وهو يسأله عن ذلك ويبشره أن الناس ينتفعون بعلمه ورآه بعد موته رجل مقعد، وكان صاحبًا له، فشكا إليه، فقال له قم فاستيقظ، وقام كأن لم يكن به شيء. وتوفي الشيخ تاج الدين ﵀ ضحوة الاثنين خامس جمادى الآخرة سنة تسعين وستمائة. ومنهم: [٤٩] محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد القرشي، الأموي العثماني، الفقيه الشافعي، الإمام المفتن، أبو عبد الله صدر الدين ابن المرحل، ويعرف بابن الوكيل لأن أباه ولي وكالة بيت المال بالشام (١) إمام له نسب في قريش أعرق، وحسب في بني عبد شمس مثل الشمس أشرق وعلم لو أن البحر سطا بشبهه لأغرق، وفهم لو أن الفجر سطع نظيره لأحرق، وبيت طنب على المجرة، ومد رواقه فتلألأ بالمسرة، ونشر رايته البيضاء الأموية، وحولها ثغور الكواكب المفترة، وارتفع أن يقاس بنظير، واتضع والثريا تاج فوق مفرقه، والجوزاء تحته سرير، وهمة دون السماء لا يقصرها، وحكمة عن سبق القدماء لا يؤخرها، مع جبين وضاح، ويمين منها الكرم يستماح، وأدب أشهى من رشف الرضاب، وأحلى من رضا الحبائب الغضاب وخلق شرح الله له صدره، ومنح فضله أندية الرياض المخضرة، وصبر على نوائب ما برح الكريم يمني بصروفها، ويرمى بصنوفها، ويبيت قلبه المعنى قرى لضيوفها، ورعبه المخيَّل مقدمًا عنقه لسيوفها، وهو

стр. 1923

على صداء النوائب لا يزيد سيف ذهنه إلا صقالًا، ورحب صدره إلا احتمالًا، وكرم يده إلا بسط أنامل، وحط رحل لديه لأمل، وسعة نفس غرفت من بني عبد شمس، وهزة طرب لا تنكر لبقية أولئك العرب، وجرت له مع سلطاننا أيام سلطنة الأمراء عليه، وسلطنة المظفر بيبرس أمور هيجت عليه ساكن حنقه، ولججت به إلى موضع غرقه، وكان هو ذلك الوقت بمصر رأس تلك المجالس التي عقدت، ومبتدئ تلك الفتاوى التي عليه حقدت ومرتب تلك الأمور التي انتقدت، وناظم تلك القصائد التي كانت سبب تلك النيران التي عليه أوقدت، وأراد الصاحب ابن الخليلي، وهو إذ ذاك بطال أن يمسكه؛ ليتقرب به إلى السلطان، وأخذ هو الخبر، ففر وتردد رأيه في أي جهة يقصد، ثم حمل نفسه أهوالها، وقال إما عليها، وإما لها، وركب طريق البدرية حتى شارف قطيا والسلطان قد اشرف عليها، فأتى بكتمر الحاجب لصحبة سالفة له به، فعرفه بمجيئه، فقال: ليتك لا جئت، ثم لم يسعه إخفاء أمره، ولا خفاء ما أطل من بدره، فأمر السلطان بالتوكيل به ثم أمر بإحضاره فما كان إلا أن رآه وكلمه، وإذا بتلك البارقة وقد تجلت، وتلك الحفيظة قد ألقت ما فيها وتخلت، ومد يد ذلك الغيم، وقد تقشع، وحديد ذلك الغضب وقد تقطع، وذلك الحلم الناصري قد رقت حواشي أهدابه وراقت نواشي سحابه، فأمر بأن يكون في الصحبة مخلى السبيل، محمي القبيل، وأقيلت مواضي تلك الهفوة، وأقيمت مضاجع تلك الغفوة، ودخل مصر آمنًا، وأقام في الظل الناصري ساكنًا، ثم خرج إلى حلب على وظائف تولاها ومراتب وطئ بأخمصه أعلاها، ثم ذكره السلطان، أو ذكره بعض خواصه به فاستدعاه إيثارًا لقربه، فرتبت له رواتب، وعينت له مناصب، وأقام في الحضرة السلطانية عليها مرعي الجانب، مرمي المجانب. وأرسل إلى ملك العرب مهنا بن عيسى، فأجمل وفادته وأسماها، وأجزل إفادته وأسناها ثم كان بمصر مقامه، وبالسلطان وحاشيته التيامه، ما روع له سرب حتى أتاه حمامه. وفرغت منه أيامه. ودفن لدى شباك الشافعي ﵀ بالقرافة، وكانت وفاته بكرة الأربعاء عشرين ذي الحجة سنة عشرة وسبعمائة. ومولده في شوال سنة خمس وستين وستمائة بدمياط، ومنشؤه بدمشق، تفقه بأبيه، وبالشيخ شرف الدين بن المقدسي، وغيرهما، وسمع من القاسم الإربلي، والعامري، والمزني «صحيح مسلم»، وسمع من ابن علان «المسند» للإمام أحمد، وأفتى وله اثنتان وعشرون سنة، ودرس بالمدارس الكبار، وله صيت بين العلماء بالفضيلة، وتقدم عند الدولة والسلطان، وولي مشيخة الحديث بالأشرفية مدة، وحدث

стр. 1924

بجملة من صحيح مسلم بها. ثم نزح عن دمشق، وأقام بحلب مديدة، ثم انتقل إلى مصر وسكنها، وولي جهات كبارا. وكان ذكيًا، فطنًا، كثير الاشتغال، والنظر، والبحث، يعرف الفقه، والأصلين، والنحو، والطب، والأدب، وغير ذلك، وله شعر رائق، وأصحاب وتلامذة تأسفوا لفقده، وطووا الجوانح على أسى زاد في وقده، ومن تصانيفه كتاب «الأشباه والنظائر». ولما وصل خبر موته إلى دمشق، عُمِل عزاؤه تحت النسر، وصلى عليه صلاة الغائب في ثالث المحرم، ورثاه جماعة منهم علاء الدين بن غانم، والإمام نجم الدين القجفاري، ونجم الدين الصفدي (١). وكانت بينه وبين الأفرم - أيام نيابته بالشام - صداقة كشفت بينهما الوقار، وأرشفت تصافيهما العقار، حكى لي ابن الدقاق عنه: أن الأفرم استدعاه ليلة والليل جناحه ما نُسِل، وخضابه ما نصل، وفارسه المعلم ما نزع جوشنه، وأفقه المروض ما قلع سوسنه، وخصماء الطير خرس بعدما نطقت لها ألسنة، وسر الفجر ما جال في ضمير، وفرق الشرق ما شاب، والأدب في لمته القتير، وثوب الأفق ما ذر عليه الكافور، ولا نفض عنه العبير، فدخل عليه، وهيف الشمع تولول ألسنة نارها، وتعصب رؤوسها بتيجان نضارها، وقد أضاء بصباحها بهو الدار، وقمص سواد ذلك الليل بضيائها جلباب النهار، وقد دعى بالصبوح، وبطح زق قام عليه الراووق ينوح، وصفقت القناني وتصدرت الأواني واتفق البم والزير ورقص الطرب الزائر والمستزير، وقد دب شعاع الخمر في وجنه الساقي، وفاض على المجلس وألقى على الزجاج الباقي في حضرة ما حصلت في إشبيلية للمعتمد بن عباد، ولا للمقتدر بن أبي العباس في بغداد، ولا للأشرف شاه أرمن في ظواهر أخلاط، ولا لتميم أبي معد في مناظر الفسطاط، وهو بدمشق بالقصر الظاهري المشرف على الميادين المكتنف بالبساتين، المزرر عليه حبّ الغمام، المؤزر بديباج الرخام. وسقوفه تنقط ذهبًا، وتشعل فحمة الليل لهبًا، والشاذروان قد عُلّقت به سلاسل من فضة، وتساقطت عليه من الماء نجوم منقضه، والبركة قد أتلعت جيد نوفرة تتلقى ذلك الصب، وتومئ إليه بالتقبيل إيماء من أحب، فرأى ما قيد النظر، وقدد النهار في ذلك النهر، فدهش وقد تحفز نسيم السحر، واضطرب موج تلك الميادين في ضوء

стр. 1925

القمر، فلما حميت بها الحُمَيَّا، ابتدر، وقال قصيدة في صفة الخمر أنست أبا نواس، وشغلت كل الحواس، ومنها قوله: [من البسيط] ليذهبوا في ملامي أيَةً ذَهَبوا … في الخمرِ لا فضةٌ تبقى ولا ذَهَبُ لا تأسفَنَّ على مالٍ تُمَزّقه … أيدي سُقاةِ الطَّلا والخُرَّدُ العُرُبُ فما كَسَوَا راحتِي مِنْ راحِها حُللًا … إلا وعَرَّوا فُؤادي الهم واستلبوا راح بها راحتي في راحتي حَصَلَتْ … فتمَّ عُجْبي بها وازداد لي العجب وليست الكيميا في غيرها وُجِدَتْ … وكلُّ ما قيل في أبوابها كَذِبُ قيراط خمر على القنطار مِنْ حَزَنٍ … يُعيدُ ذلك أفراحًا وينقلب عناصر أربع في الكأس قد جُمعت … وفوقها الفَلَكُ السَّيَّارُ والشُّهُبُ ماء ونار هواء أرضها قدحٌ … وطَوقُها فَلَكُ والأَنْجُمُ الحَبَبُ ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل … بالخَمسِ تُمسَكُ لا يحلو بها الرَّهَبُ شَجَجْتُ بالماء منها الرأسَ مُوضحةً … فحين أعقِلُها بالخَمسِ لا عَجَبُ وأن أقطّب وجهِيَ حينَ تبسم لي … فعند بسط الموالي يُحفظ الأدب عاطيتها من بناتِ التُّركِ عاطيةً … لحاظها للأسود الغُلبِ قَدْ غَلَبوا مِنْ وجهها وثناياها وقامتها … تخشَى الأهلة والقضبانُ والكُتُبُ تحكي الثنايا التي أبدتهُ مِنْ حَبَبٍ … لقد حكيت ولكن فاتكِ الشَّنَبُ ومن شعره الذي نطق به، فأبان عن أنسابه، وأتى بالبيان ملء أهابه، قوله: [من الطويل] سرى وستور الهم بالكأس تُهْتَكُ … وساكِنُ وجدي بالغناء يُحَرَّكُ وأقسم لولا نار قلبي تَبَرْقَعَتْ … لها في الدياجي ما اهتدت كيفَ تَسلُكُ فعاطيتُهُ كأسًا فَحيًا بفضلِهِ … ومازج ذاك الكأس ريق ممسك ولما رأيتُ القوم بالكأسِ صُرَّعًا … وأن أبنة المطران بالقوم تفتك أرقتُ دم الراووق حلًا لأنَّني … رأيتُ صَليبًا فَوقَهُ فهو مُشْرِكُ وسالت دموع العين منه وكلّما … بكى بالدما مما جرى منه أضحك وزوجت بنتَ الكَرْمِ بابنِ سَحابة … فصح على التعليق والشرط أَمْلَكُ ومنه قوله: [من السريع] وعارض قد لام في عارضِ … وطاعن يطعن في سنّهِ

стр. 1926

وقائل قد طلعتْ ذَقْنُهُ … فقلتُ لا أُفكِرُ في ذَقْنِهِ ومنه قوله: [من مجزوء الخفيف] لي حبيب مكمَّلٌ … مِنْ سَنَى البدرِ أَوْجَهُ كلّما شاب ينحنِي … بَيَّضَ الله وجهُ ومنه قوله: [من الطويل] ولما جلا فصل الربيع مَحاسِنا … وصفَّقَ ماء النهر إذ غرد القمري أتاه النسيم الرطبُ رَقص دَوحَهُ … فنقَّطَ وجه الماء بالذهب المصري ومنه قوله: [من الكامل] عيرتني بالسقم طرفك مُشبةٌ … وكذاكَ خَصْرُك مثل جسمي ناحلا وأراك تشمَتُ إذ أتيتُكَ سائلًا … لا بدَّ أن يأتي عذارك سائلا ومنه قوله في مليح به، يرقان ذبل نرجسه، وفَتَّر جفنه، وأنعسه وازداد به طرفه سقامًا، ذهب به نصله، وذهب لا يعرف في غير القلوب فعله (١): [من المنسرح] رأيتُ في طرفه اصفرارا … سَبَى فؤادي فقلتُ مهلا أيا مليك الأنامِ حُسْنًا … العفو من سيفكَ المُحَلَّى ومنه قوله: [من الكامل] قد جرد الهندي من لحظاتِهِ … وتعلَّمَ الخطيُّ مِنْ خَطَراتِهِ ياخجلة الأغصان مِنْ أعطافه … وفضيحة الغزلان من لفتاته أبدى الذؤابة والقوامَ فلا تَسَلْ … عَنْ بانِ نَعمان وعَنْ عَذَباتِهِ أرجو وأحذر قربه وبعادَهُ … فالقلبُ بين حياته ومماته ومنه قوله: [من الكامل] أقصى مُرادي أن أمر على الحِمَى … ويلوحَ نَوْرَ رِياضِهِ ويَفُوحُ حتى أُري سُحُبَ الحمى كيف البكا … وأعلم الورقاء كيف تنوح ومنه قوله في مليح يلقب بالحامض: [من الخفيف] وبديع الجمال معتدل القا … مة كالغُصْنِ والقَنا الأُمْلُودِ لقبوه بحامض وهوَ حُلو … قولَ مَنْ لم يصل إلى العنقود

стр. 1927

ومنه قوله: [من الكامل] غازل وخذ مِنْ نرجس مِنْ لحظه … منثور دمع كُلُّهنَّ نظامُ واحذر إذا بعث السلام إليكَ مِنْ … نَبْتِ العِذارِ فَإِنَّهُ نَمَّامُ ومنه قوله: [من الوافر] تغنت في ذرى الأوراقِ وُرْقٌ … ففي الأفنان مِنْ طَرَبٍ فُنُونُ وكم بَسَمَتْ ثغور الزهرِ عُجبًا … وبالأكمام قدْ رَقصتْ غُصُونُ ومنه قوله: [من الكامل] واصل كؤوسكَ لا أريد فراقها … فلقد رأت عيني المدام فراقها إنَّ الذي جعل الهُمُومَ عَقاربًا … جعلَ السُّلاف حقيقة درياقها لمْ يُصلب الراووق إلا عندما … قطع الطريق على الهموم وعاقها ومعنفي في الخمر لو قد ذاقها … لم يلحني لكنه ما ذاقها ومنه قوله: [من الطويل] وبي مَنْ قسا قلبًا ولان معاطفًا … إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي أقر برقٌ إذ أقول أنا له … وكم قالها أيضًا ولكن لتهديدي ومنه قوله: [من البسيط] يا ناقضًا عهده من غير ما سبب … إلا لكوني أراعي عهد من خانا يقول قلبكَ طُور قلتُ لا عَجَبُ … مِنْ جانبِ الطُّور قد أنست نيرانا وحكى لي ثقات من أصدقائه أنه كان يكتم هوى بعيد مزاره، قريب اذكاره، ومن دونه بحر من السراب متأق، وبيداء لا تجتازها من الريح سملق، وليل لا تبدو النار في سواده، وطود لا ترسى الأرض إلا بأوتاده، والنهار لا يتوضح، والدهر ليل كله ليس يبرح، وعينه قد غار دمعها، فما له قرار، وجفا الغمض أجفانها القصار، والنجوم لا تغور كأنما مسخ فيها النهار، قد كتم الفجر منها الخفاء، وعدم الصباح كأنه جود أو وفاء، وهو في شغل بليلى وهي في شغل بسواه، لا يميل غصنها لهواه، لاهية عن شؤونه، ساهية عما يحمل منها على عيونه، لا يرثي طرفها النائم لطرفه الساهر، ولا يعرف ما فعل الدمع بالناظر، فلم يكن له إلا أن يخاطب إيماض البرق على دارها، ويجاذب عطف الصبا لازديادها، وفي بعض شجونه وهواه بها وجنونه، قوله: [من الطويل] ألا هل صَبًا أو بارقٌ باتَ مَوْهِنًا … على دار ليلى والنفايف دونها

стр. 1928

يبلِّغُ عينيها تحية ناظر … أعار الغوادي المُعصراتِ جُفُونَها يبيتُ على جمرٍ يَشِبُّ بذكرِها … ويكتُمُ ما يلقى يخافُ ظنونها يُرَاعُ لبرق بالثنايا كأنَّما … عليه سيوف الهندِ هَزَّتَ مُتونها لئن غاب عنكمْ حُسْنُ ليلى وحيها … فها فانظروا مجنونها وجُنُونَها وحدثت عمن كان يطرح معه المؤونة، ويبوح إليه بأسراره المصونة، أنها جاءت مرةً إليه، وقلب البرق يخفق غيرةً عليها، وعين النجم تنظر شزرًا إليها، في ليلة ما لها سحر، ولا لآخرها عنده خبر، قد قصرها منادمة الحبيب، ومداومة الوصال على قلع عين الرقيب. مرت وهي حلوة المذاق، كأنها قبلة على حذر، يدفع في صدرها يد السحر، وتولت قصيرة كالنظر المخلوس، غزيرة بنور الكؤوس، قد حسنت كأنها يوم أغر، وحسبت أنها في مقلة الدهر حور، ثم أعقبها وقت للسرور فيه نمو، ويوم كأن العشى فيه غدو في مجلس لم يلو فيه على الذنوب، ولا يذود العفاف به هوى في القلوب، وقد شوشت الريح طرة الورد، وجمعت أصابع المنثور قرصة البرد، وهلال الصيام قد لاح نضوا، وأومئ للسجود إذ جاءه سهوًا، فنعم بليلة ويوم ما شاب صفوهما تكدير، ولا دب ليومها عذار، ولا في مفرق ليلها قتير، لكنهما انقضيا وما منهما إلا أضوأ وأقصر من ذبالة، وأماله حتى طال النهار وأجفلت الغزالة، فقال: [من الكامل] سمح الزمان وكان جدَّ شحيحٍ … مِنْ بعد ما مت عادت روحي جاءت ومسح الليل أسودُ مُسْبَلٌ … لا شك قد وافي إلي مسيحي أحييتُ فيها ليلتي وحييتها … هي قبلتي وبثغرها تسبيحي وبقيتُ يومي كله متمتعًا … وبها غَبُوقي المشتهى وصبوحي حتى إذا ما اليوم ولى طائرًا … ولتْ ولكن خلفت تبريحي وحدثت عنهم أنهم دخلوا عليه يومًا، وقد خطرت على خاطره نسمة من ذكرها، أجرت دموعه حتى فاضت على نحره، وأسبلت البكاء حتى غرق إنسان عينه في بحره، فقالوا له: أيها الرجل مهلًا على غربك، ورفقًا لا يذهب البكاء بقلبك، فازداد بكاؤه إلى أن قالوا: حصاة كبده تفتت، وظنوا أن جُملة صبره تشتتت، فبقوا يحدثونه، ولا تحدثهم إلا زفراته القائلة، وينادونه ولا تجيبهم إلا عبراته السائلة، فلما هموا بالانصراف كف بعض ذلك الإسراف. قوله: [الطويل] أخفيتُ حبَّكَ عَنْ جميع جوانحي … فوشت عيوني والوشاة عيون

стр. 1929

وَوَدِدْتُ أنَّ جوانحي وجوارحي … مُقلِّ تَرَاكَ وما لَهُنَّ جُفُونُ وَوَدِدْتُ دَمُع الخافقين لمقلتي … حتى غزير الدمع فيك يهون يا ليت قيسًا في زمانِ صَبَابتي … حتى أريهِ العشق كيف يكون ومنه قوله: [من الطويل] أبُثُّكَ أنَّ المرء للقبرِ صائرُ … فَلِمْ أنتَ عَنْ داعي المدامة صابر أجبْ واستمع مِنْ راهبِ الدَّيرِ واستمع … ومِلْ طَرَبًا لمَّا تَرِنَّ المَزاهِرُ ورو بها لحمي وعظمي ورمَّتي … وقبري وأكفاني فما لك عاذر أمزّق مالي والمدام أصونها … أرى الجوهر الأعراض وهي جواهر أُدخّرُها للهم والغم إنما … تفيد لأرباب الرزايا الذخائر وسم الحميا نقطة وهي نقطةٌ … وقُطْبُ سروري حين تُبلى السرائر ومنه قوله: [من الخفيف] قال لي مَنْ أُحبُّ والبدر يبدو … من خلال السحابِ ثُمَّ يغيب: ما حكى البدر قلتُ: وَجْهَكُ لما … يختفي عندما يلوح الرقيب ومنه قوله: [من السريع] يا حبل ودي قط لا تنقطع … فقلبُهُ قدر مما جرى أما تَرَى الحَبْلَ بتكراره … الصخرة الصماء قد أثرا ومنه قوله: [من الطويل] يقولون لي كم ذا كَلِفْتَ بأحولٍ … يقلِّبُ بالزوجين قلت لهم عُذرا رأت كلُّ عينٍ حُسْنَ أوصاف أختها … فغارت فطول الدهر تنظرها شزْرا [ومنه قوله]: [من الطويل] وَصِيَّرتُ بَدرَ التم مُدْ غابَ مُؤْنِسي … أنيسي وقلت البدر منه قريب فَحَجَّبَهُ عني الظلام بذيلِهِ … فواعجبًا حتى الظلام رقيب ومنه قوله مما يكتب على كمران: [من الطويل] بلغت مقامًا ما تَأَنَّى لعاشق … حُسِدْتُ لهُ مِنْ بين كل الخلائق أدور على خصر نحيل وطالما … غدوتُ على رِدْفٍ ولست بفاسقِ ومن أجل أني ليس بيني حائل … وبين حبيبي فُقْتُ كل المناطق ولا يدعي العشاق حالي فإنَّني … نَحيلٌ مُعنَّى مُثقل بالعلائق

стр. 1930

ومنه قوله: [من السريع] عجبتُ مِنْ قلبِ مُعنَّاهُمُ … على جَفَاهُمْ كَيفَ يَهواهُمُ راهم في الحب أهلًا فما … أحبُّ في الأكوان إلا هُمْ ومنه قوله: [من الرجز] زند المُدام في الكؤوس قَدْ قَدَحْ … لما رأى زَهْرَ الرياض قَدْ قَدَحْ فاصدع بأوتار الجنوكِ حزنًا … قَدْ طُيِّرَ المنام فالطير صدح واستحل بنتَ الكَرْمِ لِلشَّربِ ففي … طلاقها كَدَّ عَذُولي وكَدَحْ راحًا بها الأعمى يرى معَ العَمَى … وهاكَ بُرهانًا على هذي المدح الخمر للأقداح قلب دائمًا … والحَدَقَ انظرها تجد قلب القَدَح ومنه قوله: [من المتقارب] عقود الحساب كيوم الحسابِ … فَمَنْ قَلَّ وقرأ سما في المعالي كذاك اليمين لها ما يَقِلُّ … وعقد الكثير نصيب الشمال ومنه قوله: [من المتقارب] فَرَغْتُ بكُمْ عَنِ الأكوانِ لمَّا … شُغِلتُ بحبِّكُمْ عَنْ كُلِّ شُغْلِ وأجمعت القلوب على هواكم … فها أنا سالم مِنْ كُلِّ عَذْلَ ومنه قوله: [من المتقارب] أعِنِّي على ما دهاني أعِنِّي … فإني رميت بريم أَغَنٌ إذا قلت ثغرك صُنْ باللثام … يقولُ سيحميه صارم جفني وإن قلت قد صارَ مِنْ فتكه … كليلًا فللقطف تُدلي وللحَتْفِ تُدْني ولا تخشَ مِنْ لَهَبٍ فيهما … فنيرانُ خَدِّيَ جَنَّاتُ عَدْنِ ومنه قوله: [من السريع] كأنما البرقُ خلال السماء … مِنْ فَوقِ غيم ليس بالكابي طراز تبر في قَبًا أزرق … مِنْ تحته فروه سنجاب ومنه قوله في عمر الذهبي: [من المنسرح] ولائم لامني على عُمر … وقال لي: قدْ غَلِطتُ بالعربي كم في الورى مثله فقلتُ له: … وأيُّ شيءٍ يكون كالذَّهَبي
следующие страницы →