وقائل قد طلعتْ ذَقْنُهُ … فقلتُ لا أُفكِرُ في ذَقْنِهِ
ومنه قوله: [من مجزوء الخفيف]
لي حبيب مكمَّلٌ … مِنْ سَنَى البدرِ أَوْجَهُ
كلّما شاب ينحنِي … بَيَّضَ الله وجهُ
ومنه قوله: [من الطويل]
ولما جلا فصل الربيع مَحاسِنا … وصفَّقَ ماء النهر إذ غرد القمري
أتاه النسيم الرطبُ رَقص دَوحَهُ … فنقَّطَ وجه الماء بالذهب المصري
ومنه قوله: [من الكامل]
عيرتني بالسقم طرفك مُشبةٌ … وكذاكَ خَصْرُك مثل جسمي ناحلا
وأراك تشمَتُ إذ أتيتُكَ سائلًا … لا بدَّ أن يأتي عذارك سائلا
ومنه قوله في مليح به، يرقان ذبل نرجسه، وفَتَّر جفنه، وأنعسه وازداد به طرفه سقامًا، ذهب به نصله، وذهب لا يعرف في غير القلوب فعله (١): [من المنسرح]
رأيتُ في طرفه اصفرارا … سَبَى فؤادي فقلتُ مهلا
أيا مليك الأنامِ حُسْنًا … العفو من سيفكَ المُحَلَّى
ومنه قوله: [من الكامل]
قد جرد الهندي من لحظاتِهِ … وتعلَّمَ الخطيُّ مِنْ خَطَراتِهِ
ياخجلة الأغصان مِنْ أعطافه … وفضيحة الغزلان من لفتاته
أبدى الذؤابة والقوامَ فلا تَسَلْ … عَنْ بانِ نَعمان وعَنْ عَذَباتِهِ
أرجو وأحذر قربه وبعادَهُ … فالقلبُ بين حياته ومماته
ومنه قوله: [من الكامل]
أقصى مُرادي أن أمر على الحِمَى … ويلوحَ نَوْرَ رِياضِهِ ويَفُوحُ
حتى أُري سُحُبَ الحمى كيف البكا … وأعلم الورقاء كيف تنوح
ومنه قوله في مليح يلقب بالحامض: [من الخفيف]
وبديع الجمال معتدل القا … مة كالغُصْنِ والقَنا الأُمْلُودِ
لقبوه بحامض وهوَ حُلو … قولَ مَنْ لم يصل إلى العنقود
стр. 1927
ومنه قوله: [من الكامل]
غازل وخذ مِنْ نرجس مِنْ لحظه … منثور دمع كُلُّهنَّ نظامُ
واحذر إذا بعث السلام إليكَ مِنْ … نَبْتِ العِذارِ فَإِنَّهُ نَمَّامُ
ومنه قوله: [من الوافر]
تغنت في ذرى الأوراقِ وُرْقٌ … ففي الأفنان مِنْ طَرَبٍ فُنُونُ
وكم بَسَمَتْ ثغور الزهرِ عُجبًا … وبالأكمام قدْ رَقصتْ غُصُونُ
ومنه قوله: [من الكامل]
واصل كؤوسكَ لا أريد فراقها … فلقد رأت عيني المدام فراقها
إنَّ الذي جعل الهُمُومَ عَقاربًا … جعلَ السُّلاف حقيقة درياقها
لمْ يُصلب الراووق إلا عندما … قطع الطريق على الهموم وعاقها
ومعنفي في الخمر لو قد ذاقها … لم يلحني لكنه ما ذاقها
ومنه قوله: [من الطويل]
وبي مَنْ قسا قلبًا ولان معاطفًا … إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقر برقٌ إذ أقول أنا له … وكم قالها أيضًا ولكن لتهديدي
ومنه قوله: [من البسيط]
يا ناقضًا عهده من غير ما سبب … إلا لكوني أراعي عهد من خانا
يقول قلبكَ طُور قلتُ لا عَجَبُ … مِنْ جانبِ الطُّور قد أنست نيرانا
وحكى لي ثقات من أصدقائه أنه كان يكتم هوى بعيد مزاره، قريب اذكاره، ومن دونه بحر من السراب متأق، وبيداء لا تجتازها من الريح سملق، وليل لا تبدو النار في سواده، وطود لا ترسى الأرض إلا بأوتاده، والنهار لا يتوضح، والدهر ليل كله ليس يبرح، وعينه قد غار دمعها، فما له قرار، وجفا الغمض أجفانها القصار، والنجوم لا تغور كأنما مسخ فيها النهار، قد كتم الفجر منها الخفاء، وعدم الصباح كأنه جود أو وفاء، وهو في شغل بليلى وهي في شغل بسواه، لا يميل غصنها لهواه، لاهية عن شؤونه، ساهية عما يحمل منها على عيونه، لا يرثي طرفها النائم لطرفه الساهر، ولا يعرف ما فعل الدمع بالناظر، فلم يكن له إلا أن يخاطب إيماض البرق على دارها، ويجاذب عطف الصبا لازديادها، وفي بعض شجونه وهواه بها وجنونه، قوله: [من الطويل]
ألا هل صَبًا أو بارقٌ باتَ مَوْهِنًا … على دار ليلى والنفايف دونها
стр. 1928
يبلِّغُ عينيها تحية ناظر … أعار الغوادي المُعصراتِ جُفُونَها
يبيتُ على جمرٍ يَشِبُّ بذكرِها … ويكتُمُ ما يلقى يخافُ ظنونها
يُرَاعُ لبرق بالثنايا كأنَّما … عليه سيوف الهندِ هَزَّتَ مُتونها
لئن غاب عنكمْ حُسْنُ ليلى وحيها … فها فانظروا مجنونها وجُنُونَها
وحدثت عمن كان يطرح معه المؤونة، ويبوح إليه بأسراره المصونة، أنها جاءت مرةً إليه، وقلب البرق يخفق غيرةً عليها، وعين النجم تنظر شزرًا إليها، في ليلة ما لها سحر، ولا لآخرها عنده خبر، قد قصرها منادمة الحبيب، ومداومة الوصال على قلع عين الرقيب. مرت وهي حلوة المذاق، كأنها قبلة على حذر، يدفع في صدرها يد السحر، وتولت قصيرة كالنظر المخلوس، غزيرة بنور الكؤوس، قد حسنت كأنها يوم أغر، وحسبت أنها في مقلة الدهر حور، ثم أعقبها وقت للسرور فيه نمو، ويوم كأن العشى فيه غدو في مجلس لم يلو فيه على الذنوب، ولا يذود العفاف به هوى في القلوب، وقد شوشت الريح طرة الورد، وجمعت أصابع المنثور قرصة البرد، وهلال الصيام قد لاح نضوا، وأومئ للسجود إذ جاءه سهوًا، فنعم بليلة ويوم ما شاب صفوهما تكدير، ولا دب ليومها عذار، ولا في مفرق ليلها قتير، لكنهما انقضيا وما منهما إلا أضوأ وأقصر من ذبالة، وأماله حتى طال النهار وأجفلت الغزالة، فقال: [من الكامل]
سمح الزمان وكان جدَّ شحيحٍ … مِنْ بعد ما مت عادت روحي
جاءت ومسح الليل أسودُ مُسْبَلٌ … لا شك قد وافي إلي مسيحي
أحييتُ فيها ليلتي وحييتها … هي قبلتي وبثغرها تسبيحي
وبقيتُ يومي كله متمتعًا … وبها غَبُوقي المشتهى وصبوحي
حتى إذا ما اليوم ولى طائرًا … ولتْ ولكن خلفت تبريحي
وحدثت عنهم أنهم دخلوا عليه يومًا، وقد خطرت على خاطره نسمة من ذكرها، أجرت دموعه حتى فاضت على نحره، وأسبلت البكاء حتى غرق إنسان عينه في بحره، فقالوا له: أيها الرجل مهلًا على غربك، ورفقًا لا يذهب البكاء بقلبك، فازداد بكاؤه إلى أن قالوا: حصاة كبده تفتت، وظنوا أن جُملة صبره تشتتت، فبقوا يحدثونه، ولا تحدثهم إلا زفراته القائلة، وينادونه ولا تجيبهم إلا عبراته السائلة، فلما هموا بالانصراف كف بعض ذلك الإسراف. قوله: [الطويل]
أخفيتُ حبَّكَ عَنْ جميع جوانحي … فوشت عيوني والوشاة عيون
стр. 1929
وَوَدِدْتُ أنَّ جوانحي وجوارحي … مُقلِّ تَرَاكَ وما لَهُنَّ جُفُونُ
وَوَدِدْتُ دَمُع الخافقين لمقلتي … حتى غزير الدمع فيك يهون
يا ليت قيسًا في زمانِ صَبَابتي … حتى أريهِ العشق كيف يكون
ومنه قوله: [من الطويل]
أبُثُّكَ أنَّ المرء للقبرِ صائرُ … فَلِمْ أنتَ عَنْ داعي المدامة صابر
أجبْ واستمع مِنْ راهبِ الدَّيرِ واستمع … ومِلْ طَرَبًا لمَّا تَرِنَّ المَزاهِرُ
ورو بها لحمي وعظمي ورمَّتي … وقبري وأكفاني فما لك عاذر
أمزّق مالي والمدام أصونها … أرى الجوهر الأعراض وهي جواهر
أُدخّرُها للهم والغم إنما … تفيد لأرباب الرزايا الذخائر
وسم الحميا نقطة وهي نقطةٌ … وقُطْبُ سروري حين تُبلى السرائر
ومنه قوله: [من الخفيف]
قال لي مَنْ أُحبُّ والبدر يبدو … من خلال السحابِ ثُمَّ يغيب:
ما حكى البدر قلتُ: وَجْهَكُ لما … يختفي عندما يلوح الرقيب
ومنه قوله: [من السريع]
يا حبل ودي قط لا تنقطع … فقلبُهُ قدر مما جرى
أما تَرَى الحَبْلَ بتكراره … الصخرة الصماء قد أثرا
ومنه قوله: [من الطويل]
يقولون لي كم ذا كَلِفْتَ بأحولٍ … يقلِّبُ بالزوجين قلت لهم عُذرا
رأت كلُّ عينٍ حُسْنَ أوصاف أختها … فغارت فطول الدهر تنظرها شزْرا
[ومنه قوله]: [من الطويل]
وَصِيَّرتُ بَدرَ التم مُدْ غابَ مُؤْنِسي … أنيسي وقلت البدر منه قريب
فَحَجَّبَهُ عني الظلام بذيلِهِ … فواعجبًا حتى الظلام رقيب
ومنه قوله مما يكتب على كمران: [من الطويل]
بلغت مقامًا ما تَأَنَّى لعاشق … حُسِدْتُ لهُ مِنْ بين كل الخلائق
أدور على خصر نحيل وطالما … غدوتُ على رِدْفٍ ولست بفاسقِ
ومن أجل أني ليس بيني حائل … وبين حبيبي فُقْتُ كل المناطق
ولا يدعي العشاق حالي فإنَّني … نَحيلٌ مُعنَّى مُثقل بالعلائق
стр. 1930
ومنه قوله: [من السريع]
عجبتُ مِنْ قلبِ مُعنَّاهُمُ … على جَفَاهُمْ كَيفَ يَهواهُمُ
راهم في الحب أهلًا فما … أحبُّ في الأكوان إلا هُمْ
ومنه قوله: [من الرجز]
زند المُدام في الكؤوس قَدْ قَدَحْ … لما رأى زَهْرَ الرياض قَدْ قَدَحْ
فاصدع بأوتار الجنوكِ حزنًا … قَدْ طُيِّرَ المنام فالطير صدح
واستحل بنتَ الكَرْمِ لِلشَّربِ ففي … طلاقها كَدَّ عَذُولي وكَدَحْ
راحًا بها الأعمى يرى معَ العَمَى … وهاكَ بُرهانًا على هذي المدح
الخمر للأقداح قلب دائمًا … والحَدَقَ انظرها تجد قلب القَدَح
ومنه قوله: [من المتقارب]
عقود الحساب كيوم الحسابِ … فَمَنْ قَلَّ وقرأ سما في المعالي
كذاك اليمين لها ما يَقِلُّ … وعقد الكثير نصيب الشمال
ومنه قوله: [من المتقارب]
فَرَغْتُ بكُمْ عَنِ الأكوانِ لمَّا … شُغِلتُ بحبِّكُمْ عَنْ كُلِّ شُغْلِ
وأجمعت القلوب على هواكم … فها أنا سالم مِنْ كُلِّ عَذْلَ
ومنه قوله: [من المتقارب]
أعِنِّي على ما دهاني أعِنِّي … فإني رميت بريم أَغَنٌ
إذا قلت ثغرك صُنْ باللثام … يقولُ سيحميه صارم جفني
وإن قلت قد صارَ مِنْ فتكه … كليلًا فللقطف تُدلي وللحَتْفِ تُدْني
ولا تخشَ مِنْ لَهَبٍ فيهما … فنيرانُ خَدِّيَ جَنَّاتُ عَدْنِ
ومنه قوله: [من السريع]
كأنما البرقُ خلال السماء … مِنْ فَوقِ غيم ليس بالكابي
طراز تبر في قَبًا أزرق … مِنْ تحته فروه سنجاب
ومنه قوله في عمر الذهبي: [من المنسرح]
ولائم لامني على عُمر … وقال لي: قدْ غَلِطتُ بالعربي
كم في الورى مثله فقلتُ له: … وأيُّ شيءٍ يكون كالذَّهَبي
стр. 1931
يا وجنةً هي جنة قدْ زُخرفتْ … وردًا و مِنْ آسِ العِذارِ تَخَضَرَتْ
عين بنورِ جمالِ وجَهِكَ مُتِّعَتْ … وسوى جمالِكَ أَبصَرَتْ لا أَبصرَتْ
ومنه قوله: [من الوافر]
بعيشِكَ خَل عاذلتي تَلُمْنِي … ومنها في ملامتها ومني
فإن نجحت فلا نجحت طريقي … وأدركت المنية لا التَّمَنِّي
وإن خابت فلا خابت طريقي … وإنْ كانَ الهَوَى يأتيهِ عَنِّي
ويا غصن النقا ويجلّ قدرًا … قَوامُكَ أنْ أشبهَهُ بغُصن
لحاظك بالهوى فتكت عنادًا … ولا تسأل عَنِ الظَّبي الأغن
وعطفك قد كسا الأغصان وجدًا … فمالت بالهوى لا بالتثني
ورقَتْ وُرْقُها فبكت عليها … وفي الأفنان أبدت كل فن
وقد طارحتُها شَجَنًا فلما … بكيتُ صبابة أخذتْ تُغني (١)
ومنه قوله: [من الرجز]
ياليلةً فيها الأمانُ والمُنى … وكُلُّ ما أطلبُهُ تهَيَّا
لا تَقْصُري فالصبح قد شربتُه … مُدامة عنقودها الثريا
ومنه قوله: [من الكامل]
تلك المعاطف أم غصون البانِ … لعبت ذوائبها على الكثبان
وتضرَّجت تلك الخدود فوردها … قد شقَّ قلب شقائق النعمان
ما يفعل الموت المبرح في الورى … ما تفعلُ الأحداق في الأبدان
أخليل قلبي وهو يوسف عصرِهِ … قلبي الكليم رميت في النيران
قطعتَهُ مُذْ كَانَ قلبًا طائرًا … ودعوته فأتى بغير تواني
يا نور عيني لا أراك وهكذا … إنسان عيني لا يراه عياني
ولقد رأيتُ على الأراكِ حمامةٌ … تَبكي وتسعدني على أحزاني
تبكي على غصن وأندب قامةً … فجميعنا نبكي على الأغصان
تخشى من الأوتار فهي مَرُوعةٌ … مِثْلي فلم تبكي على العيدان
ومنه قوله: [الطويل]
стр. 1932
في خدك خطّ مُشرِفُ الصُّدغ سطور … والشاهد ناظر على الفَكِّ يَدُور
يا عارضه بالشرع لا تقتلني … الشاهد فاتك وذا خَطَّكَ زُور
ومنه قوله في مليح ذر على جسده سدر بالحمام: [من الطويل]
ومُذْ ذُرِّ ذاك السدْرُ مِنْ فوق جسمه … تزايد من أهواه في حُسنهِ حُسْنا
ولو لم يَزِنْ ذاك القوام اخضرارُهُ … لَمَا صَحَّ عندي أَنَّهُ يُشبه الغُصنا
ومنه قوله: [من المتقارب]
بكيتُ حَيًَا وحياء بكيتُ … تَفاريق دمع لحادٍ حَدا
لئن كنتُ أبكي بحارًا وفي … خدودِكَ قَطر فماذا سُدًا
فإنَّ العُيون تمد البحار … وليس على الورد غير الندى
ومنه قوله: [من الكامل]
فصل الشتا منح النواظر نَضْرَةٌ … لمَّا كَسَا الأكوان وهي عواري
لم يُلبس الغبراء خُضْرَ مطارفٍ … حتى كَسَا الزرقاء بيض إزارِ
ومنه قوله: [من مخلع البسيط]
قالوا اتئِد لا تَخَفْ فُلانًا … فرأسُهُ خِفَّةً يَطيش
فقلتُ بالنَّبل كم رأينا … قتلى ورُوسُ النبال ريش
ومنه قوله: [من الطويل]
أحبتنا والدهر جم صُرُوفُهُ … ووجدي على طولِ المَدَى ليسَ يَبْرَحُ
تغيَّرتُمُ عمّا عَهِدْتُ لأجل ذا … تغير دمعي وهو في السَّفْحُ يُسْفَحُ (١)
ومنهم:
[٥٠] محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري، قاضي القضاة، أبو المعالي، كمال الدين الزملكاني (٢)
من بيت علاء كان آخره، وبحر علم ضم القبر آخره، وكان إذا ذكر تضاءلت
стр. 1933
الناس، وإذا حضر مجلسًا نكس لأجله كل راس توقل ذرى المناصب والثريا موطئ قدمه حيث داس، وحل المراتب فأغضت النجوم، كأنما خاط جفونها النعاس، وساد وما خلت البقاع. وشاد بيت عُلاهُ والجوزاء له سجف، والمجرة شراع، ثم كان حجة في مذهب الإمام الشافعي ﵀، لا يعرف ما ابن ادريس لولا فته المذهب، ولا يوصف معه في التدريس إلا إمامه؛ لكونه صاحب المذهب، فما تأمل أحد الوجهين إلا قال شعاعه لمن حدق: اذهب ولا تذهب ولا وقف على شعب الطريقين إلا وأخذ بأطراف المذهب، ولا مال إلى القديم إلا وأعيا عياض وكبا اشهب، ولا قال بالجديد إلا وتمنى النهار أنه من خليع ملابسه يوهب، فإن عطف على الأصحاب نحو الماوردي عَطَّر أرجاءه أو الرافعي رفع قدره وحقق رجاءه، أو ابن الصباغ أظهر ما حال من ألوانه، أو المزني أتى بالمطر في غير أوانه، أو القفال لما فتح بابًا، والكيا الهراس لما وجد زبونًا، ولا استفاد اكتسابًا، وكان نورًا مدعق تمائمه، ونورًا وما تجافى كمائمه، ودرًا وما فارق غمائمه، وصدرًا وما لاث عمائمه.
حكى لي من رآه مراهقًا، ولمبالغ الرجال مراهقًا، أنه ما أغب كتابًا من نظر، ولا تكلم إلا وسكت من حضر، فلهذا بز نهايات الآمال، وعز بعده أن تدرك غايات الكمال، وكان أكثر ما ينتج الفتاوى مواقع سيله، ويخرج وخطوط العلماء في ذيله، وأتقن كل علم، وأخذ منه بطرف، أو تسلط عليه تسلط من عرف، بسرعة الإدراك اختصر طريقه، وقُوَّة عارضة لا تعمل معارضها أن يبلع ريقه، بقواطع حجج لا يثبت معها منظاره، ولطافة حديث لا يمل منه محاضره ما جالس حتى ولا عدوًا
стр. 1934
له إلا وأخذ لبه، وقلب إليه قلبه، وكان خطه أبهى من الرياض، وأزهى ما رأى من رأى من السواد في البياض، كأنه خط العذار، أو نقش المواشط في معاصم الأبكار، هذا إلى صورة محبوبة، وهيبة من النفوس قريبة، وولى التدريس على صغر، وتصدر في أجل محاريبه في الكبر، وكتب الإنشاء والحساب، ثم ولي الوكالة عن السلطان والقضاء بحلب، وما ولي شيئًا إلا وأتقنه، ولا عانى أمرًا إلا وأحسنه، ونال أحسنه، وتميز على نظرائه بأنه عالم، وزاد في تخليص قلمه ماهو به عالم، وله تصانيف منها «شرح المنهاج في الفقه» ولم يكمله، وإصابة الرمية في الرد على ابن تيمية ومصنفات في أفضلية العلماء والشهداء.
ومن نثره قوله:
من توقيع كتبه لفضائله التي بسقت في رياض الفضائل أفنانها، ومعارفه التي تم عليها عرفها ودل عليها برهانها، ومآثره التي ظهرت آثارها، فصدق خبرها عند الأعيان عيانها، فإذا أنشأ أتى بالبدائع التي لم تزل عن الانتحال تتورع، والبداية التي تتعب الأفكار همًّا تتسرع، وإذا رقش بيض الصحائف، خلت الليل البهيم طرزت به أردية النهار، وقلت: الروض البسيم تفتحت منه الأزهار.
ومنه قوله من آخر:
علمًا بما اشتمل عليه من المحاسن والمناقب في المشارق والمغارب، ورغبة في استقراره بهذا البلد الأمين، واستمرار نظره في أهل العلم والدين، ولينتقل في بروج السيادة، فيبدي حكمًا وحكمًا، ويتصرف في فنون الإفادة فيُصرف لسانًا وقلمًا، ويصبح وقد أحيا كل أرض نزل بها صوب فضله الذي همي، وصواب رأيه الذي لو لم يكن البحر العباب لما طمى، ولا حل بهذا حلة ثم حلةً بهذا، فطاب الواديان كلاهما.
ومنه قوله مما كتبه على مجموع ابن نباتة على الاسم العمادي صاحب حماة وسماه: «مطلع الفوائد ومجمع الفرائد»:
لقد رضت البيان في وصف هذا الكتاب حق وصفه فجمح، واستمحت البيان أن لو وصف محاسنه، فما سمح، واقتدحت نار الفكر لأرى نهج البلاغة في مدحه، فما ورى، ولا قدح، وسرحت جياد العزم في مصائد شوارد حمده، فما سرح شيء منها، ولا سنح، وكيف يجلى مطلع الفوائد ما لا يعلو على دراري النجوم، وتحلى مجمع الفرائد بما يفوق الدر المنظوم، أين من فلك المعاني فلك الصور، وأين بحر اللآلي من بحر الفكر، هذا الفلك مطلع صباح البصائر، وذلك مطلع صباح الأبصار، وذاتك
стр. 1935
يتعاقب فيه شمس وقمر، وهذا كله شموس وأقمار، وهذا البحر يفعم بدره وآناء كل من اغترف، وذاك إن ولد دُرًّا خبأه تحت قراره في الصدف، فلا غرو أن أحجمت عن سلوك هذا المهيع، ووقفت عن مجاراة أهل هذه الحلبة التي ليس إلى بلوغ الغاية معهم مطمع، ولا سيما وقد جعلوا من وسم الكتاب باسمه معنى كلمهم، وبلاغة حكمهم وسراج منهاجهم، ودرة تاجهم، وطراز حلة وشيهم المرقوم، وواسطة دُر عقدهم المنظوم، فبلغوا من رتب البلاغة غاية المراد لما شاهدوا مجموع الجمال الفريد في ذات العماد.
ومنه قوله وقد أرسل إليه والدي ﵀ كتابًا أنشأته ليقف عليه، فكتب إليه:
وينهي أنه وقف على هذا الكتاب الذي ما أنتجه إلا فكر لبيب، ولا أظهره إلا أفق أديب، ولا أمد شعاعه إلا شهاب منير، ولا أهدى نوؤه إلا سحاب دره وبرقه مستطير، تضمن من الألفاظ الأدبية، واللطائف العربية، ما تحدى به على البلغاء فلم يواخوه وعظم به شان عبد الحميد لما قيل: إنه ابن يحيى فظنوا أنه أخوه. أقسم المملوك بأمانه جهد أيمانه أنه طرب المواضع منه طربًا كاد يستخفه، ويميل به لما كان كالمدام من تلك الزجاجة يستشفه، فهُنَّى منه مولانا بسيد كريم، وإمام علم من حاضره، قال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
وقوله في ورقة كتبها إليه:
وحاش لله أن يسوء سيده بفعله، أو يقابل حلمه بالإقدام على ما يغير عوائد فضله، معاذ الله معاذ الله. ومن يجحد منن الغمام؟! وينكر صنائع الكرام؟! إنا لله لهذه الأعجوبة، ويالله كيف جازت هذه الفرية المكذوبة.
ومنه قوله في مسامحة كتبها:
وبعد، فإن الله لما خص أيامنا الزاهرة بالفتوح التي أنامت الرعايا في مهاد أمنها، وأنالت البرايا مواقع يمنها ومنها، وكفَّت أكف الحوادث عن البلاد وأهلها، ونشرت عليهم أجنحة البشائر في حزن الأرض وسهلها، رأينا أن نصغي بالإعفاء من شوائب الإكدار شربهم، ونؤمن بالإعفاء من طلب البواقي التي هي على ظهورهم كالأوزار سربهم، وإن نشفع العدل فيهم كما أمر الله تعالى بالإحسان إليهم، ونضع عنهم موضع هذه الأثقال إصرهم، والأغلال التي كانت عليهم، وأن توفر على عمارة البلاد هممهم، ونبرئ من تبعات هذه الأموال اللازمة لهم ذممهم، ونريح من
стр. 1936
هم ذلك أسرارهم، ونطلق من ربقة الطلب المستمر أسارهم، ونسامحهم بالأموال التي أهملوها، وهي كالأعمال محسوبة عليهم، ونعفيهم من الطلب بالبواقي التي نَسُوها كالآجال وهي مقدمة بين يديهم، ورسم بكذا، فليتقوا هذه النعمة بباع الشكر المديد، ويستقبلوا هذه المنة بحمد الله تعالى، فإن حمد الله تعالى يستدعي المزيد، ويقبلوا علي مصالحهم بقلوب أزال الأمن قلقها، وأذهبت هذه المسامحة المبرورة فرقها، ونفوس أمنت المؤاخذة من تلك التبعات بحسابها، ووثقت بالنجاة في تلك الأهوال من شدة طلب يأبى أن يفارق إلا بها، ولتعف أثار هذا الباقي بحيث لا يترك لطباقها في أموالنا انتساب، ولا يبقى لها إلى يوم العرض يورد ولا حساب.
ومنه قوله من توقيع خطيب:
وأشهد أن محمدًا عبده رسوله الذي بعثه إلى الأسود والأحمر، وجعله خطيبًا للأنبياء يوم المحشر، وأذعن كل شيء بنبوته حتى حَنَّ إليه الجذع اليابس حين عدل عنه إلى المنبر، وأقامه للمتقين إمامًا، ونشر له في الخافقين أعلامًا أعلامًا، وأمره بالتبليغ فقال: أنا سيد ولد آدم لا افتخارًا، بل تنبيهًا وإعلامًا ﷺ وعلى آله، وبلغه منا سلامًا. أما بعد، فإن أولى ما صرف إليه وجه الاهتمام، وصرف في تقرير أمره وتحرير ذكره صريف الأقلام، أمر الإمامة في الصلوت، وإقامة الجمعة والجماعات، وكذلك الخطابة التي ما زال خطبها في الإسلام جليلًا، والمترشح لها من الأنام قليلًا، وهما رتبتان متناجيتان في الشرف، ومعتنقتان اعتناق اللام للألف، قد رفعا إلى ذروة من العلياء، شامخة، ووضعا في محل لا ترقى إليه إلا قدم في الإقدام على المعالي راسخة، فإنَّ أعواد المنابر فلك تتنزل عن رتبته الأفلاك، وسماء يعرج فيها الملوك كما تعرج في السماء الأملاك؛ لأنها المرمى البعيد، والمرام الصعب الشديد، والمقام الذي يجتمع الناس له بالذكرى، من ﴿كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١)، وإن المحراب باب منه إلى الله الوصول، ومقام بين يدي الله يفوق هوله كل مهول، فلا يدخله إلا من رفع دونه الحجاب، ولا يثبت فيه إلا من استغفر ربه، وخر راكعًا وأناب، ولذلك شفع مقامها الفرد بمن أصبح في الآفاق فردًا، وتعين بهذه الصفات في جامعها جامعها فكتب له بها عهدًا، ورسم أن يفوض إلى فلان؛ لأنه الواحد من علماء الآفاق، وأئمة الأمصار والحبر الذي علا كعبه على كل حبرٍ، فاستحق أن يكون كعب الأحبار؛ ولأنه الذي تفرد بجميع شروط
стр. 1937
الإمامة، فهو الكامل، والإمام الذي إذا تقدم لم يكن ذلك تقديمًا للمفضول مع وجود الفاضل، فمن أحق منه بالإمامة أم من أولى منه بأن يقيم للدين هذه الدعامة، يأبى الله والمسلمون، ولا يتقدم بأمر الله إلا السابقون الأولون.
وكيف لا والموعظة من مثله في القلوب أوقع، والذكرى منه في الأفئدة القاسية أنجع وأنفع والدعاء منه أقرب للإجابة، والقلوب إلى قوله أحق بالإنابة، وهذا المنصب ما زال يتسوق إليه، ويتشوق لمقدمه حتى إن المنبر لو استطاع، لمشى إليه، والمحراب لولا استقبال القبلة، لكان يقف بين يديه، وهو أعلم بما لهذه المرتبة من الشرف؛ فإنها رتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو وارثهم، ودرجة لم يبلغها إلا نبي، أو أمير، أو عالم، وهو ثالثهم.
وأما شعره فقليل مختاره. ومنه قوله: [من الطويل]
سواكم بقلبي لا يحلُّ ولا يحلو … كما أنَّه مِنْ حَسنِكُمْ قط لا يخلو
حللتم عُرى صبري وحلَّلتُم دمي … وحرّمتم وصلي، فلذ لي القتل
أحبَّةَ قلبي ليس قلبي مُتيَّم … كمثلي ولا في العالمين لكم مِثْلُ
فلا تحسبوا أَنِّي مَلِلتُ هواكُمُ … ولا أنَّني يومًا أَمَلُّ ولا أسلو
ومنه وقوله: [من المتقارب]
وفي حلبة الخَدٌ مِنْ أدمعي … خُيول تجول ولا تُركَب
فَسَبْقُ الكُمَيتِ بها بَيِّنٌ … ولكن تقدَّمَهُ الأشهب (١)
وكان هذا الشيخ كمال الدين يجل المترجم وبلغه انني قد أجدت في حله، فجهز لي سبحة من الخرز والجزع، فحدست انها … فوضعت لها اسمًا إلا ما نحلت، فإذا بي أول قصيدة الصرصري: [من البسيط]
يا سائق الركب لا تعجل فلي أرب … فوق الرواحل حالت دونه الحجب
لعل بدر الدجى يرخي اللثام لنا … عن عارضيه فيشفي الواله الوصبُ (٢)
فكتب إليه قصيدة في الوزن والقافية معربة عن مدحه، ومعرضًا بألم المترجم وليس هو موضع ذكرها فأعجبته، فكتب إلي: [البسيط]
يا فرع عليا لا تخفى محاسنه … فيك النهي والعلى والفضل والأدب
стр. 1938
بعثتها يا ابن يحيى أي قافية … عبد الحميد إليها … .. من طرب
بلاغة ما رأى عبد الحميد لها … بنات. ..................
وإن علوت على الأفلاك مرتبة … فهذا في السماوات العلى الشهب
وأنت أفضل أبناء الزمان … ولا شك .............. ولا ريب
لا غرو ان كنت فيها مغرمًا كلفًا … لو تهت دهرًا بها يوما فلا عجب
يقبل الباسط … .. لا زال سحابه مطيرًا، وشهابه منيرًا وإذا به يفوق نظمًا ونثرًا وزود القصيدة البائية التي أخرجت زهرها من الأكمام، وجددت له نشأة أطيب من أبي الطيب، وأتم حسنًا من أي … ... . موضحة لسرّ المترجم، معربة عما أعجم، فطرب الهول لعد المعاني، وعوذها من غير الكمال بالسبع المثاني، … .. فقسم بالله انها أقصى الغايات المبادى ورا … .. ما بلغه غيره من النهايات.
ومنهم:
[٥١] إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، الشافعي، أبو إسحاق، شيخ الإسلام، برهان الدين (١)
التزم بطريقة أبيه حتى كان إبراهيم الذي وفى، ونزع به إليه الشبيه فما أعفى، وكان في زمانه أمة قانتًا، وطودًا لا يقلقل ثابتًا، ثبت على هذا طول مدته، وكل عمره حتى أكل الدهر رونق جدته، وكان للدين برهانًا، وفي الزمان المسيء إحسانًا، التفت عليه بقايا حلقة أبيه واحتفت به لم يبق منهم أحد حتى من يربيه.
اشتغل بعد موت والده على قاضي القضاة أبي عبد الله الخويي، وكان ولي الشام، ونشق منه ما ملأ المشام، فارتضاه لمنته، واصطفاه لابنته، وكان الخويي محبًا لتقديم النجباء، وتكريم الألباء، وأذن لجماعة بالفتوى كان هو أولهم وأولاهم بما خولهم، ثم كان يخطب لجلة المناصب فيأباها، ويأنف منها وما أتته إلا أشباهًا، حتى توفي قاضي القضاة ابن صصرى، وتوقى المنصب أن يحمل إصرًا، ولم يكن
стр. 1939
سواه من يجمع عليه ويطمع النظر دونه إليه، فجهد ملك الأمراء بالشام تنكز في توليته، وطلبه إليه، وأخذ في ملاطفته وتفديته. وهو يصر على الامتناع، وتجلى عليه، ولا يكشف عنها القناع، هذا بعد أن يبعث إليه أكابر العلماء، ودخل عليه منهم بأماثل العظماء، وأتاه الخطيب القزويني وابن الزملكاني برسائله، وجدا في وسائله، وهو لا يلفت إليهم وجهًا، ولا يرى إلا عنهم غافلًا يتلهى، وقعد لها حتى تخطته، ونزل عن صهوتها، وقد أمطته.
تفقه بأبيه وابن الخويي، وأخذ النحو عن عمه شرف الدين، ودأب الليل والنهار في القراءة، والمطالعة، والاشتغال والأشغال والتعليق والمراجعة، ومذاكرة من حضر، وطلب التحقيق لكل مسألة والتحرير في حل كل مشكلة.
قلت: حكى لي من لا أشك فيه أن ابن الزملكاني كان يعلق فتاوى الشيخ إذا أتته، وربما تشكل عليه المسألة فيضع لها سؤالًا، ويدس به من يأتيه، فيأخذ خطه عليه.
وكان ابن تيمية إذا ذكر الفقهاء قال: الفقيه ابن الفركاح.
وكان ابن المجد عبد الله يقول: ينبغي لمن حضر مع الشيخ برهان الدين أن يتأدب.
وسمعته مرة يقول: ما يستحق أحد أن يتكلم مع الشيخ برهان الدين إذا تكلم في الفقه، ولكن يسمع.
وكان ﵀ كريم النفس، سخي الكف، لا يرد سائلًا، ولا يُخيب أملًا، على ضيق رزقه، وقلة ذات يده، مع الصبر والاحتمال، والقناعة، والتصدي لإشغال الطلبة في المسجد الجامع، وفي المدرسة الباذرائية، وفي بيته. لا يرى له راحةً إلا في التعب، فلا يزال معمور الأوقات بالذكر، والاشتغال والأشغال، والمطالعة، والتصنيف، والتأليف، والفتوى هذا إلى خلق حسن، وانبساط، ومجون لا يُحظر مثله، مع ملازمة عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومجاملة الناس في السلام على القادمين، والتوديع للمسافرين، وتهنئة من تجددت له مسرة، والتغمم لمن نابته نائبة، إلى غير هذا من مكارم الأخلاق والمحاسن على الإطلاق، وأكثر من برع من الفقهاء بدمشق، وبلاد الشام. وقضاة البر تلاميذه، وعنه أخذوا.
وقال لي العلامة فخر الدين المصري: لولا الشيخ برهان الدين لما تفقه أحد، يعني في مذهب الشافعي في زمانه.
قلت: والذي قاله هو الحق؛ لأنه لم يكن في مشايخ زمانه لا من أهل مذهبه ولا
стр. 1940
من غيرهم من كان متصديًا لإشغال الناس، وإفادتهم غيره، لا يشغله عن ذلك شاغل، ولا يصده صاد، وله مصنفات أجلها «التعليقة الكبيرة» وهي على التنبيه في ومنها: مصنف في «المنطق» وأخر سماه «تفهم المجاملة في علم المراسلة» وبعث به إليَّ لأقف عليه، فكتبت عليه مقرضًا له، وليس بطائل.
ومنهم:
[٥٢] محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر الكناني، الحموي الأصل، الشافعي، قاضي القضاة، بدر الدين، أبو عبد الله (١)
بقية المشايخ القدماء، وآخر الأكابر العلماء، وكفؤ القضاء، وأهل الإمضاء، وصدر العظماء، وبدر الدين في الأرض أخو بدر السماء، تهادته من بيت المقدس عقيلتا الإسلام، وخطبته دمشق ضرة إرم ذات العماد، ومصر شقيقة بغداد دار السلام، وجمع له في كل منهما بين الخطابة والقضاء، فأحسن فيهما عن الخلفاء الخلف، وأبيح له منهما الجمع بين الأختين، وكان لا يباح إلا ما سلف، ووفق بينهما، وكانت لا تتفق الضرائر، ولا يحصل الجمع بين الأختين على صفاء السرائر، وتخلت كواعب المناصب غير ما مرة من حبائله، فكانت لا تعرف هجوعًا، ولا تقر حتى تراجعه، ويبيت لها ضجيجًا، وجمعني وإياه الحج، فلما كنا بموقف الصخرات، ونحن به حيث تعقد النظرات، نزل عن بغلة كان عليها، وركب ناقة تنتقل إليها، فطلع بدره أتم من قمر تلك العشية، وأوقر من تلك الأطواد العلية، فقلت: [من مجزوء الرمل]
يومنا في عَرَفاتٍ … كنتَ مِنْ إحدى المنائح
إذ وقفنا حول حَبْرٍ … فيهِ تحلو لي المدائح
وعلى الناقة منه بدر … تم منه لائح
стр. 1941
قيل: مَنْ هذا فقلنا: … صاحب الناقة صالح
ثم أتيت الديار المصرية حين انتقالي إليها، فكنت أجتمع به، وأخذ عنه.
مولده بحماة في سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسمع سنة خمسين من شيخ الشيوع الأنصاري، وبمصر من الرضي بن البرهان والرشيد العطار، وإسماعيل بن عزون وغيره، وبدمشق من أبي اليسر، وابن عبد، وطائفة، وأجاز له عمر بن البرادعي والرشيد بن مسلمة، وحدث بالشاطبية عن ابن عبد الوارث صاحب الشاطبي، وحدث بالكثير، وتفرد في وقته.
وكان قوي المشاركة في علوم الحديث والفقه والأصول والتفسير، خطيبًا يخطب من إنشائه، ذا تعبد، وأوراد، وحج.
[وله عدة تصانيف درس وأفتى واشتغل، ونُقل إلى خطابة القدس، ثم طلبه الوزير ابن السلعوس، فولاه قضاء مصر، ورفع شأنه، ثم أتى الشام قاضيًا، وولي خطابة دمشق مضافة إلى القضاء، ثم طلب لقضاء مصر بعد ابن دقيق العيد، وامتدت أيامه، ثم عزل بالزرعي عند عود السلطان من الكرك ثاني مرة، ثم أُعيد ودام حتى استعفى، وولي عوضه القزويني.
وله نظم كثير، ومنه قوله: [من الكامل]
لما تمكَّنَ مِنْ فُؤادي حُبُّهُ … عاتبتُ قلبي في هواه ولمته
فرثى له طرفي وقال: أنا الذي … قد كنتُ في شَرَكِ الهَوَى أوقعْتُهُ
عاينت حسنًا باهرًا فاقتادَني … سِرًّا إليه عندما أبصرته
وقوله: [من الوافر]
أحِنُّ إلى زيارةِ حَيّ ليلى … وعهدي من زيارتها قريب
وكنتُ أظنُّ قُرْبَ العَهْدِ يُطفِي … لهيب الشوق فازداد اللهيب
وقوله: [من الكامل]
يا لهف نفسي لؤ تدوم خطابتي … بالجامع الأقصى وجامع جلْقِ
ما كان أهنأ عيشنا وألذَّهُ … فيها وذاك طراز عمري لو بَقِي]
ومنهم:
стр. 1942
[٥٣] محمد بن محمد بن عبد القادر ابن الصايغ، الشافعي، الإمام، الزاهد، بدر الدين، أبو اليسر (١)
قد غلب الجنيد في جمعه، وسبق إبراهيم بن أدهم بدمعه، وزاد على أبي يزيد في كشفه، وتأنى والسري يسري من خلفه، ومعروف يستدل بعرفه، هذا مع علم جم هو الذي أوجب له أن يزهد وأراه ما وراء البصر ليشهد، وكان يدع في غالب أوقاته المدينة ويخرج إلى قراها شغفًا بالخمول والبعد ليتقدم أمام الحمول، ولما خلا منصب قضاء القضاة بدمشق عرض عليه، وترقق له؛ ليقبله ملك الأمراء تنكز، ولم يتطلع إليه، وجاءه تقليد السلطان، فحين بلغه وصوله، فرّ إلى بعض القرى، وتغيب أيامًا لا يرى، وصمم على رأيه في عدم القبول، وبقي التقليد حتى جف، وأسرع في ورقه الذبول، ثم إنه ولي خطابة بيت المقدس، وازداد به ضياء يومها المشمس، ثم إنه تركها، وأفلت منها، وقطع شبكها.
أخذ الفقه عن ابن الفركاح ولازمه ملازمة ظله، وطاوعه مطاوعة نعله، وتشبه بأفعاله، وتشبت بأذياله، وسلك نحو طريقته المثلى، وكان في غاية الورع والتقشف، والتقلل من الدنيا، والفرار من الناس، وكان أبعد الناس من شبهة، لم يزاحم في مدة عمره على منصب، ولا نافس لسوامه في مجدب، ولا مخصب.
وكانت بيني وبينه صداقة مؤكدة الإخاء، معدة للشدة والرخاء.
ولد … وتوفي … ودفن بتربة تعرف بهم بسفح قاسيون.
ومنهم:
стр. 1943
[٥٤] محمد بن علي بن إبراهيم القاضي، الإمام الحجة، فخر الدين، أبو المعالي، المصري (١)
الذي لا يسمح منه بالمثاقيل، ولا يهون ذهبه فيشبه به ذائب الأصيل، ولا يقاس به كل مصري يعم البلاد نفعه، كما يقاس النيل، بل هو البحر المصري؛ لأنه ذو النون والقطب المصري بل صاحبه الإمام فخر الدين، ومثله لا يكون ذو العلم المعروف الذي لا ينكر، واللفظ الحلو المصري السكر، فاء على الإسلام ظلًا مديدًا، واستطرف للأيام فضلًا جديدًا، وهو إمام الشام، وغمام العلم العام، طالما زجرت فضائله المسامع، وفخرت دمشق منه بالجامع، ولا حلق أخويه في السماء إلا ليرى بمثله ثم فروقه انقطعت به المطالع فبرد دير بردي عينا باستقراره في دياره، وطال ظل النيرين بأنه قال في فيه، واستقر في جواره، وهو أفقه من هو بالشام موجود، وأشبه عالم بأصحاب إمامه في الوجود، وأشبه سمي يُسمّى بلغ به رتبة الكمال، وصعد هضبة العلياء، وما تشكى الكلال.
مولده …
سمع الحديث من شيوخ وقته، وتفقه على ابن قاضي شهبة، وابن الفركاح، ثم صحب ابن الزملكاني، والخطيب القزويني، وقرأ عليهما وانتفع بهما، وكان ابن الزملكاني أول آذن له في الإفتاء، وولي بعده تدريس العادلية الصغيرة، وكان ينوه بذكره، وينبه على شكره، ويصف تقدمه في العلم والفهم، ويصفه بإفراط الذكاء، وكان إذا أتته الفتوى بحضوره ألقاها إليه، وقال: ما تقول فيها؟ وكذلك كان يفعل بابن جملة إلا أنه كان يرجحه في الفهم على ابن جملة، ولما ولي القزويني القضاء بالشام، استنابهما في الحكم برأي ابن الزملكاني.
ثم زهد فخر الدين في القضاء، وتركه وعُين للقضاء بطرابلس، فأبى واستقال، وقال: لا ألي القضاء أبدًا، ثم درس بمدارس أخرى منها المدرسة الرواحية حين طلب الشيخ شمس الدين الأصفهاني إلى حضرة السلطان بمصر، لاجتماع شروطهما
стр. 1944
فيه دون غيره، وحج مرات، وجاور بمكة والمدينة.
وهو اليوم بدمشق لإشغال أبناءها، وقصد إفتائها، جلس مكان شيخه ابن الفركاح، واجتمعت عليه الطلبة، وتصدى للاشغال والاشتغال، وتقرير المباحث، وإجابة السؤال. هذا إلى غنى ويسار، وبر وإيثار، وملازمة جماعات لا يقطعها، وجاري عادات لا يمنعها محافظًا على عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومجالسة الفقراء، والتغليس إلى المساجد مع رياضة أخلاق، ولين جانب، وتفرد في أهل بلده بسيادة أهل المذهب.
وقد حكى لي من أثق به أنه كان القيم بأهل ابن جملة أيام محبسه بالقلعة في مدة عقلته. وطول عطلته، وقد رزق من الولد من أنجب، واعجز ابتداؤه وأعجب (١).
ومنهم:
[٥٥] الأيكي، عبد الرحمن بن عبد الغفار، التيمي، البكري، عضد الدين، قاضي قضاة الشرق (٢)
حي موجود، ومحيي للجود عطاياه جسام، وسجاياه وسام، وجداه نائل، ونداه طائل تحلي به حزب الله الغالب، وتخلى كرمه للطالب.
قال الذهلي: هو ذو إنصاف، وعدل، وسياسة شافعي من الفروع، أشعري في الأصول، ينصر مذهبه ويحط على المعتزلة والفلاسفة حسن الصورة، والخط، والعبارة، والإنشاء، قادر على البحث إمام في المنطق شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول في مدة شهر، وله عدة كتب مصنفة ومؤلفه، وأجاب الأرموي عن اعتراضاته على الإمام الرازي.
أخذ عن قطب الدين القالي، وجمال الدين الدمشقي وغيرهم، وأخذ عنه أكثر
стр. 1945
فضلاء الشرق منهم أوحد المحققين قطب الدين الرازي، وروى عن الدوري عن الصغاني.
قال الذهلي: يقال إنه أعرف بالكلام من الإمام فخر الدين الرازي، وإنما هو متشرع لا يعرف إلا بهذا، وقال: إن بلده الأيك كله أو جُلّه ملكه، وإنه كريم حرق اليدين، يقوم بثلاثمائة طالب، أو نحوهم من ماله (١).
стр. 1946
[فقهاء الشافعية في الجانب الغربي]
وأما الشافعية بالجانب الغربي: فلم يوجد أحد منهم إلا بمصر، وهم بها عدد جم في كل زمان، ولهم بها أقدار علية، وتعظيم جانب، وبمذهبهم يتمذهب جمهور أهل البلد لمثوى الإمام الشافعي ﵁ فيهم، وحسن رأيهم فيه.
فمنهم صاحبه:
[٥٦] أبو يعقوب، يوسف بن يحيى المصري، البويطي (١)، صاحب الشافعي
أحد من طار به خبره، ولمس فأبت أن تلين زبره، قبض على دينه والجمر ملتهب، والسيف للأرواح منتهب والمحنة قد شملت ظلماؤها، والفتنة قد ترامى شررها وأربد ماؤها، والبلية قد عمت والليلة الليلاء قد جمعت النوام وضمت، فما زحزحت هذه القواصف مستقر دينه، ولا غيرت مستمر يقينه، حتى مات وهو في أسار الحديد، وخلي في القبر وقد أزلف في الجنة منزله الجديد.
اختص به الشافعي في حياته، وقام مقامه في الدروس والفتوى بعد وفاته، سمع الحديث، وحمل في أيام الواثق بالله من مصر إلى بغداد في مدة المحنة، وأريد على
стр. 1947
القول بخلق القرآن الكريم، فامتنع من الإجابة إلى ذلك، فجلس ببغداد، ولم يزل في السجن والقيد حتى مات.
وكان صالحًا، متنسكًا، عابدًا، زاهدًا.
قال الربيع بن سليمان: رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة من حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلًا، وهو يقول: إنما خلق الله الخلق بكنّ، فإذا كانت كن مخلوقة، فكأن مخلوقًا خلق مخلوقًا، فوالله لأموتن في حديدي حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت عليه لأصدقنه. يعني الواثق.
وقال أبو عمر بن عبد البر: كان ابن أبي الليث قاضي مصر يحسد البويطي ويعاديه، فأخرجه في وقت المحنة في القرآن العظيم فيمن أخرج من مصر إلى بغداد، ولم يخرج من أصحاب الشافعي غيره، وحمل إلى بغداد وحبس، فلم يجب إلى ما دُعي إليه في القرآن، وقال: هو كلام الله غير مخلوق، وحبس ومات في السجن.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: كان البويطي إذا سمع المؤذن، وهو في السجن يوم الجمعة، اغتسل ولبس ثيابه، ومشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السجان: أين تريد؟ فيقول: أجيب داعي الله، فيقول: ارجع عافاك الله، فيقول البويطي: اللهم إنك تعلم أنّي قد أجبت داعيك، فمنعوني.
وقال ابن أبي الجارود: كان البويطي جاري، فما كنت أنتبه ساعةً من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي.
وقال الربيع: كان أبو يعقوب أبدًا يحرك شفتيه بذكر الله تعالى، ما رأيت أحدًا أنزع لحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي.
وقال الربيع أيضًا: كان لأبي يعقوب منزلة من الشافعي، كان الرجل ربما يسأله عن المسألة، فيقول له: سل أبا يعقوب، فإذا أجابه أخبره، فيقول: هو كما قال.
وقال أيضًا: ربما جاء صاحب الشرطة إلى الشافعي، فيوجه أبا يعقوب البويطي ويقول: هذا لساني.
وقال الخطيب في تاريخ بغداد (١): لما مرض الشافعي مرضه الذي مات فيه،
стр. 1948
جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك، وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء أبو بكر الحميدي، وكان في تلك الأيام بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى يعني البويطي، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت فقال الحميدي: كذبت أنت، وكذب أبوك، وكذبت أمك. وغضب ابن عبد الحكم، فترك مجلس الشافعي، وتقدم مجلس في الطاق، وترك طاقًا بين مجلس الشافعي ومجلسه، وجلس البويطي فيه في الطاق الذي كان فيه يجلس الشافعي.
وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم: رأيت أبي في المنام، فقال لي: يا بني عليك بكتاب البويطي، فليس في الكتب أقل خطًا منه.
وقال الربيع بن سليمان: كنت عند الشافعي أنا والمزني، وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه أو جدله وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد قال الربيع: فدخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيدًا إلى أنصاف ساقية، مغلولة يداه إلى عنقه.
وقال الربيع أيضًا: كتب إليَّ أبو يعقوب من السجن أنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأت كتابي، فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوص بالغرباء خاصة خيرًا، فكثيرًا ما كنت اسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت: [من الطويل]
أهينُ لهم نفسي لأكرِمَها بهم … ولنْ تُكرم النفس التي لا تهينها
توفي يوم الجمعة في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين في القيد والسجن ببغداد، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: يوم الثلاثاء.
ومنهم:
[٥٧] حَرْمَلَة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي، أبو حفص، المصري (١)
أحد الحفاظ المشاهير من أصحاب الشافعي، وكبار رواة مذهبه الجديد،
стр. 1949
ومذهبه الذي زُهِيَ به كل عطف وجيد، أحيا العلم بعد نبو نباته، وتصريح أسنانه، فأزاح رونقه، وأزال رنقه، بفضائل سامية الأعلام هامية الغمام، وعمر والسيادة له مستمرة والزيادة مستدرة، والسعادة لا تخلق له ثيابها، ولا تطلق لغير سهام حظه عيانها، ولم يزل على هذا وبوارق سحبه منجزة، وصواعق رهبه معجزة، حتى حمى مطالع مذهبه، وحفظها من العدو، وخفضها بالهدو، فأضحت لا تجاذب أطرافها، ولا تجانب إشرافها، ولا يصوح لها، نبات، ولا يزحزح ثبات بقيام أدلة، تضمن انكشاف الأضواء، وانكفاء الضوضاء.
قال ابن معين: كان أعلم الناس بحديث ابن وهب ونظر إليه أشهب، فقال: خير أهل المسجد. وكان حديث ابن وهب قريبًا من مائة ألف حديث، كانت عند حرملة إلا حديثين.
قال الشيخ أبو إسحاق: كان حافظًا للحديث، وصنف «المبسوط» و «المختصر» وولد سنة ست وستين ومائة، ومات سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
стр. 1950
ومنهم:
[٥٨] إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني (١)، أبو إبراهيم
لم يقم مذهب صاحبه الإمام الشافعي إلا بوزنه، ولم يدم سح سحاب إلا من مزنه، ولا شيم برق إلا ونوؤه المزني قادح ناره، وماتح مائه من دافق أنهاره، ومفتل خيوط الأنواء من أدنى ما وهب، ومكتنف سجوف اللأواء منه بالذهب، وهو ذو المختصر الذي ما أتى بمثله مطيل، ولا أوتي نظير فضله إلا من ادعى الأباطيل.
وكان البحر فيض ندى، والغمام ومض شعاع يطير بأجنحة الضرم مصعدًا، نور دجى بعبادة محت حندسه، وحمى الوادي بما أسسه، وسكن مصر فأضحت به مقدسة، لتقوى عمرت باطنه وعمت مواطنه، وعدت عليها البحار، ولم تزل في مكانها قاطنة، حتى واراه الضريح، وناب القبر عن الصدر، والرثاء عن المديح.
كان زاهدًا، عالمًا، مجتهدًا، محجاجًا، غواصًا على المعاني الدقيقة، وهو إمام الشافعيين، وأعرفهم بطرقه وفتاويه، وما ينقله عنه. صنف كتبًا كثيرة.
وقال الشافعي في حقه المزني ناصر مذهبي، وكان إذا فرغ من مسألة، وأودعها مختصره، قام إلى المحراب، وصلى ركعتين شكرًا الله تعالى.
وقال ابن سريج: يخرج «مختصر المزني» من الدنيا عذراء، وهو أصل الكتب
стр. 1951
المصنفة في مذهب الشافعي، وعلى مثاله رتبوا، ولكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القضاء بكار بن قتيبة بمصر، وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقع الاجتماع بالمزني مدة، ولم يتفق فاجتمعا يومًا في صلاة جنازة، فقال القاضي يكار لأحد أصحابه: سل المزني شيئًا حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم التحريم على التحليل؟ فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حرامًا في الجاهلية، ثم حلل، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالًا، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن ذلك منه، وهذا من الأدلة القاطعة.
وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة في كوز نحاس، فقيل له في ذلك، فقال: بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان، والنار لا تطهرها.
وقيل إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة، صلى منفردًا خمسًا وعشرين صلاة استدراكًا لفضيلة الجماعة، مستندًا في ذلك إلى قوله: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة».
وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه في شيء من الأشياء في التقدم عليه، وهو الذي تولى غسل الشافعي. وقيل: كان معه أيضًا الربيع.
توفي لست بقين من رمضان سنة أربع وستين ومائتين بمصر، ودفن بالقرب من تربة الشافعي، وذكر ابن زولاق: أنه عاش تسعًا وثمانين سنة وصلى عليه الربيع بن سليمان المؤذن المرادي.
ومنهم:
[٥٩] الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي (١) بالولاء، المؤذن المصري، أبو محمد
صاحب الإمام الشافعي، وهو الذي روى أكثر كتبه، وآوى إلى أكثر كتبه، ونشر
стр. 1952
بعلمه حلل الربيع، وظهر بفهمه خفي البديع، وكان من إمامه الشافعي قريبًا، ومن غمامه لا يرد إلا قليبًا، علا به كعبه نهاية الدرج، وغاية ما يبلغه الأرج، طالما رتعت سوائم الإفهام في وهاد ربيعه، فخرجت جلابيب الإعلام في ربوعه، وأخضر نبات ربيعه المعشب، واخضل بناء صنيعه المعجب، وتقضت فصول السنة، وزهر ربيعه ينفح، ونجوم نرجسه عليها نهر المجرة يطفح، ومضى ونسيمه الربيع ما صح اعتلاله، وليله ونهاره ما طال، ولا قصر اعتداله، ومطره الربعي ما زاد على أن لثم ثغور أقاحه، وزاد في التصنيف حلب لقاحه، وفضضت بكر أيامه وسماؤه قد صفحت بالحديد، وطرر لياليه قد سرحت لتجلي الزمان في ثوب ربيعه الجديد.
قال الشافعي في حقه: الربيع راويتي.
وقال الشافعي أيضًا: ما خدمني أحد ما خدمني الربيع.
وكان يقول له: لو أمكنني أن أطعمك العلم، لأطعمتك.
وقال الربيع: دخلت على الشافعي عند وفاته، وعنده البويطي والمزني، وابن عبد الحكم، فنظر إلينا ثم قال: أما أنت يا أبا يعقوب، يعني البويطي، فتموت في حديدك، وأما أنت يا مزني، فستكون لك في مصر هنات، ولتدركن زمانًا تكون فيه أقيس أهل زمانك، وأما أنت يا أبا محمد يعني ابن عبد الحكم - فسترجع إلى ما ذهب مالك، وأما أنت يا ربيع، فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب، قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة. قال الربيع: فلما مات الشافعي صار كل واحد منهم إلى ما قال، حتى كأنه نظر إلى الغيب من ستر رقيق.
стр. 1953
والربيع آخر من روى عن الشافعي بمصر.
ومن شعره: [من المنسرح]
صبرًا جميلًا ما أسرع الفَرَجا … مَنْ صَدقَ الله في الأمورِ نَجَا
مَنْ خشي الله لم ينلهُ أَذًى … وَمَنْ رَجَا الله كان حيثُ رَجَا
وتوفي الربيع يوم الاثنين لعشر بقين من شوال سنة سبعين ومائتين بمصر ودفن بالقرافة.
ومنهم:
[٦٠] محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أَعْيَن بن ليث بن رافع المصري الفقيه (١)
عنبر مجد يتضوع، وجوهر حد يتنوع، وبحر لا يجيء النيل من أياديه بإصبع، وسائق أرخى عنانه لما علم بأنه لا يتبع، وكان قوي الجنان، قويم السنان، قؤول اللسان، صؤول اليد بالإحسان، حمل إلى بغداد، والسيف يقطر دمًا، والرمح يقرع سنه ندمًا، والوجود يود لو عد عدما، وطلب في المحنة التي أظلت والمدة التي ظلت، والمصيبة التي افترست الأديان، وأخرست الألسنة إلى يوم العرض على الديان، فقال، ولم يبل، وبالغ الله أبوه، ولأم غيره الهبل.
سمع من ابن وهب، وأشهب من أصحاب مالك، فلما قدم الشافعي
стр. 1954
مصر صحبه وتفقه عليه، وحمل في المحفة إلى بغداد إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد، فلم يجب إلى ما طلب منه، فرد إلى مصر، وانتهت إليه الرياسة بها.
قال المزني: كنا نأتي الشافعي نسمع منه فنجلس على باب داره، ويأتي محمد بن عبد الله بن عبد الحكم فيصعد به، ويطيل المكث، وربما تغدى معه، ثم ينزل، فيقرأ علينا الشافعي، فإذا فرغ من قراءته، قرب إلى محمد دابته فركبها، وأتبعه الشافعي بصره، فإذا غاب شخصه قال: وددت لو أن لي ولدًا مثله، وعلي ألف دينار دينًا لا أجد لها قضاء.
وقال ابن عبد الحكم: كنت أتردد إلى الشافعي، فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي، وكان على مذهب مالك، فقالوا له: يا أبا محمد إن محمدًا ينقطع إلى هذا الرجل ويتردد إليه، فيرى الناس أن هذا رغب عن مذهب أصحابه، فجعل أبي يلاطفهم، ويقول: هو حدث، ويحب النظر في اختلاف أقوال الناس، ومعرفة ذلك، ويقول لي في السر: يا بني الزم هذا الرجل، فإنك لو جاوزت هذا البلد، فتكلمت في مسألة، فقلت فيها: أشهب لقيل لك: من أشهب؟ قال: فلزمت الشافعي، وما زال كلام أبي في قلبي حين خرجت إلى العراق، فكلمني القاضي بحضرة جلسائه، فقلت فيها: قال أشهب قال مالك، فقال: ومن أشهب، وأقبل على جلسائه، فقال لبعضهم كالمنكر: ما أعرف أشهب، ولا أبلق.
وذكره القضاعي في كتاب خطط مصر، فقال: ومحمد هذا هو الذي أحضره أحمد بن طولون في الليل إلى جُب سقايته بالمعافر لما توقف الناس عن شرب مائها، والوضوء به، فشرب منها وتوضأ فأعجب ذلك ابن طولون، وصرفه لوقته، ووجه إليه بصلة، والناس يقولون: إنه المزني، وليس بصحيح.
قال ابن خلكان (١): توفي يوم الأربعاء لليلة خلت من ذي القعدة سنة ثمانين ومائتين، ودفن فيما ذكر عند أبيه وأخيه مع الشافعي، ومولده سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقيل: سنة سبع وستين (٢).
ومنهم:
стр. 1955
[٦١] ابن الرفعة (١)
بحر يعج، ومعين يفج، كان في المذهب من أوضح الإعلام، وأوضأ البدور في الظلام، لو جاء فيما تقدم لأخليت له الرحاب وخلفت خلفه الأصحاب، وشفي به صدر الشافعي، ورفع قدر الرافعي، ولم يماثل اخا العلم منه ابن الصلاح، ولا قابله ابن عبد السلام إلا وقد ألقى السلاح، ولم تعد أسد الشرى شراءه، ولا سحب الحياء إلا وراءه.
سألت عنه قاضي القضاة السبكي أمتع الله ببقائه، فقال: ما جاء بعد الرافعي مثله.
قلت: وأهل مصر على كلمة إجماع في تفضيله، وأهل الشام بعدهم على ذلك، وشرح «التنبيه» شرحًا ما ترك فيه بعده، ولا ترك من أهل الفقه إلا من لم يتجاوز حده (٢).
ومنهم:
[٦٢] الزنكلوني (٣)
فقيه نبله المتصوب لم يطش، ومثله إلى زمانه المتأخر لم يعش، رسا مجدًا،
стр. 1956
وعلا نجدًا، واتسع ذيل تصنيفه، وطبع العلم على حكم تصريفه، وكان وقورًا ترى الطود لديه محقورًا، وتخال السحاب بما حمل منه موقورًا، انتفع به عامة الجيل الباقي من الفقهاء، وارتفع به شأنهم رفع الازدهار. ومن نكد الدهر وولعه بالحط من ذوي القدر أنه كانت له خطابة قرية من قرى مصر لا يكاد يزيد عدد رجالها على من تقوم بهم الخطبة، وزوحم فيها، ونوزع عليها، وليت من نازعه كان يحفظ غير فاتحة الكتاب سورة متلوة، أو يحسن يسبغ كما أمر وضوءه، وإنما كان رجلًا من أهل الريف أصوب ما قرأه بالتحريف، وحرصت أنا وشيخنا قاضي القضاة القزويني الخطيب ﵀ على تحقيق أولويته، وسداد قضيته، وتقديمه على ذلك الفدم الجاهل، وإظهار الفرق ما بين القدم والفرق، فأبى له الحظ السيئ إلا الحرمان، وليس هذا موضع القول، ويكفي هذا القدر في التلويح (١).
ومنهم:
стр. 1957
[٦٣] ابن عدلان، محمد بن الكناني الشافعي، قاضي القضاة، شمس الدين، أبو عبد الله (١)
إمام نشر في التدريس مذهب ابن إدريس، وأتى بما لم تستطعه الأوائل، ولم تطقه قدرة مصنف ولا قائل، حتى أضحت الوجوه ضاحكة مسفرة، والطرق سالكة مستقرة، واستدل للقولين معًا، وبلغ قَصِيَّ كل فضيلة، فلا غرو أن دعي مجمعًا، وسدّد منه سهم من كنانة، وثقف سمهري لا يردُّ سنانه، وبقى فقيه السلف وقدوة الخلف، وناب في القضاء حيث المتولي لا تُداني النجوم رتبته المنيفة، وحيث النائب عنه في الحكم العزيز خليفة، هذا وكم من مواقف جاهد فيها أكبر الجهاد، وزاحم فيها مرتبة الاجتهاد، وأقدم والسيوف على رأسه تتلمظ، ونيران الغضب حوله تتشوط، ولم يُخط جرح فمه، وقد كان ينزف دمًا، ويأتي منه على آخر الدماء، إلا أن الله سَلَّم، وخلص من دمه من كاد له يتذمم، وهو الآن على قضاء العساكر تعزُّ به جنودها، ويعقد بسببه بنودها، وهو مقبل على التصنيف، لا يريح منه خاطرة، ولا يربح أنواءه الماطرة (٢).
وهذا آخر من نذكره من الفقهاء الشافعية.
* * *
стр. 1958
طبقات الفقهاء الحنابلة
стр. 1959
[طبقات الفقهاء الحنابلة]
ونتلوهم برابع الأئمة الأربعة، وهو:
[١] الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس الشيباني الإمام، أبو عبد الله، المروزي، ثم البغدادي (١)
أحد أئمة الإسلام، والهداة الأعلام، وأحد الأربعة الذين تدور عليهم أقضية
стр. 1960
الحكام، وفتاوى الفقهاء في الحلال والحرام، والتابعين بإحسان لطرق السلف الكرام، وهو العَلَمُ إلا أنّه في صدره النور والنجم الذي يهدي ولا يغر، ويسري ولا يغور، وحافظ الملة من تحريف الغالين، وتحريف القالين، قام بالحق حتى كان أمةً وحده، وقال الصدق ولم يخش السيف، ولا حده، وصبر على بلاء المحنة، وصابر من الأعداء الإحنة، وأقام في إخماد ضرم تلك الفتنة حين أضرمت الهيجاء، وأظلمت الأرجاء، حتى انكشفت تلك الضلة، وانصرفت تلك الفرق المضلة، ووجهه يتهلل، وشبهه القمر لمن يتأمل، حتى منع حمى القرآن ممن قال فيه تلك المقالات، ودعا فيه إلى تلك الضلالات، ولم يرعه مضاء السيف المُصلت، ولا ضيق السجن الذي منه لا يفلت، وصابر السياط التي صبت عليه عذابه والقيود التي جمد عليه مذابها، حتى جلى الله تلك المحن، وقد وقى مهجته، ورفع بحط عدوه درجته، وأعد له ما أعده، وأقامه قيام سيد تيم في قتال أهل الردة، وكانت لا تخور له قوى عزيمة، ولا تمر به الأبطال إلا كلمى هزيمة، وكان غمامًا في المحل إذا ما طرا ماطرا، وهمامًا في الخطب إذا عرا ذا عرا، ما عدل عن كتاب ولا سنة، ولا سلك مذهبه إلا طريقًا إلى الجنة.
стр. 1961
خرجت أمه من مرو، وهي حامل به، فولدته في بغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وقيل: بل ولد بمرو، وحمل إلى بغداد، وهو رضيع، وطاف البلاد في سماع الحديث والعلم، فدخل الكوفة والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام والجزيرة، وروى عن الجم الغفير والعدد الكبير من أهل العلم، ومشيخ الحديث، وأخذ الفقه عن جماعة من أجلهم الإمام أبو عبد الله الشافعي.
وقد روي أن الإمام أحمد صحب الشافعي مدة مقامه ببغداد في الرحلة الثانية، وأنه سلك مسلكه ونهج منهجه، وقال: كل مسألة ليس عندي فيها دليل، فأنا أقول فيها بقول الشافعي.
وكان إمام المحدثين صنف كتابه «المسند» وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره.
وهو من أجل كتب الإسلام، وصنف كتاب «الزهد»، ويقال: إنه جمع تفسيرًا جمع فيه مائة ألف حديث، وعشرين ألفًا.
وقال في حقه الشافعي: خرجت من بغداد، وما خلفت بها أتقى، ولا أفقه من ابن حنبل.
ودعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب، فضرب وحبس، وهو مُصِر على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين.
وكان حسن الوجه، ربعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود.
قال الزعفراني: ما قرأت على الشافعي حرفًا إلا وأحمد حاضر، ولا ذهبت إلى الشافعي مجلسًا إلا وجدت أحمد فيه.
وقال إبراهيم الحربي: الشافعي أستاذ الأستاذين، أليس هو أستاذ أحمد؟
وقال صالح بن أحمد: مشى أبي مع بغلة الشافعي، فبعث إليه يحيى بن معين، فقال: أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟! فقال: يا أبا زكريا، ولو مشيت إلى جانبها الآخر، لكان أنفع لك.
وقال يحيى بن سعيد القطان: أحمد بن حنبل حبرٌ من أحبار هذه الأمة.
وقال الميموني: قال لي علي بن المديني - لما ضرب أحمد بن حنبل وحبس: يا ميموني ما قام أحدٌ في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل.
стр. 1962
قال المروزي: سمعت سلمة بن شبيب يقول: كنت عند أحمد بن حنبل، فجاءه رجل فقال: قد ضربت برها وبحرها، أو قال: قصدت إليك، ولولا أني قيل لي في منامي أن آتيك، فأخبرك لما جئت، فقيل لي: قل له إنَّ الله قد باهى بضربك الملائكة.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لست أعلم في الإسلام مثل أحمد.
وقال أبو جعفر النفيلي: أحمد بن حنبل من أعلام الدين.
وقال مهنا بن يحيى الشامي: ما رأيت أحدًا أجمع لكل خير من أحمد بن حنبل، وما رأيت مثله في علمه، وفقهه، وزهده، وورعه.
وسئل أبو ثور عن مسألة، فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا.
وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل.
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد بن حنبل.
وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ فقال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب.
وروى عنه جماعة من الأماثل منهم: البخاري، ومسلم، والشافعي، ويزيد بن هارون - وهما من شيوخه - وإسحاق بن منصور الكوسج، وبقي بن مخلد الأندلسي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وحرب الكرماني، وابناه صالح وعبد الله.
وذكر مناقبه يطول شرحها، وللناس في ذلك مصنفات مفردة، أحسنها وأبسطها ما جمعه أبو الفرج ابن الجوزي.
وتوفي أحمد بن حنبل ضحوة نهار الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقيت من الشهر المذكور، وقيل: من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد عن سبع وسبعين سنة على المشهور، ودفن بمقبرة باب حرب وقبره مشهور هناك يزار، وحزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفًا، وقيل: ألف ألف.
وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفًا من النصارى واليهود والمجوس، قال صالح ابن أحمد: حضرت أبي الوفاة، فجلست عنده، وبيدي الخرقة لأشد بها
стр. 1963
لحيته، فجعل يعرق، ثم يفيق يفتح عينيه، ويقول بيده هكذا لا بعد، لا بعد ثلاث مرات، فقلت له: يا أبة إيش هذا الذي لهجت به في هذا الوقت، قال لي: ما تدري، قلت لا، قال: إبليس لعنه الله قائم بحذائي عاضًا على أنامله، يقول لي: يا أحمد فتني، فأقول: لا حتى أموت.
حدث إبراهيم الحربي، قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام كأنه خارج من مسجد الرصافة، وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأكرمني، فقلت: ما هذا الذي في كُمِّك؟ قال: قدم علينا روح أحمد بن حنبل، فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا ما التقطت قلت: فما فعل الله بيحيى بن معين، وأحمد بن حنبل؟ قال: تركتهما وقد زارا رب العالمين، ووضعت لهما الموائد. قلت: فلم لم تأكل معهما أنت؟ قال: قد عرف هوان الطعام علي، فأباحني النظر إلى وجهه.
ومنهم:
[٢] إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب الكوسج، المروزي (١)
الرافل في أحسن فخار وزي، استمد منه أهل الصحيح، واستعد للسحاب فلم يقدح زناده الشحيح، حتى حصل ما حصل، وحاز ما لو شاب خضاب الليل لما تنصل، وكان جد ثقة، ومؤدي أمانة أعطى عليها موثقه.
ولد بمرو، ورحل إلى العراق، والحجاز، والشام، وسمع جماعةً، وورد بغداد، وحدث بها، وروى عنه الشيخان صاحبا الصحيحين، وجماعة من الأئمة، وكان عالمًا فقيهًا.
وهو الذي دَوّن الفقه عن الإمام أحمد، ولما بلغه أن أحمد رجع عن المسائل التي كان علقها عنه، جمع إسحاق تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره،
стр. 1964
وخرج راجلًا إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقر له بها ثانيًا، وأعجب بذلك أحمد من شأنه.
وسئل مسلم عن إسحاق، فقال: ثقة، مأمون.
توفي يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة لعشر بقين من جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين ومائتين بنيسابور، ودفن إلى جنب إسحاق بن راهويه.
ومنهم:
[٣] أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي، أبو بكر الأثرم (١) صاحب الإمام أحمد
زند ذكاء ما فيه قادح، ونهار لألاء لا يحتاج إلى مادح، أثرى من الفضائل، ثم ما افتقر، وأثر من الفواضل ما لو قيس به الذهب، لكان يحتقر، جذب بضبعه العلم فارتفع، وعم بنفعه الخلق وانتفع، ولم يُرّ ألين من فننه، ولا أجرى من ماء التعليم في غُصنه، حتى صار من أعلام الحفاظ، ومن أعلى من عرف منه حسن الحفاظ.
قال أبو بكر الخلال: كان جليل القدر، حافظًا لما قدم عاصم بن علي بغداد طلب من يخرج له فوائد، فلم يجد مثل أبي بكر، فلم يقع منه بموقع لحداثة سنه، فأخذ يقول: هذا خطأ، وهذا وهم، فُسر عاصم به.
وكان للأثرم تيقظ عجيب، حتى قال يحيى بن معين وغيره: كأن أحد أبويه جني.
وقال إبراهيم الأصفهاني: الأثرم أحفظ من أبي زرعة الرازي وأتقن.
وقال الحسن بن علي بن عمر: قدم شيخان من خراسان للحج فحدثا، فقعد هذا ناحية معه خلق ومستمل، وقعد الآخر ناحية كذلك، فقعد الأثرم بينهما، فكتب ما
стр. 1965
أمليا معًا.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (١): أظنه مات بعد الستين ومائتين.
ومنهم:
[٤] صالح ابن الإمام أحمد أبو الفضل (٢)، قاضي أصبهان
أكبر إخوته، ومجيب كلمة أبيه وملبي دعوته، كان زاهدًا ما فيه ما يقال، وعابدًا أمن أن لا يقال بُلِيَ بثقل الجناح والقضاء، وإن كان لا يخاف الجناح، وتوفي بدار اغتراب، وبلد نازح، على أن أصل ابن آدم من تراب.
سمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، ومن المواضع يسأل لهم عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جيدة، وكان أبوه يحبه ويكرمه، ويدعو له، وكان معيلًا بلي بالعيال على حداثته، وكان سخيًا يطول ذكر سخائه، اقتصد يومًا، فدعا اخوانه وأنفق في ذلك عشرين دينارًا في طبيب وغيره.
وروي عن صالح بن أحمد قال: قال لي أبي: أنا أدعوك، وأبعث خلفك إذا جاءنا رجل متقشف، لتنظر إليه رجاء أن يرسخ في قلبك إذا نظرت إلى مثله، فلما صار صالح إلى أصبهان بدأ بمسجد الجامع، فدخله وصلى ركعتين، واجتمع الناس والشيوخ، وجلس وقرئ عليه عهد الخليفة الذي كتب له، جعل يبكي بكاء كثيرًا، فبكى الشيوخ الذين قربوا منه، فلما فرغ من قراءة العهد، جعل المشايخ يدعون له، ما في بلدنا أحد إلا وهو يحب أبا عبد الله ويميل إليك، فقال لهم: أتدرون ما الذي أبكاني؟ ذكرت أبي ﵀ أن يراني في مثل هذا الحال، قال: وكان عليه السواد. قال: كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد، أو رجل متقشف؛ لأنظر إليه يحب أن أكون مثلهم، أو يراني مثلهم، ولكن الله يعلم ما دخلت في هذا الأمر إلا لدين قد غلبني، وكثرة عيال. أحمد الله، وكان صالح إذا انصرف من مجلس الحكم يترك