← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

خرجت أمه من مرو، وهي حامل به، فولدته في بغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وقيل: بل ولد بمرو، وحمل إلى بغداد، وهو رضيع، وطاف البلاد في سماع الحديث والعلم، فدخل الكوفة والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام والجزيرة، وروى عن الجم الغفير والعدد الكبير من أهل العلم، ومشيخ الحديث، وأخذ الفقه عن جماعة من أجلهم الإمام أبو عبد الله الشافعي. وقد روي أن الإمام أحمد صحب الشافعي مدة مقامه ببغداد في الرحلة الثانية، وأنه سلك مسلكه ونهج منهجه، وقال: كل مسألة ليس عندي فيها دليل، فأنا أقول فيها بقول الشافعي. وكان إمام المحدثين صنف كتابه «المسند» وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره. وهو من أجل كتب الإسلام، وصنف كتاب «الزهد»، ويقال: إنه جمع تفسيرًا جمع فيه مائة ألف حديث، وعشرين ألفًا. وقال في حقه الشافعي: خرجت من بغداد، وما خلفت بها أتقى، ولا أفقه من ابن حنبل. ودعي إلى القول بخلق القرآن، فلم يجب، فضرب وحبس، وهو مُصِر على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين. وكان حسن الوجه، ربعة، يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود. قال الزعفراني: ما قرأت على الشافعي حرفًا إلا وأحمد حاضر، ولا ذهبت إلى الشافعي مجلسًا إلا وجدت أحمد فيه. وقال إبراهيم الحربي: الشافعي أستاذ الأستاذين، أليس هو أستاذ أحمد؟ وقال صالح بن أحمد: مشى أبي مع بغلة الشافعي، فبعث إليه يحيى بن معين، فقال: أما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته؟! فقال: يا أبا زكريا، ولو مشيت إلى جانبها الآخر، لكان أنفع لك. وقال يحيى بن سعيد القطان: أحمد بن حنبل حبرٌ من أحبار هذه الأمة. وقال الميموني: قال لي علي بن المديني - لما ضرب أحمد بن حنبل وحبس: يا ميموني ما قام أحدٌ في الإسلام ما قام به أحمد بن حنبل.

стр. 1962

قال المروزي: سمعت سلمة بن شبيب يقول: كنت عند أحمد بن حنبل، فجاءه رجل فقال: قد ضربت برها وبحرها، أو قال: قصدت إليك، ولولا أني قيل لي في منامي أن آتيك، فأخبرك لما جئت، فقيل لي: قل له إنَّ الله قد باهى بضربك الملائكة. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لست أعلم في الإسلام مثل أحمد. وقال أبو جعفر النفيلي: أحمد بن حنبل من أعلام الدين. وقال مهنا بن يحيى الشامي: ما رأيت أحدًا أجمع لكل خير من أحمد بن حنبل، وما رأيت مثله في علمه، وفقهه، وزهده، وورعه. وسئل أبو ثور عن مسألة، فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا فيها كذا وكذا. وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل. وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد بن حنبل. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ فقال: ذاكرته، فأخذت عليه الأبواب. وروى عنه جماعة من الأماثل منهم: البخاري، ومسلم، والشافعي، ويزيد بن هارون - وهما من شيوخه - وإسحاق بن منصور الكوسج، وبقي بن مخلد الأندلسي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وحرب الكرماني، وابناه صالح وعبد الله. وذكر مناقبه يطول شرحها، وللناس في ذلك مصنفات مفردة، أحسنها وأبسطها ما جمعه أبو الفرج ابن الجوزي. وتوفي أحمد بن حنبل ضحوة نهار الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقيت من الشهر المذكور، وقيل: من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد عن سبع وسبعين سنة على المشهور، ودفن بمقبرة باب حرب وقبره مشهور هناك يزار، وحزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفًا، وقيل: ألف ألف. وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفًا من النصارى واليهود والمجوس، قال صالح ابن أحمد: حضرت أبي الوفاة، فجلست عنده، وبيدي الخرقة لأشد بها

стр. 1963

لحيته، فجعل يعرق، ثم يفيق يفتح عينيه، ويقول بيده هكذا لا بعد، لا بعد ثلاث مرات، فقلت له: يا أبة إيش هذا الذي لهجت به في هذا الوقت، قال لي: ما تدري، قلت لا، قال: إبليس لعنه الله قائم بحذائي عاضًا على أنامله، يقول لي: يا أحمد فتني، فأقول: لا حتى أموت. حدث إبراهيم الحربي، قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام كأنه خارج من مسجد الرصافة، وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأكرمني، فقلت: ما هذا الذي في كُمِّك؟ قال: قدم علينا روح أحمد بن حنبل، فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا ما التقطت قلت: فما فعل الله بيحيى بن معين، وأحمد بن حنبل؟ قال: تركتهما وقد زارا رب العالمين، ووضعت لهما الموائد. قلت: فلم لم تأكل معهما أنت؟ قال: قد عرف هوان الطعام علي، فأباحني النظر إلى وجهه. ومنهم: [٢] إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب الكوسج، المروزي (١) الرافل في أحسن فخار وزي، استمد منه أهل الصحيح، واستعد للسحاب فلم يقدح زناده الشحيح، حتى حصل ما حصل، وحاز ما لو شاب خضاب الليل لما تنصل، وكان جد ثقة، ومؤدي أمانة أعطى عليها موثقه. ولد بمرو، ورحل إلى العراق، والحجاز، والشام، وسمع جماعةً، وورد بغداد، وحدث بها، وروى عنه الشيخان صاحبا الصحيحين، وجماعة من الأئمة، وكان عالمًا فقيهًا. وهو الذي دَوّن الفقه عن الإمام أحمد، ولما بلغه أن أحمد رجع عن المسائل التي كان علقها عنه، جمع إسحاق تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره،

стр. 1964

وخرج راجلًا إلى بغداد، وهي على ظهره، وعرض خطوط أحمد عليه في كل مسألة استفتاه فيها، فأقر له بها ثانيًا، وأعجب بذلك أحمد من شأنه. وسئل مسلم عن إسحاق، فقال: ثقة، مأمون. توفي يوم الخميس، ودفن يوم الجمعة لعشر بقين من جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين ومائتين بنيسابور، ودفن إلى جنب إسحاق بن راهويه. ومنهم: [٣] أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي، أبو بكر الأثرم (١) صاحب الإمام أحمد زند ذكاء ما فيه قادح، ونهار لألاء لا يحتاج إلى مادح، أثرى من الفضائل، ثم ما افتقر، وأثر من الفواضل ما لو قيس به الذهب، لكان يحتقر، جذب بضبعه العلم فارتفع، وعم بنفعه الخلق وانتفع، ولم يُرّ ألين من فننه، ولا أجرى من ماء التعليم في غُصنه، حتى صار من أعلام الحفاظ، ومن أعلى من عرف منه حسن الحفاظ. قال أبو بكر الخلال: كان جليل القدر، حافظًا لما قدم عاصم بن علي بغداد طلب من يخرج له فوائد، فلم يجد مثل أبي بكر، فلم يقع منه بموقع لحداثة سنه، فأخذ يقول: هذا خطأ، وهذا وهم، فُسر عاصم به. وكان للأثرم تيقظ عجيب، حتى قال يحيى بن معين وغيره: كأن أحد أبويه جني. وقال إبراهيم الأصفهاني: الأثرم أحفظ من أبي زرعة الرازي وأتقن. وقال الحسن بن علي بن عمر: قدم شيخان من خراسان للحج فحدثا، فقعد هذا ناحية معه خلق ومستمل، وقعد الآخر ناحية كذلك، فقعد الأثرم بينهما، فكتب ما

стр. 1965

أمليا معًا. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (١): أظنه مات بعد الستين ومائتين. ومنهم: [٤] صالح ابن الإمام أحمد أبو الفضل (٢)، قاضي أصبهان أكبر إخوته، ومجيب كلمة أبيه وملبي دعوته، كان زاهدًا ما فيه ما يقال، وعابدًا أمن أن لا يقال بُلِيَ بثقل الجناح والقضاء، وإن كان لا يخاف الجناح، وتوفي بدار اغتراب، وبلد نازح، على أن أصل ابن آدم من تراب. سمع من أبيه مسائل كثيرة، وكان الناس يكتبون إليه من خراسان، ومن المواضع يسأل لهم عن المسائل، فوقعت إليه مسائل جيدة، وكان أبوه يحبه ويكرمه، ويدعو له، وكان معيلًا بلي بالعيال على حداثته، وكان سخيًا يطول ذكر سخائه، اقتصد يومًا، فدعا اخوانه وأنفق في ذلك عشرين دينارًا في طبيب وغيره. وروي عن صالح بن أحمد قال: قال لي أبي: أنا أدعوك، وأبعث خلفك إذا جاءنا رجل متقشف، لتنظر إليه رجاء أن يرسخ في قلبك إذا نظرت إلى مثله، فلما صار صالح إلى أصبهان بدأ بمسجد الجامع، فدخله وصلى ركعتين، واجتمع الناس والشيوخ، وجلس وقرئ عليه عهد الخليفة الذي كتب له، جعل يبكي بكاء كثيرًا، فبكى الشيوخ الذين قربوا منه، فلما فرغ من قراءة العهد، جعل المشايخ يدعون له، ما في بلدنا أحد إلا وهو يحب أبا عبد الله ويميل إليك، فقال لهم: أتدرون ما الذي أبكاني؟ ذكرت أبي ﵀ أن يراني في مثل هذا الحال، قال: وكان عليه السواد. قال: كان أبي يبعث خلفي إذا جاءه رجل زاهد، أو رجل متقشف؛ لأنظر إليه يحب أن أكون مثلهم، أو يراني مثلهم، ولكن الله يعلم ما دخلت في هذا الأمر إلا لدين قد غلبني، وكثرة عيال. أحمد الله، وكان صالح إذا انصرف من مجلس الحكم يترك

стр. 1966

سواده، ويقول: تراني أن أموت وأنا على هذا. وولي صالح بطرسوس قبل ولاية القضاء بأصبهان، ومات بأصبهان في رمضان سنة ست وستين ومائتين، وقيل: سنة خمس ومولده سنة ثلاث ومائتين. ومنهم: [٥] حنبل بن إسحاق بن حنبل، أبو علي الشيباني (١) ابن عم الإمام أحمد، فقيه لولاه للفضل لما نفق، ولولا بقياه لما تخلق الصباح بالشفق، ممن يقر البحر بعلمه، وإن كان ما له قرار، والبدر لفهمه لو لم يدركه السرار، من كافور تلك الجبلة، ونور تلك الأسرة المستهلة، عرف بعلمه، وعز قدره بابن عمه. قال الخلال: جاء عن أحمد بمسائل أجاد فيها الرواية وأغرب، وإذا نظرت في مسائله شبهتها في حسنها وإشباعها وجودتها بمسائل الأثرم. وكان رجلًا فقيرًا خرج إلى عُكبرا، فقرأ مسائله عليهم، وخرج أيضًا إلى واسط. وقال حنبل: جمعنا عمي لي ولصالح، ولعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه مني - يعني تامًا - غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ ارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه وإلا ليس بحجة. ومن ورعه أنه لما قدم عُكبرا نزل في غرفة اكتراها، فلما اجتمع أصحاب الحديث إليه. قال لهم: اكترينا هذه الغرفة لنسكنها، فإذا كثر الناس خشينا أن نضر، فإذا اجتمعتم خرجنا إلى المسجد. وقال حنبل: حججت في سنة إحدى وعشرين فرأيت في المسجد الحرام كسوة البيت الديباج، وهي تخيط في صحن المسجد، وقد كتب في الدارات «ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير فلما قدمت سألني عن بعض الأخبار، فأخبرته بذلك،

стр. 1967

فقال: قاتله الله، الخبيث - يعني ابن أبي دؤاد - عمد إلى كتاب الله فغيره، يعني أزال «السميع البصير» (١). توفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين ومائتين. ومنهم: [٦] أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز، أبو بكر المروذي (٢) لم يكن مثله في التحلي بدين والتخلي ليقين، فرد في تأييد العلم بالورع، والتقدم والناس له تبع، وكان أنيس إمامه، وجليس غمامه، ورسيل علمه إذا عبّ بحره وزخر، وعديل حلمه إذا رسا طوده وفخر. كان مقدمًا في أصحاب الإمام أحمد لورعه وفضله، وكان أحمد يأنس به، وينبسط إليه، وهو الذي تولى إغماضه لما مات وغسله، وقد روى مسائل كثيرة. وقال المروذي: رأيت ربي في المنام، وكأن القيامة قد قامت، ورأيت الخلائق والملائكة حول بني آدم، فسمعت الملائكة تقول: قد أفلح الزاهدون في الدنيا، ورأيت النبي ﷺ وسمعته يقول: يا أحمد بن حنبل هلم إلى العرض على الله ، فرأيت أحمد ورأيتني خلفه. ولما قدم أحمد بن حنبل من سامراء، جعل يقول: جزى الله المروذي عني خيرًا. وكان المروذي شديد التمسك بقول أحمد. قال يومًا في جنازة حضرها: لو أن الخليقة انحازت عن قول أحمد بن حنبل ما تحاشيت أن أجفوها. توفي المروذي في جمادى الأولى سنة خمس وسبعين ومائتين، ودفن عند رجل قبر أحمد بن حنبل. ومنهم: [٧] إبراهيم بن إسحاق البغدادي، الإمام الحافظ، أبو إسحاق الحربي (٣) أحد الأعلام، وفرقد الظلام، تفقه على الشيباني، وتبع مذهبه، وسمع الحديث

стр. 1968

وكتبه، وصنف في سائر العلوم، وتصرف في الخصوص، وتصرف [في] العموم، وكان من أفراد الزهاد، وأنجاد العلماء، وهو النجد وهم الوهاد. ولد سنة ثمان وستين ومائة وسمع الحديث، وتفقه على الإمام أحمد، وكان من جملة أصحابه. قال الخطيب (١): كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه، بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث مميزًا لعلله قيمًا بالأدب جماعةً للغة، صنف «غريب الحديث»، وكتبًا كثيرة. أصله من مرو. قال القفطي: غريب الحديث له من أنفس الكتب وأكبرها. قال ثعلب: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة. وقال السلمي: سألت الدارقطني عن إبراهيم الحربي، فقال: كان يقاس بأحمد ابن حنبل في زهده وعلمه وورعه. وقيل: إن المعتضد سير إلى الحربي عشرة آلاف فردها، ثم سير له مرة أخرى ألف دينار فردها. وقال الحربي: ما أنشدت بيتًا قط إلا قرأت بعده ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات. وقال عبد الله بن أحمد قال لي أبي: امض إلى إبراهيم الحربي حتى يلقي عليك الفرائض.

стр. 1969

وقال الحاكم: سمعت أحمد بن صالح يقول: ما أخرجت بغداد مثل إبراهيم الحربي في الفقه، والحديث، والأدب، والزهد. يعني من جميع هذه الأشياء. وقال الدارقطني: هو إمام بارع في كل علم، صدوق. ومات في ذي الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين. ومنهم: [٨] عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل (١)، الحافظ الحجة، أبو عبد الرحمن محدث العراق، ومحط الطرّاق، شبل ذلك القسورة، وبقية تلك الجوهرة، جرى على ذلك السنن، وغرد على ذلك الفنن، وأحيا مآثر شيبان، وما شاب عارضه، ولا ينال باللثام معارضه. ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين، وسمع من أبيه فأكثر، وحدث عنه النسائي وغيره. قال الخطيب (٢): كان ثقة، ثبتًا، فهمًا.

стр. 1970

وقال أحمد بن المنادي في تاريخه: لم يكن أحد أروى في الدنيا عن أبيه من عبد الله؛ لأنه سمع منه «المسند» وهو ثلاثون ألفًا، و «التفسير» وهو مائة وعشرون ألفًا، ثلثه والباقي وجادة، وسمع منه «التاريخ» و «الناسخ والمنسوخ» و «حديث شعبة» و «المقدّم والمؤخّر في كتاب الله و المناسك الكبير» وغير ذلك، وحديث الشيوخ، وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون لعبد الله بمعرفة الرجال، ومعرفة علل الحديث، والأسماء، والمواظبة على الطلب حتى أفرط بعضهم وقدمه على أبيه في الكثرة والمعرفة. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت من أبي مائة ألف، وبضعة عشر ألفًا، وكل شيء أقول: قال أبي، فقد سمعته مرتين أو ثلاثة وأقله مرة. وقال أبو زرعة: قال لي أحمد ابني عبد الله محظوظ من علم الحديث لا يذاكرني إلا بما أحفظ. وكان كثيف اللحية، يصبغ بالحمرة، وكان يلي القضاء بطريق خراسان في خلافة المستكفي، ومات في جمادى الآخرة سنة تسعين ومائتين، وكانت جنازته مشهورة، وأوصى أن يدفن بالقطيعة بباب التبن، فقيل له في ذلك، فقال: قد صح عندي أنّ بالقطيعة نبيًا مدفونًا، وإلى أن أكون في جوار نبي، أحب إلي أن أكون في جوار أبي. ومنهم: [٩] أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر المعروف بالخلال (١) صاحب التصانيف الدائرة، والكتب السائرة، أشهر من النهار، وأظهر محاسن من الروض تدفقت في جوانبه الأنهار، ولم ير أشهى من شهده، ولا أورى من زنده، ولا أضم من نطاقه ولا أتم سَنّى من قمره في آفاقه، أراق عن جفونه في طلب العلم

стр. 1971

طبقات الفقهاء الحنابلة الكرى، حتى أنامها قريرة وادعة، مسرورة هاجعة، وتفرد بحسن الأحدوثة، وانحصر فيه بالاستحقاق علوم مذهبه الموروثة، وبقي بين أقرانه غريبًا، وعلى بعد زمانه قريبًا، وخلى من مدده ما هو ليد كل طالب غنى، ولسمع كل راغب جنى، ولأمل كل غائب نائي عنه منى. رحل إلى أقاصي البلاد في جمع مسائل أحمد، وسماعها ممن سمعها من أحمد، وممن سمعها ممن سمعها من أحمد، فنال منها وسبق إلى ما لم يسبقه إليه سابق، ولم يلحقه بعده لاحق، وكان شيوخ المذهب يشهدون له بالفضل والتقدم، وكانت حلقته بجامع المهدي. قال أبو بكر عبد العزيز: رأيت أبا بكر الخلال في المنام، فسألته عما يأكل، فقال: ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ، أما علمت أن طعام الجنة لا ينفد. ومن تصانيفه: كتاب «الجامع» و «العلل» و «السنة» و «الطبقات» و «العلم» و «تفسير الغريب» و «الأدب» و «أخلاق أحمد» وغير ذلك، وسمع من خلائق لا يحصون كثرة. قال أبو بكر بن شهريار كلنا تبع لأبي بكر الخلال، لم يسبقه إلى جمع علم الإمام أحمد أحد قبله. وقال أبو بكر الخطيب (١): جمع علوم أحمد بن حنبل وتطلبها، وسافر لأجلها، وكتبها وصنفها كتبًا، ولم يكن فيمن ينتحل مذهب أحمد أجمع لذلك منه. توفي يوم الجمعة ثاني ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، ودفن إلى جانب قبر المروذي عند رجل أحمد، وله سبع وسبعون سنة، وقيل: بل نيف على الثمانين. ومنهم: [١٠] الحسن بن علي بن خلف، أبو محمد البربهاري (٢) كان حيث سار تبعته الرعية، وحيث أشار كلمته مرعية، وكان حبه مغناطيس

стр. 1972

القلوب، وذكره عطر الأفواه والجيوب، ولذلك ما جار ابن المعتز حيث أراد استنهاض العامة إلا باسمه الذي صرخ به مناديه، وصرف الأنصار إلى ناديه، حتى كاد يتم أمره لو ساعده القدر، وساعفه الحظ الذي كسف الشمس وخسف القمر. وكان لا يرى بعد ابن حنبل ﵁ إلا بدلًا من إمامه، وخلفًا منه إن وصل أحد بعده إلى مقامه كان شيخ الطائفة، ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند السلطان وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ للأصول المتقنين، والثقات المأمونين. صحب جماعة من أصحاب أحمد، منهم: المروذي، وصحب سهلًا التستري، وصنف كتاب «شرح السنة» وتنزه عن ميراث أبيه، عن سبعين ألف درهم. وكانت له مجاهدات ومقامات في الدين كثيرة، وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في خلافة القاهر، تقدم الوزير ابن مقلة بالقبض على البربهاري فاستتر وقبض على جماعة من أكابر أصحابه، وحملوا إلى البصرة، فعاقب الله ابن مقلة على ذلك بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة، وعزله القاهر عن الوزارة، وطرح في داره النار، وقبض على القاهر يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وحبس، وخلع، وسملت عيناه في هذا اليوم حتى سالتا جميعًا فعمي، ثم تفضل الله، وأعاد البربهاري إلى حشمته، وزادت خصوصًا في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، علت كلمته، وظهر أصحابه، وانتشروا في الإنكار على المبتدعة حتى أنه اجتاز بالجانب الغربي فعطس، فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعهم الخليفة، وهو في روشنه، فسأل عن الحال، فأخبر بها، فاستهولها، وذلك في أيام الراضي. ثم لم يزل المبتدعة يثقلون قلب الراضي على البربهاري، فتقدم الراضي إلى بدر الخرشني صاحب الشرطة بالركوب والنداء ببغداد أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، فاستتر البربهاري، وكان ينزل بالجانب الغربي بباب محول، فانتقل إلى الجانب الشرقي مستترًا، فتوفي في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلثمائة. وكان قد اختبأ عند أخت توزون بالجانب الشرقي، فبقي نحوًا من شهر، فلحقه قيام الدم، فقالت لخادمها - لما مات البربهاري -: انظر من يغسله، فجاء بالغاسل فغسله وغلق الباب حتى لا يعلم أحدٌ، ووقف يصلي عليه وحده، فاطلعت صاحبة الدار، فرأت الدار ملأى رجالًا بثياب بيض وخضر، فلما سلم لم تر أحدًا، فاستدعت الخادم، وقالت: أهلكتني مع أخي.

стр. 1973

فقال: رأيت ما رأيت، فقالت: نعم، فقال: هذه مفاتيح الباب، وهو مغلق، فقالت: ادفنوه في بيتي، وإذا مت، فادفنوني عنده، فدفنوه في دارها وماتت بعده بزمان، فدفنت في ذلك المكان، ومضى عليه الزمان وصار تربة يزار. ومنهم: [١١] أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس، أبو بكر النجاد (١) العالم الناسك الورع، والسالك على ما نص الشارع - صلوات الله عليه - وما شرع، طرقت فتاويه المشارق والمغارب، وطُرّزت حلل النهار وأردية الغياهب، وتناقلت فضائله الركائب، وكانت أحاديثه تتحدث بها السمار على عيسها، وتؤنس بها الفيافي في إقالتها وتعريسها. كان له في جامع المنصور يوم الجمعة حلقتان قبل الصلاة للفتوى على مذهب احمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث. اتسعت رواياته، وانتشرت أحاديث ومصنفاته. قال أبو علي الصواف: كان أحمد بن سلمان يجيء معنا إلى المحدثين ونعله في يده، فقيل له: لم لا تلبس نعلك قال: أحب أن أمشي في طلب حديث رسول الله ﷺ وأنا حاف، فلعله ذهب إلى قوله ﷺ : «ألا أنبئكم بأخف الناس حسابًا يوم القيامة بين يدي الملك الجبار، المسارع إلى الخيرات ماشيًا على قدميه حافيًا. أخبرني جبريل أن الله تعالى ناظر إلى عبد يمشي حافيًا في طلب الخير».

стр. 1974

وقال أبو إسحاق الطبري: كان النجاد يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف، ويترك منه، فإذا كان ليلة الجمعة تصدق بذلك الرغيف، وأكل تلك اللقم التي استفضلها. وكان إذا أملى الحديث في جامع المنصور يكثر الناس في حلقته حتى يغلق بابان من أبواب الجامع مما يليان حلقته. وقال أبو بكر النجاد: ضقت وقتًا من الزمان، فمضيت إلى إبراهيم الحربي، فقصصت له قصتي، فقال لي: أعلم أنني ضقت يومًا حتى لم يبق معي إلا قيراط، فقالت الزوجة: فتش كتبك وانظر ما لا تحتاج إليه فبعه، فلما صليت عشاء الآخرة، جلست في الدهليز اكتب إذ طرق على الباب طارق، فقلت: من هذا؟ فقال: كلمني، ففتحت الباب، فقال لي: أطف السراج، فطفيته، فدخل الدهليز فوضع فيه كارةً، وقال لي: أعلم أننا أصلحنا للصبيان طعامًا، فأحببنا أن يكون لك وللصبيان فيها نصيب، وهذا أيضًا شيء آخر، فوضعه إلى جانب الكارة وقال: اصرفه في حاجتك، وأنا لا أعرف الرجل، وتركني وانصرف، فدعوت الزوجة، وقلت لها: أسرجي، فأسرجت، وجاءت وإذا الكارة منديل له قيمة، وفيه خمسون وسط في كل وسط لون من الطعام، وإذا إلى جانب الكارة كيس فيه ألف دينار. قال النجاد: فقمت من عنده، ومضيت إلى قبر أحمد وزرته، ثم انصرفت، فبينا أنا أمشى على جانب الخندق إذ لقيتني عجوز من جيراننا، فقالت لي: أحمد، فأجبتها، فقالت: ما لك مغموم، فأخبرتها، فقالت: اعلم أن أمك أعطتني قبل موتها، وقالت: أخبئي هذه عندك، فإذا رأيت ابني مضيقًا مغمومًا، فأعطيه إياها، فتعال معي حتى أعطيك إياها، فمضيت معها، فدفعتها إلي. توفي وقد كف بصره ليلة الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وعاش خمسًا وتسعين سنة، ودفن عند بشر الحافي. ومنهم: [١٢] عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم الخرقي (١) صاحب المصنف الذي هو اليوم لأهل المذهب جادة الطريق، ومادة الفريق،

стр. 1975

ومفقهة الطائفة الأحمدية إلا أنها التي لا تتقحم النار، ولا تسري على غير منار، ولا يطربها أصوات المزاهر، ولا المدائح، ولا تقتفي إلا الأثر الأحمدي. ساكن طيبة لا ساكن البطائح. قرأ العلم على من قرأه على المروذي وغيره، وله المصنفات الكثيرة في المذهب لم ينتشر منها إلا «المختصر في الفقه» لأنه خرج عن مدينة السلام لما ظهر سبب الصحابة، وأودع كتبه في درب سليمان، فاحترقت الدار التي كانت الكتب فيها، ولم تكن انتشرت بعد، قرأ عليه جماعة من شيوخ المذهب. توفي الخرقي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ودفن بدمشق. ومنهم: [١٣] عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر المعروف بغلام الخلال (١) إمام له صدر المحراب، وسر الصواب، والواحد الذي إذا تكلم في السنة أزال العتاب، وإذا قال، قال الذي عنده علم من الكتاب، رأس طائفته ورئيسها، وفريدها الذي تهدى إليه سُفُنها، وتحدى عيسها، جدد مذهب إمامه، وما أخلق، ووصل به سببه وهو بالسماء معلق. حدث عن جماعة وروى عنه خلق، وكان موثوقًا به في العلم، متسع الرواية، مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة له المصنفات في العلوم المختلفة كتفسير القرآن، والفقه، والخلاف مع الشافعي، وغير ذلك.

стр. 1976

وقال أبو يعلى: كان ذا دين، وأخا ورع، علامة، بارعًا في علم المذهب، ثم ذكر مكانته في النفوس، وتقدمه عند السلطان، وذكر أنَّ أبا بكر ذكر عند أخت معز الدولة بسوء، وأنه تغمص من علي ﵁، فاستدعته، وجمعت المتكلمين لمناظرته، فكان صوته عاليًا عليهم، وحجته ظاهرة لديهم، وأخت معز الدولة بحيث تسمع كلامه، حتى شهدت له بالفضل، وكان منها الإنكار عليهم فيما كذبوه عليه، وأضافوه إليه، وبذلت له شيئًا من المال، فامتنع من قبوله، مع خفة حاله، وقلة ما له، زهدًا وروعًا. قال القاضي أبو يعلى حكى لنا أبو بكر أحمد بن إسحاق المعروف بابن سكينة الآزجي قال: حكى لنا الشيخ أبو الفضل بن التميمي، قال حكى لي شيخ كان يسافر في طلب الحديث أنه وقع إليَّ في خبر أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب» قال فسافرت كذا وكذا بلد أسأل هل هناك زيادة على هذا العدد، فما زادني أحدٌ، وكل يقول: هكذا سمعنا، فدخلت مدينة البصرة، وسألت عن ذلك، فما زادني أحدٌ، فلما كان ذات يوم نمت، وأنا تعب، فرأيت النبي ﷺ فقبلت قدمه فقال لي: يا فلان قد تعبت في هذا الخبر الذي سمعته عني فقلت له: أي والله يا رسول الله، فقال لي: امض إلى بغداد إلى جامع الخليفة سترى رجلًا واسع الجبين، جهوري الصوت، فسله عن هذه المسألة، يعني أبا بكر عبد العزيز، فإنه يجيبك، قال: فلم يحملني القعود حتى مضيت إلى بغداد، قال: فقلت في نفسي: لا سألت أحدًا عن هذا الرجل حتى أدخل الجامع، وأنظر إلى الصفة التي وصفها رسول الله ﷺ ، فدخلت يوم الجمعة الجامع، فسمعت صوته، فإذا هو بالصفة التي وصفها رسول الله ﷺ ، فوقفت حذاءه، وقلت له: أيها الشيخ، مسألة، فقال: اوسعوا للشيخ موضعًا إلى أن وصلت إلى بين يديه، فقال لي: اجلس، فجلست، فقال لي سرًا ألست الرجل الذي بك رسول الله ﷺ فوقعت علي الرعدة، فقلت: نعم وأمسكت، ثم قال لي: أيها الشيخ هات مسألتك، فسألت عن الحديث أن النبي ﷺ قال: «يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب» فقال لي: يا أبله، أنت والذين سألتهم، حدثنا فلان عن فلان - وذكر الإسناد - أنه إذا كان يوم القيامة، وحصل أهل الموقف يقول الله ولا أبالي ثلاث مرات، ويحثي ثلاث حثيات، فمن قبضته أربع عشرة سماء وأرض كحبة خردل في أرض فلاة: كم مرة سبعون ألف؟ توفي يوم الجمعة لعشر بقين من شوال سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وروي أنه قال لأصحابه في علته: أنا عندكم إلى يوم الجمعة، فقيل له: يعافيك الله أو كلامًا هذا معناه، فقال: سمعت أبا بكر الخلال يقول: سمعت أبا بكر المروذي

стр. 1977

يقول: عاش أحمد ثمانيًا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة، وعاش أبو بكر المروذي ثمانيًا وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة، وعاش أبو بكر الخلال ثمان وسبعين سنة، ومات يوم الجمعة ودفن بعد الصلاة، وأنا عندكم إلى يوم الجمعة، ولي ثمان وسبعون سنة، فلما كان يوم الجمعة مات، ودفن بعد الصلاة. وهذه كرامة حسنة، فإنه حدث بيوم موته، وكان يومًا عظيمًا بكثرة الجمع، وهاجر من داره لما ظهر سب السلف إلى غيرها، وهذا يدل على قوة دينه، وصحة عقيدته. وحكى أبو القاسم الأزجي عن عبد العزيز أنه ضاق في بعض الأوقات. قال: فأخذت رقعة، وكتبت فيها «بسم الله الرحمن الرحيم فلان بن فلان محتاج» قال وأخذت الرقعة، وخرجت إلى باب الحلبة، وألقيت الرقعة من يدي فحملتها الريح، وعدت إلى منزلي، فما كان يسيرًا، وإذا الباب يطرق، فخرجت وإذا شيخ لا أعرفه، ودفع إليَّ قرطاسًا ثقيلًا، فأخذته ودخلت فاعتبرته فإذا هو خمسمائة درهم، وإذا رقعتي بالقرطاس، وفيها مكتوب، «يا صاحب الرقعة بعدها أحسن الأدب في الطلب». ومنهم: [١٤] الحسين بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبد الله البغدادي (١) فقيه وفق الصواب القول وسداده، وتدفق العلم وإمداده، كان يبكر إلى المعابد، ويفكر فكر العابد، إلى علم يُلقنه، وعمل يتيقنه بدقائق معانٍ تتأمل تأمل العيان، وتتكامل تكامل السحر في العيان، أدرك الغاية وحازها، وبلغ النهاية وجازها، وكان يعد من غرائب الرغائب، ويُعدّى حُسن اللآلئ على الترائب، فلو كانت الفضائل نفوسًا، لكان قوتها، أو جواهر، لكان ياقوتها. وكان إمام الحنبلية في زمانه ومدرسهم ومفتيهم، له المصنفات في العلوم، وله

стр. 1978

المقام المشهود في الأيام القادرية، وقد ناظر أبا حامد الإسفراييني في وجوب الصيام ليلة الغمام في دار الإمام القادر بالله بحيث يسمع الخليفة الكلام، فخرجت الجائزة السنية من أمير المؤمنين، فردها مع حاجته إلى بعضها فضلًا عن جميعها تعففًا وتنزهًا. وقيل: إنه كان يبتدئ في مجلسه بإقراء القرآن، ثم بالتدريس، ثم ينسخ بيده، ويقتات من أجرته، فسمي ابن حامد الوراق لأجل ذلك. قال القاضي أبو الحسين: وبلغني أنه كان في كثير من أوقاته إذا اشتهت نفسه الباقلاء، لم يأكل معه دهنًا، وإذا كان معه دهن، لم يجمع بينه وبين الباقلاء، وكان كثير الحج، فعوتب في كثرة سفره، وحجه مع كبر سنه، فقال: لعل الدرهم الزيف يخرج مع الدراهم الجيدة. وحكي: أن إنسانًا من الحاج جاءه بقليل ماء وهو مستند إلى حجر، وقد أشرف على التلف، فأومأ إلى الجائي له بالماء من أين هو، وإيش وجهته، فقال له: هذا وقته، فأومأ أن نعم هذا وقته، عند لقاء الله تعالى أحتاج أن أدري ما وجهه، أو كما قال. توفي سنة ثلاث و أربعمائة. ومنهم: [١٥] محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء (١)، أبو يعلى القاضي والإمام الذي حمد من زمانه الراضي، بحر العلم الزاخر العباب، الفاخر الدر على مباسم الحبائب والحباب، لم يجمع طرفي عصره مثله،

стр. 1979

وإن ذهب بكرًا وأصالًا، وأبى ليله تضولًا ونهاره الإيصالا، أعاد عصر الإمام الشيباني مقبلًا، وقد شابت اللمم، وشانت معايب العجز الهمم، ونال من أكرومة الخلفاء ما كان ببره جديرًا وعلى شكره قديرًا. كان عالم وقته، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره، وكان له في الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدين والدنيا المجلس السامي، والحظ الرفيع عند الإمامين القادر والقائم ﵄، وأصحاب الإمام أحمد له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون ويُدرِّسون، وبقوله يفتون، وعليه يعولون والفقهاء على اختلاف مذاهبهم وأصولهم كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون ويطيعون، وبه ينتفعون، وبالائتمام به يقتدون، وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال، لا سيما مذهبه، واختلاف الروايات عنه، وما صح لديه منه مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد والورع، والعفة، والقناعة، وانقطاعه عن الدنيا وأهلها، واشتغاله بتسطير العلم، وبثه، وإذاعته. ولما خرج ابن حامد إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة سأله محمد بن علي المقرئ على من يدرس؟ وإلى من يجلس؟ فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى، وكان لابن حامد أصحاب كثير، فتفرس في أبي يعلى ما أظهره الله تعالى عليه. وكان فيه صبر على المكارة، واحتمال لما يلحقه من عدو وزلل، إن جرى من صديقه، وتعطف بالإحسان على الكبير والصغير، ويصطنع المعروف مع القاصي والداني، ويجري على سنن الإمام أحمد حذو القذة بالقذة، ولم يزل على طول الزمن يزداد جلالة، ونبلًا وعلمًا، وفضلًا. وحضر سنة اثنتين وأربعمائة في دار الخلافة في أيام القائم بأمر الله مع الجم الغفير والعدد الكثير مع أهل العلم؛ لفساد قول أجرى من المخالفين لما شاع قراءة كتاب «إبطال التأويلات فخرج إلى أبي يعلى من القائم بأمر الله: الاعتقاد القادري في ذلك بما يعتقده أبو يعلى. وكان قبل ذلك قد التمس منه حمل كتاب إبطال التأويلات» ليتأمل، فأعيد إلى أبي يعلى، وشكر له تصنيفه، فقرئ ذلك الاعتقاد الذي خرج من عند الخليفة القائم، والقارئ قائمًا على قدميه والموافق والمخالف بين يديه، ثم أخذت في تلك الصحيفة خطوط الحاضرين من أهل العلم والفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وجعلت كالشرط المشروط، فأول من كتب الزاهد أبو الحسن القزويني «هذا هو قول أهل

стр. 1980

السنة، وهو اعتقادي، وعليه اعتمادي ثم كتب أبو يعلى بعده، وكتب القاضي أبو الطيب الطبري، وأعيان الفقهاء من بين موافق ومخالف، فلما أرادوا النهوض التفت ابن القزويني إلى أبي يعلى وقال: كما في نفسك، فقال أبو يعلى: الحمد لله على ما تفضل به من إظهار الحق، فقال ابن القزويني: لا أقنع بهذا، وأنا أحضر بجامع المنصور، وأملي أحاديث الصفات، فحضر القزويني جمعات مترادفات بجامع المنصور، وأملي أخبار الصفات ناصرًا لما سطره أبو يعلى. توفي أبو يعلى ليلة الاثنين بين العشائين تاسع شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وصلى عليه ولده أبو القاسم، وحضره جمع، ولحقهم حر شديد، فأفطروا جماعة لم يسمحوا بالرجوع. ومنهم: [١٦] عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى، أبو جعفر (١) الشريف العباسي، والمنيف الطود الراسي، من آل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم، وأطلعهم على سرائر العلم وأظهرهم، وبلغ من المقتدي بالله مبلغًا كان به حجة المعتدي، ونجم المهتدي، ومزنة السحاب التي تشافه الروض الندي، قل أن وجد له مثال، أو بلغ له منال، أو عرف وجه في المذهب إلا وله فيه مقال. مولده سنة إحدى عشرة وأربعمائة، درس الفقه على القاضي أبي يعلى، وأعاد الدروس في الفروع وأصول الفقه، فبرع في المذهب، ودرس وأفتى في حياة شيخه، وكان مليح التدريس، جيد الكلام في المناظرة، عالمًا بالفرائض، وأحكام القرآن، والأصول، صنف رؤوس المسائل، وغير ذلك. وكان يدرس في مسجد بدرب بسكة، وبجامع المنصور ثم انتقل إلى الجانب

стр. 1981

الشرقي، فدرس في المسجد المعروف به مقابل دار الخلافة. وكان إذا بلغه منكر عظم عليه ذلك جدًا، وعرف فيه الكراهة الشديدة وكان شديد القول عل أصحاب البدع، والقمع لباطلهم، ودحض كلمتهم، ولم تزل كلمته عالية عليهم، وأصحابه متظاهرين على أهل البدع، لا يرد يده عنهم أحد. ثم انتقل إلى الرصافة، وسكن درب الديوان، ودرس بجامع المهدي، وبالمسجد الذي برأس درب الديوان، وكان يجلس للنظر في كل يوم اثنين ويقصده جماعة من فقهاء المخالفين. وهو الذي غَسل أبا يعلى بن الفراء، وغَسَّل القائم بأمر الله بعد وفاته، وكان قد أوصى له الخليفة بأشياء كثيرة من المال والثياب فأبى أخذها، فقيل له: خذ قميص أمير المؤمنين تتبرك به، فأخذ فوطة نفسه، فنشف بها الإمام القائم، وقال: قد لحق هذه الفوطة، وهي ملكي، بركة أمير المؤمنين، ولم يأخذ القميص. وبلغ من قدره ومحله عند الإمام المقتدي بأمر الله أنه لما فرغ من غسل القائم لم يؤذن له في المصير إلى منزله، حتى بايع الناس المقتدي بأمر الله على الاجتماع، واستدعاه لبيعته منفردًا حاليًا به وبايعه، ثم قال له الشريف في جملة كلامه: [من الطويل] إذا سيد منَّا مَضَى قام سيِّدٌ … فَؤُولٌ بما [قالَ] الكرامُ فَعُولُ ثم أذن له بالمضي إلى منزله بعد بيعته. توفي في نصف صفر سنة سبعين وأربعمائة، ودفن بمقبرة الإمام أحمد، وحضره جمع يفوت الإحصاء، وأخذ الناس من تراب القبر شيئًا كثيرًا للتبرك، ولزموا قبره ليلًا ونهارًا مدة طويلة يقرأون الختمات، وقرئ على قبره في مدة شهور ألف ختمة. ومنهم: [١٧] الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء (١)، أبو علي وذو الفخار الذي ينظر إلى الكواكب من عل. شيَّد لأبيه البناء، وجدد له الثناء،

стр. 1982

ونشر له جناحًا امتد طرافه المذهب، وصفّح بلجين الكواكب أبنوس الغيب، وكان طود العلم المنيف، وقوام الدين الحنيف، وحجة الله قاطعة، وبينة بلألاء الحق ساطعة، وأبقى بعده من التصانيف أفضل ما خلفه عالم، وأسرى بغير طيفه الحالم. تفقه على القاضي أبي يعلى، وعَلَّقَ عنه المذهب والخلاف، ودرس في الجانب الشرقي بدار الخلافة في حياة شيخه أبي يعلى، وصنف كتبًا في الفقه، والحديث، والفرائض، وأصول الدين، وفي علوم مختلفات. وكان متفننًا في العلوم، وكان له حلقتان في جامع المنصور والأخرى في جامع القصر للفتوى والوعظ وقراءة الحديث، وكان أديبًا شديدًا على أهل الأهواء. توفي أبو علي بن البناء يوم السبت الخامس من رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة (١). ومنهم: [١٨] عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة، شيخ الإسلام، موفق الدين، أبو محمد المقدسي ثم الدمشقي، الصالحي، الحنبلي (٢) كان إمامًا موفقًا، وغمامًا مدفقًا، كنزًا لكل طالب، وعِرًا لكل غالب. طرز برد

стр. 1983

ذلك الأوان، وبرز في ذلك القران على كيوان، وكان مجلسه يقدس الواطي، ويحبو بالعفو الخاطي كرمًا وسعه نطاق حلمه، ووشعه إشراق علمه، وله في مذهب الإمام أحمد ﵁ ما أصبح فيه أحمد أهل دهره، وأجمع أهل وقته لأفنان زهره، حتى كان جادة ذلك المذهب، ومادة ذلك البحر الذي عنه لا يذهب. مولده بجماعيل من عمل نابلس سنة إحدى وأربعين وخمسمائة في شعبان، وهاجر مع أهل بيته وأقاربه، وله عشر سنين، وحفظ القرآن، ولزم الاشتغال من صغره، وكتب الخط المليح، وكان من بحور العلم وأذكياء العالم. ورحل هو وابن خاله الحافظ عبد الغني في أول سنة إحدى وستين في طلب العلم إلى بغداد، فادركا نحو أربعين يومًا من حياة الشيخ عبد القادر، ونزلا عنده بالمدرسة، واشتغلا عليه تلك الأيام، وسمعا منه ومن تلك الطبقة، وكان عالم أهل الشام في زمانه. قال ابن النجار: كان إمام الحنابلة بجامع دمشق، وكان ثقةً، حجة، نبيلًا، غزير الفضل، نزهًا ورعًا عابدًا على قانون السلف عليه النور، والوقار، ينتفع الرجل برؤيته قبل أن يسمع كلامه. وقال عمرو بن الحاجب: هو إمام الأئمة، ومفتي الأمة، خصه الله بالفضل الوافر، والخاطر الماطر، والعلم الكامل، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأعصار، أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية. قال: وله المؤلفات الغزيرة، وما أظنُّ الزمان يسمح بمثله، متواضع، حسن الاعتقاد، ذو أناة، وحلم، ووقار، مجلسه معمور بالفقهاء والمحدثين، وكان كثير العبادة، دائم التهجد، لم يُرَ مثله، ولم ير مثل نفسه. وعمل الشيخ الضياء سيرته في جزئين، فقال: كان تام القامة، أبيض، مشرق الوجه، أدعج، كأن النور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين، طويل اللحية، قائم

стр. 1984

الأنف، مقرون الحاجبين، صغير الرأس، لطيف اليدين والقدمين، نحيف الجسم، ممتع بحواسه، أقام هو والحافظ ببغداد أربع سنين، فاتقنا الفقه، والحديث، والخلاف. أقاما عند الشيخ عبد القادر خمسين ليلة، ومات، ثم أقاما عند ابن الجوزي، ثم انتقلا إلى رباط النعال، واشتغلا على ابن المنى، ثم سافر في سنة سبع وستين ومعه الشيخ العماد، وأقاما سنة، صنَّف «المغني» عشر مجلدات و «الكافي» أربعة، وصنف عدة مجلدات. قال الحافظ ضياء الدين: رأيت أحمد بن حنبل في النوم، فألقى علي مسألة، فقلت: هذه في الخرقي، فقال: ما قصر صاحبكم الموفق في شرح الخرقي. قال الضياء: كان ﵀ إمامًا في التفسير، وفي الحديث ومشكلاته، إمامًا في الفقه بل أوحد زمانه فيه، إمامًا في علم الخلاف، أوحدًا في الفرائض، إمامًا في أصول الفقه، إمامًا في النحو والحساب، والأنجم السيارة، والمنازل. وسمعت داود بن صالح المقرئ، سمعت ابن المنى يقول - وعنده الإمام الموفق -: إذا خرج هذا الفتى من بغداد احتاجت إليه. توفي يوم السبت، يوم الفطر، ودفن من الغد سنة عشرين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون. ومنهم: [١٩] محمد بن أبي الحسين [بن] أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد ابن علي اليونيني، البعلبكي، الحنبلي (١)، أبو عبد الله القدوة عرف بالشيخ الفقيه، من أفاضل العلماء، ومناهل الظماء، منشأ البيت المشهور،

стр. 1985

ومنبع الفضل الذي استعذب ورده الجمهور، جمع العلم والعمل، وهما شرفان، وحازهما وهما طرفان، وكان ممن دنا له خضوع الملك الأشرف موسى، وكان إذا أتاه نهض له وقام، وإذا جاء إليه زائرًا سأله المقام، وعلى هذا كان بنوه عند الملك المنصور قلاوون. ومن عقبه الآن العلامة محيي الدين عبد القادر، وهو ببعلبك اليوم صدرها، وشمس أفقها المشرق وبدرها، لعلمه الموقر الأجزاء، وكرمه الذي يضحك بالسحاب ضحك الاستهزاء. مولده سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بيونين من بعلبك، ولبس الخرقة من الشيخ عبد الله البطائحي صاحب الشيخ عبد القادر، وصحب الشيخ عبد الله اليونيني، وتفقه بالشيخ الموفق، وبرع في الخط المنسوب، وسمع الحديث، وحدث، وروى عنه خلق كثير. وكان والده مرحمًا ببعلبك ثم بدمشق، فمات، ونشأ الفقيه يتيمًا بالكشك مع والدته، فأسلمته نشابيا، ثم حفظ القرآن، وجود الخط، ثم حفظ «الجمع بين الصحيحين» للحميدي بكما له … . عمر بن الحاجب، فأطنب وقال: اشتغل بالفقه والحديث إلى أن صار إمامًا حافظًا، لم ير في زمانه مثله في كما له وبراعته. جمع بين علمي الشريعة والحقيقة، وكان حسن الخلق والخلق، نفاعًا للخلق، مطرحًا للتكليف، من جملة محفوظه: الجمع بين الصحيحين وحدثني أنه حفظ «صحيح مسلم» جميعه، وكرر عليه في أربعة أشهر، وكان يكرر علي أكثر سند مسلم من حفظه، وأنه كان يحفظ في الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثًا. وقال ولده قطب الدين: حفظ «الجمع بين الصحيحين» وأكثر «المسند» وحفظ «صحيح مسلم» في أربعة أشهر، وحفظ سورة الأنعام في يوم واحد، وحفظ ثلاث مقامات من الحريرية في بعض يوم.

стр. 1986

وكان الأشرف يحترمه ويعظمه، وكذلك أخوه الصالح، وقدم في أواخر عمره دمشق، فخرج الملك الناصر يوسف إلى زيارته بزاوية الفريثي، وتأدب معه. وقال غيره: كان الشيخ الفقيه، كبير القدر، يذكر بالكرامات والأحوال، وكان أهل بعلبك يسمعون بقراءته على المشايخ الواردين عليهم. توفي في تاسع عشر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة (١). ومنهم: [٢٠] عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر بن أبي الحسين بن أبي الجيش القطفتي الحنبلي (٢)، أبو الخير، وأبو أحمد، مجد الدين، شيخ الإسلام إمام لم يكن بمتّهم، ولا يمكن أن تتطرق إليه التهم. حصل الفضل وجمعه، وأقام أعياده وجمعه، ولم يشم في عمره لغيره لامعة، ولا استمطر لسواه هامعة، وكان في طلب العلم نهما لا يشبع، ومرتسمًا بما يطبع، لا ينبع غيره ما استنبط، ولا يربع على غيره، وما أفرط. وحكي عنه أيام تحصيله ما فضل به كل أهل أوانه، وأشاب ناصية الليل وقد صحبه في عنفوانه فماج بحرًا ومال طودًا هو بحرًا أحرى، ومات يبلل البكاء عليه جيدًا ونحرًا، وأبقت شمسه شعاعًا يخلفها وقد غربت، ويدينها والساعة بموته قد اقتربت. مولده ببغداد في منتصف المحرم سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. قرأ القرآن بالروايات على جماعة، وأخذ النحو والعربية عن أبي البقاء العكبري، والمبارك بن أبي السعادات الواسطي، وتفقه على مذهب الإمام أحمد، وسمع الحديث من خلائق.

стр. 1987

وكان إمامًا، عالمًا، فاضلًا، سيدًا، وقورًا، مهيبًا، خطيبًا، زاهدًا، عابدًا، قل أن ترى العيون مثله أجمعت الطوائف على أنه إمام وقته في القرآن وإنشاء الخطب، ومعرفة اللغة العربية، والحديث، والزهد والورع. وكان طويل القامة، حسن الشكل جهوري الصوت، له وقع في القلوب، وجلالة في النفوس، صاحب كرامات ومكاشفات وأحوال، ومدحه الشيخ يحيى الصرصري، وجمع له بعض أصحابه مجلدًا في فضائله وزهده وسيرته. وحدَّث بأسباب النزول للواحدي و بزاد المسير في التفسير لابن الجوزي، وبالصحيحين، وجامع الترمذي، و «السنن لابن ماجه»، و «مسند الدارمي»، و «أحمد»، و «المنتخب» من مسند عبد بن حميد، و مسند أبي داود الطيالسي وعدة كتب من تصانيف ابن الجوزي، وبكثير من كتب القراءات. وأنشأ الخطب والتصاديق ووسمها بصنوف الضيوف المرتبة على الحروف وهي سبع مجلدات، وكتب كثرًا بخطه من كتب القراءات، وأجزاء الحديث، وخطه مليح صحيح معرب، وخطب بجامع الخليفة بعد واقعة بغداد قريبًا من عشر سنين. وتوفي يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين وستمائة، ودفن عند الإمام أحمد في الحضرة، واقتسم العوام خشب تابوته قصدًا لبركته، ولم يخلف بعده مثله (١). ومنهم: [٢١] عبد الجبار بن عبد الخالق بن محمد بن أبي نصر بن عبد الباقي ابن عكبر العكبري، البغدادي، جلال الدين أبو محمد (٢) إمام حل التمام، وحل بيده الزمام، وحلق وقصر الغمام، درس حتى درس،

стр. 1988

وجلس مجلس الطلبة حتى أجلس، وشرح الله صدره، ومنح الشرف قدره، وفخر بما ذخر، وطما على البحر وقد زخر، وأحيا عظم فخاره الرميم وقد انتحر، ولاذ به الناس من كل جانب، وعاذ به المسالم والمجانب، وعاف وارده بعهده الأنهار واستذنب المذانب. مولده سنة عشرين وستمائة ببغداد، حفظ القرآن في صباه وكتبًا في علوم شتى، وسمع الحديث، وكان إمامًا، عالمًا، فاضلًا كاملًا، وحيد دهره في علم التفسير، والفقه، والوعظ والحديث، خبيرًا بالمذهب، جامعًا لفنون من العلم، مليح الشكل، دمث الأخلاق، له وقع في القلوب، ومهابة في النفوس، طيب الإنشاء، رقيق الاستشهاد، درس بالمدرسة المستنصرية لطائفة الحنابلة بعد واقعة بغداد، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وصنف عدة كتب. قال جلال الدين العكبري: كتب إليَّ النقيب قطب الدين الحسين بن الأقساسي من نظمه ببيتين، وأنشدني إياهما بعد ذلك: [من المتقارب] كتابةُ صُدغيهِ قَدْ جُهْزَتْ … وأبدع في الحُسنِ خَطَاطُها فلاكالرجال ولا كالنساء … وخير المراتب أوساطها فأجزتهما ارتجالًا: جيادُ قَريضِكَ يومَ السِّباق … أعيا السوابق أشواطها وشِعْرُكَ يوسف غُرِ القريض … وأشعار غيرك أسباطها وإِنْ حَلَّ سُم بأذهاننا … فألفاظكَ الغُرُّ بقراطها ومن نثره: أخواني من لم ينظر بعين اليقظة ما بين يديه، توجهت الملامة في وقوعه إليه، ومن نسي حساب سيئاته، وجده مذكورًا في كتاب حافظيه، ومن لم يخف مقامه بين يدي ربه، فلا يحضر لديه، ومن اعتبر بمن عبر وغبر، ونظر العبر بالغير في نفسه وجانبيه. فيا من غفل عن ذنبه بين يدي ربه، أما علمت أن ربك مطلع عليه. توفي يوم الاثنين السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى وثمانين وستمائة ببغداد (١).

стр. 1989

ومنهم: [٢٢] عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين، أبو الفرج، المقدسي الحنبلي (١) شمس عصره التي ذهبت وأبقت شعاعًا منها يخلفها، وواحد دهره الذي أمن أيامه وهو يخوّفها، أوسع زمانه صلاحًا، وولي الحكم، فأسكت من لاحي، وكان يجلس فوق الشافعي صاحب المنصب، ويهمي حتى على ربعه المخصب، وكان خيرًا كله، وسحابًا في كل مكان يحله، لا جرم أنَّ أيامه انقضت أقصر من جناح الذبابة، وأقرب مما بين الوسطى والسبابة، ويقال إنه كان يحكم على الجان، ويحكى عنه في هذا مثل حكايات المجّان، وعلى الجملة كان فردًا لا يُخلف، ولابس حلل فخار مثلها لا يخصف، لعلم مغدق، وعمل مصبح ومغبق وكرم ملء الوفاض، وخط كوشي الرياض، إلى رأفة أندى من السحاب، وبصيرة أهدى من الشهاب، وورع عفّ به عن أكثر الحلال، وزهد كان لا يرى الإكثار إلا في الإقلال، فما عدا سيرة السلف، ولا عدى طريقة الاقتصاد خوفًا من السرف. مولده سنة سبع وتسعين وخمسمائة وسمع حضورًا قبل الستمائة، وسمع من حنبل المسند كله، وأكثر عن ابن طبرزد وتلك الطبقة، وطلب الحديث، وقرأ على الشيوخ، وتفقه بعمه الشيخ موفق الدين، وعرض عليه «المقنع» وعمل له شرحًا في عشر مجلدات.

стр. 1990

وكان كبير الشأن، بعيد الصيت، منقطع القرين، له وقع في النفوس، ومحبة في القلوب، جميل الصورة، حسن البشر، وافر الجلالة، سريع الحفظ والفهم، بديع الكتابة، كثير التعبد والصيام، والتهجد، والسكينة، والتودد وحسن الأخلاق، والصفات الحميدة. قل أن ترى العيون مثله، ليس بالطويل، ولا بالضخم، أزهر اللون، مشربا حمرة، واسع الوجه، أزج الحاجبين، أقنى، أشهل، رقيق البشرة، كث اللحية، مقتصدًا في ثيابه، صغير العمامة، يرسل عذبته بين يديه، يدخل إلى البلد للفصل بين الخصوم، فيركب دابة، وكان يقوم الليل، ويصلي الضحى، وبين العشائين، ويبلغه الأذى فيغضي ويحلم، فقل ما انتقم لنفسه، وكان يقبل جوائز الدولة، فيفرقها على الفقراء والتلاميذ، وحج ثلاث مرات، وغزا ثلاث غزوات: نوبة صفد، ونوبة الشقيف، وحصن الأكراد. قد جمع الله الألسنة على تعظيمه وتوقيره، وولي القضاء اثنتي عشرة سنة لم يتناول عليه رزقًا ثم تركه. قال الفخر أبو محمد عبد الرحمن البعلبكي: أعرفه منذ خمسين سنة مارأيته غضب. وكان الشيخ محيي الدين النواوي يقول: هو أجلّ شيوخي، وقد أثنى عليه الموافق والمخالف. توفي شهيدًا بالبطن في سلخ ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وستمائة عن خمس وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكانت جنازته مشهودة، كان الجمع يفوت الإحصاء، ورثته الشعراء بعدة قصائد، ودفن عند والده بسفح قاسيون. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: رأيت وفاته بخط شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: توفي شيخنا الإمام، سيد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأنام في أوانه، وحيد الزمان حقًا حقًا، وفريد العصر صدقًا صدقًا، الجامع لأنواع المحاسن والمعالي، البريء عن جميع النقائض والمساوئ، القارن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخلق والحلق، ذو الأخلاق الزكية والأعمال المرضية، مع سلامة الصدر والطبع واللطف والترفق، وحسن النية وطيب الطوية حتى إن كان المتعنت يطلب له عيبًا فيعوزه. إلى أن قال: وبكت عليه العيون بأسرها، وعم بمصابه جميع الطوائف وسائر الفرق، فأي دمع ما انسجم، وأي أصل ما جذم، وأي ركن ما هدم، وأي فضل ما عدم، يا له من خطب ما أعظمه، وأصل قدره، ومصاب ما أقحمه، وأكثر ذكره. وفي الجملة: فقد كان الشيخ أوحد العصر في أنواع الفضائل. هذا حكم مسلم

стр. 1991

من جميع الطوائف، وكان مصابه أجل من أن تحيط به العبارة فرحمه الله ورضي عنه. [وحكى لي من أثق به أنَّ الملك الظاهر بيبرس لما خرج إلى بلاد الروم، جعل طريقه بمدينة دمشق على الجسر الأبيض حتى أتى الجامع المظفري، ونزل به، والشيخ جالس به يريد وداعه؛ ليكون آخر عهده به، فأتى إليه، وجلس بين يديه، وأمسك يده، والشيخ يتأبى، ثم لم يزل به حتى قبلها، وأمرها على عينيه، ثم سأل منه الدعاء، وخرج لوقته، فركب وانطلق]. ومنهم: [٢٣] سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر ابن الشيخ أبي عمر، تقي الدين، أبو الفضل، قاضي القضاة (١) ولي الحكم، فكان سليمان زمانه حكمًا، وسلمان أوانه علمًا، لو علم بإتيانه القاضي أبو يعلى لاستعلى، أو ابن بطة ولو استبطا، أتى إبانه لما استملى، أو استشعر به قاضي العراق؛ لنفض عن هدبه الكرى وأراق، فلو علم به البربهاري، لبره، أو أقسم به الموفق على الله لأبره، بزهد لو رأى المروذي بزه الرفيع، لنسج عليه، أو الخلال، لخلى ما عنده لديه، حكم فما انتقد عليه حتى ألان، واشتد فما قسا، وسهل فما لان، وذهب وصدر الزمان به ملان. ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة، وسمع «الصحيح» حضورًا في الثالثة من ابن الزبيدي، وسمع صحيح مسلم وما لا يوصف كثرة من الحافظ ضياء الدين، وابن

стр. 1992

اللتي، وجعفر الهمداني وابن الجميزي، وكريمة، وسمع حضورًا من جده الجمال أبي حمزة، وابن المُقَيِّر، وأبي عبد الله الأربلي، وأجازه محمد بن عماد، وابن باقا، والمسلم المازني، ومحمد بن منده، وابن عبد الواحد المديني، وشعرانة، والسهروردي، والمعافى، وابن عيسى المقرئ، وخلق كثير. وخرج له ابن الفخر معجمًا كبيرًا، وسمع عليه الكثير، ودرس بالجوزية، وكان مليح الدروس، وولي القضاء عشرين سنة، وعزله الجاشنكير في سلطنته ثم أعاده السلطان عند عوده من الكرك، فبقي حتى توفي سنة خمس عشرة وسبعمائة (١). ومنهم: [٢٤] محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الصالحي، قاضي القضاة شمس الدين، أبو عبد الله، الحنبلي (٢) شمس حجبت أيامه بأجنحة الفواخت وضمنت بطيبها ردّ الأيام الفوائت، كان عصره مذهبًا، وزمنه لأوقات السرور مذهبا أمن به كل خائف كان يترقب، واستقر به كل سارقٍ كان بخُمر الباطل يتنقب كان أبوه رجلًا يبيع الملح، ويتسبب في قليله طلبًا للربح، وقضى على هذا الأيام، وأصلح به زمنه إصلاح الملح للطعام، وولد ابنه مغتذيًا بطعامه الحل ناشئًا منه على نهج لسواه لا يستحل، فلما أن حبب إليه العلم، وحل لديه تاج الفهم ظل يكاثر في اقتنائه، ويتابع سبيل السلف باقتفائه، حتى أصبح شمس عصره إلا أنه مثل رأد الضحى، وردء الفجر وقد أطل مصبحًا، فقنع ببلل من العيش لا تبل به الأماق، ولا تمسك بسببه الأرماق، منتصبًا لطلبة يعلمها ما لم تعلم، وطلبة لو سئلت من الغمام لكان منه يتعلم. ثم خطب من وظيفة القضاء للمنصب الجليل فامتنع وطلب له غير القليل فاقتنع، فلم يزل به أرباب التعيين حتى قبل عقدها، وقدم زخرف الدنيا نقدها، وولي منصب القضاء، وقعد لفصل المضاء، فما رأى حكى الكبراء أدق منه نظرًا، ولا أكثر منه لقديم الوقائع مستحضرًا، هذا على أنه كان من الناس بمعزل، ومن الدنيا كلها في

стр. 1993

جوف منزل، إلا أنَّ الله نور بصره وسدد رأيه ونصره، فما جاز عليه زيف التدليس ولا قابله طيف الباطل إلا تحت راية التنكيس، كل هذا إلى استعادة جهات أوقاف تملكت، وعمارة مواضع بر استهلكت، والنظر في عامة المصالح مع إصلاح طرق المسلمين، والضرب على أيدي الظلمة المتحكمين، وقول الحق، وإن كان مرًا، والوقوف معه نفع زيدًا أو ضر عمرًا. وحج مرات آخرها، وقد تألَّبت عليه عُصب لم ترد إلا أن تغطى عليه، وقد جنحت شمسه، وأشرفت على الفراق نفسه، فلما أتى المدينة الشريفة، مات ودفن في البقيع، وجاور في سماء تلك الأنجم أهل ذلك الرقيع. وكان قبل تلك حج مرةً، فمات له صاحب في مرجعه فحمل من مكة المعظمة حتى دفن في تلك المقبرة، وحضر هو جنازته، فبقي يقلب تراب قبره بيده، ويقول: طوبى لك، وينافسه عليه، ثم قال: تمنيت أن يكون قبري إلى جانبه، وكان في السنة الآتية ما تمنى، ونال سروره إذ قبر هناك طاب وتهنا. وحكي أنه لما حفر قبره ليدفن فيه، وتكون في قيد تلك الأذرع شمسه، إن أمكن، وجدت نصيبة قبر من قديم مكتوب عليها هذا البيت: [من الطويل] إذا كان قبري في البقيع بطَيْبَةٍ … فلا شك أنّي في حِمَى صاحب القبر فهنيئًا له ما سنح له الفأل، وما سيمنح من تحية ركائب إلى ذلك الحمى زائرين وقفال. وكان ذا علم جم، مبرزًا في نحو أضحى الرياشي إليه أحص العوالم، والفارسي قدام العربي كالخادم، والمازني لا يقام له معه وزن ما هو له عالم، إلى لغة يجب لأهلها هجر القالي، وحط قدر صاعد العالي، وحساب لو كلف اقليدس أقل ما لديه، لقال ما هذا فني، أو فرض شبيهه في الفرائض الحسين بن محمد الوني، الأسرع وونى الوني مع روايات يخشع لها الخشوعي، ويدرك سلف السلف الاختشاء والعي مما لو اتصل بأبي القاسم الطبراني، لطرب، أو أبي زكريا النووي، لما اطمأنت بنواه رحلة مغترب، هذا إلى زهد ترتعد له فرائص الحارث بن أسد، ويظن سري السقطي أن ما عنده قد كسد. ولي القضاء على شرط أن لا يلزم بتغيير زيه، ولا ركوب بغلة، ولا ركوب قدام المحمل السلطاني في دوران، ولا وداع، ولا ملتقى، وأن يكون له النظر في أوقاف طائفة الحنابلة من غير معارضة، وغير ذلك، فأجيب إلى هذا جميعه، فلم يغير زيه الذي كان عليه، وقام بالحق، وسدد وقارب، وفعل فوق ما كان يظن في الإمكان

стр. 1994

لسوء الزمان، وخلّص كثيرًا من الأوقاف التي كان استولى عليها حتى فتح مدارس كانت قد أغلقت منذ أزمان منها: الصاحبية بسفح قاسيون، والدنيسرية للطب، وعمر الدوائر، ورمم المتماسك، وأمسك المتداعي، ونهض نهضة عازم، وقام مقامًا لم يقمه غيره، وفعل وقال، ولم يخش إلا الله. وكانت امرأة مات أبوها، وخلّف لها عقارًا صالحًا، فأراد كافل الممالك تنكز أن يزوجها من مملوك له، وكانت هي لا تريد إلا ابن خال لها، وكان دونها في الملاء مع كفاية، (فزوجها القاضي) فغضب تنكز لذلك، وبعث ينكر عليه، وقال: كيف زوجت هذه بمن هو دونها؟! فقال لرسوله: قل له مثلما زوجت أنت مملوكك ببنت بيبرس العلائي، وكان بيبرس العلائي من كبار الأمراء النواب، فلما أعيد عليه الجواب زاد غضبه ولم يقدر يتكلم. وكان يصدع بالحق، ولا يخاف لومة لائم، وولي القضاء ومذهب الإمام أحمد ﵀ قد مات بموت العلماء، وخمل بقلة الفقهاء، فأحيا المذهب، وجعل هذا دأبه، وحلَّ أوقاف مدارسه المضمونة، وعمرها، وثمرها حتى نمت متحصلاتها وتضاعفت أجورها، وكثرت غلاتها، وأقام عليها الأمناء وولي أمورها للكفاة وتولاها بالعفاف والخبرة حتى درَّتْ إدراراتها، وتسهلت أرزاق الطلبة، ثم جعل من عرض عليه كتابًا في الفقه على مذهبه، أو في الحديث، أو في النحو جعالة، وجعل جعالة كل كتاب على قدره، فانصرفت الهم إلى الاشتغال بالعلم، وكثرت الطلبة، فلم يمض مدة حتى صلح منهم جماعة للإفتاء وبلغت طائفة منهم درجة الانتهاء، وتصدى بنفسه للجلوس للأشغال والعرض عليه، ومقابلة الكتب. وكان يسمح لمن عرض عليه ويوصيه، ليزداد رغبة، وأخذ بقلوب الكبراء ورؤساء البلد، وقدم أماثل أبنائهم، واستشهد عليه أهل الخير منهم، فمالوا كلهم إليه، وأجمعوا دون قضاة بقية المذاهب عليه، وصار مجلسه مجلس الحكم والقضاء بدمشق، وصار مذهبه أظهر المذاهب، وكثر فيه أهل الإفتاء، وعلت سمعتهم، وجرى ذكره على لسان الخاص والعام، وضرب به المثل، وتقرب إلى الله بصالح العمل. وكان مدة ولايته كلها على حال الأول، متقللًا من الدنيا، غير متكثر منها، ولا مكترث بها، ينزل من الجبل إلى المدينة ماشيًا برجله، ويطلع من المدينة إلى الجبل كذلك، فإن وجد تعبًا اكترى دابةً من حمير الكراء يركب عليها بالأجرة، ويمشي، والمئزر تحت إبطه، ويفرشه في مجلس الحكم، ويجلس عليه، وتقدم له محبرة من زجاج هي دواته التي يكتب منها، ويأكل مأكل الفقراء، ويقنع بالقليل.

стр. 1995

قال لي بعض بطائنه: أنه ما يأكل إلا من مقرر إعادة المدرسة الضيائية التي كانت بيده من قبل القضاء، لا يأكل من سواها، ولم يأخذ تدريسا، ولا استزاد لنفسه زيادة، وكان يصرف جامكية القضاء إلى زوجته، وإلى المستحقين من أقربائه، وغيرهم، ويستفضل منها ما عمر به مواضع وقفها بعده. وكان معانا على البر، مفتوحا عليه فيه، إذا أراد بناء مدرسة، أو إصلاح لطريق من طرق المسلمين، يؤتى بمال ممن له رغبة في الخير، فيستعين في ذلك البر، وتهيأ له في هذا كل عجيب. حكى لي أنه ربما أتي بمال لا يعرف من بعث به حتى صرفه في عمارة مدرسة الشيخ أبي عمرو الضيائية، وغير ذلك، وكنت على كثرة اجتماعي به، وقراءتي النحو عليه أجله عن السؤال عن هذا، غير أني كنت إذا رأيته أتوسم سيماء السلف، وأرى عليه ملامح الأئمة الأول، وأظن - والله أعلم - أنه لو مد له في العمر، غطت شمسه على الكواكب، وابتلع بحره السحائب، وبقي منقطع القرين. وحج مرات رافقته منها سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فلم أر مثله في كثرة التواضع، وسعة الصدر، وكرم النفس، وحسن الخلق، وبشاشة الملتقى. وحج بأهله في جماعة على أكمل ما يكون، وكان يدع محمله، وجما له غالب الطريق، وينزل يمشي تخفيفا عن الظهر، ورغبة في احتساب الخطوات. ودخل تلك الحجة قارنا، ودخلت أنا متمتعا، فلما أتينا مكة المعظمة، وأهللت بالحج، قال لي: اعلم أنك لو مشيت من هنا إلى أن تقضي حجك، لكنت قد حججت ماشيا، كما كان الحسن بن علي ﵄ يفعل، ولقد كان يحج ماشيا والجنائب تقاد بين يديه، ففعلت فوافقني، ومشيت أنا وهو في جماعة ممن حج معي وحج معه حتى أتينا نمرة، ثم أتينا عرفة، يعمل في ذلك كله بالسنة المأثورة. فرحمه الله، وغفر له. لقد كان سيدا كبيرا، وعالما عاملا. ورأيت شيخنا أبا المعالي ابن الزملكاني قد كتب كتابا إلى قاضي القضاة ابن الحريري ذكره فيه، فقال: الإمام العالم الرباني، القائم بالحق. وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول - وقد ذكر عنده كما هو عليه -: هو يد لم تؤيد بساعد. وكان شيخ المذهب ابن الفركاح يقول: هو أنموذج السلف، وكان على هذا كله ثاقب الرأي، واري الزناد، قيما بمصالح الدنيا، عارفا بمكايد الرجال، عالما بأخبار أهل الزمان، مقبل السمع على معرفة أحوال الناس، لا يكاد يجوز عليه زيف، ولا

стр. 1996

يدخل عليه بهرج، ولا يفضله أحد في حسن النقد، يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألفهم، ولا ينفرهم، ويستر فضائحهم، ولا يكشفها مع الاحتراز لنفسه، والاحتياط لدينه. وحقد عليه بعض أصحابنا الشافعية آخرًا؛ لقيامه مع العلامة أبي عبد الله بن القيم الجوزية، وأصحاب ابن تيمية، وأسروها له، واستعانوا بدوادار النائب، وكان لا يصدر، ولا يورد إلا به، وكان متحملًا عليه لعدم قبول شفاعاته، فشرع في بناء حوانيت في وجه يريد بها ارتفاع الوقف وينمي أجوره، فقالوا: هذا ما يجوز، وعقد له مجلس انتدب فيه ابن جملة للمحاققة، وأبرز فيه وجه المقالحة، وتبسط في الأقوال الفاضحة، فحكم بهدم ما كان شرع في بنائه، وقام ﵀ بدائه، فعزم على الحج واجتمعت به لابسطه وأثبطه، فقال لي: هيهات والله، والله لأستبدلن دارًا خيرًا من دارهم، وجارًا خيرًا من جارهم، ولأقيمن بالمدينة ثم انطلق أوان الحج، فكان ما أراد أنه أقام ميتًا لا حيًا، أتى المدينة متمرضًا ومات بها في التوجه ودفن بالبقيع قريبًا من قبر عقيل بن أبي طالب رضي اله عنه، فرحمه الله، وغفر له، ونعمه في تلك الدار، وأوجب له حق الجوار (١). ومنهم: [٢٥] عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل الزريراني، ثم البغدادي الحنبلي، شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو بكر (٢) لمحة فضل تغتنم، ولمعة بارق في ليلة لم ينم، طبق الربي والوهاد، وفرق الكرى والسهاد، وجعل قراءة الكتب طيفه الذي يهم، وسهاده الذي يمنع إغفاءه أن يلم، ولقي العلماء وما بقل نبت عارضه، ولا أثار أرض الصبا بذلوله ولا فارضه، ولا ألم بالشباب، وهو في ميعته إلا إلمامًا، ولا صرف إليه ونية ولا اهتمامًا، حتى

стр. 1997

حصل من العلم جليله، وبل به غليله، وكان شعلة تشرق على غارب، وسلة من حسام بيد ضارب، وحلةً مسهمة ما أكنت مثلها الحلل، ولا المضارب. ولد في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وستمائة، وحفظ القرآن الكريم وله سبع سنين، وأتقن العربية واللغة، وصار علامة في الفقه وأصوله، والحديث وفنونه، والفرائض وأصول الدين، والتاريخ وعيونه، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق، والغوص على المعاني. انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد غير مدافع، وأقر له الموافق والمخالف، وكان قد قرأ الفقه ببغداد على جماعة، ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ بها المذهب على الشيخ زين الدين المنجا، ومجد الدين إسماعيل، ثم عاد إلى بلده، وأعاد وأفاد، ولازم الاشتغال ليلًا ونهارًا، ثم درس بالمدرسة المستنصرية، وتولى قضاء الحنابلة مع التقشف والصيانة، وصار عالم العراق على الإطلاق، وفقيه بغداد بالاتفاق، وآية في الفقه، ومعرفة مذاهب الأئمة الأربعة. قال الشيخ أبو الخير الذهلي: حكى لي بعض الفضلاء ببغداد. قال: اجتمع الشيخ تقي الدين الزريراني وجماعة من علماء بغداد في مجلس فوقعت مسألة، فسأل تقي الدين ابن المطهر عن حكمها في مذهبه، فأجاب عنها، فقال له الشيخ تقي الدين: مذهبكم خلاف ما نقلت لنا، والصحيح عندكم كذا وكذا، وأوقفه على النقل فأذعن له ابن المطهر. قال: وحكى ابن خميس الفقيه الحنبلي قال: جاءت فتيا من واسط، فكتب عليها بعض الشافعية والمالكية والحنفية، وحملوها إلى الشيخ تقي الدين، فلما قرأها قال: أخطأ الجماعة كلهم في الجواب، وطلبهم، وقال: الصحيح من مذهبكم كذا وكذا فسلموا له، ورجعوا إلى قوله. قال: ومن محفوظاته «الهداية» لأبي الخطاب، والخرقي، وطالع «المغنى» للشيخ موفق الدين ثلاثًا وعشرين مرة، وعلق عليه حواش مفيدة، وشرع في شرح «المحرر» فكتب منه قطعة من أوله، وكانت دروسه منقحة مفيدة، يزيد في كل يوم على أربعمائة سطر مع ضيق وقته واشتغاله بأمر القضاء والعيال، ويتردد إليه العلماء من الطوائف الأربع، ويستفيدون منه، وكذلك المحدثون يسألونه عن أسماء الرجال، وصحيح الحديث وسقيمه، والتاريخ. وكان ذهنه يتوقد ذكاءً مع فكرة صائبة، وعذب عبارة، وحسن خط ولفظ وشكل، ومدحه جماعة من الأئمة الفضلاء. وتوفي في الليلة المسفر صباحها عن يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى الأولى

стр. 1998

سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وأخرج يوم الجمعة، فصلى عليه بالمدرسة المستنصرية، وحضر جنازته خلق عظيم، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. [ومنهم:] [٢٦] محمد بن محمد بن محمود بن قاسم البرزبي، الحنبلي، العلامة، شمس الدين، أبو عبد الله (١) خطيُّ المجد المنبتُ أسلا، وطائر الشهد المجنى عسلا، لسان الفضل وقلمه، وعلم العدل وعلمه، ومثقف الشرع وسمهريه، وفاروق الحق وعبقريه، طال أرومة، وطاب جنّى وأكرومه، بلزوم طريقة تقفّي المجرّة عليها وتقف الجبال المشمخرة لديها، مَدَّ على مرمي الطرف سجافها، وأدار بكؤوس الصُّباح سلافها، بنهمةٍ حمد في طلب العلم إسرافها، وحد على مراقب النجوم أسفافها، الهمة لا قصور في باعها، ولا قصور إلا في رباعها، فما رَدَّت الغايات جماحه، ولا ردت بغير رياش السُّحب جناحه، إلى أن شط مزارًا، وقطوف الثريا دانية، ونشط بدارًا، وعصوف الرياح مُتوانية، فنزل من السماء في عليائها، وترك السحائب وراءه قطائع من إعيائها، ورسا كما رسا أبان، ووصل بشباب الليالي ذوائب شيبان. ولد يوم الأحد منتصف شوال سنة إحدى وثمانين وستمائة. حفظ القرآن العظيم في صباه، واشتغل بالفقه، وحفظ «المقنع» وقرأ الأصلين، والعربية، واللغة، والمنطق، والطب وعلم التصوف، وبهر في ذلك. وكان إمامًا، علامة، زاهدًا، كثير التلاوة للقرآن مع صلاة وصيام، وتهجد في الليل، شجاعًا، شهمًا، قوالًا بالحق، مهيبًا وقورًا، يتوقد ذكاء، وله اليد البارعة في جميع الفنون، وله الشعر الفائق والنظم الرائق مليح المذاكرة، حلو النادرة، سخي النفس. سافر إلى بلاد الهند، وبحث مع علمائها، واستظهر عليهم في البحث، وأبان عن علم غزير، وفضل كثير، فأذعنوا له، وتقدم عليهم عند سلطانها، وأقروا له

стр. 1999

بالفضل والعلم، وصنّف للسلطان كتابًا في الطب نظمًا ونثرًا، فأعجبه ذلك، وسأله الإقامة عنده، فلم يفعل، فعاد إلى بغداد، وعُيّن معيدًا بالمدرسة المستنصرية، ثم ولي تدريسها بعد الزريراني. ومن شعره، قوله: [من الطويل] ثكلت منّي نفسي إن اخترت غيره … إمامًا لغايات عظام أرومها وإن سمحت نفسي لغير محمد … بمدح فلا أنجابت بذكري غيومها وإن جنحت إلّا إليه مَطِيَّتي … فتعسًا لها والعاصفات تغومها توفي في يوم الأحد سادس عشر شوال سنة أربع وثلاثين وسبعمائة (١)، وأخرج بكرة نهار الاثنين، فشيعته القضاة، والعلماء والفقهاء، وأرباب المناصب في عالم كثير، وجم غفير، وصلي عليه بجامع القصر بدار الخليفة، ثم صُلِّي عليه ثانيًا بالمدرسة المستنصرية، ودفن بمقبرة الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ومنهم: [٢٧] أحمد بن الحسن بن عبد الله ابن شيخ الإسلام أبي عمر المقدسي، الحنبلي، العلامة، شرف الدين، أبو العباس (٢) بحرٌ دُرُّه عجب، وغمام شُكره وجب، روض يُطلع ألوانًا، ودوح يجمع صنوانًا، وفاضل ما شئت منه اقتبس، وكامل ما طلبت منه التمس، انتهى إليه الطلب، والتهى لديه المستوفز عن المنقلب، إن فسر فما الواحدي بأوحد، ولا الرازي ممن وقف عند الحد، ولا الثعالبي إلا ممن أوكر خوفًا منه فأقبره وألحد، لو أدركه الخرقي لسأل منه رقع ما خرق، أو ابن نقطة لاستكفى منه الغرق، أو الغيلاني لداخله خوفًا منه لا يأكله الفرق، أو السيف الآمدي لما أسهر جفنه الأرق، بل لو عدل إلى بقية العلماء لما عد أحدًا من القدماء، ولا عدل به المحاملي إذا ظعن، ولا صاحب أبي حنيفة، وكُلُّ منهما ابن الحسن، ولا شبّه الباجي، وإن جيء به قبله في الزمن، بل لو ساوم الرماني لرمى نهود رمانه بالبوار، وبرقع خدود زمانه حياء بالجلنار.

стр. 2000

أو لز به في غرائب اللغة أبو عبيدة لأنف استعباده، أو ابن قريب لما قرب بعاده، أو جنادة اللغوي، لجعل من جملة أجناده جنادة. أو نسب إليه في النحو ابن المرزبان لما بان، أو ابن جني لأصبح ذاهل الجنان، أو ابن رشيق، لأنكر معاطف كلمه، أو ابن وكيع، لتكعكع دون حكمه، أو العسكري أكبر أئمة الأدب، لما جاء إلا تحت علمه. مع منقول ما حفظها الحافظ الخطيب، ولا جاء ابن عساكر قريبًا منها إلا بالتقريب إلى ما يُفَلّ به أفلاطون، ويقرر أرسطو أن مخالفيه يخطئون، بذكاء لو رأى ضوء ناره إياس، ليئس، أو جرى على آثاره ابن الجوزي، لبئس، كل هذا إلى أصل عريق، وفضل وريق، وخلق ألين من تنبيه الشفيق، أندى مما ترشفه شمس الضحى من ريق الغوادي بكؤوس الشقيق. تفقه على مجد الدين إسماعيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأخذ عنه وعن أخيه الشيخ شرف الدين عبد الله (١). وكتب إليَّ: [من الكامل] الله أحمد إذ رأيتُ لسيد … قُسُ البلاغة زنده قَدَّاحُ هو بحرها الطَّمْطَامُ لا بل نحرها … هو فخرها بل فجرها الوضاح سلطانها إنسانها بل عينها … ما قلتُ مِنْ ذا ليس فيهِ جَناح أسلالة الأطهار ما هذا الذي … طَرْفُ العوالم نحوه طماح أبرزت إبريزًا يفوقُ نَضَارَةٌ … بلْ جَوهرًا هو ماطر سَحَاحُ وجليت في هذا الوجود عرائسًا … ظهرتْ يَزينُ جمالها الإفصاح فتفطَّرَتْ كَبِد المعاندِ جَهْرَةً … حقًا كأن نثارها الأرواح فأجبته: وافت إليك وما أضاء صبَاحُ … بيضُ أوانِسُ كلهُنَّ صِباحُ بيضٌ عواطرُ ما هَبَبْنَ لسُحْرَةٍ … إلا وهنَّ صبابها وصباح حَمَّرن أطراف البنانِ وإِنَّما … خمرَنَها وكذا تكونُ الرَّاحُ وبناظري منهنَّ بدر طالع … والبدر يجنح ما عليه جَناح وزنُهُ سمراء تنبتُ بالنَّقا … ياخدها من أين ذا التفاح
следующие страницы →