← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

يدخل عليه بهرج، ولا يفضله أحد في حسن النقد، يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويقوم بحقوق الناس، ويتألفهم، ولا ينفرهم، ويستر فضائحهم، ولا يكشفها مع الاحتراز لنفسه، والاحتياط لدينه. وحقد عليه بعض أصحابنا الشافعية آخرًا؛ لقيامه مع العلامة أبي عبد الله بن القيم الجوزية، وأصحاب ابن تيمية، وأسروها له، واستعانوا بدوادار النائب، وكان لا يصدر، ولا يورد إلا به، وكان متحملًا عليه لعدم قبول شفاعاته، فشرع في بناء حوانيت في وجه يريد بها ارتفاع الوقف وينمي أجوره، فقالوا: هذا ما يجوز، وعقد له مجلس انتدب فيه ابن جملة للمحاققة، وأبرز فيه وجه المقالحة، وتبسط في الأقوال الفاضحة، فحكم بهدم ما كان شرع في بنائه، وقام ﵀ بدائه، فعزم على الحج واجتمعت به لابسطه وأثبطه، فقال لي: هيهات والله، والله لأستبدلن دارًا خيرًا من دارهم، وجارًا خيرًا من جارهم، ولأقيمن بالمدينة ثم انطلق أوان الحج، فكان ما أراد أنه أقام ميتًا لا حيًا، أتى المدينة متمرضًا ومات بها في التوجه ودفن بالبقيع قريبًا من قبر عقيل بن أبي طالب رضي اله عنه، فرحمه الله، وغفر له، ونعمه في تلك الدار، وأوجب له حق الجوار (١). ومنهم: [٢٥] عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل الزريراني، ثم البغدادي الحنبلي، شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو بكر (٢) لمحة فضل تغتنم، ولمعة بارق في ليلة لم ينم، طبق الربي والوهاد، وفرق الكرى والسهاد، وجعل قراءة الكتب طيفه الذي يهم، وسهاده الذي يمنع إغفاءه أن يلم، ولقي العلماء وما بقل نبت عارضه، ولا أثار أرض الصبا بذلوله ولا فارضه، ولا ألم بالشباب، وهو في ميعته إلا إلمامًا، ولا صرف إليه ونية ولا اهتمامًا، حتى

стр. 1997

حصل من العلم جليله، وبل به غليله، وكان شعلة تشرق على غارب، وسلة من حسام بيد ضارب، وحلةً مسهمة ما أكنت مثلها الحلل، ولا المضارب. ولد في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وستمائة، وحفظ القرآن الكريم وله سبع سنين، وأتقن العربية واللغة، وصار علامة في الفقه وأصوله، والحديث وفنونه، والفرائض وأصول الدين، والتاريخ وعيونه، وإليه النهاية في التحقيق والتدقيق، والغوص على المعاني. انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد غير مدافع، وأقر له الموافق والمخالف، وكان قد قرأ الفقه ببغداد على جماعة، ثم ارتحل إلى دمشق، فقرأ بها المذهب على الشيخ زين الدين المنجا، ومجد الدين إسماعيل، ثم عاد إلى بلده، وأعاد وأفاد، ولازم الاشتغال ليلًا ونهارًا، ثم درس بالمدرسة المستنصرية، وتولى قضاء الحنابلة مع التقشف والصيانة، وصار عالم العراق على الإطلاق، وفقيه بغداد بالاتفاق، وآية في الفقه، ومعرفة مذاهب الأئمة الأربعة. قال الشيخ أبو الخير الذهلي: حكى لي بعض الفضلاء ببغداد. قال: اجتمع الشيخ تقي الدين الزريراني وجماعة من علماء بغداد في مجلس فوقعت مسألة، فسأل تقي الدين ابن المطهر عن حكمها في مذهبه، فأجاب عنها، فقال له الشيخ تقي الدين: مذهبكم خلاف ما نقلت لنا، والصحيح عندكم كذا وكذا، وأوقفه على النقل فأذعن له ابن المطهر. قال: وحكى ابن خميس الفقيه الحنبلي قال: جاءت فتيا من واسط، فكتب عليها بعض الشافعية والمالكية والحنفية، وحملوها إلى الشيخ تقي الدين، فلما قرأها قال: أخطأ الجماعة كلهم في الجواب، وطلبهم، وقال: الصحيح من مذهبكم كذا وكذا فسلموا له، ورجعوا إلى قوله. قال: ومن محفوظاته «الهداية» لأبي الخطاب، والخرقي، وطالع «المغنى» للشيخ موفق الدين ثلاثًا وعشرين مرة، وعلق عليه حواش مفيدة، وشرع في شرح «المحرر» فكتب منه قطعة من أوله، وكانت دروسه منقحة مفيدة، يزيد في كل يوم على أربعمائة سطر مع ضيق وقته واشتغاله بأمر القضاء والعيال، ويتردد إليه العلماء من الطوائف الأربع، ويستفيدون منه، وكذلك المحدثون يسألونه عن أسماء الرجال، وصحيح الحديث وسقيمه، والتاريخ. وكان ذهنه يتوقد ذكاءً مع فكرة صائبة، وعذب عبارة، وحسن خط ولفظ وشكل، ومدحه جماعة من الأئمة الفضلاء. وتوفي في الليلة المسفر صباحها عن يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى الأولى

стр. 1998

سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وأخرج يوم الجمعة، فصلى عليه بالمدرسة المستنصرية، وحضر جنازته خلق عظيم، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. [ومنهم:] [٢٦] محمد بن محمد بن محمود بن قاسم البرزبي، الحنبلي، العلامة، شمس الدين، أبو عبد الله (١) خطيُّ المجد المنبتُ أسلا، وطائر الشهد المجنى عسلا، لسان الفضل وقلمه، وعلم العدل وعلمه، ومثقف الشرع وسمهريه، وفاروق الحق وعبقريه، طال أرومة، وطاب جنّى وأكرومه، بلزوم طريقة تقفّي المجرّة عليها وتقف الجبال المشمخرة لديها، مَدَّ على مرمي الطرف سجافها، وأدار بكؤوس الصُّباح سلافها، بنهمةٍ حمد في طلب العلم إسرافها، وحد على مراقب النجوم أسفافها، الهمة لا قصور في باعها، ولا قصور إلا في رباعها، فما رَدَّت الغايات جماحه، ولا ردت بغير رياش السُّحب جناحه، إلى أن شط مزارًا، وقطوف الثريا دانية، ونشط بدارًا، وعصوف الرياح مُتوانية، فنزل من السماء في عليائها، وترك السحائب وراءه قطائع من إعيائها، ورسا كما رسا أبان، ووصل بشباب الليالي ذوائب شيبان. ولد يوم الأحد منتصف شوال سنة إحدى وثمانين وستمائة. حفظ القرآن العظيم في صباه، واشتغل بالفقه، وحفظ «المقنع» وقرأ الأصلين، والعربية، واللغة، والمنطق، والطب وعلم التصوف، وبهر في ذلك. وكان إمامًا، علامة، زاهدًا، كثير التلاوة للقرآن مع صلاة وصيام، وتهجد في الليل، شجاعًا، شهمًا، قوالًا بالحق، مهيبًا وقورًا، يتوقد ذكاء، وله اليد البارعة في جميع الفنون، وله الشعر الفائق والنظم الرائق مليح المذاكرة، حلو النادرة، سخي النفس. سافر إلى بلاد الهند، وبحث مع علمائها، واستظهر عليهم في البحث، وأبان عن علم غزير، وفضل كثير، فأذعنوا له، وتقدم عليهم عند سلطانها، وأقروا له

стр. 1999

بالفضل والعلم، وصنّف للسلطان كتابًا في الطب نظمًا ونثرًا، فأعجبه ذلك، وسأله الإقامة عنده، فلم يفعل، فعاد إلى بغداد، وعُيّن معيدًا بالمدرسة المستنصرية، ثم ولي تدريسها بعد الزريراني. ومن شعره، قوله: [من الطويل] ثكلت منّي نفسي إن اخترت غيره … إمامًا لغايات عظام أرومها وإن سمحت نفسي لغير محمد … بمدح فلا أنجابت بذكري غيومها وإن جنحت إلّا إليه مَطِيَّتي … فتعسًا لها والعاصفات تغومها توفي في يوم الأحد سادس عشر شوال سنة أربع وثلاثين وسبعمائة (١)، وأخرج بكرة نهار الاثنين، فشيعته القضاة، والعلماء والفقهاء، وأرباب المناصب في عالم كثير، وجم غفير، وصلي عليه بجامع القصر بدار الخليفة، ثم صُلِّي عليه ثانيًا بالمدرسة المستنصرية، ودفن بمقبرة الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ومنهم: [٢٧] أحمد بن الحسن بن عبد الله ابن شيخ الإسلام أبي عمر المقدسي، الحنبلي، العلامة، شرف الدين، أبو العباس (٢) بحرٌ دُرُّه عجب، وغمام شُكره وجب، روض يُطلع ألوانًا، ودوح يجمع صنوانًا، وفاضل ما شئت منه اقتبس، وكامل ما طلبت منه التمس، انتهى إليه الطلب، والتهى لديه المستوفز عن المنقلب، إن فسر فما الواحدي بأوحد، ولا الرازي ممن وقف عند الحد، ولا الثعالبي إلا ممن أوكر خوفًا منه فأقبره وألحد، لو أدركه الخرقي لسأل منه رقع ما خرق، أو ابن نقطة لاستكفى منه الغرق، أو الغيلاني لداخله خوفًا منه لا يأكله الفرق، أو السيف الآمدي لما أسهر جفنه الأرق، بل لو عدل إلى بقية العلماء لما عد أحدًا من القدماء، ولا عدل به المحاملي إذا ظعن، ولا صاحب أبي حنيفة، وكُلُّ منهما ابن الحسن، ولا شبّه الباجي، وإن جيء به قبله في الزمن، بل لو ساوم الرماني لرمى نهود رمانه بالبوار، وبرقع خدود زمانه حياء بالجلنار.

стр. 2000

أو لز به في غرائب اللغة أبو عبيدة لأنف استعباده، أو ابن قريب لما قرب بعاده، أو جنادة اللغوي، لجعل من جملة أجناده جنادة. أو نسب إليه في النحو ابن المرزبان لما بان، أو ابن جني لأصبح ذاهل الجنان، أو ابن رشيق، لأنكر معاطف كلمه، أو ابن وكيع، لتكعكع دون حكمه، أو العسكري أكبر أئمة الأدب، لما جاء إلا تحت علمه. مع منقول ما حفظها الحافظ الخطيب، ولا جاء ابن عساكر قريبًا منها إلا بالتقريب إلى ما يُفَلّ به أفلاطون، ويقرر أرسطو أن مخالفيه يخطئون، بذكاء لو رأى ضوء ناره إياس، ليئس، أو جرى على آثاره ابن الجوزي، لبئس، كل هذا إلى أصل عريق، وفضل وريق، وخلق ألين من تنبيه الشفيق، أندى مما ترشفه شمس الضحى من ريق الغوادي بكؤوس الشقيق. تفقه على مجد الدين إسماعيل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأخذ عنه وعن أخيه الشيخ شرف الدين عبد الله (١). وكتب إليَّ: [من الكامل] الله أحمد إذ رأيتُ لسيد … قُسُ البلاغة زنده قَدَّاحُ هو بحرها الطَّمْطَامُ لا بل نحرها … هو فخرها بل فجرها الوضاح سلطانها إنسانها بل عينها … ما قلتُ مِنْ ذا ليس فيهِ جَناح أسلالة الأطهار ما هذا الذي … طَرْفُ العوالم نحوه طماح أبرزت إبريزًا يفوقُ نَضَارَةٌ … بلْ جَوهرًا هو ماطر سَحَاحُ وجليت في هذا الوجود عرائسًا … ظهرتْ يَزينُ جمالها الإفصاح فتفطَّرَتْ كَبِد المعاندِ جَهْرَةً … حقًا كأن نثارها الأرواح فأجبته: وافت إليك وما أضاء صبَاحُ … بيضُ أوانِسُ كلهُنَّ صِباحُ بيضٌ عواطرُ ما هَبَبْنَ لسُحْرَةٍ … إلا وهنَّ صبابها وصباح حَمَّرن أطراف البنانِ وإِنَّما … خمرَنَها وكذا تكونُ الرَّاحُ وبناظري منهنَّ بدر طالع … والبدر يجنح ما عليه جَناح وزنُهُ سمراء تنبتُ بالنَّقا … ياخدها من أين ذا التفاح

стр. 2001

وأفت ومِنْ شَرَفِ المدينة قد أتت … والحيُّ باد والرجال فصاح قد عُوّدوا شُربَ اللقاح لأجل ذا … أمسوا وحيهم المشط لفاح أبياتُ حُسْنٍ طُفْتُ حولَ فِنائِها … والليلُ منتطق عليه وشاح فرأيتُ ما ملأ العيون محاسنًا … مُتِّعْتَ ما كل الملاح ملاح أصداف ريم خِفْتُ ربَّ كِناسها … لولاه قلت بأنها أقداح شُكرًا لمنيته فقد قلدتها … وكلاهما للجوهري صحاح وأريد أمدحه وباعي قاصر … هيهات ان بلغ السما مَدَّاحُ (١) وهذا من الفقهاء الحنابلة آخر من ذكر، وبتمامهم تمام المختار من مشاهير الأعلام من مذاهب الأئمة الأربع المجمع عليهم في العصور والأمصار إلى وقتنا هذا.

стр. 2002

طبقات الفقهاء الظاهرية وسنذكر بعدهم مشاهير الفقهاء الظاهرية الآخذين بالظاهر دون التأويل وإنما ذكرناهم معهم، وأعقبنا بهم جميعهم، اقتداءً بالشيخ العلامة أبي إسحاق الفيروز آبادي ﵀؛ إذ ذكرهم في طبقات الفقهاء، وجعلهم فرقة خامسة، ولم يكن إلا التسليم إليه، وإن أمكن فيه المنافسة وإمامهم:

стр. 2003

فقهاء الظاهرية في المشرق [١] الإمام أبو سليمان داود بن خلف (١) الأصبهاني، ثم البغدادي مولى المهدي، إمام أهل الظاهر، وتمام الفضل الباهر، قلب العلم ولسنه، وكرى الحلم ووسنه، طال ما خلى بيده زمام الأدب ورسنه، وخُلف بتعهده شقيق الروض وسوسنه وكان للمجالس زينًا، ولأهل المدارس عينًا، لفضائل فسيحة الفضاء، وفواضل صحيحة القضاء، وخُلُقٍ بات النسيم يُدَمِّته وخلق ود ثاني القمرين لو يثلثه، إلى أجوبة حاضرة، وأندية الباديه وحاضره، وديم تسحب مطارفها الأنواء، وشيم تبلل معطافها الأنداء. ولد سنة مائتين، وقال أبو إسحاق الشيرازي: سنة ثلاث ومائتين، وسمع الحديث، وجالس الأئمة، وصنف الكتب، وأخذ العلم عن إسحاق، وأبي ثور، وكان زاهدًا، متقللًا. قال أبو بكر الخطيب (٢): كان إمامًا، ورعًا، ناسكًا، زاهدًا، وفي كتبه حديث

стр. 2004

كثير، لكن الرواية عنه غزيرة جدًا. وقال أبو إسحاق: قيل كان في مجلسه صاحب أربعمائة طيلسان أخضر، وكان من المتعصبين للشافعي، صنّف كتابين في فضائله والثناء عليه، وقال: وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد. قال أبو عمرو المستملي: رأيت داود بن علي يرد على إسحاق بن راهوية، وما رأيت أحدًا قبله، ولا بعده يرد عليه هيبة له. وقال عمر بن محمد بن بجير: سمعت داود بن علي يقول: دخلت على إسحاق بن راهويه، وهو يحتجم، فجلست فأخذت كتب الشافعي، فجعلت أنظر، فصاح: إيش تنظر؟ فقلت: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ (١) فجعل يضحك. وقال المروذي: كان داود قد خرج إلى خراسان إلى إسحاق بن راهويه، فتكلم بكلام شهد عليه أبو نصر بن عبد المجيد، وآخرشهدا عليه أنه قال: القرآن محدث، فقال لي أبو عبد الله: مَنْ داود بن علي، لا فرج الله عنه، قلت: هذا من غلمان أبي ثور، قال: جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري أن داود الأصبهاني قال ببلدنا: إِنَّ القرآن مُحْدَث. قال المروذي: حدثني محمد بن إبراهيم النيسابوري أن إسحاق بن راهويه لما سمع كلام داود في بيته، وثب عليه إسحاق فضربه، وأنكر عليه. قال أبو محمد بن حزم: إنما عرف بالأصبهاني؛ لأن أمه أصبهانية، وكان أبوه حنفي المذهب. قال: وكتب داود ثمانية عشر ألف ورقة (٢). قال ابن كامل: توفي في رمضان سنة سبعين ومائتين. ومنهم: [٢] أبو بكر، محمد بن داود (٣) نبعة زلال، وطلعة هلال لو شاء لألان الصخرة الصماء، وأماط عن معطف

стр. 2005

الليل الظلماء بألفاظ تروض الجامح، وترد الجانح، لوفور نصيب تحلق على الناطح، وفنون نسيب تحل العصم سهل الأباطح، هذا إلى مدد غزير وفضل غزير، وعلم لا يُنقصه انتهاب الطلاب ولا تعريه كثرة السلاب كضياء المصباح يزيد إذا اقتبس، والماء القراح يطيب إلا إذا حبس، لو رآه سلف العشاق لتكثر به كثير، واستسقى منه ابن مطير، ولبنى على قواعد بيوت أغزاله صاحب لبنى، ورمم ذو الرمة ما له من طلل ألفاظ بلا معنى. حفظ القرآن الكريم وله سبع سنين، وذاكر الرجال بالآداب والشعر، وله عشر سنين، وسمع الحديث من جماعة. قال أبو بكر الخطيب (١): لما جلس محمد بن داود الأصبهاني بعد وفاة أبيه يفتى استصغروه عن ذلك، فدسوا إليه رجلًا، وقالوا له: سله عن حد السكر ما هو؟ فأتاه الرجل، فسأله عن حد السكر ما هو، ومتى يكون الإنسان سكران، فقال محمد: إذا عزبت عنه الهموم، وباح بسره، فاستحسن ذلك منه، وعلم موضعه من العلم، وكان يشاهد في مجلسه أربعمائة صاحب محبرة. وروى بسنده عن رويم بن محمد قال: كنا عند داود بن علي الأصبهاني إذ دخل عليه ابنه محمد، وهو يبكي فضمه إليه، وقال: ما يبكيك، قال: الصبيان يلقبوني، قال: فعلى إيش حتى أنهاهم، قال: يقولون لي شيئًا. قال: قل لي ما هو حتى أنهاهم عن الذي يقولون، قال: يقولون لي يا عصفور الشوك، قال: فضحك داود، فقال له ابنه: أنت أشد علي من الصبيان، مم تضحك؟ فقال داود: لا إله إلا الله، ما الألقاب، إلا من السماء، ما أنت يا بني إلا عصفور الشوك. وقال القاضي أبو الطيب الطبري: حدثني أبو العباس الخضري شيخ كان

стр. 2006

بطبرستان، قال: كنت جالسًا عند أبي بكر محمد بن داود، فجاءته امرأة، فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها؟ ومعنى قولها: لا هو ممسكها أنه لا يقدر على نفقتها، فقال أبو بكر: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال القائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، وتبعث على التطلب والاكتساب، وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق وإلا يحمل على الطلاق، قال أبو العباس: فلم تفهم قوله، وأعادت فسألته، وقالت له: رجل له زوجة لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها، فقال: يا هذه قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طلبك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي. انصرفي رحمك الله. قال: فانصرفت المرأة، ولم تفهم جوابه. وروى الخطيب (١) بسنده قال: كان أبو بكر بن داود، وأبو العباس بن سريج إذا حضرا مجلس القاضي أبي عمر محمد بن يوسف لم يجر بين اثنين فيما يتفاوضانه أحسن مما يجري بينهما، وكان ابن سريج كثيرًا ما يتقدم أبا بكر في الحضور إلى المجلس، فتقدمه أبو بكر يومًا، فسأله حدث من الشافعيين عن العود الموجب للكفارة في الظهار ما هو؟ فقال: إنه إعادة القول ثانيًا، وهو مذهبه، ومذهب داود، فطالبه بالدليل فشرع فيه، ودخل ابن سريج فاستشرحهم ما جرى فشرحوه، فقال ابن سريج لابن داود: أولًا يا أبا بكر أعزك الله هذا قول مَنْ من المسلمين تقدمكم فيه، فاستشاط أبو بكر من ذلك، وقال: أتقدر أن من اعتقدت أن قولهم إجماع في هذه المسألة إجماع عندي، أحسن أحوالهم أن أعده خلافًا، وهيهات أن يكونوا كذلك. فغضب ابن سريج وقال له: أنت يا أبا بكر بكتاب «الزهرة» أمهر منك في هذه الطريقة، فقال أبو بكر: وبكتاب الزهرة تعيرني؟! والله ما تحسن تستتم قراءته قراءة من يفهم، وإنه لمن أجل المناقب إذ كنت أقول فيه (٢): [من الطويل] أكرر في روضِ المَحاسنِ مُقلتي … وأمنع نفسي أن تنال محرما وينطق سري عن مترجم خاطري … فلولا اختلاسي رَدَّهُ لتكلما رأيتُ الهوى دعوى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ … فما إن أرى حبًّا صحيحًا مُسَلَّما فقال له ابن سريج: أو علي تفخر بهذا القول وأنا الذي أقول: [من الكامل] ومساهر بالغُنْجِ مِنْ لحَظَاتِهِ … قد بتُ أمنعه لذيذ سُباتِهِ ضنًا بحسن حديثه وعتابهِ … وأكرر اللحظات في وجناتِهِ

стр. 2007

حتى إذا ما الصُّبحُ لاحَ عموده … ولى بخاتم ربه وبراته فقال أبو بكر: أيد الله القاضي، قد أقرَّ بالمبيت على الحال التي ذكرها، وادعى البراءة مما توجبه فعليه إقامة البينة، فقال ابن سريج: من مذهبي أن المقر إذا أقر إقرارًا، وناطه بصفة، كان إقراره موكولًا إلى صفته، فقال ابن داود: للشافعي في هذه المسألة قولان، فقال ابن سريج: فهذا القول الذي قلته اختياري الساعة. وروي أيضًا عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم النحوي نفطويه: قال: دخلت على أبي بكر في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: كيف تجدك، فقال: حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت: ما منعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه، فقال: الاستمتاع على وجهين: أحدهما النظر المباح، والثاني اللذة المحظورة، فأما النظر المباح، فأورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة، فإنه منعني منها ما حدثني به أبي، قال: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا علي بن مسهر عن أبي يجيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من عشق وكتم وعف وصبر، غفر الله له وأدخله الجنة» ثم أنشدنا لنفسه (١): [البسيط] انظر إلى السحر يجري في لواحظه … وانظر إلى دعج في طرفه الساجي وانظر إلى شعراتٍ فوق عارضه … كأنهن نمال دب في عاج وأنشدنا لنفسه أيضًا (٢): [من الخفيف] ما لهم أنكروا سوادًا بخدي هِ … ولا يُنكرون ورد الغصون إن يكن عيب خدِّهِ بدَّدَ الشَّعْـ رَ … فعيبُ العُيونِ شَعْرُ الجُفون فقلت له: نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر، فقال: غلبة الهوى، وملكة النفوس دعوا إليه، قال: ومات في ليلته، أو في اليوم الثاني في رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين، وقيل: في شوال عن اثنتين وأربعين سنةً. وقال أبو بكر في كتاب الزهرة عقيب هذا الحديث: ولو لم تكن عفة المتحابين عن الأدناس وتحاميها ما ينكر في عرف كافة الناس محرمًا في الشرائع، ولا مستقبحًا في الطبائع، لكان الواجب على كل واحد منهما تركه إبقاء على وده عند صاحبه، وإبقاء على ود صاحبه عنده.

стр. 2008

ومن شعره قوله: [من المتقارب] أحبُّ إليَّ مِنَ الصَّبْرِ عَنْكَ … فؤاد جريح وطرف قريح إذا ما سألتك عطفًا تُريح … بهِ مُهجتي فأنا المستريح فلا تُنجز الوعد خوفَ السُّلُوِّ … فإنّي على زَفَراتي شحيح ومنه قوله (١): [من الطويل] بعينيك ما ألقى إذا كنت حاضرًا … وإن غبت فالدنيا علي محابس إذا لم أنافس في هَوَاك ولمْ أُغَرُ … عليكَ ففيمنْ لَيْتَ شعري أنافس فلا تحتقر نفسي وأنت حبيبها … فكل امرئ يصبو إلى مَنْ يجانس ومنه قوله (٢): [من البسيط] قُدِّمْتُ قبلك قد واللهِ بَرَّحَ بي … شوق إليك فهل لي فيكَ مِنْ حَظِّ قلبي يغار على عيني إذا نظرت … بقيًا عليك فما أروَى مِنَ اللَّحَظِ ومنه قوله: [من الوافر] جعلتُ فِداكَ إِنْ صَلَحَتْ فِداءً … لنفسك نفس مثلي أو وقاء وكيف يجوز أن تفديك نفسي … وليسَ مَحَلُّ نفسينا سواء وقال محمد بن داود ما انفككت من هوى منذ دخلت الكتاب وبدأت بعمل كتاب الزهرة، وأنا في الكتاب، ونظر أبي في أكثره. وروى الخطيب، عن محمد بن الحسين قال: كان محمد بن داود وأبو العباس بن سريج يسيران في طريق ضيقة، فقال ابن سريج: الطرق الضيقة تورث العقوق، فقال له محمد بن داود وتوجب الحقوق. وقال ابن سريج لابن داود في كلام ناظره فيه: عليك بكتاب الزهرة، فقال: ذاك كتاب عملناه هزلًا، فاعمل أنت مثله جدًا. وقال عبيد الله بن عبد الكريم: كان محمد بن داود خصمًا لابن سريج، وكانا يتناظران، ويترادان في الكتب، فلما بلغ ابن سريج موت محمد بن داود، نحى مخاده ومساوره وجلس للتعزية، وقال: ما آسى إلا على تراب يأكل لسان محمد بن داود. وذكر ابن النجار: أن محمد بن داود صنع خاتمًا، ونقش عليه سطرين الأول: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِنْ عَهْدٍ﴾ (٣) والسطر الثاني ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (٤).

стр. 2009

وكان إذا رأى رجلًا يلح بالنظر إلى الأحداث، قال له: اقرأ ما على هذا الخاتم، فينتهي عن ذلك. ومن شعره أيضًا (١): [من الطويل] حَمَلْتُ جبال الحُبِّ فيكَ وإنَّني … لأعجِزُ عَنْ حَمْلِ القَمِيصِ وأَضْعُفُ وما الحبُّ مِنْ حُسن ولا مِنْ سماجةٍ … ولكنه شيء بهِ الرُّوحِ تَكْلَفُ ومنه قوله في حبيبه محمد بن زُخرف (٢): [من البسيط] يا يوسف الحسن تمثيلًا وتشبيهًا يا … طلعةً ليس إلا البدر يحكيها مَنْ شكَ في الحُورِ فلينظر إليك فما … صِيغَتْ معانيك إلا من معانيها ما للبدور و للتجذيف يا أملي … نور البدورِ عَنِ التجذيفِ يُغنيها إنَّ الدنانير لا تُجلى وإنْ عَتُقَتْ … ولا تُزاد على النقش الذي فيها قال الخطيب (٣): كان ابن داود يميل إلى محمد بن جامع، وبسببه عمل كتاب الزهرة، وقيل: إن محمد بن جامع دخل الحمام وأصلح من وجهه، وأخذ المرآة، فنظر إلى وجهه، فغطاه، وركب إلى محمد بن داود فلما رآه مغطى الوجه خاف أن يكون لحقته آفةٌ، فقال: ما الخبر، فقال: رأيت وجهي الساعة في المرآة، فغطيته وأحببت أن لا يراه أحد قبلك، فغشي على محمد بن داود. وكان محمد بن جامع ينفق على محمد بن داود، وما عرف فيما مضى من الزمان معشوق ينفق على عاشق إلا هو، وقيل: إن النفقة كانت في كل يوم عشرين دينارًا. وذكر ياقوت الحموي (٤) في ترجمة نفطويه زيادة غريبة، وهي أنه قال: دخلت على ابن داود، وذكر القصة التي تقدمت والحديث، قال نفطويه: ثم غشي عليه ساعة وأفاق، ففتح عينيه، فقلت له: أرى قلقك قد سكن، وعرق جبينك قد انقطع، وهذه إمارة العافية، فأنشد يقول (٥): [من الوافر] أقولُ لصاحبي وسَلَيَاني … وغَرَّهُما سكونُ حُمَى جبيني تسلّو بالتعزّى عَنْ أخيكم … وخُوضوا في الدعاء وودعوني فَلَمْ أدع الأنين لضَعْفِ سُقْمٍ … ولكنّي ضعفتُ عَنِ الأنين ثم مات من ليلته، فيقال إن نفطويه انفجع عليه، وجزع جزعًا شديدًا، ولم

стр. 2010

يجلس للناس سنةً كاملةً، ثم ظهر بعد السنة فجلس، فقيل له في ذلك، فقال: إن أبا بكر بن داود قال لي يومًا، وقد تجارينا حفظ عهود الأصدقاء، فقال: أقل ما يجب للصديق أن يحزن على صديقه عملًا بقول لبيد: [الطويل] إلى الحولِ ثُمَّ اسم السلام عليكما … ومَنْ يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعتذر فحزنا عليه سنة كما شرط. وذكر ابن السمعاني: أنَّ ابن جامع معشوق ابن داود قال: دخلت على المتقي بالله أمير المؤمنين، فسألني عن أبي بكر بن داود هل رأيت منه ما تكره؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين إلا أني بت عنده ليلة، فكان يكشف عن وجهي، ثم يقول: اللهم إنك تعلم أني لأحبه، وإني لأراقبك فيه. قال: فما بلغ من رعايتك من حقه؟ قلت: دخلت الحمام فلما خرجت نظرت إلى المرآة، فاستحسنت صورتي فوق ما أعهد، فغطيت وجهي وآليت أن لا ينظر إلى وجهي أحد قبله، وبادرت إليه فكشف وجهي ففرح وسر، وقال: سبحان خالقه ومصوّره، وتلا ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (١). وذكر ابن النجار: أنَّ ابن سريج كانت له جارية توقظه بالليل للمطالعة، فلما مات ابن داود جاءت الجارية لتوقظه، فقال لها: ويلك الذي كنا نسهر لأجله قد مات. وهذه نبذة يسيرة من كتاب «الزهرة» (٢). أطال الله في العز الدائم بقاك، وصان عن غير الأيام نُعماك، وجعلني غرضًا للنوائب بدلك، وقدمني إلى ورود الحمام قبلك. أما بعد: أدام الله الرغبة إليك، وجعل متعمد أوليائك عند المهمات عليك، فإني وإن بخل علي الزمان بوفائك، ونافستني الأيام فيما أعتصم به من جميل إخائك، لمنطو من المودة لك، والثقة بك، والرعاية لحقك، والأنس بقربك، على حال تفنى الأوصاف دون فنائها، وتنقضي الآجال قبل انقضائها، ولن يعدل بي شكوى ما شكوت وجوده من تواتر جفائك، وألمتُ لفقده من صحة وفائك، عن المسارعة إلى طاعتك، والوقوف عند محبتك، فإنَّ من حسن وداده، قبح استفساره، ومن صحت مودّته وجبت طاعته، ولست أفعل ذلك. قدّمني الله قبلك وفاءً لك بدلًا من وفائك، ولا مجازاة لك على عدلك

стр. 2011

وإحسانك، ولا ملتمسا به الذريعة إليك، ولا متفضلا به عليك؛ لأن من دعاه العدل إلى الوفاء لصاحبه وفاه، ودعاه إلى الغدر جفاه، ومن دعاه العدل إلى الإنصاف دعاه الجور إلى الانتصاف، ومن دعاه إلى فعل المكرمات رغبة في المجازاة دعاه إلى تركها ظفره بأمنيته، أو يأسه من لحاق طلبته. وكيف يكون متفضلا عليك من ليست له فضيلة إلا وهي مردودة إليك، ولئن حرمت العلم بفضلك علي مع ما حرمت من رغبتك في وميلك إلي، لقد حرمت حظا جزيلا وخيرا كثيرا، ولكن السبب الباعث لي على طاعتك، والمذلل لي عند سطوتك، والباسط إلي العذر فيما تجنيه، والمعدل لك علي فيما تدعيه، سبب يلطف عن أن يعاين بالأبصار، ويدق عن أن يدرك بالفحص والاعتبار، إن رمت إخفاءه وجد، وإن حاولت إظهاره فقد، فهو شيء منعني عن وصف جنسه، اشتغالي به في نفسه، وتقطعني مسامرته عن المسامرة، ويعوقني التفرد بمغازلته، عن التعرض بصفاته كما قال بعض أهل هذا العصر: [من البسيط] ينسى الهوى وصفه من حل ذروته … كالأرض يشغل عنها من ثوى فيها لا أقول شيئا وقع لي اضطرارا، فأقر بأني لم أكن مختارا، ولا أقول: أوسعته لنفسي اكتسابا، فأكون إذ نفيته عن نفسي كذابا، لا أزهد فيه فأرغب في سواه، ولا يفارقني فأتمناه، محله من الروح محل الروح من الجسد، لا يدري الجسد ما الروح فيسر إذ جعل وعاه، ويحزن إذ لم يستودع سواه، وقد وقفت على ما وقفت من تصاريف الزمان وخيانة الإخوان. واعلم - أيدك الله - أن من عجيب ما تحضره الأيام، وتجول به الأوهام ظالما يتظلم، وغائبا يتندم، ومطاعا يستظهر، وغالبا يستنصر. ما الذي تنكر - أدام الله عزك، وبسط بالخير يدك - من تغير الزمان، وأنت من أحد مغيريه، ومن جفاء الإخوان، وأنت المقدم فيه، أنت بأن تحتج له وتعتذر لفاعليه، أولى منك أن تعيبه، وتذم مستعمليه. إلى أن قال (١): من كثرت لحظاته، دامت حسراته. العقل عند الهوى أسير، والشوق عليهما أمير.

стр. 2012

من تداوى بدائه، لم يصل إلى شفائه. ليس بلبيب، من لم يصف ما به لطبيب. إذا صحَّ الظفر، وقعت الغير. التدلل للحبيب من شيم الأديب. من طال سروره، قصرت شهوره. من كان ظريفًا، فليكن عفيفًا. ليس من الظرف امتحان الحبيب بالوصف. سوء الظن، من شدة الضن. من وفي له الحبيب هان عليه الرقيب. من مُنع من كثرة الوصال، قنع بقليل النوال. من حُجب عن الأحباب، تذلل للحجاب. من مُنع من الوصول، اقتصر على الرسول. من أحبّه أحبابه وشى به أترابه. من لم يُعاتب على الزلة، فليس بحافظ للخُلَّة. من عاتب على كل ذنب أخاه، فحقيق أن يمله ويقلاه. بعد القلوب على قرب المزار، أشد من بعد الديار. ما عتب من اغتفر. ولا أذنب من اعتذر. إذا ظهر الغدر، سهل الهجر. من راعه الفراق، ملكه الإشفاق. قلَّ من سلا إلا غلبه الهوى. من غلبه هواه على الصبر، صَبَر لمن يهواه على الغدر. من تجلد على النوى، فقد تعرض للبلوى. في الوداع قبل الفراق، بلاغ إلى وقت التلاق. ما خُلق الفراق إلا لتعذيب العشاق. من غاب قرينه، كثر حنينه. من لم يلحق بالحمول، بكى على الطلول.

стр. 2013

من قصّر عن مُصاحبة الجار، لم ينفعه مساءلة الدار. من منع من البراح، تشوّق بالرياح. في لوامع البروق، أنس للمستوحش المشوق. في تلهب النيران أنس للمدنف الحيران. في نوح الحمام، أنس للمتفرد المستهام. من امتحن من المفارقة والهجر، اشتغل فكره بالعيافة والزجر. في حنين البعير المفارق، أنس لكل صب وامق. من فاته الوصال، نعشه الخيال. من منع من النظر، استأنس بالأثر. من حجب عن الأثر، تعلل بالذكر. مسامرة الأوهام والأماني تنسب إلى العجز والتواني. من قصر نومه، طال ليله. من غلب عزاؤه، كثر بكاؤه. نحول الجسد، من دلائل الكمد. طريق الصد بعيد، وكتمان الحب شديد. من غَلَب صبره، ظهر سره. من لم يقع له الهوى باكتساب، لم ينزجر بالعتاب من قدم هواه، قوي أساه. من شابت ذوائبه، جفاه حبائبه. من يئس ممن يهواه، فلم يتلف من وقته، سلاه. لا يعرف المقيم على العهد، إلا عند فراق أو صد. قليل الوفاء بعد الوفاة، أجل من كثيره وقت الحياة. وقال أيضًا: الهجر على أربعة اضرب: هجر ملالٍ، وهجر دلال، وهجر مكافأة على الذنوب، وهجر يوجبه البغض المتمكن في القلوب. فأما هجر الدلال، فهو ألذ من كثير من الوصال، وأما هجر الملال، فيبطله مر الأيام والليالي، إما بنأي الدار، وإما بطول الاهتجار، وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب، فالتوبة تذهبه من القلب، وأما

стр. 2014

الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي، فهو الذي لا دواء له. قال ابن داود (١): حدثتني مريم الأسدية قالت سمعت امرأةً عُقيلية تقول وهي على بعير لها تسير: [من الوافر] سُقينا سلوةً فَسَلا كلانا … أزال الله نعمةَ مَنْ سَقَانا قالت مريم: فسألتها عن هواها، فقالت: كنت أهوى ابن عم لي، ففطن لي بعض أهل الحي، فسقوني وإياه شيئًا، فسلا كُلُّ واحدٍ منَّا عن صاحبه. قال ابن داود: وهذه حال قل ما يقع مثلها، وهي ألطف محلًا من كُلّ ما ذكرناه قبلها وما نذكره بعدها؛ لأنا نصف من آثار المقام مع من يهواه على السلو عنه والراحة من أذاه. وصاحبة هذا البيت تسلت عن محبوبها، وإنما تأسي على العشق لا على المعشوق، وفي هذا النحو يقول بعض الهذليين (٢): [من المتقارب] إذا ما سألتك وعدا تُريح … بهِ مُهجتي فأنا المستريح فلا تُعطني الوعد خَوفَ السُّلو … فإِنِّي على حسراتي شحِيح أحبُّ إليَّ مِنَ الصَّبْرِ عَنْكَ … فؤادٌ قَرِيح وقلب جريح ولقد أحسن الوليد بن عبيد حيث يقول (٣): [الطويل] ويُعجبني فقري إليك ولم يكن … ليُعجبني لولا محبتك الفقر وما لي عُذْرٌ في حجودك نعمةً … ولو كانَ لي عُدْرٌ لَمَا حَسُنَ العُذْرُ وأحسن الذي يقول (٤): [من الطويل] وما سرني أنِّي خَلِيٌّ مِنَ الهوى … على أنّ لي ما بين شرق إلى غرب فإن كان هذا الحب ذنبي إليكُمُ … فلا غفر الرَّحمان ذلكَ مِنْ ذَنبي وأحسن أيضًا الذي يقول (٥): [البسيط] أحببتُ قلبي لما أحبّكم … وصارَ رأيي لرأيهِ تَبَعًا ورب قلب يقول صاحبُهُ … تعْسًا لقلبي فبئس ما صَنَعَا قال: وأنشدني أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار لجميل (٦): [من الطويل]

стр. 2015

خَلِيليَّ فيما عِشتُما هَلْ رأيتُما … قتيلًا بَكى مِنْ حُبِّ قاتِلهِ قَبلي فلو تَرَكتْ عَقْلي مَعِي ما طَلَبْتُها … ولكن طلابيها لِمَا فَاتَ مِنْ عَقْلي قال أبو بكر (١): هذا المعنى في البيت الثاني داخل فيما عيناه من أن أقبل على من تهواه وما دام مفتقرًا إليه، فليست له في ذلك منة عليه. قال أبو بكر (٢): أصل الهوى يتولد من النظر والسماع، ثم يقوى حالًا بعد حال، فإذا كان نظر الصاحي إلى الصورة التي يستحسنها طرفه مؤكدًا للمنظور إليه المحبّة في قلبه، كان نظرُ المُحب بعد تمكن المحبة من قلبه إلى الصورة التي كانت سببًا لوقوع المحبة أحرى أن يغلبه على لبه، ويزيده كربًا على كرب. ألا ترى أن من حُمَّ يومين متواليين كان ألمه في الثاني من اليومين إذا تساوى مقدار الحميين أصعب من ألمه في أول اليومين؟ وفي ذلك يقول غيلان بن عقبة (٣): [من الطويل] خَلِيليَّ لمَا خِفتُ أَنْ تَستَفِزَّني … أحاديثُ نَفسي بِالهَوَى وَاهتِمامُها تَداوَيتُ مِنْ مَيٍ بِتَكليمَة لَها … فَمَا زادَ إِلَّا ضَعْفَ نَفسي كَلامُها وقال أيضًا: إِنَّ تقصير المحبوب عن مواصلة محبه وتراخيه عن إظهاره على كل ما في قلبه إنما يتولد عن وقوع الثقة به. فربما حمل المحبُّ على نفسه، فتوهم أن ذلك داخل في باب الخيانة والغدر، فكافأ عليه بالانحراف والهجر، فجنى على نفسه ما لا يتلافاه العذر. ولا يقاومه الصبر. والحازم من صبر على مضاضة التدلُّل، والتمس العز في استعمال التذلل فحينئذ يتمكن من وداد محبوبه ويظفر ممن يهواه بمطلوبه. قال الحسن بن هاني (٤): [من المديد] يا كَثِيرَ النَّوحِ في الدِّمَنِ … لا عَلَيهَا بَلْ عَلَى السَّكَنِ سُنَّةُ العُشاقِ واحِدةٌ … فإِذا أَحببتَ فاستكنِ وقال عمر بن أبي ربيعة (٥): [من الخفيف] لستُ من ظالمتي مُنتصِفًا … فَبَحَ اللهُ مُحبًا ينتصف

стр. 2016

وفتاةٍ إِنْ تِغَبْ شمسُ الضُّحَى … فهي للناسِ مِنَ الشمس خَلَف أجمع الناس على تفضيلها … وهواهم في سواها مُختلف وقال الوليد بن عبيد البحتري (١): [من مخلع البسيط] مني وصل ومنك هجرُ … وفي ذُلَّ وفيك كبر عذبني حُبّك المعنّي … وغَرَّني فيك ما يغُرُّ قد كنتُ حرًّا وأنتَ عبدٌ … فصرتُ عبدًا وأنتَ حُرُّ ياظالمًا لي بغير جُرم إليك … من جُرمك المفر أنتَ نَعيمي وأنتَ بُؤسي … وقدْ يَسوءُ الذي يَسُرُّ وقال أبو تمام الطائي (٢): [البسيط] ظَنِّي بِهِ حَسَنٌ لولا تجَنَيّه … وأَنَّهُ ليسَ يَرْعَى عَهْدَ حُبِّيهِ عَفَّتْ محاسنه عني إساءَتَهُ … حتى لقدْ حَسُنَتْ عندي مَساوِيهِ تاهت على صُورةِ الأشياء صورتُهُ … حتى إذا خضعت تاهت على التيه وقال أبو بكر (٣): من ساعدته الأيام بمحابةٍ، ورُزق حُسن الوفاء والمساعدة من أحبابه، فأقل ما يجب عليه في حدود الظرف، دون ما يجب عليه في رعاية حقوق الإلف، أن يقابل نعم الله جل ثناؤه عليه، بما يوجب المزيد فيها لديه، فإن لم يفعل فلا ينبغي له أن يتعرض لأسباب المهالك، وليعلم أن وصفه ما في صاحبه من الخصال المرتضاة يغري من علمها بالمشاركة له في هواه، ولقد أحسن الذي يقول: [الوافر] ولستُ بواصفٍ أبدًا حبيبًا … أُعرِّضُهُ لأهواء الرجال وما بالي أُشوّق عينَ غَيْري … إليه ودونه ستر الحجال كأني آمن الشركاء فيه … وآمن فيهِ أحداث الليالي وأحسن أيضًا الذي يقول: [من الوافر] أصونُكَ أن أدلَّ عليكَ وهمًا … لأنَّ الظنّ مفتاح الغُيُوبِ وما أقصر علي بن محمد العلوي حيث يقول (٤): [من الخفيف] ربما سرَّني صُدُودُكَ عَنِّي … وتأبيكَ وآمتناعُكَ مِنّي ذاك ألا أكون مفتاحَ غَيْري … وإذا ما خَلَوتُ كنتَ ألتمني

стр. 2017

وقال أبو بكر (١): زعم بعض المتفلسفين: أن الله عزو وجل خلق كل روح مدورة الشكل على هيأة الكرة، ثم قطعها أنصافًا، فجعل في كل جسد نصفًا، فكل جسد لقي النصف الذي قُطع من النصف الذي كان معها، كان بينهما عشق للمناسبة القديمة. وتقارب أحوال الناس في ذلك بين القوي والضعيف على حسب رقة طبائعهم. وقد قال جميل بن عبد الله العذري، أو قيس بن ذريح في ذلك (٢): [من الطويل] تعلّق روحي روحها قبل خلقنا … ومِنْ بعدِ ما كنا نطافًا وفي المَهْدِ فزادَ كما زِدْنا فأصبح ناميًا … وليس إذا مُتنا بمنتقص العهد ولكنَّه باقٍ على كل حادث … وزائِرُنا في ظلمة القبرِ واللَّحْدِ وحكي عن أفلاطون أنه قال: لا أدري ما الهوى، غير أني أعلم أنه جنون إلهي لا محمود، ولا مذموم. وقال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد، والدماغ له مساكن: التخييل وهو في مقدم الراس، والفكر، وهو في وسطه، والذكر، وهو في مؤخره. وليس يكمل اسم عاشق حتى يكون إذا فارق من يعشقه لم يخل من تخيله وفكره وذكره وقلبه وكبده، فيمنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد، ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيّل، والذكر له والفكر فيه، ويكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، فمتى لم يشتغل به وقت الفراق، لم يكن عاشقًا، فإذا لقيه خلت هذه المساكن. قال أبو بكر (٣): ولعمري لقد أحسن فيما وصف، واحتج لما قال، فانتصف غير أنه ذكر حال العاشق وحده، وترك ذكر أحوال ما قبله، وذلك أن الأحوال التي تتولد عن النظر والسماع والاستحسان تختلف في باب العظم والصغر، فأول ما يتولد عن السماع الاستحسان، ثم يقوى فيصير مودة، والمودة سبب الإرادة، فمن ود إنسانًا ود أن يكون له خلًا. ومن ودّ غرضًا، ودن أن يكون له ملكًا. ثم تقوى المودة، فتصير محبة، والمحبة سبب للطاعة، وفي ذلك يقول محمود الوراق (٤): [من الكامل] تعصي الإله وأنتَ تُظهرُ حبَّهُ … هذا محالٌ في القياس بديع لو كانَ حُبَّكَ صادقًا لأطعتَهُ … إنّ المحب لمن أحبُّ مُطيع

стр. 2018

ثم تقوى المحبة فتصير خُلَّةً، والخلة بين الآدميين أن تكون محبة أحدهما قد تمكنت من صاحبه، حين أسقطت حجاب السرائر بينه وبينه، فصار متخللًا لسرائره، ومطلعًا على ضمائره. وفي هذا النحو يقول بعض أهل العصر: [من الوافر] فلا تهجر أخاك بغيرِ جُرمٍ … فإنّ الهجر مفتاح السُّلُو إذا كتم الخليل أخاه سرًا … فما فضل الصديق على العدو ويقال: إن الخلة بين الآدميين مأخوذة من تخلل المودة بين اللحم والعظام، واختلاطهما بالمخ والدم، وهذا المعنى غير مخالف للأول، بل هو أوضح سبب له؛ لأن من حلّ من النفس هذا المحل، لم يستبد عنه بأمر، ولا يستظهر عنه بسر. وقد أنشدونا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في هذا المعنى (١): [من الوافر] تغلغلَ حُبُّ عثمةَ في فُؤادي … فباديهِ معَ الخافي يسيرُ شققتُ القلب ثمَّ ذَرَرْتُ فيهِ … هواكِ فِليم فالتام الفُطُورُ توغل حيث لم يبلغ شَرَابٌ … ولا حُزْنٌ ولم يبلغ سُرورُ غنى النفس أن ازداد حبًا … ولكنّي إلى وصل فقيرُ قال أبو بكر (٢): ثم تقوى الخلة، فتوجب الهوى، والهوى اسم لانخراط المحب في محاب المحبوب، وفي التوصل بغير تمالك، ولا ترتيب. وقال أيضًا: ذكروا أن قيس بن الملوح المجنون العامري رقد ليلة تحت شجرة، فانتبه بتغريد طائر، فأنشأ يقول (٣): [من الطويل] لقد هتفت في جنح ليل حمامةٌ … على فَنَن تدعو وإني لنائم فقلتُ اعتذارًا عند ذاكَ وإنَّني … لنفسي فيما قد رأيتُ للائم أأزعم أني عاشق ذو صبابةٍ … بليلي ولا أبكي وتبكي البهائم كَذَبتُ وبيت الله لو كنتُ عاشقًا … لما سبقتني بالبكاء الحمائم (٤) ومنهم:

стр. 2019

[٣] أبو الحسن، حيدرة بن عمر (١) الزَّنْدَوَرْدِيُّ (٢) ظاهري عجز عن الجدال، ونكب عن المجال، واقتصر على ظاهر النقل، فما فعل سواه ولا قال، أخذ العلم عن ابن المغلس، وكان من الأخيار، وفقيها على مذهب أصحابه. قال النديم: رأيته وكان لي صديقًا. قال الشيخ أبو إسحاق: مات سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وقبره في مقبرة خيزران، وعنه أخذ البغداديون مذهب داود. ومنهم: [٤] أبو سعد، بشر بن الحسين قاضي القضاة (٣) وقف عند الساحل، وحطّ رحله قبل طي المراحل، ولم يقدر على خوض الغمرة، ولا مخالطة الزمرة، فوقف عند الظاهر، وسكت حيث لا ناو ولا آمر. قال الشيخ أبو إسحاق: أخذ العلم عن علي بن محمد البغدادي صاحب ابن المغلس، وكان إمامًا في مذهب داود، وولي قضاء القضاة ببغداد بجاه عضد الدولة وعنايته، فاستناب على القضاء أربعة أنفس، ومات بفارس سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. ومنهم:

стр. 2020

[٥] القاضي أبو العباس، أحمد بن محمد بن صالح المنصوري (١) رجل وقف مع الظاهر، فضيق على نفسه، وغيّم على شمسه، وقلل فئته التي إليها يرجع، وأمحل مراده، فلم ينجع. قال الشيخ أبو إسحاق: أخذ العلم عن مملوك أبيه الذي أعتقه، وكان خرج إلى بغداد، فتعلم العلم، وعاد إلى المنصورة، فأخذ عنه ابن معتقه. قال النديم: كان أبو العباس من أفاضل الداوديين، وله كتب جليلة حسنةً، كبار، منها: كتاب «المصباح» كبير، وكتاب «الهادي» وكتاب «النير». ومنهم: [٦] القاضي أبو الفرج الفامي الشيرازي (٢) جمع بين نقيضين: ظاهر لا يحتمل التأويل، واعتزال له في ليله سبح طويل خرج في كلا ميليه عن الإجماع، ونهج عجيبًا قرع به الأسماع، فكان في قومه عجبًا، وفي قوله ما أصبح صباح الحق به عنه محتجبًا. أخذ العلم عن بشر بن الحسين، وكان إمامًا في مذهب داود، وعنه أخذ فقهاء شراز مذهب داود، وكان أيضًا رأسًا في الكلام على مذهب المعتزلة. قال أبو إسحاق الشيرازي: كنت أناظره، وأنا صبي. ومنهم: [٧] أبو نصر، يوسف بن عمر بن محمد بن يوسف (٣) فزع إلى فئة منزورة الأعداد، منزوفة الإمداد، أخذ عن من لقي، وكثر طائفة كالنكتة السوداء في بياض الثوب النقي. ذكره الشيخ أبو إسحاق فقال: تفقه أولًا على مذهب مالك، ثم انتقل إلى مذهب

стр. 2021

داود، وتقدم فيه، وتمم كتاب «الإيجاز» لمحمد بن داود، ومولده سنة خمس وثلاثمائة (١). ومنهم: [٨] أبو الحسن، عبد الله بن أحمد بن محمد بن المغلس (٢) حمد نظره السرى لما أصبح، وفقد الكرى حتى أربح، وحصل علما لا تنفذ ذخائره، ولا تسام أخايره، حتى أقامت إليه المطي صدورها، وأدامت تتناوب إليه ورودها وصدورها، وضربت إليه الإبل أكبادها تخبط المهامه، وتحطب منه المتشابه، وتعقل في ذراه لتحمل أوقارها، وتعمل إليه السير، لتجد لديه قرارها. أخذ العلم عن أبي بكر ابن داود، وانتهت ليه رياسة الداوديين في وقته، ولم ير مثله فيما بعد، وكان فاضلًا، عالمًا، نبيلًا، صادقًا، ثقة، مقدمًا عند جميع الناس، ومنزله ببغداد على نهر مهدي يقصده العامة من سائر البلدان. توفي لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بسكتة أصابته، وله كتاب جليل يعرف «بالموضح» وعنه انتشر علم داود في البلاد. ومنهم: [٩] أبو الحسن، عبد العزيز أحمد بن الخوزي (٣)، الأصفهاني، القاضي (٤) ممن لم يتسع به مدى النظر، ولم يتجاوز به مذهب الظاهر مقدار ما ظهر.

стр. 2022

وقف به الجمود، وطفي في لهبه الخمود، ومضى وعلمه لا يُقدر له في السرد لما نسب إلى داود، وكان في أهل وقته من العلماء الذين يفضلون، والحكام الذين يؤهلون، والقضاة الذين مضوا على الحق، قضوا به، وكانوا يعدلون. صنف في مذهب داود، وكان متمكنًا في المذهب، وولاه عضد الدولة قضاء الربع الأسفل من الجانب الشرقي، أخذ العلم عن بشر بن الحسين. قال أبو عبد الله الصيمري: ما رأيت أنظر منه، ومن أبي حامد الإسفراييني. وجاء إلى بغداد هو والقاضي أبو بكر ابن الباقلاني صحبة عضد الدولة من شيراز، وعنه أخذ فقهاء بغداد من أهل الظاهر، وأخذ عنه ابن له. قال الشيخ أبو إسحاق: رأيته وكان يناظر، وأخذ عنه أيضًا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن الأخضر، وكان من أجلاء شهود قاضي القضاة ببغداد، وأخذ عنه أيضًا القاضي أبو علي الداودي قاضي فيروز آباذ. ومات أبو الحسن سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وهؤلاء مشاهير الظاهرية بالمشرق، ثم انقطع مداهم، وما أكل القلم مطاه، ونقص ظلهم، وكان أقصر من إبهام القطاة.

стр. 2023

فقهاء الظاهرية في المغرب فأما بالمغرب، فلم يكن منهم إلا واحدٌ، لكنه كالألف، وفرد يحطم به كل صف، وهو: [١ ٠] أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن مُعْدان بن سفيان بن يزيد، مولى يزيد بن أبي سفيان بن صخر بن حرب الأموي (١) أسد فتح فاه والتقم، وبحر زخر عبابه والتطم، سيل عرم يجتحف ما قدامه،

стр. 2024

وريحٌ زعزعٌ ينسف ما جاء أمامه، وجبل لا يأمن من استذرى به أن يقع عليه، وأرقم لا يطمئن راقيه أن يثب إليه. شجاع أعد للحرب، وحسام لا يفل له غرب، ومثقف ما ألف إلا الطعن والضرب. أكل العلماء بلسانه، وأذهب سوء الصنيع بإحسانه، ووطئ الرجال بقدمه، وفل النصال بقلمه، ونكس بعلمه الأعلام، وقطع حيازيم الملوك بالكلام، وكان أمة وحده والسلام. ولد في الجانب الشرقي من قرطبة من بلاد الأندلس، سلخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلثمائة، وأصله من فارس، وجده خلف أول من دخل الأندلس من آبائه، وجده يزيد أول من أسلم من أجداده. وذكره ابن بسام (١) بكلام ملخصه: إنه تمذهب للشافعي ثم رأى رأي داود بن علي الظاهري، وأبغضه علماء زمانه، وسعوا حتى طرد إلى بادية لبلة، وهو لا يبالي، بل يصنف ويؤلف، ويُشغل ويدارس، وصنف وسق بعير لم يعد أكثرها عتبة باديته، لتزهيد الفقهاء طلاب العلم فيها، حتى أحرق بعضها باشبيلية، ومزقت علانية، وهو لا يزداد إلا بصيرة في نشرها، وجدالًا للمعاند فيها إلى أن مضى لسبيله. ثم قال: وعلى ذلك كله فلم يكن بالسليم من اضطراب رأيه، ومغيب شاهد علمه عند لقائه، إلى أن تحرك منه بالسؤال بحر علم لا تكدره الدلاء، ولا تقصر عنه الرشاء. قال: ووصفه ابن حيان، ولعمري ما عقه، ولا بخسه حقه. وقال ابنه أبو رافع بن علي بن حزم: اجتمع عندي بخط أبي من تأليفه نحو أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وقال ابن بشكوال (٢): كان أبو محمد بن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة بعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة، والشعر، والسير، والأخبار. وقال أبو عبد الله بن فتوح: ما رأينا مثله فيما اجتمع له من الذكاء، وسرعة الحفظ، وكرم النفس، والتدين، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة.

стр. 2025

أسرع منه. وجمعت شعره على حروف المعجم. وكان بينه وبين أبي الوليد الباجي مناظرات وماجريات. وكان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد يسلم أحد من لسانه، فنفرت عنه القلوب، واستقل بفقهاء فتمالأوا على بغضه، وردوا قوله، واجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم عن الدنو إليه، والأخذ عنه، فأقصته الملوك، وشردته عن بلاده حتى انتهى إلى بادية لبلة، فتوفى بها في شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة. وفيه قال أبو العباس بن العريف: كان لسان ابن حزم، وسيف الحجاج شقيقين، وإنما قال ذلك لكثرة وقوعه في الأئمة. وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب «القواصم والعواصم» وقد حط على الظاهرية: هي أمة سخيفة، تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه، تلقفوه من إخوانهم الخوارج حيث تقول: لا حكم إلا لله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت وجدت القول بالظاهر قد ملأ به المغرب سخيف كان من إشبيلية يُعرف بابن حزم، نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوه تنفيرًا للقلوب عنهم، وخرج عن طريق المشبهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطوام، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا، فيتضاحك مع أصحابه منهم. وعضدته الرئاسة بما كان فيه من أدب، وبشبه كان يوردها على الملوك، فكانوا يحملونه ويحمونه، بما كان يلقى إليهم من شبه البدع والشرك، وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لافحة، فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار، يطؤون عقبي، تارة تذهب لهم نفسي، وأخرى ينكسر لهم ضرسي، وأنا ما بين إعراض عنهم، وتشغيب بهم. وذكر كلامًا في الحط على الظاهرية. وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي: أخبرني ابن حزم أن سبب تعلمه للفقه أنه شهد جنازةً، فدخل المسجد فجلس، ولم يركع، فقال له رجل: قم فصل تحية المسجد، وكان ابن ست وعشرين سنة. قال فقمت وركعت، فلما رجعنا من الجنازة جئت المسجد، فبادرت بالتحية، فقال لي: اجلس اجلس، ليس ذا وقت صلاة، يعني بعد صلاة العصر، فانصرفت حزينًا، وقلت للأستاذ الذي رباني: دلني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون، فقصدته، وأعلمته بما جرى علي، فدلني

стр. 2026

على «الموطأ» فبدأت به عليه قراءةً، ثم تتابعت قراءاتي عليه، وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة، ثم قال ابن العربي: صحبت ابن حزم سبعة أعوام، وسمعت منه جميع مصنفاته. وقال أبو مروان بن حيان: كان ابن حزم حامل فنون من حديث، وفقه، وجدل، ونسب، وما يتعلق بأذيال الأدب، مع المشاركة في أنواع التعاليم القديمة من المنطق والفلسفة، وله كتب كثيرة لم يخل فيها من غلط؛ لجرأته في التسور على الفنون لا سيما المنطق، فإنهم زعموا أنه زل هناك، وضلّ في سلوك المسالك، وخالف أرسطو واضعه مخالفة من لم يفهم غرضه، ولا ارتاض، ومال أولًا إلى مذهب الشافعي، وناضل عنه حتى وسم به، فاستهدف بذلك لكثير من الفقهاء، وعيب بالشذوذ، ثم عدل إلى الظاهر فنقّحه، وجادل ولم يك يلطف صدعه بما عنده بتعريض، ولا بتدريج، بل يصك به معارضه صك الجندل، وينشقه انشق الخردل، فتمالئ عليه فقهاء وقته، واجمعوا على تضليله، وشنعوا عليه، وحذروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا عوامهم من الدنو منه، وطفق الملوك يقصونه ويسيرونه عن بلادهم، وهو في ذلك غير مرتدع، ولا راجع، يبث علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من أصاغر الطلبة، يُسمعهم، ويفقههم، ويدارسهم، وكان مما يزيد في شتاته تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم، واعتقاده لصحة إمامتهم حتى نسب إلى النصب. وقال ابن دحية: كان قد برص من أكل اللبان، وأصابه زمانة، وعاش اثنتين وستين سنة إلا شهرًا. وقال اليسع بن حزم الغافقي: أما محفوظ ابن حزم، فبحر عجاج، وماء ثجاج، يخرج من بحره مرجان الحكم، وينبت ثجاجة الفاف النعم في رياض الهمم، لقد حفظ علوم المسلمين، وأربى على أهل كل دين، وكان أولًا يلبس الحرير، ولا يرضى من المكانة إلا بالسرير. مدح المعتمد، فأجاد، وقصد بلنسية، وبها المظفر أحد الأطواد. حدثني عنه عمر بن واجب، قال: بينما نحن عند أبي ببلنسية، وهو يدرس المذهب إذ بأبي محمد يسمعنا ويتعجب، ثم سأل الحاضرين عن شيء من الفقه، فاعترض فيه، فقال له بعض الحضار: هذا العلم ليس من منتحلاتك، فقام وقعد، ودخل منزله، فعكف، ووكف منه، وبل ما كف، وما كان بعد أشهر قريبة حتى قصدنا إلى ذلك الموضع فناظر أحسن مناظرة، وقال فيها: أنا أتبع الحق وأجتهد ولا أتقيد بمذهب (١).

стр. 2027

وتوفي بقريته على خليج البحر الأعظم في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وقيل: مات ليومين بقيا من شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة. ومن شعره قوله من قصيدة (١): [من الطويل] أَجَلْ هُوَ مَعْنَى قد عفتْهُ الرَّوامِس … فهل أنتَ فِيهِ وَيْبَ غيرك حابس عس سيُجيب الدمع إذ أنا سائل … وهلْ يُرجِعُ اللفظ الطلول الدوارس وفي طي مثني الصفيح على الثَّرَى … سَبَى شَبَةٌ للشكل والحُسنِ لابس غريب صِفاتِ الحُسنِ إِنْ تَبغ حُسنَه … فامنعُ معدوم هناك المجانس إذا حُدَّ لم تَحْوِ الحُدودُ جهاتِهِ … وإن قِيسَ يومًا ضَلَّ فِيهِ المُقايس عجبت لدهر لا يني وهو طالبي … بثأر ولا ينفك دأبًا يُمارس فأهلًا بوفد الشيب إذ جاء وافدًا … وكنتُ وقلبي قبل ذا منه واجس ولما أتى رُدَّت نفوس بغيظها … ولم تنبسط نحوي اللحاظ النواعس تَنَاءين عني كالغصون وأعرضت … ضواحك أقمار وهنَّ عوابس إذا ما تُراميني مفاخر معشر … فأيسر فخري للمفاخر دايس وإني بعرضي دون ديني مُتَّقٍ … وإني بروحي دون عرضي مُتارس سَمَا بي ساسان ودارا وبعدَهُمْ … قريش العُلا أعياصها والعنايس فما أخرتْ حرب مراتب سؤددي … ولا قعدت بي عَنْ ذُرى المَجدِ فارس وقوله من قصيدة قالها، وقد تعصب على بعض أصحابه في وقت بميورقة، فامتد بعض جهالها إلى بعض كتبه، فأحرقها؛ ليشنعوا بذلك؛ ليرد الناس عنه (٢): [الطويل] فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي … تضمَّنَهُ القرطاس بل هو في صدري دعوني مِنْ إحراق رق وكاغد … وقولوا بعلم كي يى الله مَنْ يَدري وقوله وقد أكثروا عليه تخويف بأس نظرائه، كأبي الوليد وغيره (٣): [الطويل] قالوا تحفظ فإنَّ الناس قد كثرت … أقوالهم وأقاويل الوَرَى مِحَنُ فقلتُ: هل عيبهم لي غيرُ أنّي لا … أقولُ بالرأي إذ في رأيهِمْ فِتَنُ

стр. 2028

لا أنثني لمقاييس يقالُ بها … في الدين بلْ حَسْبِيَ القرآنُ والسُّنَنُ دعهم يعضُّوا على صُمِّ الحَصَى كَمَدًا … مَنْ ماتَ مِنْ قوله عندي لهُ كَفَنُ إني لأعجبُ مِنْ شأني وشأنهمُ … واحَسْرَتا إنّني بالناس ممتحنُ ما إن قصدت لأمر قط أفعلُهُ … إلا وطارت به الأظعان والفنُ أما لهمْ شُغُل عنِّي فيشغلهم … أوكلُّهم بي مشغول ومرتهن كأنَّ ذكري تسبيحٌ بِهِ أُمِرُوا … فليسَ يغفل عني منهم لَسِنُ لو بيع ذكري على ما قد تكاثرَ مِنْ … طُلابِهِ لم يكن يُدرى لهُ ثَمَنُ إن غبتُ عَنْ لحظهم ماجوا بغيظهم … حتى إذا ما رأوني طالعًا سكنوا دعوا الفُضُولَ وهبَّوا للبيان لكي … يدري مُقيمٌ على الحُسْنى ومُفتَتَنُ وقوله حين بلغه أن أبا الوليد الباجي يتناوله (١): [من الطويل] قالوا سليمان يَذُمُّكَ جاهدًا … فقلتُ دعوه إنَّه غير طائل هو المرء لا يؤسى لمطلقِ ذِمَّةٍ … ولا لثناء منه بشرى لعاقل وقوله (٢): [من البسيط] أنائم أنتَ عَنْ نَصِّ الكتاب وما … أتى عَنِ المُصطفى الهادي من الدين أولى بأجر وتعظيمٍ ومَحْمَدَةٍ … مِنْ كُلِّ قول أتى مِنْ رأي سحنون هيهات رأي امرئ من وحي خالقنا … قياس هذا بذا رأي المجانين يا من هدى بهما اجعلني كمثلِهما … في نصر دينك واكمد غير مفتون وقوله من قصيدة (٣): [من الطويل] وألزم أطراف الثغور مَجاهدًا … إذا هَيْعَةٌ ثارت فأول نافر لألقى حمامي مُقبلًا غيرَ مُدبرٍ … بسمرِ العوالي والرقاق البواتر أطاعنهم حتى يوافينِي الرَّدَى … بضربةِ حَران وطعنة ثائر كفاحًا مع الكفار في حومة الوَغَى … وأكرم موت للفتى قتل كافر ويرحل أصحابي وأتُرَكُ ثاويًا … طريحًا لِجدي في مكر الحوافر

стр. 2029

فيا رب لا تجعل حمامي بغيرها … ولا تجعلني من قطين المقابر وقوله يخاطب قاضي الجماعة بقرطبة أبا المطرف (١) ﵀ من قصيدة (٢): [الطويل] ألم يخاليني جلاء مجرب … على أنه حقا بي العالم الطب أعيذك أن ترتاب في أني الذي … أتى سابقا والكل ينجر أو يحبو أمثلك يعشو عن مكاني ويمتري … بأني من أفلاك ذا الأدب القطب أيخفى عليك البدر ليلة تمه … ولم تستر عنك النيازك والشهب وحاشاي أن يمتد زهو بمنطقي … وأن يستفز الحلم من قولي العجب ولكن لي في يوسف خير أسوة … وليس على من بالنبي ائتسى ذنب يقول وقال الحق والصدق إنني … حفيظ عليم ما على صادق عتب فلو كسي الفولاذ حدة خاطري … تساوى لديه اللحم والحجر الصلب ولو كان للنيران بعض ذكائه … وفاضت عليها لجة البحر لم تخب وما اختص علم دون علم بوجهتي … بلى مسرحي في كلها الواسع الخصب ومالي عميم لست أخشى نفاده … بإنفاقه لا بل يزيد وينصب سموت بنفسي لا بمجد هوت به … من الزمن العداء آلاته الحدب وما ضر شعري أن منوشهر والدي … ولم تحظ بي علما تميم ولا كعب (٣) وإن شئت أخبار الدهور فإنني … أنا جامع التاريخ مذ نبت الهضب سواء علي ذكري قريب ونازح … وما حملت أرض ومن ضمه الترب يسافر علمي حيث سافرت ظاعنا … ويصحبني حيث استقلت بي النجب أنا الشمس في جو العلوم منيرة … ولكن عيبي أن مطلعي الغرب ولي نحو أكناف العراق صبابة … ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب هنالك يدرى أن للبعد قصة … وأن كساد العلم آفته القرب فيا عجبا من غاب عنهم تشوقوا … له ودنو المرء من دارهم ذنب

стр. 2030

وقوله من أبيات يصف مقامه مع مناظريه (١): [من الطويل] ويوم كحد السيف ليس بثابت … عليه جليد لا ولا مُتجلّد لقيت شباه وهو جمرٌ مؤَجَّجٌ … وأقلعتُ عنه وهو فجرٌ مُخَلَّدُ وقوله من أخرى (٢): [الطويل] وَدِدْتُ بأنَّ وُدّي فيك مني … إليك مصورًا لك بالعيانِ فتعلمُهُ مُعاينةً كما قد … علمت يقين ذلك بالمعاني وليت القلب شُقَّ وصِرْتَ فِيهِ … بجِمسكَ ثُمَّ أطبق في المكان فغبتَ عَنِ البرية فيهِ طُرًّا … ودمنا هكذا أمد الزمان وقوله (٣): [من المتقارب] أحقًا تُرَى أنْ يطول المغيب … إلى بلد نازح شاسع ولم ترني استحق الوداع … يا لوداد مي ضائع وما لكَ عُذر سِوَى واحد … نجوتُ بهِ مِنْ حلى القاطع وكنت أعدد أيضًا على … أخيك بمؤلمة السامع ولكن إذا الدَّجْنُ غَطَّى ذُكًا … فما الظن بالقمر الطالع وقوله (٤): [من الطويل] أياديك عندي جَمَّةٌ لا أعدها … كفاك اعتذارًا أنني لك عبدها أمولاي قد أودى العتاب بمهجتي … وليس سوى الأعتاب شيء يردُّها وقوله في الاستعتاب (٥): [الطويل] لنا في ذمام الودّ ما يوجبُ الرِّضا … فيعطفُ مأمولُ ويُرفع منحط وللعفو شرط في الكرام مؤكّد … وما في صوابِ الحُكمِ أَنْ يُنقَضَ الشَّرط لقد جلَّ ذنب ضاق عفوكَ دُونَهُ … على أنَّني ما كان لي قبله سقط ونافرتني حتى كأَنَّ خَلائقي … أفاعِ تَمُجُ السُّمَّ مُنكَرَةٌ رُقْط وما تكره العتب اليسير سجيَّتي … على أنه قد عيب في الشَّعَرِ الوَخْطُ

стр. 2031

توسط إذا عاينت أمرًا فإنَّهُ … يُقالُ خيار الأمر أجمعُه الوسط وقوله (١): [من البسيط] ما مثل حبي لمن أهواه أعلمُهُ … ولا كوحشتِهِ في جانبي مَثَلُ حاشى الوزير أبا مروانَ إِنَّ بِهِ … فيما امتحِنَّا بِهِ ما ضَمَّني السُّبُلُ قد هامَ عِشقًا بدنيًا ليس يُعْجُبها … لقًا وليست لها في وصلِهِ أَمَلُ فرغبة بقرارِ الضّدِّ يطلُبُه … ضِد فهل يلتقي الضدان يا رجُل حينا بإعدام قاضي المِصْرِ يطلبها … نعم وبالدِّينِ إِنْ ضاقت به الحِيَلُ يبُلُّ بالقطر فاهُ عند ظمأتِهِ … فَلا عصوب بكفيه ولا بَلَلُ وقوله (٢): [من الطويل] لقد بغتتني كرَّةُ البين فجأةً … بشمس وغُصن يستقلُّ بِهِ دِعْصُ وما كُنْتُ أخشى قبل ذا نفثاتِهِ … ولكنَّ دهري في تقلبِهِ لِص خفيت عن الأبصار والوجد ظاهر … فأعْجِبْ بأعراض بقين ولا شخص بحُبِّ غزال قلبه الصخرُ قَسوةً … يُحيطُ بِهِ مِنْ جَسمِهِ ناعم رَخْصُ أظنك لو أدركت أيام يوسف … لَمَا جاءنا إلا بصورتكَ النَّص وقوله (٣): [من البسيط] ليس شيء في الدهر أحلى وأشهى … مِنْ عِناق يكون يوم تلاقي ليس يدري لذاذة العيش إلا … مَنْ جرى في ميادنِ العُشَّاقِ وقوله (٤): [من البسيط] لا تشمتن حاسدي إنْ نَكْبَةٌ عَرَضَتْ … فالدهرُ ليس على حالٍ بِمُتَرَكِ ذو الفضل كالتبر طورًا تحتَ ميقعة … وتارةً في ذُرى تاج على مَلِكِ وقوله (٥): [من الوافر] لئن أصبحت مرتحلًا بشخصي … فَرُوحي عندكم أبدًا مُقيم

стр. 2032

ولكن في العِيانِ لطيف معنى … له سألَ المُعاينة الكليم وقوله (١): [من الطويل] وذي عَذَلٍ فيمنْ سَبَاني حُسْنُهُ … يُطيلُ ملامي في الهوى ويقول أفي حُسْنِ وجه لاحَ لَمْ تَرَ غيرَهُ … ولم تدرِ غير الجسم أنت قتيل فقلت له أسرفت في اللوم ظاهرًا … وعندي رد لو أردت طويل ألمْ تَرَ أَنِّي ظاهري وأنَّني … على ما أرى حتى يقوم دليل سمعت وأطعت لقوله تعالى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢)، وسلمت وانقَدْتُ لحديثه ﵇: «صل من قطعك، واعف عمن ظلمك» (٣) ورضيت بقول الحكماء: كفاك انتصارًا ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه، وأقول (٤): [من المتقارب] تَبَعَ سِوَاي امرءًا يبتغي … سبابَكَ إن هواك السباب فإِنِّي أَبَيْتُ طِلابَ السَّفاءِ … وصُنْتُ مَحلِّي عما يعاب وقُلْ ما بدا لكَ مِنْ بَعْدِ ذا … وأكثر فإنَّ سُكوتي خطاب ومن شعره (٥): [من مخلع البسيط] من ظل يبغي فروع علم يُروى … ولم يدرس منه أصلا فكلُّ ما ازداد فيهِ سَعْيًا … زادَ لعمري بذاك جهلا وقد نقل ابن الوحيد الكاتب (٦). هذا المعنى من حال إلى حال، وأجاد إذ قال: [من الكامل] جهد المفند في الزمانِ مُضيَّعُ … وإن ارتضى أستاذه وزمانه كالثور في الدولاب يسعى وهو لا … يدري الطريق فلا يزال مكانه قال ابن حيان ويا لبدائع هذا الحبر علي وغرره ما أوضحها على كثرة الدافنين لها، والطامسين لمحاسنها وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله، وقبله ردي العلماء بتبريزهم على من يقصر عنهم، والحسد داءً لا دواء له (٧).

стр. 2033

وأورد أبو عبد الله الحميدي أيضًا من شعره قوله (١): [من الطويل] هل الدهر إلا ما لحقنا وأدركنا؟ … فَجَائِعُهُ تبقى ولذاتُه تَفْنَى إذا أمكنت فيهِ مسرَّةُ ساعةٍ … تولّت كمرّ الطَّرْفِ واستخلَفَتْ حُزْنا إلى تبعات في المَعادِ وموقفٍ … نَوَدُّ لديها أننا لم نكن كُنَّا حَصَلنَا على هَم وإثم وحسرة … وفاتَ الذي كنا نَلَذٌ بِهِ عَنَّا حنين لما ولى وشُغل لما أتى … وغم لما يُرجى فعيشُكَ لا يَهْنَا كأن الذي كُنا نُسَرُّ بكونه … إذا حققته النفس لفظ بلا مَعْنَى قال أبو عبد الله الحميدي: وقلت له يومًا: قال أبو نواس (٢): [من الخفيف] عَرِّضَن للذي تُحِبُّ بحُبِّ … ثُمَّ دعهُ يَروضُهُ إبليس فقل أنت في طريق التحقيق فقال (٣): [من الطويل] أَبِنْ َقوْلَ وجه الحقِّ في نفس سامع … ودعه فنور الحقِّ يسري ويُشرِقُ سيؤنسه رفقًا فينسى نفارَةٌ … كما نَسِيَ القيد الموثق مُطلق ومن شعره أيضًا قوله (٤): [من الطويل] أحاجيكُمُ: مَنْ علّق القمر القُرْطَا؟ … وأسألكمْ: مَنْ الحَفَ الغُصْنَ المِرطَا؟ فما جَزَعي إن جاوزَ الجَزْعَ ظاعنًا … ولا ساقط حُزني إذا جاوز السِّقْطَا ومنها: وليدة سر المدح تبلخُ نخوة … وقدْ عَظُمَتْ مَجْدًا وقد كرمت رَهْطا ولم ترض بالجوزاء عقدًا ودُملجًا … ولا قنعت بالنجمِ شِنْفًا ولا قُرْطا تقنصتها والعمر في عنفوانه … فلا غُصني أحتى ولا لِمَّتِي شَمْطَا وليل غطى والنجم في الأفق حائر … فغطى على الأعلام منه الذي غطى وليس وشاحي غيرُ عَضْبٍ مُهنَّدٍ … أبى حدُّه أن يسأم القد والقطا تشابه عزمي والحسام وهِمّتي … ثلاثة أسياف بأمثالها يُسطى وقوله (٥): [من الطويل]

стр. 2034

سَرَت مِنْ لِوَى حَبْتٍ إلينا تعسَّفُ … مَهَامِة ذاتِ الجهل والجو أكلف تبيتُ بذي الأرْطَى وقد بات طيفها … لنا صنمًا نحنو عليه ونعكف هَبِيْكِ سَرَيتِ الليل فرعُكِ أسحَمٌ … وتَغرُكِ بسّام، ولحظكِ أوْطَفُ فأَنَّى أَطَقْتِ المَشي قدُّكِ مائدٌ … وردفُكِ رجراج، وخضرك أهيف سقى ربعك المألوف، حيثُ تصدعت … لي الكبد الحرى، ربيع وصيف فكم لي فيهِ مِنْ جَنابِ وطئتُه … كريمًا فلا أسى ولا أتأسف وقد شققت فيه الجيوب جيوبها … وباتت عليها أدمعُ العَينِ تَدْرِفُ ليالي بات البان فوق كثيبِهِ … عليَّ بأنواع الجنى يتعطف إذا ارتج مِنْ عِطْفٍ كثيبٌ مُرجرجٌ … تأوَّدَ مِنْ قَدْ قضيبٌ مُهفهف يُمَدُّ علينا بالسحابِ سُرَادِقٌ … ويُسحب فينا للجنائب مطرف والله دري ما أَدر مدامعي … إذا سجعتُ وُرْقٌ على الأَيْكِ هُتَّفُ بدا العلم الفرد الذي كنت عالمًا … به، وسرى العَرْفُ الذي كنتُ أعرفُ يُذكِّرُني سُعْدَايَ بالغَورِ ما تَنِيْ … مساعدةَ إِذْ لا صُدوفي تصدف والله سلمى يوم أهدى سلامها … بذي سَلَم نحوي البنانُ المُطَرَّف وما ظبية أدماء أعرو أراكَها … وتعطو وقد وافي بَرِيرٌ وعُلَّفُ بأحسن منها يومَ رِيعَتْ لزَورَتي … فراغَتْ إلى أترابها تتشوف وقالت: أما تثنيكَ رِقْبةُ حارس … وأنياب ليث في العرينةِ تَصْرُفُ؟ ودون الذي أملتَ أجرد سابح … وأسمرُ عرَّاص وأبيضُ مُرهَفُ فقلت لها: بعض الذي بكِ، فانثنت … وأنجز ميعادًا بخيل مُسوّف ونلتُ سقاطًا مِنْ حديث وعاقني … تنزُّهُ حُرِّ عَنْ خنًا وتعفف يُساعدني تحت النقابين منظر … ويُسعدني تحت اللثامين مرشف وركب سروا والليل مُرخٍ عليهمُ … ستورًا مِنَ الإظلام لا تتكشف خبطت بهم أكنافه ونجومُهُ … روائمُ أظارٌ على البدر عُكَف على كل قنعاس كأن تَغامَهُ … وقد سئم الإرقال - قطن مندف هدايا خطوب بات ينحرها السُّرى … ولكنَّها مِنْ باطن الخُفِ تَرعَفُ إلى أن أناف الصُّبحُ ينفض عرفَهُ … وطائرُهُ في غُرةِ الفجرِ يهتف فما انشقّ إلا عَنْ مُنادي ابنِ مُنذرٍ … نذيرًا بصرف عاقهم عنه يصرف

стр. 2035

وا ربَّ مَيدان أتى فيه سابقًا … وغودر منكوبًا هجيبن ومُقْرِفُ وما نام حتى لم مُفترِقَ العُلا … فها هي عقد في يديه مؤلَّف إياس وبسطام بن قيس وحاتِمٌ … وقُسٌ ولقمان بن عاد وأحنف وما هذه الأيام إلا مقاول … تلتْ سُورًا مِنْ مجدِهِ وهوَ مُصْحَفُ إذا مضر الحمراء أدلت بمجدها … وجرَّتْ ذيول الفخر قيس وخِنْدِفُ سمالك قحطان ببنيانِ سُؤددٍ … ينيفُ على تلك المباني ويُشرف وقال (١): [من الكامل] أمن البراق التاج برق ما سرى … إلا ورد الأفق مرطًا أحمرا أتبعتُهُ نظر المشوقِ بمقلةٍ … لمْ تدرِ مذ عهد الأثيلة ما الكرى عاينته كالصقر صفّقَ طائرًا … فغدت غرابيب الدياجي نفرا وسللت من نار الصبابة صارمًا … وجررتُ من وفد التصابي عسكرا ومشيت منسابًا فقُل في أرقم … وضح النهار له فعادَ غَضَنفرا بتنا، وبات المسكُ فينا واشيًا … بمكاننا، والحَلْي عنا مخبرا ودنت بألحاظ تُدير كؤوسها … فينا فنشربها حلالًا مُسْكِرا والليل يُلحفني سرابيل الدُّجى … جهلًا وقد عانقت صُبحًا مُسفِرا لو جئتنا لرأيت أعجب منظرٍ … أسدٌ توسَدُ كفَّ ظبي أعْفَرا ولقد رأيتُ مِنَ الحِمَى أعلامَهُ … وشككتُ لمَّا شِمْتُهُ متغيّرا لم ألق إلا مَشْرَفيًا أبيضًا … مِنْ دونِهِ أو زاغبيًا أسمرا إلا تَرَى المنصور تحت لوائه … تلقَ ابنَه طلق اليدين مُظفّرا أو لا تجد في الحفل عاقد حَبُوةٍ … هُودًا فإنّا قد وجدنا حِمْيَرا أو تفتقد صمصام عمرو في الوَغَى … فلقد سللنا ذا الفَقَارِ مذكرا لا غرو جئتُ البحر إذْ َبخِلَ الحَيا … ورأيتُ يحيى حين لم أرَ مُنذرا فإذا دعونا مَنْ يُجيبُ لنكبةٍ … لَبَّتْ تُجيبُ فخلتها سيلًا جَرَى شيمٌ غَدَتْ قُرْطَ الزَمانِ فلم أنم … حتى نظمت عليه شعري جوهرا لله درك والرماح شوراع … والبيض تقطعُ لأمةً وسَنَوَّرا
следующие страницы →