توسط إذا عاينت أمرًا فإنَّهُ … يُقالُ خيار الأمر أجمعُه الوسط
وقوله (١): [من البسيط]
ما مثل حبي لمن أهواه أعلمُهُ … ولا كوحشتِهِ في جانبي مَثَلُ
حاشى الوزير أبا مروانَ إِنَّ بِهِ … فيما امتحِنَّا بِهِ ما ضَمَّني السُّبُلُ
قد هامَ عِشقًا بدنيًا ليس يُعْجُبها … لقًا وليست لها في وصلِهِ أَمَلُ
فرغبة بقرارِ الضّدِّ يطلُبُه … ضِد فهل يلتقي الضدان يا رجُل
حينا بإعدام قاضي المِصْرِ يطلبها … نعم وبالدِّينِ إِنْ ضاقت به الحِيَلُ
يبُلُّ بالقطر فاهُ عند ظمأتِهِ … فَلا عصوب بكفيه ولا بَلَلُ
وقوله (٢): [من الطويل]
لقد بغتتني كرَّةُ البين فجأةً … بشمس وغُصن يستقلُّ بِهِ دِعْصُ
وما كُنْتُ أخشى قبل ذا نفثاتِهِ … ولكنَّ دهري في تقلبِهِ لِص
خفيت عن الأبصار والوجد ظاهر … فأعْجِبْ بأعراض بقين ولا شخص
بحُبِّ غزال قلبه الصخرُ قَسوةً … يُحيطُ بِهِ مِنْ جَسمِهِ ناعم رَخْصُ
أظنك لو أدركت أيام يوسف … لَمَا جاءنا إلا بصورتكَ النَّص
وقوله (٣): [من البسيط]
ليس شيء في الدهر أحلى وأشهى … مِنْ عِناق يكون يوم تلاقي
ليس يدري لذاذة العيش إلا … مَنْ جرى في ميادنِ العُشَّاقِ
وقوله (٤): [من البسيط]
لا تشمتن حاسدي إنْ نَكْبَةٌ عَرَضَتْ … فالدهرُ ليس على حالٍ بِمُتَرَكِ
ذو الفضل كالتبر طورًا تحتَ ميقعة … وتارةً في ذُرى تاج على مَلِكِ
وقوله (٥): [من الوافر]
لئن أصبحت مرتحلًا بشخصي … فَرُوحي عندكم أبدًا مُقيم
стр. 2032
ولكن في العِيانِ لطيف معنى … له سألَ المُعاينة الكليم
وقوله (١): [من الطويل]
وذي عَذَلٍ فيمنْ سَبَاني حُسْنُهُ … يُطيلُ ملامي في الهوى ويقول
أفي حُسْنِ وجه لاحَ لَمْ تَرَ غيرَهُ … ولم تدرِ غير الجسم أنت قتيل
فقلت له أسرفت في اللوم ظاهرًا … وعندي رد لو أردت طويل
ألمْ تَرَ أَنِّي ظاهري وأنَّني … على ما أرى حتى يقوم دليل
سمعت وأطعت لقوله تعالى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢)، وسلمت وانقَدْتُ لحديثه ﵇: «صل من قطعك، واعف عمن ظلمك» (٣) ورضيت بقول الحكماء: كفاك انتصارًا ممن تعرض لأذاك إعراضك عنه، وأقول (٤): [من المتقارب]
تَبَعَ سِوَاي امرءًا يبتغي … سبابَكَ إن هواك السباب
فإِنِّي أَبَيْتُ طِلابَ السَّفاءِ … وصُنْتُ مَحلِّي عما يعاب
وقُلْ ما بدا لكَ مِنْ بَعْدِ ذا … وأكثر فإنَّ سُكوتي خطاب
ومن شعره (٥): [من مخلع البسيط]
من ظل يبغي فروع علم يُروى … ولم يدرس منه أصلا
فكلُّ ما ازداد فيهِ سَعْيًا … زادَ لعمري بذاك جهلا
وقد نقل ابن الوحيد الكاتب (٦). هذا المعنى من حال إلى حال، وأجاد إذ قال: [من الكامل]
جهد المفند في الزمانِ مُضيَّعُ … وإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا … يدري الطريق فلا يزال مكانه
قال ابن حيان ويا لبدائع هذا الحبر علي وغرره ما أوضحها على كثرة الدافنين لها، والطامسين لمحاسنها وعلى ذلك فليس ببدع فيما أضيع منه، فأزهد الناس في عالم أهله، وقبله ردي العلماء بتبريزهم على من يقصر عنهم، والحسد داءً لا دواء له (٧).
стр. 2033
وأورد أبو عبد الله الحميدي أيضًا من شعره قوله (١): [من الطويل]
هل الدهر إلا ما لحقنا وأدركنا؟ … فَجَائِعُهُ تبقى ولذاتُه تَفْنَى
إذا أمكنت فيهِ مسرَّةُ ساعةٍ … تولّت كمرّ الطَّرْفِ واستخلَفَتْ حُزْنا
إلى تبعات في المَعادِ وموقفٍ … نَوَدُّ لديها أننا لم نكن كُنَّا
حَصَلنَا على هَم وإثم وحسرة … وفاتَ الذي كنا نَلَذٌ بِهِ عَنَّا
حنين لما ولى وشُغل لما أتى … وغم لما يُرجى فعيشُكَ لا يَهْنَا
كأن الذي كُنا نُسَرُّ بكونه … إذا حققته النفس لفظ بلا مَعْنَى
قال أبو عبد الله الحميدي: وقلت له يومًا: قال أبو نواس (٢): [من الخفيف]
عَرِّضَن للذي تُحِبُّ بحُبِّ … ثُمَّ دعهُ يَروضُهُ إبليس
فقل أنت في طريق التحقيق فقال (٣): [من الطويل]
أَبِنْ َقوْلَ وجه الحقِّ في نفس سامع … ودعه فنور الحقِّ يسري ويُشرِقُ
سيؤنسه رفقًا فينسى نفارَةٌ … كما نَسِيَ القيد الموثق مُطلق
ومن شعره أيضًا قوله (٤): [من الطويل]
أحاجيكُمُ: مَنْ علّق القمر القُرْطَا؟ … وأسألكمْ: مَنْ الحَفَ الغُصْنَ المِرطَا؟
فما جَزَعي إن جاوزَ الجَزْعَ ظاعنًا … ولا ساقط حُزني إذا جاوز السِّقْطَا
ومنها:
وليدة سر المدح تبلخُ نخوة … وقدْ عَظُمَتْ مَجْدًا وقد كرمت رَهْطا
ولم ترض بالجوزاء عقدًا ودُملجًا … ولا قنعت بالنجمِ شِنْفًا ولا قُرْطا
تقنصتها والعمر في عنفوانه … فلا غُصني أحتى ولا لِمَّتِي شَمْطَا
وليل غطى والنجم في الأفق حائر … فغطى على الأعلام منه الذي غطى
وليس وشاحي غيرُ عَضْبٍ مُهنَّدٍ … أبى حدُّه أن يسأم القد والقطا
تشابه عزمي والحسام وهِمّتي … ثلاثة أسياف بأمثالها يُسطى
وقوله (٥): [من الطويل]
стр. 2034
سَرَت مِنْ لِوَى حَبْتٍ إلينا تعسَّفُ … مَهَامِة ذاتِ الجهل والجو أكلف
تبيتُ بذي الأرْطَى وقد بات طيفها … لنا صنمًا نحنو عليه ونعكف
هَبِيْكِ سَرَيتِ الليل فرعُكِ أسحَمٌ … وتَغرُكِ بسّام، ولحظكِ أوْطَفُ
فأَنَّى أَطَقْتِ المَشي قدُّكِ مائدٌ … وردفُكِ رجراج، وخضرك أهيف
سقى ربعك المألوف، حيثُ تصدعت … لي الكبد الحرى، ربيع وصيف
فكم لي فيهِ مِنْ جَنابِ وطئتُه … كريمًا فلا أسى ولا أتأسف
وقد شققت فيه الجيوب جيوبها … وباتت عليها أدمعُ العَينِ تَدْرِفُ
ليالي بات البان فوق كثيبِهِ … عليَّ بأنواع الجنى يتعطف
إذا ارتج مِنْ عِطْفٍ كثيبٌ مُرجرجٌ … تأوَّدَ مِنْ قَدْ قضيبٌ مُهفهف
يُمَدُّ علينا بالسحابِ سُرَادِقٌ … ويُسحب فينا للجنائب مطرف
والله دري ما أَدر مدامعي … إذا سجعتُ وُرْقٌ على الأَيْكِ هُتَّفُ
بدا العلم الفرد الذي كنت عالمًا … به، وسرى العَرْفُ الذي كنتُ أعرفُ
يُذكِّرُني سُعْدَايَ بالغَورِ ما تَنِيْ … مساعدةَ إِذْ لا صُدوفي تصدف
والله سلمى يوم أهدى سلامها … بذي سَلَم نحوي البنانُ المُطَرَّف
وما ظبية أدماء أعرو أراكَها … وتعطو وقد وافي بَرِيرٌ وعُلَّفُ
بأحسن منها يومَ رِيعَتْ لزَورَتي … فراغَتْ إلى أترابها تتشوف
وقالت: أما تثنيكَ رِقْبةُ حارس … وأنياب ليث في العرينةِ تَصْرُفُ؟
ودون الذي أملتَ أجرد سابح … وأسمرُ عرَّاص وأبيضُ مُرهَفُ
فقلت لها: بعض الذي بكِ، فانثنت … وأنجز ميعادًا بخيل مُسوّف
ونلتُ سقاطًا مِنْ حديث وعاقني … تنزُّهُ حُرِّ عَنْ خنًا وتعفف
يُساعدني تحت النقابين منظر … ويُسعدني تحت اللثامين مرشف
وركب سروا والليل مُرخٍ عليهمُ … ستورًا مِنَ الإظلام لا تتكشف
خبطت بهم أكنافه ونجومُهُ … روائمُ أظارٌ على البدر عُكَف
على كل قنعاس كأن تَغامَهُ … وقد سئم الإرقال - قطن مندف
هدايا خطوب بات ينحرها السُّرى … ولكنَّها مِنْ باطن الخُفِ تَرعَفُ
إلى أن أناف الصُّبحُ ينفض عرفَهُ … وطائرُهُ في غُرةِ الفجرِ يهتف
فما انشقّ إلا عَنْ مُنادي ابنِ مُنذرٍ … نذيرًا بصرف عاقهم عنه يصرف
стр. 2035
وا ربَّ مَيدان أتى فيه سابقًا … وغودر منكوبًا هجيبن ومُقْرِفُ
وما نام حتى لم مُفترِقَ العُلا … فها هي عقد في يديه مؤلَّف
إياس وبسطام بن قيس وحاتِمٌ … وقُسٌ ولقمان بن عاد وأحنف
وما هذه الأيام إلا مقاول … تلتْ سُورًا مِنْ مجدِهِ وهوَ مُصْحَفُ
إذا مضر الحمراء أدلت بمجدها … وجرَّتْ ذيول الفخر قيس وخِنْدِفُ
سمالك قحطان ببنيانِ سُؤددٍ … ينيفُ على تلك المباني ويُشرف
وقال (١): [من الكامل]
أمن البراق التاج برق ما سرى … إلا ورد الأفق مرطًا أحمرا
أتبعتُهُ نظر المشوقِ بمقلةٍ … لمْ تدرِ مذ عهد الأثيلة ما الكرى
عاينته كالصقر صفّقَ طائرًا … فغدت غرابيب الدياجي نفرا
وسللت من نار الصبابة صارمًا … وجررتُ من وفد التصابي عسكرا
ومشيت منسابًا فقُل في أرقم … وضح النهار له فعادَ غَضَنفرا
بتنا، وبات المسكُ فينا واشيًا … بمكاننا، والحَلْي عنا مخبرا
ودنت بألحاظ تُدير كؤوسها … فينا فنشربها حلالًا مُسْكِرا
والليل يُلحفني سرابيل الدُّجى … جهلًا وقد عانقت صُبحًا مُسفِرا
لو جئتنا لرأيت أعجب منظرٍ … أسدٌ توسَدُ كفَّ ظبي أعْفَرا
ولقد رأيتُ مِنَ الحِمَى أعلامَهُ … وشككتُ لمَّا شِمْتُهُ متغيّرا
لم ألق إلا مَشْرَفيًا أبيضًا … مِنْ دونِهِ أو زاغبيًا أسمرا
إلا تَرَى المنصور تحت لوائه … تلقَ ابنَه طلق اليدين مُظفّرا
أو لا تجد في الحفل عاقد حَبُوةٍ … هُودًا فإنّا قد وجدنا حِمْيَرا
أو تفتقد صمصام عمرو في الوَغَى … فلقد سللنا ذا الفَقَارِ مذكرا
لا غرو جئتُ البحر إذْ َبخِلَ الحَيا … ورأيتُ يحيى حين لم أرَ مُنذرا
فإذا دعونا مَنْ يُجيبُ لنكبةٍ … لَبَّتْ تُجيبُ فخلتها سيلًا جَرَى
شيمٌ غَدَتْ قُرْطَ الزَمانِ فلم أنم … حتى نظمت عليه شعري جوهرا
لله درك والرماح شوراع … والبيض تقطعُ لأمةً وسَنَوَّرا
стр. 2036
ومقامة لك في الأعادي قد حمت … أيام قوم قبلها أن تذكرا
كان اللسان بها الحسام المنتضى … والمنبر العالي الأغر الأشقرا
غادرت أحشاء البنود خوافقا … فيها ومران الوشيج مكسرا
أنسيتنا جذل الطعان وعامرا … وعتيبة وابن الحباب ومسهرا
فإذا أتيتك مادحا لك لم يجيء … شعري ليسأل بل أتاك ليفخرا
غيري الذي اتخذ المدائح مكسبا … وسواي من جعل القوافي متجرا
أنا ما شعرت لأن أنبه خاملا … لكن لأمنع شاعرا أن يشعرا
قلت: وبنو حزم كلهم سادة نبلاء، وأعيان أجلاء، أشرقوا إشراق النهار، وتدفقوا تدفق البحار.
ومنهم:
[١١] الوزير أبو المغيرة، عبد الوهاب بن حزم (١)
أحد الوزراء الأعيان، والكبراء اللايثين عمائمهم بالسحاب، قرطس في المعالي، وقرطق باللآلي، وجاء بالسحر الذي ما جاء من بابل، أصاب لبة النحر الذي ما وصل إليه نابل، وكانت بينه وبين أبي محمد مشاجرات استطال فيها لسان الخصام، ورسائل أفتك من مواقع الصمصمام.
وقد ذكر ابن بسام (٢) أبا المغيرة فقال: كان ظبة الحسام، وواسطة النظام، وفارس ميدان البيان، وذات صدر الرمان حل من زهر الفضائل، محل السنان من العامل، والقمر من المنازل ودولة المستظهر عبد الرحمن بن هشام كانت مهبه الذي منه عصف، ومجاله الذي فيه تصرف، ألقى إليه زمامه وأخدمه أيامه؛ ثم عتب عليه في بعض الأمر، فلحق ببلاد الثغر، فتسحب على الرمل، تسحب الهوى على العذل؛ وامتزج بملوك العصر، امتزاج الماء بالخمر، ولو طال مداه لم يذكر معه سواه، ولا
стр. 2037
اعترف بتفضيله أحبته وعداه.
قال أبو مروان: وكتب عن عدة من الأمراء، ونال حظًا عريضًا من دنياهم، إلا أنه اغتبط شابًا بعد أن ألف عدة تواليف، وجرت بينه وبين ابن عمه الفقيه أبي محمد بن حزم هنات ظهر عليه فيها أبو المغيرة، وبكته حتى أسكته؛ لأنه كان أنبه منه في حظور شاهده، وذكاء خاطره، وكان في زمانه في الجد والهزل صاحب اللواء، في مجالس الأمراء مستفخرًا للبيضاء، ممتطيًا للشقراء، وتصوّر في قلوب الرؤساء، فأجزلوا أرزاقه، واعظموا صلاته.
قال ابن بسام: وقد أخرجت من رسائله العميدية، وقصائده اللبيدية، ومما جرى بينه وبين ابن عمه ما يسحر الألباب، ويبهر الشعراء والكتاب.
كتب إليه أبو علي بن الربيب القروي رقعة يقول فيها (١):
«إني فكرتُ في بلدكم أهل الأندلس إذ كان قرارة كل فضل، ومعدن كل طرفة، ومورد كل تحفة، إن بارت تجارة أو صناعة، فإليكم تجلب، وإن كسدت بضاعة فعندكم تنفق، مع كثرة عُلمائه، ووفور أدبائه، وجلالة ملوكه، وصحبتهم للعلم وأهله، ورفعهم من رفعة أدبه، وكذلك سيرتهم في رجال الحرب يقدمون من قدمته شجاعته، وعظمت في الحروب مكانته فشجع عندهم بذلك الجبان، وأقدم النبهان ونبه الخامل، وعلم الجاهل، ونطق الجار، وشعر البكي، واستنسر البغاث، وتثعبن الحفات، وتنافس الناسُ في العلوم، ثم هم مع ذلك في غاية التقصير، ونهاية التفريط، من أجل أن علماء الأمصار دوّنوا فضائل أمصارهم، فخلدوا في الكتب مآثر أقطارهم، وأخبار الملوك والأمراء، والكتاب والوزراء، والقضاة والعلماء، فأبقوا لهم ذكرًا في الغابرين، ولسان صدق في الآخرين؛ وعلماؤكم مع استظهارهم على العلوم، كل امرئ منهم قائم في ظله لا يبرح، وثابت على كعبيه لا يتزحزح؛ يخاف إن صنف أن يعنف، أو تخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لم يتعب نفسًا أحد منهم في مفاخر بلده، ولم يستعمل نقشًا في فضائل ملوكه، ولا بل قلمًا بمناقب كتابه ووزرائه، ولا سوّد قرطاسًا بمحاسن قضاته وعلمائه؛ على أنه لو أطلق ما عقل الإغفال من لسانه، وبسط ما قبض الإهمال من بيانه، لوجد للقول مساغًا، ولم تضق عنه المسالك هنالك، ولكن همة كل أحد منهم أن يطلب شأو من تقدمه من رؤساء العلماء؛ ليحرز قصب السبق، ويفوز بقدح ابن مقبل، ويأخذ كظم
стр. 2038
دغفل، ويصير شجىً في حلق أبي العميثل، فإذا أدرك تلك البغية، وجازه بعد المنية، دفن علمه معه، فمات ذكره، وانقطع خبره، ومن قدمنا ذكره من علماء الأمصار احتالوا لبقاء ذكرهم، فألفوا دواوين بقي لهم بها ذكر يتجدد طول الأبد.
فإن قلت: إنه كان ذلك من علمائكم، وألفوا كتبًا لكنها لم تصل إلينا، فهذه دعوى لم يصحبها تحقيق؛ لأنه ليس بيننا وبينكم إلا روحة راكب، أو دلجة قارب، لو نفث ببلدكم مصدور، لأسمع ببلدنا من في القبور، فضلًا عمن في الدور والقصور، وتلقوا قوله بالقبول، كما تلقوا ديوان ابن عبد ربه منكم الذي سماه «العقد» على أنه يلحق فيه بعض اللوم، إذ لم يجعل فضائل بلده، واسطة عقده، ومناقب ملوكه يتيمة سلكه، لكنه أكثر وطوّل، وأخطأ المفصل، وأطال الهز بسيف غير مقصل، وقعد به ما قعد بأصحابه من ترك ما يعنيهم، وإغفال ما يهملهم: فأرشد أخاك - أرشدك الله - إن كانت عندك في ذلك الجلية، وبيدك فصل القضية، إن شاء الله تعالى.
فراجعه أبو المغيرة برقعة يقول فيها:
أما بعد، أبقاك الله من حميم صريح الود، أهدى تحيته على البعد، فإنَّ الفهم رحم، والأدب ما بين أهله وسائل وذمم. وليس عدم الترائي والعيان، بقاطع للأسباب والأقران، ولا تنائي الديار والمنازل، بقادح في الأذمة والوسائل، والكتاب عوض من الكلام، والتواصل بالنفوس لا بالأجسام، وما زلت أتنسم ذكرك، فأتوهم قدرك، وأسمع خبرك فأرى حبرك، حتى أرادت الأيام كشف السر، ورفع الستر: فتوقفت على الصحيفة التي ظاهرها ديباج مرقوم، وباطنها لؤلؤ منظوم، أو وشي محكوك، وذهب مسبوك؛ فرأيت صورة الأدب باهرة المرأى والعيان زاكية المخبر والامتحان شاهدة لك بأذلق لسان، وأصدق بيان، أنك أبو عذرتها أو مالك جملتها، وواحد فنونها، ووارد معينها، وقادمة جناحها، وصبا رياحها، فسألت سؤال العالم، وبحثت بحث اليقظان المتغافل، وادعيت الحيرة، وأنت أهدى في تلك الفلا من فارط القطا، لتعلم أين المخطئ والمصيب، وكيف الجواب والمجيب: والله يوفق من المراجعة لما يرضيك، ويكون وفق أمانيك، وما أجهل أني على نفسي ابتهل بهذا الدعاء، لمن أسر حسوًا في ارتغاء.
فأول ما قدمت في كتابك ما يُقدّمه ذو الفضل والنبل من ثناء على بلدنا وأهله، ووصفت الجميع على اختلاف طبقاتهم، وتباين درجاتهم، من آرائهم التي نحوها، وعلومهم التي وعوها، بأوفر الأقسام، واحتلالهم من ذلك على الغارب والسنام: حتى عارض الجبان الأسد، وناطح الجوزاء الجلمد، وناطق الأعجم الفصيح
стр. 2039
وبارى الجاهل العالم، وجارى القاعد القائم، تحاسدًا على [الفضائل]. هذا معنى كلامك لم أورد ألفاظه، وإن أصبت أغراضه إشفاقًا من أن أفصح كلامي به، وأدلك على قصور التي تجتلبه، فأكون كمن جمع بين الشبه والذهب، وقرن الدر إلى المخشلب، ثم قلت: إن ذكر الفتى عمره الثاني، والميت المجهول لا الفاني؛ فمن من هالك آثاره كاشفة عيانه، وواصفة قدره وشأنه، وجن أثوابه كفنه، وجهله جننه، وهؤلاء الذين انتصبت في وصفهم جياد مدحك وهتكت ظلامهم بغرة صبحك، على غير هذا الرأي، وبخلاف هذا المذهب قائلون.
فوليت في حيز وعزلت وارتفعت في حال ونزلت وأتيت بغاية المحال، وهو إثبات الضدّين في حال ثم زدت في التعليل، وبالغت على الاحتجاج باعتمادك تكذيب من قال: إن الذي قلته لو ارتفع، والذي قاله غيرك لو وقع، لكان قرب المسافة التي هي شوط جار، بل غمضة سارٍ، توجب حلَّ الشك، وانجلاء الإفك؛ فعجبت من أمنك مراجعًا لا يقصد في أدب المقابلة قصدي، ولا يعقد على سانح أخوتك عقدي؛ يجعل جوابك قول القائل: [من الوافر]
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا … ولكن لا حياة لمن تنادي
وغفرًا غفرًا لهذا العقوق؛ وخذه بإزاء قولك: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ (١)، وعلى كل فقد نادينا لو أسمعنا، وطرنا لو وقعنا: وما أشبهنا بالغربية التي خيرها يدفن وشرها يعلن يتعب أحدنا نفسه، ويرهف حسه، ويعارض السيف بفهمه والبحر بعلمه، والنار بذكائه والزمان بمضائه، ونتائج فكره محجوبة، وبنات صدره غير مخطوبة.
وفي فصل منها:
ولو لم يعلم لنا خبر، ولا ظهر منا أثر، وبقينا لا يعلم مكاننا، إلا بإخراج قسمة الأقاليم لنا، والحاجة في الجغرافيا إلى ذكر صنعنا، لكان عذرنا في التقصير عن اشتهار الفضل لائحًا، وإن كان نهجنا إلى أخذه والعلم به واضحًا، وإن كان كتب بإطلاق قولك هذا قد جاهرتنا - وحقك - بالظلم مجاهرة أنا أعجب كيف إنقاذ كريم طبعك لها، وأعجب أيضًا من بخوعي لك، ووقوفي عن الانتصاف منك، وأنا أعلم أنَّ عندكم لنا تواليف تطيرون بها، وأشهد بتقصير أربابها فيها: وإِنَّ ودًا عقل لك لساني، ولم يجر إلا بما تؤثره وتختاره بناني، لود يفضح الروض في حزنه،
стр. 2040
برائق حسنه، وبرضوى في هضبه، بثقل وزنه، ونوء السماك في هتنه، بوابل مزنه. وما هي إلا شيعة قديمة فيكم أهل الجهة الظاهرة أعلامها، الباهرة علومها وأفهامها.
ثم خرج أبو المغيرة في رسالته هذه إلى التطويل، وبالغ في الاحتجاج بفصول هي عادلة عن هذه السبيل، وختمها بذكر جملة من تواليف أهل الأندلس، أضربت عن تسميتها لشهرتها» (١).
ومنه قوله:
فعفى تلك الآثار ما سال من عذره، وطمس ليل اللحية ما كان أشرق من نهاره؛ لا جرم لقد بقيت خيلان كالأثار الدالة على الديار، والحلي السقيط، المخبر عن بين الخليط؛ وإذا تأملتها وقد اشتمل الشعر عليها، وزحف من كل جانب إليها، ذكرت قول أبي الطيب: [من الخفيف]
بِرَسُومٍ كأنَّهنَّ نُجوم … في عِراص كأنهنَّ لَيالي
قال ابن بسام: وأبو المغيرة في دعابته هذه كما في فصل كتبه أبو عبد الرحمن ابن طاهر إلى ابن عبد العزيز مع غلام وسيم، يقول فيه:
هذا الفتى كما تراه يطلب خدمة، وبه حشمة، ويزعم أنه يحمل حمله، ويؤتي كلّ حين أكله: وقدمًا عهدتك تحنُّ إلى هذه العصافير، فإنها حمر الحواصل، صفر المناقير» (٢).
ولأبي المغيرة من أخرى (٣):
أعزك الله في الاحتماء حسم الداء، ولا عدو للإنسان إلا نفسه، ولا حية ولا عقرب إلا جنسه، وليس في الحيوان أخبث في ذاته من الإنسان؛ فالاحتراس كل الاحتراس، والمعاشرة الجميلة للناس، فأبصر وحسن سريرتك، ولا تلدغن من جحر مرتين، واذكر المثل السائر في اللاعب بين وتدين؛ والعاقل من حمله كلُّ بلد، ونفق عند كل أحد، وأعقل منه من عرف الناس، ولم يعرفوه، فاستراح من أجنبي متكلّف، أو قريب غير منصف، ولم يفتقر إلا إلى ربه، ولم يأنس إلا بنور لبه.
ومن أخرى:
والأرض قد نشرت ملاءها، وسحبت رداءها، ولبست جلبابها، وتقلّدت
стр. 2041
سخابها، وبرز الورد من كمامه واهتز الروض لتغريد حمامه والأشجار قد نشرت شعورها، وهزت رؤوسها، والدنيا قد أبدت بشرها، وأماطت عبوسها؛ وكأن بها قد أطلعت من كل ثمر ضروبًا، وأبدت من جناها منظرًا عجيبًا: وإن كُنا لا نشارك في تلك إلا بالعيان لا باللسان، وبالطرف لا بالكف، وننالها بالاختلاس لا بالأضراس، والدهر قسم من أقسام اللذة، وصنف من أصناف الشهوة: [من الوافر]
شهدنا إذ رأيناهم فإنّا … على اللذات في الدنيا شُهُود
وحالي حال للسقام بها اتصال، وللصحة عنها انفصال، يعين على ذلك ضعف البنية، وفساد الأهوية، والتخليط في الأغذية وبعض صلاحها بل كله تعجيلك مطالعتي بحالك؛ لأسكن إليها إلى ما أوثره من ذلك، وشفّع لي بخبر فلان، واشرح [لي] أين بلغ من تكسبه، وحيث انتهى من تطببه، وكيف ظروفه وخزائنه، ولعوقاته ومعاجنه، وهل ينفذ طبه، وينفق بختجه وحبه؛ وصف لي ما يقوله على الماء، ويبديه من الأدواء، وأهد إليّ ما يُنمقه من المقال على الكبد والطحال، ويرقشه من الكلام في الفالج والزكام، ومعرفة الحلال والحرام، والفلج عند الجدل والخصام».
«وله من أخرى (١): خاطب بها أبا محمد بن حزم، قال ابن بسام:
أثبت منها بعض الفصول فرارًا من التطويل، وافتتحها ببيتي أبي نواس: [من الطويل]
ألا لا أرى مثل امترائي في رَسْمِ … توهمُهُ عيني ويرفضُهُ فَهمي
أنت صورة الأشياء بيني وبينَهُ … فظنّي كَلَا ظَنِّ وعلمِي كَلَا عِلْمِ
وقفت - كلاك الله - وأنت عين التمام، وعلم الأعلام على كتاب عنوانه باسمك أسمال، كأنه طلل بال: فكلّما هززته هوم، أو سألته استعجم: معنى كصدى الإنسان، ولفظ كمنهجات الأكفان؛ وأغراض لا ندب فيها بسهم مقرطس، وإظلام لا وضح فيه لصبح متنفس، ورطانة تمجها الأسماع، وتجتويها الطباع، فأقمتُ متلبدًا، وعدت على نفسي وقريحتي مترددًا، فقالتا: أفق أيُّها الإنسان، لست بالنبي سليمان. متى وعدناك أن نفهمك كلام الحكل وسرار النمل؟ ألم نسلك بك في شعاب الكلام فتغلغلت؟ ألم تسر في صحرائه فأوغلت؟ ألم تجرِ في ميدانه فسبقت؟ ألن تنر في ظلمائه فأشرقت؟ هل أحسست بنكول جنان، أو قصور لسان، فيما نظمت كالعقود،
стр. 2042
على ترائب الفتاة الرّود، ونثرت كالنجوم في صفحة الليل البهيم؟ قلت: بلى. قالتا: فأعرض عن رطانة الزط، وصفير البط، ولا تعج على طلل بائد، ودار قد أتى الله بنيانها من القواعد طاعنتين. فقلت: أسرفتما، إنّ كاتب الصحيفة لندرة الزمان، ولعالم نوع الإنسان، إلا أنه ربما كذب العنوان، ونحل ذلك الهذيان، فأعدت النظر، فإذا بك أبا محمد صاحبه. كتاب بني على الظلم العبقري، والبهتان الجلي، ومكابرة العيان، ومدافعة البرهان، قد طمس الله أنواره، وأظهر عواره، فجاء كالفلاة العوراء، لا ماء ولا شجر، والليلة الظلماء، لا نجم ولا قمر.
وفي فصل منها:
فاستقصرت من دفع إليَّ كتابك، فقلت: من لي بمثل غاشيتك من هذه العصابة، وبأشباه الملمين بك من تلك البابة، ونسيت أبا محمد حاشيتك وشيعتك، التي صرت رئيس مدارسهم، وكبير أحراسهم؛ تحدّثهم عما كان فيهم من العبر، وتخبرهم بما تعاقب عليهم من الصفا والكدر؛ فتارةً عن السامري والعجل، وتارةً عن القمل والنمل، وطورًا تبكيهم بحديث التيه، وطورًا تضحكهم بقوم جالوت وذويه؛ حتى كأن التوراة مصحفك، وبيت الحزان معتكفك، وأنا بمعزل، وأنت تُحدث؛ وتقول وتعجبت من حرصي، ونسيت نفسك أبا محمد، حين قطعت البيداء تبلك السماء، وترعدك الجرباء، في وقت يكمن فيه الحيوان، وأحقها بالكمون نوع الإنسان، لترث حيًا قائمًا على حاله مالكًا لما له، يدعو الله عليك، أن استطلت عمره، ونعيت إليه نفسه.
وفي فصل منها:
ومن ظريف ما في كتابك قولك: أقصدها وأناخها، ومن أين نفذ بصرك، حتى همزتها همز عامر بن الطفيل قرنه في سواد الليل، وما أظنك جعلتها إلا تميمة لتلك القطعة الكريمة، امتثالًا لقول القائل: [من الكامل]
ما كان أحوج ذا الكمال إلى … عَيْبٍ يُوَقِّيهِ مِنْ العَينِ
ومن لك بأن نصبر عليك، ونتأنّى بك، وهذا الجواب كما تراه ابن الوقت، ونتيجة الساعة، ونفثة من لا يخرج له الكلام عن طاعة، ومن تشغله عن التفاسير كلف السلطان، وتثقله أعباء الزمان، كاد ينتقش في ظهر كتابك قبل وصوله بيدي: [من الوافر]
فقُلْ فيما يجنُ عليهِ ليل … ويمضي في صناعته نَهارُ
стр. 2043
هنالك تظهر الآيات حتى … يُقال تناثر الفلك المدار
فراجعه أبو محمد برقعة قال فيها:
سمعت وأطعت لقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) وسلّمت وانقدت لحديثه ﵇: «صل من قطعك، واعف عمن ظلمك» ورضيت بقول الحكماء: «كفاك انتصارًا ممن تعرّض لأذاك إعراضك عنه» وأقول: [من المتقارب]
تَبَعَ سِواي امرًا يبتغي … سبابكَ، إِنَّ هواك السباب
فإني أبيتُ طلاب السَّفاءِ … وصُنْتُ محلّي عما يُعاب
وقل ما بدا لكَ مِنْ بَعْدِ ذا … وأكثر فإنَّ سُكوتي خطاب
وأقول: [من الطويل]
كفاني ذِكرُ الناس لي ومآثري … وما لكَ فيهم يا ابن عمي ذاكر
عدوي وأشياعي كثير كذاكَ مَنْ … غدا وهو نفاع المساعي وصائر
وإني وإن آذيتني وعققتَني … لَمُحتمِل ما جاءني منك صابر
فوقع أبو المغيرة على ظهر رقعته: قرأت هذه الرقعة العاقة، فحين استوعبتها، أنشدتني: [من مجزوء الرجز]
نَحْنَحَ زيدٌ وسَعَلْ … لمَّا رأى وقع الأسل
فأردتُ قطعها، وترك المراجعة عنها، فقالت لي نفس قد عرفت ذكاءها: تالله لأقطعنها إلا يده فاثبت على ظهرها ما يكون سببًا لصونها، وقلت: [من المتقارب]
نعقت ولم تدر كيف الجواب … وأخطأت حتى أتاك الصواب
وأجريتَ وحدكَ في حَلْبَةٍ … نأت عنكَ فيك الجياد العراب
وبت من الجهل مستنبحًا … لغيرِ قِرى فأتتك الذئاب
فكيف تبينتَ عُقبى الظلومِ … إذا انتفضت بالظلوم العقاب
لَعَمْرُكَ ما لي طباعٌ تُذمَّ … ولا شيمةٌ يوم مجدٍ تُعاب
أنيلُ المُنى والظبا سَخَطُ … وأعطي الرضا والعوالي غضاب
وأقول: [من الطويل]
وغاصب حَقِّ أوبَقَتْهُ المقادرُ … يُذكّرني حاميم والرمح شاجرُ
غدا يستعيرُ الفخر مِنْ خِيم خصمِهِ … ويجهلُ أنَّ الحقَّ أبْلَجُ ظاهر
стр. 2044
ألم تتعلم يا أخا الظلم أنني … برغمك ناه منذ عشر وآمرُ
تُذِلُّ لي الأملاك حُرَّ نفوسها … واركب ظهر النسر والنسر طائر
وأبعث في ظهر الزمان شواردًا … تألفهم وهي الصعاب النوافر
فإن أثو في أرض فإنّي سائر … وإنْ أنا عَنْ قوم فإني حاضر
وحسبك أنَّ الأرض عندَكَ خاتَمُ … وأَنَّكَ في سطح السلامة عائر
ولا لوم عندي في استراحتِكَ التي … تنفّس عنْها والخَطوب فواقر
فإنَّي للحلف الذي مرَّ حافظ … وللنزغةِ الأولى لحاميم ذاكر
هنيئًا لكل ما لديهِ فإنَّها … عطيةُ مَنْ تُبْلَى لديه السرائر (١)
وكذلك من هؤلاء الأسرة الغراء، والدوحة النضراء:
[١٢] الوزير عمرو بن مذحج (٢) أبو الوليد ابن عمه
وهما قمرا السماء، وفرقدا الظلماء، وظبتا الحسام، وتتمتا الأقسام، ومشعر الحجيج، ومنظر الربيع البهيج.
قال ابن بسام: وأبو الحكم منهما في وقتنا شقيق الوفاء، وخاتمة من حمل هذا الاسم من النجباء، وكان نادرة الوقت لمن اتخذ الإحسان قبلة، وحجّة على من جعل النقصان جبلة، إذ عن كل قوس من الفخر نزع، وفي كل أفق من علو القدر طلع. أول ما نشأ بدر فلك، ومسحة ملك، قلما عنّ لبصر إلا راقه، ولا أصلح ذكره في قلب بشر إلا راقه، وإياه يعني الوزير أبو الحسن بن السيد البطليوسي، وقد غلب على لبه، وأخذ بمجامع قلبه، عجبًا منه وإعجابًا به: [من الطويل]
رأى صاحبي عَمْرًا فَكُلّف وصفَهُ … وحمَّلني مِنْ ذاك ما ليس في الطوق
فقلتُ له عمرو كعمرو فقال لي … صدقت ولكن ذاكَ شَبَّ عَنِ الطَّوقِ
وفيه أيضًا يقول الوزير أبو محمد بن عبدون من جملة أبيات: [من الكامل]
يا عمرو رد على الصدور قلوبَنا … مِنْ غيرِ تقطيع ولا تحريق
стр. 2045
وزُرِ الثريا وهي بحرُ كواكب … لولا العقوق لقلت بالعيوقِ
وأدر علينا من جلالك أَكْؤُسًا … لم تألُ تُسكرنا بغيرِ رحيق
وفيه يقول أحدهما: [من مجزوء الخفيف]
قل لعمرو بنِ مَذْحِجِ … خابَ ما كنت أرتجي
شاربٌ مِنْ رَبَرْجَدٍ … ولمى من بنفسج
فلما هم ليله بنهاره، ودبَّ على سيف وجنته فرند عذاره، راع المجد بحزم كرم، وأسرة سيف وقلم، ممّن سارى نجوم الليل، وأمل صهوات الخيل، وعلى ذلك كله فلم ينس مكارم الأخلاق، ولا خلا ذكره من قلوب العشاق، وله في الأدب سبق سلفٍ، ومنه بيت شرف، وله شعر مطبوع قلما يغبّه البديع، وقد أتيتُ بفصول، تشهد له بالتفضيل.
فمن ذلك ما أجاب به أبا محمد بن عبدون لما كتب إليه أبياتًا يقول فيها: [الطويل]
سلام كما هَبَّتْ من الحَزْنِ نفحة نفَس قبل الفجر في وجهها الزهر
مِنَ الوارف الفينان وشَّتْ بُرودَه … ذراعٌ مِنَ الليث، الثريا لها شبر
وإلا يد حزمية مذحجيةٌ … تقطَّعَ عنها مذحج فانهمى عمرو
فجادَ على تلك الأجازع والرُّبَى … رواعده [وعد] وبارقه بشر
أبا حسن أبلغ سلامَ فَمِي يَدَيْ … أبي حسن وارفق فكلتاهما بحر
ولا تنس يمناك التي هي والندى … رضيعا لبان لا اللُّجَين ولا التبر
فراجعه بأبيات منها: [من الطويل]
أتى النظم كالنظم الذي تزدهي به … عروس من الجوزاء إكليلها البدر
تجلّت لنامنه بخطك رقعةٌ … هي الروضة الغَنَّاء كللها الزهر
تحير ذهني في مجاري صفاتِهِ … فلم أدرِ شعر ما بِهِ فَهْتُ أو سِحْرُ
فإن قلت شعر فالقلوب شعارُهُ … وإنْ قلتُ سحرٌ فهو سحر ولا كفر
أرى الدهر أعطاك التقدم في العُلا … وإنْ كانَ قد وافي أخيرًا بك الدهر
لئن حازت الدنيا لك الفضل آخرًا … ففي أُخريات الليل ينبلج الفجر
ومنه قوله في صديق له سقط عن دابةٍ وَوُثئِتْ رجله يسمى باسمه. [من الطويل]
стр. 2046
لقد أسرعت فيه العيون وإنما … جميل دفاع الله عنك التمائم
وما أنت إلا البدر طارت بسرحه … عُقاب لها الريحُ الخَريق قوادم
ولا غرو أن طافت برجلك وَثْبَةٌ … لها المجد خفَّاقُ الجناحين حائم
فقد تَرْجُفُ الأفلاك في دورانِها … وتنقض أعلام النجوم العواتم
ومنه قوله فيه أيضًا من أبيات: [الطويل]
أضمرتُ فيكَ صَبابتي فَوَشَى بها … دمعُ فَكُلتُ به صحيفة مضمر
من ذا يفرق بيننا وجلالنا … مُتكافئ في المنتمى والعُنصر
في أبي العلاء زهر بن عبد الملك: [من الطويل]
ضَعِ الرَّحلَ في حمص بأيمن طائرِ … ووال اصطناع الخير فيها وظاهر
وهبتُ فؤادي للبشير بأوبةٍ … سليمًا ولم أبخل عليه بناظري
فيه: [من الكامل]
يا جاليًا وجه السيادة واضحا … ومقلّبًا طَرْفَ النباهة طامحا
صَيِّرْ مِجَنَّكَ صفحتي قمرِ الدُّجَى … وسنانَ رايتك السماك الرامحا
فيه وقد جاز البحر معه: [من الخفيف]
يا ابن زهر طأ الثريا عبيرًا … وحصى البيد لؤلؤًا وعقيقا
وتلق الهواء وهو طليقٌ … كمُحيّاكَ حين تلقى الصديقا
ما تَرَى الرِّيحَ كيف هَبَّتْ رُخاءَ … لكَ بعد الهبوب ريحًا خَريقا
وصحا البحر هيبة لك لما … جئتَهُ سالكًا عليه طريقا
غمرتُهُ مِنْ يديك بحار … صاحَ مِنْ وجهها الغريق الغريقا
فَرَّقَ اللُجَّ منك حين استطارتْ … منه أحشاؤُه فَريقًا فريقا
جزه يا ابن الكرام أرضًا ذلُولًا … أو فَقُدْهُ إن شئتَ طرفًا عتيقا
وانتضي الحزم حيثُ كنتَ حُسامًا … واصحَبِ اللُّجَّ حيثُ كنت رفيقا
وتفيًا عُلاكَ ظِلًا ظليلًا … وتنشق ذكراك مسكًا فتيقا
إلى أبي الوليد ابن عمه: [من البسيط]
لا غرو أن بعدتْ دارٌ مُصاقِبَةٌ … بنا وجَدَّ بنا في الحضرة السفر
стр. 2047
فمِحجَرُ العين لا يلقاه ناظرها … وقد توسَّعَ في الدنيا به النظر
ومن أبناء هذه القبيلة، وشعراء هذه البيئة الأصيلة، ابن عمه:
[١٣] أبو الوليد [محمد] بن يحيى بن حزم (١)، ابنا حزم
أحد أعيان الأدب، وأحلى الناس شعرًا، لا سينما إذا عاتب، أو عتب، جعل هذا الغرض هِجَيْرَاه، فقلّما يتجاوزه إلى سواه، وكلما أبدى فيه وأعاد، أحسن ما شاء وأجاد، وفي كلّ معنى أكثر مما يمكن ولكن رأيته في باب العتاب يعلن بأمره، ويُعرب عن ذات صدره. [من الطويل]
أتجزعُ مِنْ دمعي وأنتَ أَسلتَهُ … ومِنْ نارِ أحشائي ومنك لهيبها
وتزعم أنَّ النفس غيرَكَ عُلِّقتْ … وأنتَ ولا مَنْ عليكَ حبيبها
إذا طلعت شمس عليَّ ببلدة … أثار الهوى بين الضلوعِ غُرُوبُها
وقال أبو الوليد: [من الطويل]
وطارحكَ الواشونَ عنّي سلوةً … مُغالطةً هيهات ذاك بعيد
وكيف سُلُوِّي عَنْ هَوَاك وإِنَّهُ … ليبلي فُؤادي وهو فيه جديد
إذا ما ثناه اليأس عنك لوت به … علائق حب فيك ليس تبيد
بلى إنْ عَرَتْنِي فترة الصبر هزني … تذكَّرُ أيامي بكم فأعود
[وقال وهي من حسنات شعره، وآيات ذكره]: [من المتقارب]
وكم ليلةٍ أَلطَفَتْ بالمُنى … فقُمتُ أبادر الطافها
بشمس إذا ما تأملتها … رددت على الشمس أوصافها
بفترة لحظ كأنَّ الكَرى … أعان عليها وإن خافها
وإني وإن عفتُها مُعلنًا … لأعذل في السر من عافها
وهبَّتْ علينا صَبًا رطبة … وقد عابَثَ الطل أعطافها
وقد بثها الروض هجرَ الحَيَا … فَجَرَّتْ على النور أطرافها
وخيل الظلام أمام الصباح … والرَّكْضُ قَدْ ضَمَّ أجوافها
стр. 2048
وقد فضَّضَ الفجر أذيالها … وزاد فذهب أعرافها
وكابرتِ البدر شمس الضُّحَى … فمدَّتْ على الأرض أكنافها
وغاضبتِ السُّحْبُ فيها الرياح … فصرَّتْ مِنَ الغيظ أخلافها
وذني بادراتِ الحِمامِ … حَمَائم تندبُ الأَفَها
وقوله: [من الكامل]
كم قلت فيك معرضًا ومُصرِّحًا … أكذا علقتَ ضَلالةً بفلان
ومنيتَ مِنْ خُلطائِهِ بعصابةٍ … خَلَطَتْ بِهِ شبها من البهتان
هيهات لولا غُنج لحظ محمدٍ … ماكنتُ نُهزة أعين الغزلان
ولقد بعثتُ على السُّلُوِّ لوَ أنَّ لي … قلبًا يطاوعني على السلوان
لجعلتُ ثوب الصبر فيه بصيرةً … وثنيتُ عَنْ علم إليه عناني
ونبذتُ حِلمي والتفت إلى الصبا … ويدُ العَفاف تضم من أرداني
للهِ أيام على وادي القُرى … سَلَفَتْ لنا والدهر ذو ألوان
إذ نجتني في ظلِّهِ ثَمَرَ المُنى … والطير ساجعة على الأغصان
والشمس ترمق من محاجرِ أرمدِ … والظلُّ يركض في النسيم الواني
والراحُ تأخذُ مِنْ مَعاطف أغيدٍ … أخذَ الصبا من عِطْفِ غُصن البان
حتى إذا ضرب الظلامُ رُواقَهُ … وخَشِيتُ فيه طوارق الحدثان
مِلْنا نُؤمِّلُ غير ذلك منزلًا … والراحُ تُقصِر خطونا فتداني
ويرومُ قول أبي الوليد ورُبّما [كُتبتْ] مكانة لامه الوَاوَانِ
ثم احتللنا والوُشاة بمعزل … وقد التقتْ في جَفْنِهِ سِنتان
والبدر يرميني بمقلةِ حاسِدٍ … لويستطيع لكان حيث يراني
حتى إذا نشر السرور بساطه … وطوى بساط شكيتي لأوان
أهوى يقبل راحتي تودُّدًا … ويشدُّ عَقْدَ بَنانِهِ ببناني
ويقول إشفاقًا علي ورحمة … متلجج الألفاظ بعد بيانِ
هاك اغتنمها مِنْ زمانِكَ خُلْسةً … تَشفِي غليل فؤادك الهيمان
стр. 2049
فلثمت فاه والتزمت عناقَهُ … ويد الوصالِ على قفا الهجران
ومَرَقْتُ مِنْ ضمن الأعادي عِفَّةً … والليلُ مشتمل على الكتمان
وقوله: [من الطويل]
وفي ساعدي حلو الشمائلِ مُترَفٌ … لَعُوبٌ بيأسي تارة ورجائي
أطارحُهُ حُلو العتاب وربّما … تغاضب فاسترضيته ببكائي
وفي لحظة مِنْ سَوْرَةِ الكأس فترةٌ … تَمُتُ إلى ألحاظه بولاء
وقد عابثته الراحُ حتى رَمَتْ بِهِ … لقَّى بين ثِنْيَيْ بُرْدَتي وردائي
على حاجة في النفس لو شئتُ نلتها … ولكن حمتني عفتي وحيائي
قال ابن بسام: قوله: «وفي لحظة من سورة الكأس» … البيت، مما فتن أبو الوليد فتنة السامري، بل سحر سحرًا لا تتعاطاه الحبال ولا العصي.
وقوله: [من الطويل]
ومِنْ عَجَبٍ أَنَي إذا رُمتُ سَلوةً … وجدتُ هواه آخذًا بعناني
أبا قاسم خذها شكاية واجد … كما وجد المقصوص للطيران
وقوله: [الطويل]
وكم أملوا لا بلغوا فيك خطةً … وحاشاك منها والحديث يطول
فصكت لساني يعلم الله سكتةٌ … لها في جناني زفرة وعويل
وسد طريق اللحظ دمع كأنما … تَشَحَّطَ مِنْ جَفْنَيَّ فِيهِ قتيل
وقوله: [من البسيط]
وباحث عن غرامي فيكَ قَلتُ له … عَنِّي إليكَ فلا عين ولا أثر
ويلي عليك وويلي مِنْ تبذُّلِهِ … وطالما صُنتُه لو ساعد القَدَرُ
وقوله: [من الكامل]
ولقد قنعتُ فلا قنعتُ بزورَةٍ … ولقد نجوتُ فلا نجوتُ مُسلما
فَأَبْحتُ سِرْحَ اللَّهوِ مُرتاد الهوى … ومنعتُ طير الوجد أن يترنما (١)
стр. 2050
فصل
وقد ذهب جماعة من العلماء إلى عدم الاعتداد بأهل الظاهر في الإجماع والاختلاف، وهو قول ذهب إليه أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو بكر الرازي، وابن أبي هريرة، والجويني وغيرهم.
وقال أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه: الاعتداد بداود في الإجماع وفاقًا وخلافًا مما وقع فيه الاختلاف منا ومن غيرنا، فذكر الأستاذ أبو إسحاق أن أهل الحق اختلفوا فذهب الجمهور منهم إلى أن نفاة القياس لا يبلغون منزلة الاجتهاد، ولا يجوز توليتهم القضاء، وكذلك نقل نحوه عن ابن أبي هريرة.
وقال الجويني: ما ذهب إليه ذوو التحقيق أنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة، فإنهم أولًا مُباهتون على عنادهم فيما ثبت استفاضةً وتواترًا، وأيضًا فإن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بالعشر من أعشار الشريعة، فهؤلاء ملتحقون بالعوام. وكيف يدعون مجتهدين، ولا اجتهاد عندهم.
وقال أبو بكر الرازي: لو تكلم داود في مسألة حادثة في عصره، وخالف فيها بعض أهل زمانه لم يكن خلافًا عليهم، ثم قال: ولأجل ذلك لا يعد خلافه أحد من الفقهاء، ولم يذكروه في كتبهم؛ فقد انعقد الإجماع على اطراحه وترك الاعتداد به، والجمهور من العلماء على الاعتداد بقول أهل الظاهر في الإجماع والاختلاف.
وقال أبو العباس ابن تيمية جمهور الفقهاء يذكرون داود وأصحابه في جملة الفقهاء الذين يعتد بهم في الإجماع والنزاع كما ذكرهم أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء، وهذا هو المعروف عند أصناف أهل العلم والمصنفين فيه من أهل الأصول والفقه والحديث من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي وحكي عن قوم أنهم قالوا: لا يعتد في الإجماع بخبر الواحد والقياس، وهذا ليس بصحيح.
стр. 2051
وقال أبو العباس القرطبي وحكي عن قوم إنه لا يعتد بخلاف من أنكر القياس فذكر كلام القاضي عبد الوهاب، والله أعلم.
* * *
وبهذا الفصل تم ذكر الفقهاء من المذاهب الأربعة، وأهل القول بالظاهر بالجانبين الشرقي والغربي إلى آخر حين.
وبه تم هذا السفر من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار.
ويتلوه إن شاء الله تعالى في السفر السابع.
وأما من حفظ ألسنة العرب، وسعى في تحصيل لغاتها واضطرب.
وبالله التوفيق ومنه نستمد الإعانة على التحقيق.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين.
حسبنا الله ونعم الوكيل (١).
стр. 2052
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد:
فهذا هو السفر السابع من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وهو تاريخ وتراجم مشاهير أصحاب النحو واللغة والبيان.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على نسختين هما:
١ - نسخة مكتبة أيا صوفيا استانبول برقم ٣٤١٨، وهي نسخة قديمة عليها تملك محمد بن علي بن عيسى بن داود بن شيركوه بن شاذي الأيوبي سنة ٧٦١ هـ.
وقد وقفها السلطان العثماني محمود خان وعليها ختم بإسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين.
وعليها تأييد الوقفية يعود تاريخه سنة سبع و … . وسبعمائة.
وكانت (الأصل) في عملنا.
٢ - نسخة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول برقم ٤/ ٢٧٩٧ ص ٢١٨ - ٥٧٠.
وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي، الملك المؤيد، شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ /¬١٤٢١ م) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة.
стр. 2053
والتي قام بنشرها مصورة العلامة الدكتور فؤاد سزكين - معهد تاريخ العلوم الإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الإتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
* * *
أما طريقتي في تحقيقه فهي كما ذكرتها في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة. هذا ما استطعت تقديمه للقارئ الكريم والباحث الفاضل، وما تمكنت منه، مغلي الجد والاجتهاد، ومن الله التوفيق والسداد وهو حسبي ونعم الوكيل. عليه توكلت وإليه أنيب.
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 2054
[مشاهير علماء اللغة]
стр. 2055
[مشاهير علماء اللغة بالجانب الشرقي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
وأما من حفظ ألسنة العرب، وسعى في تحصيل لغاتها واضطرب. فأعلام لا تخفى، وسُرج لا تُطفا، فأما من كان بالجانب الشرقي، ممن عبر منهم وبقي:
فمنهم:
[١] أبو الحسن، النَّضْر بن شُمَيْل التميمي المازني النحوي، البصري (١)
عالم قلما يفوته، وعادم نظير لا يسع مناظره إلا خفوته، سلك لغة العرب فذلل
стр. 2056
مطاياها، وقلل بالنسبة إليه عطاياها، قرع الثنايا، وطلع شعاب الأماني قبل المنايا، فأصاب الرمية، وصال في لسان الأمية، فجمع الغرائب، وجرع في منهل الرغائب، حتى توفر قسمه، وظفر فوق الأسماء اسمه، وأصبح باللغة قيما، وأبكار الكلم تعرض عليه بكرا وأيما.
قال ابن خلكان (١): كان عالما بفنون من العلم، صدوقا، ثقة، صاحب غريب، وفقه، ومعرفة بأيام العرب، ورواية الحديث، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد.
وذكره أبو عبيدة (٢) وقال: ضاقت عليه المعيشة بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيعه من البصرة نحو من ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث، أو نحوي، أو لغوي، أو عروضي، أو أخباري، فلما صار بالمربد جلس، فقال: يا أهل البصرة يعز علي فراقكم، ووالله لو وجدت كل يوم كليجة باقلاء، ما فارقتكم، فلم يكن فيهم أحد يكلف ذلك له، وسار حتى وصل خراسان، فأفاد بها مالا عظيما.
وأقام بمرو، وصحب المأمون وحظي عنده، فقال المأمون له يوما: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان فيه سداد من عوز، بفتح سين سداد، فأعاد النضر الحديث بكسر السين، فاستوى المأمون جالسا، وقال: يا نضر أتلحنني، فقال: إنما لحن هشيم، فتبع أمير المؤمنين لفظه، فقال: فما الفرق بينهما؟ فقال: السداد بالفتح: في الدين والسبيل، والسداد بالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئا، فهو سداد بالكسر، وأنشد من أبيات عمرو العرجي (٣): [الوافر]
стр. 2057
أضاعُوني وأيّ فتىً أضاعُوا … لِيَوم كَريهَة وسِداد ثَغر (١)
فأمرَ له المأمونُ بخمسين ألف درهم.
سمع الحديث. وسمع من هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وحُميد الطويل، وعبيد الله بن عوف، وهشام بن حسان، وغيرهم من التابعين، وروى عنه يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وكل من أدركه من أئمة عصره.
ودخل بنيسابور غير مرة، وأقام بها زمانًا، وسمع منه أهلها. وله تصانيف كثيرة مفيدة، وتوفي سلخ ذي الحجة سنة أربع ومائتين بمرو من خراسان، وبها ولد، وإنما نشأ بالبصرة، فكذلك نسب إليها.
ومنهم:
[٢] أبو عبيدة، مَعْمر بن المُثَنّى التَّيْميّ بالوَلاء تيم قيس، البصري (٢)
النحوي، العلامة، وافته كرائم العرب فجدد إحسانها، وأكد إحصانها، هذا ولم
стр. 2058
ينزل بهدونها، ولا قنع بهونها، وإنما اقتطفها قطف الثمار، وكشفها كشف الخمار.
وكان أوسع القوم رواية، وقف مع النقل، وقام فيه بالفرض والنفل، فأخذ باللغة وترائبها، وبلغ قصارى مراتبها، ثم دون غريبها، ودور على الألسنة قريبها.
قال الجاحظ في حقه: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه.
وقال ابن قتيبة: كان الغريب أغرب عليه، وأخبار العرب وأيامها، وكان مع معرفته ربما لم يقم البيت إذا أنشده حتى يكسره، وكان يخطئ إذا قرأ القرآن، وكان يبغض العرب، وألف في مثالبها كتبًا، وكان يقوي رأي الخوارج.
وقال غيره: أقدمه الرشيد من البصرة إلى بغداد سنة ثمان وثمانين ومائة، وقرأ عليه. وأسند الحديث إلى هشام بن عروة وغيره، وروى عنه ابن المغيرة، والأثرم.
стр. 2059
وأبو عبيد القاسم بن سلام، والمازني، والسجستاني، وعمر بن شبه النميري، وغيرهم.
وقال أبو عبيدة: أرسل إليَّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن تجبره فأذن لي، فدخلت عليه، وهو في مجلس طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عالية لا يرقى عليها إلا بكرسي، وهو قاعد على الفرش. فسلمت عليه بالوزارة، فرد وضحك إليَّ، واستدناني حتى جلست مع فرشه، ثم سألني وبسطني وتلطف فيَّ، وقال: أنشدني، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية، فقال: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من ملح الشعر، فانشدته، فضحك وطرب وزاد نشاطًا، ثم دخل رجل في زي الكتاب، وله هيأة حسنة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: تعرف هذا؟ فقال: لا. فقال: هو أبو عبيدة علامة أهل البصرة، أقدمناه؛ لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل، ثم التفت إليَّ، وقال لي: كنت إليك مشتاقًا، وقد سألت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت: هات. فقال: قال الله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (١) وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله. وهذا لم يعرف قال: فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلمهم، أما سمعت قول امرئ القيس (٢): [من الطويل]
أَيَقْتُلُنِي والمُشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي … ومسنونةٌ زُرْقٌ كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم، أوعدوا به، فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل. وأزمعت من ذلك اليوم أن أضع كتابًا في القرآن لمثل هذا وأشباهه، ولما يحتاج إليه من عمله. فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته «المجاز»، وسألت عن الرجل، فقيل لي: هو من كتاب الوزير وجلسائه.
وقال المازني: سمعت أبا عبيدة يقول: أدخلت على الرشيد، فقال لي: يا معمر، بلغني أن عندك كتابًا حسنًا في صفة الخيل، أحب أن أسمعه منك، فقال الأصمعي: وما نصنع بالكتب؟ نحضر فرسًا، ونضع أيدينا على عضو عضو منه، ونسميه ويذكر ما فيه، فقال الرشيد: يا غلام فرس. فقام الأصمعي، فجعل يده على عضو عضو منه، ويقول: هذا كذا قال فيه الشاعر كذا، وهذا كذا قال فيه الشاعر كذا حتى انقضى قوله، فقال لي الرشيد: ما تقول فيما قال؟ قلت: أصاب في بعض، وأخطأ
стр. 2060
في بعض، والذي أصاب فيه مني تعلّمه، والذي أخطأ فيه ما أدري من أين أتى به.
وزعم الباهلي أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا مجلس أبي عبيدة، اشتروا الدر في سوق البعر؛ لأن الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة، رديء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبيح، وأن الفائدة عنده مع ذلك قليلة، وأن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة مع فوائد كثيرة، وعلوم جمة. ولم يكن أبو عبيده يفسر الشعر.
قال المبرد (١): كان أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وهما بعده يتقاربان، وكان أبو عبيدة أكمل القوم.
وكان ابن المديني يحسن ذكر أبي عبيدة، ويصحح روايته، ولا يحكي عن العرب الشيء الصحيح.
وحُمل أبو عبيدة والأصمعي إلى الرشيد للمجالسة، فاختار الأصمعي؛ لأنه كان أصلح للمنادمة.
وكان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويصفه، ويشنأ الأصمعي ويهجره، فقيل له: ما تقول في الأصمعي؟ فقال: بلبل في قفص. قيل: فما تقول في خلف الأحمر؟
فقال: جمع علوم الناس وفهمها. قيل: فما تقول في أبي عبيدة؟ فقال: ذاك أديم طوي على علم.
قال غيره: وتصانيفه تقارب مائتي تصنيف.
قال أبو عبيدة: لما قدمت على الفضل بن الربيع، قال لي: من أشعر الناس؟ فقلت: الراعي (٢)، فقال: كيف فضلته على غيره؟ فقلت: لأنه ورد على سعيد بن عبد
стр. 2061
الرحمن الأموي، فوصل في يومه الذي لقيته فيه، فقال يصف حاله معه (١): [من الوافر]
وأنضاء تحن إلى سعيد طروقًا … ثُمَّ عجَّلْنَ ابتكارا
حمدنَ مُناخَهُ وأَصَبنَ مِنْهُ … عَطاءً لم يكنْ عِدَةً ضمارا
فقال له الفضل: ما أحسن ما اقتضيتنا يا أبا عبيدة، ثم غدا إلى الرشيد، فأخرج له صلة، وأمر لي بشيء من ماله وصرفني.
وكان أبو عبيدة لا تقبل شهادته؛ لأنه كان يتهم بالميل إلى الغلمان.
قال الأصمعي: دخلت أنا وأبو عبيدة يومًا المسجد، فإذا على الأسطوانة التي يجلس إليها أبو عبيدة: [من البسيط]
صلى الإله على لوط وشيعتِهِ … أبا عبيدةَ قُلْ بالله آمينا
فقال: يا أصمعي أمح هذا، فركبت ظهره ومحوته بعد أن أثقلته، إلى أن قال: أثقلتني وقطعت ظهري، فقلت له: قد بقيت الطاء، فقال: ويحك هي شر حروف هذا البيت. ويقال أن البيت كتبه أبو نواس.
ولد في رجب سنة عشر ومائة، وقيل غير ذلك، والأول أصح؛ لأنه سئل متى ولدت؟ فقال: قد سبقني إلى الجواب عن مثل هذا عمر بن أبي ربيعة، وقد قيل له: متى ولدت؟ فقال: في الليلة التي مات فيها عمر بن الخطاب، فأي خير رفع، وأي شر وضع، وإني ولدت في الليلة التي مات فيها الحسن البصري، فجوابي جواب عمر بن ربيعة (٢).
وتوفي سنة تسع ومائتين، وقيل غير ذلك بالبصرة، وكان سبب موته أن محمد بن القاسم بن سهل البوشجاني أطعمه موزًا فمات منه. ثم أتاه أبو العتاهية فقدم إليه موزًا،
стр. 2062
فقال له: ما هذا أبا جعفر قتلت أبا عبيدة بالموز، وتريد أن تقتلني به؟ استحليت قتل العلماء.
ومنهم:
[٣] إسحاق بن مرار الشيباني، مولاهم، أبو عمرو (١)
النحوي، اللغوي، صاحب العربية. كوفي نزل بغداد، عرف القبائل بتفضيلها. ركب فقار القفار، وقرا اسفار الأسفار، وولج البوادي، ولج حتى حفت في فم السحاب. ريقه الغوادي، ونزل على كل خباء، ونصل عنه بأنباء، ولم يسلم على حفاظه، ومحاسنه على ألفاظه، بل قتل فيه، وأظهر ما تخفيه على أنه ما أضاع، وتوقى أفاويق الرضاع.
قال ابن خلكان (٢): هو من رمادة الكوفة، ونزل إلى بغداد، وجاور شيبان للتأديب فيها، فنسب إليها، وكان من أئمة الأعلام في فنونه، وهي اللغة، والشعر، والذي قصر به عند العامة أنه كان مشتهرًا بشرب النبيذ، وأخذ عنه جماعة كبار كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي عبيد القاسم بن سلام، ويعقوب بن السكيت.
стр. 2063
وقال في حقه: عاش مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان قد قرأ دواوين الشعراء على المفضّل، وكان الغالب عليه النوادر، وحفظ الغريب، وأراجيز العرب.
قال ولده عمرو: ولما جمع أبي أشعار العرب ودونها كان نيفًا وثمانين قبيلة، وكان كلَّما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفًا، وجعله في مسجد الكوفة، حتى كتب نيفًا وثمانين مصحفًا بخطه.
ومنهم:
[٤] سعيد بن أوس بن ثابت بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، اللغوي، البصري (١)، أبو زيد
حسبه محض، ولبنه لا يحتاج إلى مخض، باقي طراز الحسب المذهب، والنسب الذي يرغب إليه ويرهب، لم تنس أيامه الأول، ولا إقدامه أمام الدول، هذا القديم علياء، وعميم سابقه لا يدرك بالإعياء. نشرت أيامه أجنحة نورها، وخندقت على الليالي وراء سورها، وبرزت عقائل شموسها تتبرج في حجبها، وتوشع حلل النهار بذهبها، والزمان كله نوائب، ويشرق والضحى لحنينه جامد وذوائب، فبلغ من المجد قصاراه ونال جل ما سمعه ورآه. قال ابن خلكان: كان من أئمة الأدب، وغلبت عليه
стр. 2064
اللغة، والنوادر، والغريب وكان يقوى رأي القدر، وكان ثقة في روايته.
قال المازني (١): رأيت الأصمعي، وقد جاء إلى حلقة أبي زيد، فقبل رأسه، وجلس بين يديه، وقال: أنت سيدنا ورئيسنا منذ خمسين سنة.
وقال أبو زيد: حدثني خلف الأحمر، قال: أتيت الكوفة؛ لأكتب عنهم الشعر، فبخلوا علي به، فكنت أعطيهم المنحول وأخذ الصحيح، ثم مرضت، فقلت لهم: ويلكم! أنا تائب إلى الله، هذا الشعر لي، فلم يقبلوا مني فبقي منسوبًا إلى العرب.
وحكى بعضهم أنه كان في حلقة شعبة بن الحجاج، فضجر من إملاء الحديث، فرمى بطرفه، فرأى أبا زيد الأنصاري في أخريات الناس، فقال يا أبا زيد: [من البسيط]
استعجمت دار مي ما تكلّمنا … والدار لؤ كلمتنا ذات أخبار
إلي يا أبا زيد، فجاءه، فجعلا يتحدثان، ويتناشدان الأشعار، فقال له بعض أصحاب الحديث: يا أبا بسطام نقطع إليك ظهور الإبل؛ لنسمع منك حديث رسول الله ﷺ فتدعنا وتقبل على الأشعار قال: فغضب شعبة غضبًا شديدًا، ثم قال: يا هؤلاء، أنا أعلم بالأصلح لي أنا والله الذي لا إله إلا هو في هذا أسلم مني في ذاك.
وقارب المائة، ومات بالبصرة سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: ست عشرة ومائتين.
ومنهم:
[٥] الأصمعي، عبد الملك بن قُرَيْب بن عبد الملك بن علي بن أصْمَعَ بن مُظْهَر بن رياح بن عمرو بن عبد شمس الباهلي أبو سعيد، الأصمعي، البصري (٢)
إزاره كميش، وإيثاره يحيى به من تسمع تتبع ألسنة العرب، وجال في
стр. 2065
آفاقها، وركب فيها الصعب والذلول، وصحب المحافظ والملول، ولم
стр. 2066
يخف هجيرا تلفح سمومه، ولا بزا يقدح ديمومه، بل شق الرمال شق الأراقم، وشد الرحال على الخطب المتفاقم، وسرى وسر الليل مبهم، والفجر وهم لمن يتوهم، وقذف في النهار سفن عيشه، وألقى عن الوجناء من تعريسه حتى ولج الأحياء، وتجنب في سؤاله الحياء، فعاد بأمنيته، وبلغ سؤله قبل منيته، وهو أحد أئمة اللغة، والنحو، والغريب، والأخبار، والملح، والنوادر.
قال يحيى بن معين: كان من أعلم الناس بفنه (١).
قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي (٢).
وقال الشافعي: ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي.
وقال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة (٣).
وقال أبو داود السنجي: سمعت الأصمعي يقول: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ «من كذب علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٤) لأنه ﵇ لم يكن يلحن فمهما رويت عنه
стр. 2067
ولحنت فقد كذبت عليه (١).
وقال أيضًا: من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدًا.
وقال الأصمعي: رآني أعرابي وأنا أطلب العلم، فقال: يا أخا العرب، عليك بلزوم ما أنت عليه، فإن العلم زين في المجلس وصلة من الأحزان، وصاحب في الغربة، ودليل على المروءة، ثم أنشأ يقول: [من الطويل]
تعلّم فليس المرءُ يُخلق عالمًا … وليس أخو علم كَمَنْ هو جاهِلُ
وان كبير القوم لا عِلم عندَهُ … صغيرًا إذا التفت عليه المَحافِلُ
توفي الأصمعي سنة ثلاث عشرة، وقيل: ست عشرة، وقيل: سبع عشرة ومائتين. قال الخطيب: وبلغني أنه عاش ثمانيًا وثمانين سنة (٢).
ومنهم:
[٦] أبو عبيد، القاسم بن سلام الأنصاري، مولاهم البغدادي القاضي (٣)
ذكر استحقاقًا لاحظًا، واسترقاقًا للفضل معنى ولفظًا، تقدم في أول السلف،
стр. 2068
وتناسب فعله فما اختلف، زاحم الشماريخ الشم، وأسمع الآذان الصم، وهم السادة الجحاجح، وأهل السيادة الرواجح، فأعجز الأنظار وأعجب النظار، وفاق الأمثال، وفات المثال، فجرى ذكره نورًا في الأبصار، وسرى نوءًا في الأمصار، وحلى لمى في كل ذوق ونقع صدى لكل شوق ثم غيبه الصريح، ومات فلم ترق دمعة الجفن القريح.
أحد أئمة الإسلام، فقهًا، ولغة وأدبًا، صاحب التصانيف المشهورة، والعلوم المذكورة.
قال محمد بن سعد: كان مؤدبًا، صاحب نحو وعربية، طلب الفقه والحديث، وولي قضاء طرطوس أيام ثابت بن نصر بن مالك، ولم يزل معه ومع ولده، وقدم بغداد فنشر بها غريب الحديث، وصنف كتبًا، وسمع الناس منه وحج، وتوفي بمكة سنة أربع
стр. 2069
وعشرين ومائتين (١).
وقال إبراهيم بن أبي طالب: سألت أبا قدامة عن الشافعي، وأحمد بن حنبل وإسحاق، وأبي عبيد، فقال: أما أفهمهم، فالشافعي، وأما أورعهم، فأحمد بن حنبل، وأما أحفظهم، فإسحاق، وأما أعلمهم بلغات العرب، فأبو عبيد (٢).
وقال إسحاق بن راهوية (٣): لله أبو عبيد، أفقه مني، وأعلم مني. أبو عبيد أوسعنا علمًا، وأكثرنا أدبًا، وأجمعنا جمعًا، إنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا.
وقال الإمام أحمد: أبو عبيد ممن يزداد كل يوم عندنا خيرًا.
وقال أيضًا: أبو عبيد أستاذ.
وقال يحيى بن معين: ثقة.
وقال، وقد سئل عن أبي عبيد: أبو عبيد يسئل عن الناس (٤).
وقال أبو داود: ثقة مأمون (٥).
وقال الدارقطني: إمام ثقة، جبل (٦).
وسلام والده رومي وقال: الإمام هو الإمام المقبول عند الكل.
وقال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن يُرى مثلهم أبدًا، تعجز النساء أن تلد مثلهم. رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث فما شبهته إلا برجل ملئ من قرنة إلى قدمه عقلًا، ورأيت أحمد بن حنبل، فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما شاء، ويمسك ما شاء (٧).
وقال أحمد بن حنبل بن خلف القاضي: كان أبو عبيد فاضلًا في دينه وعلمه، ربانيًا، مفتيًا في أصناف من علوم الإسلام من القرآن والفقه والأخبار العربية، حسن
стр. 2070
الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحدًا من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه.
وقال عبد الله بن أحمد: عرضت كتاب «الغريب» لأبي عبيد على أبي، فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرًا. قال: وكتبه أبي (١).
قال الحارث بن أبي أسامة: حمل غريب الحديث لأبي عبيد إلى ابن طاهر.
قال: فلما نظر فيه، قال: رجل عاقل دقيق النظر. فكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يجري عليه في كل شهر خمسمائة درهم.
وقال هلال بن العلاء الرقي: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة هم في زمانهم، بالشافعي تفقه بحديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولاه كفر الناس، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسر الغريب من حديث رسول الله ﷺ ولولا ذلك، لاقتحم الناس في الخطأ.
وكان أبو عبيد قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء، فثلثًا ينام، وثلثًا يُصلي، وثلثًا يطالع الكتب. وصنف كتبًا كثيرة في القرآن، والفقه، وغريب الحديث، وغريب المصنف، والأمثال، ومعاني الشعر، وغير ذلك نحو بضعة وعشرين كتابًا.
وقال الفسطاطي، كان أبو عبيد مع عبد الله بن طاهر، فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد منه شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه، فأقام شهرين، فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة غيره، ولا أجد ما فيه على نقص، فلما عاد إلى ابن طاهر، وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف، فقال له: أيها الأمير قد قبلتها منك، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحًا وخيلًا، وأوجه بها إلى الثغر؛ ليكون الثواب متوفرًا على الأمير ففعل (٢).
قال البخاري: مات أبو عبيد سنة أربع وعشرين ومائتين، وقال غيره: سنة ثلاث وعشرين بمكة، وقيل: سنة ثلاثين في خلافة المعتصم.
ومنهم: