← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

يخف هجيرا تلفح سمومه، ولا بزا يقدح ديمومه، بل شق الرمال شق الأراقم، وشد الرحال على الخطب المتفاقم، وسرى وسر الليل مبهم، والفجر وهم لمن يتوهم، وقذف في النهار سفن عيشه، وألقى عن الوجناء من تعريسه حتى ولج الأحياء، وتجنب في سؤاله الحياء، فعاد بأمنيته، وبلغ سؤله قبل منيته، وهو أحد أئمة اللغة، والنحو، والغريب، والأخبار، والملح، والنوادر. قال يحيى بن معين: كان من أعلم الناس بفنه (١). قال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي (٢). وقال الشافعي: ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي. وقال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة (٣). وقال أبو داود السنجي: سمعت الأصمعي يقول: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ «من كذب علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٤) لأنه ﵇ لم يكن يلحن فمهما رويت عنه

стр. 2067

ولحنت فقد كذبت عليه (١). وقال أيضًا: من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدًا. وقال الأصمعي: رآني أعرابي وأنا أطلب العلم، فقال: يا أخا العرب، عليك بلزوم ما أنت عليه، فإن العلم زين في المجلس وصلة من الأحزان، وصاحب في الغربة، ودليل على المروءة، ثم أنشأ يقول: [من الطويل] تعلّم فليس المرءُ يُخلق عالمًا … وليس أخو علم كَمَنْ هو جاهِلُ وان كبير القوم لا عِلم عندَهُ … صغيرًا إذا التفت عليه المَحافِلُ توفي الأصمعي سنة ثلاث عشرة، وقيل: ست عشرة، وقيل: سبع عشرة ومائتين. قال الخطيب: وبلغني أنه عاش ثمانيًا وثمانين سنة (٢). ومنهم: [٦] أبو عبيد، القاسم بن سلام الأنصاري، مولاهم البغدادي القاضي (٣) ذكر استحقاقًا لاحظًا، واسترقاقًا للفضل معنى ولفظًا، تقدم في أول السلف،

стр. 2068

وتناسب فعله فما اختلف، زاحم الشماريخ الشم، وأسمع الآذان الصم، وهم السادة الجحاجح، وأهل السيادة الرواجح، فأعجز الأنظار وأعجب النظار، وفاق الأمثال، وفات المثال، فجرى ذكره نورًا في الأبصار، وسرى نوءًا في الأمصار، وحلى لمى في كل ذوق ونقع صدى لكل شوق ثم غيبه الصريح، ومات فلم ترق دمعة الجفن القريح. أحد أئمة الإسلام، فقهًا، ولغة وأدبًا، صاحب التصانيف المشهورة، والعلوم المذكورة. قال محمد بن سعد: كان مؤدبًا، صاحب نحو وعربية، طلب الفقه والحديث، وولي قضاء طرطوس أيام ثابت بن نصر بن مالك، ولم يزل معه ومع ولده، وقدم بغداد فنشر بها غريب الحديث، وصنف كتبًا، وسمع الناس منه وحج، وتوفي بمكة سنة أربع

стр. 2069

وعشرين ومائتين (١). وقال إبراهيم بن أبي طالب: سألت أبا قدامة عن الشافعي، وأحمد بن حنبل وإسحاق، وأبي عبيد، فقال: أما أفهمهم، فالشافعي، وأما أورعهم، فأحمد بن حنبل، وأما أحفظهم، فإسحاق، وأما أعلمهم بلغات العرب، فأبو عبيد (٢). وقال إسحاق بن راهوية (٣): لله أبو عبيد، أفقه مني، وأعلم مني. أبو عبيد أوسعنا علمًا، وأكثرنا أدبًا، وأجمعنا جمعًا، إنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. وقال الإمام أحمد: أبو عبيد ممن يزداد كل يوم عندنا خيرًا. وقال أيضًا: أبو عبيد أستاذ. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال، وقد سئل عن أبي عبيد: أبو عبيد يسئل عن الناس (٤). وقال أبو داود: ثقة مأمون (٥). وقال الدارقطني: إمام ثقة، جبل (٦). وسلام والده رومي وقال: الإمام هو الإمام المقبول عند الكل. وقال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن يُرى مثلهم أبدًا، تعجز النساء أن تلد مثلهم. رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث فما شبهته إلا برجل ملئ من قرنة إلى قدمه عقلًا، ورأيت أحمد بن حنبل، فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما شاء، ويمسك ما شاء (٧). وقال أحمد بن حنبل بن خلف القاضي: كان أبو عبيد فاضلًا في دينه وعلمه، ربانيًا، مفتيًا في أصناف من علوم الإسلام من القرآن والفقه والأخبار العربية، حسن

стр. 2070

الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحدًا من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه. وقال عبد الله بن أحمد: عرضت كتاب «الغريب» لأبي عبيد على أبي، فاستحسنه، وقال: جزاه الله خيرًا. قال: وكتبه أبي (١). قال الحارث بن أبي أسامة: حمل غريب الحديث لأبي عبيد إلى ابن طاهر. قال: فلما نظر فيه، قال: رجل عاقل دقيق النظر. فكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يجري عليه في كل شهر خمسمائة درهم. وقال هلال بن العلاء الرقي: مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة هم في زمانهم، بالشافعي تفقه بحديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولاه كفر الناس، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسر الغريب من حديث رسول الله ﷺ ولولا ذلك، لاقتحم الناس في الخطأ. وكان أبو عبيد قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء، فثلثًا ينام، وثلثًا يُصلي، وثلثًا يطالع الكتب. وصنف كتبًا كثيرة في القرآن، والفقه، وغريب الحديث، وغريب المصنف، والأمثال، ومعاني الشعر، وغير ذلك نحو بضعة وعشرين كتابًا. وقال الفسطاطي، كان أبو عبيد مع عبد الله بن طاهر، فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد منه شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه، فأقام شهرين، فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة غيره، ولا أجد ما فيه على نقص، فلما عاد إلى ابن طاهر، وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف، فقال له: أيها الأمير قد قبلتها منك، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحًا وخيلًا، وأوجه بها إلى الثغر؛ ليكون الثواب متوفرًا على الأمير ففعل (٢). قال البخاري: مات أبو عبيد سنة أربع وعشرين ومائتين، وقال غيره: سنة ثلاث وعشرين بمكة، وقيل: سنة ثلاثين في خلافة المعتصم. ومنهم:

стр. 2071

[٧] أبو عبد الله، محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي، الكوفي، اللغوي مولى آل العباس بن محمد الهاشمي (١) جد ركابه اعدادًا، وقطع اغترابه كبد الفلاة أفلاذًا، وعلا اهتمامًا، ورسا شمامًا، وأفاد جل الفوائد، وولد الكلم مع ألف وائد، وكان سريع الاستحضار، سري الحضار، تحضره الأماثل وتنتابه، وتقدمه على المماثل وتهابه، ينفق من إكثار، ويعطي عطاء الإيثار، أشرقت ليلة مولده بنجمة الطالع، وقد أودعت الثرى قمرها وظن الموت أنه قد قمرها، فما أبعدت الأكار تذاد الطرف، ووفت بقيمة الدنيا الذي قبضه الصرف. قال ثعلب: لزمت ابن الأعرابي تسع عشرة سنة، وكان يحضر مجلسه زهاء مائة إنسان ما رأيت بيده كتابًا قط (٢). وسمعته يقول: ولدت في الليلة التي مات فيها أبو حنيفة سنة خمسين ومائة. وذكره أبو منصور الأزهري الهروي في كتابه فقال: كوفي الأصل، صالح زاهد، ورع صدوق، حفظ من الغريب والنوادر ما لم يحفظه غيره، وسمع من الأعراب الذين ينزلون بظاهر الكوفة بني أسد، وبني عقيل فاستكثر، وأخذ عن الكسائي النحو (٣). وكان أبوه سنديًا. أكثر السماع من المفضل الضبي، وهو زوج أمه، وله عدة تصانيف.

стр. 2072

توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين (١). ولم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه يزعم أن الأصمعي وأبا عبيدة لا يعرفان شيئًا. ومنهم: [٨] أبو يوسف يعقوب بن السكيت (٢) رجل قصده معروف، ورفده في سبيل الخير مصروف، حاط العلم فلم يخرج عن دائرته، ولم يلج حجر غيره لمعايرته، علق بالخليقة، ووضحت إليه سبله، وسفحت سحابه ووبله فاستوفق بسبب هاشمي لا ينقطع، وشدَّ منه بوتر لا ينقلع، فمدَّ عليه الظل كهفه وامتدت إليه بالفضل كفه، وكان ممن يسرف بالحضور لديه، ويوالي السرور بالإقبال عليه، وكان خليقًا بقرب إمامه، ورث صنيعه واهتمامه، لم ينوله الدهر إلا ما استحق ولا قضى له إلا بحق.

стр. 2073

ذكره الحافظ ابن عساكر، فقال: حكى عن أبي عمرو إسحاق بن مرار، ومحمد ابن مهنا، وابن السماك الواعظ، وحكى عنه أحمد بن فرج المقرئ، ومحمد بن عجلان، وأبو عكرمة الضبي، وأبو سعيد السكري، وميمون بن هارون الكاتب، وكان يؤدب أولاد المتوكل، وروى عن ابن السماك انه قال: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ماراهم، ورأس المداراة ترك المماراة. وروى أيضًا عن الاصمعي وأبي عبيدة، والفراء وغيرهم، وهو مؤلف كتاب إصلاح المنطق وغيره، ولم يكن له نفاذ في علم النحو، وكان يميل إلى مذهب من يرى تقديم علي بن أبي طالب ﵁. قال أحمد بن عبيد (١): وشاورني ابن السكيت في منادمة المتوكل، فنهيته، فحمل قولي على الحسد ونادمه، فبينا هو مع المتوكل، إذ أقبل ابناه المعتز والمؤيد، فقال المتوكل: يا ابن السكيت أيما أحب اليك ابناي هذان أم الحسن والحسين، فغضب ابن السكيت من ابنيه، وذكر الحسن والحسين بما هما أهله، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات. وقيل إنه قال: والله إن قنبر خادم علي ﵁ خير منك ومن ابنيك، فقال: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك فمات وذلك لخمس خلون من شهر رجب سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل: سنة ست وأربعين، وبلغ عمره اثنتان وخمسون سنة. وقال المبرد (٢): ما رأيت للبغداديين كتابًا أحسن من كتاب ابن السكيت في «المنطق». وقال: أجمع أصحابنا أنه لم يكن بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت. قال ابن أبي شداد: شكوت إلى ابن السكيت ضائقة، فقال: هل قلت شيئًا؟ قلت: لا، قال: فأقول أنا ثم أنشدني: [من البسيط] نفسي تروم أمورًا لستُ مُدركها … ما دمت أحذر ما يأتي به القَدَرُ ليس ارتحالك في كسب الغِنى سَفَرًا … لكنْ مُقامُكَ في ضُر هو السفر وقال: كتب رجل إلى صديق له: قد عرضت لي قبلك حاجة، فإن نجحت، فالفاني منها حظي والباقي حظك، وإن تعذرت فالخير مظنون بك، والعذر مقدم لك، والسلام.

стр. 2074

ولما جاءه المعتز ليؤدبه، فقال له: بأي شيء تبدأ تريد من العلم؟ فقال المعتز: بالانصراف، قال له ابن السكيت: فأقوم؟ فقال له المعتز: فأنا أخف نهوضًا منك. فقام فاستعجل، فعثر بسراويله فسقط، والتفت إلى ابن السكيت خجلًا، وقد احمر وجهه، فأنشد ابن السكيت: [من الطويل] يصاب الفتى مِنْ عَثْرَةٍ بلسانِهِ … وليسَ يصاب المرء مِنْ عثرة الرجل فعثرتُه في القول تُذهِبُ رأسَهُ … وعثرتُهُ في الرِّجْلِ تَبْرًا على مَهْلِ فلما كان من الغد، دخل ابن السكيت على المتوكل، فأخبره بما جرى، فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال له: قد بلغني البيتان. وقال ابن خلكان (١): وكان لابن السكيت، شعر، وهو مما تثق النفس به، فمن ذلك قوله: [من الوافر] إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاقَ لما به الصدرُ الرَّحِيبُ وأوطنت المكاره واستقرَّتْ … وأرست في أماكنها الخُطوب ولم ترَ لانكشاف الضُّر وجهًا … ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منكَ غَوْثُ … يَمُنُّ بهِ اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها فَرَجٌ قَريبُ ومنهم: [٩] سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشْمِيُّ، السجستاني (٢)، اللغوي، المقرئ، أبو حاتم نزيل البصرة، وعالمها، وسابح لججها الغزار، وعائمها، سبق في الأدب إحسانًا، ونطق للعرب لسانًا، وكان لا يفل غربه، يستنفد غضبه، ولم يكن مثله من جشم، ولا مثله مهابًا في غير حشم، ولم يزل يؤم منه سهلًا، ويؤمل منه ما كان له أهلًا، تتوسمه فلا ترى محياه إلا طلقا، ولا ترد ماءه إلا طرقا، ولم يكن شبهه في حساب، ولا في خلائق بغير اكتساب.

стр. 2075

قال ابن خلكان: «كان إمامًا في علوم الآداب، وأخذ عنه علماء عصره كابن دريد، والمبرد وغيرهما، وكان حسن العلم بالعروض، وإخراج المعمى، وكان صالحًا، عفيفًا، يتصدق كل يوم بدينار، ويختم القرآن في كل أسبوع، وكان إذا اجتمع مع المازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي يشاغل حلقته [المازني أو يبادر بالخروج خوفًا من أن يسأله مسألة في النحو، وكان المبرد يحضر حلقته] (١)، وكان غلامًا وسيمًا، فقال فيه أبو حاتم: [من الكامل] ماذا لقيتُ اليومَ مِنْ … متمجّنٍ خَنِثِ الكلام حركاتُهُ وسكونُهُ … يُجْنى بها ثمر الأثام فإذا خلوتُ بمثله … وعزمت فيه على مرام لم أعد أفعال العفا … ف، وذاك أوكَد للغرام نفسي فداؤك يا أبا الـ … عباس جَلَّ بك اعتصامي فارحم أخاك فإنَّهُ … نزر الكرى بادي السقام وأنه ما دون الحرا … م فليس يرغب في الحرام ومن شعره قوله، وأظنه في المبرد أيضًا: [من مجزوء الخفيف] أبرزوا وجهه الجميـ … ـل ولاموا من افتَن لو أرادوا عفافنا … ستروا وجهه الحَسَن (٢) وكانت وفاته في المحرم، وقيل: في رجب سنة ثمان وأربعين ومائتين بالبصرة. ومنهم: [١٠] أبو الفضل، عباس بن الفرج الرياشي، النحوي، اللغوي، البصري (٣) لسانه ذو حد ترك السيف مسلولًا، ورد الجيش مفلولًا، كان يرجع إلى أكرومة

стр. 2076

وحياء وأرومة وحباء، بكرم على الوجود مطلولًا والجود مملولا، ولم يزل منذ كان خيط عهاده محلولًا، ومنهل وراده معلولًا. عانى الطلب ففتح عليه، ومنح ما لم يصل سعى إليه، ولم يبق نحو ما قصده، ولا عدو ما حصده، ولا نجم علياء ما رصده، فما وفي بحق شكره لسان، ولا سطع مثله جمر ورد عليه كافور سوسان. قال ابن خلكان (١): كان راوية، ثقة، عالمًا بأيام العرب، كثير الاطلاع. وروى عن الأصمعي وأبي عبيدة، وروى عنه الحربي، وابن أبي الدنيا. ومما روى عن الأصمعي قال: مر بنا أعرابي ينشد ابنًا له، فقلنا: صفه لنا، فقال: كأنه دنينير، فقلنا له: لم نره. فلم نلبث أن جاء بصغير أسود كأنه جعل، قد حمله على عنقه. فقلنا له: لو سألتنا عن هذا لأرشدناك، فإنه ما زال اليوم بين أيدينا. ثم أنشد الأصمعي: [المنسرح] نِعْمَ ضَجيع الفتى إذا برد … الليلُ سُحَيرًا وقَرقَفَ الصَّردُ زينها الله في الفؤادِ كما … زُيِّنَ في عين والد ولد قتل بالبصرة بأيدي الزنج في شوال سنة سبع وخمسين ومائتين، وسئل في عقب ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائتين: كم تعد سنه؟ قال: أظن سبعًا وسبعين. ومنهم: [١١] أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي: النحوي، اللغوي (٢) بلغ من الغاية مبلغها، وملك من مطالع الشموس مبزغها رغب في العلم فخص

стр. 2077

الخلطاء، وحنا لبطاء، وقرب الأمد وقصر المدد، وكان يرجع إلى ورع، يكف الخطرات، ويتم عرفه عن برودة العطرات، فسقت عهده السماء وحفظت دهمه في مرعيها، وأخذ عنه الثقات والتقت عليه الطرقات، ثم كان في الفضائل بدر أفقها، وبحر تدفقها، وسحاب علمها الممتد الطراف، ومعلم علمها المذهب الأطراف. قال ابن خلكان (١): كان فاضلًا، ثقة، دينًا، سكن بغداد، وحدث بها عن ابن راهويه، وأبي إسحاق الزيادي، وأبي حاتم السجستاني. وروى عنه أحمد، وابن درستويه. وتصانيفه كلها مفيدة، وله «المعارف» و «أدب الكاب» و «الأنواء» وغير ذلك. ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين، وتوفي فجأة في ذي القعدة سنة ست وسبعين على أصح الأقوال. وذكر محمد بن إسحاق النديم (٢): أن ابن قتيبة كوفي، ولي قضاء الدينور.

стр. 2078

وقال غيره: إنه أكل هريسة حارة، فصاح منها، ثم هدأ، فما زال يتشهد حتى السحر، ومات. ومنهم: [١٢] أبو بكر بن دريد، وهو محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم، الأزدي، اللغوي، البصري (١) رجل كلمه يداوي المغيظ، وكرمه يفرح اللظيظ، وعلمه يعلم الجهول، ويفهم الذهول، ويعرف بلسان العرب من جهله، ويرد بإحسان الطلب منهله، بفطن أذابت ما جمد من الألباب، وأذكت ما خمد من الالتهاب، ففتقت كمام الافهام، ودفقت جمام الابهام، فأبدت دقائق العلم، وبينت فيه شرفه المخول المعمم، وهدت إليه وهو أخفى

стр. 2079

من مدارج النمال وأسرع تغيرًا من مناهج الرمال، فأضرب كل ضريب عن مداناته، ولم يحمل فهمه السقيم قدر مداواته. قال المسعودي (١): كان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، فقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وكان يذهب إلى الشعر كل مذهب، فطورًا يحرك، وطورًا يرق، وشعره أكثر من أن نحصيه، أو نأتي على أكثره، ومن جيد شعره مقصورته الفائقة، قال: وقد عارضه فيها جماعة من الشعراء، منهم أبو القاسم بن أبي الفهم الأنطاكي التنوخي. ومن ملح شعره: [من الكامل] غَرَّاءُ لَوْ جَلَتِ الخدود شعاعها … للشمس عند طلوعِها لمْ تُشْرِقِ غُصن على دِعْصِ تأوَّدَ فوقَهُ … قَمَرٌ تألق تحت ليل مطبق لو قيل للحُسْنِ احتكمْ مِنْ بعدها … أو قيل خاطب غيرها لم ينطق وكأننا من فرقها في مَغْرب … وكأننا مِنْ وجهها في مَشْرِقِ تبدو فيهتف بالعيون ضياؤُها … الوَيلُ حَلَّ بمقلةٍ لم تطبق ولد بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونشأ بها، وأخذ عن السجستاني، والرياشي، وغيرهما. ثم انتقل إلى عُمان، وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة، وسكنها زمانًا، ثم خرج إلى نواحي فارس صحبة ابني ميكال، وعمل لهما كتاب «الجمهرة». وقلداه ديوان، فارس، وكانت الكتب تصدر عن رأيه، ولا ينفذ إلا بعد توقيعه بالأصل، فأفاد أموالًا عظيمة، كان لا يمسك درهمًا سخاءً وكرمًا، ثم أتي بغداد سنة ثمان وثلاثمائة بعد انتقال ابني ميكال إلى خراسان، وأجرى عليه المقتدر خمسين دينارًا في كل شهر، ولم تزل عليه إلى حين وفاته. وكان واسع الرواية، لم يُرَ أحفظ منه، تُقرأ عليه دواوين العرب، ويسابق إلى إتمامها من حفظه. وسئل الدارقطني: أثقة هو أم لا؟ فقال: تكلموا فيه. وقال الأزهري: دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه. وقال ابن شاهين كنا ندخل فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة، والشراب المصفى.

стр. 2080

وذكر أن سائلًا سأله شيئًا، فلم يكن عنده غير دَنّ من نبيذ فوهبه له، فأنكر عليه بعض غلمانه، وقال: تتصدق بالنبيذ، فقال: لم يكن عندي شيء سواه، ثم أهدي له بعد ذلك عشرة دنان من النبيذ، فقال لغلامه: أخرجنا دنا فجاءنا عشرة. وعرض له رأس السبعين من عمره فالج، ثم سقي الترياق، فبرئ وصح، ورجع إلى أحسن أحواله، ثم عاوده الفالج بعد سنة؛ لغذاء كان يتناوله، فبطل وكان يقول: [من الطويل] فواحَزَني أن لا حياة لذيذة … ولا عمل يُرضى به الله صالح وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقين من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية، وهو اليوم الذي مات فيه الجبائي المتكلم، فقال الناس: اليوم مات علم اللغة والكلام. ومنهم: [١٣] إسماعيل بن القاسم بن عَبْدون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان القالي اللغوي (١) مؤلف غرائب، سهل مساغها، وحجل أرساغها، فرد منها ما ند، وأقبل ما صد، ربي في ظل دوحة فرعاء، وأهل أمانة واسترعاء، فحلق قشعما، وقشع من عمى، فكفى النازع، وكفل الأهلة البوازغ، ودجت الشبه فكشط جلدتها، وحفظ المعاني وجدتها، فسالت العلوم بالمذانب، وسارت بالمقانب، وجلس جلوس الشيوخ في

стр. 2081

تباب المراتب، وجرى جريًا قصرت دونه خطى الأرانب، وطار من مشرق الشمس إلى مغربها، وأتى ملوك تلك البلاد بأربها، وكان بأماليه للجحود ماليًا، وللثغور كاليًا، إلا أنه هجر أوطانه ساليًا، وترك بلاده فلا عجب إن قيل قاليًا، هذا إلى سعة معارف، وسمعه عوراف جاز بها البلاد برًا وبحرًا، وأفتى من بطون الجواري، وظهور الخيل بطنًا وظهرًا. قال ابن خلكان (١): كان أحفظ أهل زمانه في اللغة، والشعر، ونحو البصريين. أخذ الأدب عن ابن دريد، وابن الأنباري، ونفطويه وغيرهم، وطاف البلاد. سافر إلى بغداد، ثم خرج إلى الأندلس، ودخل قرطبة واستوطنها. ومولده في جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين ومائتين. وتوفي في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ليلة السبت لست خلون منه. ومنهم: [١٤] أبو منصور، محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري، الهروي اللغوي (٢) الإمام، المشهور في اللغة، حاز صنوف الفضائل وجمعها، وشذب أنوف القبائل وجدعها، علا محلًا، وفضل كل مُجلَّى … ، وترقى غاية يشتكى دونها الرياح الكلال، ويتوقى الليل من منجنون الهلال، فجمع ما لم يجمع، وسمع ما لم يسمع، فقصر فيه الإطناب ومد على السماء الأطناب، وملأ عجبًا بما نشر، وبلغ طلبًا ما كان

стр. 2082

يظن لنشر، فتقدم ذكرًا، وكفل أيامى الكلم، وكأنما كفل كل منهن بكرًا. قال ابن خلكان (١): كان فقيهًا، شافعي المذهب، غلبت عليه اللغة، فاشتهر بها، متفقًا على فضله وثقته، ودرايته وورعه روى عن المنذري اللغوي عن ثعلب وغيره، ودخل بغداد، وأدرك بها ابن دريد، ولم يرو عنه، وأخذ عن نفطويه، وابن السراج، وقيل: إنه لم يأخذ عنه، وطاف في أرض العرب في طلب اللغة. ورئي بخطه، قال: امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة الحاج بالهتين، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربًا نشأوا في البادية، يبتغون مساقط الغيث أيام النجيع، ويرجعون إلى اعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ، ويرعون النعم، ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية، ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن، أو خطأ فاحش، فبقيت في أسرهم دهرًا طويلًا، وكنا نشتي بالدهناء، ونرتبع بالصمان، ونقيظ بالستارين، واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة، ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في كتابي يعني «التهذيب»، وذكر في تضاعيف كتابه أنه أقام بالصمان شتوتين. وكان أبو منصور المذكور جامعًا لشتات اللغات، مطلعًا على أسرارها ودقائقها، وصنف في اللغة كتاب «التهذيب» وهو أكثر من عشر مجلدات، وله تصنيف في «غريب الألفاظ التي يستعملها الفقهاء» في مجلد واحد، وهو عمدة الفقهاء في تفسير ما يشكل عليهم من اللغة المنغلقة بالفقه، وكتاب «التفسير». وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وتوفى سنة سبعين وثلاثمائة في أواخرها، وقيل: سنة إحدى بمدينة هراة، رحمه الله تعالى. ومنهم: [١٥] أبو عمر، محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم البغدادي المعروف بالمطرز، غلام ثعلب (٢) بحر لا يقاس بنزز وجواد لا يخوف بلزز، ملك ألسنة العرب بأطرافها، وقاد

стр. 2083

سرب اللغات بأعرافها، ولم ينس ما حفظ، ولا غاب عنه ما لحظ، فكان لا يذهب محفوظ من ذاكرته، ولا يرهب عند محاظرته، وقد جربه أهل النقد، فلم يرو له زيفًا، وجهدوا ولم يرعوا له طيفًا، فخجل منكروه، ووجل قوم ظنوا أن يسكتوه، وعلم أنه الحافظ الذي قل أن ينسى والمحافظ الذي به يتأسى، فلم يبق إلا من علم أنه المبرز، وأن عَلَمَ ردائه لا يرقم مثله إلا المطرز. قال الخطيب (١): سمع غير واحد يحكي عن أبي عمر أن الأشراف والكتاب كانوا يحضرون عنده ليسمعوا منه كتب ثعلب وغيرها، وكان له جزء قد جمع فيه «فضائل معاوية» فكان لا يترك واحدًا منهم يقرأ عليه شيئًا حتى يبتدئ بقراءة ذلك، وكان جماعة لا يوثقون أبا عمر في علم اللغة حتى قال لي عبيد الله بن أبي الفتح: يقال إن أبا عمر كان لو طار طائر، لقال: حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي، ويذكر في معنى ذلك شيئًا. فأما الحديث، فرأيت جميع شيوخنا يوثقونه فيه. وحدثنا ابن أبي علي عن أبيه قال: ومن الرواة الذين لم نر أحفظ منهم أبو عمر غلام، ثعلب، أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة لغةً فيما بلغني، وجميع كتبه إنما أملاها بغير تصنيف، ولسعة حفظه اتهم. وكان يسأل عن الشيء الذي يقدر السائل أنه وضعه، فيجيب عنه، ثم يسأله غيره عنه بعد سنة فيجيب بجوابه. أخبرت أنه سئل عن قنطرة صحفت، فقيل له: ما القنطرة؟ فقال: هي كذا. قال: فتضاحكنا، ولما كان بعد شهور هيأنا من سأله عنها، فقال: أليس قد سئلت عن هذه من شهور وأجبت. قال الخطيب (٢): حكى لي رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن عمن حدثه أن أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فأملى يومًا على الغلام ثلاثين مسألة لغة وختمها ببيتين، وحضر ابن دريد، وابن الأنباري، وأبو بكر بن

стр. 2084

مقسم عند القاضي، فعرض عليهم المسائل، فقال ابن الأنباري: أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن. وقال ابن مقسم: أنا مشغول بالقراءات. وقال ابن دريد: هي من وضع أبي عمر، فبلغ أبا عمر ذلك، فسأل القاضي إحضار دواوين جماعة عينهم له، ففتح خزانته، وأخرج تلك الدواوين، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة، ويخرج لها شاهدًا، أو يعرضه على القاضي حتى تممها، ثم قال: والبيان أنشدناهما ثعلب بحضرة القاضي، كتبهما القاضي على ظهر الكتاب الفلاني، وأحضر القاضي/ فوجدهما، وانتهى الخبر إلى ابن دريد، فما ذكر أبا عمر بلفظة حتى مات. ثم قال رئيس الرؤساء: وقد رأيت أشياء كثيرة مما استنكر على أبي عمر ونسب إلى الكذب فيها، مدونة في كتب أئمة العلم وخاصة في غريب المصنف لأبي عبيد، أو كما قال. قال عبد الواحد بن برهان: لم يتكلم في علم اللغة أحد من الأولين والآخرين أحسن من كلام أبي عمر الزاهد، وله «غريب الحديث» ألفه على مسند أحمد. وقال أبو الحسن بن المرزبان: كان ابن ماسي ينفذ إلى أبي عمر غلام ثعلب وقتًا بعد وقت كفايته ما ينفق على نفسه فقطع عنه مدة لعذر، ثم أنفذ إليه جملة ما كان في رسمه، وكتب إليه يعتذر فرده، وأمر من كتب على ظهر رقعته: ألزمتنا فملكتنا، ثم أعرضت عنا فأرحتنا. قال الخطيب وابن ماسي لا أشك أنه إبراهيم بن أيوب والد أبي محمد. وأخبرني عباس بن عمر قال: سمعت أبا عمر الزاهد يقول: ترك قضاء حقوق الإخوان مذلة، وفي قضاء حقوقهم رفعة. توفي أبو عمر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. واعتل أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي، فتأخر عن مجلس أبي عمر فسأل عنه، فقيل: أنه كان عليلًا، فجاءه من الغد، فاتفق أن كان في الحمام، فكتب بخطه على بابه باسفيداج: [من المتقارب] وأعجب شيء سمعنا به … عليلٌ يعاد فلا يوجد ومنهم:

стр. 2085

[١٦] أبو علي، الحسين بن محمد بن خالويه، النحوي، اللغوي (١) أتته الغرائب فداوى دويها، ودارى سويها، فأكفى موادها، وألفت صوادها، وقربها للمتناول، وقَرَّبها في يد المتطاول فقصر طيلها، وغلب حيلها، ويسرها للطالب، فدنت لمرامه، وذكت في ضرامه، وحدرت عن لثامها، وحدرت إلا من لمامها، ثم لم يبرح في كسر بيته، ومعادًا له أكثر قوته، حتى عوجل بموته، ومد حجاب الضريح دون صوته، إلا أنه لم يخل مثله في سالف العصور، ولا نهض نقد نهضة الليث الهصور. قال ابن خلكان (٢): أصله من همذان، ودخل بغداد، وأدرك جلة العلماء، وبها أبو بكر الأنباري، وابن مجاهد المقرئ، وأبو عمر الزاهد، وابن دريد، وأخذ عنهم، وقرأ على السيرافي، وانتقل إلى الشام، واستوطن حلب، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب. وكانت إليه الرحلة من الآفاق، وآل حمدان يكرمونه. وقال (٣): دخلت يومًا على سيف الدولة بن حمدان، فلما مثلت بين يديه، قال لي: اقعد ولم يقل اجلس فتبينت اعتلاقه بأهداب الأدب، أن يقال لقائم: اقعد، وللنائم أو الساجد: اجلس. ولابن خالويه مع المتنبي مجالس، ومباحث عند سيف الدولة، وله شعر. وأنشد الثعالبي في كتاب اليتيمة (٤) قوله: [من الطويل] إذا لم يكن صَدْرُ المجالس سيدًا … فلا خير في مَنْ صَدَّرَتْهُ المَجالس وكم قائل ما لي رأيتُكَ راجلًا … فقلتُ لهُ مِنْ أَجلِ أَنَّكَ فَارِسُ وتوفي بحلب سنة سبعين وثلاثمائة. ومنهم:

стр. 2086

[١٧] أبو محمد، يوسف بن أبي سعيد الحسن (١) بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، النحوي، اللغوي، الإخباري (٢) الفاضل ابن الفاضل، والمناضل ابن المناضل، بد السلف الخالي، وبرز في الخلف التالي، لم يعقه السؤدد عن تأدية المفترض، ولا أوقف سهمه دون الغرض شرف قدره العلم وأجله، وأقره في منازل النجوم وأحلَّه، وعلمه حتى قهر حاسده وأذله، وحيره على علم وأضله، وكان يهب الدهر ذنوبه، ويستر على التقصير عيوبه، ويباري البحر العذب، ويسبل الغطاء، فلا يكشفه الجذب لفضائل لم تملك غيره فيها ما ملك، ولا سلك منها فوق سبيل المجرة ما سلك. قال ابن خلكان: (٣) كان عالمًا بالنحو، وتصدر في مجلس أبيه بعد موته، وخلفه على ما كان عليه، وكان يفيد الطلبة في حياة أبيه، وأكمل كتابه المسمى «بالإقناع» وهو كتاب جليل ثم صنف كتبًا عدة جلائل، وكانت كتب اللغة تقرأ عليه مرةً رواية، ومرةً دراية. ولد سنة ثلاثين وثلاثمائة، وتوفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وعمره خمس وخمسون سنة وشهور، ودفن من الغد. ومنهم: [١٨] أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي، اللغوي، أبو الحسين (٤) نزيل همذان، لا يدركه سعي مجد، ولا يفركه سعد مستجد، اعتنى به مجده،

стр. 2087

واعتلى برتبه جده، حتى تدفقت المجرة نهرًا في حديقته، ودلت تباشير الصبح على حقيقته، وقامت وراءه الثريا تقفي آثار خطاه، والجوزاء تجذب بمطاه، حتى لم ير الشمس دون قلله إلا زائلة. قال ابن خلكان (١): إمامًا في علوم شتى وخصوصًا في اللغة فإنه أتقنها وألف كتابه «المجمل في اللغة» وهو على اختصاره جمع شيئًا كثيرًا، وكان مقيمًا بهمذان، وعليه اشتغل بديع الزمان. وأنشد له قوله: [من السريع] مَرَّتْ بنا هيفاء مجدولةٌ … تُركيةٌ تنمي لتركي ترنو بطرف فاتر فاتن … أضعف من حجة نحوي قوله: [من مجزوء الكامل] اسمع نصيحة ناصح … جمعَ النصيحة والمِقَهْ إياك واحذر أن تبيـ … ـتَ مِنَ الثقات على ثقة وقوله: [من المتقارب] إذا كنت في حاجةٍ مُرْسِلًا … وأنتَ بها كَلِفٌ مُغْرَمُ فأرسل حكيمًا ولا تُوصِهِ … وذاك الحكيمُ هُوَ الدّرهم وتوفي بالري سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وقيل: سنة سبعين. وقال ياقوت (٢): سنة تسع وستين.

стр. 2088

ومنهم: [١٩] أبو نصر، إسماعيل بن حماد الجوهري (١) أنس بالقفار، واجتنى كل حلوة، واجتلى كل خلوة قرب لغة العرب، وأنس منها ما اغترب، وكفى شر الانجاح، بما لا ينكر للجوهري من الصحاح. وكتابه الموسوم بالصحاح، هو الذي فاق بسعادة جده، وأمات ذكره كل كتاب في جلده، لم يسبق إلى وضعه، وما أتى فيه من صنعه لما أتى به فيه من حسن الترتيب، وقرب المأخذ في التبويب، فجمع من الأمور ملاكها، ومن لغة الجمهور أسلاكها، وهو اليوم مراد الأمل، ومُراد العمل، وشهرته وافيه بذكره، كافية في شكره، يعتق منه الألوة، وتشرق المحاسن المجلوة، ولا تتميز قمم الفرائد ما لم تكن منسوبه إلى صحاحه، ومحسوبة فيما وسم بصلاحه، فلو دعي الأصمعي لعذر مثله في السرد أو انتظمت أقوال النظام، لأنبت به الجوهر الفرد. وهو من أعاجيب الدنيا ذكاءً، وفطنة، وعلمًا، وأصله من الفاراب من بلاد الترك، وكان يضرب به المثل في اللغة [و] في حسن الكتابة، ويذكر خطه مع خط ابن مقلة، ومهلهل، واليزيدي، وكان يؤثر الغربة على الوطن، ودخل بلاد ربيعة ومضر في طلب الأدب، وحين قضى وطره من قطع الآفاق، والأخذ عن علماء الشام والعراق، عاود خراسان، فأنزله أبو علي الحسن بن علي الكاتب عنده وبالغ في إكرامه، ثم سكن نيسابور يدرس ويؤلف، ويعلم الكتابة ويكتب الختم. ومن العجب أن أهل مصر يروون صحاحه عن ابن القطاع ولا يرويه أحد بخراسان. وقد قيل: إن ابن القطاع ركب له طريقًا لما رأى رغبة المصريين فيه، فرواه لهم.

стр. 2089

وفي كتابه أشياء لا شك أنها نقلت من صحف تصحفت على الجوهري، فانتدب لها علماء مصر، وأصلحوا أوهامها. وقيل: إنه اختلط في آخر عمره ومات مترديًا من سطح داره بنيسابور في شهور سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وقيل: في حدود الأربعمائة. قال ياقوت الحموي (١): جاريت أبا الحسن علي بن يوسف القفطي أمر الجوهري وما وقع له من حسن التصنيف، ثم قلت: ومن العجب أني بحثت عن مولده ووفاته بحثًا شافيًا، وسألت عنهما الواردين من نيسابور، فلم أجد مخبرًا عن ذلك، فقال لي: لقد بحثت قبلك عن ذلك، فلم أر مخبرًا عنه. فلما كان من غد ذلك اليوم، جئته، فقال لي: ألا أخبرك بطريقة؟ إني رأيت في بارحتنا في النوم قائلًا يقول لي: مات إسماعيل بن حماد الجوهري سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ولعمري وإن كان المنام ما لا يقطع به، ولا عمل عليه، فهذا بلا شك زمانه، وفيه كان أوانه. وكان يجيد الشعر، فمنه قوله: [من السريع] لو كان لي بد مِنَ الناسِ … قطعتُ حَبل الناس بالياس العز في العزلة لكنَّه … لابد للناس مِنَ الناس وقوله: [من الوافر] فها أنا يونس في بطنِ حُوتٍ … بنيسابور في ظُلَمِ الغَمَامِ فبيتي والفؤاد ويومُ دَجْنِ … ظلامٌ في ظلام في ظلام وقوله: [من السريع] يا صاحب الدعوة لا تجزعن … فكلنا أزهدُ مِنْ كُرِزِ والماء كالعنبر في قومس … مِنْ عِزّهِ يُجْعَلُ في الحِرْز فسقنا ماءً بلا مِنَّةٍ … وأنتَ في حِلِّ مِنَ الخُبْزِ وقوله: [من المتقارب] رأيت فتى أزرقًا أشقرًا … قليل الدماغ كثير الفضول يفضّلُ مِنْ حُمْقِهِ دائبًا … يزيد بن هند على ابن البتول وقوله: [من مخلع البسيط] يا ضائع العمر بالأماني … أما تَرَى رونق الزمان

стр. 2090

فقم بنا يا أخا الملاهي … نخرج إلى نهر بشتنفان لعلنا نجتني سُرُورًا … حيثُ حَنَى الجنتين [داني] كأننا والقصور فيها … بحافَتِي كَوثَرِ الجِنانِ والطيرُ فوقَ الغُصون تحكي … بحُسنِ أصواتها الأغاني وراسلَ الوُرْقَ عندليب … كالزِّيرِ والبم والمثاني وبركة حولها أناخَتْ … عَشْرٌ مِنَ الدَّلْبِ واثنتانِ فرصتك اليوم فاغتنمها … فكلُّ وقت سواه فاني ومنهم: [٢٠] أبو علي الحاتمي، واسمه محمد بن الحسن بن المظفر، الكاتب، اللغوي، البغدادي (١) عقل شوارد اللغة، وقد نفرت إبلها، وأخفرت سبلها، وراضت فذلت صعبة أي إذلال، واهتدت بعد أي ضلال، وأضحت لا تفارق أوطانها، ولا تألف إلا أعطانها، فاستفاد القصي، واستعاد العصي، وجرت به على الألسنة الكلم الفصاح، وانتظمت في سلكه الجواهر الصحاح. وقد كان قصد أبا الطيب المتنبي في أبهة، ورواء دهية، لا تخفى على ذوي الآراء، فما رفع إليه رأسًا ولا صنع به إيناسًا، فواجهه بما فيه إغضاض القدر، واغصاص الصدر. هذا وابو الطيب قد ترفع عن رتبة السوقة، وقعد في غلمان روقة. ثم قطع بينهما الخصام، ومر مريرهما، وأشرف على الانفصام، إلا أن الصلح كان أقرب إلى التقوى وأغلب عندهما على ما يهوى.

стр. 2091

قال ابن خلكان (١): كان أحد الأعلام المشاهير، المطبقين المكثرين، أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد، وروى عنه جماعة من النبلاء، منهم أبو القاسم التنوخي، وهو صاحب الواقعة مع أبي الطيب المتنبي، وله الرسالة التي ذكر فيها مواقعة المتنبي قدماء الحكماء في كثير من جليل المعاني. ولما قدم المتنبي بغداد، وترفع عن مدح الوزير المهلبي ذهابًا بنفسه عن مدح غير الملوك، شق ذلك على المهلبي، وأغرى به شعراء بغداد، وفيهم: ابن الحجاج، وابن سكرة الهاشمي، والحاتمي، وأسمعوه ما يكره، وتماجنوا وتنادروا عليه، فلم يجبهم، ولم يفكر فيهم، فقيل له في ذلك فقال: إني قد عزفت عن إجابتهم بقولي لمن هو أرفع طبقة في الشعراء منهم: [من الوافر] أرى المتشاعرينَ غَرُوا بِذَمِّي … ومَنْ ذا يَحْمَدُ الدَّاءَ العُضالا ومَنْ يك ذا فمِ مُرِّ مَريضِ … يجدْ مُرًا به الماء الزلالا قال ياقوت الحموي (٢): أدرك الحاتمي ابن دريد، وأخذ عنه، وهو من حذاق أهل اللغة والأدب، شديد العارضة، وكان مبغضًا إلى أهل العلم، فهجاه ابن الحجاج وغيره بأهاج مرة. وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. ومن شعره قوله في قصر الليل: [من البسيط] يا رُبَّ ليل سرور خِلتُهُ قَصِرًَا … كعارضِ البرق في أفق الدجى برقا قد كان يعثر أولاه بآخِرِه … وكان يسبق منه فجره الشفقا كأنما طرفاه طرف اتفق الـ … جفنان منه على الإطراق وافترقا وقوله في وصف الثريا: [من الطويل] وليل أقمنا فيه نعمل كأسَنا … إلى أن بدا للصبح في الليل عسكر ونجم الثريا في السماءِ كَأَنَّهُ … على حُلَّةٍ زرقاءَ جَيْبٌ مُدَنَّرُ [قال الجرجاني لأبي علي الحاتمي: إنك إنما تحرم، لأنك تشتم. فقال الحاتمي: إنما أشتم؛ لأني أحرم]. ومنهم:

стр. 2092

[٢١] جنادة بن محمد، اللغوي، الأزدي، الهروي (١)، أبو أسامة إمام كلم ساق جنانها، ووصل رثانها، فأوثق سببها وحقق نسبها، فجوهر تلك الألفاظ، وعنبر أنفاسها بما يفوق مسك الألحاظ، فاترعت جلابها الدوافق، وجابت أجلابها إلى سوقه النافق، فقيد تلك النوافر، وقلد ذهب الشفق صبحها السوافر، وأسمعت له المواهب فضل عطاياها، وأسرعت إليه قصد مطاياها، حتى أصبح يفدى بالنجايا، ويتفرى له سواد الليل عن كل السؤدد لا بقايا. قال ابن خلكان (٢): كان مكثرًا من حفظ اللغة ونقلها، عارفًا بحوشيها ومستعملها، لم يكن في زمانه مثله في فنه، وكانت بينه وبين الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، وأبي الحسن علي بن سليمان المقري النحوي الأنطاكي مؤانسة، واتحاد كبير، وكانوا يجتمعون في دار العلم، وتجري بينهم مذاكرات ومفاوضات في الآداب، ولم يزل ذلك دأبهم حتى قتل الحاكم صاحب مصر أبا أسامة هذا، وأبا الحسن الأنطاكي في يوم واحد من ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، واستتر الحافظ عبد الغني خوفًا منه. ومنهم: [٢٢] أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي، الهروي، الفاشاني (٣)، المؤدب، أبو عبيد صاحب كتاب «الغريبين» مقدم لا يحلق في عمل، ولا يُلحى في أمل، ولا يلحظ مثله إلا القمر في السماء، مع أنه ما كمل، وفي تصنيفه ما يدل على حسن تصريفه. قال ابن خلكان (٤): وكتب على ظهر كتابه في «الغريبين» أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن والله أعلم.

стр. 2093

وقال (١): كان من العلماء الأكابر، وكان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي، وعليه اشتغل و به انتفع، وكتابه المذكور جمع فيه من غريب القرآن الكريم والحديث النبوي، وسار في الآفاق وهو من الكتب النافعة. وقيل (٢): إنه كان يحب البذلة ويتناول في الخلوة، ويعاشر أهل الأدب في مجالس اللهو والطرب. وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وأربعمائة. ومنهم: [٢٣] أبو القاسم، عبد الله - وقيل: عبد الكافي - بن محمد بن ناقيا (٣) اللغوي، الشاعر، الأديب، رجل مشهور، وعالم يومه بشهور، لم يكن وقته مضيعا، ولا يومه بغير الطلب مشبعا، حتى ملأ صدر زمانه، وأعلى قدر حماته، ولم يفض طفل يوم من الأيام ولا تجلت سحابة ليلة مطبقة الظلام، إلا عن علم ازداده، وعمل ضاعف فيه إمداده، ولم يقف عند طلب، ولا قصر حتى ولا في الطرب، وكان إمامًا لا يعنيه تقدم صف، ولا انقباض في صرف، حتى مضى على هذا عمره، وذهب وما أبدى عذره. قال ابن خلكان (٤): كان فاضلًا، بارعًا، له مصنفات كثيرة، حسنة مفيدة.

стр. 2094

ومن شعره ما كتب به إلى بعض الرؤساء وقد افتصد. [من الخفيف] جعل الله ذو المواهب عُقبا … كَ مِنَ الفصْدِ صحة وسلامة قُلْ ليمناك كيف شئت استهلي … لا عدمت الندى فأنتِ غَمَامه ولد منتصف ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة، وتوفي ليلة الأحد رابع المحرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ودفن بباب الشام. ومنهم: [٢٤] أبو زكريا، يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني الخطيب (١) فرد لا تسلك له مناهج ولا تملك مباهج، أطل على الجوزاء، من فوقها، وأمسك جيد العذراء بطوقها، أناف رتبة على العلماء، وزينة للسماء، وفخرت به شبيبة شيبان وشيبها، وبعيد أنسابها وقريبها، هذا على هنات قيلت، وعثرات ما أُقيلت، وأخذ في الارتحال والتنقل من حال إلى حال، حتى أسفرت له حنادس الظلماء، وسما سمو حباب الماء.

стр. 2095

قال ابن خلكان (١): أحد أئمة اللغة، له معرفة تامة بالأدب، والنحو، واللغة. قرأ على المعري وأبي القاسم الرقي، وأبي محمد الدهان وغيرهم، وسمع الحديث، وروى عنه أبو بكر خطيب بغداد وغيره، وتخرج عليه خلق كثير. وأثنى عليه السمعاني (٢) وعدد فضائله، ثم قال: ما كان بمرضي الطريقة وذكر عنه أشياء، ثم قال: لكنه كان ثقة في اللغة، وما كان ينقله، وله المصنفات المشهودة المفيدة، وكان قد دخل مصر في عنفوانه، وقرأ على ابن بابشاذ، ثم عاد إلى بغداد، واستوطنها حتى مات. وله شعر منه قوله: [من الوافر] فَمَنْ يسأم مِنَ الأسفار يومًا … فإني قد سئمتُ مِنَ المقامِ أقمنا بالعراق على رجالٍ … لئام ينتمون إلى لئام وروى عن أبي الحسن محمد بن المظفر بن تحرير البغدادي قوله: [من الطويل] خليلي ما أحلى صبوحي بدجلة … وأطيب منه بالصراةِ غَبوقي شربتُ على الماءين مِنْ ماءِ كَرْمةٍ … وكانا كدر ذائب وعقيق على قمري أفق وأرض تقابلا … فمِنْ شائقٍ حُلوِ الهَوَى وَمَشُوقِ فمازلتُ أسقيه وأشرب ريقَهُ … وما زال يسقيني ويشرب ريقي وقلت لبدر التم: تعرف ذا الفتى؟ فقال: نعم هذا أخي وشقيقي وروي عنه أيضًا قوله: [من المديد] يانساءَ الحيّ مِنْ مُضَرِ … إن سلمى ضَرَّةُ القمر وبياض الثغر أسكنها … في سوادِ القلب والبصر ولد الخطيب التبريزي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وتوفي فجأة يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة ببغداد. ومنهم: [٢٥] أحمد بن محمد بن أحمد بن ابراهيم، الميداني، النيسابوري، أبو الفضل (٣) سابق لا يلحق في ميدان، ولا يدانيه عبد المدان، تهدلت أفنانه فنونًا، وسلبت

стр. 2096

حسانه فتونًا، وضربت به الأمثال أمثال ما جمع، وأضعاف ما ليس لأحد معه طمع، وله من كل فن أحسنه، وأحسبه إذا عرف حسنه، ويضاعفه تمتع العين وتوسع الطروس بمثل الذهب العين. قال ابن خلكان (١): كان أديبًا، فاضلًا، عارفًا باللغة، اختص بصحبة الواحدي صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره، وأتقن فن العربية خصوصًا اللغة وأمثال العرب، وله كتاب «الأمثال» ولم يعمل مثله في بابه. قال: وكان ينشد بيتين، وأظنهما له: [من الطويل] تنفس صبح الشيب في ليل عارضي … فقلت عساه يكتفي بعذاري فلما فشا عاتبته فأجابني … ألا هل ترى صبحًا بغير نهار وله أيضًا: [من السريع] يا كاذبًا أصبح في كذبه … أعجوبةً أَيَّةَ أعجوبة وناطقًا ينطق في لفظة … واحدة سبعين أكذُوبَه شبهك الناس بعرقوبهمْ … لما رأوا أخذك أسلوبة فقلتُ كلا إنَّهُ كَاذِبٌ … عرقُوبُ لا يبلغ عُرقُوبَهْ ولما صنف كتاب «الأمثال» وقف عليه الزمخشري فحسده وأخذ القلم، وزاد في لفظ الميداني سنة، فصار «النميداني» ومعناه بالفارسية الذي لا يعرف شيئًا، فلما وقف الميداني على ذلك أخذ بعض تصانيف الزمخشري، وزاد في نسبته سنة، وعمل الميم نونًا، ومعناه بالفارسية بائع زوجته. وكان جماعة من كبار أصحابه يقولون: لو كان لنا الذكاء والشهامة والفضل صورة لكان الميداني تلك الصورة. وتوفي يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان سنة ثمان عشرة وخمسمائة بنيسابور. ومنهم:

стр. 2097

[٢٦] أبو منصور، موهوب بن أبي طاهر أحمد بن الخضر الجواليقي البغدادي (١) رجل لم يخف ضلالًا، ولم يخش ملالًا، تزينت به بغداد فأصبح من شموسها المشرقة، وغروسها المؤنقة، ولم يزل بها جد شمر له ساعده، وهجر به منامه وباعده، وقاطع به اللذات ومانع به اللدات، حتى أصبح كامل اللذات، فاضل النفس التي لا تتبع بالأداة، ثم كان ابن بجدتها، وأخاها الملتف في شملتها، واتصل بالخلافة حتى كان طوقًا لمجلسها، وغلًا لمبلسها، مجليًا لدياجيرها، وركنًا لمستجيرها، ثم أتته المنايا شرعا، وبداية وما دعا.

стр. 2098

قال ابن خلكان (١): هو من مفاخر بغداد، قرأ الأدب على الخطيب التبريزي، ولازمه حتى برع في فنه، وهو ثقة، غزير الفضل، وافر العقل، مليح الخط، كثير الضبط، حسن التصانيف المفيدة، وانتشرت عنه، وكان يختار في بعض مسائل النحو مذاهب غريبة، وكان في اللغة أمثل منه في النحو، وكان إمامًا للإمام المقتفي يُصَلِّي به الفرائض، وألف له كتابًا لطيفًا في العروض. ودخل عليه أول دخلة، فما زاد أن قال: السلام على أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته، فقال له ابن التلميذ الطبيب - وكان قائمًا بين يدي المقتفي، وله إدلال الخدمة والصحبة: ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين، فلم يلتفت ابن الجواليقي إليه، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية، وروى له خبرًا في صورة السلام. ثم قال: يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن يهوديًا أو نصرانيًا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم، لما لزمه كفارة الحنث؛ لأن الله تعالى ختم على قلوبهم، ولم يفك ختم الله إلا بالإيمان. فقال له: صدقت وأحسنت فيما نقلت وكأنما ألجم ابن التلميذ مع فضله، وغزارة أدبه. وسمع ابن الجواليقي من مشايخ زمانه وأكثر، وأخذ الناس عنه علمًا جمًا، ونوادره كثيرة. ولد سنة ست وستين وأربعمائة. وتوفي يوم الأحد منتصف المحرم سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. ومنهم: [٢٧] سعيد بن المبارك بن علي الأنصاري، أبو محمد، المعروف بابن الدهان البغدادي (٢) صاحب لغة رقى صفيحها، وأبقى صحيحها، روى عن أعرابها، وتروى في

стр. 2099

إعرابها، وما زال يدعو إليها حتى أغرى بها، وأزال وحشة أغرابها، فأقام من أُمَّتِها، وجمع بين الكلمة وأختها، فاستقامت من عوجها، واستقلت من عرجها، وأصبحت به أوانس خدور وكوانس نجوم، وبدور [١] لا تخاف من نفار، ولا تخفى في أسفار، ولا تزال بها الكتب مفتحة الأبواب، مصفحة الفواتح بالذهب، والخواتم بالصواب. قال ابن خلكان (١) فيه: وكان في زمن أبي محمد ببغداد من النحاة ابن الجواليقي، وابن الخشاب، وابن الشجري، يرجحون أبا محمد عليهم مع أن كل واحد منهم إمام، ثم إن أبا محمد رحل عن بغداد إلى الموصل قاصدًا جناب الوزير الجواد جمال الدين الأصفهاني، فتلقاه بالإقبال، وأحسن إليه، وأقام مدة في كنفه، وعمي لكثرة ما كان يبخر كتبه التي غرقت باللاذن (٢). ومولده عشية الخميس لخمس بقين من رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة. وتوفي يوم الأحد من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة. وله شعر، أنشد له قوله: [من البسيط] لا تجعل الهزل دأبًا فهو منقصةٌ … والجدُّ تعلو به بينَ الورَى القِيمُ فلا يغرنكَ مِنْ مَلْكِ تبسّمُهُ … ما تَصْخَبُ السحب إلا حين تبتسم وقوله: [من المجتث] لا تحسَبَنْ أنَّ بالشِّعْـ … ر مثلنا ستصيرُ فللدجاجةِ ريش … لكنَّها لا تَطيرُ

стр. 2100

وقوله: [من مجزوء الكامل] لا غرو أن أخشى فرا … قكُمُ وتَخشاني الليوث او ما تَرَى الثوب الجديـ … دَ مِنَ التفرق يستغيث وكان له ولد وهو أبو زكريا يحيى، وكان أديبًا شاعرًا. ومن شعره: [من الخفيف] إن مدحت الخُمول نبهتُ أقوا … ما نِيامًا فسابقوني إليه هوَ قَدْ دَلَّني على لذَّةِ العَيـ … شِ فما لي أدلُّ غَيري عليه وقوله: [من الوافر] وعهدي بالصبا زَمَنًا وقَدِّي … حَكَى أَلفَ ابن مقلة في الكتاب فصرتُ الآن منحنيًا كأنّي … أُفتِّشُ في التَّرَابِ على شبابي وقوله مما يعزى إليه، وإنما هي لأبيه: [من البسيط] بادر إلى العيش والأيام راقدةٌ … ولا تكن لصروف الدهر تنتظر فالعمر كالكأس يبدو في أوائِلِهِ … صفوًا وآخره في قعره الكَدَرُ وقال ابن عساكر: سمعت سعيد بن الدهان يقول: رأيت في النوم منشدًا ينشد محبوبه: [من مجزوء الرمل] ايها الماطل ديني … أَمَلِي وتماطل؟ عَلِّلِ القَلْبَ فإنّي … قانع منك بباطل وهذا آخر ما ذكرناه من أهل اللغة بالجانب الشرقي إلى حين انقطع بهم الزمان، ولم يوجد به من نصلهم به إلى الآن.

стр. 2101

فأما من في الجانب الغربي من أهل هذا الشأن، فإنما طنت لغة العرب في آذانهم، وتعلموا النطق بلسانهم بعد أن أتى عليهم حين من الدهر، وأمسكت مخانقهم بيد القهر. فمنهم: [٢٨] أحمد بن إبراهيم بن أبي عاصم أبو بكر، اللؤلؤي، النحوي، القيرواني (١) صاحب لغة حقق علومها، وحرر عمومها، وخَطَم أنوفها، وعلم صنوفها، واقتادها ذللًا، ونشرها حللًا، وجمع نسائتها، واستدرك فوائتها، ولم يقنع من الدنيا بدونها، ولا نزل بأرض هدونها، تخيم ليشرف على الهضاب، وحتم ألا يشرب إلا الرضاب، وكان لا يسرح إلا في أندية مرهومة، ولا يرى لديه إلا أردية مرقومة، والقروم قدامه جاثية، والأيدي مما لديه حاثية. وكان من النقاد العلماء في الغريب، والنحو، وشعر العرب، وله الشعر الفائق، ثم تركه في الآخر، وأقبل على طلب الحديث والفقه. وتوفي سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، وله ست وأربعون سنة. ومنهم: [٢٩] أحمد بن أبان بن سيّد اللغوي، صاحب شرطة قرطبة (٢) دافع الصفوف، ودارى الصروف، وتفرغ للعلم والموانع شاغلة، والمواضع فتنها شاملة، والأوقات أضيق من حلقة الخاتم وأتعب من قعدة الجاثم، لا يقلب

стр. 2102

المحدق بصرًا، ولا ينطق المنطق حصرًا، وكان إذا سئل ورد الجياد بباحته، ولم يخرج النطق منه إلا لحاجته، هذا لأنه لا يتكلم بمجان، ولا يزال كأنه يتكمم ولسانه يهتز كأنه جان، وكان ظنه يصدق ولا يتوهم، وفنه وما راق من برد الليل المسهم. وكان مقدمًا في معرفة اللغات، ذا قلم جار، صنف كتاب «العالم في اللغة» مائة مجلد على الأجناس، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة. ومنهم: [٣٠] تمام بن غالب بن عمر اللغوي المُرسي، أبو غالب التَّيَّانِي (١) من أهل قرطبة، سكن مُرْسِيَّة، بلغ فضله حد الاستفاضة، وصعب جامح العلم فَراضَه، وقضت له الرتبة أن يكون صدر مجالسها، وأنس مجالسها، فأضاء في غسقها، وأضاف فرائده إلى نسقها، ولم يزل نحولي أوانسها، ويجمع كنائسها، فقرر القواعد، وأنجز المواعد، وأسعفه الزمان المساعد، وعنى بالغرائب حتى ردها إلى الرياض، وأوردها على الحياض، فوصل الأسباب، وسمعت منه كل طنانة لعنبره منها هزج الذباب. كان مقدمًا في علم اللسان أجمعه، مسألة له اللغة، طلب إليه أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامري لما غلب على مرسية أن يزيد في كتابه في اللغة: «مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد» ووجه إليه بألف دينار، فامتنع وقال: لا أستجيز الدنيا بالكذب، فإنما صنفته للناس عامة.

стр. 2103

توفي بالمرية سنة ست وثلاثين وأربعمائة. ومنهم: [٣١] علي بن أحمد - وقيل: ابن إسماعيل - أبو الحسن ابن سيد الأندلسي (١) الضرير رجل مشهور، كأنَّ الداعي باسمه صرخ، وكأن الدهر بعلمه لما تقدم نسخ، لم يقاومه بصير، ولا لازمه إلا من حسن له المصير، أحاط باللغة علمًا، وكشف منها كل معمى، وبصر بطرقها وهو أعمى، وجمع ما ضرب عليه نطاقها، وحديث إليه بناقها، وصعد لارتقائه الكتب، وحط عن نقابه في الكتب، ثم عمل له صوانًا، وجعل له ديوانًا، ومنه يكشف كل مبهم، ويكف من لم يفهم، فمنه غاية الكشف، وبه مهاية الكف. قال ابن خلكان (٢): كان إمامًا في اللغة والعربية، استولى في آخر عمره على صاعد البغدادي، وعلى أبي عمر الطلمنكي، وألف «المحكم في اللغة» نحو عشرين

стр. 2104

مجلدًا. لا يعرف قدره إلا من وقف عليه، فلو حلف الحالف أنه لم يصنف مثله لم يحنث. وكان نادرة وقته، وله شعر جيد، وكان منقطعًا إلى الأمير أبي الجيش مجاهد ابن عبد الله العامري، وكان أعمى ابن أعمى. توفي سنة ثمان وخمسينوأربعمائة، وكانت وفاته بدانية لأربع بقين من ربيع الآخر. ومنهم: [٣٢] علي بن جعفر بن علي السعدي الصقلي، اللغوي، الكاتب المعروف بابن القطاع (١) بطل لا يناجز. وجبل لا يناهز أعجز بحره مَنْ عَامَ، له ورد بحره كل كمي هز عامله. قعد للإفادة كل أيامه يتيح غدر طرفيها، وراد ويلز سفيها يتعدى وورادًا حتى أفاق آنية أفهامهم فأترعها، وأخصب أندية أيامهم فأمرعها. ونقلت الألسنة سمعتها، فملأت بها الآذان، ونقلتها إلى حيث تسمع الأذان، تجاوز محدودًا، ولم يكن مثله في القوم على كثرتهم معدودًا، فلهذا عرف معماه، وبقي اسمه، وقد ذهب مسماه. ولد بصقلية سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وقرأ على ابن البر اللغوي، وله التصانيف المفيدة، ورحل عن صقلية لما أشرف الفرنج على تملكها، وقدم مصر في حدود الخمسمائة، وأكرم في الدولة المصرية، وقد كان نقدة المصريين ينسبونه إلى التساهل في الرواية، فمن ذلك أنه لما قدم سألوه عن كتاب الصحاح للجوهري، فذكر أنه لم يصل إليهم، ثم لما رأى اشتغالهم به ركب له طريقًا، وأخذ الناس عنه مقلدين

стр. 2105

له، وكان ذكيًا شاعرًا. توفي في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة. ومنهم: [٣٣] أبو عبد الله، محمد بن الصايغ القرشي الأموي (١) أغزر من أعرف أدبًا، وألف في تحصيله دأبًا، وأنقد من رأيت لمعنى، وأوقد من رضيت ذهنًا، هو في اللغة إمام مبرز، بجميع كلام العرب محرز، مع نحو ما ترك منه شعبًا، ولا خلى من العربية ذلولًا ولا صعبًا، ملك نوافر الكلم، حتى اقتاد جوامحها، وارتاد مسارحها، وسدَّ في العروض خلل الخليل، وبرز على التبريزي في مصنفه الجليل، وطرق قدامة بن الحاجب حاجبًا، وانقطع ابن القطاع وما أدى واجبًا، وركب بحوره ولم يخش الغرق، وأتى بقوافيه وما أزعجها في أماكنها القلق، وله في الصناعتين ما فاق الدرر مقرطة وسلكًا، ولم يخط خطيةً منها مخلوجة وسلكي، أدب ولدي، وبث فرائده لدي، طالما اجتنيت منه ثمرًا، واختليت قمرًا، واجتليت منه بالمذاكرة سمرًا، وهو ممن يأوي بالمرية إلى بيت عريق، وأصل مرواني أينع له غصن وريق. ذكر أنه من ولد هشام بن عبد الملك، وأنه من النسب الأموي في السنام لا في الورك نسبة تداولتها ولاة بيته، ورواة بلده عن حيه وميته. وها هو الآن بالقاهرة أحد أعلامها المطبب لسقام الأمها، والمطنب في محاسن كلامها، وما النيل من خلائقه الحسنى بأعذب ولا المغناطيس من إبداعه بأجذب. ومن نثره قوله: وقف الحجاج ووقفنا، دون ما عهد إلينا، وسعوا وسعينا فيما تعود لأئمته علينا. قوله: نفروا وأثقلنا الوزر عن الارتكاص، وأفاضوا وأفضنا، بقداح القدح في الاعراض.
следующие страницы →