فأما من في الجانب الغربي من أهل هذا الشأن، فإنما طنت لغة العرب في آذانهم، وتعلموا النطق بلسانهم بعد أن أتى عليهم حين من الدهر، وأمسكت مخانقهم بيد القهر.
فمنهم:
[٢٨] أحمد بن إبراهيم بن أبي عاصم أبو بكر، اللؤلؤي، النحوي، القيرواني (١)
صاحب لغة حقق علومها، وحرر عمومها، وخَطَم أنوفها، وعلم صنوفها، واقتادها ذللًا، ونشرها حللًا، وجمع نسائتها، واستدرك فوائتها، ولم يقنع من الدنيا بدونها، ولا نزل بأرض هدونها، تخيم ليشرف على الهضاب، وحتم ألا يشرب إلا الرضاب، وكان لا يسرح إلا في أندية مرهومة، ولا يرى لديه إلا أردية مرقومة، والقروم قدامه جاثية، والأيدي مما لديه حاثية.
وكان من النقاد العلماء في الغريب، والنحو، وشعر العرب، وله الشعر الفائق، ثم تركه في الآخر، وأقبل على طلب الحديث والفقه.
وتوفي سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، وله ست وأربعون سنة.
ومنهم:
[٢٩] أحمد بن أبان بن سيّد اللغوي، صاحب شرطة قرطبة (٢)
دافع الصفوف، ودارى الصروف، وتفرغ للعلم والموانع شاغلة، والمواضع فتنها شاملة، والأوقات أضيق من حلقة الخاتم وأتعب من قعدة الجاثم، لا يقلب
стр. 2102
المحدق بصرًا، ولا ينطق المنطق حصرًا، وكان إذا سئل ورد الجياد بباحته، ولم يخرج النطق منه إلا لحاجته، هذا لأنه لا يتكلم بمجان، ولا يزال كأنه يتكمم ولسانه يهتز كأنه جان، وكان ظنه يصدق ولا يتوهم، وفنه وما راق من برد الليل المسهم.
وكان مقدمًا في معرفة اللغات، ذا قلم جار، صنف كتاب «العالم في اللغة» مائة مجلد على الأجناس، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة.
ومنهم:
[٣٠] تمام بن غالب بن عمر اللغوي المُرسي، أبو غالب التَّيَّانِي (١)
من أهل قرطبة، سكن مُرْسِيَّة، بلغ فضله حد الاستفاضة، وصعب جامح العلم فَراضَه، وقضت له الرتبة أن يكون صدر مجالسها، وأنس مجالسها، فأضاء في غسقها، وأضاف فرائده إلى نسقها، ولم يزل نحولي أوانسها، ويجمع كنائسها، فقرر القواعد، وأنجز المواعد، وأسعفه الزمان المساعد، وعنى بالغرائب حتى ردها إلى الرياض، وأوردها على الحياض، فوصل الأسباب، وسمعت منه كل طنانة لعنبره منها هزج الذباب.
كان مقدمًا في علم اللسان أجمعه، مسألة له اللغة، طلب إليه أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامري لما غلب على مرسية أن يزيد في كتابه في اللغة: «مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد» ووجه إليه بألف دينار، فامتنع وقال: لا أستجيز الدنيا بالكذب، فإنما صنفته للناس عامة.
стр. 2103
توفي بالمرية سنة ست وثلاثين وأربعمائة.
ومنهم:
[٣١] علي بن أحمد - وقيل: ابن إسماعيل - أبو الحسن ابن سيد الأندلسي (١) الضرير
رجل مشهور، كأنَّ الداعي باسمه صرخ، وكأن الدهر بعلمه لما تقدم نسخ، لم يقاومه بصير، ولا لازمه إلا من حسن له المصير، أحاط باللغة علمًا، وكشف منها كل معمى، وبصر بطرقها وهو أعمى، وجمع ما ضرب عليه نطاقها، وحديث إليه بناقها، وصعد لارتقائه الكتب، وحط عن نقابه في الكتب، ثم عمل له صوانًا، وجعل له ديوانًا، ومنه يكشف كل مبهم، ويكف من لم يفهم، فمنه غاية الكشف، وبه مهاية الكف.
قال ابن خلكان (٢): كان إمامًا في اللغة والعربية، استولى في آخر عمره على صاعد البغدادي، وعلى أبي عمر الطلمنكي، وألف «المحكم في اللغة» نحو عشرين
стр. 2104
مجلدًا. لا يعرف قدره إلا من وقف عليه، فلو حلف الحالف أنه لم يصنف مثله لم يحنث.
وكان نادرة وقته، وله شعر جيد، وكان منقطعًا إلى الأمير أبي الجيش مجاهد ابن عبد الله العامري، وكان أعمى ابن أعمى.
توفي سنة ثمان وخمسينوأربعمائة، وكانت وفاته بدانية لأربع بقين من ربيع الآخر.
ومنهم:
[٣٢] علي بن جعفر بن علي السعدي الصقلي، اللغوي، الكاتب المعروف بابن القطاع (١)
بطل لا يناجز. وجبل لا يناهز أعجز بحره مَنْ عَامَ، له ورد بحره كل كمي هز عامله. قعد للإفادة كل أيامه يتيح غدر طرفيها، وراد ويلز سفيها يتعدى وورادًا حتى أفاق آنية أفهامهم فأترعها، وأخصب أندية أيامهم فأمرعها. ونقلت الألسنة سمعتها، فملأت بها الآذان، ونقلتها إلى حيث تسمع الأذان، تجاوز محدودًا، ولم يكن مثله في القوم على كثرتهم معدودًا، فلهذا عرف معماه، وبقي اسمه، وقد ذهب مسماه.
ولد بصقلية سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وقرأ على ابن البر اللغوي، وله التصانيف المفيدة، ورحل عن صقلية لما أشرف الفرنج على تملكها، وقدم مصر في حدود الخمسمائة، وأكرم في الدولة المصرية، وقد كان نقدة المصريين ينسبونه إلى التساهل في الرواية، فمن ذلك أنه لما قدم سألوه عن كتاب الصحاح للجوهري، فذكر أنه لم يصل إليهم، ثم لما رأى اشتغالهم به ركب له طريقًا، وأخذ الناس عنه مقلدين
стр. 2105
له، وكان ذكيًا شاعرًا.
توفي في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة.
ومنهم:
[٣٣] أبو عبد الله، محمد بن الصايغ القرشي الأموي (١)
أغزر من أعرف أدبًا، وألف في تحصيله دأبًا، وأنقد من رأيت لمعنى، وأوقد من رضيت ذهنًا، هو في اللغة إمام مبرز، بجميع كلام العرب محرز، مع نحو ما ترك منه شعبًا، ولا خلى من العربية ذلولًا ولا صعبًا، ملك نوافر الكلم، حتى اقتاد جوامحها، وارتاد مسارحها، وسدَّ في العروض خلل الخليل، وبرز على التبريزي في مصنفه الجليل، وطرق قدامة بن الحاجب حاجبًا، وانقطع ابن القطاع وما أدى واجبًا، وركب بحوره ولم يخش الغرق، وأتى بقوافيه وما أزعجها في أماكنها القلق، وله في الصناعتين ما فاق الدرر مقرطة وسلكًا، ولم يخط خطيةً منها مخلوجة وسلكي، أدب ولدي، وبث فرائده لدي، طالما اجتنيت منه ثمرًا، واختليت قمرًا، واجتليت منه بالمذاكرة سمرًا، وهو ممن يأوي بالمرية إلى بيت عريق، وأصل مرواني أينع له غصن وريق.
ذكر أنه من ولد هشام بن عبد الملك، وأنه من النسب الأموي في السنام لا في الورك نسبة تداولتها ولاة بيته، ورواة بلده عن حيه وميته.
وها هو الآن بالقاهرة أحد أعلامها المطبب لسقام الأمها، والمطنب في محاسن كلامها، وما النيل من خلائقه الحسنى بأعذب ولا المغناطيس من إبداعه بأجذب.
ومن نثره قوله: وقف الحجاج ووقفنا، دون ما عهد إلينا، وسعوا وسعينا فيما تعود لأئمته علينا.
قوله:
نفروا وأثقلنا الوزر عن الارتكاص، وأفاضوا وأفضنا، بقداح القدح في الاعراض.
стр. 2106
قوله:
ران الهوى على القلب ففسد، وسرى الحسد فينا سرى الروح في الجسد.
قوله:
قست القلوب، فما تتأثر لزجر زاجر، وحضرت مجالس الذكر، وكأن ليس بالمحاضر حاضر.
قوله: استيقظوا فقد لاح نور الصباح، وأجيبوا فقد حيعل داعي الفلاح وأصلحوا أحوالكم فقد فاز بالجنة أهل الفلاح.
قوله: وأضرعوا إلى الله فيما ينجيكم، وتوسلوا إليه يطعمكم فيما لديه ويرجيكم. ومن شعره قوله: [من الكامل]
بَرْقُ الثنية أم ثناياك التي … خَطَفَ الفؤاد ببرقها الخَطَّافِ
مراك بستاني وذكركَ مُطربي … وهواكَ سُكري لا كؤوس سُلاف
سلسالُ وِرْد لو يُباحُ لظامي … ورياضُ وَرْدٍ لو دنت لقطاف
غارت فغارت منه أقمار الدجى … لما انجلى في فرع ليل صافي
تقسو عليَّ وما بها لو أنها … رقَّتْ لرقة قلبي الترجاف
سائل رياض الحُسنِ مِنْ وجناتها … ما أنبت الاغصان في الأحقاف
وقوله: [من الكامل]
بعد المزار ولوعة المُشتاقِ … حَكَمَا يفيض مدامع الآماق
أمعللي إن التواصل في غدٍ … مَنْ ذا الذي لغد فديتك باقي
عج بالمَطِيِّ على الحِمَى سُقيَ الحِمَى … صَوبًا كصَيِّبِ دمعي الرقراق
فيه لذي القلب السليم وداده … قلب سليم ما له من راقي
قلبٌ عَداهُ فِراقكم فارقته … لا كان في الأيام يوم فراق
وهذا آخر من ذكرناه من أهل اللغة بالجانب الغربي.
стр. 2107
[مشاهير علماء اللغة في مصر]
فأما من وقع بمصر منهم وأمثلهم:
ومنهم:
[٣٤] جمال الدين بن المكرم (١)
وهو من ولد رويفع بن رفاعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ
مقيم لأثرة إحسان، ومقيل لعثرة لسان حصل على شرف لا ينال، وطرف دونه النجم في المنال، ولم يتخذ سوى الليل سميرًا، ولا غير طلب العلم ضميرًا، فلم يذق النوم إلا غرارًا، ولا عرف الليل إلا سرارًا، وكتب على عينه السهر، ومنادمة الكواكب إلى السحر، فأحيا الليالي، وقد مات حنين النهار في أحشائها، وذهب لجين الصباح في ذهب عشائها، وتوقد وقد طفئت شعلة المريخ، ولم يحصل شفق النهار إلا على
стр. 2108
التلطيخ، فكتب أوقارًا، ودأب ليلًا ونهارًا، حتى كف بصره، وثنى عنانه مقصره، على أنه كان مولعًا برضاع الكؤوس، ورضا الكاعب العروس.
ووالى التتار حين غلبتهم، وجرى معهم في حلبتهم، ثم ذهب وكان يقال له أنه يكون منظرًا، ووجدوا ما عملوا محضرًا،. كان أبوه جلال الدين مكرم ممن له اتصال بخدمة الملك الكامل، وحضور في مجلسه الخاص كالنديم له، وكان من ذوي المروءة والعصبية، كثير العناية بالناس، وقضاء حاجة ذوي الحاجات، ودام على هذا إلى الممات وفيه قيل: [من مجزوء الكامل]
قالوا المكرَّم قدْ مَضَى … قلتُ السلام عليكِ مصر
ما بَعد يوم مكرَّم … للفضل إما عاش عذر
ونشأ ولده، وقرأ الأدب، وتأدب، وصحب شرف الدين أبا العباس التيفاشي، وأخذ عنه، واستمد منه، وألف كتاب «سرور النفس مما كان التيفاشي جمعه، وظن به فما أبرزه من خدره ولا أطلعه، وهو كتاب ممتع فيه لأهل المحاضرة مقنع، وكتب جمال الدين بديوان الإنشاء بمصر، وترقى حتى جلس في الدست لقراءة القصص، والتوقيع عليها.
ولما قدم السلطان محمود غازان دمشق، كان فيمن كتب له، وكتب التقاليد لقبجق، وبكتمر السلحدار، والفارس البكي.
وكان قادرًا على كثرة الكتابة، مطيقًا لها، مع اطلاع كثير على فنون عدة. ألف في اللغة كتابًا جليلًا أظنه سماه: نهاية الأرب في لغة العرب» جمع فيها مشاهير كتب اللغة الجليلة، ورتبه ترتيب الجوهري لكتاب «الصحاح» وكتب عليه شيخنا أبو الثناء محمود الحلبي، وأبو حيان بتقريظ الكتاب وشكره.
ووقفت على أجزاء منه على كل منها تقريظ خاص منه قول شيخنا أبي الثناء: وكان ابن المكرم مغرى باختصار الكتب المطولة، فمما اختصر تاريخ الحافظ أبي بكر الخطيب، والذيل عليه لابن النجار، وتاريخ الحافظ أبي القاسم بن عساكر، والجامع في المفردات لابن البيطار، ورأيت أطباء ديار مصر الأجلاء كالسيد الدمياطي، وفرج الله بن صغير وغيرهما يثنون على حسن اختياره، ويقولون إنه مع اختصاره لم يخل فيه بمقصدٍ من مقاصده، ولا ترك موضعًا لم يأت عليه من فوائده، إلى غير هذا مما كتب، [آونة اجتنى]، وآونة احتطب.
وكان على هذا كله مقصرًا في صناعة الإنشاء غير محصد الرشاء، على أنه كان يأتي بالأبيات من الشعر، وإن لم يكن مما يبهر حسنها، ولا يسرف فنها، وكلها من
стр. 2109
باب المقبول، أو ما يدانيه، ويقال إنه كتب بخطه خمسمائة، وكان كل ما يكتبه على طريقة واحدة بقلم دقيق كتابة مغلقة التعليق لا يكاد يبين، ولم يزل يكتب، ويسهر الليل في الكتابة حتى كان يقضي الليالي الطوال كلها سهرًا، لا يلم فيها بكرى، ولا يطعم جفونه فيها بهجعة، وكان يتخذ إلى جانبه إناء فيه ماء، فإذا غالبه السهر، وكاد يصرعه الكرى، أخذ من الماء فسكب في عينيه، فعمي وعدم نور بصره، وحبس في محبس العمى في آخر عمره، وكان مع هذا رجلًا مغرمًا بالنساء، مغرى بالنكاح، لا تكاد تربط له تكة، ولا تقبض عنه مسكة، إلى ولع كما يقال بالخمر. عفى الله عنه، لا يترك كؤوسها عن مطاراحه، ولا يتعداها أمل اقتراحه. وكان رفقته يعيرونه بشرب الخمر، ويسمعونه فيها الملام، ويلحقون بسببه عليه الكلام، وكان يحتمل ويتدرع الصبر ويشتمل، فإذا أمضته ألسنتهم الراشقة، وطعنته أسنتهم الماشقة قال: آه لو كان للزنا واللواط رائحة تشم مثل رائحة الخمر حتى يهتك كل مستتر. ولكن بليت بما تشم له رائحة وابتلوا بما لا تشم له رائحة. وتزوج قريب موته من بنت أقوش قتال السبع، وكان أحد أمراء الدولة الأكابر فكان يطير بجناحيه، ويقاتل رفاقه المعتدين عليه بسلاحه، وكان ينسب إلى قضم الأعراض، وهتك الأحساب، والتجوز في الأذى والتقصد والضرر.
ومنهم:
[٣٥] محمد بن إبراهيم النجادي، البجلي (١)
لغوي سوى كلامه الذي يلقى، وغير كما من النقص الذي به يطغى، أتقن لغة العرب وضبطها، وقيد شواردها النادرة كالإبل وربطها، لا يدانيه ابن قريب، ولا أبو عبيدة له إلا من عبيد العريب، زين هذا بتفنن في الأدب، وتنوع في العلم مكتسب، وكان يتونس في ذرى ملك كسا العلا أثواب البقا، وعلا السماء مرتقى، وفضل أجود من الغمام، وإن لم تسأل حوى سبقًا ففات الأمم وفاء محاماة على الذمم.
وقد ذكره شيخنا أبو حيان وأثنى عليه بما لا تذهبه الأحيان، ومما أنشد له
قوله: [من مجزوء الرجز]
كم قلتُ إذ عِذارُ مَنْ … كانَ الفؤاد منزلة
стр. 2110
يا أشري خَدِّهِ … إِنِّي مِنَ المعتزلة
وقوله: [من البسيط]
قطفت باللحظ مِنْ بُستان وجنته … تفاحةً ضَرَّجَتْها حُمْرَةُ الخَفَرِ
وقلت هذا أمان من قطيعته … فالشرعُ قَدْ نَصَّ أنْ لا قطع في الثمر
* * *
стр. 2111
[مشاهير علماء النحو]
стр. 2112
[مشاهير علماء النحو بالجانب الشرقي]
وأما علم النحو: الذي هو رأس علوم الإسلام وبه تتبين سبل الكلام، فإنما نبع من المشرق، وامتد منه سحابه المغدق، ثم منه بقية الآفاق امتاروا، وحملت أهل المغرب أوقار الركائب وساروا.
وسنذكر إن شاء الله مشاهير أهله، وننبه على فضل كل منهم ونبله، ونبدأ بأول من وضع هذا العلم.
وهو:
[١] أبو الأسود الدؤلي، ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة (١)
أول أهل النحو، هذا الذي استنبط معينه، واستنشط معينه، وانتصر للعرب وقد
стр. 2113
فسدت ألسنتها، وخفيت حسنتها، وقام قيامًا حملته عليه العربية، وحمية الغضب لهم والعصبية. ورأى العرب وقد استوطنت ريف العراق، وكثر اختلاطها بفارس والروم وسائرأخلاط العجم، وانحبس من قطرها ما انسجم، وزاده استفهام أثبته عن الأحسن من نجوم السماء ما زاد باعثه وأحدث حادثه. فبات بليلة كأنما قصت قوادم غرابها، ولم ير من عذر الصباح إلا لوامح سرابها، فلما انفجر دمل ليله، وقرت في منبثق النهار قرارة سيله، أتى مدينة العلم من بابها، وهب إلحاحته ما أعد من أسبابها، فقوم له أمير المؤمنين علي ﵁ ذلك المناد، وعاد صلاحه على ذلك الفساد، وعلمه كلمات بها تاب الله على لسان العرب، وأمسك منه ما كان قد اضطرب.
ويروى أن الذي قال له: الكلمات ثلاث لم يزده عليها، وقال بعضهم قال له:
стр. 2114
الكلمات ثلاث: اسم وفعل وحرف. وقال آخرون: قال له: اعلم أن الكلمات ثلاث لا يمكن الزيادة عليها ولا النقص منها، وهي: اسم وفعل وحرف.
وقد زعم كثير أنه إنما استأذن في ذلك زياد ابن أبيه، فقال له هذا الكلام، والأول أثبت لصحبته لعلي ﵁؛ ولأن الحكمة منه أشبه.
قال ابن خلكان (١): كان من سادات التابعين، وصحب علي بن أبي طالب ﵁؛ وشهد معه صفين، وهو بصري، وكان من أكمل الرجال رأيًا، وأشدهم عقلًا وهو أول من وضع النحو، فقيل: إنَّ عليًا ﵁ وضع له الكلام، فقال: الكلام كله ثلاثة أضرب: اسم وفعل وحرفٌ. ثم دفعه إليه، وقال له: تمم على هذا.
وقيل: إنه كان يعلم أولاد زياد ابن أبيه، وهو والي العراقين يومئذ، فجاء يومًا فقال: أصلح الله الأمير إني رأيت العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وتغيرت ألسنتهم، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون كلامهم: قال: لا، فجاء رجل إلى زياد وقال: أصلح الله الأمير توفي أبانا وترك بنون، قال: ادعو إلي أبا الاسود، فلما حضر، قال: ضع للناس الذي كنت نهيتك أن تضع لهم.
وقيل: إنه دخل يومًا بيته، فقال له بعض بناته: يا أبت ما أحسن السماء!
[فقال: يا بنية نجومها] (٢)
فقالت: إني لم أدر أي شيء منها أحسن (٣).
وحكى ولده أبو حرب قال: أول باب وضع أبي باب التعجب، وسمي النحو
стр. 2115
نحوًا لأن أبا الأسود قال: استأذنت على علي بن أبي طالب أن أضع نحو ما وضع فسمي لذلك (١).
وكان لأبي الأسود بالبصرة دار، وله جار يتأذى منه، فقيل له: بعت دارك، فقال: بعت جاري فأرسلها مثلًا (٢).
وأنشد من شعره قوله: [من الوافر]
وما طلب المعيشة بالتمنّي … ولكن ألق دلوك في الدلاء
يجيء بملئها طورًا وطورًا … تجيء بحمأة وقليل ماء (٣)
وقوله: [من الكامل]
صبغت أمية بالدماء أكفنا … وطوت أمية دوننا دنياها (٤)
ويحكى أنه أصابه الفالج، وكان يخرج إلى السوق يجر رجله، وكان موسرًا ذا عبيد وإماء. فقيل له: قد أغناك الله تعالى عن السعي في حاجتك، فلو جلست في بيتك؟، فقال: لا، ولكني أخرج وأدخل فيقول الخادم قد جاء، ويقول الصبي قد جاء، ولو جلست في البيت فبالت علي الشاة ما منعها أحد عني (٥).
وكان معروفًا بالبخل، وكان يقول: لو أطمعنا المساكين في أموالنا، لكنا أسوأ حالًا منهم.
وقال لبنيه: لا تجاودوا الله، فإنه أجود وأمجد، ولو شاء أن يوسع على الناس كلهم، لفعل، ولا تجهدوا أنفسكم في التوسع، فتهلكوا هزالًا.
وسمع رجلًا يقول: من يُعشّي الجائع؟ فقال: عليَّ به. فعشاه، ثم ذهب ليخرج، فقال: أين تريد؟ فقال: أهلي، فقال: هيهات ما عشيتك إلا على أن لا تؤذي المسلمين الليلة، ثم وضع في رجله القيد حتى أصبح.
وتوفي بالبصرة سنة تسع وستين من الهجرة.
ومنهم:
стр. 2116
[٢] عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، أبو بحر النحوي، العلامة، البصري، حليف عبد شمس (١)
رجل لا ينال بالآمال، ولا يطال بالأعمال. طار وراء الظلماء، وسبح في غدير السماء، سفحت سماوات أمطاره، وسمحت غايات أوطاره، وكان في يده قلم التصنيف، فتصادحت الحمائم على أنهاره، وصفحت حديدة ليله بفضة نهاره. طالما قاطع جفنه الكرى على أن لا يعود، ولا يطمع إنسان عينه منه بوعود، فما رنقت سِنَةٌ في أجفانه، ولا تدفقت إلا شعبة من طوفانه.
قيل، إنه أول من صنف، وقيل: بل هو من دون النحو، وقيل: غير هذا. أخذ القرآن عن يحيى بن يعمر (٢)، ونصر بن عاصم (٣)، وأثنى عليه يونس بن حبيب، وبالغ في وصفه.
وقال محمد بن سلام: أول من بَعَجَ النحو، ومدَّ القياس، وشرح العلل عبد الله بن أبي إسحاق، وكان أشدَّ قياسًا، وكان أبو عمرو بن العلاء أوسع بكلام العرب، وجمع بينهما بلال بن أبي بردة أيام هشام بن عبد الملك.
قال يونس: قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق يومئذ بالهمز، فنظرت فيه بعد، وبالغت فيه.
وقال يونس: كان أبو عمرو أشد تسليمًا للعرب، وكان ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر يطعنان على العرب.
توفي في سنة عشرين ومائة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وكان يعيب الفرزدق في
стр. 2117
شغله، وينسبه إلى اللحن، فهجاه الفرزدق بقوله: [من الطويل]
فلو كان عبد الله مولّى هجوتُهُ … ولكنَّ عبد الله مولى مواليا (١)
فقال له عبد الله: لحنت أيضًا في قولك مولى مواليا. ينبغي أن تقول مولى موال.
ومنهم:
[٣] أبو عمرو، عيسى بن عمر الثقفي، البصري، المقرئ، النحوي (٢)
ألف أشباهًا، وألف طريقةً لا تخاف اشتباهًا، وقام بالعربية مقام أحراسها، وجاء يسوقها بأحلاسها، فنطق بلسانها، وسبق إليها من غذى بلبانها، ووجه بفطنته عمل العوامل، ولم يقتل بفطرته عذل العواذل، ولم يزل حتى انقادت له في انتانها، وعادت إليه بعد ليانها، فقلدته السراة النحور، وفدته بما بين الخصور والنحور، فزاد على المراد، وأتاه النحو نحو ما أراد.
قيل: هو مولى خالد بن الوليد نزل في ثقيف، وكان من طبقة أبي عمرو بن العلاء، وعنه أخذ الخليل بن أحمد. ويذكر أن عيسى صنف نيفًا وسبعين مصنفًا في النحو، وأن بعض الأغنياء جمعها، وأتت عليها آفة فهلكت.
وقيل: إن مادة كتاب سيبويه من كتاب «الجامع» لعيسى بن عمرو، وله كتاب «الإكمال» وفيه أنشد الخليل بن أحمد يخاطب سيبويه (٣): [من الرمل]
بطل النحو جميعًا كلُّهُ … غير ما أحدث عيسى بن عُمَرْ
ذاك إكمال وهذا جامع … فهما للناس شمس وقَمَرْ
وقال محمد بن سلام الجمحي (٤): كان عيسى بن عمر ينزع إلى النصب إذا اختلفت العرب.
ويقال: إن أبا الأسود الدؤلي لم يضع من النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط،
стр. 2118
وأن عيسى بن عمر وضع كتابًا على الأكبر وبوبه، وكان يطعن على العرب، ويخطئ مثل النابغة، وكان صاحب تقعير في كلامه، واستعمال للغريب.
وكان بعض جلساء خالد بن عبد الله القسري قد أودعه شيئًا، فنمي ذلك إلى يوسف بن عمر، وكتب إلى واليه بالبصرة يأمره بحمل عيسى بن عمر مقيدًا، فدعا به، وأمر الحداد بتقييده، وقال: لابأس. إنما أرادك الأمير لتأديب ولده. قال فما بال القيد إذًا؟ فبقيت مثلًا بالبصرة. فلما ضربه يوسف بالسياط جزع وأقر فأخذت الوديعة منه، وأدركه بعد ذلك ضيق نفس فكان يداويه بإجاص يابس وسكر.
قال ابن معين (١): عيسى بن عمر بصري ثقة، ووقع مرةً في الطريق من ضيق
стр. 2119
النفس فدار الناس حوله يقولون: مصروع فمن بين قارئ ومعوذ. فلما أفاق نظر إلى ازدحامهم، فقال: ما لي أراكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جِنَّةِ! افرنقعوا عني. فقال رحل: إن جنية هذا تتكلم بالهندية.
توفي سنة تسع وأربعين ومائة قبل أبي عمرو بخمس سنوات.
ومنهم:
[٤] الأخفش الكبير، عبد الحميد بن عبد المجيد أبو خطاب (١)
مسرج جذوة، ومبهج جلوة امتدت أفياؤه، واعتدت للمحاسن أحياؤه، وتحصنت ربائبه في كناسها، وتحسنت في أجناسها، وضاءت في الليل البهيم، وضاعت في ربى الروض النسيم، وأتت مسرح طرف، ومطمح رجاء من صرف، وكان لا يخلو مجلسه من منتدين، ويكنسه من خلال للمهتدين.
стр. 2120
هذا وهو أحد الأئمة الذين يهدون، وأعلام الأئمة الذين ينتدون، وكان بحرًا لا تسد لبعض نبعه، ولا تجاريه إلا تفتر بخيام غمام، وأطناب برقه.
وأخذ عن أبي عمرو بن العلاء وطبقته، وأخذ عنه أبو عبيدة، وسيبويه، والكسائي، ويونس بن حبيب، وكان دينًا ثقة ورعًا.
قال المرزباني (١): هو أول من فسر الشعر تحت كل بيت منه، وما كان الناس يعرفون ذلك قبله، وإنما كانوا إذا فرغوا من القصيدة فسروها.
وحدث الأصمعي قال: وقف أبو الخطاب على أعرابي يريد الحج، فقال: أتقرأ شيئًا من القرآن؟ قال: نعم. قال: فاقرأ. قال: [من الطويل]
فإن كنت قد أيقنت أنَّكَ مَيِّتٌ … وأنكَ مَجزيٌّ بما كنت تفعل
فكن وجلًا من سكرة الموتِ خائفًا … ليوم به عنكَ الأقارب تُشغَلُ
فقال: ليس هذا من القرآن! قال: فاقرأ أنت، فقرأ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٢). فقال: هذه أخت التي تلوتها سواء إلا أنها بعد لم تنتظم لك. وكان له أشياء، ينفرد بها عن العرب.
стр. 2121
والأخافش أربعة، هذا أولهم، والأوسط: سعيد بن مسعدة (١) صاحب سيبويه، والصغير: علي بن سليمان (٢)، والرابع اسمه عبد العزيز بن أحمد المغربي الأندلسي، أبو الأصبغ (٣).
ومنهم:
[٥] الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم (٤) الفرهودي، الأزدي، أبو عبد الرحمن
هز من أغصان الأدب وريقها، ورشف ألسنة العرب وريقها، وهو إمام القوم،
стр. 2122
ولسان القول، رأس أهل التعليم والخليل وحاسده الكليم، ومؤسس القواعد، وإن لم يكن الخليل إبراهيم، ومستنبط العلم الذي ما سبق إليه إلا وقع خاطر امرئ قبله. افترع منه العذراء، واخترع منه ما ضبط به الشعراء، أتى منه بعلم جليل، أحسن إحسانًا أصبح فيه الناس ضيوف الخليل، استخرجه من صوت جرة تقرعها جارية تتغنى عليها، وصنفه بمكة، وشرع فيه، وهو طائف بالكعبة.
стр. 2123
وقد حكى صاحب بغية الألباء (١) في ذلك عن عبد الله بن المعتز: أن الخليل مر في سكة القصارين بالبصرة، فسمع دق الكوادين بأصوات مختلفة، فوقف يسمع اختلافه ثم قال: والله لأضعن على هذا المعنى علمًا غامضًا، فوضع العروض.
وحدث النضر بن شميل قال: كان أصحاب الشعر يمرون بالخليل، فيتكلمون في النحو، فقال الخليل: لابد لهم من أصل، فوضع العروض، وخلا في بيت، ووضع بين يديه طستًا وما أشبهه، وجعل يقرعه بعود، ويقول: مستفعلن فاعلن فعولن، فسمعه أخوه، فخرج إلى المسجد، فقال: إن أخي قد أصابه جنون، وأدخلهم، وهو يضرب الطست، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن مالك أصابك شيء؟ أتحب أن نعالجك؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: أخوك يزعم أنك قد خولطت، فأنشأ يقول (٢):
لو كنت تعلم ما أقولُ عَذرتَني … أو كنتُ تعلم ما أقولُ عَذَلتُكا
لكن جهلت مقالتي فعَذَلتَني … وعلمتُ أنك جاهل فعذَرْتُكا
ويروى أن ابنه الذي فعل ذلك.
стр. 2124
قال ابن خلكان (١): كان إمامًا في علم النحو، وهو الذي استنبط علم العروض، وحصر أقسامه في خمسة دوائر يستخرج منها خمسة عشر بحرًا، وزاد فيه سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط بحرًا سماه الخبب، وهو المتدارك.
وقيل: إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علمًا لم يسبقه إليه أحد، ولا يؤخذ إلا عنه، فلما رجع من حجه، فتح عليه بعلم العروض، وكانت له معرفة بالإيقاع والنغم.
وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني (٢) في حقه: وبعد فإن دولة الإسلام لم تخرج أبدع للعلوم الذي لم يكن لها عند علماء العرب أصول من الخليل. وليس على ذلك برهان أوضح من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذ، ولا عن مثال تقدمه احتذاه إنما اخترعه من ممر له بالصفارين من وقع مطرقة على طست. ثم قال: فلو كانت أيامه قديمة، ورسومه بعيدة، لشك فيه بعض الأمم لتصنيفه ما لم يصنفه أحد منذ خلق الله الدنيا.
стр. 2125
قال ابن خلكان (١): وكان الخليل رجلًا صالحًا، عاقلًا، حليمًا، وقورًا. ومن كلامه: لا يعرف الإنسان خطأ معلمه حتى يجالس غيره.
وقال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال. ولقد سمعته يومًا يقول: إني لأغلق بابي، فما يجاوزه همي.
وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة، وكان والي فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه، فكتب الخليل إليه (٢): [من البسيط]
أبلغ سليمان أنّي عنه في سَعَةٍ … وفي غِنّى غير أني لستُ ذا مال
شُحًا بنفسي أنّي لا أرى أحدًا … يموتُ هُزْلًا ولا يبقى على حال
الرزق على قدر لا الضعف ينقصُهُ … ولا يزيدك فيهِ حَوْلٌ مُحْتَالِ
والفقر في النفس لا في المالِ نعرفه … ومثل ذاك الغنى في النفس والمال
فقطع سليمان عنه الراتب، فقال الخليل: [من السريع]
إنَّ الذي شَقَّ فمي ضامن … للرزق حتى يتوفاني
حرمتني مالًا قليلًا فما … زادك في مالك حرماني
فبلغت سليمان، فأقامته وأقعدته، وكتب إلى الخليل معتذرًا إليه، فقال: [من البسيط]
وزلةٍ يُكثر الشيطانُ إِنْ ذُكرَتْ … منها التعجب جاءتْ مِنْ سُليمانا
لا تعجَبَنَّ لخيرٍ زَلَّ عَنْ يدِهِ … فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
وأنشد ولم يذكر لنفسه أو لغيره: [من الطويل]
يقولون لي دار الأحبَّةِ َقدْ دَنَتْ … وأنتَ كئيب إنَّ ذا لعجيب
فقلتُ وما تُغني الديار وقُرْبُها … إذا لم يكن بين القلوب قريب
وتوفي بالبصرة سنة ستين ومائة.
وقال ابن الجوزي: سنة ثلاثين ومائة، وهو غلط، ولكن نقله الواقدي.
وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أقرب نوعًا من الحساب تمضي به الجارية إلى البياع، ولا يمكنه ظلمها، ودخل المسجد، وهو يعمل فكره في ذلك، فصدمته سارية، وهو غافل عنها بفكره، فانقلب على ظهره، فكانت سبب موته.
стр. 2126
والفراهيد بطن من الأزد، كذلك يحمد.
ومنهم:
[٦] يونس بن حبيب النحوي، أبو عبد الرحمن (١)
قائم بقسط، وعالم بما في قسط، ومدن لنازح، ومجن لنافح، ومغن دونه كل ناصح، وضع بارقًا، وأضحى لا يرد طارقًا، فهب والناس نائمون، وذهب وأجناس الطلبة قائمون، وحصل ما لم تنله أيديهم، ولم تصله ليالي أقمارهم، ولا دادا بهم حتى عرس في عريسة العلم، وقد أخلته أسوده لثعالبه، فأقر فيه أسوده وسره، وأكمد حسوده.
قال المرزباني في «المقتبس في أخبار النحويين»: مولده سنة تسعين، ومات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان يقول: اذكر موت الحجاج. قال: ويقال إن مولده سنة ثمانين، وعاش مائة سنة وسنتين. وأخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء (٢)، وحماد بن
стр. 2127
سلمة (١)، وسمع من العرب، وروى عنه سيبويه، وسمع منه الكسائي والفراء، وله قياس في النحو ومذاهب ينفرد بها، وكانت حلقته بالبصرة ينتابها الأدباء، وفصحاء العرب، وأهل البادية.
قال أبو عبيدة (٢): اختلفت إلى يونس أربعين سنة أملًا كل يوم ألواحي من حفظه.
وقال أبو زيد الأنصاري (٣): جلست إلى يونس عشر سنين، وجلس إليه قبلي خلف الأحمر (٤) عشرين سنة. وقال لي يونس: قال لي رؤبة بن العجاج (٥): حتى
стр. 2128
متسألني عن هذه البواطل، وأزخرفها لك، أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك.
وقال إسحاق الموصلي (١): قارب يونس تسعين سنة لم يتزوج، ولم يتسر.
وكان يونس يقول: ما بكت العرب على شيء في أشعارها كبكائها على الشباب، وما بلغت كنهه.
قال: يقول العرب: فرقة الأحباب سقم الألباب.
стр. 2129
ومنهم:
[٧] سيبويه، عمرو بن عثمان بن قنبر، أبو بشر، وأبو الحسين (١)
جمع الأزمة، وشرع في الأمور المهمة، وعرف العلم بتفصيله، واعترف العالم بتفضيله، وأجمع عليه المنجد والمتهم، والمعرق والمشئم، وتساوى في وصفه العجمي والعربي والمشرقي والمغربي، وكلم بألسنة كل القبائل، وحوى حسنه كل قائل، وتدفقت شعوبه بالمسائل، وذهبت أيامه كلها مذهب الأصائل، فمذهبه هو اليوم الجاد والمهيع والطريق المتبع، وعليه المنهج المسلوك، ولديه ما يؤخذ وما سواه متروك.
стр. 2130
وكان شيخنا أبو حيان (١) يقول:
لا يقاس في هذا العلم رجل بسيبويه، ولا ولما قدم شيخ الإسلام (٢) من مصر في
стр. 2131
بعض مقدماته لازمه أبو حيان ومدحه، وأطنب في شكره، وذكر فضله، ولم يزل على هذا حتى ذكر يومًا بسيبويه تنقص، فهجر ابن تيمية وقاطعه، وأخذ في ذكر عيوبه وتعديدها، وكان يقول: لو كان ابن تيميه عاقلًا، لما ذم سيبويه.
وما برح هذا قوله فيه إلى آخر ما فارقه في شوال سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
قال ابن خلكان (١): كان أعلم المتقدمين والمتأخرين بالنحو، ولم يوضع فيه مثل كتابه.
وذكره الجاحظ (٢) يومًا، فقال: لم يكتب الناس في النحو كتابًا مثله، وجميع كتب الناس عليه عيال.
وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم، ففكرت في شيء أهديه له، فلم أجد شيئًا أشرف من كتاب سيبويه. فلما وصلت إليه، قلت: لم أجد شيئًا أهديه لك مثل هذا الكتاب، وقد اشتريته من ميراث الفراء. فقال: والله ما أهديت لي شيئًا أحب إلي منه.
ورأيت في بعض التواريخ أن الجاحظ لما وصل إلى ابن الزيات (٣) بكتاب
стр. 2132
سيبويه، أعلمه به قبل إحضاره، فقال له ابن الزيات: أو ظننت أن خزائننا خالية من هذا الكتاب. فقال الجاحظ: ما ظننت ذلك، ولكنها بخط الفراء، وقابله الكسائي، وتهذيب عمرو بن بحر الجاحظ، يعني نفسه. فقال ابن الزيات: هذه أجل نسخة توجد وأعزها، فأحضرها إليه ووقعت منه أجل موقع.
وأخذ سيبويه النحو عن الخليل بن احمد، وعيسى بن عمر، ويونس بن حبيب، وغيرهم، وأخذ اللغة عن أبي الخطاب المعروف بالأخفش الأكبر، وغيره.
وقال ابن النطاح: كنت عند الخليل بن أحمد، فأقبل سيبويه، فقال الخليل: مرحبًا بزائر لا يمل.
وجرى للكسائي مع سيبويه البحث المشهور في قولك: كنت أظن لسعة العقرب أشد من لسعة الزنبور فإذا هو هي فقال الكسائي: فإذا هو إياها، وانتصر الخليفة للكسائي، فحمل سيبويه من ذلك هما فترك العراق، ودخل إلى شيراز.
توفي بقرية من قرى شيراز يقال لها البيضاء في سنة ثمانين ومائة.
وقال ابن قانع: توفي بالبصرة في سنة إحدى وستين ومائة، وقيل: سنة ثمان وثمانين.
وقال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي: توفي سنة أربع وتسعين ومائة، وعمره اثنتان وثلاثون، وإنه توفي بمدينة ساوة.
وذكر الخطيب في تاريخ بغداد: عن ابن دريد أنه قال: مات سيبويه بشيراز، وقبره بها، وقيل: إن ولادته كانت بالبيضاء المذكورة لا وفاته.
قال أبو سعيد الطوال: رأيت على قبر سيبويه هذه الأبيات: وهي لسليمان بن يزيد العدوي: [الكامل]
ذهب الأحبة بعد طول تزاورٍ … ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا
تركوك أوحش ما يكون بقفرة … لم يُؤنسوك وكربةً لم يدفعوا
قضي القضاءُ وصرت صاحبَ حُفرةٍ … عنكَ الأحبة أعرضوا وتصدعوا
стр. 2133
قال معاوية بن بكر العيلمي، وقد ذكر عنده سيبويه رأيته وكان حدث السن، وكنت أسمع في ذلك العصر أنه أثبت من حمل عن الخليل بن احمد، وقد سمعته يتكلم.
وقال أبو زيد الأنصاري: كان سيبويه غلامًا يأتي مجلسي وله ذؤابتان، فإذا سمعته يقول: حدثني من أثق بعربيته فإنما يعنيني، وكان سيبويه كثيرًا ما ينشد هذا البيت: [من الطويل]
إذا بل من داء ظن أنه … نجا وبه الداء الذي هو قاتلة
وسيبويه: لقبه، وهو لفظ فارسي معناه بالعربية: رائحة التفاح، وقيل: إنما لقب به؛ لأنه كان جميل الصورة، ووجنتاه كأنهما تفاحتان.
ومنهم:
[٨] أبو فيد، مؤرّج بن عمرو بن الحارث السدوسي، النحوي، البصري (١)
صدر ملئ علمًا، وبلى فضله المفضل لما سئل منه عما، ولم يكن فيه سبيل للنازعات، ولا عبس إلا لوجوه المنازعات اشتدت به قوادمه حيث حلق، وامتدت قوائمه فلم تلحق، بعلوم نزفت لها السحب الهوامل، ونزلت إليها البدور الكوامل، ونزعت إلى نحو ظهرت فيه العوامل، فلم يكن له إلا من يغترف ويعرف أنه لا ينصرف.
قال ابن خلكان: أخذ العربية عن الخليل بن أحمد، وروى الحديث عن شعبة بن الحجاج، وأبي عمرو بن العلاء، وغيرهما. وكان يقول: قدمت من البادية ولا معرفة لي بالقياس في العربية، وإنما كانت معرفتي قريحة، وأول ما تعلمت القياس في حلقة أبي زيد الأنصاري. وله عدة تصانيف. ومما أورد له من شعر ابن المنجم. [من البسيط]
стр. 2134
رُوعْتُ بالبين حتَّى ما أُراعُ بهِ … وبالمصائب من أهلي وجيراني
لم يترك الدهر لي عِلْقًا أَضَنُّ بهِ … إلا اصطفاه بنأي أو بهجران
قال ابن المنجم: وهذان البيتان من أملح ما قيل في معناهما.
ونقل ابن النديم أنه وجد بخط ابن المعتز مؤرخًا: مات سنة خمس وتسعين ومائة في اليوم الذي توفي فيه أبو نواس.
قال ابن خلكان: وهذا ما يستقيم إلا على أحد الأقوال في تاريخ وفاة أبي نواس.
ومنهم:
[٩] قطرب، وهو أبو علي، محمد بن المستنير النحوي، اللغوي، البصري (١)
وقيل: اسمه أحمد بن محمد. وقيل: الحسن بن محمد. والأول أصح.
مجلي غيهب، وحافظ متاع لا يذهب هبت صباه ونعاماه، ونهبت الأفئدة أبكاره وأياماه، وفتنت أعين عينه، وتفجرت ينابيع معينه، وأصْبَتْ محاسن حسانه، وظهرت معادن إحسانه، وجلبت سوقه الطلاب، وأدنت المرام والطلاب، فأتعب المسامي، وبصر حاسده المتعامي، وفرّج قلب عدوه، وأجفانه الدوامي، وزاد على مدد البحار والسحب الهوامي.
قال ابن خلكان: أخذ العلم عن سيبويه وغيره، وكان يبكر إلى سيبويه قبل حضور التلاميذ، فقال له: ما أنت إلا قطرب ليل، فبقي عليه ذلك اللقب.
وله التصانيف المفيدة، وهو أول من وضع المثلث في اللغة، وكتابه وإن كان صغيرًا، فله فيه فضيلة السبق.
وكان قطرب يعلم أولاد أبي دلف.
стр. 2135
وروى له ابن المنجم في كتاب البارع قوله: [من البسيط]
إن كنت لست معي فالذكر منك معي … يَرَاك قلبي إذا ما غبتَ عَنْ بَصَرِي
والعين تبصر من تهوى وتفقده … وناظرُ القلب لا يخلو من النظر
وتوفي سنة ست ومائتين.
ومنهم:
[١٠] الفراء، أبو زكريا، يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسلمي، الديلمي، الكوفي (١)
روى العطش، وأورى العطس، وكان يبكر إلى العلم والليل ما نصل خضابه، والظل ما رشف من ثغور الأقحوان رضابه، ويواصل على هذا الاجتهاد أزمنته، ويفرج بهذا الجهاد أزمته، حتى انفرج عنه صدر النهار، واندفق به سيل النضار، وطال ظل منتابيه. وقال مادحه لا يحابيه، ثم أتاه أجله، وحفزه إليه مستعجله، ومات إلا إفاداته، ونسي إلا عاداته.
قال أبو العباس ثعلب: كان السبب في إملاء الفراء في «المعاني» أن عمر بن
стр. 2136
بكير كان من أصحابه، وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولًا، أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع فيه. فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابًا في القرآن، وجعل لهم يومًا، فلما حضروا خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه الفراء فقال له، إقرأ فاتحة الكتاب، ففسرها، ثم مر في الكتاب كله، يقرأ الرجل، ويفسر الفراء. فقال أبو العباس: لم يعمل أحد قبله مثله ولا أحسب أحدًا يزيد عليه.
قال ثعلب: وكان السبب في إملائه للحدود أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه، وسألوه أن يُملَّ عليهم أبيات النحو، ففعل ذلك. فلما كان المجلس الثالث، قال بعضهم لبعض: إن دام على هذا، عَلَّمَ النحو الصبيان، والوجه أن نقعد عنه، فقعدوا عنه، فغضب، وقال: سألوني القعود، فلما قعدت تأخروا، والله لأملين النحو ما اجتمع اثنان، فأملى ست عشرة سنة، ولم ير في يده كتاب إلا مرة واحدة.
قال ثعلب: وكان الفراء يجلس للناس بمسجدٍ إلى جانب منزله، وكان الواقدي ينزل بإزائه. قال: وكان الفراء يتفلسف في تأليفاته وتصنيفاته حتى يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة، وكان أكثر مقامه ببغداد، كان يجمع طوال دهره فإذا كان آخر السنة، خرج إلى الكوفة، فأقام بها أربعين يومًا في أهله يفرق فيهم ما جمعه ويبرهم.
قال النديم: ولم يؤثر من شعره غير هذه الأبيات رواها أبو حنيفة الدينوري: [من الخفيف]
يا أميرًا على جريبٍ مِنَ الأر ضِ … له تسعةٌ مِنَ الحُجَّابِ
جالسًا في الخَرَابِ يحجب فيها … ماسمعنا بحاجب في خَرَابِ
لن تراني تلك العيون ببابٍ … ليس مثلي يُطيقُ ردَّ الجَوَابِ
وتوفي بطريق مكة سنة سبع ومائتين.
ومنهم:
[١١] سعيد بن مَسْعَدَة المجاشعي بالولاء، النحوي، البلخي، أبو الحسن، الأخفش الأوسط (١)
أحد نحاة البصرة.
стр. 2137
محكم أواخي، ومحكم يد في زمان متراخي فقام بالأعباء، وقال بلا إعياء، فأخرس ألسنة لدا، وأنطق ألسنة ملدا، وقد كان في بلهنية شيابه، وزمان نفاق ربيته على أحبابه قد أتعب نفسه حتى أراحها، وجنى من المساءة أفراحها، وكانت أيامه محلاة الأطراف لمعاينها، محشاة الأصايل بما يترب عليها الشموس من معادنها، كأنما كانت عمر الحبائب، أو إيماء العشاق بالحواجب، ولم يكن في لياليه ما يعاب به غير تقاصرها، ولا في أيامه ما تعاف له إلا قلة تناصرها، مع ما جمع من صنوف شتات، وجدع من أنوف شبهات، فعدت وبدا، وبقي مثل السيف فردا.
قال ابن خلكان: كان من أئمة العربية، وأخذ النحو عن سيبويه، وكان أكبر منه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئًا إلا وعرضه علي، وكان يرى أنه أعلم به مني.
وحكى ثعلب عن آل سعيد بن مسلم، قالوا: دخل الفراء على سعيد المذكور، فقال لنا: قد جاءكم سيد أهل اللغة، وسيد أهل العربية، فقال الفراء: ما دام الأخفش يعيش فلا، قال: وهذا الأخفش هو الذي زاد في العروض بحر الخبب.
وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: بل سنة إحدى وعشرين.
стр. 2138
مشاهير علماء النحو بالجانب الشرقي ونسبته إلى ولاء المجاشع بن دارم التميمي.
ومنهم:
[١٢] صالح بن إسحاق الجرمي، النحوي (١)، أبو عمر
صاحب «المختصر في النحو» بصري، سام في القدماء شططا، وسار في السماء خططا، وأينعت له ثمرته فهذبها، وتنوعت له مسرته فنهبها، وعزت عليه أعماله فما أذهبها، كان لا يضيع الأيام في غير عمل يقدمه، وميل يقومه، وأود يقيمه، وجدد لاحب يديمه عاهد زمانه على غرض يبقيه، وعلم يبقيه، وعُمر في عمر التقوى لا يبليه، وكرم في سوء الجميل لا يوليه فحمدت مدته، وحسنت على طول اللبيس جدته، وكان ذا فكر لا تحتجب عليه مخبأة في خدر، ولا محجبة من وراء ستر، فلم يباعده مرام، ولم تجالسه إلا كرام.
قال ابن خلكان: كان فقيهًا عالمًا بالنحو واللغة، وهو من البصرة، وقدم بغداد، وأخذ عن الأخفش وغيره، ولقي يونس بن حبيب، ولم يلق سيبويه، وأخذ اللغة عن أبي عبيدة، وعن أبي زيد الأنصاري، والأصمعي وطبقتهم، وكان دينًا، ورعًا، حسن المذهب، صحيح الاعتقاد.
وحدث عنه المبرد، قال: قرأت ديوان هذيل على الأصمعي، فلما فرغت منه، قال: يا أبا عمر، إذا فات الهذلي أن يكون شاعرًا أو راميًا أو ساعيًا، فلا خير فيه.
стр. 2139
وأنشد له قوله: [من الوافر]
تكلّفني سويقَ الكَرْم جَرْمٌ … وما جَرم وما ذاك السويق
وما شَربَتْهُ جَرْمٌ وهوَ حِلَّ … وما غالت به مذ كان سوق
فلمَّا نُزِّلَ التحريم فيها … إذا الجرمي منها لا يُفيقُ
قال: وكنى بالسويق عن الخمر؛ لاتساقها الحلق، فسماها سويقًا لذلك.
وتوفي سنة خمس وعشرين ومائتين.
ومنهم:
[١٣] بكر بن محمد بن عثمان، وقيل: عدي بن حبيب المازني، البصري، النحوي، أبو عثمان (١)
أقامت به مازن أوزانها ولبست بمفاخره ما، زانها، وكان من ثعلبة في
стр. 2140
وسط وجارها، وخطة النجوم وجارها، طالما حسده من لم يحم معه على المناهل، وشغل بغير فقيل متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل، هذا مع ورع كله تقى لا تقية، أو مآثر سلفت لسلفه، وكانت لجده بقية نسب لو عرف به الليل لما وسم ينكره، أو آل إلى وائل، لقدمه على بكره، لم يجهل بالفضل اعتناقه ونهوضه بما لو أنه لبكر سواه، لشد خناقه.
قال ابن خلكان: كان إمام عصره في النحو والآداب، أخذ الآداب عن أبي عبيدة، والأصمعي، وأبي زيد، وأخذ عنه المبرد، وبه انتفع.
وكان في غاية الورع، وبذل له بعض [أهل] الذمة مائة دينار على إقراء كتاب سيبويه له، فامتنع.
قال المبرد: فقلت له: جُعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك، وشدة إضاقتك، فقال: أن هذا يشتمل على ثلاثمائة وكذا كذا آية من كتاب الله ، ولست أرى أن أمكن منها ذميًا، غيرةً على كتاب الله، وحمية له.
قال: فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي: [من الكامل]
أَظلومُ إِنَّ مُصابَكمْ رجُلًا … أهدى السَّلام تحية ظُلْم
فاختلف في إعراب رجل، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أنَّ أبا عثمان لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه. قال أبو عثمان، فلما مثلت بين يديه، قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي وقال: ما أسبك؟ لأنهم يقبلون الميم باء والباء ميمًا، فكرهت أن أجيبه على لغة قومي؛ لئلا أواجهه بالكبر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين.
ففطن لما قصدته، وتعجب وقال: ما تقول في قول الشاعر:
أَظلوم إِنَّ مُصابَكمْ رَجُلًا
أترفع رجلًا أم تنصبه، فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك؟ فقلت: إن مصابكم مصدر يعني إصابتكم فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت:
هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيدًا ظُلم، فالرجل مفعول مصابكم، وهو منصوب به وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ما قال لك عند مسيرك؟
قلت: أنشدت قول الأعشى: [من المتقارب]
أيا أبتا لا تَرُم عِندَنا … فإنا بخير إذا لم تَرُم
أرانا إذا أضمرتك البلاد بها … وتقطع منا الرَّحِمْ