بكير كان من أصحابه، وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولًا، أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع فيه. فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابًا في القرآن، وجعل لهم يومًا، فلما حضروا خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه الفراء فقال له، إقرأ فاتحة الكتاب، ففسرها، ثم مر في الكتاب كله، يقرأ الرجل، ويفسر الفراء. فقال أبو العباس: لم يعمل أحد قبله مثله ولا أحسب أحدًا يزيد عليه.
قال ثعلب: وكان السبب في إملائه للحدود أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه، وسألوه أن يُملَّ عليهم أبيات النحو، ففعل ذلك. فلما كان المجلس الثالث، قال بعضهم لبعض: إن دام على هذا، عَلَّمَ النحو الصبيان، والوجه أن نقعد عنه، فقعدوا عنه، فغضب، وقال: سألوني القعود، فلما قعدت تأخروا، والله لأملين النحو ما اجتمع اثنان، فأملى ست عشرة سنة، ولم ير في يده كتاب إلا مرة واحدة.
قال ثعلب: وكان الفراء يجلس للناس بمسجدٍ إلى جانب منزله، وكان الواقدي ينزل بإزائه. قال: وكان الفراء يتفلسف في تأليفاته وتصنيفاته حتى يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة، وكان أكثر مقامه ببغداد، كان يجمع طوال دهره فإذا كان آخر السنة، خرج إلى الكوفة، فأقام بها أربعين يومًا في أهله يفرق فيهم ما جمعه ويبرهم.
قال النديم: ولم يؤثر من شعره غير هذه الأبيات رواها أبو حنيفة الدينوري: [من الخفيف]
يا أميرًا على جريبٍ مِنَ الأر ضِ … له تسعةٌ مِنَ الحُجَّابِ
جالسًا في الخَرَابِ يحجب فيها … ماسمعنا بحاجب في خَرَابِ
لن تراني تلك العيون ببابٍ … ليس مثلي يُطيقُ ردَّ الجَوَابِ
وتوفي بطريق مكة سنة سبع ومائتين.
ومنهم:
[١١] سعيد بن مَسْعَدَة المجاشعي بالولاء، النحوي، البلخي، أبو الحسن، الأخفش الأوسط (١)
أحد نحاة البصرة.
стр. 2137
محكم أواخي، ومحكم يد في زمان متراخي فقام بالأعباء، وقال بلا إعياء، فأخرس ألسنة لدا، وأنطق ألسنة ملدا، وقد كان في بلهنية شيابه، وزمان نفاق ربيته على أحبابه قد أتعب نفسه حتى أراحها، وجنى من المساءة أفراحها، وكانت أيامه محلاة الأطراف لمعاينها، محشاة الأصايل بما يترب عليها الشموس من معادنها، كأنما كانت عمر الحبائب، أو إيماء العشاق بالحواجب، ولم يكن في لياليه ما يعاب به غير تقاصرها، ولا في أيامه ما تعاف له إلا قلة تناصرها، مع ما جمع من صنوف شتات، وجدع من أنوف شبهات، فعدت وبدا، وبقي مثل السيف فردا.
قال ابن خلكان: كان من أئمة العربية، وأخذ النحو عن سيبويه، وكان أكبر منه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئًا إلا وعرضه علي، وكان يرى أنه أعلم به مني.
وحكى ثعلب عن آل سعيد بن مسلم، قالوا: دخل الفراء على سعيد المذكور، فقال لنا: قد جاءكم سيد أهل اللغة، وسيد أهل العربية، فقال الفراء: ما دام الأخفش يعيش فلا، قال: وهذا الأخفش هو الذي زاد في العروض بحر الخبب.
وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: بل سنة إحدى وعشرين.
стр. 2138
مشاهير علماء النحو بالجانب الشرقي ونسبته إلى ولاء المجاشع بن دارم التميمي.
ومنهم:
[١٢] صالح بن إسحاق الجرمي، النحوي (١)، أبو عمر
صاحب «المختصر في النحو» بصري، سام في القدماء شططا، وسار في السماء خططا، وأينعت له ثمرته فهذبها، وتنوعت له مسرته فنهبها، وعزت عليه أعماله فما أذهبها، كان لا يضيع الأيام في غير عمل يقدمه، وميل يقومه، وأود يقيمه، وجدد لاحب يديمه عاهد زمانه على غرض يبقيه، وعلم يبقيه، وعُمر في عمر التقوى لا يبليه، وكرم في سوء الجميل لا يوليه فحمدت مدته، وحسنت على طول اللبيس جدته، وكان ذا فكر لا تحتجب عليه مخبأة في خدر، ولا محجبة من وراء ستر، فلم يباعده مرام، ولم تجالسه إلا كرام.
قال ابن خلكان: كان فقيهًا عالمًا بالنحو واللغة، وهو من البصرة، وقدم بغداد، وأخذ عن الأخفش وغيره، ولقي يونس بن حبيب، ولم يلق سيبويه، وأخذ اللغة عن أبي عبيدة، وعن أبي زيد الأنصاري، والأصمعي وطبقتهم، وكان دينًا، ورعًا، حسن المذهب، صحيح الاعتقاد.
وحدث عنه المبرد، قال: قرأت ديوان هذيل على الأصمعي، فلما فرغت منه، قال: يا أبا عمر، إذا فات الهذلي أن يكون شاعرًا أو راميًا أو ساعيًا، فلا خير فيه.
стр. 2139
وأنشد له قوله: [من الوافر]
تكلّفني سويقَ الكَرْم جَرْمٌ … وما جَرم وما ذاك السويق
وما شَربَتْهُ جَرْمٌ وهوَ حِلَّ … وما غالت به مذ كان سوق
فلمَّا نُزِّلَ التحريم فيها … إذا الجرمي منها لا يُفيقُ
قال: وكنى بالسويق عن الخمر؛ لاتساقها الحلق، فسماها سويقًا لذلك.
وتوفي سنة خمس وعشرين ومائتين.
ومنهم:
[١٣] بكر بن محمد بن عثمان، وقيل: عدي بن حبيب المازني، البصري، النحوي، أبو عثمان (١)
أقامت به مازن أوزانها ولبست بمفاخره ما، زانها، وكان من ثعلبة في
стр. 2140
وسط وجارها، وخطة النجوم وجارها، طالما حسده من لم يحم معه على المناهل، وشغل بغير فقيل متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل، هذا مع ورع كله تقى لا تقية، أو مآثر سلفت لسلفه، وكانت لجده بقية نسب لو عرف به الليل لما وسم ينكره، أو آل إلى وائل، لقدمه على بكره، لم يجهل بالفضل اعتناقه ونهوضه بما لو أنه لبكر سواه، لشد خناقه.
قال ابن خلكان: كان إمام عصره في النحو والآداب، أخذ الآداب عن أبي عبيدة، والأصمعي، وأبي زيد، وأخذ عنه المبرد، وبه انتفع.
وكان في غاية الورع، وبذل له بعض [أهل] الذمة مائة دينار على إقراء كتاب سيبويه له، فامتنع.
قال المبرد: فقلت له: جُعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك، وشدة إضاقتك، فقال: أن هذا يشتمل على ثلاثمائة وكذا كذا آية من كتاب الله ، ولست أرى أن أمكن منها ذميًا، غيرةً على كتاب الله، وحمية له.
قال: فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول العرجي: [من الكامل]
أَظلومُ إِنَّ مُصابَكمْ رجُلًا … أهدى السَّلام تحية ظُلْم
فاختلف في إعراب رجل، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أنَّ أبا عثمان لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه. قال أبو عثمان، فلما مثلت بين يديه، قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي وقال: ما أسبك؟ لأنهم يقبلون الميم باء والباء ميمًا، فكرهت أن أجيبه على لغة قومي؛ لئلا أواجهه بالكبر، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين.
ففطن لما قصدته، وتعجب وقال: ما تقول في قول الشاعر:
أَظلوم إِنَّ مُصابَكمْ رَجُلًا
أترفع رجلًا أم تنصبه، فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك؟ فقلت: إن مصابكم مصدر يعني إصابتكم فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت:
هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيدًا ظُلم، فالرجل مفعول مصابكم، وهو منصوب به وقال: هل لك من ولد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ما قال لك عند مسيرك؟
قلت: أنشدت قول الأعشى: [من المتقارب]
أيا أبتا لا تَرُم عِندَنا … فإنا بخير إذا لم تَرُم
أرانا إذا أضمرتك البلاد بها … وتقطع منا الرَّحِمْ
стр. 2141
قال: فما قلت لها؟ قال: قلت قول جرير: [من الوافر]
يَثِقي بالله ليس له شريك … ومِنْ عِنْدِ الخليفة بالنجاح
قال: على النجاح إن شاء الله، ثم أمر لي بألف دينار، وزودني مكرمًا، فلما عاد إلى البصرة، قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس؟ رددنا لله مائة، فعوضنا ألفًا.
وتوفي سنة تسع وأربعين ومائتين، وقيل: سنة ثمان وأربعين بالبصرة.
ومنهم:
[١٤] المُبرّد، أبو العباس، محمد بن يزيد بن مالك بن الحارث الثمالي، الأزدي البصري (١)
رام العلياء فنالها، وأم النجوم فأدنى منالها، فصار علمًا يغشي إلى ضوء ناره،
стр. 2142
وقمرًا يهتدى بأنواره. تميز في أعلام زاد صيته فهم على الغيوث السواكب، وتزينت الأرض بهم زينة السماء بالكواكب، فشاع فضله، وشاء الله أن يمتد ظله، ففضل على إياس في ذكائه، وحفظ به الفضل بعد ذهاب ذمائه، ولم تذهب ساعة من أيامه إلا في محاضرة، ولا لفظة من كلامه إلا في مناظرة، إلى أن كان سهمه من الحظ موفرًا، وقيل كل الصيد في جوف الفرا، فأخذ في كل فن، وشد وجود مثله في ظن حتى كان المرجع إليه في كل مرام، والمبرد الذي لا يخبو له ضرام.
قلت: جرى مرة ذكر علم النحو وأهل العلم به، وانتصر رجل حضرنا لليزيدي، وفضله على المبرد، وسئلت في ذلك، فقلت: [من الطويل]
لَئِنْ أَصْبَحَتْ أَهْلُ العُلُومِ مَوَارِدًا … ويَصدُرُ عَنْها بالرَوَاءِ ويُورِدُ
فَوَردُ اليَزِيدِيُّ الَّذِي لَيْسَ مِثْلُهُ … لِرَيِّ عِطَاشٍ والشَّرَابُ المُبَرِّدُ
قال ابن خلكان: نزل بغداد، وكان إمامًا في النحو واللغة، وله التواليف النافعة في الأدب، منها: «الكامل» و «الروضة» و «المقتضب»، أخذ عن المازني، والسجستاني، وأخذ عنه نفطويه وغيره. وكان المبرد وثعلب صاحب «الفصيح» عالمين متعاصرين قد ختم بهما تاريخ الأكفاء، وكان المبرد يحب الاجتماع بثعلب للمناظرة والاستكثار منه، وكان ثعلب يكره ذلك ويمتنع منه، وكان المبرد كثير النوادر.
حكى أن المنصور ولى رجلًا على الإجراء على العميان والأيتام والقواعد من النساء، فدخل عليه بعض المتخلفين ومعه ولده، فقال له: إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد، فقال له: القواعد نساء، فكيف أثبتك فيهن، قال: ففي العميان، قال: أما هذا فنعم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (١) فقال: وثبت ولدي في الأيتام، فقال: هذا أفعله أيضًا؛ فإن من تكن أنت أباه، فهو يتيم.
وقد عناه ابن المعدل فقال (٢): [من الوافر]
سَأَلْنَا عَنْ ثُمَالَةَ كُلِّ حَيٍّ … فَقَالَ القَائِلُونَ: ومَنْ ثُمَالُه؟
فقلتُ: محمد بن يزيد منهم … فقالوا: زدتنا بهم جَهَالَه
فقالَ ليَ المُبرِّدُ خَلٌّ عنَّا … فقومِي معشر فيهم نذاله
قال ابن خلكان: ويقال: إن المبرد قال هذه الأبيات لتحفظ ليشتهر نسبه في ثمالة.
стр. 2143
ولد المبرد يوم عيد الأضحى سنة عشر، وقيل: سنة سبع وثلاثين، وتوفي في ذي الحجة سنة ست وثمانين، وقيل في ذي القعدة سنة خمس وثمانين ومائتين ببغداد.
وفي ثعلب قال أبو بكر بن العلاف: [من الكامل]
ذهبَ المُبَرَّدُ وانقضَتْ أيامُهُ … وليذهَبَنْ إثرَ المُبرِّدِ ثعلبُ
بيتٌ مِنَ الآداب أصبح نصفُهُ … خَربًا وباقي بيتها فسيخرب
فابكوا لما سَلَبَ الزمانُ ووطنوا … للدهرِ أنفسكم على ما تُسلَبُ
وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسَهُ … إنْ كانت الأنفاس مما يُكتب
والمبرد لقب غلب عليه، قيل: إنه كان عند بعض أصحابه وإن صاحب الشرطة طلبه للمنادمة فكره المبرد ذلك، وألح الرسول عليه، وكان هناك مزملة لتبريد الماء فارغة، فدخل المبرد فيها، واختفى في غلاف المزملة، فدخل الرسول في تلك الدار، وفتش على المبرد فلم يجده، فلما مضى الرسول جعل صاحب الدار يصفق وينادي على المزملة: المبرد المبرد، وتسامع الناس بذلك فلهجوا به، وصار لقبًا عليه.
ومنهم:
[١٥] أحمد بن يحيى بن يزيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء، أبو العباس المعروف بثعلب (١) إمام الكوفيين في العربية
ذو أيد لا تغلب، وصيد للشوارد لا يعرف من ثعلب، لا يحاذر الصقر المخلق،
стр. 2144
ولا يبادر السهم المحلق، لأفعاله طراوة ولمقاله طلاوة، ولم يوجد مثله بالاستقراء، وحصل مثله عند الفراء، ولا يظن إلا تغلبه، ولا يعد في غير السباع ثعلبه، طالما قهر به المغالب، وودت قمم الأعداء لو أنها وجار الثعالب، فلم يزل مناظره معه يتغلب، ويعطيه حلاوة من اللسان، ويروغ كما يروغ الثعلب، فلم تعرف له أوقات فراغ، ولا وُصِفَ وَصفَ ثعلب ذهب فراغ فحمد رايته رأيه في مطلع ومغيب، وطلع عليه، فقال: صباحك ثعلب، ومساك ذيب.
قال ابن خلكان: كان إمام الكوفيين في النحو واللغة، وكان ثقة، حجة، صالحًا، مشهورًا بالحفظ، وصدق اللهجة، والمعرفة بالعربية، ورواية الشعر القديم، مقدمًا منذ هو حدث، وكان ابن الأعرابي إذا شك في شيء، قال له: ما تقول يا أبا العباس، هذا ثقة بغزارة حفظه، وكان يقول: نظرت في حدود الفراء وسني ثماني عشرة سنة، وبلغت خمسًا وعشرين سنة، وما قرئت علي إلا وأنا أحفظها.
وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ: قال لي ثعلب: يا أبا بكر اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة، فانصرفت من عنده، فرأيت النبي ﷺ في تلك الليلة في المنام، فقال لي: اقرئ أبا العباس عني السلام، وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل، قال أبو بكر: أراد أن الكلام به يكمل والخطاب به يحمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه، وكان له شعر.
стр. 2145
قال أبو بكر بن القاسم الأنباري: أنشدني ثعلب. ولا أدري هي لغيره أم لا. [من الطويل]
إِذا كُنْتَ قُوتَ النَفسِ ثُمَّ هَجَرتَها … فَكَم تَلْبَثُ النَفسُ الَّتي أَنْتَ قُوتُها
سَتَبقى بَقاءَ الضَّبِّ في الماءِ أَوْ كَما … تَبَقّى لَدى دَيمُومَةِ البِيدِ حُوتُها
ولد في سنة مائتين لشهرين مضيا منها.
وتوفي يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد. وقيل: إنه قال: رأيت المأمون لما قدم من خراسان في سنة أربع ومائتين، وقد خرج من باب الحديد يريد الرصافة، والناس صفان، فحملني أبي على يده، وقال هذا المأمون، وهذه سنة أربع، فحفظت ذلك عنه إلى الساعة.
وكان سبب وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لا يسمع إلا بعد تعب، فصدمته فرس فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلط، فحمل إلى منزله على تلك الحال، وهو يتأوه، فمات ثاني يوم.
وكتب إليه ابن المعتز: [من الرجز]
ما وَجْدُ صادٍ في الحِبالِ مُوَثَّقِ
بِماءِ مُزْنٍ بارِدٍ مُصَفَّقِ
بالريح لم تُطرق ولم تُرنَّقِ
جادت به أخلاقُ دَجْنِ مُطبقِ
في صخرة لمْ تَرَ شَمسًا تُبرق
فهو عليها كالزجاج الأزرق
صرح غيث خالص لم يُمذَقِ
إلا كوجدي بك لكن أتقي
يا فاتحًا لكلِّ بابٍ مُغْلَقِ
وصيرفيًا ناقدًا للمنطق
إن قال هذا بهرج لم ينفق
إنا على البعاد والتفرق
لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
فأجابه من رقعة: نحن كما قال رؤبة: [من الرجز]
إني وإن [لم] ترني فإنني
أراك بالغيب وإن لم ترني
стр. 2146
ومنهم:
[١٦] سليمان بن محمد بن أحمد النحوي، البغدادي، أبو موسى الحامض (١)
عرف بين البرية بفضل نسكها، وقوة مسكها، وصلاح سيرتها، وإصلاح سريرتها، أضاءت به الأسارير، وأضت اللجج كأنها صرح ممرد من قوارير، ففات سمراته، وفات ضوء النهار مقمراته، وأبعد وضوحًا، وأوعد الصباح فضوحًا، ولم يزل يحاول الغاية في العلم وتحصيله، وإطالة غرته منه وتحجيله حتى استمل السنام، واستمسك به الأنام، فطفحت المجرة دون مجراه، ولم تنبه النجوم لمسراه.
قال ابن خلكان (٢): كان أحد المذكورين من العلماء بنحو الكوفيين، أخذ عن ثعلب، وهو المتقدم من أصحابه، وجلس موضعه، وخلفه بعد موته، وصنف كتبًا حسانًا في الأدب. وكان دينًا صالحًا، وكان أوحد الناس في البيان، والمعرفة بالعربية، واللغة، والشعر، وكان قد أخذ عن البصريين أيضًا، وخلط النحويين، وكان يتعصب على البصريين، وكان حسن الوراقة في الضبط، وتوفي لتسع بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثمائة ببغداد.
ومنهم:
[١٧] أبو عبد الله، محمد بن العباس بن محمد بن محمد اليزيدي النحوي (٣)
رجل يطير بجناحي المَضْرَحي، ويسلك الفجاج سلوك الأداحي، طالما بكر
стр. 2147
مجدًا، والليل ما انشق رداؤه، والسحر ما بلغت أعطاف الزهر أنداؤه واستدام حتى هرم النوم، وحرم على الجفن جفاء النوم، فامتلأ ما وسعه إناؤه، وأودعه منه الدهر وآناؤه، ثم أضحى يصول صولة الشجاع ويفرق تفاريق الشعاع.
قال ابن خلكان (١): كان إمامًا في النحو والأدب، ونقل النوادر وكلام العرب.
ومما رواه أنَّ أعرابيًا هوى أعرابية، فأهدى إليها ثلاثين شاة، وزقًا من خمر مع عبد له أسود، فأخذ العبد شاة في الطريق فذبحها، وأكل منها، وشرب بعض الزق، فلما جاءها بالباقي، عرفت أنه خانها في الهدية، فلما عزم على الانصراف سألها هل لك من حاجة، فأرادت إعلام سيده بما فعل العبد، فقالت: اقرأ عليه¬ السلام، وقل له إن الشهر كان عندنا تمامًا، وإن سحيمًا راعي غنمنا جاء مرثومًا. فلم يعلم العبد ما أرادت بهذه الكناية، فلما عاد إلى مولاه أخبره برسالتها، ففطن ما أرادته، فدعا له بالهراوة، وقال: لتصدقني وإلا ضربتك بهذه ضربًا مبرحًا، فأخبره الخبر فعفا عنه. وهذه من لطائف الكنايات، وأجلى الإشارات.
وله تصانيف مذكورة، وطلب آخر عمره ليعلم أولاد المقتدر، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة عشر وثلاثمائة.
ومنهم:
[١٨] ابن السراج، أبو بكر، محمد بن السري بن سهل النحوي (٢)، صاحب المبرد
نحوه لا يملك، ونحوه لا يسلك، بعد مرمى، وصعد منمى، وحمد منه كل صف
стр. 2148
يقال فيه إما لاح في سماء السعد فرقدا، وفاح للعنبر الورد موقدا، وبات الأدب يشب على نار خاطره، ويشب بسقيا ماطره، وزين شعره بالغناء، وزيد قدره على نفع الغداء، وكان من حلفاء العشاق، وخلفاء الروض في الانتشاق، وكان رايته لا يزال يعلق به نظرته، وتعبق بأدبه حضرته، فلا يمله جليس ولا تمله حل عقدة تكة أو كيس.
قال ابن خلكان: كان أحد الأئمة المشاهير، المجتمع على فضله، ونبله، وجلالة قدره في النحو والآداب. أخذ عن المبرد وغيره، وأخذ عن السيرافي، والرماني وغيرهما، ونقل عنه الجوهري في الصحاح في مواضع عديدة، وله التصانيف المشهورة في النحو، وأنشد ما ذكر أنه منسوب إليه وهو: [من الكامل]
مَيَّزْتُ بينَ جَمالِها وفعالِها … فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
حَلَفَتْ لنا أنْ لا تخون عهودنا … فكأنما حَلَفَتْ لنا أنْ لا تَفِي
والله لا كلمتها ولو أنها … كالبدر أو كالشمس أو كالمكتفي
وأنشدت المكتفي على أنها لبعض بني طاهر، فأجازه ألف دينار، وليست إلا لابن السراج أنشدها في أم ولده، وكان يحبها وجفته، فاتفق قدوم المكتفي من الرقة، فاستحسنه ابن السراج، ومن حضر، فأنشد الأبيات:
وتوفي لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة وثلثمائة، وكان قد أقبل في عنفوان عمره على علم الموسيقى، وهوى ابن ناسق المغني، وكان به أثر جدري، فأنشد: [من السريع]
يا قمرًا جَدَّرَ لما استوى … فزادني حُزْنًا وزادتْ هُمُوم
أظنُّه غَنَّى لشمس الضُّحَى … فَنَقَطَتْهُ طَرَبًا بالنُّجُوم
ومنهم:
[١٩] أبو الحسن، علي بن سليمان بن الفضل (١)، الأخفش الأصغر
تعين فضله وعم، وتزين بالثرياء وتختم، ونصب على مدرجة الطريق خيامه،
стр. 2149
وأكثر ولعه بالفضائل وهيامه، ومذ فصل عن العظام، وحل من قمطه الفدام، يكلف بالعلم كلف غيلان بمي، ويهيم في طلبه هيام قيس في كل حي، حتى صفت له عدده النطاف، ودنت إليه ثمره للقطاف.
قال ابن خلكان: روى عن المبرد وثعلب وغيرها.
قال المرزباني: لم يكن بمتسع في الرواية والأخبار، والعلم بالنحو، وما علمته صنف شيئًا البتة، ولا قال شعرًا، وكان إذا سئل عن مسائل النحو ضجر وانتهر كثيرًا ممن يواصل مسائلته.
وكان أجلع، والأجلع لا تنضم شفتاه على أسنانه، وكان ابن الرومي كثير الطيرة، وكان الأخفش كثير المزاح، فكان يباكر قبل كل أحد، فيطرق الباب على ابن الرومي، فيقول: من بالباب؟ فيقول الأخفش: حرب بن مقاتل، وما أشبه ذلك، فكان ابن الرومي كثير الهجاء للأخفش، فكان الأخفش يحفظ هجاء ابن الرومي له، ويمليه في مجلسه في جملة ما يملي، فلما رأى ابن الرومي أنه لا يألم بهجائه، ترك هجوه، ومدحه بعد ذلك.
وكان الأخفش يواصل المقام عند أبي علي بن مقلة، ويراعيه أبو علي ويبره، فشكا إليه في بعض الأيام الإضاقة، وسأله أن يكلم أبا الحسن علي بن عيسى وهو يومئذ وزير في أمره، ويسأله إجراء رزق عليه أسوة بأمثاله، فخاطبه أبو علي في ذلك، فانتهره علي بن عيسى، ورد عليه في مجلس حافل، فشق على ابن مقلة ما عامله به، وقام من مجلسه، وقد اسودت الدنيا في عينيه، وصار إلى منزله لائمًا لنفسه على سؤال علي بن عيسى ما سأله، وحلف أنه يتجرد في السعي عليه، ووقف الأخفش على
стр. 2150
الصورة فاغتم، وانتهت به الحال إلى أن أكل السلجم النيء فقيل إنه قبض فمات فجأة، وذلك في شعبان سنة خمس عشرة، وقيل: ستة عشر وثلاثمائة.
ومنهم:
[٢٠] إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج، النحوي (١)، أبو إسحاق
كان يؤخذ من أدبه، ويدرأ في نحور الأعداء بكتبه، ولا عذر لمن وجد الجوهر ألا يلتقطه، ولمن ملك الجوهر أن لا يخترطه، وكان قدر هذه الدنيا معرفته بها، وقطعه عنها صلته بسببها، وكان ما يتصدق به أحب ماله إليه، وأعز ما يدخره ما يقدمه مما في يديه لديه، لا يخفيه سؤال ولا يخفيه عذر عن نوال، وصحب بني وهب وعني به الوزير، قبيض سواد أمله، وروض سوء ممحله، وكان الوزير ممن خلقت يده للجود، ورفده لما لا يسع معه الجحود، فاتسعت جوانب ماله، وسعت مواهب كفه لمآله.
ذكره ابن خلكان وقال: كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، وأخذ الأدب عن المبرد وثعلب، وكان يخرط الزجاج ثم تركه، واشتغل واختص بصحبة الوزير عبيد
стр. 2151
الله بن سليمان بن وهب، وعلم ولده القاسم الأدب. ولما استوزر أفاد بطريقته مالًا جزيلًا.
وحكى أبو علي الفارسي قال: دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجاج على القاسم بن عبيد الله الوزير، فساره خادم له بسر استبشر له ثم نهض، ولم يكن أسرع مما عاودني [و] في وجهه أثر الوجوم، فسأله شيخنا عن ذلك، فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى القيان، فسمتها أن تبيعني إياها، فامتنعت عن ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها بأن تهديها إليَّ رجاء أن أضاعف لها ثمنها. فلما جاءت، أعلمني الخادم بذلك، فقمت مستبشرًا لافتضاضها، فوجدتها قد حاضت، فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الداوة من بين يديها وكتب: [من المديد]
فارس ماض بحربتِهِ … حاذق بالطعن في الظلم
رامَ أنْ يُدمي فريسَتَهُ … فاتَّقتْهُ مِنْ دَمِ بِدَمِ
قلت: وقد مر قبل هذا في ذكر المأمون، ويحتمل أن الزجاج تمثل بهما.
وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٢١] إبراهيم بن محمد بن عُرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صِفره الأَزْدي (١)، أبو عبد الله، الملقب نِفْطويه النحوي الواسطي
ذو الفضائل الحسان والآداب، والفضائل التي ما تمسك فيها بالأهداب، وله
стр. 2152
قريحة أكرم من الغمام، وأندى من الزهرة في الكمام، على أنه لم يخل من حاسد، ولا جاء إلا في زمن فاسد، فما بلغ مدى الاستحقاق، ولا بل بغير الدمع الآماق.
ذكره ابن خلكان، وقال: كان عالمًا بارعًا. ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل: سنة خمس بواسط، وسكن بغداد، وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة يوم الأربعاء لست خلون منه بعد طلوع الشمس بساعة، وقيل: توفي سنة أربع وعشرين، ولُقب نفطويه على مثال سيبويه؛ لأنه كان ينسب في النحو إليه ويجري على طريقته ويدرس كتابته.
وأنشد قوله: [من الكامل]
قلْبي أرقُّ عليكَ مِنْ خَدَّيكا … وقَوَايَ أوهى مِنْ قُوى جَفْنيكا
لِمْ لا تَرِقُّ لِمَنْ يُعذِّبُ نفسَهُ … ظُلمًا ويعطفُه هواهُ عَليكا
وفيه قال أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطي المتكلم المشهور: [من السريع]
مَنْ سَرَّهُ أنْ لا يَرَى فاسقًا … فليجتهد أنْ لا يَرَى نِفْطَوَيهْ
أحرَقَهُ اللهُ بنصف اسمِهِ … وصَيَّرَ الباقي صراخًا عليه
وأنشد نفطويه أيضًا لنفسه: [من السريع]
الإلف لا يصبرُ عَنْ الفِهِ … أكثرَ مِنْ يوم ويومين
وقد صَبَرنا عنكم جُمعةً … ما هكذا فِعْلُ المُحبّين
ومنهم:
[٢٢] أبو بكر، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري (١)، النحوي
صاحب التصانيف المشهورة في النحو والأدب، وساحب ذيول المفاخر
стр. 2153
المجرورة للزهو والدأب، لفضائل تروي كلّ صادية، وتردّ كلّ صافية بكل بديعة، جلست مع الملاح في مقاصيرها، وهبّت مع الرياح أعاصيرها، فَضَّت عن المدام ختامًا، وقوّضت عن الغمام خيامًا، فهطلت سكابًا، وطلعت مع كل ناسية سحابًا.
قال ابن خلكان: كان علامة وقته في الأدب، وأكثر الناس حفظًا لها، وكان صدوقًا ثقة، دينًا خيّرًا، من أهل السنّة، وصنف كتبًا كثيرة.
وذكره الخطيب في تاريخ بغداد، فأثنى عليه وقال: بلغني أنّه كتب عنه وأبوه حيّ، وكان على ناحية من المسجد، وأبوه في ناحية أخرى، وكان أبوه عالمًا في الأدب موثقًا في الرواية. أمينًا سكن بغداد.
قال القالي: كان أبو بكر الأنباريّ يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم، وقيل له: قد أكثر الناس في محفوظاتك، فقال: احفظ ثلاثة عشر صندوقًا، وقيل: إنّه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرًا للقرآن بأسانيدها.
وحكى الدارقطنيّ: أنّه حضر مجلس املائه يوم الجمعة، فصحّف اسمًا أورده [في إسناد] حديث. قال الدارقطنيّ: فأعظمت أن يُحمل عن مثله، وهممت أن أوقفه على ذلك، فلمّا انقضى الإملاء، تقدّمت إلى المستملي، فذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرف. ثم حضرت الجمعة الثانية في مجلسه. فقال أبو بكر: عرف الجماعة الحاضرين أننا صحّفنا الاسم الفلانيّ لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل، فوجدناه كما قال.
ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين، وتوفي ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين، وقيل: سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وتوفي أبوه سنة
стр. 2154
أربع وثلاثمائة ببغداد وقيل: في سنة خمس.
ومنهم:
[٢٣] عبد الله بن جعفر بن دُرُسْتَوِيه بن المرزبان، أبو محمد الفارسي (١)، النسوي، النحوي
معمر جاز أودية الظنون، وجاذب أردية المنون، وجال إذ مهدت له ميدانها السنون، فشب عمره معه حتى نور أقاح مشيبه وأخذ شعره في تفضيضه بعد تذهيبه، إلا أنه كبر وعمره منتهب، وبرد ولم يجمد له لهب، ولم يفقد طالب منه طول مدته إحسانًا، ولا جنى منه في عمريه إلا آسًا وسوسانًا، وخفقت عليه راية الرواية، وحققت فكره ورايه ودان لسانًا متكلمًا وبنانًا، لازمه الفن مستسلمًا، وعرى حين دنا حينه من برديه، ولم يعد من فوائد منكب ولا علا بأحد معه منصب، فمذ مات تساوى الناس، وتشابهت الأعضاء بذهاب الرأس.
روى عن المبرد، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة، وقدم بغداد شابًا وسكنها، وتصانيفه في غاية الجودة منها تفسير كتاب الجرمي وكتاب «الهجاء» وهذا من أحسن كتبه. و «معاني الشعر» و «شرح الفصيح» و «غريب الحديث» و الرد على ثعلب في اختلاف النحويين وتصانيف أخر ذكرها القفطي.
стр. 2155
ولد سنة ثمان وخمسين ومائتين، وكان شديد الانتصار لمذهب البصريين في المذهب والنحو واللغة، وهو من مسندي المحدثين، روى عنه جماعة من الحفاظ كالدارقطني، وابن المظفر، وابن شاهين وابن منده، و ابن رزقويه، وأبي علي بن شادان، ووثقه ابن مندة، وغيره.
وتوفي في صفر سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٢٤] الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي، النحوي (١)، المعروف، بالقاضي أبو سعيد
نزيل بغداد، صنو البحر الذي هو سور سيراف، وذيل بلده الممتد الطراف. علامة العلماء، وغمامة السماء، وشمس النهار المشرقة، وسحابة الأنواء المغدقة. تحلى بالورع، ولبس التقى وأدرع، فلم يكن بمشتبه ولا رأى مثله هاجع، ولا منتبه.
قال ابن خلكان: سكن بغداد، وتولى القضاء بها نيابة عن أبي محمد بن معروف، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، و «شرح كتاب سيبويه» وأخذ اللغة عن ابن دريد، والنحو عن ابن السراج، وكان الناس يشتغلون عليه في عدة فنون، في القرآن وفي علومه، وفي النحو واللغة والفقه والفرائض، والحساب، والكلام، والشعر، والعروض والقوافي، وكان نزهًا، عفيفًا، جميل الأثر، حسن الأخلاق، وكان معتزليًا، ولا يظهر ذلك عليه، وكان لا يأكل إلا من كسب يمينه ينسخ ويأكل منه، وكان
стр. 2156
أبوه مجوسيًا اسمه بهزاد فأسلم، فسماه ابنه عبد الله، وكان كثيرًا ما ينشد في مجالسه:
[من الكامل]
أسكن إلى سَكَن تُسَرُّ بِهِ … ذَهَبَ الزمان وأنت منفرد
ترجو غدًا وغد كحامِلَةٍ … في الحي لا يدرون ما تلد
وكان بينه وبين أبي الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني ما جرت العادة بمثله بين الفضلاء من التنافس، فقال أبو الفرج فيه: [من الخفيف]
لستَ صَدرًا ولا قرأت على صَـ … ـدرٍ ولا علمك البكي بشافي
لعن الله كل نحو وشعْرٍ … وعروض يجيءُ مِنْ سيراف
وتوفي يوم الاثنين ثاني رجب سنة ثمان وستين وثلاثمائة ببغداد وعمره أربع وثمانون سنة.
ومنهم:
[٢٥] الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان بن أبان، أبو علي الفارسي، الفسوي، النحوي (١)
رجل خط بيراعه، وحط الصبح عن قناعه، وكف الدهر عن قراعه، فَلَفَّ المجد في ملائه، وحف الوفد إلى آلائه، وسعت إليه الزمر، وسعدت لديه بالثمر، وجاءته الوفود، وتزاحمت لديه على الورود، وصدرت عنه الركائب، وقد ادعت حقائبها طيبًا، وحقائقها ما كان لسقام الأفهام طبيبًا، وكان على هذا لا يسلم من لسان حاسد وثالب
стр. 2157
حاشد، وثباته على هذا عجب، وإثباته في أهل التقدم قد وجب.
قال ابن خلكان: ولد بمدينة فسا، واشتغل بمدينة بغداد، وكان إمام وقته في علم النحو، ودار البلاد، وأقام بحلب عند سيف الدولة ابن حمدان مدة، وجرت بينه وبين المتنبي مجالس، ثم انتقل إلى بلاد فاس، وصحب عضد الدولة ابن بويه، وتقدم عنده، وعلت منزلته حتى قال عضد الدولة: أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو، وصنف له كتاب «الإيضاح» و «التكملة في النحو».
ويحكى أنه كان يومًا في الميدان بشيراز يساير عضد الدولة، فقال له: لم انتصب المستثنى في قولنا: قام القوم إلا زيدًا، فقال له أبو علي: بفعل مقدر، فقال له: كيف تقديره، فقال له: استثنى زيد، فقال له عضد الدولة: هلا رفعته، وقدرت الفعل نحو امتنع زيد؟ فانقطع أبو علي، وقال له: هذا الجواب ميداني، ثم أنه لما رجع إلى منزله، وضع في ذلك كلامًا، وحمله إليه فاستحسنه. وذكر في الإيضاح أنه بالفعل المتقدم بتقوية إلا.
وحكى أبو القاسم أحمد الأندلسي قال: جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي وأنا حاضر، فقال: إني لأغبطكم على قول الشعر، فإن خاطري لا يوافقني على قوله مع تحقيق العلوم التي هي مراده، فقال رجلٌ: فما قلت شيئًا منه؟ قال: ما أعلم أن لي شعرًا إلا قولي في الشيب: [من الوافر]
خَضَبْتُ الشَّيبَ لَمَّا كانَ عَيبًا … وخَضْبُ الشيب أولى أن يُعابا
ولم أخضب مخافةَ هجرِ خِلٌ … ولا عَيْبًا خشيت ولا عتابا
قال ابن خلكان - وقد أخذ في ذكره -: وبالجملة، فهو اشهر من أن يذكر فضله ويعدد، وكان متهمًا بالاعتزال، ومولده سنة ثمان وثمانين ومائتين.
وتوفي لسبع عشرة ليلة خلت من أحد الربيعين سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ببغداد.
وفسا من بلد فارس.
ومنهم:
[٢٦] أبو الحسن، علي بن عيسى بن عبد الله (١) الرُّمَّاني (٢)، الوراق، المعروف بالإخشيدي
رجل صفو زلاله لم يكدر، وصنو جلاله عليه لم يكدر، ورد العل والنهل،
стр. 2158
وجرى الناس وراءه وهو على مهل، وكم سبح في بحره السَّماكان، وما فيهما اسم كان، إلى أن قتل غارب الشارق، وفعل فعل ابن ذكاء في المشارق، وقبس منه الضرام وأضاء نهاره، وغيره يخبط في الظلام.
كان إمامًا في علم العربية، علامة في الأدب، في طبقة أبي علي الفارسي، وأبي سعيد السيرافي، أخذ عن ابن السراج، وابن دريد، والزجاج. وله تصانيف في جميع العلوم من النحو، واللغة، والنجوم، والفقه والكلام على رأي المعتزلة. وكان يمزج كلامه في النحو بالمنطق حتى قال أبو علي الفارسي: إن كان النحو ما يقوله الرماني، فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن، فليس معه منه شيء. وكان يقول: النحويون في زماننا ثلاثة:
واحد لا يفهم كلامه، وهو الرماني، وواحد يفهم بعض كلامه، وهو أبو علي الفارسي، وواحد يفهم جميع كلامه بلا أستاذ، وهو السيرافي.
وقال القاضي أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي: سمعت شيخنا الرماني يقول، وقد سئل، فقيل له: لكل كتاب ترجمة، فما ترجمة كتاب الله ؟ فقال:
﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾ (١).
وقال أبو حيان التوحيدي: سمعت علي بن عيسى يقول لبعض أصحابه: لا تعادين أحدًا، وإن ظننت أنه لن ينفعك؛ فانك لا تدري متى تخاف عدوك، أو تحتاج إليه، ومتى ترجو صديقك، أو تستغني عنه، وإذا اعتذر عدوك، فاقبل عذره، وليقل عتبه على لسانك.
стр. 2159
ومما تمثل به وقد شتمه بعض سائليه عن مسائل أجاب عنها بما لا وصل إلى ذهن السائل: [من الوافر]
ولولا أنْ يُقال هِجَاءُ نُمَيرٍا … ولَمْ نَسْمَعْ لِشَاعِرِها جَوابا
رَغِبْنا عَنْ هِجاءِ بَني كِلابِ … وكَيْفَ يُشَاتِمُ النَاسُ الكِلابا
قال التنوخي: وممن ذهب في زماننا إلى أن عليًا أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ من المعتزلة أبو الحسن الرماني الإخشيدي. ولعله كان تلميذ ابن الإخشيد المتكلم، أو على مذهبه.
توفي في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة في خلافة القادر بالله.
ومنهم:
[٢٧] محمد بن الحسين بن محمد بن عبد الوارث الفارسي، النحوي (١)، أبو الحسين ابن أخت أبي علي الفارسي
تنقل في الأرض تنقل السحاب، وتوقل الذُرى توقل العقاب، وخاطر في اقتحام المهامه، وخاض غمرات الموت المتشابه، ولم يهب جنح الدجى، ولا وقف دون مرتجى، فطوى البيد ونشرها، وساق البُدن ونحرها، حتى جال في القلوب، وجاب أكثر ما تحت السموات، وسما به الدهر حتى قرع باب السلطان، وولج سماه، وابتهج نعماه، وحصل أضعاف ما تحوزه المواريث، وساد فوق سؤدد أبائه وجده عبد الوارث، وكان أحد أفراد الدهر، وأعلام الفضل، وهو الإمام في النحو بعد خاله، وعنه أخذ حتى استغرق علمه، واستحق مكانه، أوفده خاله على الصاحب بن عباد، فأكرم مورده ومصدره، ونال منه أوفر حظ، ثم ورد إلى خراسان، وأملى بنيسابور الأدب، ثم قدم على صاحب خوزستان، وحظي عنده، ثم رجع إلى غزنة، ثم أتى نيسابور، وأقام باسفرايين، ثم استقر بجرجان، وأخذ عنه أهلها فضلًا كثيرًا. ومن تلاميذه عبد القاهر الجرجاني.
وتوفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
ومن شعره قوله: [من الكامل]
стр. 2160
وَمُطَهَّمٌ مَا كُنْتُ أحْسَبُ قَبْلَهُ … أَنَّ السُرُوجَ عَلَى البَوَارِقِ تُوضَعُ
فَكَأَنَّمَا الجَوْزَاءُ حِينَ تَصَوَّبَتْ … لَبَبٌ عَلَيْهِ وَالثُّرَيَّا بُرْقَعُ
ومنهم:
[٢٨]
أبو منصور، عبد الملك بن أحمد بن إسماعيل الثعالبي (١)
توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
جامع أدب ما ترك، وسامع طرب لا يملك به الحرك، ألف كتاب «اليتيمة»، وتصرف بها في سحاب درر ما لها قيمة، جمع فيها فأوعى لكن من مسك الحقائب، واستدعى لكن غرر الغرائب، وضمن فيها ذكر من لا شبهة في فضله، وضم الشيء إلى مثله، وأبدع في تأليفه، وشرع به منهجا جاء الدوح المنمر في لفيفه، والروض المزهر في تفويفه، والدر الثمين في ترصيفه، والقمر والهلال وهما لا يبلغان مدي مده ولا نصيفه، بكلام تنكل السيوف عن حد مقوله، وتكل الأفهام في فسيح تأوله، وتنكر لوامع البرق أن تقاس بتطويله، وتتذكر الأيام لا بل نجوم الظلام، ولا يجاري نسبه الثعالبي ثعلب فجره ولا سرحان، أوله بمعجز يتحدى به على البلغاء ولا يغلب، وموجز يعطي من طرف اللسان حلاوة ويروغ كما يروغ الثعلب، وفيها يقول ابن قلاقس (٢): [من مجزوء الكامل]
أبيات أشعار اليتيمة … أبكار أفكار قديمة
стр. 2161
مَاتُوا وعَاشُوا بعدهم … فلذاكَ سُمِّيَتِ اليَتِيمَةُ
وقد مر في بعض تراجم من تقدم من الشعراء من كلامه ما حلا ذوقًا، وتدفق نهرًا، شق عن مائه الفضي طوقًا مما خف موقعه، وشف حتى كاد يراه من يسمعه، وطف فالتقط منه الدر من يجمعه، ولم يبق إلا من كتبه ولوعًا بحسنه، وتهافتًا عليه، كثر نسخه حتى صار كأنه ما هو غريب في فنه، ومما كثر وجوده، وهان وهو عزيز وابتذل وهو في موضع من الفنانة حريز، فسار وما كان أحد لاعتلاقه به أخلى منه سمعه، وصار أرخص القيمة، كأنه الياسمين ما يساوي جمعه.
ومن شعره المروي بل نثره الذي لو ظفرت به ذات غيد، لما صاغت من سواه حلية سوارها الملوي قوله (١): [من مجزوء الرجز]
إنسانة تياهَةٌ … بدرُ السَّما منها خَجِلْ
اذا رأى طَرْفِي بها … بدمع عيني يغتسل
وقوله، وكتب به إلى الأمير أبي الفضل الميكالي (٢): [من الكامل]
لك في المفاخر مُعجزاتٌ جَمَّةٌ … أبدًا لغيرك في الوَرَى لَمْ تُجمَعِ
بحران: بحر في البلاغة شأنُهُ … شِعْرُ الوليد وحسن لفظ الأصمعي
كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو … كالوَشْي في بُرْدٍ عليهِ مُوَشَّعِ
شكرًا فكمْ مِنْ فِقْرَةٍ لكَ كالغِنَى … وافي الكريم بعيد فقرٍ مُدْقِع
واذا تفيق نور شعْرِكَ نَاضِرًا … فالحُسنُ بينَ مُرَبَّع ومصرع
أرجلت فرسان الكلام ورُضْتَ أفـ … ـراس البديع وأنتَ أجملُ مُبدع
ونقشت في فص الزمان بدائعًا … تُزْرِي بآثار الربيع الممرع
وقوله (٣): [من البسيط]
لما بعثت فلم توجب مطالعتي … وأمعنت نار شوقي في تلهبها
ولم أجد حيلةً تُبقي على رَمَقيْ … قَبَّلْتُ عيني رسولي إذ راك بها
ومنهم:
стр. 2162
[٢٩] أبو الفتح، عثمان بن جني الموصلي، النحوي (١)، صاحب التصانيف
ناهيك به من أعور عينه نضاخه، وأرضه مما تنبت سواخه، ولم ير مثله في توجيه المعاني، وسد بيوت القصائد الوثيقة المباني، وكان أبو الطيب المتنبي إذا سئل عن معنى قاله أو توجيه إعراب حصل فيه إغراب، دل عليه، وقال: عليكم بالشيخ الأعور، ابن جني فسلوه فإنه يقول ما أردت وما لم أرد، وما أبقى له بهذا فخرًا بمثله يتميز، وبفضله يعزز.
قال ابن خلكان: كان إمامًا في علم العربية، وقرأ الأدب على أبي علي الفارسي، ثم قعد للإقراء بالموصل، فاجتاز به شيخه فرآه، فقال له: «زببت وأنت حصرم» فترك حلقته، وتبعه ولازمه حتى تمهر.
وكان أعور، وفي ذلك يقول: [من المتقارب]
صُدودُكَ عَنِّي وَلا ذَنْبَ لي … يَدُلُّ عَلى نِيَّةٍ فاسِدَة
فَقَدْ وَحَيَاتِكَ مِمَّا بَكَيْتُ … خَشِيتُ عَلَى عَيْنِيَ الوَاحِدَة
ولولا مخافة أن لا أراكَ … لَمَا كانَ في تركها فائدة
وسأل شخص المتنبي، فقال: كيف أتيت الأدب في قولك «باد هواك صبرت أو لم تصبرا»؟ فقال: لو كان هناك ابن جني أبو الفتح لأجابك.
стр. 2163
وولد قبل الثلاثين وثلاثمائة بالموصل، وتوفي لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٣٠] أبو الحسن، علي بن أحمد بن علي بن متويه (١) الواحدي صاحب التفاسير المشهورة
نجمه ما غرب، وسهمه موفى لا من نبع ولا من غرب، وصل إلى صدر الندي مذ فصل عن الصدر والثدي، وما شبه له في الاحتلام، وشبَّ كما شبّ الغلام، حتى افتر له ثغر السؤدد وابتسم، واستهم على الفضل واقتسم، فما بقل نبت عارضه إلا وقد نبت
стр. 2164
نباتًا حسنًا، وثبت ثباتًا يجعل له الجوارح السنا قننا قلت أناره السهوب والسهول، وعلت به شباب تسامت للعلا وكهول.
قال ابن خلكان: كان أستاذ عصره في النحو والتفسير، ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها، ومنها «البسيط» و «الوسيط» و شرح ديوان المتنبي شرحًا مستوفى ليس في شروحه مع كثرتها مثله، وذكر فيه أشياء غريبة منها أنه قال في شرح هذا البيت وهو: [الكامل]
وإذا المكارم والصوارمُ والقَنَا … وبناتُ أعوج كلُّ شيءٍ يَجْمَعُ
تكلم على هذا البيت فقال: أعوج إنه فحل كريم كان لبني هلال بن عامر، وإنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه، قال: ضللت في بادية وأنا راكبه، فرأيت سرب قطا يقصد الماء فسقته، وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعةً واحدةً، وهذا أغرب شيء يكون، فإن القطا شديد الطيران، وإذا قصد الماء، اشتد طيرانه أكثر من غير قصد الماء، ثم ما كفى حتى قال: كنت أغض من لجامه، ولولا ذلك لكان يسبق القطا، وهذه مبالغة عظيمة، وإنما قيل له أعوج؛ لأنه كان صغيرًا، وقد جاءتهم غارة فهربوا منها، وطرحوه في خرج، وحملوه لعدم قدرته على متابعتهم لصغره، فاعوج ظهره من ذلك، فقيل له: أعوج، وهذا البيت من جملة القصيدة التي رثى بها فاتكأ المجنون.
وكان الواحدي المذكور تلميذ الثعلبي صاحب التفسير، وتوفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة بنيسابور.
ومنهم:
[٣١] الشريف الشجري، أبو السعادات، هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الحسني (١)
مطيل غرر وشيات، ومديل حسنات من سيئات، كان يتيمًا يرتع في ميدانه، ويربع
стр. 2165
على أخدانه، إذا به قد قطب وتنكر وأتى منه ما ينكر، ولكل امرئ نفسان، والخير والشر في اللسان، إلا أنه كان علمًا، وكان وجود الناس سواه عدمًا، لفواضل كأنما جعلت رزقًا للنسيم، أو حقًا له منه أوفر القسيم.
قال ابن خلكان: كان إمامًا في النحو واللغة، وأشعار العرب وأيامها وأحوالها، كامل الفضائل، متضلعًا من الآداب، صنف فيها عدة تصانيف أكثرها، وأجلها كتاب «الأمالي» وهو من الكتب الممتعة، ولما فرغ من إملائه، حضر إليه ابن الخشاب، والتمس منه سماعه عليه، فلم يجبه إلى ذلك، فعاداه ورد عليه في مواضع منه ونسبه فيها إلى الخطأ، فوقف عليها الشريف، فرد عليه رده، وبين وجوه غلطه في كتاب جمعه وسماه «الانتصار» وهو على صغر حجمه مفيد جدًا، وكان حسن الكلام، حلو الألفاظ، فصيحًا، جيد اللسان والتفهيم، وقرأ الحديث بنفسه على جماعة من المتأخرين مثل أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وابن شهاب الكاتب، وغيرهما:
وذكره السمعاني في الذيل: وكان الشريف أبو السعادات ينوب عن والده الطاهر في النقابة بالكرخ.
وله شعر حسن منه قوله: [من الكامل]
هذه السُّدَيْرَةُ والغدير الطافحُ … فاحفظ فؤادَكَ إِنَّني لك ناصحُ
стр. 2166
يا سِدْرَةَ الوادي الذي إنْ ضَلَّهُ … الساري هداهُ نَشْرُهُ المُتَفاوِحُ
هل عائدٌ قبلَ المَماتِ لمُغرَمِ … عَيْشٌ تَقَضَّى في ظِلالِكَ صالِحُ
ما أنْصَفَ الرَّشَأُ الضَّنينُ بنظرة … لما دَعا مُصْغِي الصَّبابة طامِحُ
شَطَّ المَزارُ بِهِ ويُؤوِيءُ مَنزِلًا … بَصَمِيمِ قَلْبِكَ فَهْوَ دانٍ نازِحُ
غُصْنٌ يُعَطِّفُهُ النَّسيمُ وَفَوقَهُ … قَمَرٌ يَحُفُّ بهِ ظَلامٌ جانِحُ
وإذا العيونُ تساهَمَتْهُ لِحاظُها … لمْ يُرْوَ مِنْهُ الناظرُ المُتَراوِحُ
ولقدْ مَرَرْنَا بالعقيقِ فشاقنا … فيهِ مَراتِعُ لِلمُها وَمَسارِحُ
ظَلْنا بِهِ نَبكي فكمْ مِنْ مُضْمِرٍ … وَجْدًا أَذاعَ هَواهُ دَمعٌ سافِحُ
مَرَّتِ الشُّؤونُ رُسومُها فكأنّما … تِلْكَ العِراصُ المُقفِراتُ تَواضِحُ
يا صاحِبي تأمَّلا حُيِّيتُما … وَسَقَى ديارَكُما المُلَثَّ الرائحُ
أدْمَى بدتْ لِعُيوننا أَمْ رِبْرِبٌ … أَمْ خُرَّدٌ أكفالُهُنَّ رَواجِحُ
أمْ هذهِ مُقَلُ الصُّوارِ رَنَتْ لَنَا … خِلَلَ البَراقِعِ أَمْ قَنَا وَصَفائِحُ
لمْ تَبْقَ جارحة وقدْ واجَهَننا … إلا وهُنَّ بِصَيْدِهِنَّ جَوارِحُ
كيفَ ارْتِجاعُ القَلْبِ مِنْ أسْرِ الهَوَى … وَمِنَ الشَّقَاوةِ أنْ يُراضَ القارِحُ
لو بلَّهُ مِنْ ماءِ ضارجَ شُرْبةٌ … ما أثَّرَتْ للوَجْدِ فيهِ لَوافِحُ
ولد في رمضان سنة خمس وأربعمائة.
وتوفي يوم الخميس السادس والعشرين من رمضان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وعندي ما ذكره ابن خلكان، أي مدة عمره نظر، فإنه قل أن يبلغ أحد هذا المدى هذا العمر من زماننا الأخير الواقع في خطة العمر القصير.
ومنهم:
[٣٢] ابن الخشاب، عبد الله بن أحمد بن أحمد النَّحْويُّ (١)
تنكرت المعارج حتى أزاح شبهها، وأزال سموها، وأزار الألباب نزهها، ففتح
стр. 2167
المغلق، وأقاد الصعاب، وأفاد الصحاب، وكان ندى يتفجر ولالا، ولا تعرف أيامه زوالا، وشق البحر وراءه والتطم، وبلغ السيل آثاره وارتطم، ورجع خلفه السحاب بغيظه محنقًا والبرق بناره محرقًا، فما نهنه في طلب، وما زهزه لطرب إلى أن فصل عليه الكفن، ولم يشك أن دافنه للشمس قد دفن.
قال صاحب بغية الألباء: كان غاية في الذكاء والفهم، آية في علم العربية خاصة، وفي سائر العلوم كافة، ورأيت قومًا من نحاة بغداد يفضلونه على أبي علي الفارسي. زعموا أنه كان يعرف ما عرف أبو علي، وزاد عليه في علم الأدب وغيره؛ لتفننه في جميع العلوم، قد سمع حديث النبي ﷺ وأكثر تفهمه، وعرف صحته وسقمه، وبحث عن أحكامه، وتبحر في علومه، ورأيت بخطه كثيرًا من كتب الحكمة، وكان حسن السيرة سالكًا طريقة الأوائل في هديه وسمته، لا يتكلف في شيء من أمر ملبوسه وهيأته، وإذا سمعت كلامه، ظننته عاميًا لا يفقه شيئًا.
وكان مع ما شاع من فضله مشتهرًا بلعب الشطرنج، وكان رؤساء زمانه ووزراء وقته يودون مجالسته ويتمنون محاضرته، فيتركهم ويمضي إلى حريف له ونجي، قبيح الصورة، سمج الألفاظ، يعرف بشبيل، فيجلس معه على قارعة الطريق في بعض الدكاكين ويلاعبه، ويسافهه ويهزأ به، أو يمضي إلى الرحبة، أو شاطئ دجلة، فيقف على الحلق، وأرباب الحكايات والشعبذة وما ناسبهم، فكان إذا لاموه على ذلك، يقول: إنه تندر منهم نوادر لا يكون أحسن، ولا ألطف منها، وصحة قرائحهم وتصديهم لما هم بصدده، وكان مع ذلك لا يخلو كمه قط من الكتب وأنواع العلوم، وكان بينما هو يمشي في الطريق، يخطر له قراءة شيء، فيجلس كيف اتفق، ويفتح الدفاتر فيطلع فيها، وكان يعتم العمة، فتبقى أشهرًا معتمة حتى تتسخ أطرافها من
стр. 2168
عرقه فتسود، وكان إذا رفعها عن رأسه، ثم أراد لبسها، تركها على رأسه كيف اتفق، فتارة عذبتها تلقاء وجهه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فلا يغيره، فإذا قيل له في ذلك، قال: ما استوت العمة على رأس عاقل. هذه كانت حجته.
وكان الوزير ابن هبيرة يلومه على تبذله، فلا يلتفت إليه، ولا يتغير عن سجيته، وما جبلت عليه، ودام لا يصغي للائم، ولا ينقاد لمناف ولا ملائم.
ومن نوادره [أن] بعض من كان يحضر مجلسه قال له يومًا: القفا يُقْصَرُ أو يُمَدُّ؟
فقال: يمد ويُقصر.
ومنها أن الكمال عبد الرحمن الأنباري لما صنف كتاب «الميزان في النحو» وعرض على ابن الخشاب، قال: احملوا هذا الميزان إلى المحتسب ففيها عين.
ومنها أنه كان يومًا في داره في وقت القيلولة، والحر شديد وقد نام، إذ طرق الباب عليه طرقًا مزعجًا، فانتبه، وخرج مبادرًا، وإذا رجلا [ن] من العامة، فقال: ما خطبكما؟ فقالا: نحن شاعران، وقد قال كل منا قصيدة وزعم أنها أجود من قصيدة صاحبه، وقد رضينا [ك]، فقال: لينشد أحدكما. قال: فأنشد أحدهما، وهو مصغ إليه، فلما فرغ هم الآخر بالإنشاد، قال له ابن الخشاب على رسلك شعرك أجود. فقال: كيف خيرت شعري ولم تسمعه؟ فقال: لا يمكن أن يكون شيء أنحس من شعر هذا.
قال أبو محمد بن الخشاب: خرجت من الحلة السيفية قاصدًا زيارة مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكان في الصحبة رجل من سكان المشهد يعرف بابن الشوكية علوي، فنزل بنا على بطن من خفاجة؛ ليستصحب معنا منهم خفيرًا، فأكرموا نزلنا، وجاء منهم في الليل صبي ما أظنه بلغ سبعًا، وعليه آثار مرض قد نهكه، فسلم علينا، فقال له العلوي: ما بك يا فلان وسمى الصبي؟ فقال مجيبًا له: بي أنَّ لي مدة أُجْهَدُ وأَمْعَدُ - يريد بأجهد أفعل من قولك رجل مجهود من جهد الحمى، وأمعد أن يصيبني وجع في المعدة، يقال: مُعِدَ فهو ممعود، كما يقال: كُبِد فهو مكبود إذا أصاب كبده مرض، وكذا فئد فهو مفؤود، وباقي الأعضاء، وكذا يقال فيمن أصيب هذا العضو منه برمته، فقال: أميدي أم مرجول أي أصيب يده أم رجله، فتعجبت من فصاحة الصبي، وكان في الرفقة شيخ من أهل المشهد، فسمعه وقد أعيا من السير يقول لعبد له: يا مقبل فركني، فقلت لبعض من معنا: ما معنى قوله فركني؟ فقال: يريد غمزني؛ ليزول تعبي، فقلت: لا إله إلا الله، خالق ذلك الصبي وهذا الشيخ واحد، فكم بين اللسانين والسنين.
وكان أبو محمد يؤدب أولاد المستنجد: المستضيء، وأخاه الأمير أبا القاسم،
стр. 2169
فكان يشتد عليهما في التعليم، فلما أفضى الأمر إلى المستضيء رضي ابن الخشاب أن يخلص منه رأسًا برأس، وذلك أنه كان يظهر منه تفضيل أخيه عليه، فلم يذكره بنفسه.
قال العدل مسعود بن يحيى بن النادر: كنت يومًا بين يدي المستضيء، فقال لي: كل من نعرفه قد ذكرنا بنفسه، ووصل إليه برنا إلا ابن الخشاب، فما خبره؟ فاعتذرت عنه بعذر اقتضاه الحال، ثم خرجت، فعرفت ابن الخشاب ذلك، فكتب إليه هذين البيتين:
[من الكامل]
وَرَدَ الورى سَلسال جودِكَ فارتَوَى … فوقفتُ دونَ الوَرْدِ وِقفَةَ حَائِمِ
ظمآن أطلب خِفَّةً مِنْ زَحْمَةِ … والوِرْدُ لا يزداد غير تزاحم
قال ابن النادر: فأخذتها منه، وعرضتها على المستضيء، فأمر له بمائتي دينار، فقال: لو زادنا لزدناه.
وأنشد لنفسه: [من الكامل]
أفديهِ مِنْ مُتَعَتِّبٍ مُتجنِّبٍ … قَدْ ضَنَّ حَتَّى بالخيال الطارق
ما زال يمطلني بوعد كاذب … حتى تكشف عَنْ صُدُودٍ صادق
واجتمع جماعة من الحنابلة بمسجد ابن شافع يسمعون كتاب ابن منده في فضائل أحمد بن حنبل، ومحنته في القرآن، وما جرى له مع الخلفاء من بني العباس، فذموهم ولعنوهم وذموا فلانًا وفلانًا. وكان الكتاب يقرأ على ابن الخشاب، فأنكر عليهم إنسان دمشقي فقيه، وقال: هذا لا يجوز تلعنون أئمة المسلمين، وفقهاء الدين، فقاموا إليه، وسبوه، وهموا به، ووصل الخبر إلى الخليفة، فتقدم إلى حاجب الباب، فأخذهم وأخذ ابن الخشاب، وأن يركبوا بقرًا ويشهروا في البلد، فقبض على جماعة منهم، وهرب ابن الخشاب فلحق بالحلة إلى أن شُفِعَ فيه، فعاد، فقال ابن الخشاب في غيبته: [من الوافر]
إذا دار السلام نَبَتْ بمِثْلي … فَجُنِّبَتِ السلامة والسلاما
ولا جَرَتِ الصَّبا إلا سَمُومًا … بها وهبت سحائبها سماما
ومن شعره قوله في زعيم الدين بن جعفر صاحب المخزن، وكان قد ورد في مكة، يعتذر فيها عن تأخره عن قصده بطريق مرض عرض له في رجله: [من الطويل]
لئن قعدت بي عَنْ تلقّيكَ عِلَّةٌ … غدوتُ بها جلسًا لرَبعِيَ مِنْ شَهرِ
رمتني في رجلي بقيد تقاصرتْ … خُطايَ لهُ والقيد ما زال ذا قَصْرِ
اذا قلت قد أفْرَقْتُ منها تجدَّدت … فأودى بها نهضي وهيض بها كَسْري
فما قعدت [بي] عن دعاء أفيضُهُ … ولا قصرت [بي] عن ثناء وعن شُكرِ
стр. 2170
قَدِمْتَ عَلَينا مِثْلَ ما قَدِمَ الحَيا … على بلدٍ مَيْتٍ فقير إلى القطر
فأصبحَ مُغبر البلادِ مُنوَّرًا … به زهر غض كأخلاقك الزهر
وعدت وبالبيت الحرام صبابة … إليكَ وبالركن المُعظم والحِجْرِ
وقد صَحِبْتَ الحُجَّاجَ مِنْكَ مُبَارَكًا … غزير الندى طلقًا محياه ذا بشر
أخا كرم إن أخلف الغيثُ أخلفتْ … يداهُ بمنهل مِنَ البِيْضِ والصُّفْرِ
فكلهم مثن عليك وشاكر … لنُعماكِ مغمور بنائلكَ الغَمْرِ
خصصتك بالمدح الذي أنتَ أهْلُهُ … فجاءَكَ مِنْ صدر أمرى ناحل الصدر
وأيسر ما أخفيه ما أنا مُظهر … فدع عنكَ شِعْرِي جَلَّ قدرُكَ عَنْ شِعْرِي
وقوله فيه وقد ورد كتابه من فيد: [من الوافر]
فإنْ تَكُ مُحْرِمًا مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ … فقدْ حَرَّمْتُ غُمْضي بالعراق
شمائلكَ الشَّمول فكيف تقضي … فُروضَ الحج بالكأس الدهاق
وأنتَ الطَّيب إن صافحت كفًّا … تَحَلَّلَ مُحرمًا بدم مُرَاقِ
ولما جاءت البشرى بكُتب … فكانت كالقميص على الحداق
ضممت إلى الفؤادِ كتاب فيد … فضاعف بَرْدُهُ حَرَّ اشتياقي
فخبر بالسلام ثم بين … بأنَّ الماء ضاق على الرفاق
وكيف يضيق ماء عن حجيج … وسحب يديك غيث ذو انبعاقِ
سلمت على الأنام ولي خُصوصًا … وحاطَكَ رافع السَّبْعِ الطباق
ومنهم:
[٣٣] ملك النحاة، أبو نزار، الحسن بن أبي الحسن النحوي (١)
وشيخ الأوساخ، وصبي العقل وقد شاخ، طلع من القذر، وطبع في الهذر، وأتى
стр. 2171
منه نوع وحي حيوان عجيب، لا يدخل عقله في حد، ولا يحصى جهله بعد، لو عجب أحدٌ عليه ونادى هلما إليه، لأتى الناس إليه إتيان الحجيج، ولم يسمع ما حوله من الضجيج، ورأوا عجبًا ما رأوا مثله، ولا جاء نظيره مثله، وكان له قط له معه أسمار، وأحاديث يتحاكاها السمار.
وسيأتي من خبره وخبر قطه العجب العجاب، ويعرف به عذر القطاط إذا هرت على الكلاب، إلى غير هذا من قلة عقله، وكثرة جهله، وسوء حركاته وفعله، وما لا ينكر من حاله، ولا يتعجب من محاله، فشكرًا لقبر أزاح معايبه، وأراح معاتبه، فلقد جبر القبر ذلك القبر المنهاض، وغطى التراب ذلك الذي ما رمى في المرحاض، لكن التراب لم يوار سوأته، ولا أذهب هفوته، فعجب لدود أكله كيف ما قاءه، ولقبر حل فيه كيف ما كره بقاءه، فجوزيت تلك العظام النخرة، وتلك النفس المفارقة لتلك الجيفة القذرة.
وقال فيه العماد الكاتب: أحد الفضلاء المبرزين بل واحدهم فضلًا، وماجدهم نبلًا، وكبيرهم قدرًا، ورحيبهم صدرًا، قد غلبت عليه سمة ملك النحاة، وسهرت بفضله ألسن خلانه وعداه، سمح البديهة في المقاصد النبيهة، كثير الأبية عن المطامع الدنية بالمطالب النزيهة، والمراتب الوجيهة. ولقد كانت نجائبه تجتبيه للنحاة بضاعة وافية، وبراعة يراعته للكفاة كافية يأخذ القلم فيمشق الطرس في عرضه نظمًا يعجز ونثرًا يعجب، ونكتًا ترقص، ونتفًا تطرب طرق بلاد العجم، ولقي كرماء كرمان، ووصل إلى أصبهان، وكان مطبوعًا مناسب الأحوال والأعمال، تحكم على أهل التمييز بحكم ملكه، فيُقبل ولا يستثقل، يقول: هل سيبويه إلا من رعيتي وحاشيتي؟ ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي. مرَّ الشيمة حلو الشتيمة، يضم يده من الذهب على المائة والمائتين، ويمشي منها، وهو صفر اليدين، مولع باستعمال الحلاوات السكرية،
стр. 2172
وإهدائه لجيرانه وإخوانه، مغرى بإحسانه إلى خلصائه وخُلَّانه. وقد ناهز الثمانين، وألقى العرانين، وجرب الغث والسمين، وقد وصلت إليه خلعة مصرية، وجائزة سنية، فأخرج القميص الديبقي إلى السوق، فبلغ دون عشرة دنانير، فقال: قولوا: هذا قميص ملك كبير أهداه لملك كبير؛ ليعلم الناس قدره فَيَحُلُّوا عليه البِدَرَ على البدار، وليُجلُّوا قدره في الأقدار، ثم قال: أنا أحق به إذا جهلوا حقه، وتنكبوا سبل الواجب وطرقه.
قال العماد الكاتب: كتب إليَّ لما أخذت المدرسة بدمشق: أنا أهنئ تلك المدرسة بخصائص فلان، فإنها زالت عنها ظلمة الجهل إلى نور الفضل، وأنا بمشيئة الله وحسن توفيقه على عزم المصير إلى زيارته يوم الثلاثاء: [من الخفيف]
فارتقب أيها العماد حُضوري … وانتظر أن أزور يوم الثلاثا
وارض بالعالم الولي ودع حبـ … ـل المعاني يا ذا العلا أنكاثا
والجانب العزيزي معتد لي بهذه إلى أن أحضر لأخدم فضله.
قال: وكتب لي أبياتًا ومعها رقعة إلى نور الدين فيها: [من السريع]
قولوا لنور الدين يا مالكًا … إنعامه نام إلى الناس
لا تنسني يا ذا العُلا والنُّهى … حاشاكَ أنْ تُوسم بالناسي
أوحشني الدهر وأبناؤه … فاختر لكَ الخير بإيناسي
والرقعة أولها: شكرت اهتمام فلان وسعيه، واعتذرت إليه من التصديع، ولكن بيته وفضله يحثانه على احترام الفضل، فليس لغيره، وقد أثرت في الشيخوخة والكبر، ولولا ذلك لقصدت خدمته وقد قال الأول: [من السريع]
وما بَقِي في لمُستمتع … إلا لساني وكفاني لسان
والأبيات: [من السريع]
قل لعماد الدين يا كاتبًا … يفزعُ مِنْ أقلامه الصابي
وشاعرًا ألفاظهُ عذبةٌ … إِنْ كانَ لفظ الغير كالصَّابِ
ويا فقيهًا راميًا خَصْمَهُ … في الحفل إن جاء بأوصاب
قد كنت قبل اليوم أشعرتني … بان نور الدين أوصى بي
فأوصل المكتوب ياذا استعض … مِنْ فَرْطِ إجداب وإخصاب
وكتب إليَّ: [من السريع]
قل لعماد الدين وهوَ الذي … يَمُتُّ بالفقه وبالشعر
وإنه يخجل إنشاؤه الـ … صابي ذا المجد وذا الفخر
стр. 2173
لا تنسَ حَقَّ العالم الأوحد الـ … باجح بالنظم والنثر
فإنني مُثْنٍ على فَضلِكَ الـ … باهر في سِر وفي جَهْرِ
ألا فاسعد وابق ما رَجَعَتْ … صادحة في وضح الفَجْرِ
وكتب إليَّ، وقد طلب مني السكر، فأبطأ عليه: [من السريع]
قُلْ لعماد الدين عني إذا … رأيتَهُ في نَهرِهِ الحفل
ضننت بالسُّكَّرِ يا مَنْ لَهُ … سُنَّةُ فَرضِ الفضل والنفل
فاستدرك الفارط واسلم إذا … ما صَدَحَتْ وَرقاء في أَثْلِ
قال: ومكتوباته إليَّ كثيرة، وإنما أوردت هذه اللمعة ليستدل بها على مذاهبه ومآربه ورغائبه وغرائبه. وذكره ابن المستوفي فقال: إنه ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ العلوم، وسمع من الشريف أبي طالب الزينبي، وقرأ علم المذهب على الشيخ أحمد الأشنهي، وقرأ علم أصول الدين على أبي عبد الله المغربي القيرواني وقرأ أصول الفقه على ابن برهان، وقرأ علم الخلاف على أسعد الميهني، وقرأ النحو على الفصيحي الاسترابادي، وقرأ الفصحى على عبد القادر الجرجاني، وفتح له الجامع ودرس فيه، ثم سافر إلى بلاد خراسان وكرمان وغزنة، ثم دخل إلى الشام، ثم قدم دمشق وخرج منها، ثم عاد إليها، واستوطنها إلى أن مات بها. وذكر مصنفاته في النحو والعروض والفقه على مذهب الشافعي والأصول.
وذكر أن له ديوان شعر، ومنه في المديح الشريف النبوي زاده الله شرفًا، قوله: [من البسيط]
لله أخلاق مطبوع على كَرَمِ … ومَنْ بِهِ تشرف العلياءُ والكَرَمُ
أغر أبلجُ تسمو عَنْ مساجلة … إذا تُذُوكرت الأخلاق والشيم
سمت عُلاكَ رسول الله فارتفعتْ … عَنْ أَنْ يُشير إلى أبياتها قَلَمُ
يا مَنْ رأى الملأ الأعلى فَراعَهُمُ … وهو على الكونين يحتكم
يا مَنْ له دانت الدنيا وزخرفتِ الـ … أُخرى ومَنْ بعلاه تفخرُ النَّسَمُ
يا مَنْ به عاد وجه الأرضِ مُتَّضِحًا … مِنْ بعد أن ظهرت بالباطل الظُّلَمُ
ومن تواضع جبريل الأمينُ لهُ … ودونَ حَقِّ نُهاهُ هذه القسم
علوتَ عَنْ كل مدح يُستعاض [به] … فما الجلالُ الذي تَنْحُوهُ والعِظَمُ
على علاك سلامُ اللهِ مُتَّصِلًا … ما شئت والصلواتُ الغُرُّ تبتسم
ومنه قوله: [من السريع]
أراجع لي عيشي الفارِطُ … أَمْ هُوَ عني نازح شاحِط
стр. 2174
ألا وهل تُسْعِفْني أَوْبَةٌ … يسمو بهانجم المنى الهابط
أرفُلُ في مرط ارتياح وهل … يطرق سَمْعِي: هذه واسط
يازمني عُدْ لي فقدْ رُغْتَني … حتى عَرَاني شيبي الوَاخِط
لم أقطع البيداء في ليلةٍ … يَقْبِضُ ظلي خوفها الباسط
أأراقب الراحة أم لا وهل … يعدل يومًا دهري القاسط
أيا ذوي وُدّي أما اشتقتُمُ … إلى إمام جأشه رابط
وهل عُهودي عندكمْ غَضَّةٌ … أَمْ أنا في ظني إذا غالط
لتهنكم ما عِشتُمُ واسِطٌ … إِنِّي لكم يا سادتي غابط
وحكى فتيان الشاغوري ما معناه: أن ملك النحاة كان له سنور يألفه ويقوم به، فدأ به يطعمه ويعلفه، ويغلق عليه الأبواب خوف نفاره، ويمسح عليه بيده لا يخاف حدباته وأظفاره. فبينا هو يومًا يمر عليه بيده ويريد أنسه وتودده، وإذا به قد عضه عضة زلزلت قوى الشيخ الفاضل، وأنسته جميع الفضائل، فربطها بمنديل عظيم، وتصدى للعواد، وأضحك عليه حتى لم يبق مع أحد فؤاد، فقال فيه فتيان: [المتقارب]
عتبتُ على قِطَّ مَلْكِ النُّحاةِ … وقلتُ أتيت بغيرِ الصَّوابِ
عَضَضْتَ يدًا خُلِقَتْ للندى … وبثّ العلوم وضَرْبِ الرِّقابِ
فأعرض عني وقال اتَّئِد … أليس القطاط أعادي الكلاب
فلما بلغه الأبيات، غضب حتى دارت أم رأسه وسلت من قحفه خيوط العلم بأمراسه، إلا أنه لم يدر من رماه بداهيتها الدهياء، وتركه لا يبصر في ليلته العمياء، فانقطعت عنه حياء أن يقع على ظنه العروف، ويعلم فيها ما يشم من نفسه المعروف، وكتبت إليه شعرًا اعتذر فيه، وينبه على أنه قد يعذر في قول سفيه، فكتب إليَّ: [من الخفيف]
يا خليلي نلتما النعماءَ … وتَسنَّمتُما العُلا والعلاء
ألمما بالشاغور بالمسجدِ المَعْـ … مُورِ واستمطرا به الأنواء
وامنحا صاحبي الذي فيه منّي … كلَّ يوم تحية وثناء
ثم قولا له اعتبر بالذي فهـ … ـت به مازحًا فكان سماء
وقَبلْنا فيه اعتذاركَ عمَّا … قالَهُ الجاهلون عنك افتراء
فكان هذا الفاضل بحمقه، وخروجه عن طرقه، مضغة لكل ماضع، وشغلًا لكل فارغ، يجرب فيه كل أحد سيفه الكهام، ويجر إليه جيش حزنه اللهام، وفيه يقول ابن منير: [مجزوء الخفيف]
стр. 2175
يا نُحاةُ الزَمُوا السُّكَّكْ … ثمَّ حُلُّوا عَنِ التِّكَكْ
واكشِفُوا عَنْ فِقاحِكُمْ … قد أتتْ لحيةُ المُلكْ
لِحْيَةٌ سُرْمُ سيبويـ … ـه علها قد انتهك
وحكي أن ملك النحاة كان يكثر ذكر مصر، ويؤمل حلولها، ويود أن يطل دمه ويرى طلولها، وكان بها رجل اسمه زيد صديقًا لعرقلة الدمشقي، فولي بها الحسبة واستغزر في متاجرها كسبه، وأتت الأخبار بولايته، وحصوله على أكثر من كفايته، فداخل ملك النحاة له الحسد، وقال: لو أتيت مصر لكسد، فقال عرقلة:
[مجزوء البسيط]
قدْ جُنَّ شيخي أبو نزار … بذكر مصر وأينَ مِصْرُ
والله لو حلها لقالُوا … قفاه يا زيد فهو عمرو
ووقف يومًا عرقلة على حلقته، وقد كبر العمامة، وطول أكمامها، ونفش سباله، وفتل من شواربه الطوال حباله، وأخذ في ذكر علم النحو، وقد شمخ بمارينه الاختيال به والزهو، فطلب عرقلة رجلًا من الحلقة، فلما أتى جذبه على أنه يُسر إليه في مقال، ثم رفع صوته، وقال: [مجزوء الخفيف]
قل لابن صافي الجُمَل … سارقِ علم الجُمَل
صدعت بالنَّحو الورى … رَحْمَ عِيالِ الدُّؤَلي
توفي يوم الثلاثاء تاسع شوال سنة ثمان وستين وخمسمائة.
ومنهم:
[٣٤] البحراني، وهو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن محمد بن قايد الخطيب (١)، موفق الدين
سبوق لا ترد له سائرة، وسبوح لا تجري معه في دائرة، طلع والشهب في مطالعها، والسحب في مطامعها، والليالي بثغور كواكبها مقبلة، ووجنات الأيام بخضرة أشجارها مقبلة، فانمحت آية الليل إذ طلع، واستقام الزمان وكان به طلع، وسطع نهارًا في تلك الدجنات، ونهارًا يفوح في أيدي الجناة، ثم لم يزل عليه عقد الجماعة، وعقد الخواطر للجماعة، فلما حم له أن يفارق، ويودّع وداع المفارق، أبقى ما كنز، ومضى