← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

منه نوع وحي حيوان عجيب، لا يدخل عقله في حد، ولا يحصى جهله بعد، لو عجب أحدٌ عليه ونادى هلما إليه، لأتى الناس إليه إتيان الحجيج، ولم يسمع ما حوله من الضجيج، ورأوا عجبًا ما رأوا مثله، ولا جاء نظيره مثله، وكان له قط له معه أسمار، وأحاديث يتحاكاها السمار. وسيأتي من خبره وخبر قطه العجب العجاب، ويعرف به عذر القطاط إذا هرت على الكلاب، إلى غير هذا من قلة عقله، وكثرة جهله، وسوء حركاته وفعله، وما لا ينكر من حاله، ولا يتعجب من محاله، فشكرًا لقبر أزاح معايبه، وأراح معاتبه، فلقد جبر القبر ذلك القبر المنهاض، وغطى التراب ذلك الذي ما رمى في المرحاض، لكن التراب لم يوار سوأته، ولا أذهب هفوته، فعجب لدود أكله كيف ما قاءه، ولقبر حل فيه كيف ما كره بقاءه، فجوزيت تلك العظام النخرة، وتلك النفس المفارقة لتلك الجيفة القذرة. وقال فيه العماد الكاتب: أحد الفضلاء المبرزين بل واحدهم فضلًا، وماجدهم نبلًا، وكبيرهم قدرًا، ورحيبهم صدرًا، قد غلبت عليه سمة ملك النحاة، وسهرت بفضله ألسن خلانه وعداه، سمح البديهة في المقاصد النبيهة، كثير الأبية عن المطامع الدنية بالمطالب النزيهة، والمراتب الوجيهة. ولقد كانت نجائبه تجتبيه للنحاة بضاعة وافية، وبراعة يراعته للكفاة كافية يأخذ القلم فيمشق الطرس في عرضه نظمًا يعجز ونثرًا يعجب، ونكتًا ترقص، ونتفًا تطرب طرق بلاد العجم، ولقي كرماء كرمان، ووصل إلى أصبهان، وكان مطبوعًا مناسب الأحوال والأعمال، تحكم على أهل التمييز بحكم ملكه، فيُقبل ولا يستثقل، يقول: هل سيبويه إلا من رعيتي وحاشيتي؟ ولو عاش ابن جني لم يسعه إلا حمل غاشيتي. مرَّ الشيمة حلو الشتيمة، يضم يده من الذهب على المائة والمائتين، ويمشي منها، وهو صفر اليدين، مولع باستعمال الحلاوات السكرية،

стр. 2172

وإهدائه لجيرانه وإخوانه، مغرى بإحسانه إلى خلصائه وخُلَّانه. وقد ناهز الثمانين، وألقى العرانين، وجرب الغث والسمين، وقد وصلت إليه خلعة مصرية، وجائزة سنية، فأخرج القميص الديبقي إلى السوق، فبلغ دون عشرة دنانير، فقال: قولوا: هذا قميص ملك كبير أهداه لملك كبير؛ ليعلم الناس قدره فَيَحُلُّوا عليه البِدَرَ على البدار، وليُجلُّوا قدره في الأقدار، ثم قال: أنا أحق به إذا جهلوا حقه، وتنكبوا سبل الواجب وطرقه. قال العماد الكاتب: كتب إليَّ لما أخذت المدرسة بدمشق: أنا أهنئ تلك المدرسة بخصائص فلان، فإنها زالت عنها ظلمة الجهل إلى نور الفضل، وأنا بمشيئة الله وحسن توفيقه على عزم المصير إلى زيارته يوم الثلاثاء: [من الخفيف] فارتقب أيها العماد حُضوري … وانتظر أن أزور يوم الثلاثا وارض بالعالم الولي ودع حبـ … ـل المعاني يا ذا العلا أنكاثا والجانب العزيزي معتد لي بهذه إلى أن أحضر لأخدم فضله. قال: وكتب لي أبياتًا ومعها رقعة إلى نور الدين فيها: [من السريع] قولوا لنور الدين يا مالكًا … إنعامه نام إلى الناس لا تنسني يا ذا العُلا والنُّهى … حاشاكَ أنْ تُوسم بالناسي أوحشني الدهر وأبناؤه … فاختر لكَ الخير بإيناسي والرقعة أولها: شكرت اهتمام فلان وسعيه، واعتذرت إليه من التصديع، ولكن بيته وفضله يحثانه على احترام الفضل، فليس لغيره، وقد أثرت في الشيخوخة والكبر، ولولا ذلك لقصدت خدمته وقد قال الأول: [من السريع] وما بَقِي في لمُستمتع … إلا لساني وكفاني لسان والأبيات: [من السريع] قل لعماد الدين يا كاتبًا … يفزعُ مِنْ أقلامه الصابي وشاعرًا ألفاظهُ عذبةٌ … إِنْ كانَ لفظ الغير كالصَّابِ ويا فقيهًا راميًا خَصْمَهُ … في الحفل إن جاء بأوصاب قد كنت قبل اليوم أشعرتني … بان نور الدين أوصى بي فأوصل المكتوب ياذا استعض … مِنْ فَرْطِ إجداب وإخصاب وكتب إليَّ: [من السريع] قل لعماد الدين وهوَ الذي … يَمُتُّ بالفقه وبالشعر وإنه يخجل إنشاؤه الـ … صابي ذا المجد وذا الفخر

стр. 2173

لا تنسَ حَقَّ العالم الأوحد الـ … باجح بالنظم والنثر فإنني مُثْنٍ على فَضلِكَ الـ … باهر في سِر وفي جَهْرِ ألا فاسعد وابق ما رَجَعَتْ … صادحة في وضح الفَجْرِ وكتب إليَّ، وقد طلب مني السكر، فأبطأ عليه: [من السريع] قُلْ لعماد الدين عني إذا … رأيتَهُ في نَهرِهِ الحفل ضننت بالسُّكَّرِ يا مَنْ لَهُ … سُنَّةُ فَرضِ الفضل والنفل فاستدرك الفارط واسلم إذا … ما صَدَحَتْ وَرقاء في أَثْلِ قال: ومكتوباته إليَّ كثيرة، وإنما أوردت هذه اللمعة ليستدل بها على مذاهبه ومآربه ورغائبه وغرائبه. وذكره ابن المستوفي فقال: إنه ولد ببغداد سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقرأ العلوم، وسمع من الشريف أبي طالب الزينبي، وقرأ علم المذهب على الشيخ أحمد الأشنهي، وقرأ علم أصول الدين على أبي عبد الله المغربي القيرواني وقرأ أصول الفقه على ابن برهان، وقرأ علم الخلاف على أسعد الميهني، وقرأ النحو على الفصيحي الاسترابادي، وقرأ الفصحى على عبد القادر الجرجاني، وفتح له الجامع ودرس فيه، ثم سافر إلى بلاد خراسان وكرمان وغزنة، ثم دخل إلى الشام، ثم قدم دمشق وخرج منها، ثم عاد إليها، واستوطنها إلى أن مات بها. وذكر مصنفاته في النحو والعروض والفقه على مذهب الشافعي والأصول. وذكر أن له ديوان شعر، ومنه في المديح الشريف النبوي زاده الله شرفًا، قوله: [من البسيط] لله أخلاق مطبوع على كَرَمِ … ومَنْ بِهِ تشرف العلياءُ والكَرَمُ أغر أبلجُ تسمو عَنْ مساجلة … إذا تُذُوكرت الأخلاق والشيم سمت عُلاكَ رسول الله فارتفعتْ … عَنْ أَنْ يُشير إلى أبياتها قَلَمُ يا مَنْ رأى الملأ الأعلى فَراعَهُمُ … وهو على الكونين يحتكم يا مَنْ له دانت الدنيا وزخرفتِ الـ … أُخرى ومَنْ بعلاه تفخرُ النَّسَمُ يا مَنْ به عاد وجه الأرضِ مُتَّضِحًا … مِنْ بعد أن ظهرت بالباطل الظُّلَمُ ومن تواضع جبريل الأمينُ لهُ … ودونَ حَقِّ نُهاهُ هذه القسم علوتَ عَنْ كل مدح يُستعاض [به] … فما الجلالُ الذي تَنْحُوهُ والعِظَمُ على علاك سلامُ اللهِ مُتَّصِلًا … ما شئت والصلواتُ الغُرُّ تبتسم ومنه قوله: [من السريع] أراجع لي عيشي الفارِطُ … أَمْ هُوَ عني نازح شاحِط

стр. 2174

ألا وهل تُسْعِفْني أَوْبَةٌ … يسمو بهانجم المنى الهابط أرفُلُ في مرط ارتياح وهل … يطرق سَمْعِي: هذه واسط يازمني عُدْ لي فقدْ رُغْتَني … حتى عَرَاني شيبي الوَاخِط لم أقطع البيداء في ليلةٍ … يَقْبِضُ ظلي خوفها الباسط أأراقب الراحة أم لا وهل … يعدل يومًا دهري القاسط أيا ذوي وُدّي أما اشتقتُمُ … إلى إمام جأشه رابط وهل عُهودي عندكمْ غَضَّةٌ … أَمْ أنا في ظني إذا غالط لتهنكم ما عِشتُمُ واسِطٌ … إِنِّي لكم يا سادتي غابط وحكى فتيان الشاغوري ما معناه: أن ملك النحاة كان له سنور يألفه ويقوم به، فدأ به يطعمه ويعلفه، ويغلق عليه الأبواب خوف نفاره، ويمسح عليه بيده لا يخاف حدباته وأظفاره. فبينا هو يومًا يمر عليه بيده ويريد أنسه وتودده، وإذا به قد عضه عضة زلزلت قوى الشيخ الفاضل، وأنسته جميع الفضائل، فربطها بمنديل عظيم، وتصدى للعواد، وأضحك عليه حتى لم يبق مع أحد فؤاد، فقال فيه فتيان: [المتقارب] عتبتُ على قِطَّ مَلْكِ النُّحاةِ … وقلتُ أتيت بغيرِ الصَّوابِ عَضَضْتَ يدًا خُلِقَتْ للندى … وبثّ العلوم وضَرْبِ الرِّقابِ فأعرض عني وقال اتَّئِد … أليس القطاط أعادي الكلاب فلما بلغه الأبيات، غضب حتى دارت أم رأسه وسلت من قحفه خيوط العلم بأمراسه، إلا أنه لم يدر من رماه بداهيتها الدهياء، وتركه لا يبصر في ليلته العمياء، فانقطعت عنه حياء أن يقع على ظنه العروف، ويعلم فيها ما يشم من نفسه المعروف، وكتبت إليه شعرًا اعتذر فيه، وينبه على أنه قد يعذر في قول سفيه، فكتب إليَّ: [من الخفيف] يا خليلي نلتما النعماءَ … وتَسنَّمتُما العُلا والعلاء ألمما بالشاغور بالمسجدِ المَعْـ … مُورِ واستمطرا به الأنواء وامنحا صاحبي الذي فيه منّي … كلَّ يوم تحية وثناء ثم قولا له اعتبر بالذي فهـ … ـت به مازحًا فكان سماء وقَبلْنا فيه اعتذاركَ عمَّا … قالَهُ الجاهلون عنك افتراء فكان هذا الفاضل بحمقه، وخروجه عن طرقه، مضغة لكل ماضع، وشغلًا لكل فارغ، يجرب فيه كل أحد سيفه الكهام، ويجر إليه جيش حزنه اللهام، وفيه يقول ابن منير: [مجزوء الخفيف]

стр. 2175

يا نُحاةُ الزَمُوا السُّكَّكْ … ثمَّ حُلُّوا عَنِ التِّكَكْ واكشِفُوا عَنْ فِقاحِكُمْ … قد أتتْ لحيةُ المُلكْ لِحْيَةٌ سُرْمُ سيبويـ … ـه علها قد انتهك وحكي أن ملك النحاة كان يكثر ذكر مصر، ويؤمل حلولها، ويود أن يطل دمه ويرى طلولها، وكان بها رجل اسمه زيد صديقًا لعرقلة الدمشقي، فولي بها الحسبة واستغزر في متاجرها كسبه، وأتت الأخبار بولايته، وحصوله على أكثر من كفايته، فداخل ملك النحاة له الحسد، وقال: لو أتيت مصر لكسد، فقال عرقلة: [مجزوء البسيط] قدْ جُنَّ شيخي أبو نزار … بذكر مصر وأينَ مِصْرُ والله لو حلها لقالُوا … قفاه يا زيد فهو عمرو ووقف يومًا عرقلة على حلقته، وقد كبر العمامة، وطول أكمامها، ونفش سباله، وفتل من شواربه الطوال حباله، وأخذ في ذكر علم النحو، وقد شمخ بمارينه الاختيال به والزهو، فطلب عرقلة رجلًا من الحلقة، فلما أتى جذبه على أنه يُسر إليه في مقال، ثم رفع صوته، وقال: [مجزوء الخفيف] قل لابن صافي الجُمَل … سارقِ علم الجُمَل صدعت بالنَّحو الورى … رَحْمَ عِيالِ الدُّؤَلي توفي يوم الثلاثاء تاسع شوال سنة ثمان وستين وخمسمائة. ومنهم: [٣٤] البحراني، وهو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن محمد بن قايد الخطيب (١)، موفق الدين سبوق لا ترد له سائرة، وسبوح لا تجري معه في دائرة، طلع والشهب في مطالعها، والسحب في مطامعها، والليالي بثغور كواكبها مقبلة، ووجنات الأيام بخضرة أشجارها مقبلة، فانمحت آية الليل إذ طلع، واستقام الزمان وكان به طلع، وسطع نهارًا في تلك الدجنات، ونهارًا يفوح في أيدي الجناة، ثم لم يزل عليه عقد الجماعة، وعقد الخواطر للجماعة، فلما حم له أن يفارق، ويودّع وداع المفارق، أبقى ما كنز، ومضى

стр. 2176

لطيته، وقضى بما في طويته. ذكره ابن المستوفي قال: بحراني المولد والمنشأ، إربلي الأصل، نسب أبيه وأهله في عداد الإربليين الآن، وكان جده خطيبًا، وسبب مولده بالبحرين أن أباه يوسف كان تاجرًا، وكان كثير السفر إلى البحرين لجلب اللؤلؤ، فتزوج امرأة من نسائه. فحدثني أحمد بن علي بن محمد البحراني الحجازي: أنها كانت تدعى الصرخية. فولدت له محمدًا هذا، وأقام بالبحرين إلى أن ترعرع، وماتت أمه، وخرج من البحرين، فصار إلى إربل وهو على هيأة الجفاة من العرب. وكان إمامًا في علم العربية، مقدمًا، مفتنًا في أنواع الشعر معظمًا، واشتغل بشيء من علوم الأوائل، يحدثني القاضي أبو محمد، جعفر بن محمد بن محمود بن هبة الله: أنه حل كتاب أو اقلدس على المظفر بن محمد بن المظفر القارئ الطوسي من رساتيق طوس في مدة ثلاثة أشهر، ورأيته حل كتاب الكرة والاسطوانة على نفسه من غير توقف، وأراد حل كتاب المجسطي، فحل منه جملة من أوله، ثم رأى أن ثمرة هذا العلم مر جناها، وعاقبته مذمومة أولاها وأخراها. فنبذه وراء ظهره مجانبًا، ونكب عن ذكره جانبًا، وكان حسن الظن بالله. وأكب على علم النحو، فبلغ منه الغاية، وجاوز النهاية وصار فيه آية، ولم يكن أخذه عن إمام قراءة عليه، ولا تناوله عن عالم أسنده إليه، إنما كان يحل مشكله بنفسه، ويراجع في غامضه صادق حسه، حتى جرى بينه وبين أبي حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر الموصلي المعروف بابن الشحنة مناظرة في قوله: [من الطويل] وقد علِمَ الإيقاظُ أخْفيةَ الكَرَى … يرجّحها مِنْ حَالكٍ واكتحالها علاه في جميعها، فلم يكن له فرار إلا أن قال: أنت صحفي، فلحق بشيخنا أبي الحرم رحمهما الله، وأقام عنده مرة قريبة، قرأ عليه أصول أبي بكر محمد بن السري السراج، وقرأ عليه كثيرًا من الكتاب، ولم يفعل ذلك حاجة به إلى إفهام، وإنما أراد أن ينتمي على عادتهم في ذلك إلى إمام، وكان بينه وبينه منافرة، فسمع عمر بن محمد بهذا، وكان شيخنا أبو الحرم كثيرًا ما يراجعه في كثير من المسائل المشكلة، ويعاوده في عدد من المواضع المعضلة، وكان أبدًا يرجع إليه في أجوبة ما يورد عليه. قال ابن المستوفي: وأخبرني من أثق به أنه سمع عمر بن محمد يعتب عليه في هذه القصيدة أيضًا، قوله في الخمرة: [من الكامل] وكأنها وجه ابن مودود إذا … ما لاح رَوْنَقُ بِشْرِهِ للمُجْتَدِي فقال: فعل الله بوجهه وصنع لا يكنى، كيف يشبه وجه ملك بالخمرة. وهذا ميل

стр. 2177

منه عليه، وإلا فما زال الشعراء يشبهون الخمر بالشمس والمصابيح، ويبالغون في صفة نورها، وهذا معلوم لا يحتاج إلى برهان، وإذا كان كذلك، فأي عيب إذا شبه الوجه بما يشبه الشمس، وقد شبه كل واحد منهما بها؟ وأكثر الدواعي الموجبة للمعاداة بينهما كون محمد بن عمر كان كثير الولوع بشيخنا أبي الحرم، شديد التعصب عليه حتى أنه كتب إليه بعض المرات، ونقلته من خطه: [من الكامل] شكَلَتك أُمُّكَ هَبْكَ مِنْ بقَرِ الفَلا … أكنت تخطي مرة بصواب وكان أبو عبد الله محمد بن يوسف يتبع معايبه، ويشيع مثالبه، نصرة لشيخنا أبي الحرم وذبا عنه، لان شيخنا لم يكن ممن يجيبه على قول يقوله ببنت شفة، ولا يرد عليه. فحضرت شيخنا ﵀ بعد أن توفي أبو عبد الله، وقد أجرى بين يديه ذكره، وأجمع الجماعة كلهم على تفضيله، فقال: كان لي منه العضد الأشد، والساعد الأسد، أو كلامًا هذا معناه، ثم بكى وأنشد: [من البسيط] لو كان يُشكى إلى الأموات ما لقي الـ … أحياء بعدهم مِنْ شدةِ الكَمَدِ اذا شكوتُ وأشكاني وساكنه … قبر بسنجار أو قبر على قهد وقد أنشد من شعره جانبًا فمنه قوله: [من الطويل] كلا مدمعينا يا غمامة ساجِمُ … ولكن قلبينا سليم وسالم لئن رويت مني جفون نُواهل … لقد ظمئت مني ضلوع حَوَائِمُ ومبتسم عَنْ عقده عقدُ ثَغْرِهِ … سَقَاني دِهاقًا والوصال منادم بكأس تُزيل العقل عَنْ مُستقرِّهِ … يطوف بها منها على الشَّرْبِ صارم فلما سرت في كلِّ عِرْقٍ ومفصل … جفاني وقد يجفو الحبيب الملائم وقوله: [من الطويل] هَلُمُّوا فهذا الجُودُ والحَسَبُ الغَمْرُ … حَمُومُ العَطايا لا بَكِيءٌ ولا نَزْرُ تأملت مرتادًا فقلت لصاحبي … أبن لي هذا البحر أم مثله البحر وقوله منها: [من الطويل] يسر أناسًا أن يُقال به أذى … فلا فَرحُوا أُخرى الليالي ولا سُرُّوا يودون بالأهلين لو أنَّ دارهم … معالمُها مِنْ ذِكْرِهِ طَلَلُ قَفْرُ بواق سجاياه على وعَكَاتِهِ … كِرامًا يبقى على الصدأ الأثر يزيدُ القَنَا عُمْرَ النفاق استقامة … ويصفو مِنَ الأكدارِ بِاللَّهَبِ التَّبْرُ

стр. 2178

ومنها: أيوسف إنَّ الفقر ساقَ مَطامِعي … إليكَ ولمْ يَظْلَمُ بِما صَنَعَ الفَقْرُ إذا كانَ عُسْرُ المرء مما يُفيدُهُ … لقاؤك فليفرح فذاك هو اليُسر ثناؤُكَ أحلى في القُلوبِ مِنَ المُنى … وأشهى مِنَ الصَّهباء خالطها عِطْرُ وما طاب حتى طاب جودُكَ قبلَه … إذا زكى نبت الرياض زكا البشر أما وجَلالِ اللهِ إِنَّكَ للَّذي … بهِ يُدفعُ البلوى ويُستنزل القطر إذا ما عَذارى الشِّعْرِ كَانَ لِقاحَها … عَطَاؤُكَ كانت من نتائجها الشكر إذا شئت أن أثني عليك تعرَّضَتْ … غرائب حَمْدٍ لا يُحيط بها الفِكْرُ وأوضح عُذري أنّ وصفَكَ مُعجز … ولستُ بمعتوب إذا وضح العُذْرُ وقوله: [من الكامل] قُلْ للذي أغْبَرَّتْ فِجاجُ بلادِهِ … بالجَدْب واسودت وجوه طلابِهِ إن تبغ معروف المليكِ مُهنّا … رَغَدًا فشمس الدين من أسبابه والبحر لا يُسقيك ماءَ فُراتِهِ … حتى يُرقرق في أديم سَحَابِهِ وقوله: [من الطويل] ألا لَكُمُ البُشرى فهذا أوانها … ودونكُمُ النُّعمى طليقًا عنانها فإن التقاويم التي مالَ صَفُوكُمُ … إلى حُكْمِها ضَلَّ السبيل بنانها وقالوا قرانات الكواكبِ تَقْتضِي … رياحًا ونارًا مُدلهمًا دُخانها يُذيبُ حصاةَ البينِ حَرٌّ شُواظها … ويُخمد أنوار الهدى لمعانها أباطيل دعوى لا يقوم دليلها … وضُمان زُورٍ لا يصح ضمانها وهَب أَنَّهُ حَقٌّ فما بالنا نَرَى … نُجوم البرايا لا يضر اقترانها وما بال أطراف القنا وهي أنجُمٌ … إذا اجتمعت شاد المعاني طعانها أفي كفة الميزان فيما علمتم … يخاف حلول الظلم شانها أهاويلُ ما زالت تروّعُ جاهلًا … بأخبارها حتى تخلّى عِنانُها أخوفٌ وراياتُ ابن أيوب يوسف … يَحوطُكَ مِنْ رَيْبِ الزمانِ أمانُها هي الآية الكبرى التي لا … حباؤُها يطيش ولا يَعْيِي بقول لسانها يمد المعالي حلمهُ وبلاغة … تأنَّقَ فيها كعبها وسنانُها وتستغرب الآجال رجع حديثها … إذا خاطبتها فالدجي ترجمانها أيا مالكًا ألقَى رحالةَ جُودِهِ … بِعَلياءَ لا يخفى علينا مكانها أتاك بإبكار القوافي وليُّها … وما يتساوى بِكْرَها وعَوَانُها يؤمِّلُ يُسرًا مِنْكَ لا يستفزُّهُ … قُطُوبٌ وكَفَّ لا يفيض سنانها

стр. 2179

فكنت له كفؤًا كريمًا ولم يزل … يُزفُّ إلى الكفؤ الكريم حسانُها وقوله: [من الطويل] شربنا على ذكر الأمير فلمْ يَزَلْ … مُدامَتُنا مِنْ طيبه تتأرَّجُ هو المرء أما كفُّه فَسَحَابَةٌ … دَفُوقٌ وأَمَّا وجهه فهو أبلَجُ وقوله في لاعب بالكرة ضرب بعض أطرافه بالصولجانات، فتألم لذلك: [من الكامل] إنْ تَحْنِ كفَّكَ مَرَّةً فَلَطَالما … كانتْ إغاثةَ كُلِّ جانِ مُجرِمِ وردت سبيل الدم إلا أنَّها … لمْ تَخْلُ يومًا مِنْ نَوَال أَوْ دَمِ وقوله: [من الخفيف] لم نخف أَنَّهُ يُفتِّتُ قَلْبي … إِنَّما خِيَفتي على أسراره لا يكاد الإناء يحفظ ما استُو … دعَ مِنْ أنْ يضيع بعد انكساره وقوله في مليح كان أمرد فالتحى، ورقم بالعذار خده، ثم فشا سواده فانمحى، وكان يعرف بالسهم، ويفعل بالقلوب ما يفعل في جنباته الوهم: [مجزوء الرمل] قالوا التَحَى السَّهْمُ، قلتُ: حَصِّنْ … نفسَكَ فالآنَ لا يَطِيشُ لا ينفذ السهم في الرمايا … إلا إذا كان فيه ريشُ وقوله: [من البسيط] تُخفي المُدامةُ سِرِّي أن أبوح به … وربما كَشَفَتْ أسرار أقوام لم يبصر الناس قلبي في محبَّتِهِ … مَنْ يستعين على سِرِّ بنمَّام وقوله: [من المنسرح] تَسَاهَمَ العاشقون واقتسموا … وكنتَ حظّي فبئس ما اتفقا لا بارك اللهُ في الهَوَى فلقد … صيَّرَني عِبْرَةً لِمَنْ عِشِقَا إذا القَرينانِ صح ودُّهُما … وافترقا بعده فما افترقا وقوله: [من المنسرح] وماجدٍ مِلءُ ثَوبهِ كَرَمٌ … مثل أبي حامد إذا انتدبا إذا اقتعدتَ الرجاء تطلُبُهُ … زهوًا تلقَّاكَ جُودُهُ خَبَبًا وقوله: [من البسيط] يُثني عليك بخير مَنْ بذلتَ لهُ … فضلًا مِنَ العيش أو فضلًا مِنَ النسب لا تأمنَنْ مِنْ مُرَجٍ أنتَ مانعُهُ … دمًا ولو كانَ ذا قُرْبَى وذا نَسَبِ

стр. 2180

ما زلتُ أسمع لما كنتُ في حَلَبٍ … أحدوثةً عنك تجلو غُمَّةَ الأدب فلم أزل بالأماني كلُّ سارقةٍ … أنُوطُها بكَ والأطماع ناحب بي حتى رأيتُك بالحدباء فانقطعت … تلك الأماني وقَرَّتْ سَوْرَةُ الطَّلَبِ فالحمد لله إذ لم يأتِ بي حَلَبًا … فقد وقاني مِنَ الحِرمان والتَّعَبِ وقوله يمدح أتابك مسعود بن مودود، ويذكر إنجاده الملك الناصر بن أيوب على الفرنج: [من الكامل] وأدَرْتُ كأسًا للفِرَنْجِ مَرِيرَةً … حُمِدَتْ لدائِفِ سُمِّها المَنقُوعِ عَرَضَتْ لدينِ اللهِ تُطفَى نُورَهُ … ناهيكَ مِنْ أمر أتته شنيع نصبتْ عَدَاوَتَها لهُ فَردَدْتَها … محفوظة بلوائِكَ المَرفُوعِ كالقوس قَرَّتْ في اليدين وصَدَّعَتْ … كَبِدَ الرَّمِي نسيمها المنزوع ومما أورده من نثره قوله: لما كانت الرسائل - أطال الله بقاء فلان - عنوان السرائر، وترجمان الضمائر، ورائد المودة إلى القلوب، ووصلة الحبل المقضوب، وناطقًا لا يتجمجم، وبليغًا لا يعجم، اكتفى بها المشتاق على حث النياق، واستراحت إليها النجائب عن خوض السباسب، ولقد ورد كتاب فلان مشتملًا من كريم إخائه على ثناء جزيل، وحمد جميل، وفضل عريق طويل مشحونًا بحمد الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ فيما من به من قمع الفئة الطاغية، واستئصال الشجرة الخبيثة الباغية التي مرقت عن الدين، وجاهرت بعداوة أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأسلافه المنتجبين. وبعد، فإن الخادم لم يرم سهمًا إلى نحورهم إلا وعزم المواقف الشريفة الإمامية الناصرية أيد الله اقتدارها مسددة، ولا أشرع سنانًا في صدورهم إلا ونصره مورده، ولا حمل سيفًا إلى هامهم إلا وتأييده مجرده، فما طاش لهم سهم، ولا ارتعش رمح، ولا فل نصل، وفات أعداء العتبة الشريفة، وأعداء الله بين صريع مقتول، وأسير مكبول، وطريد منهزم، ومال مقتسم، قد أدال الله من طاغيتهم، وأمكن من نواصيهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وتأييد من المواقف الشريفة، وهمة من المجلس الفلاني دام سعده الذي قام مقام الجيش العرمرم، وناب مناب كل حسام ولهذم، يفت في عضدهم، وقذف الرعب في قلوبهم، ولولا ما منحنا الله به من نصر أمير المؤمنين وآرائه الثاقبة، لكنا على شفا جرف هار. فالحمد لله الذي وفقنا لمرضاته، وهدانا إلى أوضح سبله، وجعلنا ممن يعمل بنفله وفرضه، ويرضي خليفته في أرضه.

стр. 2181

وقوله: وبلغني بفضل فلان أنار الله نجم إقباله، وأسبغ عليه ثوب أفضاله، وجعله قبلة للمحامد، وكعبة للصادر والوارد، وأوزعني شكر نعمائه، وألهمني نشر بنائه، وكفاني في مودته ما لا أتوقع، وحرس لي مهجته بعينه التي لا تهجع، فلم يزدني ذلك زيادة على ما أعتقده فيه، أدام الله نعمته سجاحة الأخلاق، وطهارة الأعراق، وإنما كانت تزيدني هذه التفضلات عقيدة في كرمه، وجميل مودته، لو كنت أتوسم فيهما نقيصة، فأما إذا تيقنت كمالها فلا، وأما الشكر، فإن شكرت، فأهل له، وإن أمسكت، فمودة بيننا أكرم من أن تحتاج إلى روابط الشكر. وبعد: فقد رفت علي من شوارد غرره وفرائد درره، عروس غضة المعاني، عذبة الألفاظ، حلوة الدلال، فاترة اللحاظ، قد بلغت النهاية في الإبداع حتى ملكت الأبصار والأسماع. وقد عودها فلان بتواضعه؛ ليصرف عنها عين الكمال، ويتكررها في حلل الجمال. فأما قوله: [من الكامل] طَابَتْ مَنَابِتُهُ فَطَابَ وِدَادُهُ … وَزَكا فَيَا لَكَ مِنْ أَخٍ لَكَ صَالِحُ يُولِيكَ إِشْفَاقًا وَمَحْضَ نَصِيحَةٍ … فَاشْدُدْ يَدَيْكَ عَلَى الشَّفِيقِ النَّاصِحِ فبيتان قد بلغا النهاية في الجودة من سلاسة اللفظ، وسهولة المأخذ، وبيان المعنى، وانتظام العرض، والمقابلة الصحيحة، والترديد الرشيق، والتمثيل الناصح، وإن كانت لا يخلو بيت فيها من إحسان، ولكن على هذين وقع اختياري. وبعد، فإنه أتى بالواضح معرفة بالألف واللام في قافية عروض البيت الأول، ثم أتى بها نكرة في قوله: على سهل الطريقة، وأوضح، وكذلك قوله الناصح، مع قوله صالح. وهذا جائز، وليس كل جائز بحسن فليجتنب؛ فإنه يكاد يكون إبطاء وليس هذا برد إنما هو مطالبة بالأحسن والحمد لله. قال ابن المستوفي: وإنما أثبت هذه الرسالة؛ لقلة رسائله وعدمها، وأردت أن لا يخلو هذا الكتاب من شيء منها، فأتيت بها، ولست بمعتوب إذا وضح العذر. وأنشدني لنفسه قبل وفاته بيوم: [من البسيط] إنَّ الشَّبَابَ نَذِيرُ المَوْتِ ثُمَّ إذا … جَاءَ المَشِيبُ فَذَاكَ القَبْرُ والكَفَنُ ومرض مرض اليأس وهو السل، وتوفي ليلة الأحد لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وخمسمائة. ومنهم:

стр. 2182

[٣٥] محمد بن الحسين الجفني البغدادي من كرخ بغداد، يعرف بابن الدباغ (١) رجلٌ تخال به الليل يتضح، ويخاف النهار لا يفتضح، أشرق ضياؤه، وأشرف على الصباح، فنقبه حياء، لم تلد مثله بغداد في زمانه بين جانبي شطها، ولا وفت بشبهه في شرطها، كاد بنار فطنته يتآكل، وبما فطرته يبهم حتى ماء دجلة أشكل، هذا إلى أدب غض المكاسر، يض الجسم، فيما تجرد عنه الخاسر. جمع في الصناعتين أسناهما، وطلع أسماهما، وأتى بهما ذللًا، ونشرهما بعد طول الطي طللا. ذكره ابن المستوفي، وقرا على ابن الشجري، وأقرأ النحو والقرآن، وتوفي سلخ رجب سنة أربع وثمانين وخمسمائة. وأورد له ابن المستوفي قوله: [من البسيط] سقى ديارك غاد ملوه نعم … كالقرم سدّمَ فهو الهادر الواغي وليفرغ السعد فيهِ قادرٌ صَمَدٌ … فلست أقنع مِنْ دَجْنِ بإفراغ ما يوم خضل الجناب، رجل الرباب، أدكن الجلباب، مذهب الإهاب، مرج الحقاب، أرج النقاب، يرجى العامي عشار غمامه المثقلة، وتمر الصبا جفل أخلاقه المهلة، وتراعي قروم رعوده المجلجلة، وتقضب منابضه قواضب البوارق المسئلة، عنبري الأرجاء، عبيري الأجواء، درر مزنه درية، وحجا قطره بدرية، وأنفاس جوه ندية، ومعشوقة نوئه سعدية، وسيوف إيماضه، هبرية، وشنوف مزنه تبرية، ومطوقة البوم كدرية، ونفحات نسيمه عبيرية. [من الخفيف] عارض معضب على المَحْلِ لا يخـ … ـطرُ إلا وسيفه مسلول والسحاب مرشوف الرضاب بمباسم الرياض، والعبهر مشغوف يرنو الشقيق بحدق مراض، وقيان الطير قد اصطفت على أفنانها وجست مثاني عيدانها سوق ألحانها، مالك يا ذات الطوق، ما أجمل غرامك والشوق، ضعفت فهتفت، وألفت فأشفت، نحت فأسحرت، وبالهديل لإلفك سحرت ألحت فافتضحت، وبحت

стр. 2183

فاسترحت، أصحرت بغرامك فسلمت، وأسمحت بزمامك فما أملت: [من الرجز] هل لكِ يا ورقاء ياحمامة يا صَبَّةً بالوَجْدِ مستهامه أن أكون في الحب تلميذك، وأتقلد تميمتك وتعويذك، الذي أردت من الوجد أن يعيذك، فأبدى كما أبديت، وانتهي إلى حيث انتهيت، وأمضى في ذلك الصريمة، حتى أنس متممًا ندماني جذيمة، وأفض القيمة من كل لطيمة، بأطيب من لحظات أقضيهن باستلام المكتوب العالي الفلاني أدام الله سلطانه، فإني ما أزال أدافع بلثمه فاه، وشوقي إلى ذلك الجلال وبرحاه، وأسكن به غلواء الزفر واعتلاه: [من الطويل] كتمت الهوى يوم النوى فترفعت … به زفرات ما بهنَّ جفاء يكدنَ يُقطعن الحيازيم كلَّما … تمطَّتْ بهنَّ الزفرة الصُّعَداء وبت يوم بهق الأديم، يقق الصريم، سدر الصريم، خدر البريم، يحمد نفس المهجور، ويحمد قبس المسجور، قد أرزمت الحرجف مرزمه، وهدمت من السماك لهذمه، وخدمت من النسر قوادمه وجذمت من الأسد معاصمه، وألقمت الغواء حجر جليدها، وزنبت الزباني عن تبلغ جيدها، والضريب شنب في أفواه الغيران، ووضح في أديم النيران، وعذب على أعنان الرعان، والدجى لمى في شفاه القيعان، وكحل في أحداق القيان، وقد ترفع الصبر معارف صاحه، وتتبروا شاب الضباب فودى حضن وأراب، وعمم بالقتير تلملم وشغفات عمائه ويرمرم، كأن مصطليه والوقود يحفه بحزم في الأطراف شوك العقارب، رددت زمهرير ذلك اليوم بأخفت أنفاسي الصعداء، وأضعف زفراتي البرجاء، مهيف الأحشاء، رميض الأجواء، أنفاس يومه محرقة، وصلاله مطرقة، يذيب الصيخود أواره، ويمنع الجلمود شراره، يحرق الحجر، ويعرق الشجر، ويذهل الحربا عن استجلاء غروس الحربا، ويستدلي لهبه فيشده عن الصرير جندبه، فتسعر أجدال الأجزال عنده نار الحباحب، ويتولج العفراء حبس العفرنا، فيكون لها أسلم صاحب، فترى لعاب الغزالة دائبًا، ومجيء اليوم شاحبًا، يلتهب فضاه وينش اضاه، وتصوح رياضه، وتلوح حياضه، وقد غار في مكنس، وأخذ من اللهب الظبي والقسور، ولم لا يطيل الشوق إلى ذلك الكرم الواسع، والجود المتتابع ليلي، وقد أساءت الأيام بتخلفي عن اعتمار ربعه العزيز من قسم السعادة كيلي، فكم ليلة بتها نجي أرق، شكي حرق، ولي من الزفير فرق، ومن الدمع شرق، ومن اللاعج حرق أطفئ بوهج الأضالع توكاف المدامع، وأتبرم بالزهر الطوالع والشهب النواصع، وأتمنى جفاءهن وهن دراري دوافع، مسليات شوافع،

стр. 2184

كأنمار بطن بأركان شروري، وأحضان متالع، وأقول والكمد وازع، والجلد نازع، متى ينبعث مقال الليل الكسير الطالع، متى يطير غرابه الواقع، متى يهتدي نجمه الحيران، متى يوسن طرفه اليقظان، متى يفتر عباسه الغيران، متى تميل النجم إلى غربه، متى يفل سبسب ذؤاله مسنون غربه، متى تتوشى أدهمه بالبلق، متى يتخشى معلمه بالفلق، متى ينحر غسقه بالشفق، متى يسحر نسقه باليقق، متى أرى زنجيه قد أبق، متى يركب طبقًا عن طبق متى يكرع خطاره في ذات الأضا من الصباح، متى يقطع أعوجيه مرر الشباح، هل جار الغسق فيرشد، هل ضل الفلق فينشد، ثم إلي أصبح تعصبًا حسيرًا من مماصعة الزفرات، ونضوا طليحًا من مكافحة الحسرات، وإلى الله أرغب في فك الأسير، وجبر الكسير، وتسهيل العسير في تقريب المسير، إلى ذلك الجلال الأثير، والمجد الخطير، فرب عان في زي طليق، وربنا بالإجابة جدير المثال العالي، قد كاد كنزه الاستسلام والقبيل، وليس إلى نقع غلة إلا برشفة سبيل، والإنعام العميم والطول الجسيم، مرجو في أن يشفع بمكتوب ثان اتخذه عوذة من ريب الزمان كالسبع المثان، ولم أغلب في حساب الحول؛ لأني كتبت ذلك المكتوب الأول في العام الماضي صبيحة ليلة النصف من شعبان والله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (١) وأنا هاجرت بخدمتي في العام الأول، وأتممت هجرتي، وكان مبدأها صبيحة نصف شعبان وعلى ذلك أجري الحساب على ممر الأحقاب، وكذا هذه الخدمة شرعت في سطرها صبيحة نصف شعبان من عامنا هذا بعد أن ختمت عليها ختمات أشفعهن بصالح الدعوات لمولانا أعز الله أنصاره، وأعلى اقتداره. كان قتيبة بن مسلم في مصاف الترك، فسأل عن محمد بن واسع، فقيل: إنه في ناحية من الجيش متوكئًا على سية قوسه يشير بإصبعه إلى السماء، فقال: والله لتلك الأصبع الفاردة أحب إليَّ من عشرة آلاف ذراع، وأنا من متجندة الخدمة العالية في ليلي وإعلاني وأسراري أرغب إلى الله سبحانه بالأدعية الصالحة لبهي دولته، وسابغ نعمته إلى مضان الإجابة مشفوعة بصدق الإنابة، تقبلها الله برحمته، والرأي أعلى. قال ابن المستوفي ونقلت من خط ابن الخيمي من شعر الجفني: [من الطويل] لهجتُ بليلي حبها وودادِها … وأكرم بها في قُربها وبعادها يَلَةٌ لعَيني لدكار وصالها … وأيامنا بالجزع طول سهادها

стр. 2185

وأخشى وعيد الطيف إن زار قائلًا: … أعيناك يلتذان طيب رُقادِها ومنها: فَدَعْ ذا وعَدَّ القَولَ في ذِكْرِ ماجد … تسلَّمَ في العلياء أسمى بِجَادِها حلفت بها كالخالِ في وَجْنةِ الفَلا … تبارى لَدَى أطوادها ووهادها رحلن نواءً كالهضاب تَوامِكًا … تناضل في غيطانها وصمادها فلمْ يَزَلِ الإيغال يُعرقُ لحمها … ويتحفن مِنْ نون الدؤوب وصادها إلى أن بدت مثل الأهلَّةِ نبعها … تحول المحول في سني جمادها عليها المُلبُّونَ الطَّلاحُ يهزُّهُم … إلى رُكِنها والخيفِ خَوفٌ مَعادِها يمينًا لإبراهيم أكرم ماجد … نجته المهارى وسجًا في اعتمادها يَرودُ النفوس في رياضِ كَمَالِهِ … وأخلاقه الحسنى كريم مرادِها طويل رداء الفضل والعلم والنُّهَى … حميدًا قصير الرأي مولي سدادها تمنته عيني أن تراهُ وإِنَّهُ … أعزُّ وأوفى عندها من سوادها ومنهم: [٣٦] أبو حفص الضرير، عمر بن أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن مهران النحوي (١) رجل على ضرر عينه، وإظلام الأمور عليه، مبصر بالتجارب، مدرع لبسه المحارب، هذا على لبسه لسنانه، وعدم امتداد أرسانه، إلا أنه كان سيفًا لا يُثْلَم، وسيلًا لا يظلم، يحط من شاهق ويرد كل زاهق ولم يزل به الجد حتى تجاوز الحد وجاوز المد، وصارت أراؤه، هدى، وأنواؤه جدًا، والآؤه لا يكذب من تألى أنها أكثر عددًا، وأغزر من البحر مددًا. قال ابن المستوفي: تخرج على أبي الحرم، وبرع في علم النحو، وتصدى بعد وفاته للقراءة عليه، له ذكاء، وعنده فكرة حسنة، يقال: إنه حفظ في ليلة واحدة ثلاثمائة بيت.

стр. 2186

قال: وقيل: إن من الذي حفظه قول أمية بن أبي عايد الهذلي. [من المتقارب] ألا يالقومي لِطَيْفِ الخَيالِ … أرق من نازح ذي دلال وقدم إربل، وأراد مناظرة ابن الأرملة، فلم يجبه إلى ذلك خوفًا منه، وكانت في لسانه حبسة عظيمة، وعنده ثقل في كلامه لا يكاد يبين. وأنشد له شعرًا منه قوله: [من الكامل] يا أيها الدهر الذي … قدْ لَجَّ في بُغْضِي وفَرْكِي أعْمِدْ حُسَامَكَ إِنَّني … مَولى عماد الدين زنكي وقوله (١): [من الطويل] إلى م أقاسي لاعجَ الشوقِ والحُزْنا … ويُضني هواكم والجَفَا جَسَدِي الْمُضْنَى أأحبابنا إِنْ حُلْتمُ عَنْ عُهودنا … فإِنَّا على تلك المواثيق ما حلنا رعى الله أيامًا تقضَّتْ بَقُربِكُمْ … فما كانَ أحلاها لدي وما أهنا أحِنُّ إليها بالأصائل والضُّحى … وما ينفعُ الصب الكئيب إذا حَنَّا إذا لم يكن لي عندكم مثلما لكم … بقلبي فلا أجدى الحَنينُ ولا أَغْنَى فقد كانَ يَغْشَى النوم عيني بقربكم … فمذ غبتُمُ ما صافح النوم لي جَفْنا وأحسنت ظني فيكم لا عدِمْتُكُمْ … فما بالكم أخلفتم ذلك الظَّنَّا فإن كان أغناكم سوانا فإنَّنا … على كل حال لم نجد عنكم مَغْنَى (تشاغلتُمُ عنَّا بصحبة غيرنا … وأظهرتُمُ الهجران ما هكذا كُنَّا) وهذا البيت تضمين، سئل أن يضمنه فقال هذه الأبيات وضمنه فيه. ومات في حدود الستمائة. ومنهم: [٣٧] ابن الأرملة، وهو أبو الثناء، محمود بن الحسن بن علي بن الحسن كمال الدين، الضرير العراقي (٢) مبدي سلوك، ومهدي سلوك، لم يزل بفرائده الغر منمق تاج، ومفتق رتاج، ومولي جميل، ومَولى جليل، ولسان قوم، وحسان دهر، ويوم جل به قدر بلده وفخر،

стр. 2187

وبذل منه ما دخر، فظفرت طلابه بأقصى المطلب، وأطيب المطرب، ولولاه لما بلغوا المناصب، ولنفضوا منها أيديهم نفض المناكب، ولأظلم في عيونهم سنى الكواكب، ولم تقل العلياء لأحدٍ منهم أيها الراكب، وبقي إلى أن أذنه أجله بانصرامه، وهبت العواطف لا يطفأ ضرامه، فقرب مداه، وقرت عيون عداه. قال ابن المستوفي: أخذ النحو عن ابن المنقى الموصلي، وابن الدهان البغدادي. انتقل إلى إربل، وكان صدر الجامع بها يقرئ القرآن والنحو. قال: وكان فيما نقل إليَّ عنه كثير العصبية على الطالبيين، شديد العصبية للأمويين، وكان يسلك في أشعاره الوحش المتكلف، والنائي المتعسف، ومن أجوده قوله كالمجيز لقول ابنة المهدي وهي عُلية، وقد سُئل ذلك: [من الكامل] ما إن عصيتك والغُواةُ تمدُّني … أسبابها إلا بنية راجع والذي قاله: مُتيسر فعل المورى أمره … مُستمسك أخذ النبي الشارع قَسَمًا بمجدِكَ إنَّني لك طائع … ولأنت تعلم ما تُجِنُّ أضالعي قسَمًا بتُربةِ يوسف ما الغَدْرُ مِنْ … شِيَمي ولا شَرْعُ العقوقِ شَرائعي يا أيها الملك الذي مَلَكَ الوَرَى … أينَ الفِرارُ مِنْ الفضاء الواسع قال: وتوفي في سادس عشر ربيع الآخر سنة ست وستمائة. ومنهم: [٣٨] أبو الحرم، مكي بن رَيَّان بن شَبَّه بن صالح الماكسيني (١)، صائن الدين لسان من ألسنة العرب، وإنسان لا يقاومه نبع ولا غرب، لا يكون البدر التمام

стр. 2188

نحوه، ولا يسلك الصباح المعرب إلا نحوه، انتفع به الخلق وارتقع به كلام العرب الخرق، وكان في بلده يستسقى صيبه، ويستدنى أدبه، ولم يكن من أبنائها الطلبة، ورؤسائها أهل المرتبة، إلا من ينظره حيث السُّها، ويرى أنه إذا بدا بالأخذ عنه انتهى. قال ابن المستوفي: هو شيخنا جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب، واحد العصر وفريد الدهر، المجمع على دينه وعقله، والمتفق على علمه وفضله، ولد بماكسين من ولاية سنجار، ونزل الموصل بعد أن رحل في طلب العلم إلى بغداد، ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث، وكان واسع الرواية، شائع الدراية. أخبرني لما رحلت إليه الرحلة الثانية بالموصل سنة سبع وثمانين وخمسمائة، أنه ورد إربل وأقام بمسجد قريب من باب القلعة الغربي بعد أن أضر، وكان سبب عماه جدريًا لحقه، وهو ابن ثمان أو تسع سنين، وكان يقول: أعرف من الألوان الأحمر، وكان على غاية الذكاء والفطنة، فكنت أقرأ عليه كتاب «المجمل» لأبي الحسين أحمد بن فارس معارضًا بأصل أصله، وكان قد سقطت من أصله ورقة، فألحقت فيه بغير خط الأصل، وهي من كتابه في وسطه، فلما انتهت بي القراءة إلى أول تلك الورقة قال لي: هذه الورقة بغير خط الأصل، فتأن في القراءة؛ ليصلحها المعارض لك. وأحكم القراءات كلها، الأصول منها والشواذ، وكان يقرأ عليه القرآن في كل يوم تلقينًا وتحريرًا جماعة تزيد على الخمسين، ونصب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز، وجميع ضروب الأدب، فكان لا يتفرغ إلا للصلاة المكتوبة أو لما لا بد منه، وتخرج عليه جماعة من أصحابه شهروا به سوى من تردد إليه، فلم يظفر بمطلبه. أخذ النحو عن أبي البركات الأنباري، وأبي محمد بن الدهان، واتصل أبو الحرم بالملك الظاهر غازي وأقام بحلب مدة، وهمت عليه سحب إكرامه، واتصلت به ضروب العامة، وكان حيث خرج من الموصل لم يمكنه سلطانها من السفر حتى ضمن على نفسه بالعود إليها، وكفله أبو السعادات ابن الجزري، وكان قد جعل سبب سفره زيارة بيت المقدس فأقام بحلب، فلما بلغ تأخره صاحب الموصل قال: ما يضر الموصل ألا يكون فيها أبو الحرم، فأحسن المحدث له الاعتذار عنه، ثم وصل إلى

стр. 2189

الموصل عائدًا من حلب في رمضان سنة ثلاث وستمائة، وأقام بها مريضًا مدة يسيرة، ثم توفي بها ليلة السبت سادس شوال منها، وخلف ولدًا صغيرًا. قال أبو المعالي ظافر بن عبد الوهاب الموصلي: كان ﵀ ربما قرض في بعض الأوقات الأبيات من الشعر، ولم يكن شعره على قدر فضله إذ هو فلك النكت والعيون. وأنا أورد من مختاره وجيده، فمن ذلك قوله: [من الوافر] سَئِمتُ من الحياةِ فلمْ أُرِدْها … تُسالمُني وتشجيني بريقي عَدُوِّي لا يُقصِّرُ في أَذاتي … ويفعل مثل ذلك في صديقي وقد أضحت لي الحدباء دارًا … وأهْلُ مَوَدَّتي بلوى العقيق قال: وهو من جيد قوله: [من الطويل] على الباب عبد يسأل الإذن طالبًا … به أدب لا أنَّ نُعماكَ تُحجَبُ فإن كان إذن فهو كالخير داخل … عليكَ وإلا فهو كالشر يذهب وكان أبدًا يتعصب لأبي العلاء المعري، ويطرب إذا قرئ عليه شعره؛ للجامع بينهما من العمى والأدب، فسلك مسلكه في أبيات تائية أولها: [من البسيط] هات الحديث عَنِ الخابور لاهتا … ولا المحلين بغدادٍ وتَكريتا قومي وأين كقومي في الوَرَى بَشَرٌ … يأتون في كلِّ حالٍ شئتُ ما شيتا ومنها: فيا أخلايَ هنيتمْ بِهِ وَطنًا … وأنتَ أيضًا بذاك السكن هنيتا إن فاتني فيكمُ عَيْسٌ أَلَذُّ بهِ … فَإِنَّ شَوقي إليكم قط ما فيتا وا منبئي الأنباء عن بلدي … إنْ كنتَ حَيَّيَتِهِمْ عَنِّي فحييتا هَنَّاهُمُ بيَ في الآفاق طيب … بنا يفوق العَرْف عَرْفِ المِسْكِ مَفْتُوتًا وقائل قال تسلاه فقلتُ لهُ … حُبُّ المَواطِنِ فَرْضٌ كَانَ مَوقُوتا وذكر بعد ذلك أسماء مواضع من بلد ماكسين، ينفر عنها الطبع، ويمجها لغلظها السمع، وقال يخاطب البرق المومض من نواحيها ويأمره بسقيا أماكن عددها فيها: وأذكر مغاني مِنْ أَرضِ الحُصَيْنِ ومِنْ … محباس والمُنحنى إنْ كنتَ أُنسيتا وغير بأس إذا لم تَنْسَ جلدتها … العليا وأوسعها هاميكَ نُبيتا واجهن عريانا ومجدلها … ورامسًا وصحاريها الأماريتا فإن فعلت وإلا كنتَ مُعتمرًا … أتى المقام ولم يأتِ المَواقِيتا هم المعاشر لا مجد كمجدِهِمُ … وأبعد الناس ما بينَ الوَرَى صِيتا

стр. 2190

والقوم في الأمن أملاك مسالمة … وفي الهياج يُخالُونَ العَفَارِيتا وفي الرجال إذا صاحبتهم خَدَمُوا … وفي المجالس توقيرًا وتثبيتا ويتلوه منها ما أغمض معناه وأبعد مغزاه قوله: لمْ يُمْسِ قُوتُ امرئ مِنْ غيرِهمْ نَشَبًا … إلا وأمسى لهم إعطاؤه قُوتا وطالما قلت والأشواق تلعب بي … إليهم ويُريني الناس مسبوتا لو أنهم وصَلُوا حَبْلِي بِحَبْلِهِم … جعلتُهُ مِنْ جميع الناسِ مَبْتُوتا قال ابن المستوفي: كتب إليَّ أبو الحرم رحمه الله تعالى بخط أبي الحسن علي بن أبي بكر الصفار كتابًا يتنجز فيه إعادة كتابة الهمز، وهو قصائد مهموزة بخط أبي منصور ابن الجواليقي قرأتها عليه، واستعرتها منه ونسختها، ولم يقع له ثقة أنفذها على يديه، فتأخر ردها: أوحشني فراق فلان بلَغَهُ الله أنفس الأعمار، وأبلغ الأمد، وقربه من أبعد الأماني بَعْدَ بُعْدِ المدد ونجز أمل غايته، وغاية أمله، وجمل غاية أمله بفسحة أجله، حتى يحوز من المراتب أنهاها، ويقتني من المعاني والمعالي منتهاها، ويشعره أن الحاجة داعية في هذا الوقت إلى كتاب الهمز، وقد تكررت كتبي في هذا المعنى، وما عرفني سبب تعويقه وفي ذلك أقول: [من الطويل] متى أنا راء نسخة الهمز في يدي … وقلبي خَلِيٌّ مِنْ مُساوَرَةِ الهَمْزِ فإِنَّ يَد الإنسان أهون عارضًا … من القلب يُرمى بالوساوس والوخز أفي خِيمِكُمْ أَني أعُرَّضُ للأذى … وأنتم أولوا الإحسان في الباس والمز وقد كنت دفعكم عن حقيقتي … إذا ما سواكم رام مني ما يجزي لك الله لا تَدْعَر خليلًا بسييء … ولا تجزه إلا جزاء الذي تَجْزِي فإن لم تُعجل لي جواب رسالتي شكوتُ إلى كافي الكفاة أبي العز أبو العز هو المظفر بن أحمد بن المبارك بن موهوب، وكنيته اسمه إلا أن بعض الناس كان يسميه المظفر. وتوفي له ابن سماه محمدًا، فكتب إليه أبو عبد الله البحراني كتابًا يعزيه أوله: [من الكامل] لا زالت الأيام واهيةَ القُوَى … تشكو مضاجعها جفاء العُودِ وتبدلت أيامُهُنَّ لياليًا … إِذْ كانَ فيها مِثْلُ يومِ مُحمَّدِ فكتب إليه ﵀: [من الطويل] محمد إن غال الحِمامُ مُحمَّدًا … فأنتَ لنا أخ وخل وناصح فليتَ الليالي جُدْنَ منكَ بنظرةٍ … تُغادي ولو أن الحمام يراوح

стр. 2191

ومما رواه أبو الحرم عن علي بن موسى الرضا: ثلاثة موكل بها ثلاثة: تحامل الأيام على ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدم في صنعته، ومعادة العوام لأهل المعرفة. ومنهم: [٣٩] أبو عبد الله الحلي النحوي، وهو محمد بن أبي الفوارس بن أبي الهواء، عفيف الدين، المؤدب (١) ذو نظر أحسن ما رمق، وأحسب إذا رتق، فكفى العظائم وكيف العزائم، خلا أنه لم يخل من مبغض، ولم يجل عليه غير وجه حاسد برأسه مبغض، فلم يقدر له على اهتضام، ولم يقدر له غير إجلال وإعظام، إلا أنه نغص عليه ونقص، وإن لم يصل النقص إليه على عادة الدهر في التنكير على الأفاضل، ورجوع ذنب السهم على المناضل، وكان لا يزال منكدًا، ولا يبرح حاله بعضه لبعض موكدًا، فلم يسق له زرع، ولم يزل من دهر على جزع، حتى أرته المنية موده، وحنت إليها مورده. قال ابن المستوفي: قرأ شيئًا من النحو على أبي البقاء، ثم قرأ على أبي الحرم مكي، وانتقل إلى إربل، وأقام بها مدة معلمًا، ثم ترك التعليم، واتصل بخدمة بعض الأمراء، فنقل عنه أشياء قبيحة توهن العرض، فعاد إلى الموصل سنة ثمان وستمائة. ووصفه بأنه متشيع لا يعمل تأليفه. قال: وكتب إليَّ صدر كتاب، ولم يصل إليَّ، وكان ذلك أول ما بدئ عليه القول بالتشيع: [من الكامل] يَا غَارِسًا غُصْنَ الحَيَاةِ … بِجُودِ رَاحَتِهِ النَّقِيَّه ومُعَوَّدًا كَسْبَ الثَّنَاءِ … بِحُسْنِ أَخْلَاقٍ زَكِيَّه قَدْ صِرْتُ مَأْكُولًا لِأَبْـ … ـنَاءِ الجَهَالَةِ وَالدَّنِيَّه فَانْهَضْ إِلَيَّ حَمِيَّةً … فَالْحُرُّ تَنْهِضُهُ الحَمِيَّة ومما ذكره من نثره قوله: إن تأخرت كتبي أدام الله أيام مولاي، وجعلها موشحة بالخلود، منسمة بالإقبال والسعود ما لاحت ذكاء، وطلعت الجوزاء، بمحمد وآله، فنشر نبأي، وإخلاص

стр. 2192

دُعائي، يَشفَعُ لي إليه، ويوصلني إلى ما أعول عليه من جميل صفحة، وحسن تجاوزه، وكيف لا أرجو ذلك، وقد حُيِيَ غصن حياتي بحيا جوده، وترعرع في ظل سعوده، فأطال الله بقاءه، وصل أو قطع، وأهان أو أكرم. وقوله نظمًا ونثرًا: [من الكامل] يا غارسًَا بيدي أَكُفُّ طالما … أثرى به العافُونَ وهو عميم حاشا لمجدك أن أضام وأنت لي … عَضُدٌّ وجاهي بالظلال وشيم أو تستطيعُ يَدُ الحوادثِ بَسْطَةً … فيما يُضعضعني وأنت سليم حاش لله أن يعبث بي الزمان، ويهضمني العدوان، وأنا وسيم خدمته وعزيز منعته، لا سيما وقد اعتزيت إلى حلقة عبيده، ألفيته مختارًا لذلك رغبة في معاليه، معترفًا بأنعمه وأياديه، وقد صدر إليه تصور عبده من يد خصمه، مع تقدم علمه بعناية فلان في إصلاح حاله، وأعشاب إمحاله. قال ابن المستوفي: ما أعلم الأبيات الميمية له أم لا والظاهر أنها له. ومنهم: [٤٠] أبو المبارك بن أبي طالب المبارك بن الأزهر سعيد الملقب الوجيه المعروف بابن الدهان النحوي، الضرير، الواسطي (١) استقسر الفضائل، فأصبحت، واستفسر الفواضل فأصبحت، ودعا العربية

стр. 2193

فأطاعت، ودعا إلى الفنون الأدبية فبذلت ما استطاعت، وبرع في النحو فقوم صعدته، وقدم للنجار عدته، وكان على خفاء منهاجيه، وانطفاء سراجيه، ذا بصيرة بالحقائق منورة، وللدقائق مصورة، ينظر فطنته خوافيها، ولا يجد فطرته لخوًا فيها فلبسه الفضل في حلتيه، ورأسه في حلّتيه، وكان مرج البحرين دون قلتيه وسرج النيرين عوض مقلتيه. ولد ببلده ونشأ به، وحفظ القرآن هناك، وقرأ القرآن، واشتغل بالعلم، وسمع بها من أبي سعيد نصر بن محمد بن سلم الأديب، وأبي الفرج العلاء بن علي المعروف بابن السوادي الشاعر، ثم قدم بغداد واستوطنها، وكان يسكن بالظاهرية، وجالس أبا محمد ابن الخشاب، وصحب أبا البركات ابن الأنباري، وجل ما أخذ عنه، وسمع الحديث من أبي زرعة المقدسي، وتفقه على مذهب أبي حنيفة بعد أن كان حنبليًا، ثم شغر منصب تدريس النحو بالمدرسة النظامية، وشرط الواقف أنه لا يفوض إلا إلى شافعي المذهب، فانتقل الوجيه المذكور إلى مذهب الشافعي، وتولاه، وفي ذلك يقول المؤيد أبو البركات ابن زيد التكريتي: [من الطويل] ومَنْ مُبلغ عنّي الوجيه رسالةً … وإِنْ كانَ لا تُجدي إليه الرسائل تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل … وذلك لمَّا أعوزتك المآكل وما اخترت رأي الشافعي تَدَيُّنًا … ولكنَّما تهوى الذي منه حاصل وعما قليل أنت لاشك صائر … إلى مالك فانظر لِمَا أَنا قائل كانت ولادته سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة بواسط. وتوفي ليلة الأحد السادس والعشرين من شعبان سنة اثنتي عشرة وستمائة ببغداد، ودفن من الغد بالوردية. ومنهم: [٤١] زيد بن الحسين بن زيد بن الحسن بن سعيد الكندي (١)، أبو اليمن، تاج الدين البغدادي المولد والمنشأ، الدمشقي الدار والوفاة، المقرئ، النحوي، الأديب وهو الذي تضرب به النحاة المثل، وتضرب عنه الملك. بلغ شأو القدماء، وزاد

стр. 2194

عليهم زيادة الألف والنون في بعض الأسماء، أخمل بذكره المشاهير، فانسلخ أبو الأسود من جلدته، ويئس الكسائي من جدته، وفر الفرا، وعرف أن سبب موت سيبويه مما ضرب زيد عمرا، وعذر جمر نفطويه إذا أصبح وهو جامد، والمازني إذا لم يذكر، وقبله زيد وعمرو، وبكر وخالد، أعملت الركائب إليه السير، وعرف الخير منه فَسُمي زيد الخير، تقدم في الدولة الناصرية الصلاحية من أولها، وأثرى من تمولها، وكان له من بني أيوب ما زاد في زهوه، وأكرم به لذلك ونحوه، وكان عليه طريقنا في رواية أكثر كتب الأدب، وتلقيها ممن كتب، وهي على جلالته وعلمه الذي يُسم منكره بجهالته ما خلا من غمز غامز، وذكر نقص وما هو عايز، إلا أنه بلي بشيطان ساء قرينًا وقال ولم يرقب دينًا. قال ابن خلكان: كان أوحد عصره في فنون الآداب وعلو السماع، وشهرته تغني عن الأطناب في وصفه، أخذ عن الشريف الشجري، وابن الخشاب، وأبي

стр. 2195

منصور بن الجواليقي، وصحب عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وهو ابن أخي الملك صلاح الدين، واختص به، وسافر معه إلى مصر، واقتنى من كتب خزانتها كل نفيس. قال ابن الخيمي: كنت بالقاهرة فكتب إلي الشيخ أبو اليمن من دمشق أبياتًا (١): [من الخفيف] أيها الصاحب المحافظ قد حَمَّ … لتنَا مِنْ وفاء عهدك دينا نحن بالشام رهن شوق إليكم … هل لديكم بمصر شوق إلينا قدْ عَجَزْنَا عَنْ أَنْ تَرَونا لديكمْ … وعَجَرْتُمْ عَنْ أَنْ نَرَاكُمْ لدينا حفظ الله عهدَ مَنْ حفظ العهـ … ـد وأوفى بهِ كما قدْ وَفَينا قال: فكتبت إليه من أبيات (٢): [من الخفيف] أيها الساكنُونَ بالشامِ مِنْ كِنْـ … ـدَةَ إِنَّا بعهدكم ما وَفَيْنا لو قَضَيْنا حَقَّ المودَّةِ كنَّا … بحبنا بعدَ بُعْدِكُمْ قَدْ قَضَيْنا وكتب إليه ابن الدهان الفرضي (٣): [من البسيط] يا زيد زادك ربِّي مِنْ مواهبهِ … نُعمَى يُقصِّرُ عَنْ إدراكها الأمل لا غير الله حالًا قد حباك بها … ما دام بين النحاة الحال والبدل النحو أنت أحقُّ العالمين به … أليس باسمك فيهِ يُضربُ المَثَلُ ومن شعر الكندي وقد طعن في السن (٤): [من الطويل] أرى المرء يهوى أن تطول حياتُه … وفي طُولِها إرهانُ ذُلّ وإزهاق تمنيت في عصر الشبيبةِ أَنَّني … أُعَمِّرُ والأعمارُ لا شك أرزاق

стр. 2196

فلما أتاني ما تمنيتُ ساءَني … مِنَ العُمرِ ما قد كنتُ أهوى وأشتاق يُخيّل لي فكري إذا كنتُ جالسًا … ركوعي على الأعناق والسير إعناق ويُذكرني منه النسيم وروضُهُ … حفائر يعلوها مِنَ التَّرِبِ أطباق وها أنا في إحدى وتسعينَ حِجَّةً … لها فيَّ إرعادٌ مَخُوف وإبراق يقولون ترياق لمثلك نافع … وما لِيَ إلا رحمة الله ترياق وقوله (١): [من الطويل] عليك حقوق للمعالي وأنعم … وأنتَ بها إن لم تُحدِّث بها رَهْنُ حَمَلتَ يدًا مِنْ جُودِ أفضل ذي يدٍ … هِيَ المَنُّ لا يَعْتالُ رونَقَها المَنُّ لو خال عز الدين بالفضل باديًا … وحازَكَ مِنْ وسمي نائِلِهِ مُزْنُ قَريضًا إذا شَمَّ الرواة قريضَة … تمنت له أنهما أذن إذا شامتِ الهيجاء سيف انتقامِهِ … فليس لهُ إلا رقاب العدا جَفْنُ عَنَتْ لكَ ساداتُ الشَّجاعةِ والنَّدى … ومَنْ ذا الذي يرنو إليك ولا يعنو وقوله (٢): [من البسيط] لولا ثقالة طبع فيَّ أَعرِفُها … وحْدِي وإنْ أَغفَلَتْها خبرة الناس لزُرتُ لا أجعلُ الإغبابَ مَحْمَدَةً … ولا أزالُ طُفيليًا بإيناسي لكن علمت يداي أنه خلق … وما لَهُ غير ترك الناس مِنْ آسِي واعذر فشعري كطبعي لستُ أُنكِرُهُ … النفس نفسي والأنفاس أنفاسي وله (٣): [من الطويل] فرخشاه عز الدين مكتفلُ العُلا … وباعثُ رُوحِ الجُودِ والجود دارج لئن حالتِ الأقدار دون ازديارِهِ … وسُدَّتْ بأعذار إليه المباهج فَمِنْ ذِكرِهِ عندي خيالٌ مُسامِرٌ … ومِنْ شَوقِه بين الجوانح لاعج وكم عاشق يَدنُو المزار وقلبُهُ … يكابد أثقالَ النَّوَى ويُعالج وقوله (٤): [من مخلع البسيط] ربَّ مَلِيح الدَّلالِ غِرِّ … داني الهَوَى صَدْرُهُ سَلِيمُ يسألني عَنْ ضَنَى فُؤادي … وهو بأسبابهِ عَليمُ

стр. 2197

رَغِبْتُ عنه إلى وُدادٍ … على زوال الرضا يقيم محصَّر بالوفاء باقٍ … يَرِيْمُ رَضْوى ولا يَرِيْمُ من ماجد الجُودِ أريحِيّ … نِصاب آبائهِ كَرِيمُ معشره في الوَغَى أسود … وفي صميم العُلا قُرُومُ وفي الهدى والنَّدَى مَلاذُ … فَهُمْ نُجُومُ وهُمْ غُيُومُ وله: [من البسيط] يَدُ النَّوى لكؤوس الوصل خادِجَةٌ … ما راقَ إلا وللتَّفْريقُ تَرْنِيْقُ يا من تكدَّر صفو العيش بعدَهُمُ … اليوم أيقنتُ أنَّ الوصل راوُوقُ أستودِعُ اللهَ رَبعًا دون ساكنه … لواجِدِ العيش تغريب وتشريق ولا سَقَى وانسا أصغُو لزُخرفِهِ … فَإِنَّه عُمَرُ الأحباب فاروق وله (١): [من الطويل] بملكك فخر الدين رتبت ممالك … تقضت بأطراف الرماح العدا عنها نهاها عَنِ الرشدِ المخالف حِقْبَةً … فكنتَ لهُ بالسيفِ عَنْ عَيْهِ أنهى بكَ اليَمَن الكبرى تضاعف يُمنها … فما يبلغ الوصف المحيط لها يمينًا لقد حازت بمجدِكَ سُؤددًا … على المدن أضعاف الذي حُزْتَهُ منها وله (٢): [من الطويل] ذريني وخُلقي يا أميمُ فإنَّني … رأيتُ الذي أَقْنُوا الذي أنا أَبذل عجبتُ لِمَنْ ينتابُهُ الموتُ غِيْلَةً … يُروحُ بهِ أو يغتدي كيف يبخَلُ وهَبْ أنهُ مِنْ فَجْةِ الموتِ … آمِن مَسَرَّتَهُ بالعَيش لا تتبدَّلُ أليس يرى أنَّ الذي خَلَقَ الوَرَى … بأرزاقِهِمْ مَا عُمِّرُوا يتكفّلُ وله (٣): [من الخفيف] أيُّ عَيْنٍ بكت بدمع فعيني … عِوَضَ الدمع قد بكَتْ بالسَّوَادِ أعوزتني الدَّوَاةُ عند كتابي … فأقامته لي مُقامَ المِدَادِ وله (٤): [من الخفيف] لامني في اختصار كتبي حَبِيبٌ … فَرَّقَتْ بينه الليالي وبيني كيف لي [إنْ] أَطَلْتُ لكنَّ عُذري … فيهِ أنَّ المداد إنسان عيني

стр. 2198

وله (١): [من الخفيف] أيها العم هل لذا القلبِ فَرْحَهُ … مِنْ غَضُوبِ ما زلتُ أطلب صُلْحَهْ يتجنَّى ظُلمًا ويمزح بالهجـ … ـر ومَنْ ذا يُطيقُ بالهجرِ مَرْحَة كل يوم يجني ذُنوبًا وعُذري … واقفًا يرتجي رضاه وصَفْحَهْ طال ليلي مُدْغِبتَ عنه فما أبـ … ـصِرُ إلا يوم التواصل صُبحة لائمي فيه ناصح غيرَ أَنِّي … لستُ ذا سلوة فأقبلُ نُصحه ما ألذ القبول لو نفحتْني … بالهنا مِنْ عُلا فرخشاه نَفْحَة منحتني الأيام خدمة عليا … ـهُ فكانت لدي أشرفُ مِنْحَه أخرسَتْني عَنْ مَدحِهِ بلساني … ثُمَّ أملتُ حُسْنَ حالي مَدْحَة لمْ تَرَ النفس فرحةً مِنْ سُرورٍ … في بعادي ولا رأى الجسم صحة بك أبصرتُ حسن وجه زماني … حينَ غيري رأى بغيركِ قُبْحَة وله (٢): [من الطويل] أيا مالكًا رقي وليس بفُرصَةٍ … لنفسي أَنِّي بعد ملكي أُعتق لقد غَشِيَتْني حَيْرَةٌ في فراقكم … تكاد لها نفس التحمل تَزْهَقُ فوالله ما أدري إذا ما ذكرتُكم … وقد حالَ بُعْد بيننا وَتَفَرَّقُ أَأُعْلِنُ بالشكوى إليكم مِنَ النوى … وما فَعَلَتْ إِنِّي إذا مُتملق أأسكت أي أنّي جليد وصابر … على فقدكم إنِّي إذا مُتخلّق سلام عليكمْ مِنْ مَشُوقٍ لسانُهُ … بغير حديث عنكم ليس ينطق وله (٣): [من الطويل] أيا مالكًا تَفْري صوارمُ عَزْمِهِ … إِذا حلَّ خَطْبٌ بالكرامة نازل أينكر إنْ ماجَتْ بلادُكَ مَرَّةً … بزِلْزِلَةٍ تَرْتَج منها المنازل وأنت الذي هَدَّ الطغاةَ ببأسِهِ … ففي كلِّ قلب من سطاه زلازل سَرَتْ رَعْدَةُ الأجسام لما أعترتهم … إلى الدار منهم فاعترتها الأفاكل وله (٤): [من الطويل] على جُوجُوءٍ من شاطيء النيل مُنْزَلٍ … به خيرُ مَنْ زُمَّتْ اليه الركائب بهِ مَلِكُ تُزْهَى الصَّوارم والقنا … به والوغى تُزهى به والكتائب

стр. 2199

عظيم فلا تُرجى الطوائلُ عنده … ولكنَّهُ تُزجى لديه الرغائب جواد يكاد البحر ينضُبُ خَجْلَةً به … وبحرًا أنْ تَصُوبَ السحائب ومِنْ غَبَن أَنَّ الأحبةَ أَهْلُهُ … وأَنِّيَ عنه بالعوائق عائب فداؤُكَ عِزَّ الدين كلُّ مُؤمِّل … لفضل عنه مِنْ جَنابك جادب وهنئت بالنجل السعيد الذي لهُ … تَرِفٌ مِنَ اليوم العلا والمراتب تلوحُ مِنَ المَهْدِ المُجَلَّلِ وجههُ … كما لاح نجم في الدُّجُنَّةِ ثاقب فلا زلت للأحرار مولَّى مَوئِلًا … تُحاذِرُ إلا في ذُراكَ العَوَاقِبُ وله (١): [من البسيط] قُدِّسْتَ مِنْ مرتَدٍ بالمُلْكِ مُؤْتَزِرٍ … بالكِبرياء بالورى رؤف يشكو مطالَ الليالي كلما وَعَدَثَ … بأن تُديلَ وِصالًا مِنْ نَوَى قُذُفِ باللهِ أَحَلِفُ أَيمانًا مُغلَّظةً … والله يعلم حسن الصدق في حَلِفِي لو نلتُ مِنْ بَعْدِكَ الدُّنيا بأجمعها … ما كان إحرازها بالبُعْدِ عَنْكَ يَفي وله (٢): [من الطويل] عَلِقْتُ بسحار اللواحظ فاتن … كأنَّ بعينيه بقايا خُماره يُكسر إعراضي بتكسير طَرْفِهِ … إِذا ظَلَّ طَرْفي حائرًا في احُورَارِهِ أقام على قلبي إقامةَ حُبِّهِ … وقام بعُذْري فيهِ حُسْنُ عِذارِهِ وله (٣): [من البسيط] لم يسأل الله مِنْ جُلَّى مَواهِبِهِ … إلا وكنْتُ لهُ في السُّولِ أَوَّلَهُ ولم يَزُرْ بابَكَ الأعلى ليخدمَهُ … إلا وقدْ رَفَض الأذى وأهمله وله (٤): [من البسيط] بالله أحلف أيمانًا مُغلَّظَةً … وبالكتاب الذي يُتلى ويُعتَقَدُ لو أنَّ ألف لسان لي أَبُثُّ بها … شوقي إليكَ لما استوعبت ما أجِدُ وإن يكن أبطأت يومًا مكاتبتي … فما على مثل وُدّي ذاكَ يُنتقَدُ أنا الذي ليسَ يُحصى ما أكابدُهُ … مِنَ الصَّبابة لا وصف ولا عَدَدُ

стр. 2200

الصحفُ لا تسعُ الشكوى فأذكرُها … ولا المطايا بإعياء الهوى تجدُ لم يَخْلُ رَبْعُكَ مِنْ رُسُلي ومِنْ كُتُبي … إلا وذكرُكَ مملوءٌ بهِ الخَلَدُ ولستُ أُنكرُ تقصيري على شغَفي … لكن على حسن ظنّي فيك أعتمدُ وله (١): [من الطويل] بنفسيَ مَنْ أعلقتُ ظنّي بحبلِهِ … فأصبحَ لي مِنْ ذروة المجد غاربُ تَعَمَّدَ إيناسي إلى أنْ ألِفْتُهُ … كأَنِّي لَهُ مِنْ ضَجْعَةِ المَجدِ صاحبُ وأدنى سِراري مِنْ سَرَائر قلبِهِ … فلم يبقَ مِنْ دون الضميرين حاجبُ كأنَّ عصا موسى لديَّ وُدادَاهُ … أضل، ولي ما عِشْتُ فيه ماربُ ولا عجب أن عيّن الدهرُ صاحبًا … فكلُّ تصاريف الزمان عجائب وما كان ذنبي غير أني ذخرتُهُ … لِدهري لا أني إلى الدهر تائبُ سأمنحه هجرًا كما هوَ مُشتَهٍ … فإنيَ فيما يشتهيه لراغب ولستُ على هجرانه الدهر ناكِبًا … عن الود لكنِّي عَنِ الوَصْل ناكِبُ وإن هو بعدي جرَّبَ الناس كلهم … ليحظى بمثلي ندمته التجاربُ وله أيضًا (٢): [من الطويل] قدمتُ فلم أترك لذي قِدَم حُكمًا … كذلك عادٌ في العدا والندى قِدَما إذا وطئ الضرغام أرضًا تطابقتْ … خُطَى وحشها عنه فيوسِعُها هَزْما كما مَرَّ باز بالفَضاءِ مُحلِّقٌ … رأتْهُ بُغاثُ الطيرِ حَتْفًا لها حُمَّا وإن أك في صدر مِنَ العُمْرِ شارِدًا … فكمْ يَفِي عَنْ هِمَّتِي لَقِنَ الهَمَّا سبقتُ إلى غايات كلِّ فضيلةٍ … تعزُّ على طلابها العُرْبَ والعُجْما وملكني رِقَّ المَناقِبِ أَنَّني … أحَطتُ بآداب الورى كلّها عِلْما فما منصب ممنْ تَرَقَّتْ بِهِ العُلا … برَقرَاقَةٍ مِنْ أَخْمَصي فوقَهُ ومَا أبى ليَ مَجْدِي أَنْ يَرَاني شاعرًا … تربه منان أخذ جائزة غنما ولكنني أهدي الثناء لأهلِهِ … وكبره عَنْ أنْ أملكه قدما فآونة نثرًا تُحَلُّ [به] الحُبى … وآونةً تسبى العقول به نظما قريضًا هو السحرُ الحَلالُ بيانُهُ … تَرُوقُ مَعانيه ولو ضمن الشتما تعظمَ إِلا عَنْ عظيمِ محلَّةٍ … يُعظمُ ما فيه من الحكمة العُظما

стр. 2201

هو الفضل في الإنسانِ إِمَّا أَعَزَّهُ … ونقص إذا ما سامَهُ الذُّلَّ والهَضْما ولولا على المَلْكِ الذي عزَّ مثله … على الدهر فرخشاه ذي الشرف الأسمى لأظمأني بعد المُرادِ ولَمْ أَرِدْ … بهِ مَوِردًا عَذْبًا ولا مَشْرَبًا جَمَّا وجدتُ بهِ مَنْ كنتُ لولا لقاؤُهُ … يَئِستُ لعيني أنْ تَرَى مثلَهُ قَرْما مليكًا رأيتُ المجد والفهم عنده … ولم أر خلقًا جَمَّعَ المَجْدَ والفَهما متى عَزَّ أفرادُ المَعالي فَإِنَّهُ … لأوَلُ مَنْ يُسمى وآخر [مَنْ] يسما إذا قولُه أَوْ فَعِلُهُ في مُلِمَّةٍ … جَرَى بيديهِ الرأي مُقتضيًا حُكْما رأيتُ العقول الباهراتِ بَهيرةً … فأفضلُها ما كانَ بالحُكْم مُؤتَمَّا أرأيته مَولى كل مولّى رأيتُهُ … مَناقِبَ إلا عن بنيته تحمى يُحاولُ كِثْمانَ العطاء بجهدِهِ … ويأبى شروق الشمس أن يألف الكتما تَصُوبُ على ظَنِ العُفاة يمينُهُ … كما أرعفتْ في الحرب أرماحه الصما تَنَاهَى وغالى في الشجاعةِ والنَّدَى … فأقنى الوَرَى حَرْبًا وأَعناقهم سِلْما [يَرَى بثبات الرأي مَقْتَلَ قِرْنِهِ … غَدَاة بَصِيرُ الحربِ مِنْ طَيشه أعمى وما زال طودًا في التثبت والحجا … وفي البعد عن إتيان فاحشة نجما] حوى مِنْ أبيه فخرَهُ بعدَ جَدِّهِ … ومِنْ عَمِّهِ الفخر الذي شاعَ بَلْ عَمَّا وبالله ما احتاجت مفاخرُ نفسِهِ … إِلى نَسَبٍ بذي أنا لا ولا عَمَّا رويدَكَ عِزَّ الدين لَمْ تَبقَ هِمَّةٌ … تَرَقَّى إلى حيث ارتقينا ولا وهما ملكت على الأملاك كل سياسةٍ … غَدًا عجزهم عنها عليهم بها وَسْما وحُزْتَ العُلا حتى كأنَّكَ أقسمت … سجاياكَ لا خُلِّيتَ منها لهم قسما وأوتيتَ حُكْمَ الشَّيبِ فِي رَنَقِ الصّبا … كما فتهم رأيًا ولم تبلغ الحلما أقلني مِنْ نَقْدِ المعاني ولفظها … وَخُذْ بيدي إن زَلَّ فِكْرِي أَوْ عَمّا فَقَرُّكَ لا بل [بدء] خاطرِكَ الذي … تَدِقُّ معانيه إِذا ما رَمَى أَصْمَى وأنت الذي لو سمتَ كلَّ مُهذّبٍ … يخافُكَ في فَهم لسمتَهُم ظُلْما ولست بمدحي تستزيد فخامة … ولكن لي مِنْ مَدْحِكَ الشرفَ الفَخْما بقيت على الأيام في ظِلِّ نِعْمَةٍ … بها البؤس للطاغي وللطائعِ النُّعْمَى فراضيك يُستدعى وراجيكَ يُرتَجى … وعونُكَ يستعدي وغيثك يستهمى وقوله (١): [الطويل]

стр. 2202

ومُذْ قِيْلَ لي تَشْكُو سَقَامَ جُفُونِهِ … تَغَيَّظَ بي وَجْدِي وَجَفَّ غَرَامُ فَغَير غَريب في المَنَاصِل حُمْرَةٌ … وغَير عَجيب في الجُفُونِ سَقَامُ وكتب إليه ركن الدين الوهراني: وصلت رقعة مولاي تاج الدين، أطال الله بقاءه، بلفظ أحسن من نَوْرٍ تُفَتَّحُه الصبا، وخط كبياض العطايا في سواد المطالب، يشهد من رآه وسمعه أنه رجل عالي الهمة، ريان من الحكمة والأدب، ولولا تفاصحه في أول لفظة فيه، وهي قوله (ما تفتأ) فإنها وإن كانت فصيحة عربية نطق بها الكتاب العزيز، فإنها ثقيلة الحركة، قليلة الاستعمال، لم يأت بعدها ما يناسبها من اللغة كأنها من حديث سكان نجد وتهامة عليها روائح الشيح والقيصوم. فلو أن الشنفرى يخاطب عمرو بن براق بها ما فهمها إلا بعد جهد جهيد، إنها لا ينطق بها اللسان حتى ينخلع منها الفك؟ مع ما فيها من الند تصرم والرقاعة المعجونة بالتبصرم، ولأجل ذلك جاوبتها الألسن بأنواع من الضراط. فصل منها: وأما كلامه عن بيت المتنبي، فلله دره لقد جاء به ثابت الأصول، سالم الفصول في نهاية ما يكون من الحسن والإتقان، وفرح الخادم به فرحًا عظيمًا كالخصي المفتخر بإحليل مولاه، وعرضه على طالبيه من أهل الأدب، فانتقده عليه أفضلهم وزيف أكثر كلامه، وقول: المتنبي في واد، وهذا المتكلم في واد لعمري لقد حكم بالشهوة، ومال مع الهوى: [من الكامل] كضرائر الحسناء قلن لوجهها حَسَدًا … وبَغْيًا إِنَّهُ لَذَمِيمُ حتى سجد له عجبًا، وقام به وجدًا، ورقص عليه طربًا، والفضل ما شهدت به الأعداء، فالحمد لله الذي حقق فيه الأمل، ونصر به الخاطر، ولم يخيب فيه الظن، والسلام. فصل منها: أليس يعلم بسعادته أن الإنسان إذا تعصب لأنحس العالم، جعله أوحد الزمان، ونصر بخاطره بالحق والباطل، ولا يشتهي أن يظهر من ذلك الشخص إلا الحسن الجميل، فلأجل هذا عيب عليه الخادم في قوله: تحرك الحار الغريزي، وساء ظهور ذلك عنه، لما في ذلك من التشادق، والفشر، والاستعار بأنه والخادم يعلم أنه ما كان يحتاج إلى تأكيد وأظنه أدام الله عزه خاف أن يقول: الحرارة الغريزية، فيشبه كلمه كلام العامة والسوقة، وكوادن الأطبة وجهال الطبيعيين، فتخطى هذه الطبقة إلى رتبة

стр. 2203

الفارابي وابن سينا، فحمل على أفلاطون عشرة آلاف حمار. يا مولاي تاج الدين لا تحرد على المزين الأنحس. فصل: وأما تعريضه لخادمه بالقيادة، وعتبه على زواج النساء العواهر، فسيدنا معذور في ذلك؛ لأنه لم يذق حلاوة هذه الصناعة، ولا تطعم بنعيمها، ولو أنه أدام الله عزه خرج من بيته يومًا، ولم يترك لبيته إلا ثمن الخز والحبر، ورجع بعد ساعة وجد فيها المكابيب الرفْخَة، والسنبوسك المُورّد، والفراخ المصوص، والدجاج المسمن، والقناني المروقة، والفاكهة النبيلة، والرياحين الطرية، فتربع في الصدور وجلس على بطون الفرش، وظهور المخاد، وهشم الثرائد، وفقأ عيون البيض، وقطع قلوب الخس، وأخذ الملآن، ورد الفارغ، واقترح الأصوات، واستعاد الغناء، ولم يخرج في هذا كله إلا التغافل، وحسن الظن، وقلة الفضول لعشق هذه الحالة، ودخل فيها بجملته، وسأل الله تعالى أن يحييه قوادًا، ويميته قوادًا، ويحشره في زمن القوادين، ويظن الخادم فيما يتلوه عليه من الأساطير كجالب التمر إلى هجر، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه: [من البسيط] وابنُ اللَّبونِ إذا ما لُرّ في قَرَنٍ … لم يستطعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ ومهما جهل من فضل النساء العواهر الحسان، فلا يجهل أن أكل الحلاوة مع الناس خير من أكل الخراء مفردًا. فصل: وأما اتهامه للخادم بأنه استعرض منه البقيار للبيع، إنه استعرض به للطلب، فقد حلف على نفي التهمة، وهو لا يصدقه فما بقي إلا الكلاب على عيال من رآه أهلًا لذلك قط، ويحمل الحمير على أم الذي يعطيه إياه أبدًا. ولا شك أن الخوف على البقيار غلب عليه حتى لو كتب إليه الخادم لا إله إلا الله، قال هذا تعريض بالبقيار، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ (١). إذا رأى غير شيء ظنه رجلًا فكيف يجوز للوهراني أن يطلب بقيارًا جديدًا من رجل بغدادي الحسب، تاجر المكتسب، شاعر المذهب، كند الأصل، وهذه الخلال لا تجتمع في كريم قط؟ ألا

стр. 2204

ترى أن أول من اجتمعت فيه ملك كندة امرؤ القيس بن حجر، وهو القائل يوم دارة جلجل وقد نحر ناقة تساوي ثلاثة دنانير لنساء فيهن محبوبته: [من الطويل] ويومَ نَحَرْتُ للعَذارى مَطيَّتي … فَوَاعَجبًا مِنْ رَحْلِها المُتَحَمّل فظل العذارى يرتمين بلحمها … وشَحْمِ كَهُذَّابِ الدِّمقْسِ المُفَتَّلِ فلو كانت محبوبته عاقلة، سخمت وجوه العذارى بشحمها، وأدخلت ما بقي منها في استها. وهذا أبو الأسود الدؤلي شاعر مُفْلقِ وهو أول من تكلم في النحو، خرج ليلة من داره، فسمع حمارًا له يعتلف، فقال: إني لنائم في فراشي، وأنت تسري في مالي؟! والله لا بقيت لي في ملك، وأصبح به إلى السوق، فباعه بأبخس الأثمان. وهذا أبو الطيب المتنبي شاعر كندي. لما أفرغت بين يديه الجائزة المشهورة، وأمر بردها إلى كيسها، تعلقت قطعة منها في خلال الحصر، فجعل يعالجها، ويقول: [من الطويل] تَبَدَّتْ لنا كالشمس تحتَ غَمامَةٍ … بدا حاجِبٌ منها وضَنَّتْ بحاجِبِ ولما ظفر بها، وخاف العتب من الحاضرين، قال: لا تحقروها فإنها تحضر المائدة، فكان عذره أنحس من ذنبه. ولو تتبع هذا لطال، ودع عنك هذا كله، ولو كان الخادم ممن يهون عليه التبذل، لكدى بني شادي الذين هم فتيان الجود وبرامكة الزمان، لا سيما المولى عز الدين أدام الله نعمته الذي يمينه أندى من الغمام، وعزيمته أمضى من الحسام، ووجهه أبهى من البدر ليلة التمام، وهو على الحقيقة نهر للجود من ماء السماء من بحر السماح. [من الطويل] ورث المكارم مِنْ أبيهِ وجَدِّه … بَدَا حاجب منها وضَنَّتْ بحاجِبِ وأي رجل أخس وأغبى من رجل يكدي الكندي الذي لقبه أبو يأخذ، ويترك المولى عز الدين الذي لقبه أبو المواهب، وما هو في ذلك إلا كرجل ورد على هذا النيل فتركه ناحية، وحفر إلى جانبه في أرض صلبة سبخة كبريتية لعله أن يخرج له ماء ملحًا زعاقًا، ويترك الماء العذب الزلال بغير كلفة ولا عناء، وأنشد: [من المتقارب] وإِنِّي وتركي نَدَى الأكرَمِينَ … وقَدْحي بكفي زندًا شحاحا كتاركة بيضها بالعَراء … ومُلحِفَةٍ بيض أخرى جناحا كأني أدام الله عزه إذا قرأ هذا البيت، قال: أحسنت وهذا مما كنا فيه، لما يئس من العبد، رجع إلى المولى. والله لا تم له معي مضرب أبدًا. ليس الأمر كما ظن،

стр. 2205

والوهراني ما هو مجنون يطمع فيمن يسمع قولك، ويرجع إلى رأيك، وأنت الغالب على أمره. امرأة الوهراني طالق ثلاثًا البتة. لا آخذ منه درهمًا أبدًا، وأشهد أن ماله عليه حرام كالدم والميتة، ولحم الخنزير. وأما تعريضه له بالصفع، فليته فعل حتى يستوفي ماله علي، ويتراد منه في الدنيا والآخرة، وهو أهون عليه من أن يستوفي ذلك منه في حظيرة الجحيم بأنامل من نار، ورأيه العالي في التغاضي، والسلام. ومولد الكندي بكرة نهار الأربعاء لخمس بقين من شعبان سنة عشرين وخمسمائة. وتوفي يوم الاثنين لخمس خلون من شوال سنة ثلاث عشرة وستمائة. ومنهم: [٤٢] ابن الشحنة الموصلي، وهو أبو حفص، عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر (١) جد في اعتنائه، ووجد في اجتنائه، مايل الصباح باجتلائه، وقابل القمر اللياح في اعتلائه، كتب لأخيه وكب إلجاء إلى أضيق نواحيه، فسعدت به أصدقاؤه، وصعدت إذ علا به ارتقاؤه، وجهد في مقتبل عمره، وملتف شبابه في خضره، وقطع الليالي مواصلًا للسهر، وواصلًا عاتق العشى بذيل السحر، حتى دعي بالإمامة، وعرف بالعلامة، وانتصب للإقراء، وإنما نصب للتمييز لا للإغراء، فلم يحجب عن علياء، ولا مشى على استحياء، لفضله البارع، وإفضاله المسارع. ذكره ابن المستوفي وقال: عالم بالنحو واللغة، أخذ ذلك عن رجال بغداد العلماء مثل: ابن الأنباري، وأبي الحسن القصار، وغيرهما، وسمع كثيرًا من كتبهما، وسمع عليه «كتاب إصلاح المنطق» وكان ختم القرآن، وقرأ بمستعمل القراءات وشواذها، وكان بينه وبين أبي الحرم شحناء عظيمة، كان أبدًا يفتري عليه، ويأخذ من عرضه، وشيخنا لا يجيبه عن ذلك؛ لورعه ودينه، وكان خبيث اللسان، سيئ العقيدة، مقيمًا على شرب الخمر، يتمثل إذا أخذ منه السكر «اليوم خمر وغدًا أمر». هجاء لكل

стр. 2206

من صحبه، لم يحسن أحد أبدًا إليه إلا وقابله بالإساءة. كثير الاستهزاء بالأمور الدينية، كثير الخلطة لأوباش الناس والشرب معهم، رحل في صحبة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد السلام إلى السلطان أبي المظفر يوسف بن أيوب، فمدحه، فأحسن صلته، ولما وصل إلى الموصل، تنكر له صاحبها أبو الفتح مسعود بن مورود، فلما ولي ولده أبو الحارث أرسلان بن مسعود، أحسن إليه، وولاه بعض أعماله. وكان يحضر مجلس شرابه، فنقل إليه أنه هجاه، فلم يصدق ذلك؛ لعدم الموجب له، فاتفق أن أمر بإحضاره، وسأله عن ذلك، فأنكر، فأمر بضربه بالدرة، فلما ضُرب سقطت ورقة من عمامته فيها الهجو الذي نقل عنه، فشهره في الموصل بأسرها، وحلق لحيته وحبسه فأقام مدة طويلة، وولد له بالحبس ولد، وتوفي كما ذكر المواصلة محبوسًا. قال ابن المستوفي: وحدثني أبو المهند سيف بن محمد الزيلعي، قال: نزل بي إنسان بدوي، كان حبسه أبو الحارث لما أسره مع من أسر من العرب في وقعة كانت له عليهم. قال: رأيت في محبس الموصل رجلًا فاضلًا شاعرًا، فسألته عن سبب حبسه، فذكر أنه حبس لهجو بلغ عنه الأتابك. قال: ووالله ما هجوته، وإنما قلت قصيدة منها: [من البسيط] أُعيدُ مَجْدَكَ مِنْ قَدَمٍ أقولُ لهُ … إِنِّي زُهَيْرٌ ولكن ليس لي هَرِمُ فحبسني كما ترى. ومن شعره قوله (١): [من الكامل] طربًا أقول إذا الحمامُ تَرنّما … عيش لنا بالابريقيْن تصرّما قصرت مسافته فكان كزائر … وافاك في سِنَةِ الرُّقادِ مُسلَّما أشكو تباعُدَهُ بعين كلما … نهنهتُ فيض دموعها فاضت دما فاعْصِ اللوائمَ في هَواكَ فإنَّما … رُشْدُ المُتيَّم أن يُعاصي اللُّوما واشرب على زهر الربيع مُدامة … كالشمس تُبدي المَرْجَ فِيهِ أَنجُما أو ما تَرَى نُوَّارَهُ وكَأَنَّهُ … نشوان أصبح باكيًا متبسما رَقَدَ النسيم بجانبيه فنبَّهتْ … أنفاسُهُ منهُ عُيونًا نُوَّما وسَرَى يُنَمْنِمُ وشْيَهُ فحسبته … وافي بإخبار الأحبَّةِ نُعَما صقلتْ حَواشي روضه فكأَنَّهُ … مِنْ حسنِهِ قَدْ هَمَّ أنْ يتكلما وكأنما وُرْقُ الحَمام فواقِدٌ … في الدوح تبكي النائح المُترنّما

стр. 2207

تشدو فتُخبرُ مُغرمًا عَنْ مُغرَمٍ … فيها ويُفصِحُ مُعرِبٌ عَنْ أَعجما بِدَعْ كَبِدْع في السماح حديثُهُ … كالغيث أنجد في البلاد وأتهما أَصْحَتْ أَغْضَ مِنَ الصَّبا والدَّمِنْ … شَكْوَى المُحِبِّ إلى حبيب أنعما مَلِكٌ لهُ المَجْدُ القديم وكلما … قَدُمَتْ مباني المجد أصبحَ مُحكَما متواضع وأقل ما يعتدهُ … فيه التواضع أن يكونَ مُعظَّما إن ضاق دهرٌ كانَ مسرحُ هَمِّهِ … رَحبًا وإِنْ عَبَسَ الزمان تبسما فإذا ارتقى في قُلَّةً مِنْ سُوددٍ … هَتَفَتْ به أُخرى لكي يتقدَّما راض الخطوب الجامحات فأَصْبحَتْ … وأعادَ مُناد الزمانِ مُقَوَّما وتألفت فيه القلوب فما تَرَى … منهنَّ إلا منيبًا ومعظما تتلو [وقائعه] الصَّوارمُ والقَنَا … غِبَّ القَنَا مَفْلُولَةً ومُحَطما أحيت مساعيه أباه وذو العُلا … مَنْ ظلَّ يُحيي بالمساعي الأعظما فَلَوَ أنَّ زنكيًا رآه لقالَ مِنْ … طَرَبٍ شبيهكَ مَنْ يُقالُ لَهُ ابنُما للهِ مُنجِبُهُ غَذَتْهُ فَتَاتُها … كانتْ أَبَرَّ المُنجباتِ وأَكرَما في كلِّ ارضِ قَدْ أَقامَ لنصرِهِ … عُرْسًا ومِنْ رِدْء الأعادي مأتما تلك النواحي من نصيبينَ اغْتَدَتْ … عَبْرَى وأمُّ البشرِ تَكْلَى أيما فالجو أكلفُ والجناب لحُزنِهِ … مَحْلٌ وضوء نهارها قد أظلما جور الصوارم في البرية عادل … فإذا سفكن دمًا حَقَنَّ بهِ دَما لا يُدرك الآمالَ مَنْ يَقتادُهُ … وَسَنُ التَّعَلُّلِ نحو ليتَ وعَلَّما هذا النبي وكان أفضلَ مُرسَلِ … زَجَرَتْ قُريش منه طيرًا أشأما جَحَدَتْ نبوَّتَهُ فقامَ مُجاهدًا … وأعادَ مُشرِكَها حَنيفًا مُسْلِما قَطعوا له الرحم القريبةَ بينَهُمْ … عَدْوًا وقاطَعَ مثلها أَنْ يُرحَما وافى ابن عمك حاسرًا مِنْ كِبْرِهِ … رأسًا فراحَ مِنَ الهَوَانِ مُعَمَّما لاقَى شَكَائمَ شِدَّةٍ مِنْ فارس … رَجَعَتْ بِهِ مُصْمي وكان مُصمِّما لاقى الأماني عَذْبَةً حتى إذا … ما ذاقها عادَتْ أُجاجًا عَلْقَما نَجَّاهُ ما نَجَّى أباه وقَدْ رَأى … طير المنايا مِنْ عبادة حُوَّمَا مُتدفّق لولا تَمَطَّرُهُ [به] … لرأيتَهُ بِسَنَى الأسنة ملجما لما رأى علميكَ ولَّى مُعْلِنًا … بالوَيلِ منه وبالمَذَلَّةِ مُعْلِما سدما تدوم له قوائم سابح … لو أنها غَدَرَتْ بِهِ لتَذَمَّما لايغرُبنَّ بهَ المَلامُ فإنَّما … يَلْقَى المُتيَّمُ أنْ يكونَ مُتَيَّما

стр. 2208

ومنها يطلب فرسًا: [من الكامل] جُدْ لي بأجْرَدَ إِنْ تَعَرَّضَ خِلْتَهُ … سِيْدًا تَمَطَّرَ في الدُّجَى فتقَحَما يُنمَى إِلى آلِ الوجيه ولاحِقٍ … مُتلاحق الأقراب ليس بأهضما مِثْلَ الظليم إذا تَهادى مُدبِرًا … والظَّبْي إِنْ لاقيتهُ مُتقدِّما متنصب الأذنين يحسَبُ أَنَّهُ … بِهما يحاولُ أَنْ يَرَى أو يعلما هَزِجَ الصَّهيل كأنما تَرجِيعُهُ … تَرجِيعُ نَشوَانٍ غَدًا مُتَرنّما ومن آخرها: قَيَّدت بالإحسانِ نُطْقِيَ أَنْ يُرَى … في غيرِ حَمْدِكَ مُعْرِقًا أَوْ مُشئِما وحميتني ثَمَدَ اللئام فإنْ أعُدْ … مُرْتادَهُمْ فَغَدوتُ منهم الأما فلقد نصبتُ مِنْ الثناءِ حِبالَةُ … فاصطَدْتُ منكَ بها جوادًا مُنعِما وعلمتُ أنَّ الشكر عندك غرسُهُ … يضحى لِمَنْ أولاهُ غَرسًا مُطعما كن مُعدمًا ومن المعالي مُثريًا … مَنْ جَدَّ في العلياء أصبحَ مُعْدِما واسمع أقامت في جَنَابِكَ دولةٌ … نخشى لها البؤسى ونرجو الأعما مَدْحًا كنورٍ باتَ يصقله الندى … ليلًا وباكره النسيم مهيمنا عزا كريم لا يذلُّ مَصُونُها … إلا إذا لَفَّتْ أَغَرَّ مُكَرَّما ما صافَحَتْ فِكْرَ الفَصِيحِ ونُطْقَهُ … إلا أعادتْهُ عَبِيًّا مُعجما لو شام رونقها الوليدُ جَفا لها … أَمَحَلَّتَي سلمى بكاظمة أسلما واسلم ليسلم كلُّ مَجْدٍ إِنَّهُ … لن تسلم العلياء حتى تسلما شَرَّفْتَ أبكار القوافي مثلما … شَرَفْتَ دهرًا كنت فيه القيما قال ابن المستوفي: نقلت من أول مجموع بخطه ما صورته: لما أنفذ الله في سهام قضائه، وامتحنني في الدنيا ببلائه، ونظمني في سلك من غير من أوليائه، ومن اجتباه من أنبيائه وأصفيائه الذين أنطق بمدحهم كتابه، وأجزل لهم ثوابه، فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (١). إلي الأيام، باعها، وقرنتني ذراعها، وأدارت علي كأس مدامها، وغرتني بابتسامتها، فلم أفق من نشوتها، ولا فقأت خمار خمرتها، إلا وقد بدلت بكل قريب بعيدًا، وبكل وصل صدودًا، وأصبح السجن لي منزلًا أهلًا، والأشجان لي

стр. 2209

مناهلًا، حتى رمقتني من الله عين رحمته، وكنفتني ظلال رأفته، فأتاح لي فيه جليسًا جعل الله وحشة السجن به آنسة الربع والمربع ومقر، مشارعه عذبة المكرع، يقصر الخاطر عن تعداد معاليه، ويقصر النطق عن إظهار معانيه، وما محاسن شيء كله حسن، فاقترح علي أن أجمع تذكرة مما يمله الخاطر علي، ويسنح بي إليَّ، تكون له إن من الله تعالى علينا وعليه بفكاك الأسر كالمذكرة أيام البؤس والزمن العبوس، ليواصل حمد الله سبحانه على ما انجاب من غمامها وانجلى من ركامها، فأجبته إلى ذلك بصدر غير منشرح وقلب غير فرح، والثغر يفتر، والأحشاء تحترق، والله المستعان، وإليه الشكوى من كل بلوى، وهو حسبي ونعم الوكيل. فأجدر ما يبتدأ به ما يغنينا عن وصف حالنا، وهو ما يقال في السجن. قد قيل: إن السجن محك العقول، وتجربة المأمول به يمتحن الصبر من الأحرار، ويكشف العقل والوقار، وألطف ما قيل فيه قول بعضهم، وهو معلقه: [من الطويل] السِّجْنُ أَصْبَحَ مِثْلَ النَّارِ مُضْرَمَةً … وَالحُرُّ فيه إذا فكرت كالذَّهَبِ يُصْلَى بِنَارِ هُمُومٍ في جَوَانِحِهِ … تنفى المَآثِمَ من جِدٍّ ومِنْ لَعِبَ ولشهرة أبيات ابن الجهم بين الناس لم يذكرها، وهي قوله: [من الكامل] قالوا حُبِسْتَ فقلتُ ليس بضائري … حَبْسي وأيُّ مُهنَّدٍ لا يُعْمَدُ ولمعلقه: [من البسيط] لا عارٌ في السِّجْنِ للأحرارِ إِنْ سُجنوا … لغيرِ جُرْمٍ ولكن سجنُهُمْ شَرِفُ فإن آلَ رسولِ اللهِ كانَ لهم … منه نصيبٌ ولمْ يَجنُوا ولا اقْتَرَفُوا كالسيف والدرة الزهراء سجنهما … خوفًا وضنًا بها الأغماد والصدف قال: وكنت بعض الأوقات منضجعًا في علو كنت آوي إليه أيام سجني بقلعة الموصل، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، فعرض لي طرب حزن، وجدت منه راحة بالبكاء، فقلت: لله در غيلان كأنه أوحي إليه قوله: [من الطويل] فإن انحدار الدمع يُعقِبُ راحةً … مِنَ الوَجدِ أو يشفي نَجِيَّ البَلابِلِ ومثله قول الآخر: [من الطويل] فقلتُ لها إنَّ البكاء لراحة … بهِ يُشتفى مَنْ ظَنَّ أَنْ لا تلاقيا فعملت أبياتًا وهي: [من الكامل] وحمائم غَنَّيْنَ في رَأْدِ الضُّحَى … طَرَبًا فقلتُ مقالة المحزون غَنِّيْنَ فالوجدُ الذي تُبدينَهُ … وجدي المُكتَّمُ والسُّجُونُ شُجُوني ما جامدات الدمع كالجاري ولا … حال الطليق كحالة المسجون

стр. 2210

ثم كتبتها على حائط ذلك الموضع. قال: ورأيت كثيرًا من المتقدمين يحكون على دعبل الخزاعي أنه كان يقول: أنا ابن قولي: [من الكامل] لا تعجبي يا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ … ضَحِكَ المشيب برأسه فبكى وليس هو بأجود من غيره، على أنه أخذه من قول الحسين بن مطير الأسدي: تضحك الأرض من بكاء السماء. ولي في مثل هذا المعنى: [من البسيط] أما تَرَى الروض قد حيَّاكَ مُبتسمًا … لما استهلت عليه أعينُ السُّحُبِ وغَنَّتِ الوُرْقُ في أعلى الغصون ضُحًى … حتى تمايلن أعطافًا مِنَ الطَّرَبِ ولي في الورد: [من البسيط] روض أنيق يروض العين منظره … أتاك في خير وقت غير منعوت كأنما الظل في أوراقِهِ سَحَرًا … لآلئًا نُشِرَتْ في صَحْنِ ياقوت ولي في الشقائق (١): [من البسيط] هذه الشقائق قد أبدت محاسنها … إلى العيون عُيونًا كلُّها دَعَجُ كَأَنَّها فوق ساقٍ من زُمُردَةٍ … مَداهِنٌ مِنْ عَقيقٍ حَشْوُهَا سَبَجُ ولي في الثلج: [من البسيط] أما تَرَى اليوم قدْ غَدًا ثَمِلًا … مِنْ مُستهل الغَمَامِ مَحْمُورا والجو في حُلَّةٍ مُمَسَّكَةٍ … ينثر فوق الرياض كافورا ومن قصيدة: [من البسيط] رق النسيم وراق الماءُ والرَّاحُ … وافترَّ مِنْ حُلَلِ النُّوارِ إصباح هذا الربيع يُنادينا عَلانيةً … هبوا فقد هَبَّ للأرواح ارواح أَمَا تَرَى الروض مُهتز الغُصون كما … يهتزُّ مِنْ ذِكْرِ الأحباب مرتاح فللعمائم في أقطارِهِ زَجَلٌ … وللحمائم في أعلاه إفصاح فاتبع ضَلَالَ الهَوَى فالرشْدُ مُرْتَبَعٌ … لا ظِلَّ فيه ولا رَوْحُ ولا رَاحُ واشرب مُشعشعةً كالشمس مَشرِقُها … على الندامى أباريق وأقداح مِنْ كفّ مُعتدل لا عَذْلَ فيهِ ولا … لطالب النُّجْحِ مِنْ حُبْيْهِ إنجاح لي من عذاريه ريحان ومِنْ فمهِ … خَمْرٌ ومِنْ حَدِّهِ وَرْدٌ وتُفَّاحُ
следующие страницы →