← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذوائب لجتْ في عُلُو كَأَنَّمَا … تحاول ثأرًا عند بعض الكواكب وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (١)؛ فكم زُمَرٍ «أضحت لذلك «الدُّخان» «جائية». وكم نفس كانت في النازعات وهي تتلو ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢)؟ ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتفنى ما يستقلها ويعتليها؛ إلى أن ارتفعت إلى المنارة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقية؛ وثارت إليها من الأرض لأخذ الثار، وأصبح صَخْرها كما قالت الخنساء: كأنه عَلَم في رأسه نار» (٣). فنكست وكانت للتوحيد سبّابة، ولمعبدها المطرب شبابة؛ وابْتُلِيَ رأسها من الهدم والنار بشقيقه، وأدار الحريق على دائرها رحيقه: [من المتقارب] وبالأرض من حبها صفرة … فما تُنْبت الأرض إلا بهارا وأصبح «باب الساعات» وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنة والجماعة؛ وعادت الدهشة، وقد آل أمرها إلى الوحشة؛ وحسنها البديع وقد ثَلَّتِ النار عرشه. كأن لم أرَ بها سميرا، ولا شاهدتُ من بنائها وقماشها جنَّةً وحريرا». وقال جمال الدين عبد الله بن غانم، من كتاب عن كافل الشام، تنكز ﵀ إلى نائب طرابلس في هذه الواقعة. «وأضحى «فَمُ الفوّارة» يصاعد جمرات أنفاس، و «سوق النحاسين» يُرسل منه إلى سور الجامع «شُوَاظٌ مِنْ نارٍ ونُحاس»؛ وأقعد «بيت الساعات» إلى قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة؛ وكاد يُصلّى مَنْ به يُصَلِّي، ويُقبل على صف العابدين فيُوَلِّي. واهتزت المأذنة بحُمَّى نافض، وتشعث وجه المشهد الأبي بكري فكأنما أصابته عين الروافض؛ وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورق صحن الجامع لمأتم هداة الساجدين من المأذنة بنار على عَلَم؛ وما زالت مرآة اللهب حتى خربت المنار، ووصف بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار». قلت: وهذا المسجد معمور بالناس كل النهار وطَرَفِي الليل؛ لأنه ممر المدارس

стр. 247

والبيوت والأسواق. وفيه ما ليس في غيره من كثرة الأئمة والقراء، ومشايخ العلم والإقراء، ووجوه أهل التصدير والإفتاء، ووظائف الحديث وقراء الأسباع والمجاورين من ذوي الصلاح. فلا تزال أوقاته معمورة بالخير، آهلة بالعبادة. قَلَّ أن يخلو طرفة عين في ليل أو نهار من مُصلِّ، أو جالس في ناحية منه لاعتكاف، أو مرتل القرآن، أو رافع عقيرته بأذان، أو مكرر في كتاب علم، أو سائل عن دين، أو باحث في معتقد، أو مقرّر لمذهب، أو طالب لحل مشكل: من سائل ومسؤل، ومفتٍ ومستفت. هذا إلى من يأتي هذا المسجد مستأنسا لحديث، أو مرتقبا لقاء أخ، أو متفرجا في فضاء صحنه وحسن مرأى القمر والنجوم ليلا في سمائه. هذا إلى فسحة الفضاء وطيب الهواء وبَرْد رُواقاته، أوقات الهجير؛ وحسن مَرَائِي ميازيبه أحيان المطر. وفي كل ناحية من وجهها قمر. وعلى هذا الجامع من الوظائف المرتبة ما لا يَسْتَقِلُّ به إلا ديوانُ مَلكِ؛ وعليه جلائل الأوقاف. إلا أن الأيدي العادية قد استولت على كثير منه لسبة الأكابر والمناصبات، وغير ذلك مما عُمل عليه على سبيل النَّصَبَات. وقد أضيف إليه وقف المصالح، وقد كان أفرد زمن نور الدين، ﵀. وهو لا يجاوز تسعين ألفا في السنة. جُعل لها مصارف أخذ بحجتها كل مال المسجد وغُلَّ بالباطل ورتب منه لغير ذوي الاستحقاق. وحُمِّل حتى كلَّ مَطَاه، وأُخِذتْ حتى قَصُرَتْ خطاه. وها هو الآن قد اختلت أحواله، وأكلت وشُربت أمواله. وأصبح نَهْبا مُقَسَّما، وسَوَاما صِيحَ في حَجَراته. وآل حال مباشريه إلى أسوأ الحال وشر المآل. وكانوا غياثًا ثم أَضْحَوْا رَزِيَّةً … ألا عَظُمَتْ تلك الرزايا، وجَلَّتِ! وقد اتفقت كلمة السفار في الآفاق إلى أنه فرد في محاسنه، بديع في نظرائه. مقام إبراهيم ببرزة روى مكحول عن ابن عباس، قال: وُلِدَ إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها بَرْزَةُ، بجبل قاسيون. وعن حَسَّان بن عطية قال: أغار ملك نَبَط هذا الجبل على لوط فسباه وأهله. فأقبل إبراهيم في طلبه في عدة أهل بدر: ثلثمائة وثلاثة عشر. فالتقى هو وملك الجبل في صحراء يعفور. فعبى إبراهيم ميمنةً وميسرةً وقلبا. وكان أوّل من عبّى الحرب هكذا. فالتقوا. فهزمه إبراهيم واستنقذ لوطا وأهله. فأتى هذا الموضع الذي ببرزة، فصلى فيه. وروى أحمد بن حميد بن أبي العجائز عن أبيه عن شيوخه، إن الأثارات التي في

стр. 248

برزة عند المسجد الذي يقال له مسجد إبراهيم (١) في الجبل [عند الشق] أنه مكان إبراهيم، وأن الأثارات التي فوق الشّق في الجبل موضع رأى إبراهيم، فمن صلّى فيه ودعا أجابه الله، وأن ذلك الجبل كان فيه لوط وجماعة من الأنبياء وآثارهم في مواضع من الجبل. أدركتُ الشيوخ يقصدونه ويصلون فيه ويدعون. وهو نافع لقسوة القلب وكثرة الذنوب، وأن بعضهم جاء من مكة فصلّى في الموضع الشق، المنام رآه. وعن أبي الحسين محمد بن عبد الله الرازي، قال: قال أحمد بن صالح: أدركتُ الشيوخ بدمشق وهم يفضلون مسجد إبراهيم ﵇ ببرزة ويقصدونه ويصلون فيه ويذكرون أن الدعاء فيه مجاب، وهو موضع عظيم شريف. ويذكرون ذلك عن شيوخهم ويقولون إن الشق الذي في الجبل خارجا عن المسجد هو الموضع الذي اختبأ فيه إبراهيم من النمرود، صاحب دمشق. وعن عروة بن رويم عن أبيه عن عليّ: سمعتُ رسول الله ﷺ وسأله رجل عن الأثارات بدمشق فقال: لها جبل يقال له قاسيون، فيه قتل ابن آدم أخاه، وفي شرقيه ولد إبراهيم، وفيه أوى الله عيسى ابن مريم وأُمَّه من اليهود. وما من عبد أتى معقل روح الله فاغتسل وصلّى فيه ودعا، إلا لم يُردّ خائبا. وهو جبل كلمه الله. (والحديث طويل. وهو موضوع؛ وإنما ذكرته لئلا يُغتر به). مغارة الدم قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أبا مُسْهِرٍ عن مغارة الدم. فقال: مغارة الدم موضع الحمرة، موضع الحوائج. يعني بذلك الدعاء فيها والصلاة. وقال محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، سمعتُ سعيد بن عبد العزيز: حدثني مكحول أنه صعد مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع الدم يسأل الله أن يسقينا، فسقانا. قال مكحول وخرج معاوية والمسلمون إلى موضع الدم يستسقون. فلم يبرحوا حتى سالت الأودية. قال سعيد بن عبد العزيز: صعدنا في خلافة هشام إلى موضع قتل ابن آدم نسأل الله أن يسقينا. فأتى مطر، فأقمنا في الغار الذي تحته ثلاثة أيام. وقال هشام بن عمار: صعدت مع أبي وجماعة - نسأل الله سُقْيَا - إلى موضع قَتَلَ

стр. 249

ابن آدم أخاه. فأرسل الله علينا مطرًا غزيرًا، حتى أقمنا في المغار. فدعونا الله فارتفع عنا، وقد رويتِ الأرض. وقال محمد بن يوسف الهروي: سمعتُ يزيد بن محمد وأبا زرعة وأحمد بن المُعلّى وسليمان بن أيوب بن حذلم وغيرهم من مشايخنا يقولون: سمعنا هشام بن عمار وهشام بن خالد وأحمد بن أبي الحوارى (١) وسليمان بن عبد الرحمن والقاسم بن عثمان الجوعي يقولون: سمعنا الوليد بن مسلم يقول: سمعت ابن عَيَّاشٍ يقول: «كان أهل دمشق إذا احتبس عنهم القطر أو غلا سعرهم أو جار عليهم سلطان أو كانت لأحدهم حاجة، صعدوا إلى موضع ابن آدم المقتول فيسألون الله، فيعطيهم ما سألوا». قال هشام: ولقد صعدتُ مع أبي وجماعة من أهل دمشق نسأل الله سقيا. فأرسل الله علينا مطرا غزيرا حتى أقمنا في الغار الذي تحت الدم ثلاثة أيام. قال هشام بن عمار: وسمعت من يذكر عن كعب قال: اختبأ إلياس من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين، حتى أهلك الله الملك ووَلِيَ غيره. فأتاه إلياس فَعَرَضَ عليه الإسلام. فأسلم وأسلم من قومه خلق سوى عشرة آلاف منهم. فأمر بهم فقتلهم عن آخرهم (٢). مقام عيسى بالربوة روى هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم، قال حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية أن ملكا من بني إسرائيل حضره الموت، وأوصى بالملك لرجل حتى يُدرك ابنه. وكانوا يؤمِّلون أن يُدرك ابنه فيُملكوه. قال: فمات فجزعوا عليه. فلما خرجوا بجنازته، وفيهم عيسى ابن مريم، دنا من أُمّه فقال: أرأيت إن أحييتُ لك ابنك، أتؤمنين بي وتتبعيني؟ قالت: نعم. فدعا الله. فجعلت أكفانه تتحلل عنه، حتى استوى جالسا. فقالوا: هذا عمل ابن الساحرة. وطلبوه حتى انتهى إلى شعب النيرب. فاعتصم منهم بقلعة على صخرة متعالية. فأتاه إبليس فقال: جئتك، وما أعتذر إليك من شيء. هذا أنت لم تنافسهم في دنياهم ولا شبر من الأرض، صنعوا بك ما صنعوا. فلو ألقيت نفسك من هذا المكان، فتلقاك روح القدس فيذهب بك إلى ربك فتستريح منهم؟ فقال: «يا غَوِيّ، الطويل الغواية! إني واجد فيما علمني ربي، ، أني لا أُجرب ربي حتى أعلم أراض عني أم ساخط علي فأقبلتْ أُمُّ الغلام، فقالت: يا معشر بني

стр. 250

إسرائيل! كنتم تبكون وتشقون ثيابكم جزعا عليه، فلما أحياه الله لكم أردتم قتله. قالوا: فما تأمرينا به؟ قالت: إيتوه فآمنوا به. فأتوه فقالوا: خصلة بيننا وبينك! إن أنت فعلتها، اتبعناك. قال: وما هي؟ قالوا. تُحيِي لنا عُزيرا. قال: دلوني على قبره. فنزل عيسى معهم حتى انْتَهَوْا به إلى قبره. قال: فتوضأ وصلى ركعتين ودعا. فجعل قبره يتفرج عنه التراب. فخرج قد ابياض نصف رأسه ولحيته وهو يقول: هذا فعلك يا ابن مريم قال: لم أصنع بك. هذا فعل قومك زعموا أنهم لا يؤمنون لي ولا يتبعوني حتى أحييك لهم. وهذا في هدى قومك يسير. قال فأقبل عليهم يعظهم ويأمرهم باتباعه. فقال له قومه: عهدناك وأنت أسود الرأس واللحية! فما لنصف رأسك ولحيتك قد ابيض؟ قال: سمعتُ الصيحة، فظننتُ أنها دعوة الداعية، حتى أدركني ملك، قال: إنما هي دعوة ابن مريم. فانتهى الشيب إلى ما ترى. واختلف أهل التفسير في تعيينها. ورُوي مرفوعا عن النبي ﷺ . في قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١). قال: أتدرون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هي بالشام بأرض يقال لها الغوطة، مدينة يقال لها دمشق، هي خير مدائن الشام: وروي عن ابن عباس قال: الربوة أنهار دمشق. وكذا قال سعيد بن المسيب ويزيد بن شجرة؛ وقال كعب: أمر الله تعالى عيسى ابن مريم وأمه أن يسكنا دمشق، وهي إرم ذات العماد. وقال الحسن في تفسير الآية: هي أرض ذات أشجار وأنهار. يعني أنهار دمشق. وعن الوليد بن مسلم عن بعض مشيخته أن بني إسرائيل همت بعيسى فأمره الله أن ينطلق إلى دمشق. وقال الحسن: ذات قرار ومعين، ذات معيشة تقوتهم وتحملهم. وماء جار. قال: هي الربوة، هي دمشق. وقيل إن الربوة في القرآن هي الرملة. روي مرفوعا عن النبي ﷺ ، وزاد فيه: ولا تزال طائفة من أمتى على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس. وروى عبد الرزاق في تفسيره عن أبي هريرة قال: هي الرملة من فلسطين.

стр. 251

ويروى عن قتادة: هي بيت المقدس. وقال زيد بن أسلم: هي الإسكندرية. وقال وهب: هي مصر (١). ويروى عن جابر الجعفي عن أبي جعفر: وآويناهما إلى ربوة، قال: الكوفة، والمعين الفرات. وقيل غير ذلك. والراجح عند الأكثرين أنها ربوة دمشق. وهذه الأقوال واهية. وإنما ذكرناها للتعجب، اقتداءً بالحافظ أبي القاسم بن عساكر، ﵀! الكهف بقاسيون قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق: ذكر أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن المُعَلِّم أنه ابتدأ ببناء الكهف سنة سبعين وثلثمائة. قال: وبالله ربي أعتصم من الكذب، وأسأله أن ينطق بالصدق لساني رأيتُ جبريل ﵇ في النوم. فقال لي: إن الله يأمرك أن تبنى مسجدا يُصلَّى فيه ويُذكر اسمه؛ وهو هذا. فقلت: وأين هذا الموضع؟ فسار إلى هذا الموضع الذي سميته أنا: كهف جبريل. وقلتُ: أَنَّى لي بذلك؟ قال: إن الله سيوفق لك من يُعينك عليه. مسجد عمرو بن العاص مسجد عظيم بمدينة الفسطاط. بناه عمرو بن العاص، موضع فسطاطه وما جاوره. وموضع فسطاطه منه، حيث المحراب والمنبر. وهو مسجد فسيح الأرجاء، مفروش بالرخام الأبيض، وعمده كلها رخام. ووقف عليه نحو ثمانين من الصحابة وصلوا فيه. ولا يخلو من سكنى الصلحاء. معمور الأوقات بالذكر. وبعقب صلاة الصبح فيه أوقات مشهودة ومواسم خير لا تعد. وحكى علي بن ظافر [الأزدي] (٢) قال: روي لي أن الأعز أبا الفتوح بن قلاقس ونشو الملك عليّ بن مفرج بن المُنَجِّم اجتمعا في منار الجامع في ليلة فطر ظهر بها

стр. 252

الهلال للعيون، وبرز في صفحة بحر النيل كالنُّون. ومعهما جماعة من غواة الأدب، الذين ينسلون إليه من كلّ حَدَبْ. فحين رأوا الشمس فوق بحر النيل غاربة، وإلى مستقرّها جارية ذاهبة؛ قد شَمِرتْ للمغرب الذيل، واصفرّت خوفًا من هجمة الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق. فاقترحوا عليهما أن يصنعا في ذلك الوقت النزيه، على البديه. فصنع ابن قلاقس (١): [من البسيط] اُنْظُرْ إلى الشمس فوق النيل غاربةً … وانظر لما بعدها من حُمْرَةِ الشَّفَقِ كأنما احترقتْ بالماء في الغَرَقِ … غابت وأبقت شعاعًا منه يَخلفها في إِثْرِها زَورقٌ قد صيغ من وَرَق؟ (٢) … وللهلال، فهل وافي لينقذها وصنع ابن المنجّم: [من البسيط] يا ربّ سامية في الجوّ قمتُ بها … أَمُدُّ طرفي في أرض من الأُفُقِ. حيث العشيّة في التمثيل معركة … إذا رآها جبانٌ، مات للفَرَقِ

стр. 253

شمس نهارية للغرب ذاهبة … بالنيل مُصْفَرَّةٌ من هَجَمَةِ الغَسَقِ وللهلال انعطاف كالسِّنانِ بَدَا … من سَوْرَة الطعن مُلْقَى فِي دَمِ الشَّفَق وحكى علي بن ظافر أيضًا. قال (١): أخبرني [أبو عبد الله بن المنجم الصواف، بما معناه قال: صعدتُ إلى سطح الجامع بمصر في آخر شهر رمضان مع جماعة. فصادفت به الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم وابن مؤمن وشجاعًا المغربي في جماعة من الأدباء فانضفت إليهم. فلما غابت الشمس وفاتت، ودُفِنَتْ في المغرب حين ماتت، وتطرّز حداد الظلام بعلم هلاله، وتحلّى زنجي الليل بخلخاله، اقترح الجماعة على ابن قلاقس وابن المنجم أن يعملا في صفة الحال. فأطرق كل منهما مفكرا، وميز ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متخيرا. فلم يكن إلا كرجع الطرف، أو وثبة الطرف، حتى أنشدا. فكان ما صنعه نشو الملك (٢): [من الخفيف] وعَشِي كأنما الأفق فيه … لا زُوَرْد مُرصّع بنضار قلتُ لَمَّا دَنَتْ لمغربها … الشمس ولاحَ الهلال للنُّفَّارِ أقْرَضَ الشرقُ صِنْوَه الغَرْبَ دِينَا … رًا فأعطى الرهين نصف سوار وكان الذي صنعه ابن قلاقس: [من الخفيف] لا تظن الظلام قد أخذ الشمس … وأعطى النهار هذا الهلالا إنما الشرق أقرضَ الغَرْبَ دينا … رًا فأعطاهُ رَهْنَه خَلْخالا قال: وهذا مما تواردت في معناه الخواطر. وقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعز أبي الفتوح بن قلاقس: لتنصيفه السوار. وعلى كل حال فقد أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا] (٣).

стр. 254

مسجد قرطبة مسجد عظيم ليس في مساجد المسلمين مثله بنية وتنميقا، وطولا وعرضا. وطول هذا الجامع مائة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعا. ونصفه مسقف، ونصفه صحن للهواء. وعدد قسي مسقفه تسعة عشر قوسًا. وفيه من السواري (أعني سواري مسقفة بين أعمدته وسواري قبلته - صغارًا وكبارًا - مع سواري القبة الكبرى وما فيها) ألف سارية. وفيها ثريات كبيرة للوقيد. منها واحدة يوقد فيها ألف مصباح. وأقلها تحمل اثني عشر مصباحًا. وسقفه كله سماوات خشب مسمرة في جوائز سقفه. وجميع خشب هذا الجامع من عيدان الصنوبر الطرطوشي. ارتفاع الجائزة منها شبر في عرض شبر إلا ثلاثة أصابع. وطول كل جائزة سبعة وثلاثون شبرا. وبين الجائزة والجائزة غلظ جائزة. والسماوات المذكورة كلها مسطحة: فيها ضروب صنائع من الضروب المسدّسة والمُدَرَّب وهو صنعة الفص وصنعة الدوائر والمداهن لا يشبه بعضها بعضا بل كل سماء منها مكتف بما فيه من صنائع قد أُحكم ترتيبها وأبدع تلوينها بألوان حمرة الزنجفرية والبياض الإسفيداجي والزرقة اللازوردية والزرنوق الباروتي والخضرة الزنجارية والتكحيل النفسي. تروق العيون وتستميل النفوس: بإتقان ترسيمها، ومختلفات ألوانها وتقسيمها. وسعة كل بلاط من بلاط مسقفه ثلاثة وثلاثون شبرا. وبين العمود والعمود خمسة عشر شبرا. ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة. وقد عُقد بين العمود والعمود على أعلى الرأس قسي غريبة عليها قِسِي أخر، على عمد من الحجر المنحوت، متقنة. وقد جُصِّصَ الكل منها بالجص والجَيَّار. ورُتبت عليها نجور مستديرة، ثابتة بينها ضروب صناعات الفص بالمُغْرة. وتحت كل سماء منها إزار خشب. ولهذا المسجد الجامع قبلة تعجز الواصفين أوصافها. وعلى وجه المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد طول كل قوس منها أشف من قامة، وكل هذه القسي مزجّججة بصبغة القوط. قد أعيت الروم والمسلمين بغريب أعمالها ودقيق تكوينها ووضعها. وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران، واثنان زرزوريان لا تقوم بمال. ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعةً. خشبه آبنوس

стр. 255

وبقس وعود المجمر. ويحكى في كتب تواريخ بني أمية أنه صنع في نجارته ونقشه سبع سنين. وكان عدد صناعه ستة رجال، غير من يخدمهم ويتصرف لهم. ولكل صانع منهم في اليوم نصف مثقال محمدي. وعن شمال المحراب بيت فيه عُدَد وطسوت ذهب وفضة وحسك (١). وكلها لوقيد الشمع في ليلة كل سبع وعشرين من رمضان. وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان، لثقله فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان الذي خطه بيمينه، وفيه نقط من دمه. ولهذا الجامع عشرون بابًا، مصفحة بصفائح النحاس وكواكب النحاس. وفي كل باب منها حلقتان في نهاية الإتقان. وفي الجهة الشمالية منه الصومعة، الغريبة الشكل والصنعة، الجليلة الأعمال الرائقة. ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشي: منها ثمانون ذراعًا إلى الموضع الذي يقف عليه المؤذن بقدميه، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعًا. ويصعد إلى أعلى المنار بدرجين: أحدهما من الجانب الغربي والثاني من الجانب الشرقي. إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة، لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى. والذي في الصومعة من العمد بين داخلها وخارجها ثلاثمائة عمود بين صغير وكبير. وفي أعلى الصومعة على القبة التي على بيت المؤذنين ثلاث تُفاحات: واحدة من ذهب، واثنتان من فضة. تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلا من الزيت. ويَخْدُمُ الجامع كله ستون رجلًا (٢). [بقية المزارات الأخرى] وأما سائر المزارات فكثيرة جدا: لا تدخل تحت الحصر، ولا يحيط بها قلم الإحصاء. وإنما نذكر منها ما حضرنا ذكره في هذا الوقت، مما هو ببلاد الشام، على ما يغلب على الظن صحته، لا كما يزعمه كثير من الناس في نسبة أماكن لا حقيقة لها. والله أعلم! (٣)

стр. 256

فمن ذلك: قبر مالك بن الأشتر النخعي: قيل إنه على باب مدينة بعلبك، من الشمال. والصحيح أنه بالمدينة. قبر حفصة، زوج النبي ﷺ قيل إنه ببعلبك. والصحيح أنها أم حفص، أخت معاذ بن جبل. فإن حفصة ماتت بالمدينة. دير إلياس النبي ﵇، ويقال إنه كان محبوسا [فيه]. مشهد إبراهيم ﵇ بقلعة بعلبك. جدّد بناءه الملك الأشرف موسى. قبر أسباط، ببعلبك. قبر نوح ﵇ بقرية تعرف بالكرك، من أعمال بعلبك. قبر شيث، بقرية تعرف بشَرْعِينَ بالقرب من كَرَك نوح. وقبر إلياس النبي بقربه. قبر حزقيل، أحد أنبياء بني اسرائيل بالبقاع، غربي كرك نوح. قبر بنيامين، شقيق يوسف ﵇، بقرية ظهر حمار، من البقاع. قبر شيبان الراعي بالبقاع، بالقرب من حزقيل. في مشهد مبني عليه. قبر أيوب ﵇ بقرية تعرف بدير أيوب، من أعمال نوى. كان بها أيوب، ﵇. وبها ابتلاه الله، ، وبها العين التي ركضها برجله، والصخرة التي كان عليها؛ وبالقرية أيضا قبر سعد التكروري، فقير صالح له شهرة. مشهد جماعة من الصحابة بقرية تعرف بمُحَجَّةَ على يسار الذاهب إلى زرع كان بها وقعة أجنادِينَ في فتوح الشام. وبها حجرٌ، ذُكر أن النبي ﷺ جلس عليه وهذا ليس بصحيح. فإنه ﷺ لم يُعَدِّ بصرى. وذكر أن بجامعها سبعين نبيا. قبر اليسع، بقرية تعرف ببسر، من أعمال زُرع (١). نَجْرانُ، شرقي بسر. يقال إن بها الأخدود ولا يصح؛ لأن الأخدود باليمن. والله أعلم. قبر عبد الرحمن بن عوف، بقرية تعرف بالدور، على باب زرع. والله أعلم. الهَمَيْسَع أبو الْيَسَع، في ذيل اللجاة. والله أعلم. سام بن نوح على باب نَوَى. وبها قبر الشيخ محيي الدين النووي. وبها الشيخ علي الحريري، شيخ الطائفة الحريرية.

стр. 257

مبرك الناقة. موضع معروف بصرى. ويقال إن ناقة النبي ﷺ بركت به هناك. أما قدوم النبي ﷺ بصرى فلا شك فيه؛ وأما أن ناقته بركت به في هذا الموضع بعينه، فلا نقطع به. ولكن الظاهر أنه هو. فالله أعلم. وفي هذا الموضع مصحف شريف عثماني، وعليه أثر الدم. وقبلي بصرى دير يقال له دير الناعقي. كان به بحيرا الراهب. وبه اجتمع برسول الله ﷺ . وشرقي بصرى، قرية تعرف بدَنِين بها قَدَمُ رسول الله ﷺ في صخرة سوداء، على ما ذكروا. والله أعلم. وقرب بصرى قرية تعرف بغصب، بها قبر وهب بن منبه. قدم هارون ﵇. ببلدة بصَرْخَد. وبهذه البلدة مشهد، ذكروا أن موسى وهارون ﵉ كانا به، لما خرجا من التيه. قبر هارون. في السيق ببلاد الشَّوْبَك. قبر أبي عبيدة بن الجراح. بقرية عَمْتَا من الغَوْر. وعليه بناءً، ولخادمه مرتب جار. أجرى له في الأيام التنكزية، بعلم الوزير أمين الملك ووساطته. قبر معاذ بن جبل بالقصير المعيني. قبر أبي هريرة. بقرية تُبنى بالساحل، من أعمال الرملة. - البلقاء. يزعم بعض الناس أن الكهف والرقيم هناك. وهذا ليس بصحيح. قال الهروي: وقد زرنا الكهف والرقيم في بلاد الروم عند مدينة يقال لها أَبْسُس (١)، خَرِبةٌ بها آثار عجيبة، قريبة من مدينة أبلُسْتَيْن. وقيل إن مدينة دقيانوس هي طليطلة. والصحيح الذي ببلاد الروم. وسيأتي ذلك في موضعه. قبر جعفر الطيار. بقرية مُؤْتَة، من أعمال كَرَكَ الشَّوْبَك. وبها أيضا قبر زيد بن حارثة، وقبر عبد الله بن رواحة، والحارث بن النعمان، وعبد الله بن سهل، وسعد بن عامر القيسي وأبي دُجَانَة الأنصاري: استشهدوا ﵃ في غزوة مُؤْتَةَ، وهي غزوة مشهورة. قبر سليمان بن داود شرقي بحيرة طبريّة. قال شهاب الدين بن الواسطي في

стр. 258

تصنيفه: والصحيح أن سليمان دُفن إلى جانب أبيه، في بيت لحم. وهما في المغارة التي بها مولد عيسى، ﵈. قال: ومن شرقيّها أيضا قبر لقمان الحكيم وابنه، على ما قيل. - قبر أم موسى بن عمران. بقرية يقال لها إربل من أعمال طبرية، عن يمين الطريق. وبها أربعة من أولاد يعقوب. وهم: دان وأبساخور وزبولون وكاذ. - قصر يعقوب ﵇؛ وبيت الأحزان؛ وجُبّ يوسف ﵇. في الطريق إلى بانياس. وهذا هو المشهور. قال ابن الواسطي: والصحيح أن جُبّ يوسف في طريق القدس، عند بلد يقال له سنجيل. وقال في موضع آخر: سَيْلُون قريةٌ كان يعقوب ﵇ ساكنا بها. وإن يوسف ﵇ خرج منها مع إخوته. والجب الذي رمى فيه بين سِنْجِيل ونابلس، عن يمين الطريق. - قبر شُعيب، ﵇. بقرية يقال لها حطين ويقال حطيم. وقبر زوجته على الجبل، على ما قيل. - قبر يهوذا بن يعقوب. بقرية رُومة من أعمال طبرية. - قبر صَفُورَاء، بنت شُعيب، زوجة موسى بن عمران. بقرية كفر مَنْدَه. قيل إنها مَدْيَن، على ما زعم. قال ابن الواسطي: والصحيح أن مدين شرقي طورسينا. - وبهذه القرية الجبُّ الذي قلع موسى الصخرة من عليه، وسقى منها أغنام شُعيب. قال: والصخرة باقية هناك. وبها اثنان من أولاد يعقوب، وهما: أشير ونفتالي. وعند هذه الأماكن جبل يقال له الطور. قيل: إن موسى، من هذا الجبل رأى النار، ومن هذا الموضع أرسله الله. - قبر راحيل أم يوسف. عن يمين الطريق السالك من القدس إلى الخليل. - قبر لوط. بقرية كفر تريك، شرقي بلد الخليل. - مقام لوط. بقرية تامين. وبها كان يسكن، بعد رحيله من زُغَر. والموضع الذي خُسِف بقومه هو اليوم البحيرة المنتنة. وقيل إن الحجر الذي ضربه موسى فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، بزغر. - قبر عبادة بن الصامت. بالرملة. - مشهد الحسين (١). بعسقلان. كان رأسه بها. فلما أخذها الفرنج، نقل المسلمون

стр. 259

الرأس إلى القاهرة، ودفن بها في المشهد المعروف به، خلف القصرين، على

стр. 260

زعم من قال ذلك. والأغلب أنه لم يتجاوز دمشق؛ لأنه إنما حُمل إلى يزيد بن معاوية.

стр. 261

وكانت دمشق دار ملكه وملك بني أمية. ومن المحال أن يتجاوز الرأس المحمول إلى السلطان لغير حضرته. وله بدمشق مشهد معروف داخل باب الفراديس. وفي خارجه

стр. 262

مكان الرأس، على ما ذكروا. وقد جاء في أخبار الدولة العباسية أنهم حملوا أعظم الحسين ورأسه إلى المدينة النبوية حتى دفنوه بقبر أخيه الحسن والمدى بعيد بين مقتل الحسين ومبنى مشهد عسقلان. وفي هذا المشهد دفن رأس الكامل صاحب ميافارقين. وفي ذلك قال ابن المهتار الكاتب: [من الخفيف] أين غاز غَزَا وجَاهَدَ قوما، … أثخنوا بالعراق والمشرقين؟ لم يَشِنْهُ أنْ طيف بالرأس منه … فله أسوة برأس الحسين وافق السبط في الشهادة والدفن … وقد حاز أجره مرتين لِمَ وَارَوْا في مشهد الرأْس ذاك الرأس؟ … فاستعجبوا من الحالتين قبر يحيى وزكريا. يقال إنهما بسَبَسْطِية. وحكى ابن عساكر عن زيد بن واقد، قال: وكلّني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق. فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافي، وبين يديه الشموع. فنزل. فإذا هي كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع. وإذا فيها صندوق. فإذا فيه سَفَط وفي السفط رأس يحيى بن زكريا مكتوبا عليه: «هذا رأس يحيى بن زكريا». فأمر به الوليد، فردّ إلى المكان. وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة. فجعل عليه عمود مسقط الرأس. قال زيد بن واقد: رأيتُ رأس يحيى بن زكريا، وعليه البشرة، والشَّعَرُ على رأسه لم يتغير. وقال القاسم بن عثمان الجوعي: سمعتُ الوليد بن مسلم وسئل: أين بلغك رأس يحيى بن زكريا؟ قال: بلغني أنه ثُمَّ. وأشار بيده نحو العمود المسقط الرابع من الركن الشرقي. وقال هشام بن عمار: حدثنا محمد بن شُعَيب، قال: دخلت مع شداد بن عبد الله من باب الدَّرَج. فقال لي: ترى ها هنا كتابا بالرومية؟ قلت: نعم. فصلى ركعتين. وقال: هاهنا رأس يحيى بن زكريا. وروى القاسم الجوعي عن الوليد بن مسلم أنه سأل الأوزاعي: أين بلغك رأس يحيى بن زكريا؟ قال: في العمود الرابع المُسَفّط. سعد بن عبادة. يقال إنه بقرية المنيحة، من غوطة دمشق. ولا يصح (١).

стр. 263

خالد بن الوليد. يقال إنه خارج حِمْص. ولا يصح. وإنما هو خالد بن يزيد بن معاوية، بقول جَزْم. فإن عمر بن الخطاب كان قد عزل خالدًا عن حمص وأشخصه إلى المدينة، فمات بها، ووَجَدَ عليه عمر بعد موته. ضرار بن الأَزْوَر خارج باب شرقي مع خلق من الصحابة، استشهدوا في فتح دمشق. - وبمقابر باب الصغير خلق من الصحابة أيضًا، استشهدوا في فتح دمشق. - وكذلك من سكن دمشق منهم. - وكذلك بسائر بلاد الشام، وبمصر، والعراق، والعجم، والمغرب. - ويجزيرة العرب منهم رجال، وبمكة والمدينة مشاهير وأعلام (١). البيوت المعظمة عند الأمم وأما غير ذلك مما هو لطوائف الأمم: فأوّل ذلك ما كانت عُباد الكواكب تعظمه. وهي سبعة بيوت في الأرض. يرون أن كلا منها هيكل كوكب من الكواكب السبعة السيارة: لاعتقادها أن الكواكب أجسام حيّة ناطقة، تجري بأمر الله في كل ما يحدث في العالم. فقربوا إليها القرابين، لتنفعهم. فلما رأوها تخفى في النهار وبين أحايين الليل عملوا لها تماثيل، وبنوا لها البيوت والهياكل: ظنا أنهم إذا عظموا تلك التماثيل الموضوعة لها، تحرّكت الأجسام العلوية بمرادهم. وقد قال الله تعالى، حكايةً عن قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢). والأبيات السبعة التي كان إليها حجهم: أولها: البيت الحرام. كان يأتيه منهم من يتقرب بزُحل. قلتُ: وإن صح قولهم من قصد هؤلاء البيت الحرام بالتعظيم، فلا عجيب. فإنه ما زال معظما في الإسلام وقبل الإسلام، تحج إليه طوائف الأمم في كل الأوقات. زاده الله إبقاء وأدامه، ووصل شرفه بيوم القيامة. وثانيها: بيتُ، فارس، على رأس جبل أصفهان. وبينهما ثلاثة فراسخ. كان يأتيه منهم من يتقرب بالمشتري. ثم جعله يستاشف - لما تمجس - بيت نار. فعظمه المجوس. وثالثها: بيت، مندرسان ببلاد الهند. كان يأتيه منهم من يتقرب بالمريخ. وقد ذكره

стр. 264

أبو عبيد البكري وقال: إن به من القوى الدافعة والجاذبة والمنفردة، أوصافا لا يسع ذكرها. ثم قال: وهو بيت مشهور من أراد البحث عنه، فليبحث. ورابعها: بيت كاوسان. بناه كاوس الملك بمدينة فرغانة. كان يأتيه منهم من يتقرب إلى الشمس. قال أبو عبيد البكري: وهدمه المعتصم. ولهدمه خبر ظريف ذكر في كتاب الزمان. وخامسها: بيت غُمْدان. بناه الضحاك بمدينة صنعاء. كان يأتيه منهم من يتقرب بالزُّهَرَة. وخربه عثمان بن عفان ﵁. والآن مكانه بركة. وآثاره كالجبل الضخم. وكان الوزير عيسى بن الجراح، لما نفى إلى اليمن احتفر به قبرًا وبنى عليه سقاية. قال البكري: وزعم أهل اليمن أنه سيُبنى على يد غلام يخرج من بلاد سبأ، يؤثر في هذا العالم تأثيرا عجيبا. وسادسها: بيت بأعلى بلاد الصين. بناه ولد عامور بن سويل بن يافث بن نوح. يأتيه منهم [من] يتقرّب لعطارد خاصةً، ولسائر الكواكب السبعة السيارة عامةً. وهو سبعة أبيات، في كل بيت سبع كُوّى، يقابل كلَّ كوّة صورة على صورة كوكب من الخمسة والعشرين. ولهم فيه أسرار بزعمهم. وسابعها: بيت النوبهار. بناه منوشهر الهندي بمدينة بلخ. وكان يأتيه من الصابئة من يتقرب بالقمر. وكان يسمى المتولي لسدانته «برمك». وكانت ملوك الفرس تعظمه وتعظم متوليه وآلت ولايته إلى أبي خالد البرمكي، فلهذا قيل «خالد بن برمك» ولهذا قيل «البرامكة». وكان من أعلى المباني تشييدًا. وكان يُلَبّس بالحرير الأخضر، تنشر عليه شقاق منه. طول كل شُقَّة مائة ذراع. فيقال: إن الريح حملت بعض تلك الشقاق فرمت به على مسيرة خمسين فرسخا. وهذا يدل على عُلُوّه الزائد. وكان قد كتب على باب النوبهار بالفارسية: «قال سوراشف الملك: أبواب الملوك تحتاج إلى ثلاث خصال: عقل، وصبر، ومال». ثم لما ملك الإسلام مدينة بلخ، كتب تحت هذه الكتابة بالعربية: «كذب سوراشف. الواجب على الحرّ إذا كان معه واحدة من هذه الخصال أن لا يلزم باب السلطان». هياكل الأقدمين (١) وأما بيوت اليونان، فهي ثلاثة هياكل، وهي مشهورة في العالم:

стр. 265

أولها: بيت بانطاكية داخل مدينتها، على يَسْرة المسجد الجامع. وخربه المسلمون. ولما أتى ثابت بن قرة بن زكريا الحَرَانِيُّ مع المعتضد في سنة تسع وثمانين ومائتين، أتى هذا الهيكل وعظمه. وثانيها: هو الهرم الذي على بعد من الفسطاط. وثالثها - بيت المقدس. كان قد شُرع في بنائه. ثم شرع داود ﵇ في تكميل بنائه مسجدا. ثم تم على يد ابنه سليمان، ﵉. قال البكري: فأما الصنم الذي ذكره الله في الإنجيل، فكانت اليونانية اختارت له جبل لبنان. فاتخذوا له هناك هيكلا فيه نقوش عجيبة، في الحجر. لا يتأتى مثلها في الخشب (١). هياكل الصقالبة وأما بيوت الصقلب فهي بيوت ثلاثة، وفيها مخاريق مصنوعة يسمع لها أصوات استرقت عقولهم: فأولها - بيت فيه آثار مرسومة تدلُّ على الكائنات. قال البكري: وهذا البيت على الجبل الذي كان للفلاسفة أنه أحد جبال العالم. (قلت: لعله يكون على الجبل المستدير وهو المسمّى في الشمال بجبال قاقونا). وثانيها - على الجبل الأسود. تحيط به مياه عجيبة، ذوات طعوم مختلفة. وفيه صنم كبير على صورة رجل شيخ بيده عصا يحرّك بها عظام الموتى. وتحت رجله اليسرى غرابيب سودٌ من صور الغُداف وغيرها. وثانيها - يحيط به خليج من البحر، في وسطه قبة عظيمة، بها صنم على صورة جارية. هياكل الصابئة وأما ما كان للصابئة. فكان لهم هياكل تسمى بأسماء، وهي: هيكل العلة الأولى، وهيكل العقل، وهيكل الصورة، وهيكل النفس. مستديراتُ الأشكال. وهياكل الكواكب والنيرين على أشكال مختلفة من التسديس والتثليث والتربيع.

стр. 266

وكانت لهم فيها دُخَنٌ وقرابين يطول وصفها. قال البكري (١): والذي بقي من هياكلهم، بيت بحران، في باب الرقة. يعرف بمعلنيشا. وهو هيكل آزر، أبي إبراهيم ﵊. ولهم في آزر وأبيه كلام كثير. قال البكري (٢): ولهم في هياكلهم مخاريق قد وصلت: تقف السَّدَنَة من وراء الجُدُر وتتكلم بأنواع الكلام، فتجري الأصوات من تلك المنافخ والمخاريق إلى تلك الصور المجوّفة فيظهر لها نطق على حسب ما دبّر على هيأة هندسية. ثم قال: والصابئة حشوية اليونان. وإنما يضافون إلى الفلسفة، إضافة نَسَب لا إضافة كلمة؛ لأنهم يونانيون، وليس كلّ يوناني بحكيم. قال أبو عبيد البكري: وعلى باب حَرَّان كتابة بالسريانية نسبة قول في النفس نسبة قول أفلاطون: الإنسان نبات سماوي. قال: والصابئة تقرّب في بعض الأوقات ثورًا أسود، تُشدّ عيناه ويُضرب وجهه بالملح، ثم يُذبح ويُنظر في أعضائه. وما يظهر منه في الجراحات والاختلاج، فيستدل به على أحوال السنة. ولهم في قرابينهم أسرار ومخبآت. وهيكل في أقاصي الصين وهو بيت مدوّر له ستور وأبواب. في داخله قبة مسبعة عظيمة البنيان. وبه بئر مسبعة الرأس، متى أكبّ إنسان على رأسها تهوّر على رأسه فيها. وعلى رأس البئر، شبه الطوق مكتوب عليه بقلم قديم، قلم السندهند: «هذه البئر تؤدّي إلى مخزن الكتب الأولى وتاريخ الدنيا وعلوم السماء لِمَا كان ويكون، وتؤدّي إلى خزائن رغائب هذا العالم. لا يصل إلى الدخول إليها والاقتباس مما فيها إلا من وازت قدرته قدرتنا وعلمه علمنا». قلتُ: هذا ما ذكره البكري ذكرته كما ذكره. والعهدة عليه فيما نقله. [بيوت النيران] وأما بيوت النيران، فأوّل من ذكرها أفريدون. قال: لأنه زعم أنها من جنس الكواكب النورية. وبالنور صلاح العالم؛ لأنها عندهم أصل كل حي ومبدأ كل تمام؛ لأنها تجذب الحيوان إليها كالفراش الطائر بالليل، … وما يصاد بالليل بالشرج من الوحش والطير والسمك كما يصاد في البصرة بإيقاد السرج في الزواريق، فيطلع السمك

стр. 267

من الماء حتى يقع في الزواريق. ويبطل أقوال المجوس في اجتذاب النار للحيوان أن الحيوان ينام الليل لاحتباسه عن الإسفار، فإذا رأى النّار ظنّه فرجة إلى النهار، فقصده. وليس هذا موضع ذكر شبهتهم والأجوبة عنها. وإنما ذكرنا هنا ما هو لائق به. وبيوتهم المشهورة خمسة: فأولها، بيت بطوس، وثانيها، بيت ببخاري، بناهما أفريدون. وثالثها، بيت دار ابجرد في أرض فارس. وكان زرادشت نبي الفرس، على ما زعموا، قد أمر يستاشف الملك أن يطلب نارا كان يعظمها جم، الملك؛ فوجدت بخوارزم فنقلها يستاشف إلى دار ابجرد. قال البكري: والمجوس تعظم هذه النار، وهي أكرم نيرانهم. ورابعها، بيت بإصطخر، من فارس. ويقال إنه كان مسجد سليمان، ﵇. وقال المسعودي (١): وقد دخلته. وهو على نحو فرسخ من مدينة إصطخر فرأيت بنيانا عجيبا وهيكلا عظيما، وفي أعلاه صُوَرٌ من الصخر محكمة، عظيمة المقادير: من الخيل وسائر الحيوان. يحيط بذلك كله سور من الحجر فيه صور الأشخاص، قد شكلت وأتقنت. ويزعم مَنْ جاور هذا الموضع أنها صور الأنبياء، ﵈. وفي جوف هذا الهيكل الريح غير خارجة منه في ليل ولا نهار: لها هبوب وحفيفٌ. يذكر من هناك من المسلمين أن سليمان حبس الريح فيه، وأنه كان يتغدى ببعلبك، من أرض الشام، ويقيل بمدينة تَدْمُر، في الملعب المتخذ فيها، وهي في البرية بين العراق ودمشق من أرض الشام. وبين تدمر والشام ستة أيام، ثم يتعشى بهذا المسجد. وبَتدمر خلق من العرب من قحطان. وخامسها، بمدينة جور التي يضاف إليها الماورد. بيت نار بناه أردشير له يوم عيد. وهو على عين هناك، عجيبة. وإليه متنزهاتهم. وفي وسط جور بنيان كانت تعظمه الفرس، يعرف بالطربال. خربه المسلمون. وإنما فُضّل ماء وردهم، لصحة التربة وصفاء الهواء. وألوان سكانها في غاية الحسن، من اعتدال الحمرة والبياض.

стр. 268

وبين جور وشيراز، وهي قصبة فارس، عشرون فرسخًا. فسبحان الذي من علينا بالإسلام، وهدانا إليه وعلمنا ما لم نكن نعلم، وفضلنا على كثير من خلقه، تفضيلا. * * * الآثار المشهورة ومما نتتبع به هذه الهياكل من الآثار المشهورة في الأرض مما بقي، لقي جسمه أو رسمه، ما يُذكر: - فمن ذلك صنم الخطا المحجوج في نهاية الشرق المتشامل. وهو قريب من السند. - ومن ذلك قصر الدهاك. ما بين مدينة طغورا وبين مدينة باش بالق، شرقي طغورا وغربي باش بالق. - ومن ذلك حائط القلاص. ويعرف بالحائط المحيط، ويعرف بحائط عبد الله بن حُمَيد جنوبي بلاد الغربة وأسبيجاب. - ومن ذلك مدينة إصطخر (١). وهي مدينة عجيبة البناء، من بناء سليمان، ﵇. - ومن ذلك قصر سِنْدَاد (٢). وهو بالعراق، قريب النيل، بأرض الأُزير، على نهر سِنْدَاد. وكان مسكن آل مُحَرق. وفيه قال الأسود بن يَعْفُر (٣): [من الكامل] ماذا أؤمِّلُ بعد آلِ مُحَرِّقٍ، … تركوا منازلهم، وبعدَ إيادِ؟ أهلُ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرِ ومَأْرِبٍ … والقصر ذي الشُّرُفاتِ مِنْ سِنْدَادِ

стр. 269

دار تخيَّرها لطيب مقيلها … كعب بن مامة وابنُ أَمِّ دُوَّادِ نزلوا بأنقرة يسيل عليهم … ماء الفرات، يجيء من أطوادِ جرت الرياح على محل ديارهم … فكأنما كانوا على ميعاد ومن ذلك قصور الحيرة، بين العراق والشام. ومن ذلك الخَوَرْنَق (١) والسَّدِير (٢). وهما من أشهر الآثار. بناهما شخص اسمه سنمار للنعمان بن قيس، وكمله في عشرين سنة. فلما وقف عليه النعمان، استجاده وأثنى على سِنِمَّار. فقال له سِنِمَّار: لو شئتُ أن أجعله يدور مع الشمس، لفعلتُ. فأمر به أن يُطرح من أعلى شُرفاته. فضُرب به المثل، فقيل: «جزاه جزاء سنمار» (٣). وفي ذلك يقول الشاعر: [من الطويل] جَزَتْنِي بنو قيس، وما كنتُ مذنبًا … جزاء سِنِمَّارٍ وما كانَ ذا ذَنَبِ! بنى القصر للنعمان عشرينَ حَجَّةً … يعل عليه بالقراميد والخُشْبِ فلما استوى البنيان واشتد رصفه … وآض كمثل الطود والشامخ الصَّعْبِ رمي بسنِمَّارٍ على أُم رأسه … وذاك لعمر الله من أعظم الخطب! ثم ترهب هذا النعمان في الجاهلية، وانخلع من ملكه، وليس المسوح. وفيه قال عَدِيٌّ بن زيد زيد (٤): [من الخفيف]

стр. 270

وتذكر ربَّ الخورنق إذ … فكر يوما. وللهدى تفكير راقه ماله وكثرة ما يملك، … والنهرُ مُعرِضًا والسدير فارعوى قلبه وقال: وما … غبطة حي إلى الممات يصير؟ (١) - ومن ذلك قصر سنافاد. - ومن ذلك الرصيف الممتد بين صَرْخَد والعراق، ممتدًا في البرية. يقال إنه من عمل سليمان بن داود ﵉. وهو يتصل في مواضع وينقطع في أخرى. ويتوصل السالك معه من الشام إلى العراق، ومن العراق إلى الشام في أقرب مدة. - ومن ذلك مدينة تَدْمُر (٢) بين العراق وبين الشام، وما فيها من عجائب البناء وكبار العمد. - ومن ذلك ملعب بعلبك (٣) والباقي منه عمد بقلعتها الآن، وما في سورها من الأحجار العظام والصخور الراسية كالجبال. يقال: إنه من بناء سليمان بن داود، ﵉. - ومن ذلك مدينة شُهْبَة (٤) من بلاد حوران. وبها من الأبنية الباقية والعمد العالية والآثار الدالة ما هو من جلائل الآثار. - ومن ذلك مدينة جرش (٥) من بلاد حوران. يحكى الهول عن غرائب آثارها وقد أضحت خاوية على عروشها، خالية من أهلها وسكانها، لا يُحس بها حسيس، ولا يوجد بها أنيس. - ومن ذلك جُبُّ يوسف (٦)، وهو قرب قرية اسمها شورى.

стр. 271

ويدانيها جسر يعقوب، وهو معروف مشهور. كل ذلك ببلاد صفد. ومن ذلك منازل ثمود (١) بين الحجاز والشام. وبيوتهم المنحوتة في الجبال باقية إلى الآن. وهي المعنية بقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (٢). وبها البئران: بئر الناقة، وبئر ثمود، المقسوم بينهما الشرب ولما مر رسول الله ﷺ بأرض ثمود في غزوة تَبُوكَ، وجد بعض من سبق من أصحابه قد ملأ من بئر الحجر. فأمر بأن يُراق الماء. فقالوا: يا رسول الله قد عجنا منه العجين. فأمر بأن يُطعموه الإبل، وأن يشربوا من بئر الناقة. وهما معروفان هناك. وهذه فائدة أردنا التنبيه عليها. [ومن ذلك جُبُّ بابِلَ، وهو الذي حبس به دانيال ألقاه فيه بخت نصر. وألقى معه أسدين حتى أتاه، بأمر من الله، نبي من أنبياء بني إسرائيل. فقال: يا صاحب الجب! فأجابه دانيال: قد أسمعت ما تريد؟ قال: أنا رسول الله إليك، لأستخرجك من موضعك. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره! والحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره! والحمد لله الذي يجزى بالإحسان إحسانا! والحمد لله الذي يجزى بالإساءة غفرانا! والحمد لله الذي يكشف ضرنا عن كربنا؛ واستخرجه وإن الأسدين لعن يمينه وشماله يمشيان معه حتى عزم عليهما دانيال أن يرجعا. وعن ابن عباس، قال: من قال عند كلّ سبع: «اللَّهُمَّ! رَبَّ دانيال وربَّ الجب ورب كل اسد مستأسد! احفظني واحتفظ علي!» لم يضره السبع] (٣). - الأخدود. المحتفر لأصحاب الأخدود المذكورين في القرآن الكريم. هو بنجران من اليمن. - ومن ذلك البئر المعطلة والقصر المشيد. وهما قريب الفج الخالي (٤) بمشاريق اليمن. - ومن ذلك سد مأرب (٥). وهو ببلاد سبأ من اليمن.

стр. 272

وبه قصر القشيب (١). كان لبلقيس. ومن ذلك قصر غمدان (٢). بصنعاء اليمن. وهو من أشهر الآثار وأظهر المعالم. كان مسكن التبابعة من حِمْيَر، ومنهم شَمِر بن مالك وأسعد أبو كرب. وكفى بذكرهما. طافا الأرض وبلغا الآفاق. وقصر غمدان هذا هو المذكور في الأشعار، والمشهور في الأخبار. وفيه يقول ابن أبي الصلت (٣): [من البسيط] اشرب هنيئًا عليك التاج مغتبقًا … في قصر غُمْدان دارا منْكَ مِحْلالا! تلك المكارم لا قَعْبان من لبن … شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا! - ومن ذلك بئر بَرَهُوت (٤). ببلاد حضرموت من بلاد اليمن. وهو الذي لم يُعرف عمقه، ولا عُلم أن إنسانا نزله. - ومن ذلك قصر ريدان (٥). المشهور بمدينة ظَفَارِ باليمن. وكانت تسمى قديما مدينة يَحْصِب.

стр. 273

- ومن ذلك قصر الشَّاذِيَاخ (١). وهو بباب نيسابور من خُراسان. كان دار السلطنة لبعض ملوكها. ولم نؤخر ذكره إلا لأنه شُبِّه ببناء غمدان. فكان كأن لذكره به تعلقًا: [من البسيط] اشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًا … بالشاذياخ، ودع غمدان لِليَمَنِ فأنت أولى بتاج المُلكِ تلبسه … من هَوْدَةِ بن علي وابن ذي يزن وعلى باب قصر الشاذياخ، صُلب علي بن الجهم (٢). فقال حين صُلب، ارتجالًا: [من الكامل] لم ينصبوا بالشاذياخ عشية … الاثنين مسبوقًا ولا مجهولا نَصَبوا بحمد الله ملء قلوبهم … شرفا، وملء صدورهم تبجيلا ما عابه أنْ بُرَّ عنه ثيابه، … فالسيف أهول ما يُرى مسلولا (٣) - ومن ذلك دار الأنماط. وكانت بفسطاط مصر، يباع بها قماش النساء، وفاخر اللباس والأمتعة. وتجلب إليها من كل أرض. وكان يجلس على حوانيتها أهل الفراغ واللهو. وكانت من عجائب المباني، وغرائب الآثار. وحكى ابن ظافر (٤): أن ابن قلاقس جلس بمصر فيها مع جماعة، فمرت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك. وهي شمس تحت سماء النقاب، وغصن في أوراق الشباب. فحدّقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب. فجعلت تتلفت تلفت الظبي المذعور، أفرقه القانص فهرب! وتثنّى تثني الغصن الممطور، عانقه

стр. 274

النسيم فاضطرب. فسألوه العمل في وصفها. فقال هذا يصلح أن يعكس فيه قول ابن العطار الأزدي: [من الكامل] أعرضن لما أنْ عَرَضْنَ فَإِنْ يكن … حذرا، فأين تلفتُ الغزلان؟ ثم صنع: [من المتقارب] لها ناظر في ذرى ناضر … كما ركب السن فوق القناة لوت حين وَلَّتْ لنا جيدها … فأيُّ حياةٍ بَدَتْ من وفاة؟ كما ذُعِر الظبي من قانص … فمر وكرّر في الالتفات ثم صنع: [من الكامل] ولطيفة الألفاظ لكن قلبها … لم أشك منه لوعة، إلا عَتَا كملت محاسنها فود البدر أن … يحظى ببعض صفاتها أو يُنعتا قد قلت لما أعرضت وتعرضت: … يا مؤيسا، يا مُطعما، قُلْ لي متى؟ قالت: أنا الظبي الغرير وإنما … ولى وأوجسَ خِيفَةً فتلفتا] (١) - ومن ذلك الأهرام بمصر. وأجلها الهرمان بجيزة مصر. وقد ونـ أكثر الناس القول في سبب ما بنيا له فقيل: «هياكل للكواكب». وقيل: «قبور ومستودع مال وكتب» وقيل: «ملجأ من الطوفان». وهو أبعد ما قيل فيها؛ لأنها ليست شبيهة بالمساكن. وأقربها إلى الصحة - والله أعلم - أنها إما هياكل كواكب، وإما مواضع قبور. ولقد فُتح أكبرها في زمان المأمون، حين قدم مصر. فلم يظهر منه ما يدلُّ على ما وضع له. وعلى ألسنة الناس أنه وجد ذهبا فوزنه، وحسب مقدار ما أنفقه، فوجدهما سواء بسواء، لا يزيد أحدهما على الآخر بشيء، لعلمهم السابق أنه سينفق عليه مثل هذا المقدار. فوضع هذا المقدار بإزاء ما ينفق عليه. ووجدت هذا في كثير من الكتب. فراجعت التواريخ الصحيحة والكتب المسكون إليها، فلم أجد المأمون وجد به شيئًا ولا استفاد زائدًا عما يعلم الناس به علما. وأدلُّ الأدلة على أن أحدها هيكل بعض الكواكب، أن الصابئة كانت تأتي حقيقة تَحُبُّ الواحد وتزور الآخر، ولا تبلغ به مبلغ الأوّل في التعظيم. والله أعلم بحقيقة أمورها وجلية أحوالها. وهي أشكال لهبية كأن كل هرم لهبة سراج. آخذة في أسافلها على التربيع مسلوبة

стр. 275

الشكر في عمود الهواء، آخذة في الجو حتّى إلى التثليث. لولا استدارة سفل أبلوج (١) السكر لشبهناها به. ويحتمل أن يكون هذا الشكل موضوعا لبعض الكواكب لمناسبة اقتضته. ولقد أصعدت غير مرة، مارا على الأهرام بجميع بلاد الجيزة، ورأيت منها ما دثر بعضه، وما دثر كله. فإذا هي مصفحة البناء شيئًا على شيء، لا فسحة في أوساطها، كما تكون ساحات الدور بين الجدران. وإنما هي بناء ملتصق على بناء، بعضها فوق بعض. ووجدت بعض الأهرام مبنيّة بالطوب وهذا أكبر دليل على أنها لم تتخذ ملجأ من الطوفان. فأما مقدار الهرمين المشار إليهما، في ارتفاعهما ومساحة أقطارهما، فإنه مذكور في الكتب ذكرا مستوعبا لم أحققه بالقياس وأبى لي تحقيقي في هذا الكتاب أن أذكره بمجرد التقليد، مع إمكان التحقيق، مع كثرة تردّدي عليها، وسكني بالقاهرة في جوارها. ولعذر مانع في وقت هذا التأليف، قعدت عن معاودتها بالنظر والتحقيق. على أن الهدم قد شرع في قلع هذه الآثار، ونقل أحجارها إلى الأبنية والمساكن. تبه لها الدهر طرفا غافيا، وقلبا غافلا، فأصبحت هاوية الأركان، تابعة السكان. فلقد صدق عليها المتنبي (٢) قوله: [من الكامل] أين الذي الهرمانِ مِنْ بُنيانه؟ … مَنْ قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟ تتخلّف الآثارُ عَنْ سُكَانِها حينا، … ويُدركها الفناء فتتبع! وإن فيها لعبرة للمعتبر، وتذكرة للمدَّكر، وآيةٌ لمن أناب، وتبصرة في الدنيا لمن يلد للفناء ويعمر للخراب. وحكى ابن ظافر (٣)، قال: ذكر لي أن جماعة من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام، ليروا عجائب مبانيها، ويتأملوا غرائب ما سطره الدهر من العبر فيها، فاقترح بعضُ مَنْ كان معهم العمل فيها. فصنع أبو الصَّلت أُمَيَّة بن عبد العزيز [الأندلسي] (٤): [من الطويل] بعيشك هل أبصرت أحسن منظرًا، … على ما رأت عيناك، من هَرَمَيْ مِصِرِ؟

стр. 276

أَنَافًا بأعنان السماء وأشرفا … على الجو، إشراف السَّمَاكِ على النَّسْرِ (١) وقد وافيا نَشْرًا من الأرض عاليًا … كأنهما نَهْدَان قاما على صدر ومن ذلك أبو الهول. وهو اسم لصنم يقارب الهرم الكبير. في وَهْدة منخفضة تقع دونه شرقا بغرب. لا يبين من فوق سطح الأرض إلا رأس ذلك الصنم. وعنقه أشبه شيء برأس راهب حبشي، عليه غفارية. على وجهه صباغ أحمر إلى حُوَّة، لم يَحُلْ على طول الأزمان، وقديم الآباد. وهو كبير. لو كان شاخصا كله، لما قصر عن عشرين ذراعا طوله. في غاية مناسبة التخطيط. يقال إنه طلسم (٢) يمنع الرمل عن المزدرع. وزاد تحسين هذا القول إليهم وتصويره لهم، أنه على نهاية الرمل إلى جهة المزدرع. في أبي الهول يقول [أبو منصور] ظافر الحداد (٣): تأمل هيأة الهرمين وانظر، … وبينهما أبو الهَوْلِ العجيب! كَعَمَّارِيتين (٤) على رحيل … بمحبوبين، بينهما رقيب وفَيْضُ البحر عندهما دموع … وصوت الريح بينهما نحيب وظاهر سجن يوسف مثلُ صَبٌ … تخلف، فهو محزون كئيب - وأما سجن يوسف (٥)، فشمال الأهرام، على بعد منه، في ذيل خرجة من جبل في طرف الحاجر. ومن ذلك حائط العجوز (٦). وهو حائط يستدير بالديار المصرية، ممتدا على جانب المزدرع بها كأنه قد جعل حاجزا بين الرمل والمزدرع. على أنه غير عالي الذرى. مشيت معه إلى دندرا، من الصعيد الأعلى. ورأيته قد دثَرَ غالبه، ومنقطعه أكثر من

стр. 277

متصله. وهو مبني من طوب. ليس بعريض السمك ولا عالي الجدار. ووقفت على الكتب المؤلفة في أخبار مصر أنه من بناء امرأة اسمها دلوك، وأنه يصل إلى ما بين العريش ورفح، منتهى الحد الفاصل بين مصر وبين الشأم. ليس له هناك أثر، بل ولا في أسافل أرض مصر. ويُذكر في تلك الكتب - بسبب بناء العجوز له - خُرافةٌ لسنا نرضى ذكرها. ولا يُعرف من بنى هذا الحائط حقيقةً، ولا ما بني له عن يقين. ولكنا قلنا على الظن الغالب. ومن ذلك شامة وطامة (١). وهما صنمان من حجر، على قاعدتين، ببلاد الصعيد. ومن ذلك البرابي (٢). بالصعيد، في أماكن منه. وأشهرها برباة إخميم (٣). من ورائها على شرقي النيل، حيث ينعطف الرمل ملتفا على الريف. رأيت بها مختلفاتٍ من صور الحيوان من نوع الإنسان والدواب والوحش والطير. على صور مختلفة، وأشكال متباينة، مصبغة بأنواع الأصباغ، مرسومة في الجدر والسقوف والأركان من باطن البناء وظاهره، لم تنطمس رسومها، ولا حالت أصباغها: كأن يد الصانع ما فارقت صورها؛ وكفَّ الصبّاغ ما مسح دهانها. قال لي الحكيم المحقق شمس الدين محمد النقاش: إنه سافر قصدًا إليها وأقام مدة يردد نظره فيها، ويحدد نظره في أوضاعها. فرآها تشتمل على هيأة العُلْوِيَّات المرصودة بأسرها، مما لا يُعمل كلّ موضوع منها إلا برصد محرر مما لا يسع زمان واحد بعضه. قال: فعلمت أنها ما عملت في زمانٍ واحد، بوضع حكيم واحد؛ لقصر مدد الأعمار عن زمان يفي برصد تلك الهيأة الكاملة. قال: وإنما تكون - والعلم الله - مما توارث عَمَلَها على حكم الأرصاد المحررة عدّة حكماء في أزمنة طويلة، حتّى استقل ذلك المجموع وتمت تلك الهيأة. ومن ذلك عمود الصواري (٤). بظاهر الإسكندرية. وهو عمود مرتفع في الهواء

стр. 278

تحت قاعدة، وفوقه قاعدة. يقال إنه لا نظير له من العمد في علوه ولا في استدارته. ويُحكى عنه حكايات منها ما هو مسطّر في الصحف، ومنها ما هو مستفيض على الألسنة. مما لا نرى ذكره. - ومن ذلك المنارة (١) بها. وشهرتها كافية. ولم يبق منها إلا ما هو في حكم الأطلال الدوارس، والرسوم الطوامس. [وقد كانت المنارة مسرح ناظر، ومطمح أمل حاضر؛ طالما جمعت أخدانا، وكانت لجياد الخواطر ميدانًا. حكى ابن ظافر (٢) أن ابن قلاقس والوجيه ابن الذوري طلعا المنارة. والوجيه يومئذ في عنفوان [شبابه و] صباه، وهبوب شماله في الجنوب وصباه. وابن قلاقس مغرم به، مُغرى بحبه، مكب على تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه. ولم تكن وقعت بينهما تلك الهناة، ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة. فقال [بديها]: [من الطويل] وسامية الأرجاء تُهدي أخا السُّرى … ضياء، إذا ما حندِسُ الليل أظلما لبست بها بُرْدًا من الأنس ضافيًا … فكان بتذكار الأحبّةِ مُعْلَمَا وقد ظللتني من ذراها بقبة … ألاحظ فيها من صحابي أنجما فَخُيّل أنَّ البحر تحتي غَمَامةٌ … وأني قد خيَّمتُ في كبد السما فاشتد سرور ابن قلاقس وفرحه، وقال يصفها ويمدحه (٣): [من البسيط] ومنزل جاور الجوزاء مرتقيا … كأنما فيه للنَّسْرَيْن أوكار راسي القرارة سامي الفرع في يده … للنون والنور أخبار وآثار أطلقت فيه عنان النظم فاطردت … خيل لها في بديع الشعر مضمار ولَمْ يَدَعْ حَسَنًا فيه أبو حَسَنٍ … إلا تحكم فيه كيف يختار حلى المنارة لما حلّ ذِروتها … بجوهر الشعر بحر منه زخار ما زال يُذْكِي بها نار الذكاء إلى … أن أصبحتْ عَلَمًا في رأسه نار ومن ذلك الملعب بها. وقد كان له عيد يجتمعون إليه فيه، في كل سنة، وتُرمى به كرة. فمن وقعت في كمه، آل إليه الملك. وحضره عمرو بن العاص في الجاهلية، ووقعت الكرة في كمّه. فقالوا: أخَرَمت العادةُ؟ فإن مثل هذا لا يُمَلَّك.

стр. 279

وهذه واقعة مشهورة، لا حاجة إلى الإطالة بها. ومكان هذا الملعب عمر بنو خُليف القصر المنسوب إليهم. وحكى ابن ظافر (١): أن ابن قلاقس حضر يوما عند بني خليف [بظاهر الإسكندرية] في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد يمزّق بمزاحمته أثواب السما. قد ارتدى جلابيب السحائب، ولاث عمائم الغمائم. وابتسمت ثنايا شُرفاته، واتسمت بالحُسن حنايا غُرفاته. وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحبته السحائب بما اؤْتُمنتْ السحب عليه من ودائع أمطارها. والرمل بفنائه قد نشر تبره في زبرجد كرومه، والجو قد بعث بذخائر الطيب إليه لطيمة نسيمه. والنخل قد أظهرت جواهرها، ونشرت غدائرها. والطل ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعُد [غيظا] من عبث الرياح به. فسأله بعض الحضور أن يصف الموضع الذي تمت محاسنه، وغبط به ساكنه. فجاشت لذلك لُجَجُ بحره، وألقت إليه جواهره لترصيع لبة ذلك القصر ونحره، فقال: [من الكامل] قَصْرٌ بمَدْرَجة النسيم تحدثت … فيه الرياض بسرها المستور (٢) خفض الخورنق والسدير سموه … وثني قصور الرُّومِ ذاتَ قُصور لات الغمام عمامةً مِسْكَيَّة … وأقام في أرض من الكافور غنى الربيع به محاسن وصفه … فافر عنْ نَوْرٍ يروقُ [ونُورِ] فالدَّوْحُ يسحب حُلَّة من سُندُس … تزهو بلؤلؤ طلّها الموفور والنخل كالغيد الحسان تقرطت … بسبائك المنظوم والمنثور والرمل في حبكِ النسيم كأنما … أبدى غُضُونَ سوالف المذعور والبحر يرعد متنهُ فَكَأَنه … درع تُسَنُّ بِمَعْطِفَيْ مقرور وكأننا، والقصر يجمعُ شَمْلَنا، … في الأفق، بين كواكب وبدور وكذاكَ دَهْرُ بني خُليف لم يزل … يثني المعاطف في خبير حُبُورِ ومن ذلك مدينة لبدة (٣): وهي خراب يباب. بهما صنمان عظيمان من الرخام الأبيض، في زي امرأتين. وغالب بناء هذه المدينة - في جدرها وسقوفها وفرش دياراتها وأرضها - من الرخام الأبيض. وكان يجري إليها وادٍ يُصب إلى البحر الشامي

стр. 280

وتُرسى السفن البحرية إليه. وطفات الوادي ومجاري الماء مرصوفة بالرخام. فغلب عليه سافي الرمل، فقطع مدد الوادي، وأخلى أوطانها، وأجلى سُكانها. وهذه المدينة ببرقة، مما يقابل أطرابلس الغربية (١). ومن ذلك المُعَلَّقة (٢). وهي مدينة بإفريقية. على ساحل البحر الشامي على نحو ستة عشر ميلًا من تونس. يقال: إنها كانت لابنة الملك الذي قال الله وقوله الحق، في حقه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٣). بها آثار عظيمة، وأحجار كبيرة، ومها و بعيدة، وأشراب عميقة. تُظهر لمن تأملها العجب العجاب، واللُّب اللباب. ومن عظيم ما حوته من الأحجار، أنه على طول المدد، وتراخى عنان الأبد، أنه ينقل من أحجارها إلى ما جاورها ولا ينقطع مددها، ولا يظهر نقص في كثرتها. ومن ذلك مدينة شرشال (٤). وهي مدينة تقابل مِليانة، بالغرب الأوسط، على ساحل البحر الشامي. يقال إنها كانت مدينة الملك الغاصب للسفن، المعني بقوله تعالى في سورة الكهف. وقد تقدمت الآية عند ذكر ابنه هذا الملك، فيما قبل. وهي مدينة تزيد على الوصف في اتساع الأفنية، وارتفاع الأبنية، وعظم القناطر المرفوعة، والأقبية المعقودة، والقواعد المشيدة، والجُدر السميكة، مما يشهد له جوال الأرض، وسفار الآفاق، وسُمَّار الحديث، بأنه لا شبيه له في تخشين بنائها، وتحسين صناعاتها. ومن ذلك صخرة سَبْتَة (٥). يقال إنها المعنية (٦) بقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ (٧). وهي مشهورة هناك. ومن ذلك هيكل الزهرة (٨). بالأندلس، في ذيل الجبل الأخذ بين طليطلة (٩) ووادي آش (١٠) في شرقيه بشمال مطل على البحر المحيط. وقد تقدمت الإشارة إليه. ومن ذلك باب الصفر (١١). في شرقي الأندلس يفصل بينه وبين الأرض

стр. 281

الكبيرة (١). ذات الألسن العديدة من سكان الشمال. عمل الباب على نقب كان فتح في جبل حيث خَرَجْتَ من البحر الشامي طريقا للأندلس إلى البر المتصل. وقد رأيتُ أن أعقب ذكر هذه الآثار، بما هو مماثلها أو أبلغ في الاعتبار، وهو: قصر العباس (٢). وهو بين سنجار ونصيبين. وهو وإن لم يكن في القدم من نسبة ما ذكرنا، فإنه في العبرة كما أشرنا. حكى قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن خلكان في تاريخه (٣) قال: مر أبو الربيع قرواش بن المقلد بن المسيب بقصر العباس بن عمرو الغنوي وكان مطلًا على بساتين ومياه كثيرة. فتأمله، فإذا في حائط منه مكتوب: [من مجزوء الكامل] يا قصرَ عَبَّاسِ بنِ عَمْ … رو، كيف فارقك ابنُ عَمْرك؟ قد كنت تغتال الدهو … ر، فكيف غالك رَيبُ دهْرِكْ؟ واها لعزك بل لجود … ك بل لمجدك بل لفخرِك! وكتبه علي بن عبد الله بن حمدان بخطه سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة». وهذا هو الأمير [سيف الدولة بن حمدان] (٤). وتحته مكتوب: [من مجزوء الكامل] يا قصرُ، ضَعْضعك الزما … ن وحطَّ مِنْ عَلياء فخرِك ومحامحاسن أسطر … شرفت بهنّ مُتُونُ جُدْرِكْ واها لكاتبها الكريـ … م وقدره المُوفي بقَدْرِكْ وكتبه الغضنفر بن الحسن بن علي بن حمدان بخطه سنة اثنتين وستين وثلاثمائة». (وهذا هو عدة الدولة ابن الأمير ناصر الدولة أخي سيف الدولة). وتحته مكتوب: [من مجزوء الكامل] يا قصر، ما فعل الألى … ضُرِبَتْ قِبابُهُمُ بِعُقْركْ؟

стр. 282

أخنى الزمان عليهم … وطواهم لطويل نشرك واهًا لقاصِرِ عُمْر مَنْ … يختال فيك، وطُولِ عُمرك وكتبه المقلد بن المسيب بن رافع بخطه في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة». (وهذا هو والد قرواش). فكتب ولده قرواش تحته: يا قَصْرُ، ما صنع الكرا … م الساكنُونَ قديمَ عَصْرِك؟ عاصرتهم فبذَذْتَهم … وشأوتهم طرا بصبرك ولقد أثار تفجعي … يا ابن المسيبِ رَقْمُ سطرك وعلمتُ أني لاحق بك … دائب في قفو إثرك وكتبه قرواش بن المقلد بن المسيب بخطه في سنة إحدى وأربعمائة». وعزم على هدمه، وقال: هذا مشؤوم. ثم تركه. وباني هذا القصر العباس بن عمرو الغنوي من أهل تَل سَيَّار، باني الرقة ورأس عين من حصن مَسْلَمة بن عبد الملك بن مروان. وكان يتولّى اليمامة والبحرين. وسيره المعتضد لحرب القرامطة في عشرة آلاف فارس فقتل الجميع، وسلم وحده. (وعمرو بن الصفا حارب إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان في خمسين ألف فارس فأخذوه وسلم الباقون). وكذلك قصر البصرة. وكان قبل أن تُختط البصرة منزلا تنزله الأكاسرة في متصيداتهم، وتخرج إليه الأساورة في متنزهاتهم. وتهدّم حتى جدّده الحجاج، فعرف به، فقيل قصر الحجاج. وكان يعرف بقصر قُباذَ. وقال: قال أبو الغراف: قال الحجاج لجرير والفرزدق، وهو في قصره بالبصرة بالجزيرة: «إيتياني في لباس آبائكما في الجاهلية». فلبس الفرزدق الديباج والخز، وقعد في قبة. وشاور جرير دُهَاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: «ما لباس آبائنا إلا الحديد». فلبس درعا وتقلد سيفا وتأبط رمحا وركب فرسا، وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع. وجاء الفرزدق في هيأته. فتقاولا. فقال جرير: [من الطويل] لبست سلاحي، والفرزدق لعبة … عليه وشاحَا حَلْيه وخلاخِلُهْ أعدوا مع الخَرِّ المَلابَ؛ فإنَّما … جرير لكم بعل وأنتم حلائله!

стр. 283

ثم رجعا. فوقف جرير في معرة بني حصن ووقف الفرزدق بالمريد. وقد أبر جرير عليه] (١). وكذلك قصر الكوفة (٢). وقد هدم، فلم تبق منه باقية. وله حكاية مشهورة. ولهذا ذكرناه. قال عبد الملك بن عمير: كنتُ مع عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة، حين جيء برأس مُصْعَب بن الزبير، فوضع بين يديه، فرآني قد ارتعدت فقال لي: ما لك؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين كنتُ بهذا القصر في هذا الموضع، مع عبيد الله ابن زياد، فرأيتُ رأس الحسين بين يديه. ثم كنتُ فيه مع المختار بن أبي عبيد، فرأيتُ رأس ابن زياد بين يديه. ثم كنتُ فيه مع مُصْعَب بن الزبير. فرأيتُ رأس المختار بين يديه. ثم ها أنا فيه معك، ورأس مصعب بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك. وأمر بهدم ذلك الطاق. ولمناسبة هاتين الواقعتين ذكرنا هذين القصرين، لما فيهما من العبرة لمن تفكر. فسبحان الله الباقي، وكل شيء هالك الدائم، وما سواه ليس كذلك! ومنها: قصر هِرَقْل. وهو بالشِّرَف الأعلى الشماليّ. ويُعرف في زماننا بقصر شمس الملوك. ولم يبق منه اليوم إلا الجوسق والحمام والجوسق الآن خانقاه للفقراء. ولم يزل منزلا للملوك ومنزها لأهل البلد، لإشرافه [على] نهر بَرَدَى والوادي. ونزله السلطان صلاح الدين. وحكى ابن ظافر (٣) قال: دخل أبو خالد بن صغير القيسراني (٤) على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نور بخت أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفا، وجرّ النسيم عليها ما رق من أذياله وضفا. وهو تارة يرشف رضابها، ويجعد ثيابها، وتارة يسبكها مبردا، ويحبكها مشردا. فأمره

стр. 284

بوصفها، فقال (١): [من مجزوء الكامل] فأَوَّ مَا تَرَى طَرَب النسيـ … ـم إلى الغدير إذا تحرك؟ بَلْ لو رأيت الماء … يلعب في جوانبه، لسرك! وإذا الصبا هبت علي … ـه، أتاك في ثوب مُفَرَّك] (٢) ومن ذلك ما ذكره الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر، في ترجمة إسماعيل بن أبي هاشم. قال: قرأت بخط أبي الحسن رشا بن نظيف، وأنبأنيه أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الوحش سبيع بن المسلم عنه: أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن يحيى الدقاق: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن سلامة الطحاوي: حدثنا إسماعيل بن أبي هاشم، قال: قرأت على قصر بدمشق لبني أُمَيَّة: [من الخفيف] ليتَ شِعْري! ما حالُ أهلكَ … يا قَصْرُ وأَيْنَ الذِينَ عَالَوْا بِنَاكَا؟ ما لأرْبابِكَ الجبابرة الأملاك … شادوك ثمَّ حَلُّوا سِوَاكَا؟ أَلِزُهْدٍ يا قصْرُ فيكَ تحامَوْ … ك ألا تُبْتَني ولست هناكا؟ ليتَ شِعْري! وليتني كنتُ أدْرِي! … ما دهاهُمْ، يا قصر، ثُمَّ دهاكا؟ ومن خلفه: «هذا جواب عنهم: [من الخفيف] أيُّها السائل المفكّر فيهم … ما إلى ذا السُّؤال - قُلْ لي - دَعَاكا؟ أَوَ ما تعرف المَنُونَ إِذا حلَّتْ … ديارا فلن تُراعي هلاكا! إن في نفسك الضعيفة شُغْلا … فاعتبر وامض فالمَنُون وَرَاكا!» قال: وحدثني أبو الحسن بن الطحاوي: حدثني ابن أبي هاشم قال: قرأت بحلوان [مصر] على قصر لعبد العزيز بن مروان: [من الخفيف] أيْنَ ربُّ القَصْر الذي شيَّد … القصرَ، وأينَ العَبِيدُ والأجنادُ؟ أيْنَ تلكَ الجُموعُ والأمرُ … والنهيُ وأعوانُهم وذاك السَّوادُ؟ أينَ عَبُد العزيز، أيْنَ ابنُ مَرْوا … نَ، وأيْنَ الحُماةُ والأولادُ؟ ما لنا لا نُحِسُّهم ونَرَاهم! … أتُرى، ما الذي دهاهم، فبادوا؟ قال: وقرأت تحته: «هذا جواب عنهم: [من الخفيف] أيُّها السائل المُفَكِّر فيهم: … كيْفَ بادتْ جُمُوعُهم والسَّوادُ،

стр. 285

ثمَّ في القصر والذينَ بَنَوْه … أسفًا، حين فارقوه وبادوا أيْنَ كِسْرى وتُبَّع قبلَ مَرُوا … ن ومن قبل تُبَّع شَدَّادُ أيْنَ نُمرود؟ أَيْنَ فِرْعَونُ مُوسى؟ … أين من قبلهم ثمود وعاد؟ كلهم في التراب أضحى رَهِينا … حين لم تُغْنِ عنهم الأَجْنَادُ إن في الموت يا أخي لكَ شُغْلا … عن سواه، والموقف الميعاد!» ومما ينسحب على ذيل ذلك، أنني نزلتُ في مسجد بقنية السلار، من اليرموك بالشام، وكانت قديما منازل غَسَّانَ، ثم نزلها قوم من آل يسار، ثم صار إلى بني السلار، وكانوا أمراء نبلاء، وسادة أجلاء، ثم أبادهم الحدثان، فقرأت على بعض جدران المسجد: [من الكامل] أرأيت أيُّ منازل وديار … أمستْ خَلاءٌ مِنْ بني السَّلارِ، العامرين مساجدًا لإلههم … الغامرين ندى ذوي الإعسار؟ وقد كتب آخر تحتها: [من الكامل] قلبي المَشُوقُ إلى بَني السَّلار … أبدًا يُقلب فوق جذوة نار قوم لحسن صنيعهم أحببتهم، … حبي لآلِ محمد الأظهارِ فاقوا الورى بمناقب ومراتب … ومواهب غمرت وطيب نجار إن أقفرت أرضُ القُنَيَّةِ منهم … فعراضها ملأى من الإيثار بلا فكتبت تحتها: [من الكامل] لا تُنكرنَّ تَنكَّرَ الآثار … وتغير الأوطان والأوطار يا مَنْ تعجب للقُنَيَّةِ إِذْ خَلَتْ … مِنْ ساكنيها من بني السلار لا تعْجَبن فهم سلالة آدم … أُكْلُ المَنُون وعُرضة الأقدار إن تخلُ منهم، فهي من قبل خلَتْ … من آل غَسَّانٍ وَآلِ يَسار لا تعجبن مِنَ الفِراقِ، فَإِنَّهُ … ما هذه الدنيا بدار قرار جاؤوا على آثار غيرهم وقد … ذهبوا كما ذهبوا على الآثار وسَبِيلنا لما أتينا بعدهم … كسبيلهم في الورد والإصدار كل الذي حاروه عارية ولا … عَجَبٌ إذا ردّ المُعارُ عَوَارِي بلا قلت: ومن هذا النوع أنني مررتُ بعد حين من الدهر بمعاهد كنت آلفها أول عُمري، والشيب ما عارض عارضي ولا عُذري؛ وعقد الاجتماع منظوم، وأهلها أهلة ونجوم. فوجدتها خالية بعد أهلها، ظامية بعد عَلَّها ونهلها؛ قد أصبحت عارية. ريفها وظلها، عادمة لكثرها وقُلّها. وقد كتب عليها بعض من ولع: [من الخفيف]
следующие страницы →