من صحبه، لم يحسن أحد أبدًا إليه إلا وقابله بالإساءة. كثير الاستهزاء بالأمور الدينية، كثير الخلطة لأوباش الناس والشرب معهم، رحل في صحبة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد السلام إلى السلطان أبي المظفر يوسف بن أيوب، فمدحه، فأحسن صلته، ولما وصل إلى الموصل، تنكر له صاحبها أبو الفتح مسعود بن مورود، فلما ولي ولده أبو الحارث أرسلان بن مسعود، أحسن إليه، وولاه بعض أعماله. وكان يحضر مجلس شرابه، فنقل إليه أنه هجاه، فلم يصدق ذلك؛ لعدم الموجب له، فاتفق أن أمر بإحضاره، وسأله عن ذلك، فأنكر، فأمر بضربه بالدرة، فلما ضُرب سقطت ورقة من عمامته فيها الهجو الذي نقل عنه، فشهره في الموصل بأسرها، وحلق لحيته وحبسه فأقام مدة طويلة، وولد له بالحبس ولد، وتوفي كما ذكر المواصلة محبوسًا.
قال ابن المستوفي: وحدثني أبو المهند سيف بن محمد الزيلعي، قال: نزل بي إنسان بدوي، كان حبسه أبو الحارث لما أسره مع من أسر من العرب في وقعة كانت له عليهم. قال: رأيت في محبس الموصل رجلًا فاضلًا شاعرًا، فسألته عن سبب حبسه، فذكر أنه حبس لهجو بلغ عنه الأتابك. قال: ووالله ما هجوته، وإنما قلت قصيدة منها: [من البسيط]
أُعيدُ مَجْدَكَ مِنْ قَدَمٍ أقولُ لهُ … إِنِّي زُهَيْرٌ ولكن ليس لي هَرِمُ
فحبسني كما ترى.
ومن شعره قوله (١): [من الكامل]
طربًا أقول إذا الحمامُ تَرنّما … عيش لنا بالابريقيْن تصرّما
قصرت مسافته فكان كزائر … وافاك في سِنَةِ الرُّقادِ مُسلَّما
أشكو تباعُدَهُ بعين كلما … نهنهتُ فيض دموعها فاضت دما
فاعْصِ اللوائمَ في هَواكَ فإنَّما … رُشْدُ المُتيَّم أن يُعاصي اللُّوما
واشرب على زهر الربيع مُدامة … كالشمس تُبدي المَرْجَ فِيهِ أَنجُما
أو ما تَرَى نُوَّارَهُ وكَأَنَّهُ … نشوان أصبح باكيًا متبسما
رَقَدَ النسيم بجانبيه فنبَّهتْ … أنفاسُهُ منهُ عُيونًا نُوَّما
وسَرَى يُنَمْنِمُ وشْيَهُ فحسبته … وافي بإخبار الأحبَّةِ نُعَما
صقلتْ حَواشي روضه فكأَنَّهُ … مِنْ حسنِهِ قَدْ هَمَّ أنْ يتكلما
وكأنما وُرْقُ الحَمام فواقِدٌ … في الدوح تبكي النائح المُترنّما
стр. 2207
تشدو فتُخبرُ مُغرمًا عَنْ مُغرَمٍ … فيها ويُفصِحُ مُعرِبٌ عَنْ أَعجما
بِدَعْ كَبِدْع في السماح حديثُهُ … كالغيث أنجد في البلاد وأتهما
أَصْحَتْ أَغْضَ مِنَ الصَّبا والدَّمِنْ … شَكْوَى المُحِبِّ إلى حبيب أنعما
مَلِكٌ لهُ المَجْدُ القديم وكلما … قَدُمَتْ مباني المجد أصبحَ مُحكَما
متواضع وأقل ما يعتدهُ … فيه التواضع أن يكونَ مُعظَّما
إن ضاق دهرٌ كانَ مسرحُ هَمِّهِ … رَحبًا وإِنْ عَبَسَ الزمان تبسما
فإذا ارتقى في قُلَّةً مِنْ سُوددٍ … هَتَفَتْ به أُخرى لكي يتقدَّما
راض الخطوب الجامحات فأَصْبحَتْ … وأعادَ مُناد الزمانِ مُقَوَّما
وتألفت فيه القلوب فما تَرَى … منهنَّ إلا منيبًا ومعظما
تتلو [وقائعه] الصَّوارمُ والقَنَا … غِبَّ القَنَا مَفْلُولَةً ومُحَطما
أحيت مساعيه أباه وذو العُلا … مَنْ ظلَّ يُحيي بالمساعي الأعظما
فَلَوَ أنَّ زنكيًا رآه لقالَ مِنْ … طَرَبٍ شبيهكَ مَنْ يُقالُ لَهُ ابنُما
للهِ مُنجِبُهُ غَذَتْهُ فَتَاتُها … كانتْ أَبَرَّ المُنجباتِ وأَكرَما
في كلِّ ارضِ قَدْ أَقامَ لنصرِهِ … عُرْسًا ومِنْ رِدْء الأعادي مأتما
تلك النواحي من نصيبينَ اغْتَدَتْ … عَبْرَى وأمُّ البشرِ تَكْلَى أيما
فالجو أكلفُ والجناب لحُزنِهِ … مَحْلٌ وضوء نهارها قد أظلما
جور الصوارم في البرية عادل … فإذا سفكن دمًا حَقَنَّ بهِ دَما
لا يُدرك الآمالَ مَنْ يَقتادُهُ … وَسَنُ التَّعَلُّلِ نحو ليتَ وعَلَّما
هذا النبي وكان أفضلَ مُرسَلِ … زَجَرَتْ قُريش منه طيرًا أشأما
جَحَدَتْ نبوَّتَهُ فقامَ مُجاهدًا … وأعادَ مُشرِكَها حَنيفًا مُسْلِما
قَطعوا له الرحم القريبةَ بينَهُمْ … عَدْوًا وقاطَعَ مثلها أَنْ يُرحَما
وافى ابن عمك حاسرًا مِنْ كِبْرِهِ … رأسًا فراحَ مِنَ الهَوَانِ مُعَمَّما
لاقَى شَكَائمَ شِدَّةٍ مِنْ فارس … رَجَعَتْ بِهِ مُصْمي وكان مُصمِّما
لاقى الأماني عَذْبَةً حتى إذا … ما ذاقها عادَتْ أُجاجًا عَلْقَما
نَجَّاهُ ما نَجَّى أباه وقَدْ رَأى … طير المنايا مِنْ عبادة حُوَّمَا
مُتدفّق لولا تَمَطَّرُهُ [به] … لرأيتَهُ بِسَنَى الأسنة ملجما
لما رأى علميكَ ولَّى مُعْلِنًا … بالوَيلِ منه وبالمَذَلَّةِ مُعْلِما
سدما تدوم له قوائم سابح … لو أنها غَدَرَتْ بِهِ لتَذَمَّما
لايغرُبنَّ بهَ المَلامُ فإنَّما … يَلْقَى المُتيَّمُ أنْ يكونَ مُتَيَّما
стр. 2208
ومنها يطلب فرسًا: [من الكامل]
جُدْ لي بأجْرَدَ إِنْ تَعَرَّضَ خِلْتَهُ … سِيْدًا تَمَطَّرَ في الدُّجَى فتقَحَما
يُنمَى إِلى آلِ الوجيه ولاحِقٍ … مُتلاحق الأقراب ليس بأهضما
مِثْلَ الظليم إذا تَهادى مُدبِرًا … والظَّبْي إِنْ لاقيتهُ مُتقدِّما
متنصب الأذنين يحسَبُ أَنَّهُ … بِهما يحاولُ أَنْ يَرَى أو يعلما
هَزِجَ الصَّهيل كأنما تَرجِيعُهُ … تَرجِيعُ نَشوَانٍ غَدًا مُتَرنّما
ومن آخرها:
قَيَّدت بالإحسانِ نُطْقِيَ أَنْ يُرَى … في غيرِ حَمْدِكَ مُعْرِقًا أَوْ مُشئِما
وحميتني ثَمَدَ اللئام فإنْ أعُدْ … مُرْتادَهُمْ فَغَدوتُ منهم الأما
فلقد نصبتُ مِنْ الثناءِ حِبالَةُ … فاصطَدْتُ منكَ بها جوادًا مُنعِما
وعلمتُ أنَّ الشكر عندك غرسُهُ … يضحى لِمَنْ أولاهُ غَرسًا مُطعما
كن مُعدمًا ومن المعالي مُثريًا … مَنْ جَدَّ في العلياء أصبحَ مُعْدِما
واسمع أقامت في جَنَابِكَ دولةٌ … نخشى لها البؤسى ونرجو الأعما
مَدْحًا كنورٍ باتَ يصقله الندى … ليلًا وباكره النسيم مهيمنا
عزا كريم لا يذلُّ مَصُونُها … إلا إذا لَفَّتْ أَغَرَّ مُكَرَّما
ما صافَحَتْ فِكْرَ الفَصِيحِ ونُطْقَهُ … إلا أعادتْهُ عَبِيًّا مُعجما
لو شام رونقها الوليدُ جَفا لها … أَمَحَلَّتَي سلمى بكاظمة أسلما
واسلم ليسلم كلُّ مَجْدٍ إِنَّهُ … لن تسلم العلياء حتى تسلما
شَرَّفْتَ أبكار القوافي مثلما … شَرَفْتَ دهرًا كنت فيه القيما
قال ابن المستوفي: نقلت من أول مجموع بخطه ما صورته:
لما أنفذ الله في سهام قضائه، وامتحنني في الدنيا ببلائه، ونظمني في سلك من غير من أوليائه، ومن اجتباه من أنبيائه وأصفيائه الذين أنطق بمدحهم كتابه، وأجزل لهم ثوابه، فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (١). إلي الأيام، باعها، وقرنتني ذراعها، وأدارت علي كأس مدامها، وغرتني بابتسامتها، فلم أفق من نشوتها، ولا فقأت خمار خمرتها، إلا وقد بدلت بكل قريب بعيدًا، وبكل وصل صدودًا، وأصبح السجن لي منزلًا أهلًا، والأشجان لي
стр. 2209
مناهلًا، حتى رمقتني من الله عين رحمته، وكنفتني ظلال رأفته، فأتاح لي فيه جليسًا جعل الله وحشة السجن به آنسة الربع والمربع ومقر، مشارعه عذبة المكرع، يقصر الخاطر عن تعداد معاليه، ويقصر النطق عن إظهار معانيه، وما محاسن شيء كله حسن، فاقترح علي أن أجمع تذكرة مما يمله الخاطر علي، ويسنح بي إليَّ، تكون له إن من الله تعالى علينا وعليه بفكاك الأسر كالمذكرة أيام البؤس والزمن العبوس، ليواصل حمد الله سبحانه على ما انجاب من غمامها وانجلى من ركامها، فأجبته إلى ذلك بصدر غير منشرح وقلب غير فرح، والثغر يفتر، والأحشاء تحترق، والله المستعان، وإليه الشكوى من كل بلوى، وهو حسبي ونعم الوكيل. فأجدر ما يبتدأ به ما يغنينا عن وصف حالنا، وهو ما يقال في السجن. قد قيل: إن السجن محك العقول، وتجربة المأمول به يمتحن الصبر من الأحرار، ويكشف العقل والوقار، وألطف ما قيل فيه قول بعضهم، وهو معلقه: [من الطويل]
السِّجْنُ أَصْبَحَ مِثْلَ النَّارِ مُضْرَمَةً … وَالحُرُّ فيه إذا فكرت كالذَّهَبِ
يُصْلَى بِنَارِ هُمُومٍ في جَوَانِحِهِ … تنفى المَآثِمَ من جِدٍّ ومِنْ لَعِبَ
ولشهرة أبيات ابن الجهم بين الناس لم يذكرها، وهي قوله: [من الكامل]
قالوا حُبِسْتَ فقلتُ ليس بضائري … حَبْسي وأيُّ مُهنَّدٍ لا يُعْمَدُ
ولمعلقه: [من البسيط]
لا عارٌ في السِّجْنِ للأحرارِ إِنْ سُجنوا … لغيرِ جُرْمٍ ولكن سجنُهُمْ شَرِفُ
فإن آلَ رسولِ اللهِ كانَ لهم … منه نصيبٌ ولمْ يَجنُوا ولا اقْتَرَفُوا
كالسيف والدرة الزهراء سجنهما … خوفًا وضنًا بها الأغماد والصدف
قال: وكنت بعض الأوقات منضجعًا في علو كنت آوي إليه أيام سجني بقلعة الموصل، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، فعرض لي طرب حزن، وجدت منه راحة بالبكاء، فقلت: لله در غيلان كأنه أوحي إليه قوله: [من الطويل]
فإن انحدار الدمع يُعقِبُ راحةً … مِنَ الوَجدِ أو يشفي نَجِيَّ البَلابِلِ
ومثله قول الآخر: [من الطويل]
فقلتُ لها إنَّ البكاء لراحة … بهِ يُشتفى مَنْ ظَنَّ أَنْ لا تلاقيا
فعملت أبياتًا وهي: [من الكامل]
وحمائم غَنَّيْنَ في رَأْدِ الضُّحَى … طَرَبًا فقلتُ مقالة المحزون
غَنِّيْنَ فالوجدُ الذي تُبدينَهُ … وجدي المُكتَّمُ والسُّجُونُ شُجُوني
ما جامدات الدمع كالجاري ولا … حال الطليق كحالة المسجون
стр. 2210
ثم كتبتها على حائط ذلك الموضع. قال: ورأيت كثيرًا من المتقدمين يحكون على دعبل الخزاعي أنه كان يقول: أنا ابن قولي: [من الكامل]
لا تعجبي يا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ … ضَحِكَ المشيب برأسه فبكى
وليس هو بأجود من غيره، على أنه أخذه من قول الحسين بن مطير الأسدي: تضحك الأرض من بكاء السماء.
ولي في مثل هذا المعنى: [من البسيط]
أما تَرَى الروض قد حيَّاكَ مُبتسمًا … لما استهلت عليه أعينُ السُّحُبِ
وغَنَّتِ الوُرْقُ في أعلى الغصون ضُحًى … حتى تمايلن أعطافًا مِنَ الطَّرَبِ
ولي في الورد: [من البسيط]
روض أنيق يروض العين منظره … أتاك في خير وقت غير منعوت
كأنما الظل في أوراقِهِ سَحَرًا … لآلئًا نُشِرَتْ في صَحْنِ ياقوت
ولي في الشقائق (١): [من البسيط]
هذه الشقائق قد أبدت محاسنها … إلى العيون عُيونًا كلُّها دَعَجُ
كَأَنَّها فوق ساقٍ من زُمُردَةٍ … مَداهِنٌ مِنْ عَقيقٍ حَشْوُهَا سَبَجُ
ولي في الثلج: [من البسيط]
أما تَرَى اليوم قدْ غَدًا ثَمِلًا … مِنْ مُستهل الغَمَامِ مَحْمُورا
والجو في حُلَّةٍ مُمَسَّكَةٍ … ينثر فوق الرياض كافورا
ومن قصيدة: [من البسيط]
رق النسيم وراق الماءُ والرَّاحُ … وافترَّ مِنْ حُلَلِ النُّوارِ إصباح
هذا الربيع يُنادينا عَلانيةً … هبوا فقد هَبَّ للأرواح ارواح
أَمَا تَرَى الروض مُهتز الغُصون كما … يهتزُّ مِنْ ذِكْرِ الأحباب مرتاح
فللعمائم في أقطارِهِ زَجَلٌ … وللحمائم في أعلاه إفصاح
فاتبع ضَلَالَ الهَوَى فالرشْدُ مُرْتَبَعٌ … لا ظِلَّ فيه ولا رَوْحُ ولا رَاحُ
واشرب مُشعشعةً كالشمس مَشرِقُها … على الندامى أباريق وأقداح
مِنْ كفّ مُعتدل لا عَذْلَ فيهِ ولا … لطالب النُّجْحِ مِنْ حُبْيْهِ إنجاح
لي من عذاريه ريحان ومِنْ فمهِ … خَمْرٌ ومِنْ حَدِّهِ وَرْدٌ وتُفَّاحُ
стр. 2211
هذا النعيمُ فعَادِ اليومَ فِيهِ فتًى … لهُ على القَصْفِ إصرارٌ وإلحاحُ
واعمد إلى مرتجابيل فإنَّ به … محاسنًا لسرور النفس مفتاح
كم فيهِ مِنْ أشعث بادٍ شُحوبَتُهُ … تهفو لرتبته تلكَ الأَكَيْرَاحُ
ولي في هذا الدير، والله يتجاوز مما عثر به اللسان، وأسأله الصفح: [من الكامل]
يا مرتجابيل وإنْ بَعُدَ المَدَى … سُقَيْتَ صَوبَ سَحائب وبَوَارِقِ
يا حَبَّذا نُوَّارُ روضِكَ إِذْ غَدًا … يفترُّ مِنْ دمع العمام الدافق
معنى خلعت بهِ العِذار تصابيًا … في غُنْجِ أَحدَاقٍ وزَهْرِ حَدَائِقِ
أيام أجرى في ميادين الصبا … متخايلًا جري الجموح السابق
أجتابُ ثَوبَ ضَلالها فكأنني … ما بينها طيف الخيال الطارق
ألهو بنشوانِ القَوَامِ بوجْهِهِ … شُعَلُ الحُلي ونُزْهَة للوامقِ
مازلتُ أسقيه ويسقيني إلى … أنْ شَيَّبَ الظلماء وخط الشارق
كأسًا إذا الساقي اجتلاها في الدُّجَى … خَلَعَتْ على خَدَّيهِ ثوبَ شَقائق
طورًا أنا شده النسيب وتارةً … يشدو فيُطرِبُني بلَحْنِ مُخارِقِ
حتى رأيتُ السُّكر يخفض صوتَهُ … وبدا النُّعاسُ يحِلَّ عَقْدَ العائق
فلثمته عند الكرى فإذا به … سلس القيادِ مَطِيَّةٌ للفاسِقِ
فَجَرَتْ هنالك في مطاوي سرِّها … مَرْضاةُ إبليس وسخط الخالق
قال ابن المستوفي ونقلت من مجموعه المذكور بخطه، ولمعلقه: [من الكامل]
يا مَنْ يدلُّ على كريم في الوَرَى … حتى أمله كرائم مالي
هذا الزمان إذا يتمُّ لآمل … أحدًا يعود مخيب الآمال
ومنه: قال معلقه: [من الطويل]
كان لي في عنفوان الشبيبة وزمن اللهو صديق كنت آنس به ويأنس بي، ويطلعني على الخاص من سره، وكان من أولاد الكتاب، فهوى صبيًا من أولاد الجند، فكنت إذا ذكرته عنده يضرب عن ذكره صفحًا، ويقول متمثلًا:
[و] دَعْ عَنْكَ نَهِيًا صِيحَ في حُجُرَاتِهِ … ولكنْ حَديثًا ما حَديثُ الرَّوَاحِلِ
وإن قلت: ها هو قد أقبل أنظر إليه، يلوي وجهه عنه، ومع هذا كله، فكان به كلفًا، وكنت أعلم ذلك منه، فقلت له يومًا، وقد خرجنا إلى بعض الرياض للخلوة، ما أبرد حبك لمن لا يعلم به، ولا تعمل الحيلة في الوصول إليه، والجلوس معه، حتى إنك تضرب عن ذكره، وتكف نظرك عنه، إذا قيل لك قد أقبل. فقال لي: يا هذا إن
стр. 2212
غرامي به لأحر من لظى على ساكنها، ولكن أخاف الفضيحة، وأن يفطن به الناس، أو أني أنظر إليه، فيستحي مني، فإن نظر إليَّ قتلني لا محالة، فأريد أن تعمل في هذا المعنى شيئًا، ثم قال: أزيدك بنا، إنني لأضرب عن الفكر لتوهمي، ربما خطر ذلك بباله فيخجل منه. فقلت له: يا سيدي وإلى هذه الغاية؟ فقال: نعم، فعملت هذه الأبيات: [من المديد]
إِنِّي لأنساه خوفًا أَنْ يُلِمَّ بِهِ … فِكْري فيجرحَ مِنِّى الفِكْرُ خَدَّيهِ
وأمنع الطرف يومًا أنْ يُلاحظهُ … فإِنَّ سَهْمَ المَنايا بين عينيه
هذا اعتذاري لخديه ومُقلتِهِ … فما يكونُ اعتذاري مِنْ عِذاريه
قال معلقه:
كتب إليَّ بعض إخواني في يوم دجن، وكان قد وقع فيه الميلاد، واتفق أنه يوم سبت، ولم أقدر على الخروج من منزلي من كثرة الوحول والمطر، وشدة القر: حبانا الله بلقياك يوم طلعت سعوده، وغاب حسوده، وتبرقعت بدجنة شمسه، وانهزم من طلائع إقباله نحسه ورقت حواشيه، وأصار مني واشيه، ولم يقترح مثله على الدهر مقترح، ولا ظفر بشكله مغتبق ولا مُصطبح (١). [من البسيط]
سَبْتٌ ودَجنٌ وكانون وميلاد … وماجن لرياض اللهِ مُرتادُ
وقهوة مِنْ مُحيَّا مَنْ كَلِفْتُ بهِ … أو كاعتقاد خليع فيه إلحادُ
رقت وراقت فخلنا أنها شَفَقُ … مُلألئٌ في نواحي الكأس وقاد
تذكُو فنطفتها بالمَزْجِ آونةً … عنَّا وتَجَمح أحيانا وتنقادُ
يسقيكها ذو دلال في لواحظِهِ … بُرْءٌ وسقم وموعود وإيعادُ
ومجلس ظل محفوفًا بأربعة … تألفت وهي في الأوصاف أَضداد
فالبرق مبتسم والغيث منسجم … والورقُ نائحة والغصنُ مَيَّادُ
فَوَافِنا وَذَرِ التسويف تحظَ بِهِ … مُوَسوس هَمُّهُ نُسْكٌ وإرشاد
فليس يحظى بصفو العيش غير فتًى … يفنى بطالبهِ غَيٌّ وإفساد
ولا يُصاحبكَ مِنْ هَذَا الوَرَى أَحَدٌ … إلا خَلِيعُ وخَمَّارٌ وقَوَّادُ
عصابةٌ رَغِبَتْ فيما تَعَجَّلَ مِنْ … هَذي الحياة وفيما قِيلَ زُهَادُ
وقال معلقه: [من الطويل]
سَلَوتُكَ إِنْ ُحدَّثتُ نفسي بسلوَةٍ … لحُبِّكَ مُذْ حدثت أني هائم
стр. 2213
وأصغيت نحو اللوم إنْ كانَ مَسْمعِي … تغلغل فيه ما تقولُ اللَّوَائِمُ
أبتك وجدًا إن تَلَجْلَجَ منطقي … به أفصحت عنه الدموع السواجِمُ
فإنْ تُشْجِ ذا الشوق الحمائم في الضُّحى … فمنّي استعارت شجوَهنَّ الحَمَائِمُ
وفي آخره عند خاتمته:
هذه نفئة مصدور، وضجره مأثور، علقتها ولم أعد فيها نظري، ولا عددتها من مهام وطريم لأنني مثمود القريحة دامي الجريحة، مأسور الخاطر والبدن، مشغول بصروف الزمن على الله، وهو المستعان.
وقد أورد ابن المستوفي من شعره قوله يمدح السلطان صلاح الدين ﵀ (١):
[من الطويل]
سلامَ مَشُوقٍ قَدْ بَرَاهُ التَّشَوقُ … على الحَيِّ مِنْ وادي الغَضَا إذ تَفَرَّقُوا
أأحبابنا كيف التداني وركبكم … غدا مُشئِمًا حقًا وركبي مُعْرِقُ
فلما بلغ من مديحها قوله:
وقالت لي الآمال إن كنتَ لاحقًا … بأبناء أيوب فأنتَ المُوفّق
قال له السلطان ﵀: لقد وفقت، وأجازه جائزة سنية، فكان هذا مما نقمه عليه أتابك، وأثر في حاله عنده.
وقال ابن المستوفي: أنشدني ابن بكاجك، قال: أنشدني ابن الشحنة لنفسه، وأتمها على أبيات الصوري التي أولها: [من السريع]
يا جارُ إِنَّ الرَّكب قد جاؤوا … فاذهب تَحَسَّسُ لِمَنِ النار
تبدو وتخبو إنْ بَدَتْ عَرَّسُوا … وإِنْ أضأت لهم ساروا
فأتمها:
كأنها برق بذاتِ الغَضَا … تبدو ودون البرق أستار
عمرك إن آنست مِنْ أَهلِها … فالمم بنا نحوك يا جار
لعلها النار التي أضرمتْ … في كَبدِي مِنْ أجلها النار
يُطربني الشوق إليها [كما] … يَطْرَبُ نحو البَرِّ أَظارُ
ويَطَّبِيني لادّكارِ الحِمَى … شيئإن أوطان وأوطار
قال: وأنشدني بعض المواصلة لابن الشحنة: [من الكامل]
стр. 2214
صَلَّى الإِلَهُ عَلَى أُمَيَّةَ إِنَّهُ … بصلاتهم تتمحض الآثامُ
قَوْمٌ هُمُ القَوْمُ الْأُلَى أَيَّامُهُمْ … عَنْ ثُغْرِهَا تَتَبَسَّمُ الأَيَّامُ
لَا مِثْلَ أَقْوَامٍ غَدَوْ مِنْ هَاشِمٍ … مَا سُلَّ فِيهِمْ لِلْفَخَارِ حُسَامُ
أَمَّا النَّهَارَ فَسَامِدُونَ وَدَأْبُهُمْ … تَحْتَ الدِّيَاجِي الْفِسْقُ وَالْأَزْلَامُ
الْفَضْلُ نَزْرُ وَالْمَثَالِبُ جَمَّةٌ … وَالدَّمُ حِلُّ وَالثَّنَاءُ حَرَامُ
إِنْ كَانَ قَائِمُهُمْ يُضَاهِيهِمْ فَلَا … نُشِرَتْ لَهُ بَيْنَ الْوَرَى أَعْلَامُ
قال ابن المستوفي: وزادني فيها من أنشدني:
لا تفخروا بموالد فببعض ما … يأتونه تتقطع الأرحام
قال ابن المستوفي: أخبرت بأنه توفي بالحبس في قلعة الجديدة سنة ست وستمائة.
ومنهم:
[٤٣] أبو زكرياء، يحيى بن سعيد بن المبارك بن علي بن عبد الله من ولد أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري (١)
همة بقية الألى، ورمية العلا، معدود في أبناء الصحابة، وممدود له في الإصابة، قل قرينا، وفراد كان بيته عرينا، لم يستطع دفاع سبيله، ولا رفع شراع ليله، رمت به أرومته على السماء، وسقت جرثومته طيب الماء، ولم تحل معه قداحا ولا عنت سواه امتداحا،
وساق ابن المستوفي نسبه وقال: تخرج على أبي الحرم، وكان نحويا جيدا، فيه ذكاء، ورد إربل ثم عاد إلى الموصل، بشر أبوه وقد أسن، فقال: [من مجزوء الكامل]
قيل لي جاءك نسل … ولد شهم وسيم
قلت عزوه بفقدي … ولد الشيخ يتيم
ثم توفي أبوه وهو صغير، فلما كبر انقطع إلى أبي الحرم، فأخذ عنه النحو،
стр. 2215
وصرف إليه عنايته مراعاة لحق والده.
وأنشد ابن المستوفي أشعارًا منها قوله: [من البسيط]
ما البدرُ حسنًا يُضاهي مَنْ كَلِفْتُ بهِ … ولا القضيبُ اعتدالًا حين يعتدل
كم يعذلون عليهِ لا أَبَالَهُمُ … وكمْ يَلومونَ لا لاموا ولا عَذَلُوا
قال: وبلغني وفاته في ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة.
ومنهم:
[٤٤] أبو البقاء، يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا الأسدي، الموصلي الأصل، الحلبي المولد، موفق الدين، المعروف بابن الصائغ (١)
رجل يورد منه النيل والفرات، ودجلة والصراة، ويقابل منه الأسد الضرغام، والذهب إلا أنه لا يسكن الرغام. هذا وغصنه في ورق شبابه وطيبه يعبق طي جلبابه، وازداد حين نور أقاحه و در دره ولقاحه، واشتعل رأسه بالمشيب، وراع العيون لباسه القشيب، وساوى النجوم ولم يبلغ حد الارتقاء، ومات، وهو يذكره أبو البقاء.
قال ابن خلكان (٢): قرأ على أبي السخاء الحلبي، والنيروزي، وسمع الحديث
стр. 2216
على أبي الفضل الخطيب الطوسي، وابن سويدة التكريتي، والثقفي، والطرسوسي، وخالد ابن القيسراني، وأبي اليمن الكندي، وغيرهم. وحدث بحلب، وكان ماهرًا في النحو والتصريف. رحل إلى بغداد ليدرك أبا البركات ابن الأنباري بالعراق، فأتاه في الموصل خبر وفاته، فأقام بالموصل مديدة، ثم عاد إلى حلب، وتصدر للإقراء، وكان حسن التفهيم، لطيف الكلام، طويل الروح على المبتدي والمنتهي، خفيف الروح، ظريف الشمائل، كثير المجون، مع سكينة ووقار.
حكى ابن خلكان قال (١): حضرت يومًا حلقته وبعض الفقهاء يقرأ عليه «اللمع» لابن جني، فقرأ بيت ذي الرمة في باب النداء: [من الطويل]
أيا ظبية الوعساء بينَ جُلاجل … وبينَ النُّقا أأنت أمْ أمُّ سالم
فشرع الشيخ يبينه، ويقول: إن هذا الشاعر لعظم وجده بهذه المحبوبة، وكثرة مشابهتها للغزال شبه عليه الحال هل هي امرأة أم ظبية، وبقي يعيد هذا القول، ويكرره ليفهمه الفقيه، وهو منصت مقبل على كلام الشيخ بكليته حتى توهم الحاضرون أنه قد فهم. فلما فرغ الشيخ قال له ذلك الفقيه: يا مولانا، إيش في المرأة الحسناء يشبه الظبية؟ فقال الشيخ: قرونها وذنبها، فضحك الحاضرون، وخجل الفقيه، ثم ما عدت رأيته حضر مجلسه.
ولد لثلاث خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة بحلب.
وتوفي بها في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستمائة ودفن بتربة المقام.
ومنهم:
[٤٥] أبو عمرو، عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الدُّوَلي، ثم المصري، الفقيه المالكي، المعروف بابن الحاجب، جمال الدين (٢)
فاضل أحسن في كل فنونه، وأحسب من داء الدهر وجنوده، شد جلابيبه للطب
стр. 2217
واتزر، ومد ولا عجب أن مد البحر وجزر، ولم يزل في جد يتزيد تزيد الأهلة، ويتعهد تعهد السحب المستهلة، إلى أن فوض الدجى وأعجب، وروض الثرى فأعشب، فذلل أعناق الكلام، وفتق أخبية الكمام، وكان قديرا على الاختصار، مدبرا للعلم على ما يريد من الاختيار، فكلف بتصانيفه حذاق المتكلمين، وجاء وفاق المتعلمين.
قال ابن خلكان: كان والده حاجبا للأمير عز الدين موسك الصلاحي، وكان كرديا، واشتغل ولده بالقاهرة في صغره بالقرآن الكريم، ثم الفقه على مذهب مالك، ثم بالعربية والقرآن، وبرع في علومه، وأتقنها غاية الإتقان، ثم انتقل إلى دمشق، ودرس بجامعها في زاوية المالكية، وأكب الخلق على الاشتغال [عليه] والتزم لهم الدروس، وتبحر في الفنون، وكان الأغلب عليه علم العربية. وصنف مختصرا في مذهبه، ومقدمة وجيزة في النحو، وأخرى مثلها في التصريف، وشرح المقدمتين، وصنف في أصول الفقه، وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة في مواضع، وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها، وكان من أحسن خلق الله ذهنا. ثم عاد إلى القاهرة، وأقام بها والناس ملازموه للاشتغال عليه، وانتقل في آخر عمره إلى الإسكندرية للألفة بها، فلم تطل مدته هناك.
وتوفي بها يوم الخميس سادس عشر شوال سنة ست وأربعين وستمائة، ومولده
стр. 2218
بأسنا في أواخر سنة سبعين وخمسمائة.
ومن شعره قوله: [من البسيط]
إن غبتمُ صُورَةً عَنْ نَاظِرَيَ فَمَا … زِلْتُمْ حُضُورًا على التحقيق في خَلَدِي
مثل الحقائق في الأذهان حاضرةً … وَإِنْ تُرِدْ صُورَةً مِنْ خارج تَجِدِ
وقوله في المعنى: [من الخفيف]
إن تغيبُوا عَنِ العُيونِ فَأَنْتُمْ … في قلوبِ حُضُورُكُمْ مُستمِرُّ
مِثْلَ ما قامت الحقائق في الذهـ … ن وفي خارج لها مُسْتَقَرٌّ
ومنهم:
[٤٦] ابن عدلان، أبو الحسن علي بن عدلان بن حماد بن علي الموصلي (١)، عفيف الدين
شد للطلب فما تراخى وامتد في إنفاق عمره وتساخى، فحمد عاقبة انفاقه، وكسد كل سوق بنفاقه، فأنس الحلم بعد نفاره، وتوارى من العلم حتى خرج من أظفاره، ولم يزل لتلك الأفاويق مرتضعا، ولتلك التفاريق مجمعًا، لا يدع منها موضعًا، حتى رأس وساد، وثني له الوساد، فأمات حسادًا، وبات وما أبقى فسادًا
قال ابن المستوفي:
ورد إربل غير مرة، وآخر ما وردها في شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وستمائة من بغداد، وكان رحل إليها للاشتغال على أبي البقاء عبد الله بن الحسين وغيره، فأخذ عنه النحو، وكان قيل فيما أظن قرأ [على] أبي حفص عمر بن رافع الضرير، وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن أبي الوفاء القبيضي العمري منافرة، وأورد له شعرًا ليس بطائل، وأنشد عنه لرجل من أهل الحلة: [من الكامل]
стр. 2219
وكأَنَّ نَمْنَمَةَ العِذَارِ بِخَدِّهِ … خَطَّ مِنَ الظلماء فوق صباح
وكأنَّ نَمْلًا قُيِّدَتْ خطواته … في عارضيهِ فَدَبَّ في الأرواح
قال: ووجدت هذين البيتين في كتاب الخريدة في ترجمة أبي الجوابر مقدار ابن بختيار المطاميري:
ومن شعره فيه: [من الكامل]
وكأنَّ خَطَ عِذارِهِ لمَّا بَدَا … خَيْطُ مِنَ الظلماء فوقَ صَباح
قال: وأنشدنا لعلي بن محمد بن حسباني الكوفي، وكان عنده مع جماعة من الشعراء يداعبه: [من البسيط]
داعبتُ وَهْنا فَتَى عدلانَ مُعتمدًا … إيقاد شمعتِهِ لَمَّا دَجَا الغَسَقُ
فاصفر ثم انثنى بالغيظ مشتغلًا … وأقبلَ الدمع من عينيه يستبق
فخِلْتُه شمعة أخرى وأُقسِمُ لو … لمْ أُطفِها كنتُ بالأنفاس أحترق
فقال ابن بطريق: [من البسيط]
موفق الدين يا مَنْ في فُكاهتِهِ … وفيهِ يَحْلُو لعين الساهر الأَرَقُ
إنَّ ابن عدلان في إيقاد شمعته … ما شأنه الغيظُ مِنْ نجل ولا الحَنَقُ
لكن رأى الليل أولى أن يقضّيَهُ … في نيّراتِ معانٍ منك تأتلق
لا شيء أحسن منها إذْ بَدَتْ شُعَلًا … شَتَّى تنظم فيها لُؤْلُؤْنَسَقُ
قال: ومر الكوفي برأس عين بعد مدة طويلة، فأنشد لنفسه في المعنى: [من الطويل]
متى ما يصف رَبعَ ابن عدلان متصلًا … بأبيضَ مَعْروقِ العَشياتِ مُفضل
دعاني مُلِحًا فاستجبتُ ومَنْ يَكُنْ … أخا سَعَةٍ في النفس يدعو ويفضل
فإِذْ كنتَ مِنْ سُود النواحل سُمعَةً … على الدهرِ أبقى مِنَ شماريخ يذبل
توارثها آباؤُهُ عَنْ جُدُودِهِ … وكانتْ قَديمًا عندهم للتجمل
أضاءت لنا وهنًا فأظلم وجهُهُ … وقالَ أَتُذكَى شمعة عندَ مِشْعَل
وذكره اليونيني في الذيل (١)، وقال: كان عالمًا، فاضلًا، أديبًا، متفننًا، شاعرًا، ومولده بالموصل في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
وتوفي بمصر في يوم الجمعة تاسع شوال سنة ست وستين وستمائة.
стр. 2220
ومنهم:
[٤٧] أبو بكر بن محمد بن ابراهيم، عز الدين الإربلي النحوي
رجل سلك كل سوي، وملك كل روي ألف بيوت الشعر، فصارت مدنًا، ومدت سجفها على بيوت الشعر ردنا، وأتم مقاصد القصائد، وكثر قلائل القلائد، جاء بالأسنى، وحار كالطيف إلى المقلة الوسنى، وهاجر من بلده حين اشتد بها عظائم البلاد، وشلت يد الآلاء، ونجا بنفسه خوفًا أن يغشاه السيل، ويتخشاه في أحشائه الليل، فسلم من لفحتها، وفر وقد أفرجت له السيوف عن صفحتها، ففر إلى دمشق وقر بها، فلم يشق.
ذكره ابن اليونيني، وقال: كان دينًا، خيرًا، صالحًا، حسن العقيدة، كثير الذكر والتلاوة، عارفًا بالنحو والعربية، عنده فضائل تامة تحل المترجم، وله اقتدار على نظم الشعر، وتوفي بدمشق في ثالث عشر ذي القعدة سنة تسع وستين وستمائة.
ومما أنشد له من شعره قوله: [من الطويل]
وما زال يرميني بكلِّ بَلِيَّةٍ … ويُتْحِفُني من هجره بالعظائم
إلى أن رماهُ اللهُ بالحُب بَغْتَةً … وأصغَرُ ممشاه إلى غير راحم
وقفت له كالمشتفي في طريقِهِ … وأنشدته بيتًا كَضَرْبِ الصوارم
بُليتُ بما قد كنتَ تُبلَى بمثلِهِ … وما ظالم إلا سيبلى بظالم
وقوله: [من الوافر]
رَفَضْتُ هَوَاهِمُ وسلوتُ عنهمْ … بِلا جَزَع كذا فِعْلُ الكِرَامِ
وها أنا قد هَجَرْتُ النوم كيلا … أرى منهم خيالًا في المنام
وقوله: [من الكامل]
ومُورَّد الوجناتِ مَعسُولِ اللُّمَى … يُزْهَى كغُصْنِ البانة المياس
لما رأى ورد الملاحةِ يُجتنى … باللّحظِ سَيجَ حَدَّه بالاس
عجبًا لهُ حَمَلَ الثياب وجسمُهُ … كالماء كيف يضم قلبًا قاسي
يُرِيك سواد العين في صَحْنِ خَدِّهِ … فيحسَبُه خالًا وليسَ بِخال
وأعجب مِنْ ذا أَنَّ مِنْ رِقَةٍ بِهِ … يُؤثّر فيه اللحظ طيف خيالي
ومنهم:
стр. 2221
[٤٨] ابن مالك، وهو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن مالك الطائي، الجياني النحوي، جمال الدين (١)
مقيم أود، وقاطع لدد، ومزين سماء موهت الأصل ديباجتها، وشعشعت البكر زجاجتها، وجاءت أيامه صافية من الكدر، ولياليه وما فيها شائبة من الكبر، قد حلقها العشاء بردعه، وخلفها الصباح بربعه، فطالت النهار غررا، وأمدت الأنهار غدرا، فكان كل متعين حول مسجده، وكل عين فاخرة بعسجده، هذا وزمر الطلاب وطلبة الأجلاب لا تزال تزجي إليه القلاص، ويكثر من سربه الاقتناص، وكلها يفتن عيونًا وتحسن أبكارًا وعونًا.
قال أبو الفتح ابن اليونيني: كان أوحد عصره في علم النحو واللغة العربية، مع كثرة الديانة والصلاح، والتعبد والاجتهاد، وسمع وحدث، وكان مشهورًا بسعة العلم، والإتقان والفضل موثوقًا بنقله، حجة في ذلك، وله عدة تصانيف حسنة مفيدة، وإليه انتهى علم العربية، ولم يكن في زمنه من يجري مجراه، وفي غزارة علمه ووفوره فضله.
стр. 2222
وكانت وفاتُه بدمشق في ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون وهو في عشر الثمانين.
ورثاه ابن الظهير بقصيدة منها: [من الخفيف]
أدْرَى الخُطُوبُ مَنْ أَصَابَتْ سِهَامُهُ … واستَخَفَّ الحُلُومَ حُزْنًا حَمَامُهُ
أم دَرَى رائدُ المَنِيَّةِ إِذْ أقـ … ـدَمَ ماذا أَذَاقَنَا أقْدَامُهُ
بالإمام ابنِ مَالِكِ فَجَع الديـ … ـنُ فَغَشَّى ضَوْءَ النَّهارِ ظَلَامُهُ
بإِمَامٍ أَفْنَى اللّيالِي وَإِلأيا … ـامَ فِي البَرِّ والكِتَابِ إِمَامُهُ
خَلَدَتْ ذِكْرُه الجَميلَ عُلُومٌ … خُلِدَتْهَا مِنْ بَعْدِهِ أَقْلَامُهُ
كمْ سَقيمٍ من الكَلَامِ شَفَاهُ … بَعْدَ ما أيْأسَ الأَساةُ سِقَامُهُ
ومِنَ الدَّقائقِ مَا أُمَكْنَ … مِنْهَا الفُهُومُ إِلاَّ اهتِمَامُهُ
خَلَّف الفَاضِلَ الفَرِيدَ أَبَا بِشْرٍ … وَأَنْسَتْ أَيَّامُهُ أَيَّامُهُ
لَوْ حَوَاهُ وَمِنْ تَقَدُّم عَصْرٍ … لأَقَرَّتْ بِفَضْلِهِ أَعْلامُهُ
مِنْ لأهْلِ الآدَابِ مَنْ بَعْدِ ها … دَ إِلَى مَنْهَجِ الصّوابِ كَلَامُهُ
فَقَرُوا رَاغِمِين مِنْهُ أَبًَا بَرًّا … عَطُوفًا فَكُلُّهُمْ أَيْتَامُهُ
أُولِعَ النَّقْصُ بالكَمَالِ فَمَا أَوْ … جَبْ هَذا السِّرارُ إِلاَّ تَمَامُهُ
ومنهم:
[٤٩] ابن أبي الفتح، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أبي الفتح الفضل البعلي الحنبلي (١)
متدارك للدماء، وسالك سبيل القدماء، نهج إليهم سبيلًا، واتخذ لديهم قبيلًا، ولم يرض من غيرهم قيلا، ولا في أكناف سواهم مقيلا، فما ترك من منهج، ولا أدرك إلا من أبهج. قيل إنه طالما بادر السهر والنهار ما ارتحل، والليل طرفة بالظلماء أول ما اكتحل، وقام ليلته وشبهها قعود، وفجرها لا ينتظر منه غير وعود، وكان على مثل هذا عمر نهاره الذاهب، وطول يومه إلى أن تلبس حلة الراهب، عائمًا في نهره.
стр. 2223
الطافح، وملحفًا تحت جناحه الطائح، إلى أن تقدم إمامًا، وحاز الفضائل تمامًا.
وحدث ابن أبي الفتح قال: حدثني صاحبنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد المولى بن خولان الحنبلي، قال: لما كنت ببعلبك كنت بمقبرة باب سطحة من مقابر بعلبك في جماعة من الناس منهم رجلٌ صالح اسمه إسماعيل بن يعقوب الاسكاف، فقرأ القراء سورة تبارك، وإسماعيل المذكور تجاهي واقف، ولم يكن به مرض بل كان سويًا، فلما سمع القراءة تغير وجهه إلى أن وصلوا إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ (١) رفع يديه كالمصلي، وخر على وجهه، وأنا أنظر إليه، فابتدره رجل فرفعه، فإذا هو ميت، ثم كان بعد سبت خرجت إلى المقبرة القبلية في جنازة، فلما وضع الميت في القبر شرع القراء في سورة تبارك، وكان القمر بن عزائم واقفًا تجاهي، فلما سمع القراء، تغير لونه، فلما وصلوا إلى الآية المذكورة، سقط على جنبه الأيمن، ولم كن به مرض فابتدره، رجل، فرفعه مسرعًا، فإذا هو ميت، قال فهذان رجلان قتلتهما أية واحدة من كتاب الله وانا أنظر لم يخبرني بذلك مخبر.
ومنهم:
[٥٠] أحمد بن سباع بن ضياء الفزاري، الشافعي، الخطيب، شرف الدين، أبو العباس (٢)
رجل وجد له إلى الخير انبعاثا، وجد حتى علق الثريا رعاثا، أعرق في فزاره، وأعنق إلى العلم فزاره، وسكت فطنًا، وسكن العلياء وطنًا، ورقي المنابر، فكان المنى بروائه، والري بأنوائه، فنور البصائر، وصور ما إليه المرء صائر. هذا كله مع تجنب التعقيد، وتسلية الفقيد والتبصير بالدنيا وغرورها، والتذكير بما رد العقول آثامًا من عدم سرورها، ولم يزل هذا حتى صار مثلًا من مُثْلِها الغوابر، وواحدًا من سفارها إلى أن حفر المقابر، فلا تسمع إلا همسًا، ولا تطلع لهم إلى يوم القامة شمسا.
كان من أكبر العلماء الفضلاء، بصيرًا بالفقه، فردًا في النحو، والعربية، ومعرفة اللغة، ضابطًا محررًا، خطيبًا فصيحًا، لسنًا كيسًا، ظريفًا دمث الأخلاق، ممهد
стр. 2224
الأكناف، ليس بالجافي اللفظ، ولا بالشحيح الكز، إلى دين متين، وورع زائد. يحب الناس ويحبونه ويليهم ويلونه من أخذ عنه أخذ، ومن أخذ عن غيره أتاه عند الانتهاء ليأخذ عنه، وإن كان في غنّى بما حصل تشرفًا بالآخذ عنه، والانتساب إليه.
وكان على رأي أخيه العلامة تاج الدين يحضر السماع، ويخرج إلى البساتين والمتنزهات، ويتمشى تحت قلعة دمشق، ويقف على الحلق بها، وربما قعد كيسًا وتطرقًا من عنبر كبير يرفعه، ولا تبذل يضعه، ومن كان فوق محل النجم موضعه، وكان يحب الوجوه الصباح، ويميل إلى الكلف بالملاح، مع عفاف يُشهد به، ويتفرى الليل عن صاحبه. وكانت تجري بينه وبين أخيه تاج الدين نوادر ما تراشق بمثلها الظرفاء، ولا نودم بشبيهها الخلفاء.
وحكى لي شيخنا ابن قاضي شبهه ﵀، أنه كان معه مرة في بستان دعي إليه فأقاموا به يومهم، فلما جاء وقت العشاء قدمت إليه أنواع الأطعمة، منها لبنية، فلما أكلوا، قال رجل هناك لأصحاب البستان هذه اللبنية مليحة بيتوها لنا عندكم إلى غداء. فقال الشيخ شرف الدين: والله لا كيد ولا كرامة بعد. إنها مليحة ما بيتها إلا أنا، ولا تبات إلا عندي.
وحكى لي المجير أبو القاسم بن مبشر الخولاني قال: لما شغرت وظيفة الخطابة بدمشق تطلع كل متعين إليها، فقال والدك: ما لها إلا الفزاري، وعينه فلما وصل التوقيع الشريف له بعثني به اليه، وهو لا يعلم، ففرح ثم قال: قل له: يا سيدي قد وصلت الورقة، وبقيت الخريقة، يعني الخلعة، فأتيت والدك، وبلغته ما قال، فضحك ثم أمر بالخلعة، فعينت له وجهزت إليه.
وحكى عنه اليونيني، قال: حججت سنة خمس وسبعين وستمائة، فاجتمع في تلك السنة في الحج جماعة من علماء الأقطار: ابن العجيل من اليمن، وابن دقيق العيد من مصر، وأخي تاج الدين الفركاح من الشام في أناس آخرين، فاجتمعوا في الحرم وكان عبد السلام بن غانم الواعظ قد حج من مصر، فجلس تجاه الكعبة المعظمة، وحضر أمير مكة، وأمر عبد السلام بأن يتكلم، فقال:
«الحمد لله ذي القدرة التي لا تضاهى، والحكمة التي لا تتناهى، والقسمة التي لا يطيق خلق يتعداها، ثم ذكر خطبة ومنها ذكر الكعبة المعظمة: فسبحان من شرف هذه البنية واصطفاها، وجعلها حمى لمن حام حول حماها، وحرمًا آمنًا لمن وفي عليه لما وافاها، ووجهةً لمن واجهها اتجاها، وأراد عندها جاها، فهي التي هاجر منها
стр. 2225
الحبيب، وما هجرها، ولا قلاها، وما انقلب قلبه سواها، حتى أنزل عليه جبريل في آيات تلاها: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ (١).
قوله: [من الوافر]
فَوَلِّ بوجهِكَ الحَسَنِ المُفَدَّى … إليها حيث وجهت اتجاها
فإن أباك إبراهيمَ قِدْمًا … لأجلِ رضاك عنا قد بناها
وإسماعيل طاف بها ولبى … وطهرها لمشتاق أتاها
هي البلد الأمين وأنتَ حِلَّ … فَطَاها يا أمين فأنت طه
فوجه حيث كنت لها وكبر … ولا تعدل إلى شيء سواها
فَهَلِّل عند مشهدِهِ عِيانًا … وزَمزِم عندَ زَمْزَمِهِ شفاها
فيا حجاج بيت الله طوفوا … بكعبتها ولبوا في ذُراها
فهذا الفخرُ إن حاولت فَخْرًا … وهذا الجاهُ إن حاولت جاها
ومنهم:
[٥١] كمال الدين، عبد الوهاب بن محمد بن ذويب الشهبي الشافعي، أبو محمد المشهور بابن قاضي شهبة (٢)
حافظ بقية أحيا مواتها وحيا أمواتها، جهد دهره وجهل من حسب يومه أو شهره، وجد لا يثنيه نهار يتوقد سعيره، ولا ليل يمل منه سميره، وكان سواء عليه أقبل الصيف بقيظه، والحر يتحرق صدره بغيظه، وقد انتصبت حِرْباؤه، وانتصفت من الليل حوباؤه، أو جاء الشتاء يمد مضارب غيومه، ويقر ضرائب عمومه، ويرشق بنبال وبله ويربط خيط سحابه الناس في حبله، بل لا يزال على حالة واحدة في الحالتين، وعدم استحالة في بلواهما الحالتين.
أخذ الفقه عن الشيخ تاج الدين، والنحو عن أخيه شرف الدين وغيره، وبرع فيهما، واقتصر من بقية العلوم عليهما، وعرف بالنحو حتى صار دليلًا يرشد إليه وعلمًا دالًا عليه. كان يجلس بمسجد الجامع الأموي للاشتغال، ويقرئ الفقه والنحو، وكانت
стр. 2226
الرغبة في أخذ النحو عنه أكثر، وكان به أشهر.
وكان على سعة فضله، وكثرة فقهه، لا يفتي تورعا، وإذا أتاه مستفت يقول له: رح إلى فلان أو إلى فلان، وأكثر ما يدل على ولد شيخه الشيخ برهان الدين.
وكان معظما في الصدور، أراده قاضي القضاة ابن صصري على أن ينوب عنه فامتنع، ثم طلبه شيخنا قاضي القضاة القزويني الخطيب لذلك فأبى.
وكان عنده وسواس لا يمس كتابا بيده ولا ورقة، ولا غير ذلك، فإذا أراد إمساك شيء أمسكه بمنديل له، أو بطرف ثوبه، ثم يغسل بعد ذلك في الغالب.
وكان رجلا لين الجانب، حسن الخلق، يحدث عن شيخيه الفزاريين بما كان يجري بينهما من المحاورات الطريفة، والمراجعات اللطيفة، إلى غير ذلك مما هو مشهور عما كان يكون بينهما.
وأول ما قرأت النحو عليه في عنفوان العمر، وأوان البداءة، وكان يجيد التفهيم، ويقرب طرق التعليم، ولهذا كانت الرغبة إليه مصروفة، والطلبة عليه موقوفة.
حكى لي من غريب الاتفاق أنه لما كانت نوبة مرج الصفر، وبقي الناس بين قائل إن السلطان خرج للقاء العدو، وقائل إنه ما خرج. قال: فبينما الناس في ذلك، وأنا في مكاني بالجامع، وإلى جانبي النبيه، أحد رفقتنا في الاشتغال إذ أتاني رجل يريد القراءة علي، فشرعت أعتذر إليه بشغل الخاطر بما الناس فيه، ويأبى إلا أن يقرأ، فلما رأى النبيه إلحاحه عزم علي أن أقرئه فقلت له: في أي شيء تريد أن تقرأ؟ قال: في كتاب «الجمل» للجرجاني، وأخرج نسخته، فأخذها النبيه وقال: نأخذ منها فألا للناس، فقلت له: وأي شيء يكون في هذا الكتاب؟ فقال: لا بد من أخذ فأل منه. ثم فتح الكتاب، فإذا في أول الصفحة ما صورته: جاء زيد، وطاب الخبر، وذهب القوم، فاستبشرنا وقلنا: الله أكبر، جاء السلطان، وطاب خبر الناس، وذهب العدو، فكان كذلك.
وحكي لي: أن أباه القاضي شرف الدين كان كثيرا ما يقول: يا ليت شعري ما في الأموات عاقل يرجع إلينا، ويخبرنا بما جرى لهم. فلما مات جلسنا يوما على قبره، فذكرنا ما كان يقول، فقال رجل من أصحابه كان حاضرا عندنا: يا قاضي شرف الدين أنت رجل عاقل، وقد صرت من الأموات فهلا رجعت، وخبرتنا بما جرى لكم، وإذا برجلين مارين على خيل لم يسمعا كلامنا، ولا يعرفهما منا أحد، وإذا أحدهما يقول للآخر: تريد الصحيح سلم إلى الأنبياء تستريح، فقال: هذا والله الجواب، وهذا أيضا من عجائب الاتفاق.
стр. 2227
وهو من أول شيوخي الذين عليهم قرأت، ومنهم استمرت، قرأت عليه النحو ثم كان جل استفادتي على قاضي القضاة ابن مسلم رحمهما الله تعالى.
ومنهم:
[٥٢] الضياء العجمي
ذو جد عدم الانبساط، وعدل عن الأقساط، فعكف عليه وعرف ما لديه، ترقت أسارير مزنته، وصدقت تباشير منته، فأعاد العلم إلى أحسن حاله، وجاد بخصب إمحاله، وكان يأتي على الاستعجال بما يعجز على طول المجال، فلا يجسر أحد على بحره، ولا يسعه إلى الاستسلام لسحره، ولهذا كانت الطلبة تبتدر فوائده بدار الطير إلى طلب أقواتها، وتؤدي لديه الفرائض في أوقاتها، فكان الطالب لا يزال يغترف من نهره، ولا يغتر بغيره متاعًا من دهره إلا أنه عرض له هوى جذبه بأطواقه، وسلبه إلا من أشواقه. أتى بعض أبناء الأمراء بدمشق، فطار هواه بلبه، وأذكى جواه بقلبه، وكان الصبي يعرف بابن دمرداش وكان يغير الغزال إذا التفت، ويُعير الهلال محاسنه إذا اختفت، وكان على هذا الحسن ذا كيس ينتهب الأحشاء، ويحدث الإنشاء، فآل به حاله في عشقه، وتملكه له حتى يئس من عتقه إلى أنه سلب عقله، وأهمل غفله، وسافر إلى مصر سفرًا ساقه لحينه، وساءه بطول نينه، وكان ثم مقتله بسيف السلطان لا بالعشق، وتسويل الشيطان.
كان فقيرًا متصوفًا بالخانقاه السميساطية، وكان يجلس للإقراء بالكلاسة، ويقرأ عليهم النحو واللغة، وكان أكثر إقرائه في مقدمة ابن الحاجب، وكان يحبها، ويثني عليها، ويقول: هي نحو ظريف، واستفاد به جماعة.
وكان دمث الأخلاق، حسن العشرة، عشاقًا، طامح النظرات، وأحب في آخر عمره صبيًا من أبناء الجند يعرف بابن الدمرتاش، وكان له أخ أحسن منه، وكان يخرج إلى سوق الخيل فيقف به ليراه إذا مر به في الموكب، فقال شيخنا ابن الزملكاني: يا شيخ ضياء الدين، لأي الآيتين أنت عاشق؟
فقال له: لفلان وسماه.
فقال له ابن الزملكاني يا شيخ ضياء الدين فلأي شيء ما عشقت أخاه لأنه أحسن منه؟
فقال له: يا مولانا أنا عشقت هذا، فاعشق أنت ذاك.
стр. 2228
فقال له: إذا أذنت لي عشقته.
فقال له: أنت ما تحتاج إلى إذن.
قال: ولم؟
قال: لأن آذانك طوال.
وكان يأخذ في يده حزمة من الرياحين، ويطوف بها أكناف المدينة، فإذا رأى مليحًا أدنى إليه تلك الرياحين، فشممه إياها، فإذا عبث به أحد من الرجال وذوي اللحى وقال له: شممني قلب الحزمة وضربه بالعروق على أنفه.
وقال له رجل يومًا بحضوري: أنت لا تزال في عشقةٍ بعد عشقة، فابتدرت منشدًا قول القائل: [من البسيط]
الحبُّ أولى بي في تَصرُّفِهِ … مِنْ أَنْ يُغادرني يومًا بلا شَجَنِ
فصاح صيحة عظيمة، ثم قال: أحسنت اطلعت على قلبي، وقلت بلساني، ثم خر مغشيًا عليه.
وأتى يومًا ديوان الإنشاء، ونحن به وشيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود جالس، ونحن عنده. فلما رأى ما به من البلاء، وخروجه عن حيز العقلاء، أنشده: [من الطويل]
يقولون لو دبَّرت بالعقل حبَّها … ولا خيرَ في حُبِّ يُدبَّرُ بالعَقْلِ
فصاح صيحة شديدة، وقال: يا مولانا حبه حبه ولم يزل يقولها إلى أن غاب صوابه، وسقط إلى الأرض مغشيًا عليه، وبقي عامة نهاره ملقى على تلك الحال، ثم زاد به البلاء فخرج سائحًا كالهائم على وجهه، حتى أتى مصر، وكان له عكاز يتوكأ عليه، وكان فيه سيف على عادة الفقراء المتجولين، فرأى نصرانيًا نازعه في بعض الأمر، فاخترط السيف، وضربه به فأنهي أمره إلى السلطان، وحمل عليه كريم الدين لتعصبه للنصرانية، ولم يزل به حتى أمر السلطان به فقتل، وكان قد أتى خبره الفقراء المتصوفة بمصر والقاهرة، فحشدوا وطلعوا إلى القلعة؛ ليخاطبوا السلطان فيه، فما وصلوا حتى قضي الأمر، فأخذوه وتولوا غسله وتجهيزه، والصلاة عليه ودفنه.
ومنهم:
стр. 2229
[٥٣] عَليّ بن دَاوُد بن يحيى بن كَامِل بن يحيى بن جُبَارَة بن عبد الْمَلِك بن يحيى بن عَبد الْمَلِك بن مُوسَى بن جُنَادَة بن مُحَمَّد بن زَكَرَى بن كُلَيْب بن جَمِيل بن عبد الله بن مُصعب بن ثَابت بن عبد الله بن الزبير بن العَوَّام القرشي الْأَسدي الحنفي، أَبُو الْحسن، نجم الدّين القُحْفَازي (١)
علامة علماء، وغمامة سماء، ولسان عرب، وبيان أدب، وملقي دروس، ومبقي سحب عنبر على كافور طروس، وفارس منبر، وغارس موعظة في قلب من بر، عرض عليه منصب القضاء، فلم يقابله بالارتضاء، زهدا في منصبه، وكرها أن سرح في مجدبه أو مخصبه، هذا مع كيف ممهد للمحاضر، ولطف منشط للمناظر، وحسن إقبال على الجليس، وبشر لو لا أنه حنفي المذهب لما نظره بالبرق من نفيس، وكان ملجأ لمؤمل، ومنجى لسائر متحمل، وصار موئلا ينتاب، وموئلا لديه حسن متاب تتخذه الطلبة ثمالا، وترد إليه خفافا، وتصدر ثقالا، لم تزل تنشد به افتقارها، وتوسق منه أوقارها، ولم يبرح على هذا حتى أمسى بلدي المنايا شلوا ممزعا، وقسما موزعا، بعد أن كان إنسان عين، وأي جمال وزين. مزنة سحاب ومزية صحاب يعد مفزعا وينشر أحسن من ثوب السماء مجزعا، ولكنها المنيات، وحوادث الدهر والبليات.
شيخ أهل دمشق في عصره خصوصا في العربية، قرأ عليه الطلبة، وانتفع به الجماعة، وله النظم والنثر، والكتابة المليحة القوية المنسوبة.
قال أبو الصفاء الصفدي (٢): وله التندير الحلو والنديب الرائق، يكثر من ذلك في كلامه، ويشحن إشغاله الطلبة بالزوائد، ويورد لهم النوادر والحكايات الظريفة، والوقائع الغريبة المضحكة.
стр. 2230
سمعته يومًا يقول لمنصور المكتبي رحمه الله تعالى: يا شيخ منصور، هذا أوان الحجاج، اشتر لك منهم مائتي جراب، وارمها خلف ظهرك إلى وقت موسمها تكسب فيه جملة. فقال: والله الذي يشتغل عليك في العلم يحفظ منك حرافًا قدره عشر مرات.
وقال أبو الصفاء الصفدي (١): حكى لي نور الدين علي بن إسماعيل الصفدي، قال: أنشد الشيخ نجم الدين يومًا لغزًا للجماعة، وهم بين يديه في الحلقة يشتغلون: [من الهزج]
يا أيها الحَبْرُ الذي … عِلْمُ العروض به امتزج
أبن لنا دائرة … فيها بسيط وهَزَج
ففكر الجماعة فيها زمانًا، فقال واحد منهم هذا في الساقية، فقال له: درت فيها زمانًا حتى ظهرت لك يريد أنه ثور يدور في الساقية.
قرأ القرآن على ابن المطرز، وأخذ الفقه عن ابن الحريري، والصدر علي، وكذلك أخذ الفرائض عنه، وأصول الفقه والهيأة، عن ابن جماعة، وعن جلال الدين الخبازي الأصول خاصة، والنحو عن الفزاري، والتونسي، والبلاغة عن ابن النحوي، والمنطق والجدل عن السراج الرومي، وسمع الحديث من ابن الدرجي، وجمال الدين الشقراوي وشرف الدين البارزي.
كتب إليه: [من المنسرح]
مِنْ زاخر البحر يُلقط الدَّررُ … ومِنْ فُرُوجَ الغَمامَةِ المَطَرُ
ومن جنى الدوح كلُّ مانعة … كأنها الشهد واسمها الثمر
ومن بديع الرياض لا عَجَبٌ … إذا اجتني من خلالها الزهر
ومِنْ سَنَى النجم كلُّ لامعة … غرَّاءُ يُجْلى بنُورِها البَصَرُ
نجم على هدى وقَاضَ ندى … وهكذا النجم بل هو القَمَرُ
حَبْرٌ أعار الربيع حلَّتَهُ … حِينًا وإلا ما هذه الحِبَرُ
مُكَمَّل والبحارُ تُشبهه … لكنَّها مِنْ نَدَاهُ تحتضر
فَوَاضِلٌ لا يُعَدُّ أيسرها … والرمل في العد ليس ينحصر
زادت على حاتِم مَكارِمُهُ … ما حاتم عندَ جُودِهِ بَشَرُ
هذا علي وذو الفقارِ لَهُ … مِنْ حلَّةِ اللفظ هذه الفِقَرُ
فَتَى قُريش ورأسُ سُؤددها … ما ضَرَّ رايتهُ إِنْ تَأْتِهِ مُضَرُ
لا يبلغ المدح فيه غايتَهُ … أستغفر الله حيث اعتذر
стр. 2231
مَنْ مِثْلُهُ والسماءُ مَوضِعُهُ … والزاهر النجمُ رَهْطُهُ الزُّهرُ
أنعم بعيش النعمان حيثُ أَتَى … وهوَلهُ في البحوث ينتصر
وقوله الفصل فوق منبره … لا الطُّول يشني به ولا القِصَرُ
لو يحضُرُ الفارقي خُطْبتَهُ … لما تَعَدَّى لسانَهُ الحَصَرُ
وأبيضُ الوجه يوم قاصِدِهِ … فَمَنْ أبو الأسود الذي ذَكَرُوا
لو أُنشِدَ الغُرُّ مِنْ قَصَائِدِهِ … ليلًا لطالتْ في دُهْمِهِ الغُرَرُ
ولا لعبد الرحيم واجدة … شبية إنشائه ولا الدُّرَرُ
ولم أبعدوها فَدوَنَكُمُ … ممَّا ادعينا البحث والنظر
يا طالبًا في العُلا طريقتَهُ … أقْصِر وإلا فسوف تقتصر
ويا مطيل المدى لتلحَقَة … البرقُ في السبق ما لهُ أَثَرُ
يا بن البهاليل من بني أسدٍ … ومَنْ سطاه النابُ والظُّفُرُ
يابن الزبير الذي يُفَلُّ بهِ … حد المواضي وكلُّها زُبُرُ
[ومَنْ كَذات النطاق والدة … أو كاختِها والرجال تفتخر
يا مَنْ بأنسابهِ ومَحْتِدِهِ … لصهره في الأنام مفتخر
ألفت هذا الكتاب … وهو وسع غناه إليكَ مُفتقرُ
وعندَكَ العِيْنُ كلُّ فاتِنَةٍ … حَوْراءَ ما زانَ طرفها الحَوَرُ]
لكنَّها بالنُّهَى مُحَجَّبَةٌ … أَنَّى تَرَاها وحُجْبُها الفِكَرُ
وجاء ابن الزبير يخطِبُها … إليكَ كُفْءٌ وجدهُ عُمَرُ
وأنت مَنْ لا يَرُدُّ سائله … وها أنا للجَوابِ مُنتظِرُ
فكتب إليَّ: [من المنسرح]
امُنعِمًا رُمْتُ شُكْرَ أنعُمِهِ … فَحَالَ بيني وبينَهُ الحَصَرُ
واتفق الفكر واللسانُ مَعًا … عليَّ واستعصيا ولا وَزَرُ
وأظهر العجزَ عَنْ قيامهما … بشكر لا يحصى ومنحصر
وبان لي في الإباء عذرهما … ودافع الحق بالهوى بطرُ
والحُرُّ مَنْ دابَهُ وعادتُهُ … يَرِقُ للحُرِّ حِينَ يَعْتَذِر
وكيف لي بالذي أرومُ إذا … لم يُسْعِدَ النُّطْقُ لا ولا الفِكَرُ
لكنني للحسود أذكرُ … ما يخرجُ مِنا ذاك صدره الوحرُ
سحب إيادٍ سَحَتْ على حَذَرِ … فأبيت الشكر سَحَها الحَصَرُ
وغادرت من نميرها غُدرًا … لا آجن ماؤُها ولا كَدِرُ
стр. 2232
أضْحَتْ ظِلالُ الوِدادِ وارفة … بهِ تَهَادَى وأَيْنَعَ الثَّمَرُ
في ضِمْنِ ذاكَ الحَيَا عُقُودُ نَدَى … أَصْدَافُهَا السُّودُ حَشْوُهَا الدُّرَرُ
يُشْرِقُ مِنْهَا الدُّجَى مُفصَّلةً … بِعَنْبَرِ عَرْفُ طِيبِهِ عَطِرُ
يَفْغَمُ رَيَّاهُ أَنفَ كُلِّ فَتَى … أَذَابَهُ في حُلَى العُلَا غُرَرُ
وليسَ فيما وصفتُهُ عَجَبٌ … سُيُولُ بِرِّ يُمِدُّهَا بَحْرُ
يَا مُلْبِسَ الطُّرْسِ مِنْ بلاغتِهِ … حُلَّةَ وَشْيٍ نُقُوشُهَا فِقَرُ
وغارسًا فِيهِ كُلَّ عارِفَةٍ … فَرائِدُ الجوهَرِيِّ لها ثَمَرُ
تودُّ زُهْرُ النجومِ مِنْ حَسَدٍ … لو أَنَّها في غُصُونها زَهَرُ
إذا تَأَمَّلْتَهَا يُقَابِلُني مِنْ كُلِّ … وَجْهِ مِنْ أُفْقِها قَمَرُ
هذا وَكَمْ قَلَّدَتْ عُقُودَ عُلًا … يُمْنَاكَ قِيلًا تَحُفُّهُ زُمَرُ
وَكَمْ صَدٍّ أَتَاكَ يَلْتَهِبُ … مِنَ أوَام بَاغ وَالدَّمْعُ منحدر
رَدَدْتَهُ ضَاحِكًا لَهُ كَبِدٌ … جامِدَةُ الرِّيِّ وهوَ مُنتصِرُ
وَكَمْ جُمُوع قَدْ أُضْرِمَتْ … أَضَاءَ فُرْقَتُهَا والضَّميرُ مُسْتَتِرُ
لاطَفْتُهَا فَانْثَنَتْ وَقَدْ بَرَدَتْ … قُلُوبُهَا واللِّسَانُ مُعْتَذِرُ
وَكَمْ أُمورٍ وَدَّعْتُهَا فَغَدَتْ … تُشبِهُ أرواحَ مَعْشَرٍ قُبِرُوا
مَا لِي وَعَدِّي لِمَا حَوَيْتَ وهَلْ … بِالعَدّ تُحْصَى الرِّمَالُ والمَطَرُ
لكن حَدَانِي لِبَعْضِهَا مِنَنٌ … حَمَّلْتُهَا عاتِقي لها خَطَرُ
وحثني نحوها مقالك لي … بأَنني للجواب منتظر
فسقْتُهَا سِتْرُ وَجْهِهَا يَدُها … يمنعُها كَشْفَهُ لَكَ الخَفَرُ
وكيف لا والذي آتيك به … وطرفها بالحياء منكسر
هديةٌ جُلُّ تَمْرِها حَشَفٌ … إلى كريم جَنابُهُ هَجَرُ
قد أعجزته عَنِ القيام بما … يَلزَمُ حالاتِ الضَّعف والكبر
فأقبل يسيري ولا تَلُمْ … كَرَمًا مُنافقا في ذراعِهِ قِصَرُ
ومن نظمه قوله في المنثور: [من الطويل]
ولم أر كالمنثور عَرْفًا ومَنْظَرًا … وفَرْطَ سَخَاء في جميع البدائع
تراه إذا السارون مرُّوا بغفلَةٍ … عليهِ مشيرًا نحوهم بالأصابع
وقوله وقد طلب منه في جارية اسمها قلوب: [من السريع]
عاتبني في حبكم عاذل … يزعم نُصحي وهو فيهِ كَذُوبٌ
وقال ما في قلبك اذكره لي … فقلتُ في قلبي المُعَنَّى قلوب
стр. 2233
وقوله: [من السريع]
حاولتُ مَنْ أهواه في قُبلةٍ … فقالَ ما يُشفِقُ مِنْ عارضي
فقلتُ يا بَدْرَ الدُّجَى مَذهَبي … أَنِّي لا أعتد بالعارضي
وقوله: [من السريع]
أضمرت في القلبِ هَوى شادنٍ … مُشتغل في النحو لا ينصفُ
وصفت ما أضمرت يومًا له … فقال لي المُضمَرُ لا يُوصَفُ
وقوله: صدر كتاب إلى ابن بصخان حين سافر إلى البلاد المصرية: [من الكامل]
يا غائبًا قد كنتُ أَحْسَبُ قلبَهُ … بسِوَى دمشق وأهلها لا يعلق
إنْ كانَ صَدَّكَ نِيْلُ مِصْرَ وأهلُها … لا غَروَ فهو لنا العدو الأزرق
وقوله من أبيات أجاب بها الفاضل تاج الدين اليماني: [من المديد]
أقبلت تختال في حُلَلٍ … وشيُها مِنْ صُنْعَةِ اليَمَنِ
فَرْعُها على خلاطها … ما تقول القرط في الأُذُنِ
ومن خطبه التي تلج القلوب وتخرج إلى الإقلاع، أو الإقلال من الذنوب قوله: أيها الناس نافسوا في المكارم وسارعوا إلى المغانم، وجانبوا مكاسب المآثم؛ فإنها مغارم، وأيقظوا عين العزائم؛ فإنها نوائم واغتنموا أوقات الطاعات؛ فإنها مواسم. هذا عباد الله شعبان واخِدَةٌ بكم ركائبه، مملوءة بمتاجر أعمالكم حقائبه، فالسعيد من زكى فيه بالإخلاص مكاسب أعماله، والشقي من أضحت زيوف المعاصي رأس مال آماله سحقًا له من مغبون ما أخسر صفقته، ومدلج في دياجي الأطماع ما أبعد شقته. باع الباقي بما يفنى واعتاض عن النفيس العالي بالأدنى. تبرجت له الدنيا، فأخلد اليها، وضمنت له كواذب الآمال سلامة المال، فاعتمد عليها، حتى إذا استرجعت منه الأيام ما وهبت وأخلفته الآمال المواعد وكذبت، ورأى وجود أمانيه عدما، وصحة ظنونه سقما، عض على يديه ندما، وبكى بدل الدموع بالدما، واستصرخ فلم يجد مسعدًا، ووجد منسي أعماله حاضرًا، ولا يظلم ربك أحدًا.
وقوله:
اغتنموا أيام المهل قبل انقراضها، وداووا سقم النفوس بذكر هجوم الأجل قبل استحكام أمراضها، وروضوها عن جماحها في الشهوات، فإنه لا نهاية لأعراضها، واعملوا ليوم لا يجزى فيه والد عن ولده، ولا مولود عن والده، ولا محيد لمن غلبت عليه الشقوة عن مناهل عذابه وموارده، وابتهلوا إلى ربكم في أوقات البركات، فما حرم فيها من قصده بركة مقاصده.
стр. 2234
ومنها الخطبة التي خطب بها أول جمعة أقيمت بالجامع السيفي تنكز كافل الممالك الشامية وهي:
الحمد لله منشئ أصناف الأمم وصانعها، ومؤلف أشلائها بعد العدم وجامعها، ومنطق جوارحها بما اجترحت وسامعها، وباعث هممها على الخير ووازعها، ومجري سوابق آمالها في ميدان آجالها نحو مطامح مطامعها، الذي أجزل مواهب السعادة لمن شيد بيوت العبادة، وشكر صنيع من قدح بالإحسان زناده، فوعده بالحسنى وزيادة، وفضل بقاع الأرض بعضها على بعض، فأعلى في الشرف محلها، وناط بها أسباب السيادة، فاتخذها صالح عباده معاهد للعبادة، فطوبى لمن حلها وادخر من القلوب نفائس يحق في مثلها التنافس، ثم وفق لها قومًا كانوا أحق بها وأهلها. أحمده على ما أسبغ من نعم زكت، مغارسها، فصفت ملابسها، وأولاه من منن صفت مشارعها، فنمت مراتعها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أحكم الإخلاص بالقلب معاقدها، وصفى من شوائب أكدار الشكوك مواردها، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله والكفر مخصبة مراتعه، آهلة بالأشقياء مرابعه، قد مد في الأرض خطاه، وتجاوز الحد في الطغيان وتخطاه، فلم يزل ﷺ يهيج بنانه بجنوب الحق رضاء، ويبيد طغاته رطي الأثمان وشباه، حتى أصبح وارف زرعه غثاء، وأمسى آنس ربعه قواء، صلى الله عليه وعلى آله غدوة ومساء، صلاة يبلغهم بها من النعيم المقيم أملًا، ويحقق لهم رجاء. أيها الناس جدوا في الطاعة قبل تعذر الاستطاعة، وجذوا حبائل الأطماع بمدى القناعة، فكم أطلعكم الدهر بتقلبه على الحقائق، فأغفلتم إطلاعه، وكم أسمعكم لسان حوادثه أبلغ المواعظ لو وعيتم أسماعه. فيالها غافلة شاملة، وأمنية باطلة، وأطماعًا كاذبة وآمالًا خائبة، وقلوبًا عن العظات لاهية، وأسبابًا من التعلل واهية، فوجهوا رحمكم الله إلى جهة الاعتبار عيون أفكاركم، واثنوا إلى تأمل الآثار أعنة أسماعكم وأبصاركم، فإن من استمع لخطوب الأيام غني عن خطب الأنام، ومن اقترع مغالق الآثام، استأذن على الانتقام.
ومن خطبه في رأس السنة:
الحمد لله الذي لا تدرك عظمته ثواقب الأفهام، ولا تحيط بمعارف عوارفه خطوات الأوهام، ولا تبلغ مدى شكر نعمه محامد الأنام، الذي طرز بعسجد الشمس حواشي الأيام، ورصع بجواهر النجوم حلة الظلام، وفصل بلجين الأهلة عقود الشهور والأعوام، أحمده على نعمه الجلائل العظام، ومننه الشوامل الجسام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا ينقص لها تمام، ولا يخفر لها ذمام،
стр. 2235
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله وسوق الباطل قد قام، ومحب الضلال قد هام، وطرف الرشد قد نام، وأفق الحق قد غام، فجرد سيف العزم وشام، وعنف على الغي ولام، واقتاد الخليقة إلى السعادة بكل زمام صلى الله عليه وعلى آله الخيرة الكرام صلاة لا انفصال لمتتابعها ولا انفصام.
وقوله في خطبة عيد الأضحى:
الحمد لله العظيم شأنه، العزيز سلطانه، القديم إحسانه، الذي أسمع دعوته إلى عرفات عرفانه من كل طريق، قلبتها قلوب الإنابة مسرعة في الإجابة، ووافتها من كل فج عميق، أحمده على نعمته التي أحلت مغنى الغنى، فتحلت بفرائد الأجياد، ومننه التي بلغت منى المنى، وكل الأيام بها أعياد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له شهادة لا يخلق الملوان جديدها، ولا تنال يد الشك مشيدها، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمةً للبرايا، ومحذرًا من سوء عواقب الخطايا، فطهر من رجسها السجايا، وساق إلى محلها الهدايا، ربعت الهمم على الضحايا صلى الله عليه وعلى آله المنزهين عن الدنيا صلاة لا تنفك سعادةً في البكر والعشايا.
* * *
стр. 2236
[مشاهير علماء النحو بالجانب الغربي]
وأما علماء النحاة بالمغرب:
قدور عدد، وأولوا مدد، وأصحاب لسان فيه ويد.
ومنهم:
[٥٤] عبد الله بن محمود المكفوف النحوي القيرواني (١)
ذو ذهن ثاقب، وأخو علا ومناقب. ظهر في بلاد المغرب ظهور وجود من عدم، واشتهر اشتهار نار على علم، وكثرت بتلك الأرض أتباعه، وتنور باطنه لما انعكس إليه من ظاهره شعاعه، وكان مفرط الذكاء، يكاد يتوقد، ولا يزيد حفظ شيء سمعه إلا وكان قد، حتى كان لا يناضل إلا في الاعتلاء، ولا يفاضل إلا بينه وبين أبي العلاء.
كان من أعلم خلق الله بالعربية، والغريب، والشعر، وأيام العرب وأخبارها، وله كتاب في «العروض» يفضله أهل اللغة على سائر الكتب. إليه كانت الرحلة من جميع إفريقية والمغرب، وكان إذا قرأ عليه الكتاب مرتين حفظه.
توفي سنة ثمان وثلاثمائة.
ومنهم:
[٥٥] إبراهيم بن عثمان، أبو القاسم ابن الوزان القيرواني، النحوي اللغوي (٢)
إمام الناس في النحو بالمغرب، والإلمام منه بكل مغرب، هذا إلى لغة جمع
стр. 2237
أطرافها، ومد طرافها، وفضائل استتم أوصافها، واستكمل حملها لا أنصافها، وكان لو وزن به فتى مازن أو أبو عثمان لخف في كفه بن الوزان، وكانت العلماء تجله، وتستملي منه، وما تمله، وكان ذا بصر حديد وفكر نَفَسُه مديد.
حفظ كتاب «العين» للخليل، و «المصنف» لأبي عبيدة، و «إصلاح المنطق» لابن السكيت، و «كتاب» سيبويه، وأشياء، وكان يميل إلى قول أهل البصرة، ويفضل المازني في النحو، وابن السكيت في اللغة.
وقال فيه بعضهم: لو أن قائلًا قال: إنه أعلم من المبرد وثعلب، لصدقه من وقف على علمه، وذكر جماعة ممن جالس ابن النحاس بمصر، ثم جالس أبا القاسم أنه أعلم من ابن النحاس، وأكمل نظرًا، ولقد كان يستخرج من العربية ما لم يستخرجه أحد، وكان غاية في استخراج المعمى.
توفي يوم عاشوراء سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
ومنهم:
[٥٦] أبو بكر، محمد بن عبد الله بن مذحج بن محمد بن عبد الله بن بشر الزبيدي الأشبيلي (١)
نزيل قرطبه.
ظلاله وارفه، وأفعاله لا تخلو من عارفه، لم يزل وشنه لم يتغير، وفمه للاكتساب
стр. 2238
لم يفغر، يغادي العلم ويراوحه، ويماسي الطلب ويصابحه، يوافي كل شيء لميقاته، ويقطع فيه عمر أوقاته، ورسنه ممتد ووسنه قد أقسم لا يرتد، فلم يستدر خده بلثام عارضه، وخاف خده الانثلام بسيف معارضه، إلا وكل قسورة تتوقى مهاجمته، وتخاف أن تهجم عليه أجمته، فأعملت إليه اليعملات، وأضحت فوائده مؤملات، واهتدى به هدي الركائب بالعلم، واستهل استهلال السحائب يرش رشاش ماء الورد.
قال ابن خلكان (١): كان أوحد عصره في علم النحو، وحفظ اللغة، وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، وعلم السير، والأخبار، ولم يكن بالأندلس في فنه مثله في زمانه. أخذ عن القالي لما دخل بالأندلس، وله كتب تدل على وفور علمه، واختاره المستنصر لتأديب ولده، ولي عهده هشام المؤيد، فعلمه الحساب والعربية ونفعه نفعًا كثيرًا، ونال به الزبيدي دنيا عريضة، وولي قضاء إشبيلية والشرطة، وحصل نعمة ضخمة لبسها بنوه بعده زمانًا، وكان يستعظم أدب المؤيد زمان صباه ويصرف رجاحته وحجاه.
وللزبيدي شعر كثير منه قوله: [من الطويل]
أبا مُسْلِمٍ إنَّ الفَتَى بِجَنانِهِ … ومِقْوَلِهِ [ل] بالمراكب واللبس
وليس ثياب المرء تُغني قُلامةٌ … إذا كانَ مقصورًا على قصر النفس
وكان في صحبة المستنصر. وقد ترك جاريته بإشبيلية، فاشتاق إليها، فاستأذنه في العود إليها، فلم يأذن له فكتب إليها: [من مخلع البسيط]
ويحكِ يا سلم لا تُراعي … لا بُدَّ للبينِ مِنْ زَماعِ
لا تحسبيني صَبرْتُ إِلا … كصَبرٍ مَيْت على النزاع
ما خَلَقَ اللهُ مِنْ عَذَابٍ … أشدّ مِنْ فُرقَةِ الوَدَاعِ
ما بينها والحمامِ فَرْقٌ … لولا المناحات والنواعي
وعاش ثلاثًا وستين سنة.
وتوفي يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة بإشبيلية.
ومنهم:
стр. 2239
[٥٧] محمد بن جعفر، أبو عبد الله القزاز التميمي (١)
لا ينسج له على طرح، ولا يغار لبزه على شرح، وهو أدرى بنسيج حلله، وأعرف بقدر حلله، يسلم القريض منه إلى بزازه، ويقدم منه إلى العلم بما هو أوفق لطرازه، لو سبق ميلاده في تميم، لألحقه بفرزدقها، ولزت شمسه بقمره في أفقها.
قال ابن رشيق: كان الغالب عليه النحو واللغة والافتتان في التأليف، وله شعر ربما جاء به مفاكهة وممالحة من غير تحضر له ولا تجفل، فبلغ بالرفق والدعة أهل القدرة على الشعر من توليد المعاني وتوكيد المباني، علمًا بمفاصل على الرحب والسعة أقصى ما يحاوله الكلام وفواضل النظام.
ومما أنشد له قوله: [من البسيط]
هذا أخي وشقيقي المرتضى ويدي الـ … يمنى وموضع إسراري وإعلاني
دعا فَعَمَّ الوَرَى طورًا وأسقطني … إسقاطك النون من ترخيم عثمان
وكنتُ في النَّقَرى أُدْعَى فَصِرتُ لَقَى … لا أَوّلَ الجَفَلَى أُدعى ولا الثاني
وقوله وذكر ثلاثة أقبر فاقتص أثر النحوي في الوزن والروي والمعنى، ثم أجاد وزاد: [من الطويل]
ألا قُلْ لركب فرق الدهرُ شملهمْ … فَمِنْ مُنجِدٍ نائي المَحَلِّ ومُنْهِم
إذا يمَّ الحادي بكم قصد بلدَةٍ … فسرتُمْ على قبر هناك مُعَظَّم
تحِلُّ بمثواه الوفود رحالها … وتَنْحَرُ أبناء الجَدِيلِ وشَدْقَم
فعرج به واستوقف الركب وابكِهِ … وصَلِّ على المقبور فيه وسلم
ولا تطأ الأرض الفضاء وإن نأت … بذي شنك رَحْب ولا ذاتِ مَنْسم
فقد ضم قطراها ثلاثةَ أقبُرٍ … تضمُّ نواحيها ثلاثة أنجم
стр. 2240
بعيدةٌ مسرى الزائرين عرينه … مُعظَّمَةٌ فيها رمائم أعظم
تمرُّ عليها الربح وهي مريضةٌ … ويشفي ثراها كل بهتان منجم
وقد فرَّقتْ أيدي الفراق لجودها … أيادي ساقي كل عقل ومعلم
كأن الردى خاف الردى في اجتماعهم … فقسَّمَهُمْ في الأرضِ كُلَّ مُقَسَّم
فبالعُدْوَةِ القصوى من الغَربِ واحدٌ … وآخرُ ضمَّته رحامُ المُقَطَّم
وبينهما قبر غريب ببرقةٍ … بَنَوْهُ على بحر مِنَ الجُودِ خِضْرِمُ
وأعجب شيءٍ قِيْسُ شِبْرٍ تضمَّنتْ … نواحيه قُطري يَذْبُلٍ وَيَلَمْلَمِ
أمستودع الترب المضمَّن جسمه … طويل البلِى مِنْ بعد طول التنعُّم
سأبكيك لا أن البكا عِدْلُ لوعتي … ولا أنَّ وجدي فيك كفو تندم
وقُل لعيني أن تَفِيضَ دموعُها … عليك ولو أنَّ الذي فاضَ مِنْ دَمَ
وقوله في اسم لؤلؤ ملغزًا به: [من الكامل]
لم يكفِهِ أَنَّ اسمهُ علَمٌ … يُنبيك مبسمه بصورتِهِ
حتى أراد بانْ يُعنونهُ … فصفاتُ صُدغيه وطُرَّتِهِ
قال ابن رشيق: الاسم لؤلؤ، وهو الذي أنيابه المبسم، والأصداغ توصف باللامات، والطُّرَر تشبه بالواوات، فكأن كل صدغ لام يليها واو من واوات الطرة، فيصح ما أراد.
ومنهم:
[٥٨] أبو محمد، عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن مُغَلِّس الأندلسي البلنسي (١)
رجل لاين صعاب اللغة حتى اقتاد أنوفها، وارتاد صنوفها. حسر لها ساعده حتى سلك سبلها، وملك ذللها، وكانت قد لجت نفارا، ودجت حتى جلاها، وجعلها في التصانيف أسفارًا، وخلاها قدوة وأسوة النجوم للمهتدي، فملأ عين المطالع وقطع بعدها بين طلب التزيد والمطامع.
стр. 2241
قال ابن خلكان (١): كان من أهل اللغة والعربية، مشارًا إليه فيهما. رحل من الأندلس وسكن مصر، وقرأ على صاعد والنجيرمي، ودخل بغداد واستفاد وأفاد، وله شعر منه: [من المتقارب]
مريضُ الجُفُون بلا عِلَّةٍ … ولكنَّ قلبي بهِ مُمْرَضُ
أعاد الشهاد على مُقلتي … بفَيضِ الدموع فما تُغْمِضُ
وما زار شوقًا ولكن أتى … يُعرضُ لي أنه مُعرِض
وتوفي لست بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وأربعمائة بمصر، ودفن بها.
ومنهم:
[٥٩] إبراهيم بن محمد بن زكريا بن مفرج بن يحيى بن زياد بن عبد الله بن خالد بن سعد بن أبي وقاص القرشي، أبو إسحاق المعروف بالإفليلي (٢)
من أهل قرطبة، وممن أهل لعلياء المرتبة، برزت به الأندلس في أثوابها القشب، وظفرت أقطارها بقطار ينبت العشب، فجرت به ذيل الأحيان، وهمت النجوم بالأعيان.
قال ابن خلكان (٣): كان من أهل النحو واللغة، وله معرفة تامة بالكلام على معاني الشعر، حافظًا للأشعار، ذاكرًا للأخبار، وأيام الناس، وكان مصدرًا بالأندلس، وقرأ الأدب، وولي الوزارة للمكتفي بالأندلس.
ولد في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
وتوفي في ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
ومنهم:
стр. 2242
[٦٠] أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي، النحوي، المفسر (١)
نير لا يخفى، وشمعة صباح لا تُطْفَا، فتق للعلم الأذهان، وفتح مقفله حتى هان، ونشأ بالمهدية القرية التي هي حاضرة البحر، والضاربة منه في النحر. كرسي الخلافة ومحل الإنافة، فكان حيث كان منها، فأسناها ومكان حسنها، ولم يعد يذكر بحرها الزاخر معه، ولا ملكها المطاع إذا دخل معمعة، فسر القرآن، وألقى الجران، وأظهر الآي، وكف اللآي، أجاد فيه الكلام، وأجال الرأي والأقلام.
أصله من المهدية من إفريقية، ودخل الأندلس في حدود الثلاثين وأربعمائة، وألف كتبًا نافعة مثل كتاب «التفصيل في التفسير» وهو كبير مشهور في الآفاق، وله «تعليل القرآن» أنفع من «الحجة» لأبي علي الفارسي.
ومنهم:
[٦١] إسماعيل بن خلف بن سعد بن عمران الأنصاري أبو الطاهر، المقرئ، النحوي الأندلسي، السرقسطي (٢)
جمع أنوف الأبطال، وقرع ومنع صنوف الرجال، وكرع ورود المناهل. لم يكدر بريق، ولم يقدر عليها النسيم إلا في آخر رمق فشرب واضطلع، وأناف على الشرفات واطلع، فنشر ما طوى من الأيام السوالف، وأعاد الليالي في أحسن الطرر والسوالف، وغازل بألحاظ كلمه الفواتر، وقطع بألفاظ حكمه البواتر.
стр. 2243
ذكره ابن خلكان وقال: كان إمامًا في علوم الآداب ومتقنًا لفن القراءات.
وذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة، وأثنى عليه، وعدد فضائله.
وتوفي يوم الأحد مستهل المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة.
ومنهم:
[٦٢] أبو الحجاج، يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي (١) المعروف بالأعلم
كان من إخوان الصفا، وأخدان الوفا، برع في الفضائل، ونزع منزع الأوائل، وكان على عمى عينيه ينظر العواقب نظر البصير، ويعرف إلى أين المصير، إلى فصاحة لم تحل بالعلمة ميمه، ولا أتت بها إلى أخواتها ضميمة، وكان بالعيوب منطقًا، وبما يبريه من العيون ممنطقًا، ولم يمت حتى أنذر بدنو أجله، وأخبر بقرب وفاته وعجله.
قال ابن خلكان (٢): رحل إلى قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأقام بها مدة، وأخذ عن الإفليلي، وأبي سهل الحراني، وأبي بكر بن أحمد الأديب، وكان عالمًا بالعربية واللغة، ومعاني الأشعار، كثير العناية بها، مشهورًا بمعرفتها، حسن الضبط، أخذ الناس عنه كثيرًا، وكانت الرحلة في وقته إليه. وأخذ عنه أبو علي الجياني وغيره. وكف بصره آخر عمره، وله تصانيف عدة.
وكان مشقوق الشفة العليا شقًا فاحشًا. وهو العلم يعرف به.
ولد سنة عشر وأربعمائة.
стр. 2244
ومات في ذي القعدة سنة ست وسبعين أربعمائة.
قال الرعيني خطيب إشبيلية (١): مات أبو عبد الله محمد بن شريح يوم الجمعة منتصف شوال سنة ست وسبعين وأربعمائة. فسرت إلى الأستاذ أبي الحجاج الأعلم فأعلمته بوفاته، لأنهما كانا كالأخوين محبة، فانتحب وبكى كثيرًا، واسترجع ثم قال: لا أعيش بعده إلا شهرًا. وكان كذلك.
ومنهم:
[٦٣] عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي النحوي (٢)، أبو محمد
مادة نحو وأدب وتصنيف، ولغة عرب، لا يجيء معه أحد فيها بمد ولا تصنيف، ولا يعد في رحلة شتاء ولا مصيف، غطى سيله على الفراء، وطفا دره، فكثر مدد الجوهري.
وكان عالمًا بالآداب واللغات، متبحرًا فيهما، مقدمًا في معرفتهما وإتقانهما.
سكن مدينة بلنسية، وكان الناس يجتمعون إليه، ويقرأون عنه ويقتبسون، وكان حسن التعليم، جيد التفهيم، ثقة، ضابطًا، ألف كتبًا نافعة ممتعة، وشرح عدة كتب. وكل شيء يتكلم فيه فهو في غاية الجودة.
ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس.
وتوفي في منتصف رجب سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
ومن نظمه قوله (٣): [من الطويل]
أخو العلم حَيٌّ خالد بعد موته … وأوصاله تحت الترابِ رَمِيمُ
وذو الجهل مَيْت وهو ماشي على الثرى … يُظنُّ مِنَ الأحياء وهو عديم
وقوله في طول الليل (٤): [من الطويل]
стр. 2245
تُرَى ليلنا شابَتْ نواصِيهِ كَبْرَةً … كما شِبْتُ أم في الجو روض بهار
كأن الليالي السبع في الجوِّ جُمعت … ولا فضل فيما بينها لنهار
وقوله من أول قصيدة مدح بها المستعين بن هود (١): [من الطويل]
هم سلبوني حُسْنَ صبري إذْ بانوا … بأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني باللوى إِنَّ مُهجتي … مُسايرة أظعانهم حيثما كانوا
سَقَى عهدهم بالخِيفِ عَهْدُ غَمائم … ينازَعُها مُزْنٌ مِنَ الدمع هتان
أأحبابنا هل ذلك العهد راجع … وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان
ولي مقلةٌ عَبْرَى وبين جوانحي … فؤاد إلى لقياكم الدهر حَنَّانُ
تنكرت الدنيا لنا بعدَ بُعْدِكُمْ … وحَلَّتْ بنا مِنْ مُعضِل الخطب ألوان
ومن المديح: [من الطويل]
رحلنا سوامَ الحمدِ عنها لغيرها … ولا ماؤها صَدًا ولا النبتُ سَعْدَانُ
إلى ملك حاباه بالحُسْنِ يوسف … وشاءَ له البيت الرفيع سليمان
مِنَ النفر الشم الذينَ أكفهمْ … غُيوتٌ ولكن الخواطر نيران
وهي طويلة.
ومنهم:
[٦٤] محمد بن الحسن بن سعيد، الأستاذ أبو عبد الله بن غلام الفرس الأندلسي الداني المقرئ النحوي (٢)
أحد الأئمة، واحد السيوف في الملة، دنت له لدانية السماء، ودرت على أكنافها