← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

قال ابن خلكان (١): كان من أهل اللغة والعربية، مشارًا إليه فيهما. رحل من الأندلس وسكن مصر، وقرأ على صاعد والنجيرمي، ودخل بغداد واستفاد وأفاد، وله شعر منه: [من المتقارب] مريضُ الجُفُون بلا عِلَّةٍ … ولكنَّ قلبي بهِ مُمْرَضُ أعاد الشهاد على مُقلتي … بفَيضِ الدموع فما تُغْمِضُ وما زار شوقًا ولكن أتى … يُعرضُ لي أنه مُعرِض وتوفي لست بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وأربعمائة بمصر، ودفن بها. ومنهم: [٥٩] إبراهيم بن محمد بن زكريا بن مفرج بن يحيى بن زياد بن عبد الله بن خالد بن سعد بن أبي وقاص القرشي، أبو إسحاق المعروف بالإفليلي (٢) من أهل قرطبة، وممن أهل لعلياء المرتبة، برزت به الأندلس في أثوابها القشب، وظفرت أقطارها بقطار ينبت العشب، فجرت به ذيل الأحيان، وهمت النجوم بالأعيان. قال ابن خلكان (٣): كان من أهل النحو واللغة، وله معرفة تامة بالكلام على معاني الشعر، حافظًا للأشعار، ذاكرًا للأخبار، وأيام الناس، وكان مصدرًا بالأندلس، وقرأ الأدب، وولي الوزارة للمكتفي بالأندلس. ولد في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. وتوفي في ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. ومنهم:

стр. 2242

[٦٠] أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي، النحوي، المفسر (١) نير لا يخفى، وشمعة صباح لا تُطْفَا، فتق للعلم الأذهان، وفتح مقفله حتى هان، ونشأ بالمهدية القرية التي هي حاضرة البحر، والضاربة منه في النحر. كرسي الخلافة ومحل الإنافة، فكان حيث كان منها، فأسناها ومكان حسنها، ولم يعد يذكر بحرها الزاخر معه، ولا ملكها المطاع إذا دخل معمعة، فسر القرآن، وألقى الجران، وأظهر الآي، وكف اللآي، أجاد فيه الكلام، وأجال الرأي والأقلام. أصله من المهدية من إفريقية، ودخل الأندلس في حدود الثلاثين وأربعمائة، وألف كتبًا نافعة مثل كتاب «التفصيل في التفسير» وهو كبير مشهور في الآفاق، وله «تعليل القرآن» أنفع من «الحجة» لأبي علي الفارسي. ومنهم: [٦١] إسماعيل بن خلف بن سعد بن عمران الأنصاري أبو الطاهر، المقرئ، النحوي الأندلسي، السرقسطي (٢) جمع أنوف الأبطال، وقرع ومنع صنوف الرجال، وكرع ورود المناهل. لم يكدر بريق، ولم يقدر عليها النسيم إلا في آخر رمق فشرب واضطلع، وأناف على الشرفات واطلع، فنشر ما طوى من الأيام السوالف، وأعاد الليالي في أحسن الطرر والسوالف، وغازل بألحاظ كلمه الفواتر، وقطع بألفاظ حكمه البواتر.

стр. 2243

ذكره ابن خلكان وقال: كان إمامًا في علوم الآداب ومتقنًا لفن القراءات. وذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة، وأثنى عليه، وعدد فضائله. وتوفي يوم الأحد مستهل المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ومنهم: [٦٢] أبو الحجاج، يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي (١) المعروف بالأعلم كان من إخوان الصفا، وأخدان الوفا، برع في الفضائل، ونزع منزع الأوائل، وكان على عمى عينيه ينظر العواقب نظر البصير، ويعرف إلى أين المصير، إلى فصاحة لم تحل بالعلمة ميمه، ولا أتت بها إلى أخواتها ضميمة، وكان بالعيوب منطقًا، وبما يبريه من العيون ممنطقًا، ولم يمت حتى أنذر بدنو أجله، وأخبر بقرب وفاته وعجله. قال ابن خلكان (٢): رحل إلى قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأقام بها مدة، وأخذ عن الإفليلي، وأبي سهل الحراني، وأبي بكر بن أحمد الأديب، وكان عالمًا بالعربية واللغة، ومعاني الأشعار، كثير العناية بها، مشهورًا بمعرفتها، حسن الضبط، أخذ الناس عنه كثيرًا، وكانت الرحلة في وقته إليه. وأخذ عنه أبو علي الجياني وغيره. وكف بصره آخر عمره، وله تصانيف عدة. وكان مشقوق الشفة العليا شقًا فاحشًا. وهو العلم يعرف به. ولد سنة عشر وأربعمائة.

стр. 2244

ومات في ذي القعدة سنة ست وسبعين أربعمائة. قال الرعيني خطيب إشبيلية (١): مات أبو عبد الله محمد بن شريح يوم الجمعة منتصف شوال سنة ست وسبعين وأربعمائة. فسرت إلى الأستاذ أبي الحجاج الأعلم فأعلمته بوفاته، لأنهما كانا كالأخوين محبة، فانتحب وبكى كثيرًا، واسترجع ثم قال: لا أعيش بعده إلا شهرًا. وكان كذلك. ومنهم: [٦٣] عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي النحوي (٢)، أبو محمد مادة نحو وأدب وتصنيف، ولغة عرب، لا يجيء معه أحد فيها بمد ولا تصنيف، ولا يعد في رحلة شتاء ولا مصيف، غطى سيله على الفراء، وطفا دره، فكثر مدد الجوهري. وكان عالمًا بالآداب واللغات، متبحرًا فيهما، مقدمًا في معرفتهما وإتقانهما. سكن مدينة بلنسية، وكان الناس يجتمعون إليه، ويقرأون عنه ويقتبسون، وكان حسن التعليم، جيد التفهيم، ثقة، ضابطًا، ألف كتبًا نافعة ممتعة، وشرح عدة كتب. وكل شيء يتكلم فيه فهو في غاية الجودة. ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس. وتوفي في منتصف رجب سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. ومن نظمه قوله (٣): [من الطويل] أخو العلم حَيٌّ خالد بعد موته … وأوصاله تحت الترابِ رَمِيمُ وذو الجهل مَيْت وهو ماشي على الثرى … يُظنُّ مِنَ الأحياء وهو عديم وقوله في طول الليل (٤): [من الطويل]

стр. 2245

تُرَى ليلنا شابَتْ نواصِيهِ كَبْرَةً … كما شِبْتُ أم في الجو روض بهار كأن الليالي السبع في الجوِّ جُمعت … ولا فضل فيما بينها لنهار وقوله من أول قصيدة مدح بها المستعين بن هود (١): [من الطويل] هم سلبوني حُسْنَ صبري إذْ بانوا … بأقمار أطواق مطالعها بان لئن غادروني باللوى إِنَّ مُهجتي … مُسايرة أظعانهم حيثما كانوا سَقَى عهدهم بالخِيفِ عَهْدُ غَمائم … ينازَعُها مُزْنٌ مِنَ الدمع هتان أأحبابنا هل ذلك العهد راجع … وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان ولي مقلةٌ عَبْرَى وبين جوانحي … فؤاد إلى لقياكم الدهر حَنَّانُ تنكرت الدنيا لنا بعدَ بُعْدِكُمْ … وحَلَّتْ بنا مِنْ مُعضِل الخطب ألوان ومن المديح: [من الطويل] رحلنا سوامَ الحمدِ عنها لغيرها … ولا ماؤها صَدًا ولا النبتُ سَعْدَانُ إلى ملك حاباه بالحُسْنِ يوسف … وشاءَ له البيت الرفيع سليمان مِنَ النفر الشم الذينَ أكفهمْ … غُيوتٌ ولكن الخواطر نيران وهي طويلة. ومنهم: [٦٤] محمد بن الحسن بن سعيد، الأستاذ أبو عبد الله بن غلام الفرس الأندلسي الداني المقرئ النحوي (٢) أحد الأئمة، واحد السيوف في الملة، دنت له لدانية السماء، ودرت على أكنافها

стр. 2246

النعماء، وأصبحت به أكناف الأندلس مخضرة، وأيام الأنس بها لا تخاف مضرة، وقد وضحت مباسمها، ونفحت نواسمها، وهبت أصلها الصحائح معتلة، وغدت حدائقها المحننة بسلاسل الأنهار مغتلة، وكانت الحياة بها سهلة المحيا، وأيامه الدهر، ودانية الدنيا. قرأ القرآن واللغة، وارتحل بابنه إبراهيم سنة بضع وعشرين وخمسمائة، ورجع فتصدر للإقراء والتحديث، وتعليم العربية، وكان صاحب ضبط وإتقان، مشاركًا في علوم جمة يتحقق بها، وكان حسن الخط، أنيق الوراقة، وكانوا يرحلون إليه للسماع والقراءة. توفي بدانية في ثالث عشر المحرم سنة سبع وأربعين وخمسمائة. وقد أصابه خدر قبل موته بسنة. ومولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. وكان ذا حظ من علم الحديث ومعرفة رجاله، وولي خطابة دانية في آخر عمره. ومنهم: [٦٥] عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب الأندلسي، أبو محمد الخزرجي (١) من بيت علم وحشمة، وعلاء وهمة، إلا أن صروف النوى قذفت به، وثلمت سيفه من غربه، فرمت به من حيث لم يك ظنت، ولا قدر لها ما تمنت، فأهوى في الأرض هوي الأجدل، وانحط انحطاط الجندل، وشق المخارم بهوى مضيقها وفجاجها، ويرد عذبها وأجاجها، حتى كاد ينسى من المغرب ذكر بلده، ويظن المشرق موضع مولده، وأتى خراسان، ولم يعرف إلا ما لها من إحسان، وحل في ذلك الأفق دارًا نسي بها قديم محتده، ولفظ من مطلع الشهب شبيب بدده، ووقف على عين الشمس واغترف غرفة بيده. أقبل على العلم، بإشبيلية، وحصل ما لم يحصله غيره، وولي القضاء بالأندلس

стр. 2247

مدة، ثم خرج عنها على عزم الحج، وجاور سنة، ودخل مصر، ثم قدم إلى العراق، ثم سار إلى خراسان، فنزل هراة مدة ومرو، وكان خبيرًا بالحديث والفقه، والنحو، والأدب، وسمع وأفاد. مولده سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وتوفي بهراة في شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ومنهم: [٦٦] أبو موسى، عيسى بن عبد العزيز (١) بن يَلْبَخت (٢) ابن عيسى الجزولي إمام تلقب دونه النواظر، وتكف عليه المحاضر، أجاب مصرخًا، وانجاب به الروع مفرخًا، وسارت إليه الطلبة تستعجل الشوق حنانها، وتصل الأسباب زبانها إلى رأي رصين، وعلم بالدين قد صين فلم يكن مثله في العلياء، وزهد خلص من الرياء، فسار ذكره كالشمس مغذًا، ووجد له كالسحر في كل قلب نفدًا. قال ابن خلكان (٣): كان إمامًا في علم النحو، كثير الاطلاع على دقائقه وغريبه،

стр. 2248

وساد وصنف فيه المقدمة التي سماها القانون، ولقد أتى فيها بالعجائب، وهي في غاية الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يسبق إلى مثلها، واعتبرها جماعة من الفضلاء فشرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا كله، فلا يفهم حقيقتها. وأكثر النحاة ممن لم يكن أخذها عن مُوَقِّف يعترفون بقصور أفهاهم عن إدراك مراده منها؛ فإنها كلها رموز وأشكال. ولقد سمعت من بعض أئمة العربية المشار إليهم في وقته، وهو يقول: أنا ما أعرف هذه المقدمة، وما يلزم من كوني ما أعرفها أن لا أعرف النحو. وبالجملة فإنه أبدع فيها. قال: وسمعت أن له أمالي في النحو، ولكنها لم تشهر، ورأيت له مختصر التفسير لابن جني في شبه ديوان المتنبي. ونقل أنه كان يدري شيئًا من المنطق. ودخل الديار المصرية، وقرأ على الشيخ محمد بن بري المتقدم ذكره، وقد نقل عنه شيئًا في المقدمة المذكورة. وذكر بعض المتأخرين في تصنيفه أنه كان قد قرأ الجمل على ابن بري، وسأله عن مسائل في أبواب الكتاب، فأجابه ابن بري عنها، وجرى فيها عند البحث بحث من الطلبة حصلت منه فوائد علقها الجزولي مفردة، فجاءت كالمقدمة فيها كلام غامض، وعقود لطيفة، وإشارات إلى أصول صناعة النحو غريبة، فنقلها الناس عنه، واستفادوها منه، ثم قالوا: هذا المصنف. وبلغني أنه كان إذا سُئِل عنها: هل هي من تصنيفك؟ قال: لا؛ لأنه كان متورعًا، ولما كانت من نتائج خواطر الجماعة عند البحث عن كلام شيخه ابن بري، لم يسعه أن يقول: هي من تصنيفي، وإن كانت منسوبة إليه لأنه الذي انعزل بترتيبها، ثم رجع الجزولي إلى بلاد المغرب بعد أن حج، وأقام بمدينة بجاية مدة، والناس يشتغلون عنه، وانتفع به خلق كثير. قال ابن خلكان (١): ورأيت جماعة من أصحابه. وتوفي في سنة عشر وستمائة بمدينة مراكش رحمه الله تعالى. هكذا سمعت جماعة يذكرون تاريخ وفاته، ثم وقفت على ترجمته وقد رتبها أبو عبد الله بن الآبار فقال: في سنة ست أو سبع مات الجزولي. ومنهم:

стр. 2249

[٦٧] أبو علي، عمر بن علي بن محمد بن عبد الله المعروف بالشَّلَوْبيني الأندلسي الإشبيلي النحوي (١) بحر لا يشق، وسحاب لا يصدع أياة برق، تنوء فوق السحاب مسكنًا، وفريق النجوم سكنا، حل الذروة والغارب، وحلت أصل ذكره المشارق والمغارب، أوضح النحو وبينه وجعل منه على بينه فاستصحب أبيه، واستبحر حتى فتح مقفله، ووسم مغفله، فقر قراره، واستسر البدر، ولم تخفه سراره. قال ابن خلكان: كان إمامًا في علم النحو، مختصرًا له غاية الاختصار، اشتغل على أبي بكر محمد بن خلف بن محمد بن عبد الله بن صاف البلخي الإشبيلي، ومن شعره قوله: [من البسيط] قالوا حبيبك مُلتاتٌ فقلتُ لهم … نفسي الفداء لهُ مِنْ كُلِّ محذور يا ليتَ علتَهُ بي غير أنَّ لهُ … أجر العليل وأني غير مأجور وقد رأيت جماعة من أصحابه وكلهم فضلاء، وكل واحد يقول ما يتقاصر الشيخ أبو علي الشلوبيني عن الشيخ أبي علي الفارسي، ويغالون فيه مغالاة زائدة. وقالوا فيه مع هذه الفضيلة غفلة، وصورة بله في الصورة الظاهرة، حتى قالوا: إنَّه كان يومًا على جانب نهر، وبيده كراريس في الماء، وبعدت عنه، فلم تصل يده إليها

стр. 2250

ليأخذها فأخذ كراسة أخرى بالماء. وكان له مثل هذه الأسباب الدالة على البله. و «شرح المقدمة الجزولية» شرحين كبيرًا وصغيرًا، وله كتاب في النحو سماه «التوطئة». كانت إقامته بإشبيلية، وأخباره متواصلة إلينا، وتلامذته واردة في كل وقت، وبالجملة فانه على ما يقال كان خاتمة أئمة النحو. وكانت ولادته بإشبيلية سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وتوفى في أحد الربيعين، وقيل: في صفر سنة خمس وأربعين وستمائة بإشبيلية. ومنهم: [٦٨] أبو القاسم المغربي، وهو محمد بن أحمد بن الموفق الأنصاري الأندلسي المرسي (١) رجل حظه موفور، وسعيه غير مكفور، وركب البحر من بلده حين ضاق به جانب ذلك البر، وساءه طول المقام وأضر، فطارت به فتخاء لا يرد من جماحها، ولا يعد فضل صاحبها. سمت به في أمواج كالجبال وأفواج كقطع الجمال، حتى ألقاه البحر إلى الساحل، وأدنى به السفر المراحل وجعل الشام دار مقامه ودواء أسقامه، ثم رحل مشرقًا، وجمع شتيت العلم مفرقًا، وكان لا يعد الغربة إلا وطنه، والغلة إلا إذا ورد ماء بلده أو سكنه، وهو معدود في أهل الحديث الشرقي، إذ قدم إليه أول ما عن تمائمه، وريش قوادمه. ذكر ابن المستوفي: أنه أخذ النحو عن الكندي وأبي البقاء العكبري، وأقام بدمشق سنتين، ثم قدم إربل سنة عشر وستمائة، وقد جاوز الأربعين. قال: وأنشدني لنفسه: [من الكامل] درس الخلاف فما يقول مسلم … مِنِّي وَقَوْلِي كُلُّهُ مَمْنُوعَه إفساد وضع في سؤالِ مَحبَّةٍ … أم اصله قد خالفته فُرُوعُهُ إنْ فُقْتَ بين دلالة ودليلةٍ … لمَّا تبيَّنَ في الدليل شُرُوعَهُ الاقتصاص لعبده في دأبه … يا ليتَ شِعْري ما يكونُ صَنِيعه

стр. 2251

وأخذه من قول البستي (١): [من الطويل] خُذُوا بدمي هذا الغزال فإنهُ … رَماني بسهمي مُقلتيه على عَمْدِ ولا تقتلوه إنني أنا عبدُهُ وفي … مَذهبي لا يُقتَلُ الحُرُّ بالعَبدِ ومنهم: [٦٩] يحيى المالقي، وهو أبو زكرياء، يحيى بن علي بن أحمد بن محمد بن غالب الحضرمي، الأندلسي، المالقي (٢) رجل تحط دونه الاجادل، وتدل بأدناه الجنادل، ويسكت إذا داناه من يجادل. نجم والرجال نبات، وانسجم والنوال مغمض الجفون بالسُّبات، فسما سمو حباب الماء حالًا فحالًا، ونما نمو فروع الشجر أغصانًا طوالًا، ولم يبرح منه زنده يقدح شرارًا، ونده يفوح، وإن لم يوقد نارًا، إلى أن أخمده انصرام العمر المكتتب، وكمل له عمل واستتب. قال ابن المستوفي: ورد إربل سنة أربع عشرة وستمائة راحلًا إلى خراسان لسماع الحديث، وكان قد أقام بدمشق وأخذ عن أبي اليمن الكندي. قال: وحدثني من أثق إليه أنه كان [له] حلقة بجامع دمشق للنحو. وأثنى عليه أبو الحسن علي بن عبد الكريم الجزري، وقال: لطيف الأخلاق من بين المغاربة، حسن العشرة، جرى بيني وبينه عدة مباحثات. سألته عن مولده، فقال: إني ولدت بمالقة. ومما أنشد له قوله: [من الطويل] فؤادك موقوف الهوى حينَ يَمَّمُوا … وأنتَ بهمْ هَيمانُ صَبُّ مُتيَّمُ اذا أَعْرقُوا أو أشأموا كنتَ سائمًا … بُرُوقًا بها سُحْبُ المَدامع تسجمُ تُسائل عنهم كلَّ يوم وليلة … نسيمَ الصَّبا أين استقلُّوا وخَيَّمُوا تقوتُ وجوه اليُمْنِ واليُمْنُ فيهم … ويسترشدون النجم والنجم منهم ومنهم:

стр. 2252

[٧٠] زين الدين المالقي (١) ضيف قوم كرام، قطيف يوم بلغ المرام برع نحوًا وأدبًا يصلح لكل نحوي أتى من الأندلس حاجًا ومعتمرًا، وركب ليلًا دجوجيًا ومقمرًا، حتى قضى تفثه، وأمضى ما حمله عليه العزم وبعثه، وقدم دمشق واستوطنها، واجتنى بطائنها، ونزل على بني الشيرجي. وسم في أرباب البيوت بها صدور مجالسها، وجنى مغارسها، وممتار أسواقها، وأقمار أنديتها الطالعة من أطواقها، بيد أنهم من عدد عدولها، ومدد سيولها، وذوي التصرف في خدم السلطان وخدم الملوك منذ حلوا تلك الأوطان، فألقى إليهم رحل رحلته وجمع شمل شملته، وأقام بينهم يرفد بالحباء الموفور، ويولي الأيادي التي ما استدنت إلى كنور. وله فيهم مدائح كنت وقفت على بعضها، ووقعت بين دارين والشحر في أرضها. وفيما وقفت له على قصيدة وصف فيها طير الواجب تحرك إلى التبرز لرمي البندق، سواكن الهمم، ويعيد نشاط الشباب لأهل الهرم، لعبة كانت لسببه هذا البيت في رمي الطير الجليل، والخروج إليه بالصاحب والحليل، وأولها: [من الكامل] ركب الدجى لا يرهب الأخطارا … ودَنَا على بُعْدِ المزار وزارا ومن نثره من مقدمة كتبها للصدر شرف الدين أبي الفتح أحمد بن الشيرجي، أولها: الحمد لله مسخر الطير في جو السماء، ومحيي الأرض بما من عليها من النعماء، الواجب وجوده فلا تغير يلحقه، المان بجوده فكل حي يرزقه، المتفضل على عباده بمحاسن الأخلاق، المتكفل لأجناس مخلوقاته بإدرار أنواع الأرزاق، الحاكم بإقعاد من انتهك حمى حرمه، القادر على إسعاد من تعرض لكرمه. ومنها: فالربيع يكسب الأرض برطوبته جمالًا وزخرفة، ويلبس الأرض من صنعه يد الشتاء حُللًا مفوفة، وأشجاره ترشح من عيونها بماء ورد، وأشجاره تتنفس فتخال تنفسها عنبر ند، حتى كأن الجو عطار يعد طبيبًا، والهزار قد أقام على رؤوس الأغصان خطيبًا، ومخايل الأوراق قد لاحت على تلك الخمائل، والورق قد غنت على

стр. 2253

عيدانه والغصن مائل، والروض قد وردت عليه من جداوله مسائل، والشتاء يجود على البطحاء بجود تهطله، ويعقب ظله بصيب وبله، وترى سنى برقه بين رعد وسحاب، ونزح دموع شوقًا لأيام الشباب، كأن السماء والرعد فيه تذكر الهوى لهما، فاستعبرت وتنهدا. ومنها: ولما كان فلان ثمرة غصن زكت مغارسه، ودرة بحر قذفت نفائسه، وزهرة حديقة أينعت أرجاؤها، ونجل رئاسة تشرف أباها أبناؤها، من نسب يعقد بالنجوم ذوائبه، وحسب تحط في مفارق النسر ركائبه. وعندما تمَّتْ أخلاقه الحميدة، وكملت والتحفت به هذه الأوصاف الجميلة، واشتملت رام أن يأخذ حبل السعادة بطرفيه، ويجمع بين محاسن الجد والهزل؛ ليحصل من السعد على شرفيه. ولم يزل يقلب طرفه من محاسن لهو يرتضيه، ويدبر فكره فيما يصلح له فيقتضيه، إلى أن شهر كذا من سنة كذا، فعمد إلى نيته المقبولة، فأمضاها ولم يكن إلا حاجة في نفس فلان قضاها، وخرج وقد أرجت نوافج المسك الأذفر، وماست معاطف الزند الأخضر، والأنهار مطردة بمائها، والأطيار غردة بغنائها إلى مظان الطير الجليل ومكامنه وطلبه كما يطلب الخير من معادنه، واستصحب معه من الرماة الأزكياء السادة الأذكياء، كل صادق القول، زكي الفعل، كثير الإمساك، قليل المثل، ممن برز في البرزات، وأظهر من يديه خوارق المعجزات، وله الوجوه المشكورة من غير نفاق والنكت المشهورة بين الرفاق، وقد ارتدوا ملابس الغيار، واطلعوا من أطواقها وجوهًا كالأقمار، وشدوا بالمناطق خصورًا تدق عن الأفكار، وتقلدوا حمائل جيوش صانت النجوم عن الأبصار، والتأموا بفضلات العمائم، واستغنوا بالخالق عن الرقى والتمائم، وقصدوا في طالع السعد والأمان دير سليمان، فلما أدنت الشمس بالفراق وكادت تبلغ نفس النهار التراق، استدارت الجماعة استدارة الأنامل بالأقداح وامتزاج الأشباح بالأرواح، ودارت عليهم بالسؤال للسرور كؤوس، ومالت منهم للطرب أعناق ورؤوس. فلما أنفقت خطتهم، وافترقت خلطتهم، انتشروا في تلك الرياض انتشار العيون، ووثبوا في تلك النواحي وثوب الليوث، فلله درهم من فرسان مواكب، وشجعان كتائب، إن ركبوا خلت آساد جفان، وإن ترجلوا قلت ظباء وغزلان. هذا وهو بينهم كالقمر لا بين النجوم والشمس في خلال الغيوم، قوله: [من الكامل] السَّعْدُ في نظراتِهِ والموتُ في … سَطَواتِهِ والفَضْلُ من أفضاله والشمس تحجب وجهَها عَنْ وجهه … والبدر يبدو خاضعًا لجماله

стр. 2254

وعندما تهندمت الرماة في مواضعها، وبرزت الطيور التي كتب عليها القتل إلى مضاجعها، مرت به خفة من العنانير كانت على المبيت حراصًا، وعادت إلى مطرحها بطانًا، بعد أن راحت إلى مسرحها خماصًا، فرنا إليها بطرف لو لحظ به الأرض لاهتزت وربت ورمقها بنظر لو رمق به النجوم شزرًا لانقضت وهوت، وسار إليها مسير الشمس عند الشروق وطرقها طروق الطيف، فحبذ ذاك الطروق، وقد أغذ في يمناه التي لو بارتها السحب الهاطلة لخجلت أو باهتها البحار الزاخرة لنحلت: [من المديد] فبطنها حجر الاحتياط مُنبجِسٌ … وظَهرُها حَجَرَ الإسلام مستلم ندبًا من البندق المنتسب شكله الطيب أصله بعيد الناظر رزقًا مقسومًا، ويعده الطائر أجلًا محتومًا، وفي يسراه الميسرة للأرزاق المعينة على الإطلاق: [من الطويل] هي البحر والطرس النفيس سفينةً … فاونةٌ مَنْجي وآونة تردى قوس رشق خطار، مستوى العنق والدستار، قد أختيرت له روق الأوعال، وشظايا الردينية العوال، فكأنه قضيب ارتدى بثوب نظار، أو سبيكة ذهب أحرق شطرها بنار، وبدا للعيون عاريا، ولا أثم عليه في ذاك ولا عار فيا حسنه من موقف رأيت فيه القمر يقذف شيطان الهموم عن هلال بكوكب، وصنم كافور يدير في بحر العطايا حركات المنايا بلولب، ولم يزل برقها حتى دخلت المقدار ونادته السعادة البدار البدار، فأرسل إليها رسل المنايا من بنادقه، وأخرج إليها خبايا الروايا من زوايا جلاهقه، فأصاب منها طائرًا خر لديه صريعًا، وناداه التقدير فأجاب ولم يكن قبلها سامعًا، ولا مطيعًا. [من الرجز] لمْ يَدْرِ مِنْ أينَ أُتيحَ حتفُهُ … وإِنَّما الرامي دَرَى كيف رَمَى وذكر في أحدها قصيدة البدر يوسف بن لؤلؤ، وهي (١): [من الكامل] هل ذاك برق بالغُويرِ نارا … أم أضرموا بلوَى المُحَصَّبِ نارا وكلاهما إنْ لاحَ مِنْ هُضَبِ الْحِمَى … بي شائق ومُهَيِّجٌ تَذكارا فيم التعلل والشتاء مُنكِّبٌ عنِّي … وقدْ شَط الحبيب مزارا وقد استرد الدهر أثوابَ الصِّبا … وكذاكَ يُؤخذ ما يكونُ مُعارا فأرفق بدمعك في الفراق فما الذي … يبقى ليسقى أربعًا وديارا ودع النسيم يراوح القلب الذي … أورى زناد الشوق فيه أوارا

стр. 2255

مع أنني أصبوا إلى بانِ الغَضَا … إِنْ شِمْتُ بَرْقًا أو شممتُ عَرَارا فاليوم لا دار بمنعرج اللوى … تدنُو بمحبوب لنا فيزارا كلا ولا قلبي المشوق بصائر … عنهم فأبدى دِمْنَةً أو دارا فسقى اللوى لا بَلْ سَقَى عَهْدَ اللُّوى … صَوْبُ الغَمائمِ هاميًا مدرارا ولقد ذكرت على الصَّراةِ مَراميًا … ينسى بحُسْنِ وجوهها الأقمارا وعلى الحمى يومًا ونحنُ بلهونا … نَصِلُ النهار ونقطع الأنهارا في فتية مثل النجوم تطلعوا … وتخيَّروا صِدَقَ المَقالِ شِعارا من كل نجم في الدياجي قَدْ لَوَى … في كفِّهِ مثل الهلالِ فَدَارا متعطفًا مِنْ حرم دوادَ الذي … فاق الأنام صناعةً وفَخَارا فالآن قدْ حَنَّ المَشوقُ إلى الحِمَى … وتذكَّرَ الأوطان والأوطارا وصبًا إلى البرزات قلت كما … طارت به خرر اللعالع طارا فلأي مَرمى أرتميه وليس لي … قوسٌ رشيقُ مُدْمَجٌ خَطَّارا حلى على ضَعْفِي إذا استعطفتُهُ … الوَى عليَّ العُنق والدستارا نُكَتٌ لَهُ مِنْ كلِّ صنف قد حوّى … أَغنى الرماة بحسنها إكثارا وبوجهه المنقوش أول ما بَدَا … وبه أقام وأقعد الشطارا وغدا بتحريمي بلا سببٍ بَدَا … منّي وأودَعَهُ الرماة مرارا يا حسنهُ مِنْ مُخلفٍ لكنه … في الجو عالٍ لا يسف مطارا ويطير خفظًا عَنْ مقامي عامدًا … ولشِقْوَتي لا يدخل المقدارا لا يندفي مهما خَطَرْتُ بِبالِهِ … أَنَّى ينال مراوغًا طيارا وَسْنانُ من خَرَزِ اللَّعَالع لمْ يَزَل … يَرْعَى الرياض وليس يرعى الجارا لا راجل بل قادم عنِّي إلى … ماء الفراتِ يخوض منه غمارا وأنا تراني فاقدًا ومُنعَمًا … في الجوّ ليلًا خلفه ونهارا دعني فقد برد الهواء وقد أتى … أيلول تطفى للهجير حمارا ووراءه تشرين جاور عده … عجلان نجد وللسحاب قطارا والبارق الهامي على قُلَلِ الحِمَى … يُبدي هناك خيوطه وأنارا والفيض طام ماؤه متدفّق … والطير فيه يلاعب التيارا والنهرُ جُنَّ بهِ فراح مسلسلًا … صَبًّا تحيَّرَ لا يُصيب قرارا نهر النواظر حيث آتيت شطه … للناظرين سفائفًا وبهارا والصبح في آفاقه يا سعد قد … أخفى النجوم وأطلع العُذارا

стр. 2256

فانهض إلى المرمى الأنيق بنا وقد … ذهب الصباح ونبه الأطيارا وتتابعت جَنَّاتُها في أفقها … مِثلَ النعام قوادما تتبارى مِنْ حُورِ زوَّارِ العراق قوادمًا … يا مرحبًا بقدومها زُوَّارا فأصح إلى رشق القسي إذا ارتمت … مثل الحريق أطار عنه شَرَارا وأطرَبْ على نَغَماتِ أطيارٍ بَدَتْ … في الجَوِّ وهي تجاوب الأطيارا من كل طيار كان له دمًا … عند الرماة فثار يبغي الثارا هلْ جاءَ في طلب القسي لحتفِهِ … أمْ جَاءَ يطلب عندها الأوتارا بالبم يطرب بالجناح كأنَّهُ … أيدي البان يحرك الأوتارا خاص الظلام وعبَّ فيهِ فَسَوَّدَ … الرّجلين منه وسوَّد المنقارا وأتى يبشِّرُ باللقاء فضخمتْ … تلك المفاوزُ عَنبرًا ونضارا والكي كالشيخ الرئيس مزمّل … في بُرْدَتيه هيبةً ووَقارا يسطو على الأسماك يومًا كلَّما … أَذْكَى لهُ حَرُّ المجاعة نارا والوز كم [قد] هاجَنا تَنغِيمُهُ … ليلًا وكم قد شاقنا أسحارا فإذا تباشر بالصباح بَنَى لهُ … عطفًا وصفق بالجناح وطارا وتَرَى اللعالم تستبيكَ بأعيُنٍ … حُوريةٍ صُفْرِ الجُفون صغارا فكأنَّ وَرْسًا ذابَ في أجفانِها … فحكى النضارَ وحَيَّرَ النظارا وترى لانسياب النوافر تنثني … بين الرياض كأنهنَّ عَذاري يسلبن أرباب العقول عقولهم … ويَرُعن منه حيلة ونفارا وترى الجناح كالقطا أرياشُها … أو كالرياض تفتحت أزهارا هَجَرَتْ مناهلها على بَرْحِ الظَّما … واستبدلت دويَّة وقفارا والنسر سلطان لها لكنهُ … لمْ تلفه لدمائها هَدَّارا قد شاب منهُ رأسُهُ مِنْ طولِ ما … كَثُرَتْ عليه عصوره أدوارا أرخى جناحيه عليه كحوش … لو كان يمنع دونه الأقدارا وإذا العقاب سَطَا َوصالَ بكفِّهِ … عاينْتَ منه كاسرًا جَبَّارا يُعطي ويمنعُ عِزّةً وتكرُّمًا … ويُبيحُ ممنوعًا ويمنع جارا وتَرَى الكَراكِي كالرَّمادِ وربَّما … فرقت فأذكت في القلوب النارا قد سطرت في الجو منها أسطُرًا … وطوَتْ سَمَاء سجلها أشعارا فإن انصر عن فلا تكن ذا غفلَةٍ … عَنْ أنْ تُنقط حليهنَّ مرارا وبدت غرانيق لهنَّ ذوائب … لولا البياض لخلتَهنَّ عِذارا

стр. 2257

حُمْرُ العُيونِ تُديرُ مِنْ أحداقِها … فينا كُؤسًا قد ملئن عُقارا والضُّوع في أفق السماءِ مُحلّقٌ … مثلَ الغَمام إذا استقل وسارا ذو مُغْرِزِ ذَرْبٍ فَلَوْ يَسْطُو بِهِ … فَضَحَ السِّنانَ وأخجل البتّارا ومرازم بيض وحمر لشها … كمراوح أضرمن منه جمارا وعجبتُ كيفَ صَبَتْ إلى صُلْبانِها … تلك الرماة وما هم بنصارى وشبيطر ما إن يحل له دَم … مهما علا شجرًا وحل جدارا والشرفيه ألفه لمنازل فاصبر … له حتى يفارق دارا وكأنما [قد] ضاقَ عنهُ مُزَرَّرًا … فوقَ القميص فَحَلَّلَ الأزرارا هل عبَّ في صرف العقار بمفرز … أم كانَ خاص من الدماء بحارا وهذه القصيدة وإن يكن هذا موضعها، ولا صاحب هذه الترجمة مسير شهبها ومطلعها، فقد ذكرتها لاستشهاده بها؛ لأنه كان من سببها. ولما تفردت به من حسن مذهبها، وأظنه إنما قصد معارضتها بقصيدته التي ذكرت مطلعها. ومنهم: [٧١] البياسي، وهو أبو بكر، سعيد بن أحمد بن محمد المغربي البياسي، عماد الدين (١) لا يبلغ حضيضه ولا يسوغ تذهيبه ولا تفضيضه، أحيا الليالي، وقد أمات النوء الثرى، وأبات السحاب لا يغمض جفنه الكرى، إلى هواجر كان يصلى بلهبها، ولعل في مديد لبها لا يتوسد الأمر فقيه، ولا يبيت غير النجم والسهاد مرافقيه، حتى مات، فخشع له هامد التراب، وخضع له هامل السحاب، وبكى بكاء الأتراب. ذكره ابن المستوفي ومما قاله: أنه ورد الموصل، فنزل في بعض مدارسها متفقهًا، واستظهر بعض كتاب سيبويه، واتصل بأبي الفضائل لؤلؤ المنصوري مدة، وحسنت حاله عنده، ثم قطع عنه، وأخذ جميع ما حصل بيده من مال وكتب، وضربه ضربًا شديدًا. ولم يظهر خبره، وذلك في شوال سنة ست عشرة وستمائة. وكانت وفاته بقلعة الحديد قال: وكان هذا المغربي كما قيل لي رديء الطبع. سمع أبو الفضائل لؤلؤ

стр. 2258

إنسانًا يشكو منه، ويذكر أنه يأخذ من عرضه، فقال: لعلك أحسنت إليه. ومنهم: [٧٢] الصنهاجي، وهو أبو علي، عمر بن عبد النور بن ماخوخ بن يوسف النحاس النحوي الصنهاجي اللزبي (١) واللزب قبيلة. أورق ظل الفضائل وأسبغها، وفوف حلل العلوم حتى أخمل أسبغها، تهن به المشرق والمغرب، وتفرد بفضله المألوف والمغرب، وامتد ذكره من الغرب امتداد ظلاله، وورد على الشرق ورود زلاله، فنفث في روع المطلع الشرقي السحر الحلال، وحلى الجانب الغربي بما لاق بمعصم طوده المنيف من سوار الهلال. ذكره ابن المستوفي، وأنشد له من شعره: [من الكامل] ومُعَقَّرَبُ الصُّدْغَينِ خِلْتُ عِذَارَهُ … نونًا أتى في رسمهِ الخِيلانُ فوقفتُ أبكيهِ بعَيني عُرْوةً … حُزنًا عليه كأنَّني غِيلانُ وله في كاتب: [من الكامل] إن كان وصلك [يا فلان] مُمنَّعًا … خوفًا عليكَ مَلامةَ العُذَّالِ فالآنَ مُشرِفُ عارضيكَ مُخَبِّرٌ … إِنَّ العِذارَ موقع الوِصالِ وحكي أنه أتى إلى الفقيه العلامة كمال الدين بن يونس، فألفاه على دجلة، وحوله جماعة يتفقهون به، فرأى بحر منه ومنها، وعجتين إذا حدث عنه وعنها، فقال: [من الوافر] تَجُرُّ الموصل الأذيالَ فَخُرًا … على كل المنازل والرُّسُومِ بدجلة والكمال هما شفاء … بهيم أو لذي فَهُمْ سَقِيمِ فَذَا بحر تدفق وهوَ عَذْبٌ … وذا بحر ولكنْ مِنْ عُلوم وحكي أنه أتى دمشق فرأى صبيًا من أبناء الكتاب يعرف بابن عصيفير، قد عصفرت دباجته، وتمت فيه من الحسن حاجته، فوقف حائرًا، وسقط قلبه في يده طائرًا، فقال: [من الوافر]

стр. 2259

متى يَنَلِ المُؤمِّلُ مِنْ غَزَالٍ … على الأحياء سَلَّطَ مُقلتيهِ كأنَّ فؤادَ عَاشِقِهِ المُعنَّى … سَمِيٌّ أَبيه يخفق في يديهِ وهذا من قول المجنون: [من الطويل] كعصفورة في كفّ طِفْلٍ يذمها … تُقاسي حِياض الموت والطفل يلعبُ عدنا إليه حكي: أنه كان يتعهد درس الفقيه العلامة كمال الدين بن يونس لصحبة كانت بينهما أكيدة، وسوالف مدة عديدة، وكان ابن يونس لا يبقى من أهل الفضل محصل، ولا من هو من أفنان العلم متوصل حتى يحل بداره، ويحمل مما كثر تحت جداره، فأتاه يومًا وقد حضره جماعة قد تطيلسوا، وتعاقدوا على إسكاته، فلما تكلم أبلسوه، فقال الصهناجي: [من الطويل] كمال كمال الدين للعلم والعُلا … فهيها ساع في مساعيك يطمع إذا أجتمع النضار في كلِّ موطنٍ … فغايةُ كلّ أن يقول ويسمعوا فلا تحسبوهم عن عناد تطيلسوا … ولكن حياءً وأعترافًا تقنعوا وحكي أنه مر ببلدة فرأى فيه غلامين كأنهما الفرقدان، أو النيران، إلا أنهما أخدان قد تحابا حبًا أكد ألفتهما، وأثبت في ديوان المحبة معرفتهما، يعرف أحدهما بابن صقر، والآخر بابن فهد، فقال: [من الطويل] أليس عجيبًا جارحان تصايدا … وذلك شيء لا يكادُ يُرامُ فَمَنْ لي بفرح الصقر أمسك شقه … وأوتي بجرو الفهد ثم ينام ومنهم: [٧٣] محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السلمي، الأندلسي، النحوي، شرف الدين، أبو عبد الله (١) فريد كان بغير نفسه لا يتأنس، ولا يسامر إلا من الجواري الكنس، ألف

стр. 2260

الوحدة، وعرف بما تفرد به وحده، ولم يجزم إلا بفضله، ولم يجر بل الأفق على مثله، إلى آداب جنى زهرتها، وجلا من تحت جذر المجرة زهرتها، فبرزت باسمه لا يغيرها القطوب، ولا تنكرها الخطوب، كأنما ضرست بدرر، أو غرست في منابت اللآلي، فضمتها غزلان المسك في السر. ذكره ابن اليونيني، ووصفه بالمعرفة بالفقه إلى مذهب مالك، وبعلم الكلام، والأصول، والتصنيف في التفسير، وقال: مولده في ذي الحجة سنة تسع وستين، وقيل سنة سبعين، وقيل: إحدى وسبعين وخمسمائة، وقرأ القرآن الكريم ببلده على أبي محمد بن غلبون، وأخذ النحو عن الشلوبيني، وسمع بالمغرب والحجاز والشام والعراق وخراسان، وحدث بالكثير، وجاور بمكة زمانا طويلا، وكان من الأئمة العلماء الفضلاء، ذا معارف متعددة، بارعا في علم النحو، واللغة العربية، والتفسير، وهو على هذا كله متزهد، مطرح، تارك للرئاسة، حسن الطريقة قليل المخالطة للناس، كثير الصلاة والعبادة والحج، متقصد في أموره. له قبول، لا يحل ببلد إلا ويكرمه رؤساؤه وأهله. توفي في خامس عشر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة، بين الزعقة والعريش، وأنشد له: [من الطويل] أتجهل قدري في الورى ومكانتي … تزيد على متن السماكين والنسر ولي خصب لو أنه متقسم … على أهل هذا العصر تاهوا على العصر

стр. 2261

ومنهم: [٧٤] حافي رأسه، محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر الزناتي، المازوني، النحوي، محيي الدين، أبو عبد الله (١) لا يعدل الدر لفظه الموزون، ولا ودائع المعادن حفظه المخزون، ولا يقاس أبو عثمان فتى مازن بفتى مازون، عرف بحافي رأسه، وكان وافي رئاسه وكافي من يشبهه بالبحر أو قاسه، لم يجهد منهله المباح، ولم يجهل فضله المماح. ذكره شيخنا أبو حيان، وقال: كان شيخ أهل الإسكندرية في النحو. تخرج به أهلها، وكان منحيًا، ولا أعلمه صنف شيئًا في النحو. رأيته في درس قاضي القضاة ابن المنير سنة تسع وسبعين وستمائة أول قدومي من الغرب، ثم رأيته سنة إحدى وتسعين، وفيها توفي. وله نظم فمنه قوله: [من الطويل] ومعتقد نيل الرياسة في الكبرِ … فأصبحَ ممقوتًا بها وهو لا يدري يجُرُّ ذُيول الكبر طالب رفعة … ألا فاعجبوا مِنْ طالب الرفع بالجَر وقوله في أهل الثغر: [من الكامل] يا منكرًا من بخل أهل الثغر ما … عَرَفَ الورى أنكرت ما لم يُنكَر أقصر فقدْ صَحَّتْ نتانةُ أهلها … ومِنَ الثغور كما علمت الأبخر قلت: والبيتان الأولان أنشدني إياهما الأديب جمال الدين محمد بن نباتة، وزعم أنهما للصاحب تاج الدين محمد بن حنا، وقول شيخنا ابن حيان أثبت. ومنهم: [٧٥] علي بن إبراهيم التجاني، البجلي (٢) بحر منه مدد القالة، وبدر عليه مجمع الهالة. كان بتونس صدر إقراء، يؤخذ من

стр. 2262

حفظه، وربيبه الدار إذا قيس بلفظه، وخلى وندى يد ملكها، وتفرده في المكارم ومسلكها، وكان لا يعقب الصفو منه كدر، ولا يقاس بنائله المطر، ولا يشبه سواه إلا إذا استوى حجر الياقوت والحجر، لعلم نفعه كبير، وحلم يغفر الذنب ويعفو عن كثير، يناظر به السحاب وقد تلظى حقدًا، وأعطى قليلًا وأكدى هذا إلى بأس يكاد منه قلب البرق ينفطر، وقد الخطى ينأطر، وكان لا يزال يعمر به مجلسه ويدنيه منه ويؤنسه، ويأخذ منه العلم ببلده ويغرسه. وقد ذكره شيخنا أبو حيان في مجاني العصر، وقال فيه: أستاذ يقرأ عليه بتونس النحو والأدب. قدم علينا بالقاهرة حاجًا، وأنشد له قوله: [من السريع] إنَّ الذي يروي ولكنَّهُ … يجهلُ ما يروي وما يكتب كصخرة تنبع أمواهُها … تسقي الأراضي وهي لا تَشرَبُ وقوله يمدح رجلًا وهبه مالًا عونًا على الحج: [من السريع] ياسيدًا قام لدهري به … على الذي يعتبه الحجة جودك للناس ربيع ولي … منك ربيعان وذو الحجة ومنهم: [٧٦] أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن حيان النَّفْزي (١) سحاب الفضل المنهل، وسحا ختام الفضلاء من قبل طريقة سهل، وتحقيقه يبريء من داء الجهل. تاه به الأندلس على كل إقليم، وملك به عنان التقديم، ولو تقدم عصره حتى كان منذ قرنين في ذلك المكان حين تتعادى على الآداب من ملوك الطوائف، وتتهادى رياحين تلك اللطائف، لما احتفظ صاحب الذخيرة بأكثر من جوهره، ولا استضاء الحميدي في جذوة المقتبس إلا بنور نيره، بل كان يفتح به القلائد الفتح بن خاقان، وتقدم ابن الإمام ذكره في سمط الجمان، ولما كان ابن اليسع إلا أن

стр. 2263

يقتصر عليه في المغرب، ولا يحيد ابن دحية في المطرب، ولكان في الاختيارات لأبي سهل حظه الوافر، ولهان بدرة اليتيم ما جاء به ابن بحر في زاد المسافر. وبشر به التوحيدي أبو حيان، وبصر سمى حفيده ابن حيان، وقدم مصر منذ ستين حجة، ثم عاد إلى القاهرة واستوطنها، واستطاب في الأرض وطنها، ومنذ قدمها خوطب بالإمام، ومع هذا فما تأبى عن لقاء الأعلام، ولم يكن نقص يحتاج إلى تمام يقع في الأوهام، وإنما أراد الزيادة بما يحصل باقتداح الإفهام، ومنذ ذاك الطلبة إلى إفادته، ومن حياض أفاته تكرع حتى انتشر مددهم في البلاد انتشار الصباح ونظر أهل الشغف بالعلم من كتبه ما ينظر في الوجوه الصباح، وهو الآن نفع الله به أنموذج اللآلئ الذاهبين، وكنز الطالبين كل الطلبة من عشه درجوا، ومن نبت دراسته خرجوا، وبشذاه أرجوا، وبسناه سقوا عطاء الافهام وفرجوا، وشهاب توفيقه أدلجوا، ومن أثواب تضعفه إلى العلم ولجوا، وأنا ممن قرأ عليه وتشرفت لما مثلت لديه. وأما تصانيفه فسارت أوقار الإبل، وأما تفريقه للأدب فشيء عليه جبل. إن شعر أخفى ابن خفاجة، أو نثر كتم خصاله ابن أبي الخصال وأطفأ سراجه، فإذا نحا من سببه سيبويه. وإذا تكلم في اللغة محا ابن سيده ما أحكم في المحكم، وضرب عليه، وإذا روى عن الأعراب فإليه تقريب ابن قريب، وأبو عبيدة عبده الواقف بين يديه، وإن فسر رأيت ابن عطية منقصًا، والقرطبي لا يجد مثل بلده المأسورة مخلصًا، أو التبريزي قد عدل إلى بعض الدواوين منكصًا، وابن القيم واقفًا على بابه في يده العصا، مع رواية في حديث النبي ﷺ وفقه كأنما طبع منه في مرآة جيله، ودين يعتصم به المرء، وعدم محاباة إن لاقت به فلا غرور مع ما بلغه هذا السن والعمر الذي تهدأ به البديهة، وتسكن لا تحمد له قريحة، ولا تطمئن به فكرة مريحة، ولا يغرب عن ذاكريه قضية، ولو كانت حقيرة أو قصية، هبة من الله لا تكافئ، ولا تجدها في غيره، ولو عددت آلافًا. قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث بجزيرة الأندلس، وبلاد إفريقية، وثغر الإسكندرية، وديار مصر، والحجاز، وحصل على الإجازات من الشام والعراق، واجتهد وطلب. وحصل وكتب، وله اليد الطولى في علوم التفسير، والحديث، والشروط، والفروع، وتراجم الناس، وطبقاتهم، وحوادثهم، وله التصانيف العديدة وتنيف على خمسين مصنفًا. ولما قدم البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن النحاس كثيرًا، وأخذ عنه كتب الأدب. وقرأت عليه الأشعار الستة، و «الفصيح» لثعلب، و «المقصورة» لابن دريد، وشعر أبي تمام إلى آخر المديح، وكتبت عنه من أخبار العرب وأدباء الأندلس، وفوائد

стр. 2264

الأئمة شيئًا كثيرًا، وكانت المراجعات لا تكاد تقطع بيني وبينه. كتبت إليه: نقبل البساط المنيف، بل البساط الشريف لا زال فوق الشها، وفي الغاية التي تبلغ إلى منتهى. ويسأل في شيء مما سمح به فكره. وقذفه في البحر [من] دره من النثر الذي لا يقدر عليه في النظم المحصور بالقوافي المقدور بالميزان، ولا يمكن الترجيح في وزنه ليثبته في مكانه، وينبته روحًا مثمرًا في بستانه، والمسؤول منه ما هو من الدر أغلى قيمة، وأخف حملًا مع التعجيل ببرقه المومض، وودقه الذي لساعته يروض، فإن الدفتر قد فرح صدره، ولكنه في سعافه، والناسخ قد فتح فاه لالتقافه، والقلم قد سابق البيان لاختطافه، والسمع قد علق مقطفه لاقتطافه، والمراد الإسراع قبل غلبة السكر بما يمنى من سلافه. فكتب إلي: يقبل الباسط، ويقول: شغل الحل أهله أن يعارا، وينشد: [من الطويل] وبلغتُ مِنْ عُمْري ثمانينَ حِجَّةً … وسَبعًا أرى الأشياخ ليست كما هيا وفي عيني اليُسرى وفي شَقِّ هامتي … وقلبيَ فِكر يترك الفكر نائيا ولا نظم إلا بانتظام منيتي … ولا نثر إلا بانتثار عظاميا أيها الإمام أكفف عن غَرْبك فما نحن من ضربك، من باراك بالنظم حتى يعتلق بالنجم، من جاراك بالنثر حتى يأتي بالمعجز الدثر، لقد حليت جيد الزمان بأبهى درره، وجعلته يرفل في أسنى حبره، فأنت أشعر هذا الجنس، بل أنت أشعر الجن والأنس، إن أجزت أعجزت أو أسهبت دهيت، أو مدحت أعليت، أو قدحت أوريت. وكتب من نثره قوله: وقد استوحش المملوك لمولانا عند التفرج في مصر ونيلها، وحادرها وجبلها، وبهجتها وخيرها، والصور المتولدة بين الترك وغيرها، التي تحول السحر في عيونها والصبا في فتونها، ذوي الذوائب المضفرة، والمحاسن الموفرة، إن سدلوا الشعور، فبدور تحت الدياجي، أو ضفروها، فأراقم سواجي من كل أملد أهيف القوام، كأن ريقه مدام وشعره ظلام، ووجهه بدر تمام، إن نطق فالسحر في كلامه، أو رشق فالموت في سهامه. وقوله: ورد على القلب ما شرفه، وعلى السمع ما شنفه من الأدب الغض، والفضل

стр. 2265

الخالص المخلص (١): [من البسيط] نَظْمٌ تَوَدُّ الغواني لو يكون لها … عقدًا على النحر، أو تاجًا على الرأس فاق تَأَرُّجُهُ الزهر، وراق تَبَلُّجُهُ الأنجم الزُّهر، وكيف لا ونور أهل الأدب من نور الشمس يستمد، لكن صادف مني ذهنًا كليلًا، وجسمًا عليلًا، وقلبًا جريحًا، وطرفًا قريحًا، وماء قريحة قد غاض، وهمًا بيته قد فاض، يتجلى في حَلَبِ كبدي، والمحبوب من ولدي، واغترافي من اللكن لفقد السكن، ومن الوَجَل بورد الخجل، وما حصر لساني أن يفوه في حق هذا الفاضل بما يجب، وأن ينتدب في الثناء عليه كما يبغي أن ينتدب فعيي فاضح، وعذري إليه واضح. وقوله: إن دفق فالبحر، وإن نطق فالسحر، ألقت إليه الآداب عِنانها، ونفق به بديعها وبيانها، وأطاعه عَصِيُّها، ودنا إليه قصيها، فمن فقره دُرُّه وتقسيم قسيم وترجيز وجيز، وقافية وافيه طرزت بأنواع البديع، ووشعت به أحسن التوشيع، فأصبحت آدابها في جيد الزمان قلائد، وفي سلك الأوان فرائد، تجنس فيها الجنس، وتنوع وتأصل منها وتفرع، تنزلت من الآداب منزلة الإنسان، والذهب الإبريز من العين، وقضت بالتمييز على ذوي التبريز، وبالاختيار على ذوي الاختبار، تطرب الأسماع للسامع، وتحسد العيون عليها المسامع، كالحميا شحت بماء غمامها، والثريا علقت في مصامها، فكان سامعها لالتذاذه في انحناء الفجر، أو وصل الحبيب بعد الهجر، يتوقل منها نوعًا نوعًا، ويتعجب منها بما جمع فأوعى، فتق منشؤها ما كان مرتقًا، وسبق إلى أعلى مرتفقًا، وأضحى بها الفرد الذي لا نظير له في الأجساد والأوحد الذي يرى فضله على الأنداد الأضداد. وقوله: وإني وإهدائي الصدف للدرر، والوَشَل للدُّرِ، كمهدي البرية إليهما، والنغبة للدماء، أما السيد عناه في قديم شرف ارتجاء الأكابر باتساق رباه، وفنيت المحابر في وصف محاسن محياه. تضمخ النادي بنشره، وأعلن المنادي بنشره، فهو الشرف المشيد، والمحتد الذي شرف به المشيد، ولكنها السيادة الى مدى ما تحلت به المآثر، وتحلب به من المفاخر، ويظهر به من الأدب الغض ما يقال فيه: كم ترك الأول للآخر، ولا يمكن أن يعصي الأمر بل يمتثل ما رسمت به الأوامر.

стр. 2266

وكان شيخنا أبو حيان ﵀ قد ذلل له صعاب اللغات فاقتادها بأعناقها، وجذبها أخذًا بدائرة نطاقها، وتعدى لغة العرب إلى العجم، فصنف عدة كتب تراجم اللغات المختلفة، والتزم فيها بالصحيح، وإن من تكلم فيها بلغة من تلك اللغات الشتى على ما ضبطه، كان خارجًا عن النقل المسموع في تلك اللغة عن صريح أهلها، وكان المتكلم به قد تكلم بخطأ أو لحن، إما منه، وإما مما طرأ على أهل تلك اللغة بمداخلة من ليس منهم، كما داخل العرب بمداخلة النبط وفارس والروم حتى كان ينكر على رجال من صليبة الترك، ورجال من صليبة الفرس في كلمات تقع على غير الصحيح في أصول لغاتهم، ورأيت رجالًا منهم ممن عرف معرفته يتحاكمون إليه فيما شجر بينهم في ذلك. ولقد أراني مما صنف في ذلك، فمنه «الإدراك في لغة الأتراك» ومنه «زهو الملك في نحو الترك» ومنه «منطق الخرس في لسان الفرس» ومنه «جلاء الغبش في لسان الحبش» ومنه «المخبور في لغة التحمور» وهي لغة قديمة كانت لأهل دمياط يتحدثون بها في قديم الزمان، فرأيت منها العجب، وعلمت به أنه قد حكم على ألسنة العجم والعرب. هذا ولم يكن ﵀ يعرف هذه الألسنة معرفة يجبل في ميدانها لسنة، وإنما كان قد أكثر التقصي عن كل لسان، والسؤال من أهل المعرفة عن مفردات كلمها أسماء وأفعالًا، وحروفًا، وتصريف الأفعال وترتيب الكلم ثم نزلها على قواعد اللغة العربية وأجراها عليها في مصطلح الترتيب بعد إتقان معرفة ما في تلك اللغة من صيغة الجمع والمثنى والمضاف إليه، وغير ذلك حتى ضبطه كل الضبط. وكان يراني أتهلل به بشرًا وسرورًا باعتلاقي بسببه، وما يسر لي من إدراك مثله، والاستضاءة بقبسه، وكان لي من شكره حظ علمه أهل عصري. وحسدني عليه أهل مصري، ومنها أنه لما أوقفني على هذه التأليفات الغرائب، وأراني من بحره العجائب أشار لتشريف قدري، وتعريف فكري أن أكتب عليها ما يبلغ به الجاهل مبلغها، ومقدار النعمة التي سوغها، ومرمى الهمة التي حطم بها أنوف هذه الصفات النوافر، وأبرز من ليل الأعجمة صباحها السافر، فقيدت في أسفارها ما سنح، وأعدت إليه ما منح، وأعدتها إليه إلا منطق الخرس، فإن بعض الأصدقاء آثر الوقوف عليه، فأوقفته عليه على أن يقضي منه أربه، ثم يوصله إليه، وعرضت لي عوارض حال فيها الجريض دون القريض، ونوائب يكفي في ذكرها التعريض، ثم تمادت المدة وطالت، ودالت دول الشواغل واستطالت، ومؤدى تلك الأمانة قد شغله عنها النسيان، وأغفله عنها عدم مرورها منه على الخاطر. وكان شيخنا ﵀ على سعة تبحره يظن من حزازاته حتى يقدر ظفر الإبهام، ويغزو بالمطالبة لها غزو الجيش اللهام، وداخله الظن أنني تعمدت

стр. 2267

تأخيرها لقصورها عن حسن أخواتها، أو لإدراجها بالمطاولة تحت ذيل قواتها. فكتب إلي: [من البسيط] منطق الخرس صبر ألا يراك … أبو حيان حتى يعود القارظ العنزي حصلت في كفّ شهم لا يُنالُ لهُ … غَورٌ كريم الثنا والأصل محترز إذا استعار كتابًا لا يعودُ لمن … أعارَهُ فِعْلَ أبي الضيم محتجز حب الفضائل قد ألهاهُ لا طَمَعُ … منه ولا يحل إلى نَدَاهُ عُزِي ومَنْ يقابل بالنبراس شمس ضحّى … كَمَنْ يقابل لُجَّ البحر بالنزز اضطر قلبي لتأليفي لتُبصرَهُ … عيني كما اضطر صدر اللبيب للعجز وقد تشوّقت للبكرِ التي نشأت … مِنْ فكري طفلة ليست من العجز فابعث بها يا أمام العصرِ سالمةً … وحَلّها بنفيس الدُّرِ لا الخَرَز كرتنا تفوق المسك نفحَتُهُ … إِنَّ الكِرامَ لما قدْ حُزْتَ لَمْ تَحْزِ يسري ثنائي في الآفاق منتهيًا … يجُوزُ حيث الدراري السَّبْعُ لَمْ تَجُزِ ما فاز ذو شرف بالمدح مِنْ أحدٍ … إذا بمدح أبي حيانَ لَمْ يَفُزِ ولم يمز جاهلًا مِنْ عالم أحدٌ … إذا يكون أبي حيان لم يُمَزِ وقد جريت مسيئًا بالجميل فلا … أكونُ ممَّنْ بسوء في الجميل جُزِي إني لأجزي لكثر الرسل مطلبًا … بنات فِكْري وغيري لا أراه جزي وإِنَّ مَنْ سامني سَوءَ الفعالِ كَمَنْ … يرش بالظلِّ صَخْرَ التربة الجزر أرض بها ينبت السرى الكريهُ فَمِنْ … يذقه ذاقَ وحى الجنة الصمز لكنما صنعتي حَوْكُ القريض فما … نسجي سوى بُردِ مَدحِ مُعْلَمِ الطُّرُزِ وقد تقدم لي في فضلكُمْ مِدَحٌ … قَصَائِدٌ بثناء عنه لم تجز ولما أتاني قاصده بهذه القصيدة، وقف يطلب الجواب وأبى أن ينصرف إلا به، وألح في الطلاب. هذا وعندي من بقايا تلك الهموم ما أصدأ مرآة الخاطر، وقشع سحاب الفكر الماطر، ولم يسعني إلا إجابة داعيه، واجالة رائد القريحة لمساعيه، فنفقت ما حضر عليه وكتبت به إليه وهو: [من البسيط] مديح مثلك للعلياء بالطّرُزِ … في بعضِهِ فُرصة تبدو لمنتَهزِ لو جاء سعدُكَ والصهباء دائرةٌ … ورُمْتَ تمييزه في الذوق لمْ يُمَزِ مكمل ليس تحتاج الصدور به … إلى تتمة ما ينساقُ في العَجُزِ في كلِّ بيت له معنى يهيم به … وربة البيت ذاتُ الخَصْرِ والعَجُزِ

стр. 2268

مَمْكُورةٌ طِفْلَةً غَيداءُ فاتِنَةٍ … تُسْقَى عَجوز طَلا لَيسَتْ مِنَ العُجُزِ في طَيْهَا كُلَّما يَغْنى الأَنامُ بهِ … كأَنَّ أَبياتِهَا كَنْزٌ لِمُكتَنِزِ بَديعُ نَظْمِ أَبو حَيَّانَ ناظِمُهُ … ولا قَصيديَ يَحْكِيْهِ وَلا رَجَزِي ولا تُبَادِرْ إِلى عَيْني مُعَاجَلَةً … وَأَعْرِفْ حَقيقَة عُذْري حَيثُ لَمْ أُجِزِ مَنْ ذا يُطاولُ آفاقَ السَّماءِ عُلًا … وَمَنْ يُقَابِلُ نَظْمَ الدُّرِّ بِالخَرَز واللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لا أَقُولُ سُدًى … قَولًا وَلا المَيْنُ في طَبْعي بِمُرْتَكِز وَإِنَّما العُذْر أُبْديهِ وتَعْلَمُهُ … وَأَسْمَعْ يَمينَ مَقالي أَحْسَن المِيْزِ بِأَنَّني عِنْد مَوْتِ الوالِدِ اجتَمَعَتْ … عَلَيَّ أَنْواعُ هَمٍّ دَغْدَغَتْ نَشْري حَتَّى رَحَلتُ ولا أَلْوي عَلَى أَحَدٍ … رَحيلُ مُحْتَفِل لِلبَيْنِ مُحْتَفِزِ وَعُدتُ وَالسُّقْم مُلْتاتٌ بهِ جَسَدي … وَمِثْلُهُ سُقْمُ قَلْب حَر كَالحَرَز وَلَيْتَني لَمْ أَعُدْ مِنْ سَفْرَة كُتِبَتْ … عَلَيَّ حَتَّى يَعُود القَارِطُ العَنَزِي وَرُبَّما قَدْ عَلِمْتَ الحَالَ أَجْمَعَهُ … وَكَيْفَ حَالُ فَتىً فِيما يُحِبُّ رُزِي وَجَاءَتِ الرُّسُلُ تَتْرى تَسْتَحِثُّ بِهَا … مُنَطِّقُ الخُرْس يَبْغي أَعْظَمَ النَّهَر وَلَمْ أَكُنْ شَهِدَ اللّهُ العَظيمُ بِمَنْ … يُضيِّعُهُ وَهوَ عِنْدي أَشْرَفُ الحَرَز لَكِنَّني كُنْتُ في شَيء يَضيْقُ بهِ … وُسْعُ الفَضاءِ وَحالي حال مُحْتَرِز فَلَمْ أَجِدْ لي وَقْتًا أَسْتَعِيْنُ بهِ … عَلَى تَطَلُّبهِ لَوْ كانَ في حُجُزِي وَعُدْتُ أَرْسَلْتُهُ مَعْ مَنْ وَثِقْتُ بِهِ … وَكَانَ ظَنِّي بهِ إِيْصَالُهُ فَخُزِي وَمَا أَضَاعَ عَلَى عِلْمي أَمانَتَهُ … مَاخَانَ قَطُّ وَلا هذا إِلَيْهِ عُزِي أَما يَكُونُ مِنَ النِّسْيانِ أَخَّرَهَا … وَأَنَّهُ بَعْدُ بِالعَذْرَاءِ لَمْ يَفْزِ [وَالآنَ أَرْسَلْتُ رُسُلي في تَطَلُّبِهِ … وَسَوْفَ يَأْتي بِهِ تَعْجيل مُنْتَجَز وَسَوْفَ أُوَسِّعُهُ عَتْبًا يُجَرِّعُهُ … صَابَ المُلامِ وَوِسْمَ الحَيَّةِ الصُّمَر] وَقُلْتُ إِنِّي لأَخْزِي في تَطَلُّبِهَا … بَنَاتُ فِكْري وَغَيْري لا أَرَاهُ خُزِي أَسْمَعْ وُقِيْتَ أَبا حَيَّانَ كُلَّ أَذَى … وَعِشْتَ شَرَّ العَطَايا غَيْرَ ذي نَزَز أَفِي كِريرِيْسَة إِنْ ضَاعَ ضائِعُهَا … يَغْدُو كَمَالُكَ فيها ظَاهِرُ العَوَز إِنْ فُقْتَ مَقالاتٍ وَجِدْتُ لَهَا … مِنْ مِثْلِها حُلَّةً مَجْبُولَة الدَّرَز تَقُولُ مَنْ سَامَني سُوءَ الفِعالِ … يَرُشُّ بِالظِّل صَخْرَ التُّرْبَةِ الجُرُز تَاللَّهِ قُلْ لي أَهذا مِنْكَ عَنْ حَنَقٍ … أَوْ لِلْفُكَاهَةِ أَوْ هذا مِنَ الطَّنَز لَوْ قال غَيْرُكَ هذا كُنْتَ تُنْكِرُهُ … وَلَوْ سَأَلْناكَ عَنْهُ قُلْتَ لَمْ يَجُز يا لَلأَفاضِلِ هَلْ مِثْلي بِلا سَبَبٍ … عَلَى كِريْريْسَةَ بَيْنَ الأَنامِ عُزِيَ

стр. 2269

ولو يكون سمين الضأن قدْ جُمِعَتْ … لهانَ لكنهُ غَلٌّ مِنَ المَعِزِ أستغفر الله هذا نزعةٌ عَرَضَتْ … كَبَا الجَوادُ بها مِنْ شِدَّةِ اللَّزَزِ وأنت سيدنا حقًا ووالدنا … وحزت بالسَّبْقِ تفضيلًا ولم تجز ومَنْ تَطِيْرُ مَعَ النَّسرَيْنِ أَرْجُلُهُ … فليس يدركه نص ولا خَرَزي فامنن بعفو جميل لا يُكَدِّرُهُ … فالعفُو في شِيَمِ الأشراف كالطرزِ فكر رسوله راجعًا في بكرة غده، وأتي إلى بورقة يحملها في يده، ثم ناولنيها، وقد برقعه الحياء بصفرة، وأطرق كأنه يردى في حفرة. وكان الشيخ قد علم ذلك الصبي هذه الحيلة. وأراد أن يكثر عندي هذه الطلابة القليلة، وفطنت للمراد، ووطئت من جمره على الرماد، وقرأت قصيدته غير مكترث، وقلت له: يعين الله على خلاصي من الذمة قول منبعث فقال: أنا في قيد الجواب لا أبرح حتى أستصحبه، وأرى معي أبيات إثباته مصحبة، فتتبعت أثره ورددت عليه [قوله]، وعدلت له فرحًا بمصاب، وخلطت له عسلًا بصاب، وعرفته قدر ضائعه وقيمة رائعه، وإن تُحفته ليست بسنية، وثمرات رطبة غير جنية، ثم ثبت له على الحق، وقطعت بإرسالها سببه من حيث رق، إلا أنني أخرت له أوراقًا من الكتاب المعار، والطلب الذي عقد لأجله النقع المثار، حبًا لمداعبته، وإيثارًا لدوام مطالبته وكان الذي كتب إليَّ (١): [من البسيط] ما آن للكرم الموعود إنجاز … يا مَنْ له الفضل والإحسان ينحاز أسهبت في النظم باللفظ البديع وبالـ … ـمعنى الغريب لنظم فيه إيجاز ما يُشبه البحر في أمواجِهِ ثَمَدٌ … ولا الصُّدُورَ تُساميهنَّ أعجاز فلو تَحَدَّثت بالآداب كان لها … من لفظك البارع المد كبت إعجاز إن كان أشبهك الأعلام في شرفٍ … فأنتَ بالهمَّة العلياء تمتاز سموتَ للعالم العلوي حيثُ نَرَى … للنيّرَاتِ بِهِ فَخر وإعزاز يمضي زمان ونور النيّرين معًا … يَخْفَى وللشهب في الآفاق إبراز لا تُلقين ما كانَ مَنْ عَرَضٍ … للجوهر الفرد فالأعراض أوفاز في لذة العلم ما يُغنى الأريبَ بِهِ … عَنْ رتبةٍ غيركم ما إن بها فازوا ما كان إلا انتقال مِنْ عَلِ لعَلٍ … فيهِ لمنصب فضل الله إحراز أنتَ الكبير وقدْ هَدَّيْتَهُ زَمَنًا … وليس بينكم في الفضل إفراز

стр. 2270

مَنْ ذا يُساميك في علم وفي أدب … ما الجاسمي ومَنْ ضَمَّتْهُ شيرازُ إِنَّ اليَرَاعَةَ قد خطتْ بَراعَتكم … في طِرْسِ نفس به للمُلْكِ إنشازُ لأنتُمُ زَهْرَةُ الدنيا وبهجتها … لها جَمال بكم ما فيه إعواز أثنى عليك ولا أبقيك ذا طلب … فمنطقُ الخُرس أربى للثَّرَى جازوا فلا تَجْزِني بوَعْدٍ منكَ يَمْطُلُني … خَلَّ الوعود فمثلي ليس ينحاز الحُجْتُ في هزّ عِطْفٍ للندى خَضِلٍ … إن المليح لعطف الجُودِ هَزَّاز وأما جوابها التي ملأته بها جوى وعكست عليه ما نوى، وأتيت به على ما تنفحت به بادرة القريحة، وبلغته ركائب الخاطر، وهي غير مستريحة، فهي هذه: [من البسيط] بديعُ شِعْرِكَ للأعطافِ هَزَّازُ … وفيه معنى لقلب المرء حَزازُ خلطت بالصاب فيه الأَرَى فاختلطا … حتى تعذر للتمييز إفراز يَلَةٌ فِي ذَوقِ راويه وسامعه … وكلما قال إكرام وإعزاز حُلْمُ اللَّمَى سُكَرِيُّ الريق معدِنُهُ … أرضُ الجزيرة لا مصر وأهواز من المنكب أو ما حَلَّ جانبه … ووادي آش وفي الحمراء ركاز من أرضِ جيَّان جيان الحرير … وذا بزّ الحرير وذا دبز بزاز ممكن في القوافي القفز يعرفُ مِنْ … صدوره ما حوته منه أعجاز كأنهنَّ النجومُ الغُرُّ واضحةً … وليس فيهنَّ إلغاء وألغاز بعثت لي يا أبا حيان زائدة … ومنه للروضة الغَنَّاء إحراز أبديت لي آيةً غرَّاءَ مُحْكَمَةٌ … للخَلقِ منها مع الإعجاب إعجاز رفعت قدري بأبياتٍ شَرُفْتُ بها … فيها مِنَ الفضل إيجاب وإنجاز حَرَنَ الكمال فلا شيء يُقال به … هذا يُنقص أو ذا فيه إعواز أصبحت بالحلم طودًا لا ارتقاء له … بل دونَهُ فَلَكُ الأطوادِ إنشاز وسُقَتَ بالعَفوِ ما ضاقَ المُسيءُ بِهِ … وحانَ مِنْ فعله المستور إبراز بعثت لي تتقاضى الوعد بل تتقاضى … قُصُوري وبالإغضاء تمتاز ولم أكن مُهملًا حتى تذكِّرُني … هل زادَ جَرْيَ جِيادِ الخيل مهماز وقلت إني لا أنفك ذا طلب مُنطِّقَ … الخُرس أو بي للثرى جازوا وما تأخَّرَ إلا أنَّ حاملَهُ … أمَدَّ أوقاته في البيت أوفاز أرسلتُ تلقاءَهُ رُسلي فما ظفروا … بهِ وجَدُّوا للقياه فما فازوا ولم أزل دائبًا حتى وقفت به … وكاد يمنعُهُ ظَن وإحراز

стр. 2271

مُنطقُ الخُرْسِ كنز لا نفاد له … وهل يجود بما في الكنز كَنَّازُ ولا أصرّح من هذا ببقيته … فما الكريم على الأخوانِ غَمَّازُ وما أتيتُكَ عُذْرًا لست تعلمُهُ … وفي البريَّةِ هَمَّاز ولمَّازُ مَنْ كانَ مثلك قد أبلى بهجرته … هذا الزمان فقل لي كيف ينحاز جاورت في الأفق للجوزاء حَوزَتها … وللكواكب في الآفاق أحواز لا بل ديارك في أعلى منازلها … وفي المنازل أطراف وأحواز بلغتَ مِنْ قَدْرِهِمْ فوقَ الذي بلَغُوا … وحُزتَ مِنْ فضلهم أضعاف ما حازوا [ما تَمَّ عزمُكَ فَوْقَ الشهب مرتبةً … إلا ومرَّ عليها وهوَ مُجتاز هل في الورى كأبي حيانَ مِنْ رَجُلٍ … لسائر الناس نقاد ومياز فدمْتَ حيًا أبا حيان ما بقيتُ … مِنَ النجوم على الظلماء أطراز يا واحد الدهر يا من لا شبيه لهُ … ومَنْ يَقُلْ غير هذا فهو نباز ماسيبويه وما الكِنْديُّ إِنِ … ذُكِرا ومَنْ بسيراف أو ضمته شيراز لو عاصرُوك زمانًا كنتَ تدفنهم … تحت الخمول فقد فاتوا وقد فازوا مفسر لكتاب الله يفهمُهُ … على الحقيقةِ فَهُمْ مِنْكَ مُمتاز] وعدتني بلقاء بِتُ أرْقَبُهُ … ولي مِنَ القولِ نَظَامٌ ورَجَّازُ مُوكَّل بطلوعِ النجمِ في نَظَرِ … كأَنَّما نظري للنجم جِلْوَاز فاسمح بزورتك الحسناء إنّ لها … مِنَ النواظر حسنًا حيث تجتاز يكحل الطَّرفَ مَرآها بنورِ هُدًى … يمتازُ مِنْ رُشْدِهِ الهادي ويمتاز ودم وعِش يمنح الآداب زاجرة … وأنتَ بحر وكل الناس أنزاز أبليتني بحروف الزاي أنظمُها … ثلاثةً تتجافي وهي تنحاز تقدمت لي في الشطرنج واحدةٌ … وذي وتلك وحرف الزاي مِعْواز ان كنتَ مُختبرًا فأعنتْ وقُلْ أبدًا … ما شئتَهُ لتراني لست أعتاز ومِنْ عَدِيٍّ بن كعب أُسرتي ولنا … ببطن مكة في البطحاء أركاز والآن أرسلت ما أرسلت تطلبُهُ … مُنطق الخُرس قول الحقِّ إن مازُوا نجزت وعدَكَ لمَّا قلت مبتدئًا … ما آنَ للكرم الموعود إنجاز فأخذ قاصده الجواب، ومعه منطق الخرس، خلا ما أخرته قصدًا للمطايبة، وحبًا لدوام المطالبة، ثم ذهب إليه هذا، وعمر اليوم قد تصرم، ولهب الأصل قد تضرم، والنهار يسائل لجينه على المغرب قد تكرم والطير قد أكثر الصياح كأنه بفراقه قد تبرم،

стр. 2272

وقطعت سواد تلك الليلة مفكرًا في الشيخ ونشاطه، وخفة روحه وانبساطه، ولا أظن أنه يزور صبيحة غد، ليتم ما يصنعه في الغضب، ولا يظهر أن راجزه الهائج نصب، فما كان إلا أن شق النور ثوب الظلماء، وبدل بياقوت الشفق لؤلؤ السماء ووقت الفجر ما ضاق، وجدول الصباح قد شرع يتموج نهره الدفاق، وإذا بالباب يطرق وحس حمار ينهق، فأمرت من حضر بفتح الباب للطارق، وزجر شيطان ذلك الحمار الناهق، وقلنا: ألا طارقًا يطرق بخير، وراكب حمار لا يخاف منه ضير، وإذا بالشيخ قد دخل، وسلم وسكت، وإلا كان تكلم، فلم أر ساعة أسر من حين مقدمه ولاحقًا كان وفيه أكثر من تقبيل قدمه. وما كان إلا أن حضر يطوي ما كان في أمس، وطلع علينا هو والشمس، وظللنا في يوم لا عيب فيه غير قصره، وسرور لا شيء فيه إلا فرط نداه في يد مهتصره، واستنشدني موشحات كنت نظمتها، وبلغته ولم يقف عليها ولا سوغته، فأبرزت له ما ظن أنه من الأندلس وزف من الغرب فاق العُرس. فقال فيها ما هو أهله من الجميل، وما عهدت من حبائه الجزيل، ثم أخذ يسألني عن الشخص الذي أشرت إليه في القصيدة فوفيت بما ضمنت من كتمانه، ويجيئه عن طريقه فظن أن الفاضل شمس الدين محمد بن الصايغ الزمردي هو ذلك الشخص، وكان لا يراه إلا بعين النقص، فلما اشتد هذا عنده وتصور ورجع بباطنه فيه إلى آرائه المنكرة، فبعث إليَّ بقصيدة يذكره فيها، ويذكر الإمام أبا عبد الله بن الصايغ الأموي ذكرى متوافيه، ولم يك للأول كنت ولا للثاني، وإنما أساء في ذلك الظن. وهذا جرته القافية. وهذه القصيدة هي التي بعثها، ولوافح شموسه التي نفثها (١): [من الطويل] أيا سيدًا حاز المعالي والمجدا … لَهِنَّكَ مولّى مُحسن أنجز الوعدا على أنه قد راح جزءٌ مِنَ أول … وجزءانِ فاختل الكتاب وما أجدى يذكرني ما قد بقي حُسْنَ ما مَضَى … فَيُنشئ لي غَمًا ويُنبتُ لي حِقْدا وفقدي لبعض منه فقدي لكلِّه … فياليت أني كنتُ أرزأهُ فَقْدَا فأبكيه ما [قد] شب نار بفارس … بطرفٍ زَكَا دمعًا وقلبٍ ذَكَا وقْدَا وأندبه ندب الهلوكِ وحيد [ها] … وقدْ نَظَمَتْ مِنْ دُرِّ أدمعها عِقْدا ومِنْ عرض الحسناء تُبدي غَضَارَةً … بلا خِطْبَةٍ مِنْ رَاغِبِ لا يَرَى نَقْدَا أراك أدررت عيناك حُسْنَ شبابها … فأزريتَ بالمهدى وما كان قد أهدى ولو سحت بخلًا لأغنى عَنِ أُمِّهِ … فلم ينتجزْ وَعْدًا ولم ينتهز رَدّا

стр. 2273

ولكننا شَطَتْ بنا غُربَةُ النوى … فاذكرني ما قدْ جَرَى السُّؤدد العِدًا ولا تعجبن مِنْ سيّد نجل سيِّدٍ … يُلاطفُ بالإحسانِ رِقًّا لهُ عَبْدًا ببابك أضحَى الناسُ يجمعُهم هوًى … ولم أرَ فيهِ مَنْ غَدًا للورى ضِدًّا كمشتركين أسمًا ووَصْفًا كلاهما … يُميزه وصف غدا لقبًا فَرْدًا أنافا على الصواغ في أذنيهما … فمن صاعد نجدًا ومِنْ هابط وهذا يُنفّقُ بالإيمانِ سلعة ما ادَّعَى … فيعرفُهُ عِلْمًا ويُنكرُهُ جَحْدَا كتابي ملكي لم أكن بائعًا له … ولا واهبًا بلْ مَنْحُ نظم له أدى أيسلبُهُ هذا الصّوَيّعُ عُنوَةً … واتركُهُ إني إذا لم أكن جَلْدَا فلا تحسبن أنِّي تَرُوكٌ طلابَهُ … ولو أنني في الرَّمْسِ أسكنُهُ لَحْدًا فان أحضر الديوانُ يُفْضِي إلى الرضا … ويقضي له بالسكن أتبعُهُ حَمْدا وإن لا يكن علمًا فإني أبتها … عقارب سُمِّ تَلْسَبُ العَظْمَ والجِلْدَا وها أنا إذ أرسلت سهوًا رسالة … تخبّطه مسًا وتربطه شدا يطوف به بحرًا وبَرًا إذا أتى … بذنب فقد ألقى بها هائمًا بردا تعلم فيه النحو مَنْ كَانَ مِنْ بَني … أبي مُرَّةٍ عبد الطلي بَدَنًا مردا فيغني بمردِ الجِنِّ عَنْ مَرْدِ إنسنا … ينادمُهُمْ فيما أعاد وما أبدى وما الشعر والآداب إلا فُكَاهَةٌ … ترى الجِدَ هَزْلًا أو تَرَى هَزْلَهُ جِدا ومَنْ لم يكن في طبعه أدب فما يَلَذَّ … بهِ أنْ سَمْعُهُ عنه قد سُدًا ومحكم ينقح الكلام هو الذي … تقلّب في أنواعه باذلًا جهدًا يقبل روض العلم أخْضَلَهُ النَّدَى … فيقطفُهُ زَهْرًا وينشَقُهُ نَدًا وينظمُ ما قد كان نشرًا ويُنشد الذي … كانَ نظّمًا سالكًا مُنتَهى قصدا فلا بمذال اللفظ سوقيّه ولا … بحُوشِيِّهِ قَدْ بات ينحتُهُ صَلْدًا ولكنَّهُ سَهْلُ المناحي لطيفُهُ … فَلَذَّ بهِ سَمْعًا ويرشفُهُ شَهْدًا ومن حاز آدابًا وعلمًا وسُؤدَدًا … يكن كابن فضل الله أسنى الورى حدًا على أنه لا مثل أحمد في الوَرى … أعزُّهُمُ نفسًا وأَشْرَفُهُمْ جَدًّا وأوقدهم ذهنًا وأنقدُهُمْ لُغَى … وأبعدُهُمْ صِيتًا وأقربهم وِرْدا يلوذ الندى والعلم والحِلمُ والتَّقَى … بِحِقْوَيهِ لا يلقى له أبدًا نِدا غني بأوصاف الكمال فلا يُرى … يريد بمدح لا فَخَارًا ولا مَجْدًا [ليرأس ويسعد مَنْ يُلازم بابه … فمِنْ بابِهِ نِلْنا الرياسة والسَّعْدا] فوقفت على هذا الجواب، ورأيت السكوت الصواب، إذ لا يمكنني

стр. 2274

الممالاة عليهما لا سيما وهما أبرياء، ولا الممالاة على الشيخ لما يقتضيه الحياء، وأضربت على القصيدة صفحًا، وأضرمت خاطري، فتأكل بناره لفحًا، وخفت أن يؤدي الفحص إلى معرفة الشخص، فيختل الوفاء بالضمان، ويخل ما عقد للزمان، وقلت للرسول الحامل بصحيفته ما لا يحضرني الآن نصه، ولا أعرف كيف كان عَنَقُهُ ونَصُّهُ، إلا أن معناه المباسطة، وباطنه لا للمغالظة، خشية على تلك الشياه السارحة من ذلك الذئب الغائب والرجل الغائب، استغفر الله بل الأسد الملتقم، والبحر الملتطم، والسهم الذي لا يرد إذا خرج من اليد، والسيف الذي إذا ضرب لا يرجع حتى يفجع، والأرقم الذي لم يقتل أسقم، وتماديت على ناصر ما أسقطت، وإظهار الفنانة بما التقطت، فلم ألبث أن عاد رسوله إليَّ مسرعًا وسلم عنه أما أداء الأمانة، أو قال متبرعًا، ثم أخرج إلي منه ورقة كاد فقرأتها فإذا هي (١): [من الطويل] أتاني من الأوراق ثنتان فليَجُدْ … بثالثة مِنْ كان جاد وأفضلا بها يكمل الجزء الذي كان ناقصًا … وكم ناقص كمَّلْتَهُ فَتَكَمَّلا وكم لشهاب الدين عنديَ مِنْ يَدٍ … بتقبيلها كادت يَدي أنْ تُقَبَّلا ومن يكن الفاروق جدًا له يكن … لذي العالم العلوي أشرف مَنْزِلا دعوه أمير المؤمنين لأنَّه … به أيد الإيمان واعتز واعتلى ففي نجله منه مشابه علمِهِ … وعزة نفس قد أبَتْ أَنْ تُذَلَّلا تَجَافَى عَنْ الدنيا وعَنْ زَهَرَاتِها … وأعرَضَ عَمَّا غيرُهُ مُتبتلا فلا ذكر إلا في عُلوم يَبُثُّها … ولا فِكر إلا في القُرانِ إذا تلا فأرسلت له الورقة المعوزة، وتقاضيت بتجهيزها مدائحه المنجزة، وأعدت إليه الرسول على الحافر بقصيدة تحكى صبحها السافر: [من الطويل] بقيت أبا حيان كنزًا مؤمَّلًا … ودُمَتْ لأهل الفَضْل كهفًا ومويلا فأنت إمام العصر غير مُنازَعٍ … ولا نازل إلا السماكين منزلا سحاب الندى بحر الجدا عَلَمُ الهُدى … خَصِيمُ الردى كَبْتُ العدا كوكب العُلا وأُقسم ما ضِمَّتْ شبيهًا لفضلِهِ … مجاري مدار الشُّهْبِ بَرًا مُفَضَّلا إمام تقي ما تَقَدَّمَ مثلُهُ … أتَى آخرًا عصرًا وقد بَدَّ أولا عقائلُ تُصْبينا ولمْ تَدْرِ ما بنا … لهانَ عليها أن تقول وتفعلا أما وهَواها لمْ أَقُلْ لصبابتي … أما وهَوَاها عِذْرَةً وتنصلا

стр. 2275

فعند رضا الأحباب جزو ديمةٍ … وعندَ العِتاب المؤخر منصلا تألق برقًا ثم أزيل مُزنةً … فَخَوَّفَ أحيانًا بها ثمَّ خَوَّلا أتاني قصيد منه ما السحر غيرها … فكم غادرت بلبالي مُبلبلا فوافتْ تُغاديني غديرًا وروضَةً … وباتتْ تُعاطيني شَمُولًا وشمالا بعثت أثير الدين بُرْدًا مُنَمْنَما … بعثت أثير الدين عقدًا مُفَصَّلا فيعذب فيها للمسامع مُجْتَنَى … ويحسنُ فيها للنواظر مُجْتَلى بلامية حسناء ما لام عارض … بأحسن منها في الخُدُودِ مُقَبَّلا ومن قبلها جاءت على الدال مثلها … وقدْ جُلِيَتْ مِثْلَ الأَهلَّةِ مُنْجَلَى فعاينت نور النيرين مُقابلًا … وعاينتُ نَوْءَ الغَيثِ والبحرِ مُقبلا بدال ولام بعدها قدْ تَوَافيا … وذلك مما دلَّ فِكْرٌ مُضَلَّلا دَلَلْتَ على ما ضاع إذ كانَ طَيِّبًا … لهُ مِنْ عواديه فداءً مُعَجلا بخط يودُّ الظَّبي لو كانَ لحظه … كَمِسْكِ على الكافور نَبَّهَ في الملا صحيفة تصنيف أحاط بعينه … بكلِّ لُغاتِ الفُرْسِ فِي الدَّولَةِ الأُلى منطقُ خُرْسِ لا يَفَوْهُ بلفظةٍ … مِنَ القولِ لولاه ولم يدرِ مِقْوَلا بألسن فُرس كان يُخفي حديثَهُمْ … فَعَرَّفَنا مِنْهُ طريقًا مُوَصَّلا وما هو إلا ترجمان لعلمِهِمْ … سنفتَحُ منهُ كُلَّ ما كانَ مُقْفَلا له الثمن الغالي على لُطفِ حَجْمِةٍ … كذلك حجم الدُّرِّ في القَدْرِ والغَلَا لبثنا على تلك الصحيفة مُدَّةً … نحاولُ منها للصفيحة صيقلا ونسأل عنها وهي ليست تُجِيبنا … كذلك ذاتُ الخَودِ أنْ تتبدلا [ظلِلنا زمانًا إذا ظللنا ولمْ نَجِدْ … سبيلًا للقياها ولا متأملا الى أن وجدناها وجُدْنا بِدُرِّها … وكانَ خليقًا أنْ يَضِنَّ ويبخُلا وقد كانَ ممَّا يصرف العينَ عَنْ … سنَى محاسنها ألا يتم ويكملا ولو كان كسرى أو قباذ كلاهما … يعيشان قاما نحوها ثُمَّ قَبَّلا] فعاد إليَّ رسوله بالجواب إلا أنه انتقل في الوزن والروي، وجاء بما أضاء به من قدح زنده الورى، وهو (١): [من البسيط] منطقُ الخُرس أنسٌ َقدْ َكمُلتَ فلا … تَرَى كمثلِكَ شِعْرًا قَدْ سَمَا وَعَلا لما اعتنى بك مولّى لا نظير لهُ … صِرْنا بعزّكَ فينا نضرب المثلا

стр. 2276

تَزَيَّنَ الفَلَكُ الأعلى بِزِينَةِ مَنْ … زَانَ الوجود وَزَانَ النُّيرين علا مَوْلَى بِذِكْرَاهُ أَفْوَاهُ الوَرَى أَرِجَتْ … مِسْكًا وذاقت بها مِنْ ذِكْرِهِ عَسَلا قد زَيَّنَ اللهُ بالتقوى سَرِيرَتُهُ … وحَسَّنَ القول مِنْهُ الله وَالعَمَلا رَشِيدُ فِعل شَدِيد في مُقَالَتِهِ … فَلا نَرَى خَطَأَ كَلا وَلا خَطَلا فالقَوْلُ آيات قرآن يُردِّدُها … بِالفِكْرِ والعَمَلِ الزاكي بِهِ اتَّصَلا ومَنْ يَكُنُ عُمَرُ الفاروقُ مُحْتِدُهُ … فَلا يَكُونُ بغير الله مُشتغلا أَلْهَاهُ عَنْ بَهْجَةِ الدنيا وزَهْرَتِها … عِلْمٌ ودِينٌ وزُهد أَبْطَلَ الأمَلا وصَبَّرَ نَفْسَ عَلَى تَقْوَى تُوَصِّلُهُ … لِجَنَّةِ الخُلْدِ إِذْ كانتْ لَهُ نُزُلا فلم ألبث أن كتبت إليه، وأعدت رسوله بالجواب عليه: [من البسيط] هذا الفريق جنوبي الحِمَى فَسَلا … إِنْ كانَ قَلْبِي مِنْ بَعْدِ الفِراقِ سَلَا وهل وقفت بربع دون كاظمة … أَبْكِي وأنْدُبُ مِنْ أَطلاله طلا ماذا علي لبرق بات يومض لي … لولا الثنايا لَمَا أَذهَبْتُهُ قُبَلا ما بتُ أُنكرُ مِنْ حال الثغور به … إِلا افتقادي به الصهباء والعَسَلا بل كيف أُنكِرُ راحًا بِتُّ أشربها … ممَّا جَلاه أبو حيان كأس طلا صَهْباءَ يزدادُ عَقْلُ الشاربين بها … ما بال عقلي بها قد راع أو عُقلا فَرُحْتُ أهتزُّ في بردي بها عَجَبًا … لا أَنَّنِي رُحْتُ منها شاربًا ثَمِلا إِنْ لم يكن مِنْ رُضاب الغيد ريقتُها … فإِنَّها قد أعارَتْ سحرها المُقَلا دُعْجٌ تَنَهَّضَ نحو الفَتْكِ ناظرها … لكن بدر على أجفانها الكسلا وافت تذكر شيئًا فاتَ مِنْ زَمَنٍ … ما غاله النقص إِلا أَنَّهُ كَمُلا أقسمت ما كان محتاجًا لتكملة … وكيف يحتاجُ طَرفُ الأكحَلِ الكُحلا مُعَرِّبٌ للسان الفرس ما نَطَقَتْ … إِلا به صادقٌ في كُلِّ ما نَقَلا منطق الخرس لولاه لما عَرَفُوا … سُبْلَ الكلام ولا اقتادوا له ذُلُلا هو الأثير ومنه أصل عنصُرِهِ … إما تراه بنارِ الكُفْرِ مُشتعلا لقد أتتني فيهِ كُلُّ غانيةٍ … قد حاكَتِ الرِّيمَ إِلا الصدْرَ والكَفَلا تروم بيتي لا بيتًا لجارتها … مثل السحابة لا رَيْئًا ولا عَجَلا خَوْدٌ عليها مِنَ اللامات سابغةٌ … فهل رأيتَ الرَّدَاحَ الخَوْدَ أو بطلا بلْ إِنَّهَا الخَود لكن حَشْوُ مُقلتِها … بِيْضٌ تُسَلُّ لَقَدْ يُشبهُ الأَسَلا فَمَرحَبًا مِنْ أثير الدين حيثُ أتت … فريدة أصبحت في حُسنِها مثلا عقيلةٌ مِنْ بناتِ الفِكْرِ ما بَرَزَتْ … إِلا ونُكِّسَ وجه البدرِ أَوْ خَجِلا

стр. 2277

عِقْدٌ مِنَ الدُّرِّ إلا أن ناظمَهُ … خَلَّى بِهِ الدُّرَّ مُلقى يشتكي العطلا ثَنَى لَبِيدًا بَلِيدًا والبَعِيثَ بِلا … بعث وألقى لرأي الأخطل الخطلا هل كالإمام أبي حيانَ قُدوتِنا … مَنْ يأخذُ الناسُ عَنهُ العِلمَ والعَمَلا وأين مثل أبي حيانَ مِنْ رَجُلٍ … لا يعدل الدهر في الدنيا بهِ رَجُلا يَمِّمْ حِماهُ ومَغْناهُ وصورتَهُ تلقَ … الهُدى والنَّدَى والبدر مُكتملا ليت الشرى غَضَبًا صَوبُ الحَيَا كرمًا … طودُ النُّهى شَرَفًا أفقُ السَّمَاءِ عَلا كأنه البحر لا بل بعضُ فكرَتِهِ … كأنه السيلُ لا بل ذاك أن سيلا لقدْ حَبَاني بتشريفِ أَجُرُّبهِ … على المَجَرَّةِ مِنْ أذياله حُلَلا في كُلِّ وقت تُؤاتي منهُ مَكرُمةٌ … يفوقُ أخرها في فضله الأولا ومن يكن بأبي حيان سلوتُهُ … أَنَّى يُبالي إذا ما فارق الدولا صدقت إني زاهدًا قاطع أملي … لولا بقاؤك لي لم أُبق لي أملا ومن نظم أبي حيان رحمه الله تعالى قوله (١): [من السريع] راض حبيبي عارض قد بدا … يا حُسْنَهُ مِنْ عارض رائض وظنَّ قوم أن قلبي سلا … والأصل لا يعتد بالعارض [وقوله (٢): [من الخفيف] سال في الخد للحبيبِ عِذارُ … وهوَ لا شك سائل مرحوم وسألت التثامه فتجنّي … فأنا اليوم سائل محروم] وقوله (٣): [من الخفيف] سبق الدمع بالمسيلِ المَطايا … إذ نوى مَنْ أُحِبُّ عَنِّي نقله وأجاد السطور في صفحة الخـ … دولمْ لا يُجيدُ وهو ابنُ مُقْلَهُ وقوله (٤): [من الخفيف] مَنْ نصيرُ المَشوقِ مِنْ لحظِ خَدٌ … كَلَمَ القلب كَلْمَةً ليسَ تَبْرَا تَبِعَ القلبُ شَخْصَهُ إِذْ تولَّى … وكذاكَ الكليم يتبع خضرا وقوله (٥): [من الطويل] عداتي لهمْ فَضْلٌ عَلَيَّ ومِنَّهُ … فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا

стр. 2278

هم بَحثوا عَنْ زَلَّتي فاجتَنَبتُها … وهُم نافَسوني فاكتَسَبتُ المَعاليا وقوله (١): [من الطويل] جُنِنتُ بها سوداءَ لونٍ وناظرٍ … ويا طالَما كانَ الجُنونُ بِسوداءِ لقدْ طَعَنَتْ والقلب ساءٍ فما دَرَى … أبالقِدِّ منها أم بِصَعدةٍ سمراءِ وقوله (٢): [من الخفيف] قد سباني من بني التُّرْكِ رَشًا … جَوهريُّ الثَّغر مسكيُّ النَّفَسْ ناظِري للوردِ منه غارس … ماله لا يجتني ممَّا غَرَسْ لست أخشى سيفَهُ أو رُمحَهُ … إنما أرهب لَحظًا قَدْ نَعِسْ لمس الكأسَ لكي يَشربها … فاعتراهُ هِزَةٌ مِمَّا لَمَسْ ثمَّ أدنى جَوهرًا مِنْ جَوهرٍ … وتَحَسَّى الكأسَ في فَرْدِ نَفَسْ وغدا يمسح بالمِنْديلِ ما … أبقت الخَمرة في ذاكَ اللَّعَسْ عَجَبًا منها ومنهُ قَهقهتْ … إِذْ حَساها وهو منها قَدْ عَبس وقوله (٣): [من البسيط] أرَحْتُ رُوحي من الإيناس بالناس … لمَّا غَنِيْتُ عَنِ الأكياس بالياس وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدًا … بناتُ فِكْرِي وكتبي هُنَّ جُلاسي وقوله في مثلم ثغر (٤): [من الطويل] ثناياك دُرٌّ والرُّضابُ الذي بها … رَحيقٌ وقد أضحى ختامًا على الخَمْرِ تَأَرَّجَ منها عَرْفُها فَغَدَتْ بها … نشاوى نفوس لا تَمَلُّ مِنَ السُّكْرِ وتاقوا إليها وهي تاقت إليهم … وللرَّاحِ في الأرواح سر كَمَا تَدري ورامت وصولًا للندامى فلم تجد … سبيلًا بفيض ما يَعُوق مِنَ الدُّرِّ فلا تحسبوا أن انكسار ثنيةٍ … تشينُ فكُلُّ الجَبْرِ في ذلكَ الكَسْرِ تأشَّرَ منها بعضُها وَلَعًا بها … وأحسنُ ما في الثغر أَنْ صار ذا أَشْرِ وصرنا متى نلثمه نرشِفْ رُضابَهُ … فتَجْري لنا الصهباءُ مِنْ لَحْمةِ الثَّغْرِ رُضابٌ بهِ يُشفي الأوامَ أخو الصّبا … فكالشَّهدِ في طعم وكالمسك في نَشْرِ حباني بهِ فَرْخٌ مِنَ التركِ لمْ يصل … مِنَ العُمْرِ إلا أربعًا فَوقَ مَا عَشْرِ

стр. 2279

يكون في نور قوافي نهايةٍ … مِنَ الحُسْنِ إذ أضحى كيوسُفَ في مِصْرِ أنسنا بقُرْبِ منهُ مِنْ بعد وحشةٍ … وأبدلنا الوصل المهنا بالهجر وأمتَعَنا مِنْ رِيقِهِ وجبينِهِ … بِأَشَهِي مِنَ الصَّهبا وأَبهَى مِنَ البَدرِ بجسمٍ حَكَى لونًا سبيكةَ فِضَّةٍ … وقَدْ أُشْرِبَتْ شيئًا يسيرًا من التَّبْرِ وعين له لحصافته ناظر … كأن بها هاروت ينفت بالسحر تناسبت الأعضاء منه فلا ترى … بهن اختلافًا بل أتين على قَدْرِ أُسرّح عيني في الملاح فلا أرى … شبهًا لهُ فَهُمْ وَلا جال في فِكْرِ تمازح روحانا هوًى وصَبابَةً … فبالجِسْمِ في شَفْع وبالروح في وَتْرِ وجاء لنا طَوْعَ المُرادِ فلا ترى … عَصِيًّا لنا في النهي والأمر نُقضّي به عيشًا مِنَ الدهرِ صالحًا … ونجني به الآمال دانية الثمر ومنه قوله (١): [من الطويل] هي الوجنة الحمراء والشفةُ اللَّميا … لقدْ تَرَكاني في الهوى ميتًا حيا هما ألبسا جسمي سقامًا وأورثا … فؤادِي غَرَامًا حمله الصب قد أعيا فمِنْ مُهجتي نارٌ ومِنْ مُقلتي حيًا … متى اشتعلت هَذي تَزَيَّدَ ذا جَرْيا وبي مَنْ إذا ناجيتُهُ ذُبْتُ هَيبةً … وجانبتُهُ جَهْرًا وهِمْتُ بِهِ خَفْيا مليح إذا ما لاحَ أَبْهَتَ مَنْ رَنَا … فأردَى الذي أنأى وأحيا الذي حَيَّا عليم بنيات النفوس وما حَوَتْ … كأَنَّ لَهُ مِنْ نحو أسرارها وحيا تجمعت الأضداد فيهِ مَحَاسِنًا … فَعَبستُهُ مَوتٌ وبَسْمتهُ مَحْيا وغُرَّتُهُ بدر وطرَّتُهُ دُجى … وأعطافُهُ ظَمْأَى واردافُهُ رَيَّا أغار اعتدالًا كُلَّ غُصْنٍ كمثلما … أغار السَّنَى والنَّاظِرُ الشمس والظبيا وأخجل نور البدر لمَّا تَقَابَلا … فَكُلْفَةٌ وَجْهِ البدرِ مِنْ فَرْطِ ما استحيا عَجِبتُ لخالٍ حَلَّ في وَسْطِ أنفِهِ … وعهدي به وسط الخُدُودِ يُرى وَشْيا ولكنما خَدَّاه فِيهِ تَغَايرا … هوًى فابتغى من وجهه أوسط الأشيا وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطل … فكيف إذا ما الخال كانَ لَهُ حَلْيا أيا باخلًا حتى بتقبيل كفّه … على مَنْ سَخَا حتى بحوباه في الدنيا أَلَمْ تَرَ أني طَوْعُ حُسنِكَ دائمًا … وقلبي لا يعصيك أمرًا ولا نهيا ومنه قوله (٢): [من الرمل]

стр. 2280

أَدمعي أجْرَى وقلبي قدْ مَلَكْ … قَمَرٌ قَدْ لاحَ مِنْ سُحْبِ الفَلَكْ بَدْرُ حُسْنِ حينَ يبدو للورى … كلُّ قلب وَدَّ لَوْ أضحى فَلَكْ صيغَ مِنْ نُورٍ فَلا يُعْلَمُ هَلْ … بَشَرًا أنشاه ربي أمْ مَلَكْ من بني التُركِ صغير لمْ يَدَعْ … لفؤادي جدًا ولا تَرَكْ ناسِمٌ عَنْ نفحة مسكيَّةٍ … باسمٌ عَنْ لؤلؤ قد احتبك فتنة تدعو القلوب للهوى … لورآه ناسك لمَّا نَسَك ضاع قلبي في هَوَاهُ فأنا … لستُ أدري أي شعب قد سَلَكْ يا غزال القَفْرِ عِدْني زَوْرَةً … تُحيى قلبًا في التصابي قَدْ هَلَكْ بين جسمي والضنى صلح كما … بين نومي وجُفوني معترك فغرامي في الهوى قد انتهى … وسَقَامي مذعرا قد انتهك نَصَبَ المَعشوق عينيه لنا … شَرَكًا والقلب أضحى في الشرك ومنه قوله (١): [من الطويل] هوَ الحُسنُ حُسنُ التركِ يسبي الوَرَى لُطفًا … ويعطفُ سالي القَلْبِ نحو الهوى عطفا يُدِرنَ مِنَ اللَّحظِ السَّوَاجِي مُدامةً … فلله ما أحلى ولله ما أصفى ويَنْصِبْنَ مِنْ هُدبِ المآقي حَبَائِلًا … فكم أنفُس أسرى لذي المُقلةِ الوَطْفَا وبي قمر منهم تبدى فأصبحت … منازلُهُ مِنْ جسمي القلب والطَّرْفا حَكَى الشمسَ وَجْهًا والغَزَالَ التفاتَةً … وغُصْنَ النَّقَا عِطْفًا وَدِعْصَ اللوى رِدْفا أبدر بني خاقان رِفقًا بعاشقٍ … بَرَاهِ الهَوَى حتى لقد كادَ أَنْ يَخْفَى وقد عُدتني يومًا فعُدْني بمثلِهِ … لعَلِّي مِنَ الأوصابِ إِنْ زُرَتَني أَشفى تداوى أُناس بالبعادِ فما شُفُوا … ولا شيءَ أَبْرَا مِنْ وِصال ولا أشفى وما أنس لا أنسى زيارة مالكي … أُلاحظ منه البدر والغُصْنَ والخِشْفا هَصَرْتُ بذَيَّاكَ القَوَامِ أراكةً … وأفنيتُ تلك الراحَ مِنْ رِيقِهِ رَشْفا أيا ذَهَبِيَّ اللون رُوحِيَ ذاهب … فرفقًا بهيمان على الموتِ قَدْ أشفى ومنه قوله (٢): [من الكامل] شرف الحرير بأن غَدًا لك مَلْبَسًَا … لِمْ لا وجسمُكَ مِنهُ أَلْيَنُ مَلْمَسا يا شادنًا ما أزداد مني وحشةً … إلا وزادَ القلب فيهِ تَأنَا
следующие страницы →