← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

تَزَيَّنَ الفَلَكُ الأعلى بِزِينَةِ مَنْ … زَانَ الوجود وَزَانَ النُّيرين علا مَوْلَى بِذِكْرَاهُ أَفْوَاهُ الوَرَى أَرِجَتْ … مِسْكًا وذاقت بها مِنْ ذِكْرِهِ عَسَلا قد زَيَّنَ اللهُ بالتقوى سَرِيرَتُهُ … وحَسَّنَ القول مِنْهُ الله وَالعَمَلا رَشِيدُ فِعل شَدِيد في مُقَالَتِهِ … فَلا نَرَى خَطَأَ كَلا وَلا خَطَلا فالقَوْلُ آيات قرآن يُردِّدُها … بِالفِكْرِ والعَمَلِ الزاكي بِهِ اتَّصَلا ومَنْ يَكُنُ عُمَرُ الفاروقُ مُحْتِدُهُ … فَلا يَكُونُ بغير الله مُشتغلا أَلْهَاهُ عَنْ بَهْجَةِ الدنيا وزَهْرَتِها … عِلْمٌ ودِينٌ وزُهد أَبْطَلَ الأمَلا وصَبَّرَ نَفْسَ عَلَى تَقْوَى تُوَصِّلُهُ … لِجَنَّةِ الخُلْدِ إِذْ كانتْ لَهُ نُزُلا فلم ألبث أن كتبت إليه، وأعدت رسوله بالجواب عليه: [من البسيط] هذا الفريق جنوبي الحِمَى فَسَلا … إِنْ كانَ قَلْبِي مِنْ بَعْدِ الفِراقِ سَلَا وهل وقفت بربع دون كاظمة … أَبْكِي وأنْدُبُ مِنْ أَطلاله طلا ماذا علي لبرق بات يومض لي … لولا الثنايا لَمَا أَذهَبْتُهُ قُبَلا ما بتُ أُنكرُ مِنْ حال الثغور به … إِلا افتقادي به الصهباء والعَسَلا بل كيف أُنكِرُ راحًا بِتُّ أشربها … ممَّا جَلاه أبو حيان كأس طلا صَهْباءَ يزدادُ عَقْلُ الشاربين بها … ما بال عقلي بها قد راع أو عُقلا فَرُحْتُ أهتزُّ في بردي بها عَجَبًا … لا أَنَّنِي رُحْتُ منها شاربًا ثَمِلا إِنْ لم يكن مِنْ رُضاب الغيد ريقتُها … فإِنَّها قد أعارَتْ سحرها المُقَلا دُعْجٌ تَنَهَّضَ نحو الفَتْكِ ناظرها … لكن بدر على أجفانها الكسلا وافت تذكر شيئًا فاتَ مِنْ زَمَنٍ … ما غاله النقص إِلا أَنَّهُ كَمُلا أقسمت ما كان محتاجًا لتكملة … وكيف يحتاجُ طَرفُ الأكحَلِ الكُحلا مُعَرِّبٌ للسان الفرس ما نَطَقَتْ … إِلا به صادقٌ في كُلِّ ما نَقَلا منطق الخرس لولاه لما عَرَفُوا … سُبْلَ الكلام ولا اقتادوا له ذُلُلا هو الأثير ومنه أصل عنصُرِهِ … إما تراه بنارِ الكُفْرِ مُشتعلا لقد أتتني فيهِ كُلُّ غانيةٍ … قد حاكَتِ الرِّيمَ إِلا الصدْرَ والكَفَلا تروم بيتي لا بيتًا لجارتها … مثل السحابة لا رَيْئًا ولا عَجَلا خَوْدٌ عليها مِنَ اللامات سابغةٌ … فهل رأيتَ الرَّدَاحَ الخَوْدَ أو بطلا بلْ إِنَّهَا الخَود لكن حَشْوُ مُقلتِها … بِيْضٌ تُسَلُّ لَقَدْ يُشبهُ الأَسَلا فَمَرحَبًا مِنْ أثير الدين حيثُ أتت … فريدة أصبحت في حُسنِها مثلا عقيلةٌ مِنْ بناتِ الفِكْرِ ما بَرَزَتْ … إِلا ونُكِّسَ وجه البدرِ أَوْ خَجِلا

стр. 2277

عِقْدٌ مِنَ الدُّرِّ إلا أن ناظمَهُ … خَلَّى بِهِ الدُّرَّ مُلقى يشتكي العطلا ثَنَى لَبِيدًا بَلِيدًا والبَعِيثَ بِلا … بعث وألقى لرأي الأخطل الخطلا هل كالإمام أبي حيانَ قُدوتِنا … مَنْ يأخذُ الناسُ عَنهُ العِلمَ والعَمَلا وأين مثل أبي حيانَ مِنْ رَجُلٍ … لا يعدل الدهر في الدنيا بهِ رَجُلا يَمِّمْ حِماهُ ومَغْناهُ وصورتَهُ تلقَ … الهُدى والنَّدَى والبدر مُكتملا ليت الشرى غَضَبًا صَوبُ الحَيَا كرمًا … طودُ النُّهى شَرَفًا أفقُ السَّمَاءِ عَلا كأنه البحر لا بل بعضُ فكرَتِهِ … كأنه السيلُ لا بل ذاك أن سيلا لقدْ حَبَاني بتشريفِ أَجُرُّبهِ … على المَجَرَّةِ مِنْ أذياله حُلَلا في كُلِّ وقت تُؤاتي منهُ مَكرُمةٌ … يفوقُ أخرها في فضله الأولا ومن يكن بأبي حيان سلوتُهُ … أَنَّى يُبالي إذا ما فارق الدولا صدقت إني زاهدًا قاطع أملي … لولا بقاؤك لي لم أُبق لي أملا ومن نظم أبي حيان رحمه الله تعالى قوله (١): [من السريع] راض حبيبي عارض قد بدا … يا حُسْنَهُ مِنْ عارض رائض وظنَّ قوم أن قلبي سلا … والأصل لا يعتد بالعارض [وقوله (٢): [من الخفيف] سال في الخد للحبيبِ عِذارُ … وهوَ لا شك سائل مرحوم وسألت التثامه فتجنّي … فأنا اليوم سائل محروم] وقوله (٣): [من الخفيف] سبق الدمع بالمسيلِ المَطايا … إذ نوى مَنْ أُحِبُّ عَنِّي نقله وأجاد السطور في صفحة الخـ … دولمْ لا يُجيدُ وهو ابنُ مُقْلَهُ وقوله (٤): [من الخفيف] مَنْ نصيرُ المَشوقِ مِنْ لحظِ خَدٌ … كَلَمَ القلب كَلْمَةً ليسَ تَبْرَا تَبِعَ القلبُ شَخْصَهُ إِذْ تولَّى … وكذاكَ الكليم يتبع خضرا وقوله (٥): [من الطويل] عداتي لهمْ فَضْلٌ عَلَيَّ ومِنَّهُ … فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا

стр. 2278

هم بَحثوا عَنْ زَلَّتي فاجتَنَبتُها … وهُم نافَسوني فاكتَسَبتُ المَعاليا وقوله (١): [من الطويل] جُنِنتُ بها سوداءَ لونٍ وناظرٍ … ويا طالَما كانَ الجُنونُ بِسوداءِ لقدْ طَعَنَتْ والقلب ساءٍ فما دَرَى … أبالقِدِّ منها أم بِصَعدةٍ سمراءِ وقوله (٢): [من الخفيف] قد سباني من بني التُّرْكِ رَشًا … جَوهريُّ الثَّغر مسكيُّ النَّفَسْ ناظِري للوردِ منه غارس … ماله لا يجتني ممَّا غَرَسْ لست أخشى سيفَهُ أو رُمحَهُ … إنما أرهب لَحظًا قَدْ نَعِسْ لمس الكأسَ لكي يَشربها … فاعتراهُ هِزَةٌ مِمَّا لَمَسْ ثمَّ أدنى جَوهرًا مِنْ جَوهرٍ … وتَحَسَّى الكأسَ في فَرْدِ نَفَسْ وغدا يمسح بالمِنْديلِ ما … أبقت الخَمرة في ذاكَ اللَّعَسْ عَجَبًا منها ومنهُ قَهقهتْ … إِذْ حَساها وهو منها قَدْ عَبس وقوله (٣): [من البسيط] أرَحْتُ رُوحي من الإيناس بالناس … لمَّا غَنِيْتُ عَنِ الأكياس بالياس وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدًا … بناتُ فِكْرِي وكتبي هُنَّ جُلاسي وقوله في مثلم ثغر (٤): [من الطويل] ثناياك دُرٌّ والرُّضابُ الذي بها … رَحيقٌ وقد أضحى ختامًا على الخَمْرِ تَأَرَّجَ منها عَرْفُها فَغَدَتْ بها … نشاوى نفوس لا تَمَلُّ مِنَ السُّكْرِ وتاقوا إليها وهي تاقت إليهم … وللرَّاحِ في الأرواح سر كَمَا تَدري ورامت وصولًا للندامى فلم تجد … سبيلًا بفيض ما يَعُوق مِنَ الدُّرِّ فلا تحسبوا أن انكسار ثنيةٍ … تشينُ فكُلُّ الجَبْرِ في ذلكَ الكَسْرِ تأشَّرَ منها بعضُها وَلَعًا بها … وأحسنُ ما في الثغر أَنْ صار ذا أَشْرِ وصرنا متى نلثمه نرشِفْ رُضابَهُ … فتَجْري لنا الصهباءُ مِنْ لَحْمةِ الثَّغْرِ رُضابٌ بهِ يُشفي الأوامَ أخو الصّبا … فكالشَّهدِ في طعم وكالمسك في نَشْرِ حباني بهِ فَرْخٌ مِنَ التركِ لمْ يصل … مِنَ العُمْرِ إلا أربعًا فَوقَ مَا عَشْرِ

стр. 2279

يكون في نور قوافي نهايةٍ … مِنَ الحُسْنِ إذ أضحى كيوسُفَ في مِصْرِ أنسنا بقُرْبِ منهُ مِنْ بعد وحشةٍ … وأبدلنا الوصل المهنا بالهجر وأمتَعَنا مِنْ رِيقِهِ وجبينِهِ … بِأَشَهِي مِنَ الصَّهبا وأَبهَى مِنَ البَدرِ بجسمٍ حَكَى لونًا سبيكةَ فِضَّةٍ … وقَدْ أُشْرِبَتْ شيئًا يسيرًا من التَّبْرِ وعين له لحصافته ناظر … كأن بها هاروت ينفت بالسحر تناسبت الأعضاء منه فلا ترى … بهن اختلافًا بل أتين على قَدْرِ أُسرّح عيني في الملاح فلا أرى … شبهًا لهُ فَهُمْ وَلا جال في فِكْرِ تمازح روحانا هوًى وصَبابَةً … فبالجِسْمِ في شَفْع وبالروح في وَتْرِ وجاء لنا طَوْعَ المُرادِ فلا ترى … عَصِيًّا لنا في النهي والأمر نُقضّي به عيشًا مِنَ الدهرِ صالحًا … ونجني به الآمال دانية الثمر ومنه قوله (١): [من الطويل] هي الوجنة الحمراء والشفةُ اللَّميا … لقدْ تَرَكاني في الهوى ميتًا حيا هما ألبسا جسمي سقامًا وأورثا … فؤادِي غَرَامًا حمله الصب قد أعيا فمِنْ مُهجتي نارٌ ومِنْ مُقلتي حيًا … متى اشتعلت هَذي تَزَيَّدَ ذا جَرْيا وبي مَنْ إذا ناجيتُهُ ذُبْتُ هَيبةً … وجانبتُهُ جَهْرًا وهِمْتُ بِهِ خَفْيا مليح إذا ما لاحَ أَبْهَتَ مَنْ رَنَا … فأردَى الذي أنأى وأحيا الذي حَيَّا عليم بنيات النفوس وما حَوَتْ … كأَنَّ لَهُ مِنْ نحو أسرارها وحيا تجمعت الأضداد فيهِ مَحَاسِنًا … فَعَبستُهُ مَوتٌ وبَسْمتهُ مَحْيا وغُرَّتُهُ بدر وطرَّتُهُ دُجى … وأعطافُهُ ظَمْأَى واردافُهُ رَيَّا أغار اعتدالًا كُلَّ غُصْنٍ كمثلما … أغار السَّنَى والنَّاظِرُ الشمس والظبيا وأخجل نور البدر لمَّا تَقَابَلا … فَكُلْفَةٌ وَجْهِ البدرِ مِنْ فَرْطِ ما استحيا عَجِبتُ لخالٍ حَلَّ في وَسْطِ أنفِهِ … وعهدي به وسط الخُدُودِ يُرى وَشْيا ولكنما خَدَّاه فِيهِ تَغَايرا … هوًى فابتغى من وجهه أوسط الأشيا وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطل … فكيف إذا ما الخال كانَ لَهُ حَلْيا أيا باخلًا حتى بتقبيل كفّه … على مَنْ سَخَا حتى بحوباه في الدنيا أَلَمْ تَرَ أني طَوْعُ حُسنِكَ دائمًا … وقلبي لا يعصيك أمرًا ولا نهيا ومنه قوله (٢): [من الرمل]

стр. 2280

أَدمعي أجْرَى وقلبي قدْ مَلَكْ … قَمَرٌ قَدْ لاحَ مِنْ سُحْبِ الفَلَكْ بَدْرُ حُسْنِ حينَ يبدو للورى … كلُّ قلب وَدَّ لَوْ أضحى فَلَكْ صيغَ مِنْ نُورٍ فَلا يُعْلَمُ هَلْ … بَشَرًا أنشاه ربي أمْ مَلَكْ من بني التُركِ صغير لمْ يَدَعْ … لفؤادي جدًا ولا تَرَكْ ناسِمٌ عَنْ نفحة مسكيَّةٍ … باسمٌ عَنْ لؤلؤ قد احتبك فتنة تدعو القلوب للهوى … لورآه ناسك لمَّا نَسَك ضاع قلبي في هَوَاهُ فأنا … لستُ أدري أي شعب قد سَلَكْ يا غزال القَفْرِ عِدْني زَوْرَةً … تُحيى قلبًا في التصابي قَدْ هَلَكْ بين جسمي والضنى صلح كما … بين نومي وجُفوني معترك فغرامي في الهوى قد انتهى … وسَقَامي مذعرا قد انتهك نَصَبَ المَعشوق عينيه لنا … شَرَكًا والقلب أضحى في الشرك ومنه قوله (١): [من الطويل] هوَ الحُسنُ حُسنُ التركِ يسبي الوَرَى لُطفًا … ويعطفُ سالي القَلْبِ نحو الهوى عطفا يُدِرنَ مِنَ اللَّحظِ السَّوَاجِي مُدامةً … فلله ما أحلى ولله ما أصفى ويَنْصِبْنَ مِنْ هُدبِ المآقي حَبَائِلًا … فكم أنفُس أسرى لذي المُقلةِ الوَطْفَا وبي قمر منهم تبدى فأصبحت … منازلُهُ مِنْ جسمي القلب والطَّرْفا حَكَى الشمسَ وَجْهًا والغَزَالَ التفاتَةً … وغُصْنَ النَّقَا عِطْفًا وَدِعْصَ اللوى رِدْفا أبدر بني خاقان رِفقًا بعاشقٍ … بَرَاهِ الهَوَى حتى لقد كادَ أَنْ يَخْفَى وقد عُدتني يومًا فعُدْني بمثلِهِ … لعَلِّي مِنَ الأوصابِ إِنْ زُرَتَني أَشفى تداوى أُناس بالبعادِ فما شُفُوا … ولا شيءَ أَبْرَا مِنْ وِصال ولا أشفى وما أنس لا أنسى زيارة مالكي … أُلاحظ منه البدر والغُصْنَ والخِشْفا هَصَرْتُ بذَيَّاكَ القَوَامِ أراكةً … وأفنيتُ تلك الراحَ مِنْ رِيقِهِ رَشْفا أيا ذَهَبِيَّ اللون رُوحِيَ ذاهب … فرفقًا بهيمان على الموتِ قَدْ أشفى ومنه قوله (٢): [من الكامل] شرف الحرير بأن غَدًا لك مَلْبَسًَا … لِمْ لا وجسمُكَ مِنهُ أَلْيَنُ مَلْمَسا يا شادنًا ما أزداد مني وحشةً … إلا وزادَ القلب فيهِ تَأنَا

стр. 2281

طَلَسَتْ عقول الناسِ لمَّا أَنْ غَدَا … يمشي الهوينا في قَبَاءٍ أَطْلَسا متنسمٌ عَنْ نَفحَةٍ مِسْكِيةٍ … متبسِّمٌ عَنْ أشنب في العَسَا هو ثالث القمرين وهو أتمُّها … نورًا وأبعدها مدى أَنْ يُلْمَسا إنَّ التفاوت في العلوّ لَمُوضِحٌ … مَنْ كانَ أعلى في المنازل مَجْلِسا فالبدر في أولى السما والشمسُ في … الوُسْطَى ومَنْ أهواهُ حَلَّ الأطلسا ومنه قوله (١): [من الطويل] وما كنتُ أدري أنَّ مالِكَ مُهجتي … يُسَمَّى بمظلوم وظُلْمٌ جَفاؤُهُ إلى أن دعاني للصبا فأجبتُهُ … ومَنْ يكُ مظلومًا أجيب دعاؤه قال شيخنا أبو حيان: أنشدت هذين البيتين قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز قال: وكان يشعر شعرًا جيدًا، لكنه لا يتظاهر به، فأنشدني لنفسه بيتين حفظت منهما الأول وهو: [من مجزوء الرمل] أنتَ مظلوم بظلمي … لَسْتَ مظلومًا بِظُلمي ولم أستثبت الثاني. عدنا إلى ابن حيان، ومنه قوله (٢): [من مجزوء الرمل] أتُرَى يدري حبيبي … ما أقاسي من لهيب ا حبيبي ذاب قلبي … مِنْ غَرَامي ونحيبي أنت بدر أنت شمس … أنت معشوق القلوب يا هلالًا ياغزالًا … مالكًا قلبي الكئيب لك وجه قمَري … وقوامٌ كالقضيب وعيون راميات … لي بالسهم المُصِيب وخدود دامياتٌ … مثلُ تُفَاحَ خَضِيبِ وقم عذب صغير … منبت الدر العجيب فيهِ شَهْدٌ فِيهِ مِسْكٌ … لِمَذاق وليب يا غريب الحُسْنِ رِفْقًا … بمُعناك الغريب أنت في كل زمان … لست تخلُو مِنْ رَقيب فَمَتَى يرجو مُحِبٌ … اجتماعًا عَنْ قَريب ياحبيبي إِنْ يَدُم ذا … مُتُ شَوقًا للحَبيبِ

стр. 2282

ومنه قوله (١): [من الرمل] وَبِرُوحِي مَنْ إِذَا أَبْصَرْتُهُ … ذَهَبَتْ رُوحِي عَلَيْهِ حَسَرَاتُ شَادِنٌ سَكْرَانُ مِنْ دَلَّ الصَّبَا … مِنْهُ أَضْحَتْ مُهْجَتِي فِيهِ كُرَاتْ شَبَّهُوهُ بِالهِلَالِ فِي السَّنَى … أَيْنَ مِنْهُ خَفَرٌ فِي الوَجَنَاتُ مِنْ بَنِي الأَتْرَاكِ مَعْسُولِ اللَّمَا … قَمَرِيُّ الوَجْهِ نُورِي الصِّفَاتُ أَسْمَرُ قَدْ هَزَّنِي مِنْ قَدِّهِ … أَسْمَرُ يُزْرِي بِخَطِّيَّ القَنَاةُ قَوْسُهُ الحَاجِبُ وَالسَّهْمُ لَهُ … طَرْفُهُ وَالقَدُّ يَسْطُو بِالظُّبَاةُ قَدْ غَدَا مِنْ حُسْنِهِ فِي شِكَةٍ … يَهْزِمُ العُشَّاقَ مِنْهُ بِالتِفَات إِنْ دَنَوْا مِنْهُ فَسَيْفٌ يُنْتَضَى … أَوْ نَأَوْا عَنْهُ فَسَهْمٌ مِنْهُ آتْ أَوْ تَكُونُوا بَيْنَ قُرْبٍ وَنُوَّى … أَعْمَلُ الخَطْيَّ فِي ذِي النَّظَرَاتُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ (٢): [مِنَ الطَّوِيلِ] يَلْمَحُ فِي عُشَّاقِهِ فَأَشَاحَا … وَشَدَّ عَلَى الخَصْرِ النَّحِيلِ وَشَاحَا وَأَضْفَى عَلَى الجِسْمِ الصَّقِيلِ مُفَاضَةً … فَشَاهَدْتُ لَيْلِي قَدْ أَجَنَّ صَبَاحَا وَجَرَّ قَنَاةً كَالقَوَامِ لُدُونَةً … وَسَلَّ حُسَامًا كَاللِّحَاظِ جِرَاحَا وَأَوْتَرَ قَوْسًا كَالهِلَالِ انْحِنَاؤُهُ … وَفَوقَ سَهْمًا كَالقَضَاءِ مُبَاحَا رَأَى مِنْهُ أَوْصَافًا فَضَمَّ شَبِيهَهَا … إِلَيْهِنَّ فَازْدَادَ المليحُ سَلَاحَا وَقَدْ كَانَ يُغْنِيهِ عَنِ الدِّرْعِ دِرْعُهُ … وَعَنْ رُمْحِهِ قَدْ يَفُوقُ رِمَاحَا وَعَنْ قَوْسِهِ وَالسَّهْمِ قَوْسٌ وَحَاجِبٌ … وَعَنْ سِيفِهِ لَحْظٌ يَفُلُّ صِفَاحَا مُجَذَّبُ عَيْنٍ جَاذِبٌ بِفُتُورِهَا … إِلَيْهِ قُلُوبًا بالحياة شِحَاحَا تُقَيِّدُ مَنْ يَرْنُو إِلَيْهَا بِحُسْنِهَا … فَمُدْنَفُهَا مَا يَسْتَطِيعُ سَرَاحَا وَمَا ضَاقَ مِنْهُ العَيْنُ إِلاَّ لِبُخْلِهِ … بِوَصْلِي وَإِنْفَاقُ الأَنَامِ سَمَاحَا أَرَى رُشْدًا فِيهِ الغِوَايَةُ مِثْلَمَا … فَسَادِي أَرَاهُ فِي هَوَاءَ صَلَاحَا وَقَدْ حَدَّ حُبِّي فِي هَوَاهُ نِهَايَةً … وَكَانَ ابْتِدَاءُ الحُبِّ فِيهِ مَرَاحَا وَمَا الحُبُّ إِلاَّ نَظْرَةً إِثْرَ نَظْرَةٍ … تَزِيدُ نُمُوًّا إِنْ تَزِدْهُ لِحَاحَا ومنه قوله في طيب (٣): [من الكامل] كَتَمَ اللِّسَانُ وَمَدْمَعِي قَدْ بَاحَا … وَثَوَى الأَسَى عِنْدِي وَأُنْسِي رَاحَا إِنِّي لَصَبٌ طَيَّ مَا نَشَرَ الهَوَى … نَشْرًا وَمَا زَالَ الهَوَى فَضَّاحَا وَبِمُهْجَتِي مَنْ لَا أُصَرِّحُ بِاسْمِهِ … وَمِنَ الإِشَارَةِ مَا يَكُونُ صَرَاحَا رِيمٌ أَرُومُ جَفُوَّهُ وَجُمُوحَهُ … وَيَرُوعُ عَنِّي جَفْوَةً وَجِمَاحَا

стр. 2283

أبدى لنا مِنَ شَعْرِهِ وجبينِهِ … ضدّينِ ذا ليلًا وذاك صباحا عَجَبًا لنا نأسو الجُسُوم بطبّهِ … ولكم بأرواح أثار جراحا نادمته في ليلة لا ثالث … إلا أخُوهُ البدر غار فلاحا يا حُسْنَها مِنْ ليلةٍ لَو أَنَّها … دامتْ ومَدَّتْ للوصال جناحا وقوله (١): [من المتقارب] غُزَيِّلَةٌ تَرْتَعِي في الحَشَا … سُحَرًا [وَ] تُزْرِي بسمر الرماح حَمَى البَطْنَ عَنْ بُرْدِها نَهْدُها … كما قَدْ حَمَى المَتْنَ رِدْفَ رَدَاحٌ شَكَا غِلَظ الساقِ خلخالُها … كَمَا رَقَّةَ الخَصْرِ يشكو الوشاح فلو خط هذا بموضع ذا … لقد كان هذا وذاك استراح لها أَعْيُنُ هُنَّ عَنّينَي … سُودٌ تُخِيفُ أسود الكفاح فَلا تَغْتَرِرْ بسَقام بها … فكمْ كسرتْ مِنْ قلوب صحاح ولا تعتقدها سوى أسهُم … أَلَمْ تَرَ ما أَثْرَتْ مِنْ جِراح وقوله في غلام اسمه عثمان ومعه عبد له أسود (٢): [من الطويل] وريم حَكَى بدر الدُّجَى في جَمَالِهِ … وغُصْنَ النقا في القدّ والظَّبْيَ فِي اللَّمْحِ شَكَا وهجًا مِنْ طُولِ صوم وحَرِّهِ … فخفَّفَ عنه بعض ذلك بالسبح تجرَّدَ عَنْ جسم سَبيكةِ فِضَّةٍ … فيا حُسْنَ ما انشقَّ الظَّلامُ عَنِ الصُّبْحِ وقارنه في العَوْمِ زنجيُّ جِلْده … فلاحا لنا ضدين بالحُسْنِ والقُبْحَ وقالوا غُروب الشمس في البحر آيةٌ … ونحن رأينا ذاكَ فِي الحُلْوِلَا المَلح وكم مر لي وقت تمنَّيتُ وصْلَهُ … وذو الصبر للأيام يظفر بالنُّجح فَسُحقًا لأيام تقضَّتْ بَخِيلَةٍ … وسُقيًا ليوم صالح بالمُني سَمْحَ رأيت الذي أهواه فيهِ مُجالسي … تعاطى كؤوس الأنس بالجِدِّ والمَرْحَ ويبسمُ عَنْ سِلْكٍ مِنَ الدُّرِّ أَشنَبٍ … ويبسم عَنْ مِسْكِ ذَكي على النَّفْحَ همو أشبهوا بالشمس نور جبينه … وبينهما فَرْقٌ سليمٌ مِنَ القَدْح تغيب ونور الشمس لا شك واحد … وعثمان ذو النورين يُمسي كما يُضْحِيَ وما انس لا أنسى انفرادي بوصلِهِ … عَشِيَّةَ ما أشكو أقاسي مِنَ البَرْح فنام قرير العين ملء جفونِهِ … وجَفْني ذو قَرْحٍ ودمعي ذو شُح ومنه (٣): [من الكامل] ذو غُرَّةٍ نُوريَّةٍ ذو طُرَّةٍ … ظُلَمِيَّةٍ فيها ضَلَالُ مَنْ اهتدى شَرَكُ النواظر والخواطر طَرْفُهُ … فَلَكُمْ بِهِ طَيْرَ القلوب تصيدا ما إِنْ يَهُزُّ مُثَقَّفًا مِنْ قَدِّهِ … إلا وكانَ بِهِ فُؤادي مُقْصدًا

стр. 2284

ولمَّا يَسِلّ مُهنَّدًا مِنْ لحظهِ … إِلا غَدًا وسط الجوانح مغمدا لما يغنيك القريض مردّدا … إلا وأنساك الغَرِيضَ ومَعْبَدا غَنَّى فأطرب كل شيء لحنه … حتى الجماد عداهُ مِنْهُ ما عَدَا كمْ حَرَّكَتْ نَعَمٌ لَهُ مِنْ ساكن … ولَكُمْ بها نَغَمًا لدينا أوجدا كادت تطيرُ مِنَ السرورِ قلوبنا … لؤ لم يكن قلب لجسم قيدا شَرُفَتْ على أبصارنا أسماعنا … إذ قام فيها بالأغاني منشدا فلئنْ غَدًا في الحسن أوحدَ عَصْرِهِ … فلقدْ غَدًا في الحُزْنِ قلبي أوحدا يا نائمًا ملء الجفون دَعِ الجَفَا … وارحم مَلِيًّا مِنْ هواكَ مُسهَّدا وَلَقَدْ بَدَا [لي] منكَ ود ظاهر … ياليت شعري ما عَدَا عَمَّا بَدَا ومنه قوله (١): [من الكامل] نُورٌ بخدِّكَ أَمْ تَوَقُّدُ نارِ؟ … وَضَنِّى بِجَفْنِيكَ أَمْ خُمَارُ عُقَارِ وشذًا بريقك أم تأرجُ مِسْكَةٍ … وسَنّى بثغرِكَ أَمْ شِعاعُ دَرَاري جمعت مَعانِي الحُسْنِ فِيكَ فقد غدت … قيد القلوب وفتنة الأبصار مُتصاونُ خَفِرٌ إذا ناطقتَهُ … أغضى حياءً في سُكُونِ وقَارِ في وجهِهِ زَهَرَاتُ روضٍ تُجتلى … مِنْ نَرْجِس مَعْ وردةٍ وبَهارِ خاف اقتطاف الورد من وجناتِهِ … فأدارَ مِنْ أس سياج عذار وتسلقتْ نَمْلُ العِذارِ بِخَدِّهِ … لِيَرِدْنَ شَهْدَةَ رِيقِهِ المِعْطَارِ وبخده نارٌ حمتها ورْدُها … فَوَقَفْنَ بينَ الوِرْدِ والإصْدَارِ كم ذا أواري في هَوَاهُ مَحَبتي … ولقد وشَى بي فيهِ فَرْطُ أواري حَكَمَ الجَمَالُ عَلَيَّ أَنِّي عَبْدُهُ … وجمالُهُ مُسْتَعْبِدُ الأحرار ومنه قوله (٢): [من البسيط] عشقته عندما تمَّتْ مَحاسنُهُ … وقد تسيّج وردُ الخَدِّ بالزَّغَبِ حلو الحديث لطيف الروح طيبه … كأنما صِيغَ مِنْ دُرِّ وَمِنْ ذَهَبٍ مُطاوع لي فيما أرومُ مِنْ … غيرِ فحشاء نأتيها ولا ريب مُكمَّلُ الخَلْقِ مِنْ فَرْقٍ إِلى قَدَمٍ … مُبَرَّأَ الخَلْقِ مِنْ عُجْبٍ وَمِنْ غَضَبِ رَشَفْتُ منه رُضابًا لَعسًا … وذُقتُ مِنْ ريقه أحلى مِنَ الضَّرَبِ سكرتُ من ريقه المعسولِ إِنَّ بِهِ … لَخَمْرَةً هي تُزرِي بابنَةِ العِنَبِ جَذَبْتُ مِنْ قَدِّهِ غُصْنًا فَجَاذَبني … ما أثقل الغُصْنَ مِنْ أردافه الكُتب وقد عجبت لبدر فوقَ خُوطتِهِ … وقلَّما أن عهدنا البدر في القضب وكان في خده خالٌ ففارَقَهُ … لمَّا رأى جَمْرَةً ترميه باللَّهَبِ

стр. 2285

وَفَرَّ مُحتميًا بالأنف مُحتجِبًا … وأسوَدَّ مِنْ لفحة أدنته للعَطَبِ وخافَ مِنْ حُمْرَةٍ نَمْلُ العِذارِ وقد … رامَ التنزَّلَ مِنْ عُلْمٍ إِلى صَبَبِ فظل حيران رفقًا فوقَ عارضهِ … يظما إلى شَهْدِهِ مِنْ رِيقِهِ الشَّنِبِ ومنه قوله (١): [من الرمل] وبروحي شادِن مَسْكَنُهُ … مُقلَةٌ تهمي وقلبٌ يَجِفُ قمري الوجه نوُريُّ السَّنَي … لو رآه هام فيهِ يُوسُفُ غُصْنُ بانٍ تحتَهُ دِعْصٌ نَقًا … فوقَهُ شمس ولا تنكسف عينُهُ صاد ونون حاجِبٌ … صُدغه واو وقد ألف عجبًا للواوِ لا تعطفه … وهيَ وسْطَ خَدِّه تنعطف بانَ عُذري في عِذارٍ حَلَّ فِي … وَرْدِهِ في الخَدِّ ما يُقتطفُ فَتَرَاهُ أخضرًا في أحمر … أبيض تحميهِ سُودٌ وطُفُ إِنْ تَكُ الأضداد فِيهِ اتَّفَقَتْ … فعلينا في الهوى يختلف مَنْ نصيري مِنْ غَزَالٍ غَزِلٍ … عَنْ هواهُ الدهر لا أنصرف قد كتمتُ عنه حُبِّي زَمَنًا … وهوَ لا شكَ بِهِ يَعتَرِفُ كلما كلَّفْتُ قلبي عنكُمُ … صبرَهُ زادَ بقلبي الكَلَفُ ومنه قوله (٢): [من الطويل] إذا كان إحساني لكم تهدرونَهُ … على غيرِ شيء كنتُ أولى لكمْ هَدْرا إذا كان بدر الأفق يأبى بزوغَهُ … عليَّ منعتُ العين أن تنظر البدرا إذا كان خلي مظهرًا لي تكبرًا … عليَّ فإني أملأ الأرض لِي كِبْرا إذا كان ذو جاه ومال تزورُه … سنين فلم ينفعك فاخْطط لهُ قَبْرَا إذا كانَ مأمولًا تُرَبِّي بلوغَهُ … وفات فلا تُحدث له أبدًا ذِكْرا إذا كانَ سِرٌّ ضِقْتَ صَدْرًا بحفظه … فلا تُعْتِبَنْ مَنْ ضَاقَ يومًا بهِ صَدْرا إذا كان بعض المال يكفيك فاقتنع … تَصُونُ بِهِ وجهًا وتُحيي بِهِ حُرًا إذا كان عشر قد أَضرَّكَ فاصْطَبِرْ … لَهُ وَارتَقِبْ مِنْ بعدِهِ عاجلًا يُسْرا إذا كانَ فضل المرء وافاك باديًا … فأجزلُ له فضلًا وزِدْ فوقَهُ شُكرا إذا كان سعد لا تنالُ بكلِّ مَنْ … يُعاديكَ فاعمل صالحًا وادَّخِرْ أجْرًا إذا كانَ خُبْثُ في صديقك فاحترز … فإنَّ خفايا الخُبثِ تبغي لكَ الشَّرَّا إذا كانَ وُدُّ المرء فيكَ معللًا … بأمرٍ تقضى إن قضى لك الأمرا إذا كان سوء الظنِّ حَزْمًا فَعَوَّلَنْ … عليهِ فَحُسْنُ الظَّنِّ يُزجِي لكَ الضُّرَّا إذا كانَ هَفْرٌ مِنْ مُواليكَ فليكُنْ … لَهُ مِنْكَ عفو تلقَهُ صاحبًا بَرًا

стр. 2286

ومنه قوله (١): [من الوافر] جديدُ الحُسْنِ في خَلْقِ تَبَدُّا … فِحَارَ الطَّرْفُ وارتاعَ الفُؤادُ فقلتُ وقد مَضَى قلبي إليهِ … أَغدَ فقال ماضِ لا يُعادُ ومنه قوله (٢): [من الطويل] ولما تدانينا ودون كلامنا كلام … الرقاق البيض والنُّبْلُ السُّمْرِ بكيت وأبدى ثغرها لي تبسمًا … ولا عَجَبٌ أَنْ تَبَسمَ الزَّهْرُ للقطر ومنه قوله (٣): [من الطويل] على قدر حبي فيك وافاني الصَّبْرُ … فلستُ أبالي كان وصلك أم هَجْرُ وهل نظري إلا سلام ونظرة … وقد حصلا والذل يأنفه الحر سأسلوك حتى لا أراك بناظري … وأنساك حتى لا يمر بك الفِكْرُ ومنه قوله (٤): [من الطويل] وقالوا الذي تهواه أصبح قد بدا … بخديهِ شَعْرُ سالبٌ كلَّ ناظرِ وما الخد منه غير مرآة صيقَل … وما الشَّعْرُ فِيهِ غَيْرَ هُدْبِ النواظر ومنه قوله (٥): [من البسيط] وارحمتا لفؤادي كم أعنّفُهُ … فليس يردعه قول ولا عمل مرت عليهِ دُهورٌ لا يُصيخُ إلى … داعي الهَوَى وله نحو الصبا مَيَلُ ومنه قوله (٦): [من مخلع البسيط] بَعِيدُ وُد، قريب صَدٌ … كثيرُ عَتْبِ، قليلُ عُتْبَى كالشمس ظرفًا، كالمسكِ عَرْفًا … كالخِشْفِ طَرِّفًا، كالصَّخْرِ قَلْبا ومنه قوله (٧): [من البسيط] إني لأسمعُ مِنْ خُلد وحين أرى … حبي يُحدثني أصغي على صَمَمِ كيما تَلَذُّ بِتَكْرارِ الكلام معي … أُذني ويُلفظ منهُ الدَّرُّ في الكَلِمَ وحكى شيخنا أبو حيان قال: قدم علينا الشيخ المحدث أبو العلا محمود بن أبي بكر البخاري الفرضي القاهرة في طلب الحديث، وكان رجلًا حسنًا، طيب الأخلاق، لطيف المزاح، فكنا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال: هذا على شرط البخاري، فنظمت هذه الأبيات: [من الطويل] بدأ كهلال العيد وقت طلوعِهِ … وماس كغصن الخيزران المُنعم غزال رحيمُ الدَّل وافى مُواصلًا … مُوافقةً منه على رُغمِ لوم

стр. 2287

مليح غريب الحُسْنِ أصبحَ مُعْلَمًا … بحُمْرَةِ خَدَّ بالمحاسنِ مُعلم وقالوا على شرط البخاري قد أتى … فقلنا: على شرط البخاري ومسلم فقال مولانا: أنا البخاري، فمن مسلم؟ قلت له: أنت البخاري، وأنا مسلم. قال: وتشبه هذه الحكاية ما جرى بين الحافظ أبي عمر بن عبد البر النمري والحافظ أبي محمد علي بن أحمد اليزيدي كانا يتسايران في سكة الخطابين من إشبيلية، فاستقبلهما غلام وضيء الوجه، فقال أبو محمد: إن هذه الصورة لحسنة، فقال أبو عمر: لعل ما تحت الثياب ليس هناك، فأنشد أبو محمد ارتجالًا: [من الطويل] وذي عَذَلٍ [فيما] سَبَاني حُسْنُهُ … يُطيلُ مَلامي في الهوى ويقول أفي حُسْنِ وجهِ لاحَ لَمْ تَرَ غَيرَهُ … ولمْ تَدرِ كيفَ الجسم أنتَ قتيل فقلت له أسرفت في اللوم عاذلي … وعندي رد لو أردت طويل ألمْ تَرَ أَنِّي ظاهري وأنَّني … على ما بَدَا حتى يقوم دليل وحكى أبو حيان أيضًا قال: اجتمعت أنا والقاضي علاء الدين ابن بنت الأعز، والقاضي فخر الدين ابن درباس في متنزه، وإذا بغلام يعوم في النيل، ويتلطخ بالتراب ويسبح، فنظم كل منا في ذلك من غير أن يطلع على نظم الآخرين، وتقاربنا في المعنى، قلت (١): [من الكامل] ومُتَرَّبٍ قَدْ ظَنَّ أَنَّ جَمالَهُ … سيصُونُهُ مِنَّا بِتُرْبٍ أَعْفَرٍ فَغَدًا يُضمِّخُهُ فزادَ مَلاحَةً … إذ قدْ حَوَى ليلًا بصبح أنور وكأنما الجسم الصقيلُ وتُربُهُ … كافورةٌ لُطِخَتْ بمسك أذْفَرِ وقال القاضي علاء الدين: [من الكامل] ومُتَرَّب لولا التُّرَابُ بجسمِهِ … لمْ تُبصر الأبصار منه منظرا وكأنه بدر عليهِ سَحَابةُ … والتَّرْبُ لَيلٌ مِنْ سَنَاهُ أقمرا وقال القاضي فخر الدين: [من الكامل] ومُتَرَّبْ تُرِبَتْ يَدا مَنْ حازه … لقضيب تِبْرِ ضَمَّخُوهُ لعنبر وكأنَّ طُرَّتَهُ ونور جبينِهِ … ليل أطل على صَبَاحٍ أَنْوَر وتوفي ﵀. ورثاه جماعة من الفضلاء، فمنهم: الفاضل العلامة صلاح الدين أبو الصفاء الصفدي، رثاه بقوله: [من السريع] مات أثير الدين شيخُ الورى … فاستعر البارق واستعبرا ورقَّ مِنْ حُزْنٍ نسيم الصبا … واعتل في الأسحار لمَّا سَرَى وصادحات الأيكِ في نَوْحِها … رثته في السجع على حَرْفِ را يا عينُ جُودي بالدموع التي … تروي بها ما ضَمِّهُ مِنْ ثَرى

стр. 2288

واجري دمًا فالخَطْبُ في شأنِهِ … قد اقتضى أكثر مما جرى مات إمام كان في علمِهِ … يُرَى إمامًا والوَرَى مِنْ وَرَا أمسى مُنادى للبلا مفردًا … فضمَّهُ القبر على ما تَرَى يا أسفًا كانَ هُدًى ظاهرًا … عاد إلى تربتِهِ مُضمرا وكانَ جَمْعُ الفضل في عصرِهِ … صحَّ فلما أنْ قَضَى كُسرا وعُرِّف الفضلُ بِهِ بُرهَةٌ … والآن لما أن مضى نُكْرا وكان ممنوعًا مِنَ الصَّرف لا … يطرق من وافاهُ خَطْبٌ عَرَا لا افعل التفضيل ما بينَهُ … وبينَ مَنْ أعرفُهُ في الوَرَى لا بَدَل عَنْ نعتِهِ بالتَّقَى … ففعلُهُ كَانَ لَهُ مَصْدَرا لمْ يُدَّغَم في اللَّحْدِ إِلا وقَدْ … فَكَ مِنَ الصبر وثيق العرى كى له زيد وعمرو فَمِنْ … أمثلة النحو وممَّنْ قَرَا ما أَعْقَدَ التسهيل مِنْ بعدِهِ … فَكَمْ لَهُ مِنْ عُسْرَةٍ يَسَّرَا وجَسَّرَ الناس على خَوْضِهِ … إِذْ كَانَ في النحو قد استبحرا مِنْ بعدِهِ قد حال تمييزه … وحظَّهُ قَدْ رَجَعَ القَهْقَرَى شاركَ مَنْ قد ساد في فنّه … وكَمْ لَهُ فَن به استأثرا داب بني الآداب أن يغسلوا … بدمعِهِمْ فيه بقايا الكرى والنحو قدْ سَارَ الرَّدَى نحوه … والصرف للتصريف قَدْ غَيَّرا واللغة الفصحى غَدَتْ بعدَهُ … يُلْغَى الذي في ضبطها قُرِّرا تفسيره «البحر المحيط» الذي … يَهْدِي إلى واردِهِ الجَوْهَرا فوائدٌ مِنْ فضلِهِ جَمَّةٌ … عليهِ فيها نعقد الخِنْصِرا وكانَ ثَبْتًا نَقْلُهُ حُجَّةٌ … مثل ضياء الصبح إن أسفرا ورحلة في سُنّةِ المُصطفى … أصدقُ مِنْ يسمع إن خيرا له الأسانيد التي قدْ عَلَتْ … فاستقلت عنها سوامي الذرى ساوى بها الأحفاد أجدادَهُمْ … فاعجب لما فاتَهُ مَنْ طَرَا وشاعرًا في نظمِهِ مُفْلِقًا … كم حذّرَ اللفظ وكمْ حَبَّرا له معانٍ كُلَّما خطَّها … تسترُ ما يُرقم في تسترا أفديه من ماض لأمرِ الرَّدى … مستقبلًا من بره بالقرى ما بات في أبيض أكَفانِهِ … إلا وأضْحَى سُنْدُسًا أخضرا تُصافح الحور له راحةً … كم تعبت في كُلِّ ما سُطَّرَا إن مات فالذكر له خالد … يحيا بهِ مِنْ قبل أن يُنشرا جاد ثرى واراه غيثُ إذا … مَسَّاهُ بالسقيا له بكرا وخصَّهُ مِنْ رَبِّهِ رحمةٌ … تُوردُهُ في حَشْرِهِ الكوثرا وأحسنَ اللهُ العَزَا فيه للـ … مَولى فريد الدين بل للورى

стр. 2289

[مشاهير علماء النحو في مصر] وأما المصريون فمنهم: [٧٧] أبو جعفر النحاس، أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي المصري (١) فقير لا يلحق بتابع، وممسك ضمت في راحتيه الأصابع، لو أن الماء في كفه لجمد، أو الضياء في وصفه لخمد، وكان لو أراد لتوسع كثرى، أو تقلب في الثرى لأثرى، هذا وفهمه لا يفشل، وعلمه لا يستوشل، بفطنة أورى من الزناد وأروى من العهاد، تقدم في أول الرعيل، ويتوقد وقد نفط نفطويه، وخمدت نار الخليل. كان عالما بالقرآن والفقه، رحل إلى العراق، وأخذ عن الزجاج، وكان ينظر بابن الأنباري ونفطويه، وكان ربما وهبت له العمامة، فيقطعها ثلاث عمائم من شدة التقتير على نفسه، وصنف «إعراب القرآن»، و «كتاب المعاني»، و «كتاب اشتقاق أسماء الله الحسنى»، و «تفسير أبيات كتاب سيبويه». وكل من جاء من بعده استمد منه، وفسر عدة دواوين وأملاها، وله رواية كثيرة عن علي بن سليمان الأخفش. ولقي بالعراق أصحاب المبرد.

стр. 2290

وتوفي بمصر سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وقيل: سنة ثمان وثلاثين. فمنهم: [٧٨] طاهر بن أحمد (١) بن بابشاذ (٢)، أبو الحسين النحوي المصري العراقي المحتد رجل، ذكي الألمعية، زكي اللوذعية، سعيد النظر، شديد الرأي المحتظر، دنا من مجالس الخلفاء، ووسع لتقريبه مجال الاصطفاء، وكان من وزراء الخلفاء الجليس الذي لا ينافس في دنو محل، ولا يناقش في إبرام عقد ولا حل، حتى كان فرد النظراء وقبس الآراء، والمخصوص بحصب الحباب، وقرب المحل. قيل [إنّ] ابن الحباب هذا إلى ما وكل به من تهذيب الكتب، وتذيب تلك الأعلام الكثب، مع منى قديم، ومرمى قويم، ومال موروث وثراء، ومال منه فضل للفقراء. وكان جده جوهريًا، من بغداد قدم مصر تاجرًا فسكنها، وكان يتولى تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء بمصر في الدولة المصرية، وله رزق سني على ذلك، وعلى التصدر للإقراء بجامع عمرو بن العاص. ثم إنه في آخر عمره تزهد وانقطع في غرفة بالجامع واشتمل على العبادة، وهو شيخ محمد بن بركات السعيدي اللغوي المتولي بعده لوظيفته.

стр. 2291

وقيل: سبب تزهده أنه كان له قط يأنس به قد رباه أحسن تربيه، وكان طاهر الخلق، لا يخطف شيئًا ولا يؤذي، وأنه اختطف يومًا من بين يديه فرخ حمام شوي، فعجب له، ثم عاد به لحظةً، فخطف فرخًا آخر، فذهب فتتبعه إلى خرق في البيت، فدخله وقفز منه إلى سطح قريب، وقد وضع الفرخ بين يدي قط هناك، فتأمل الشيخ القط فإذا القط أعمى مفلوج، فحضره قلبه، واتعظ بذلك وتزهد، وضم أطرافه وباع ما حوله، فبقي كذلك مدة، ثم خرج ليلةً إلى سطح الجامع في بعض الطاقات إلى الجامع، فسقط وأصبح ميتًا شهيدًا، وذلك في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وقيل بعد ذلك. ومنهم: [٧٩] ابن بَرِّي، واسمه عبد الله بنَ بَرِّي بن عبد الجبار بن برِّي النحوي اللغوي المصري (١) دخل في خدمة الخلفاء على طريقة ابن بابشاذ، ورفعت به مصر رأسها على بغداد

стр. 2292

وكانت من بيت المقدس وتربته، ومن الأقصى بها غربته، على أن واديه المقدس كان أحب أوطانه إليه وأوطاره، ولو خشع شراك جبينه قبل نعليه. بلغ بعد فراق بيت المقدس غاية في اللسان العربي، ورحل عن الطور، فنودي من جانبه الغربي، إلا أنه ما خلا ممن تكلم ورماه بسهامه، وما تألم إلا أنه كان منغمسا في غمار الغفلة، وبعد الذهن الذي ما فيه قلة، ونعوذ بالله من دخل النساء ولعب السفلة بالرؤساء، أرادت تهذيب أخلاقه فغدرته من مخ جحش شويا كما حفظت قدرة للثرى كذا رفعت قربة للثريا. ولد بمصر سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وقرأ على مشايخ زمانه، وانفرد بهذا الشأن، وقصده الطلبة من الآفاق، وكان عالما بكتاب سيبويه وعلله، قيما باللغة وشواهدها، وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه، ويصلح ما فيه من خلل خفي، وهذه كانت وظيفة ابن با شاذ. وكان ينسب إلى الغفلة في غير العربية، وتحكى عنه حكايات، وتصدر غير واحد من أصحابه وبرع. وكان قليل التصنيف، له مقدمة سماها «اللباب وجواب المسائل العشر التي سأل عنها أبو تراب ملك النحاة» و «حاشيته على صحاح الجوهري» فإنها أفردت فجاءت مجلدات. قال ابن خلكان (١): ورأيت له «حواشي على درة الغواص في أوهام الخواص» للحريري، وله جزء لطيف في «أغاليط الفقهاء» وله «الرد على ابن الخشاب» في الكتاب الذي يبين فيه غلط الحريري في المقامات، وانتصر للحريري، وما أقصر فيما عمله. وتوفي بمصر في شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكان وسخ الثوب، زري الهيأة واللبسة. يحكي عنه المصريون عجائب منها أنه اشترى لحما وخبزا وبيضا وحطبا، وحمل الجميع في كميه وجاء إلى منزله، فوجد أهله قد ذهبوا لبعض شأنهم والباب مغلقا، فتقدم إلى كوة هناك تفضي إلى داره، فجعل يلقي منها الشيء بعد الشيء، ولم يفكر في تكسير البيض وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به. ومنها أنه اشترى عنبا، وجعله في كمه، وحادث بعض أصحابه، وجعل يعبث بالعنب حتى سال على رجليه. فقال لصاحبه: يجيء المطر؟ فقال: لا، فقال: فما هذا الذي يسقط على رجلي؟ قال: فأملته فإذا هو العنب، فأخبرته فخجل واستحي ومضى.

стр. 2293

ويحكون عنه من الحِذْق، وحسن الجواب عما يسأل عنه ما يعجب فسبحان الجامع بين الأضداد. ويحكى عنه أنه كان لا يتكلّف في كلامه، ولا يتقيد في الإعراب، بل يسترسل في حديثه كيف ما اتفق حتى قال يومًا لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه: اشتر لي هندبًا بعروقو، فقال له التلميذ: بعروقه، فعز عليه كلامه وقال له: لا تأخذه إلا بعروقو، وإن لم يكن بعروقوا لا تأخذه. وكانت له ألفاظ من هذا الجنس لا يكترث بما يقوله ولا يتوقف على إعراب. ومنهم: [٨٠] بهاء الدين، ابن النحاس، محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر، أبو عبد الله الحلبي (١) شيخ العربية بالديار المصرية، طالما نصب جفنه للسهر بالإغراء، ورفع خبر ليله بمبتدأ الليلة الغراء، برع بمصر ففاض فيض النيل في جنباتها، وقال مقيل النعيم في جناتها، وكان محسودًا على ما أتاه الله من فضله، وواتاه من حسن فعله، إلا أن حساده على كثرة عددهم، لم يجمعوا لديه إلا جمع القلة، ولا مت الصحيح إليه إلا بما يلزمه

стр. 2294

من حروف العلة، لعلو رتبة اخترق طباقها، وجارى النجوم وبذ سباقها فحلى النجاد، وخلى البجاد وأحاد، وغيره في أبي جاد. وولد في سلخ جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وستمائة بحلب، وسمع من ابن اللتي، وابن يعيش النحوي، وابن رواحه، وابن الخليل، ووالده، وقرأ القرآن على أبي عبد الله الفاسي، وأخذ العربية عن الجمال ابن عمرون، واستوطن مصر لما خربت حلب. وقرأ على الكمال الضرير وغيره. ثم جلس للإفادة، وتخرج به جماعة من الأئمة وفضلاء الأدب، وكان من الأذكياء، وله خبرة بالمنطق وإقليدس. وكان مشهورًا بالصدق، والعدالة، والدين مع إطراحه الكلفة، وصغر العمامة، ويمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية على رأسه. وكان حسن الأخلاق فيه ظرف النحاة، وكانت له مكانة بين الناس، وإذ انفرد بشهادة حكم فيها، واقتنى كتبًا كثيرة نفيسة، ولم يتزوج، وكانت له أوراد من العبادة، كثير التلاوة، كثير الذكر، يسعى في مصالح الناس. قال أبو الصفاء: حكى لي عنه القاضي عماد الدين إسماعيل بن القيسراني: أنه لم يأكل العنب. قال: لأنه كان يحبه، فأثر أن يكون نصيبه في الجنة. وقال: أخبرني الحافظ ابن سيد الناس اليعمري قال: زكي بعض الفقهاء تزكية عند بعض القضاة ما زكاها أحد قط؛ لأنه أمسك بيد المزكى، وقال للقاضي: يا مولانا، الناس ما يقولون ما يؤمن على الذهب والفضة إلا حمار. قال: نعم، قال: وهذا حمار. وانصرف فحكم القاضي له بعدالة ذلك المزكى. قال: وأخبرني غير واحد عنه أنه لم يزل عنده في بيته بين الطلبة، ومن أصحابه من يأكل عنده على مائدته، ولا يدخر شيئًا ولا يخبئه عنهم، ويدخل الداخل عليه، فيجد في بيته هنا أناس يلعبون بالشطرنج، وهنا أناس يطالعون، وكل واحد في شأنه لا ينكر أحد على أحد شيئًا. ولا يزال رضيًا حتى يكون وقت الاشتغال، فيتنكر، وكان ربما سئم فقام، وكمل إلقاء الدروس للطلبة بين القصرين، وهم يمشون. وكان لا يتكلم في حل النحو إلا بلغة العوام، لا يراعي الإعراب. قال شيخنا أبي حيان: كان بهاء الدين ابن النحاس، ومحيي الدين بن محمد بن عبد العزيز المازوني المقيم بالإسكندرية شيخي الديار المصرية. ولم ألق أحدًا أكثر سماعًا منه لكتب الأدب. وانفرد بسماع الصحاح للجوهري، وكان ينهى عن الخوض في العقائد، ويتردد إلى من ينتمي إلى الخير. ولي التفسير بالجامع الطولوني، وبالقبة المنصورية، والتصدر بالجامع الأقمر، وتصادير بمصر، ولم يصنف شيئًا إلا ما أملاه

стр. 2295

على سنان الدين الرومي شرحًا لكتاب «المقرب» إلى أول باب الوقف أو نحوه. وكنت أنا وإياه نمشي بين القصرين، فعبر علينا صبي يدعى بجمال، وكان مصارعًا. فقال ابن النحاس: لينظم كل منا في هذا المصارع، فنظم ابن النحاس: [من البسيط] مُصَارعُ تَصْرَعُ الأَسادَ سُمْرَتُهُ … تِيها فكُلَّ مليح دونَهُ هَمَجُ لما غَدَا راجحًا في الحسن قلت لهم … عَنْ حسنِهِ حدثوا عنه ولا حَرَج ونظم شيخنا أبو حيان (١): [من الطويل] سباني جمال من مليح مُصارع … عليه دلال للملاحة واضح لئنْ عَزَّ منهُ المِثْلُ فالكل دونَهُ … وإنْ خَفَّ منهُ الخَصْرُ فَالرِّدْفُ راجح وسمع شهاب الدين العزازي بذلك، فقال: [من السريع] هل حكم ينصفُني في هَوَى … مُصارع يصرعُ أُسدَ الشَّرَى مُذْفَرَّ مني الصَّبر في حُبِّهِ … حكى عليه مدمعي ما جَرَى أباح قتلي في الهَوَى عامدًا … وقال كم [مِنْ] عاشق في الوَرَى رمتُهُ في أَسْرِ حِبِّي ومِنْ … أجفان عينيه أخذتُ الكَرى قال أبو حيان وأنشدني ابن النحاس لنفسه يخاطب الشيخ رضي الدين الشاطبي، وقد كلفه أن يشتري له قطرا: [من الخفيف] أيها الأوحد الرضي الذي طا … ل علاء وطاب في الناسِ نَشْرَا أنت بحر لا غرو أن نحن وافيـ … ـناك راجينَ مِنْ نداك قطرا وقال يرثي الشيخ أحمد المصري النحوي: [من الطويل] عَزَاءَكَ زين الدين في الفاضل الذي … بكته بنو الآداب مَثْنَى وَمَوْحَدًا هُمُ فَقَدوا منه الخليل بن أحمدٍ … وأنتَ ففارقت الخليل وأحمدا وقال مما يكتب على منديل: [من الخفيف] ضاعَ مِنِّي خَصْرُ الحبيبِ نُحولًا … فلهذا الضحى عليه أدور لَطُفَتْ خِرقتي ورقَّتْ فَجَلَّتْ … عَنْ نظير لمَّا حَكَتَهَا الخُصُورُ

стр. 2296

وقال: [من الكامل] إني تركتُ لذا الوَرَى دُنْيَاهُمُ … وظَلِلْتُ أنتظرُ المماتَ وأرقب وقطعتُ في الدنيا العلائق ليس لي … ولد يموت ولا عقار يخرب وقال: [من الرمل] قلتُ لمَّا شرطُوهُ وجَرَى … دمعُهُ القاني على الخَدِّ اليَقَق ليسَ بِدْعًا ما أتوا في فعله … هو بدر ستَرُوهُ بالشَّفَق توفي بالقاهرة يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وستمائة، وغالب روايات شيخنا أبي حيان كتب الأدب عنه، وكتب الخط الفائق، وقيل: كان يحفظ ثلث «الصحاح» للجوهري. * * *

стр. 2297

[مشاهير أرباب المعاني والبيان] وأما أرباب المعاني والبيان وهم خواص أهل العربية، وأعيان من نظر منهم في أسرارها، ونقب عن تمام بدورها الكوامل وسرارها، وقليل ما هم، ومن هم، وقد تكلموا على المعاني والألفاظ وسموا الأول: المعاني والبيان، وسموا الثاني: البديع، وهو كاشف عن عجائب الكتاب والسنة، ومخرج من خبايا معانيه غرائب الأجنة. وقد ذكر ابن أبي الأصبع في كتابه «تحرير التحبير»: أن ابن المعتز، وقدامة أول من اعتنى بعلم البديع، وقال - ما معناه -: إن ابن المعتز هو الذي سماه بالبديع، واقتصر في كتابه بهذه التسمية على خمسة أبواب، وهي: الاستعارة منفردًا بها. على أن قدامة قد ذكرها في العيوب في ضمن المعاطلة؛ لأنه قال: ولا أرى المعاطلة إلا ما حسن من الاستعارة فاقتضى كلامه أنَّ من الاستعارة حسنًا وقبيحًا، فالقبيح من الاستعارة سماه معاطلة، والحسن منها سماه ابن المعتز بديعًا، ولم يبوب قدامة في المحاسن، وانفرد ابن المعتز بتبويبه عليه في البديع: التجنيس، والطباق متواردًا مع قدامة عليهما، ورد الإعجاز على الصدر منفردًا به، وختمها بخامس عزا تسميته إلى الجاحظ، وهو المذهب الكلامي منفردًا به، وإن كان ما قبله من الأسماء قد سبقت العرب إلى وضعها، ولكن لا على مراد ابن المعتز، وربما سبق ابن المعتز إلى نقلها عن مسمياتها الأولى إلى ما أراد. وقال ابن المعتز في صدر كتابه: وما جمع قبلي فنون البديع أحد، ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، وألفته سنة أربع وستين ومائتين، وأول من نسخه مني علي بن يحيى بن منصور المنجم. ثم قال بعد سياقه الأبواب الخمسة: ونحن الآن نذكر محاسن الكلام والشعر، وإن كانت محاسنهما كثيرة لا ينبغي للعاقل أن يدعي الإحاطة بها حتى يتبرأ من شذوذ بعضها عن علمه، وأحببنا لذلك أن نذكر فوائد كتابنا للمتأدبين، ويعلم الناظر فيه أنا قد اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة اختيارًا من غير جهل بالطريقة ولا ضيق في المعرفة، فمن أحب أن يقتدي بنا، ويقتصر على تلك الخمسة بالبديع فليفعل، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئًا إلى البديع، وارثًا غير رأينا فله اختياره. وهذا ذكر المحاسن، ثم ذكر الالتفات، وقد توارد عليه هو وقدامة، وذكر

стр. 2298

اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه في بيت واحد أو جملة واحدة، وسماه قدامة التمام، وسماه الحاتمي في الحيلة التتميم، وهو مما توارد عليه قدامة وابن المعتز، ثم ذكر من المحاسن الخروج من معنى إلى معنى، وسماه الحاتمي الاستطراد ناقلًا تسميته لا مخترعًا، وهو من أفراد ابن المعتز، ثم ذكر تأكيد المدح بما يشبه الذم منفردًا، وذكر تجاهل العارف وهو الذي سماه المتأخرون الاعتاب والتشكيك. والتشكيك باب مفرد أورده بعضهم، وبينه وبين تجاهل العارف فرق. وتجاهل العارف من أفراد ابن المعتز، ثم ذكر الهزل الذي يراد به الجد منفردًا به، وذكر الإفراط في الصفة متواردًا عليه مع قدامه، وذكر عتاب المرء نفسه منفردًا به، وذكر حسن الانتداب منفردا به وسماه من بعده براعة الاستهلال، فهذه اثنا عشر بابًا من المحاسن تضاف إلى أبواب البديع الخمسة، فيصير بها ما أخبر عنه ابن المعتز جميعه من ذلك سبعة عشر بابًا، وأما قدامة فضمن كتابه الموسوم «بنقد الشعر» ثلاثة عشر بابًا وهي: التشبيه والتمام والمبالغة، والالتفات والطباق، والجناس متواردًا هو وابن المعتز على جميع ذلك، وانفرد قدامة بالتكافؤ، وإن كان هذا الباب تداخل على قدامة في باب الطباق، وصحة الأقسام، وصحة المقابلات، وصحة التفسير، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وهو باب فرّع منه قدامة ستة أبواب وهي: المساواة، والإشارة، والإرداف، والتمثيل، ثم فرع من ائتلاف اللفظ مع المعنى أيضًا: الطباق والجناس. وقد تقدم ذكر توارده مع ابن المعتز عليهما. وذكر ائتلاف اللفظ مع الوزن، وائتلاف المعنى مع الوزن. وجعل المتأخرون هذين البابين بابًا واحدًا وسموه بالتهذيب والتأديب لكن قدامة خص بهما الشعر وربما من سماها تهذيبًا لا يخص بهما الشعر دون النثر، ولا النثر دون الشعر، وذكر ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت، وسماه من بعده التمكين، وخص به الشعر أيضًا وهو لا يخصه، وفرع قدامة من هذا بابي التوشيح والإيغال، وذكر الترصيع في ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت في ضمن كلامه، ولم يفرده. فهذه ثلاثة عشر بابًا صحت لقدامة بعد إسقاط ما تداخل عليه وهو: التكافؤ، فإذا أضيفت إلى ما انفرد به ابن المعتز من البديع وإضافه إليه من المحاسن وتوارد عليه مع قدامة صارت هذه الأصول من كتابيهما بعد حذف التوارد والتفاضل ثلاثين بابًا سليمة من التداخل. قال ابن الإصبع: فهذه أصول ما ساقه الناس في كتبهم من البديع، ثم اقتدى الناس بابن المعتز في قوله، فمن أحب أن يضيف فليفعل، فأضاف الناس المحاسن من البديع، وفرعوا من الجميع أبوابًا أخر، وركبوا منها تراكيب شتى، واستنبطوا غيرها

стр. 2299

بالاستقراء من الكلام والشعر حتى كثرت الفوائد، ورأوا أن ابن المعتز قد غلب اسم البديع على المحاسن، فسمى كتابه بالبديع، وهو جامع لهما معًا، فاقتدوا به؛ لأنه المخترع الأول، فسموا أنواع كتبهم بالبديع، وإن سمى كل منهم كتابه باسم يرجعه إلى معناه، إلا أن يكون قد ألف في مجموعة البلاغة وكنه الفصاحة، فإن له أن يسميه ما شاء. ثم إن ابن أبي الإصبع زاد في كتابه «تحرير التحبير» وجمع بعد ما تقدم من أصول الأبواب ستين بابًا من الفروع، وأضاف هذه الستين إلى الثلاثين الأصول، فصارت الفذلكة تسعين بابًا. قال ابن أبي الإصبع: ثم عن لي استنباط أبواب تزيد بها الفوائد، ويكثر بها الإمتاع، نسجًا على منوال من تقدمني واتباعًا لسنة من سبقني، ففتح علي من ذلك ثلاثين بابًا سليمة من التداخل والتوارد، ولم أسبق في غلبة ظني إلى شيء منها، إلا أن يوجد في زوايا الكتب التي لم أقف عليها شيء مما اخترعته، فأكون أنا والسابق إليه متواردين عليه، وما أظن ذلك، والله أعلم. ثم قال: ولما انتهى استخراجي إلى هذا العدد، أمسكت عن الفكر في ذلك، ليكون ما أتيت به وفق عدد الأصول، ثم سرد الثلاثين بابًا بعد أن سرد الستين المضافة إلى الثلاثين الأصول التي اخترعها ابن المعتز وقدامة، ثم قال: فصارت أبواب هذا الكتاب مائة باب وعشرين بابًا سوى ما انشعب من أبواب الائتلاف وغيره، وجملة الأبواب على ضربين: ضرب يختص بالشعر، وضرب يعم الشعر والسنن والنثر، وذلك ظاهر لمن يتحرى في هذا الكتاب. * * *

стр. 2300

[مشاهير أرباب المعاني والبيان بالجانب الشرقي] [١] ابن المعتز، وهو أبو العباس، عبد الله بن أبي عبد الله الزبير المعتز بالله بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد [بن] المهدي محمد بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم (١): [من الكامل] نُسب كأنَّ عليهِ من شمسِ الضُّحَى … نُورًا ومِنْ فَلَقِ الصباحِ عَمُودا

стр. 2301

ملك تفرد بالصفات الحسان، وجمع العدل والإحسان، وأقدم وقد خرس كل لسان. نقب عن أسرار الكلام، وأخرج زهره من الكمام، فوضح البيان، ولمح ملء العيان، واجتليت أقماره الطوالع، واجتنيت أنواره اللوامع، وكان زينة لسمائه، وحلية الصباح زمانه ومسائه، تخال ذكره عنبرًا يفوح في الأسحار، وجوهرًا يلوح في قلائد الأسمار، من أثرى من حاصل ديوانه أوسع أن كان منفقًا، وأيسر لو كان مملقًا. وتقدم والناس وراءه والنهار يلبس رواءه، فقف وقفة قدامه تتعلم، وقل أو أسكت لا تتكلم، ولم يكن أولى منه بالخلافة، ولا أحق منه أن يرث أسلافه، وإنما أخره وتقدمه، وعرض سمهريه على النار مقومه، وما زال الزمان مغرى بخط كل رفيع، والإساءة إلى من لا تحتاج محاسنه إلى شفيع، وله ذكر في الخلفاء. ولد لسبع بقين من شعبان سنة سبع وأربعين ومائتين وأبوه المعتز. أمه أم ولد اسمها قبيحة، سميت بذلك لفرط حسنها، وزعم ابن خلكان، أنه: كان حنفي المذهب، قال: ويدل على هذا قوله في الخمرة المطبوخة: [من الطويل] وَقَتْنِي مِنْ نارِ الجحيم بنفسها … وذلك معروف لها ليس يُجحَدُ والأغلب والله أعلم أنه كان حنبلي المذهب على ما يأتي، وإنما قال هذا في الخمرة تفسحًا في القول، على عادة الشعراء في التفسح في القول.

стр. 2302

وأخذ الأدب عن المبرد، وثعلب، وغيرهما. وكان محبًا للعلماء معدودًا منهم، ولم يزل مرشحًا للخلافة، مؤهلًا للملك، يخاف ويرتجى إلى أن كان ما كان من المقتدر من فساد الأمور، وضياع الجمهور لصغر سنه، وغلبة النساء عليه، ورأى العباس بن الحسن الوزير أن هذا يفتقر إلى خلع المقتدر، ومبايعة أبي العباس، فدعا إلى ذلك الحسن بن حمدان، فقام إليه داعيًا، وتردد في التمام له ساعيًا، إلى أن انقاد غالب العامة، وخاصة أرباب العقد والحل، كمحمد بن داود القاضي، وأبي المثنى أحمد بن يعقوب، وبدر الأعجمي، وصوارتكين التركي، ثم راسلوا أبا العباس، فأجابهم على أن لا يسفك دم، ثم بدا للوزير الاقتداره على المقتدر، وضعف أسر أهل رأيه، ورأى أنه يعز عليه بقاء حاله على ما هو عليه من ابن المعتز، فسار إلى بستانه متخليًا عن الفريقين بعد أن شب نهارها، وشد أوزارها، فلحق به حمدان، وبدر الأعجمي، ووصيف فقتلوه، ثم قتلوا في غد ذلك اليوم فاتك المعتضدي، وكان عضدًا للمقتدر، وذلك يوم السبت لتسع بقين من ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، وركض ابن حمدان إلى الحلبة نحو المقتدر يطلبه بالتدبير، وكان المقتدر هناك يلعب بالكرة، فلما بلغه مقتل الوزير أطلق عنان جواده، والتحق في القصر بأمدادة، ثم أمر فغلقت أبواب القصر، وطوق بالمقاتلة مستعدًا للحضر، فكر ابن حمدان راجعًا يتلظى ندمًا لكونه لم يبدأ به، وأحضر أبا العباس في يومه، وبايعه الناس بالخلافة على يد محمد بن سعيد الأزرق، ولقب الغالب بالله وقيل: المتصف، والأول أصح. ولم يتأخر عن بيعته سوى الحسن بن الفرات، فاستوزر محمد بن داود، وقلد علي بن عيسى الدواوين، وكتب الكتب ببيعته إلى الآفاق، وأرسل إلى المقتدر يأمره بأن ينتقل إلى دار عبد الله بن طاهر، فأجابه بالامتثال، وسأله في المهلة، وأصبح ابن حمدان إلى دار الخلافة والمقتدر ليخرجه منها، فقاتله الغلمان والخدم عامة النهار، ولم يكن قد بقي مع المقتدر سوى مؤنس الخادم، وبعض حاشية الدار. وتربص ابن حمدان الغفلة، فلما نصل الدجى الذي صبغه المغرب، ووضع حمله الليل المقرب، وحنين الفجر قد كاد أن يرمي سقطا، وأنامل الصبح قد كادت تأتي على دراهم النجوم لقطا، وقد تثاءب الشرق وآن للغرب الذي تمطى وتمشى نسيم السحر وتخطى، فاقتعد جمله، وقبل السرى أمله، والحذر يستطيره، والخوف يدني منه جناح طائر يستعيره، ودام سارحًا في نهاره، وساريًا في أنهاره، حتى إذا دميت في الأصل أخفاف مطيه الحفية، وطفئت حديدة النهار في عين شمسه الحمية، نزل ليريح، ويقيم جنب نضوه الطريح، فبينما هو قد نزل بقيته، ومسك الليل قد ذر فتيته، أدركته بادرة الخيل، وألفته حذاء سهيل.

стр. 2303

وكان سبب رحيله أن أبا العباس عدل بالحجبة عنه، وكان يريدها ويخطبها، ولو قطعت أوداجه ووريدها، فحقدها عليه وأرقدها لديه، ثم إن أهل القصر أجمعوا على الصعود من الماء لاغتيال ابن المعتز، فلما رآهم أصحاب ابن المعتز أكبروهم وقالوا: هذا رأي ابن حمدان، ولهذا تركنا وفر، وظنوها عن رأيه، فخرج ابن المعتز، ومعه محمد بن داود الوزير، وبين أيديهما غلام ينادي: يا معشر المسلمين ادعوا لخليفتكم هذا السني البربهاري، إشارة إلى أنه على مذهب أهل السنة خلافًا للمقتدر وأهل بيته. والبربهاري هو أبو الحسن مقدم الحنابلة، وكان لأهل السنة وسائر العامة فيه رأي جميل. وكان ابن المعتز على مذهبه، ثم سار إلى الصحراء، وهو يظن أن الجنود تتلاحق وراءه، فلم يلتحق به أحد، ولا مد إلى بصره مدى خطوة، ولا ساعد يد، فهم بقصد سر من رأى؛ ليستبد بها سلطانه، ويجتمع عليه فيها، فلما أخفقت أمانيه نزل عن دابته، وقطع أطماع إرادته، والتحق بابن الجصاص الجوهري، فاستجار بذمامه، واختفى في داره، فوشى به خادم لابن الجصاص صغير، فأمسكه المقتدر، وسلمه إلى مؤنس الخادم لأمر قد قدر، فأخرج إلى أهله في اليوم الثاني من خلافته قتيلًا في كساء، لا تأثر له إلا دموع النساء، فرحمه الله وغفر له، وأكرم لديه في الجنة نزله، ورثاه علي بن محمد بن بسام بقوله: [من البسيط] لِلَّهِ دَرُّكَ مِنْ مَيِّتٍ بِمَضْيَعَةٍ … ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيهِ مِنْ لَوْ ولا لولا تنقصُهُ … وإِنَّما أدركتهُ حِرْفَةُ الأدب قلت: ومن غرائب الأمور وما جرى به القدر المأمور أن ابن حمدان هذا بل كل بني حمدان كانوا في غاية التشيع، وخصوصًا هذا الحسن؛ فإنه كان رأسًا في الغلاة، وكان ذا لسن، وكان ابن المعتز غاية في التسنن، وخصمًا في الجدال، تخرس له الألسن، وكان ابن حمدان هو القائم في قيام ابن المعتز على بعد ما بينهما وتنائي جانبيهما، وكل واحد منهما لم يبرح للآخر مناقضًا ولقواعده في المذهب معارضًا، إلا أن الله إذا أراد أمرًا أتمه، وكان أمر الله مفعولا. وكان ابن المعتز رأس أهل اللغة والنحو، متقنًا للأدب، عالمًا بالبيان، عارفًا بفنونه، مطلعًا على مكنونه، أعرف أهل زمانه بل الناس مطلقًا به، مائلًا إلى الغزل وضروبه، مولعًا بالتشبيه والأوصاف، مجيدًا فيهمًا، وفي التشبيه أكثر، وكان يقول: لو قيل لي: ما أحسن شعر؟ لقلت: قول العباس بن الأحنف. [من البسيط] قد سحَبَ الناسُ أذيال الظنون بنا … وفرق الناسُ فينا قولهم فرقا فكاذبٌ قَدْ رَمَى بالظَّنِّ غَيْركم … وصادقٌ ليس يدري أنهُ صَدَقا

стр. 2304

ومن مأثور كلامه في علم البديع قوله في الالتفات: الالتفاف انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله من القرآن العزيز بالإخبار بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ثم قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢) ومثاله من الشعر، قول جرير: [من الوافر] إذا كان الخيام بذي طلوحٍ … سُقيت الغيث أيتها الخيام أو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار كقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بريح طَيِّبَةٍ﴾ (٣) ومثال ذلك من الشعر قول عنترة: [من الكامل] ولقد نزلت فلا تظنّي غيرَةً … منّي بمنزلة المحب المُكْرمِ كيف المزار وقد تربَّع أهلَها … بِعُنيزَتين وأهلنا بالغيلم وقال: التمام هو اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه، وهو أن الكلمة التي إذا طرحت من الكلام نقص معناه، ومبالغته أن لفظه يوهم بأنه تام. ومثاله قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٤) فقوله تعالى ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ تتميم، وقوله تعالى ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تتميم ثان في غاية البلاغة التي يذكرها. تم معنى الكلام. وقد ذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في البديع: عتاب المرء نفسه ولم ينشد فيه سوى بيتين ظن أن الآمدي أنشدهما عن الجاحظ وهما: [من الطويل] عَصَاني قومي والرشاد الذي [بِهِ] … أَمَرْتُ ومَنْ يَعْصِ المُجرِّبَ يَنْدَمُ فصبرًا بني بكر على الموت إنني … أرى عارضًا ينهل بالموت والدم قال شيخنا ﵀ في حسن التضمين: ومن إنشادات ابن المعتز في هذا الباب: [من السريع] عود لمن [قد] بت ضيفًا لهُ … أَقْرَاصَهُ منِّي بِياسين فبتُ والأرضُ فِرَاشي وقدْ … عَنَّتْ (قَفَا نَبْكِ) مصاريني وذكر في الاستطراد أن ابن المعتز سماه الخروج من معنى إلى معنى، وفسره بأن قال: هو أن يكون المتكلم في معنى، فيخرج منه بطريق التشبيه، أو الشرط، أو الإخبار، أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمن مدحًا أو قدحًا أو وصفًا ما، وما أنشد فيه: [من الطويل]

стр. 2305

وإنا لقوم ما نَرَى القتلَ سُبَّةً … إذا ما رأته عامر وسلول وله نثر بديع منه قوله: والأرض عروس مختالة، في حلل الأشجار، متوجة بأكاليل الأزهار، موشحة بمناطق الأنهار، والجو خاطب لها قد جعل يشير بمحضرة البرق، ويتكلم بلسان الرعد، وينثر من القطر أبدع نثار. ومنه قوله: وطارت به كل خوارة العنان، نازعة الأشطان تنفر نفار الظليم، وتنظر بمقلة غزال تحت سالفه ريم، كأنما خلفت قوائمها من الرياح، واعتصبت ثوب الظلام، فلطمها في وجهها الصباح. ومنه قوله: فكم تسنم من جبل يعطس بأنف شامخ في الهواء، ويتنفس فتصدأ مرآة السماء. ومنه قوله: ولولا أن ساحة هذه الأيام قصيرة المساحة، يكاد يشير بالراحة، لقصده سعيًا على القدمين. نقل التهنئة إلى قلبه من طريق السمع لا من طريق العين. ومنه قوله: وسار فلان في جنود عليهم أردية السيوف وقمصان الحديد، فكأن رماحهم قرون الوعول، وكأن دروعهم زبد السيول على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها، وقد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأنه أساور اللجين، وقرطت عذرًا كأنها الشنوف تتلقف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صب الله عليهم وقار الصبر، وهبت معهم ريح النصر. ومن نظمه قوله (١): [من الطويل] قَرَى الدَّارِ مِنِّي زَفْرَةٌ وَنَحِيبُ … وقلبي شَجِ إِنْ لَّمْ يَمُتْ فَكَتِيبُ خَلَا الرَّبْعُ مِنْ سُكَانِهِ ولقدْ يُرَى … جميلًا بهم والمستزار قريب إذ العيش حلو ليسَ فِيهِ مَرَارَةٌ … هَنِيٌّ وإِذْ عُود الزمانِ رَطِيب وفي كل تسليم جواب تحيةٍ … وفي كلِّ لَحْظ للمُحب حبيب ومنه قوله (٢): [من الكامل]

стр. 2306

وَبَكَيْتُ مِنْ طَرَبِ الحَمَائِمِ غُدْوَةً … تَدْعُو الهَدِيلَ وَمَا وَجَدْنَ سَمِيعًا سَاعَدْتُهُنَّ بِنَوْحَةٍ وَتَفَجُّعٍ … وَغَلَبْتُهُنَّ تَنَفُّسًا وَدُمُوعا أَفْنَى البُكَاءُ هُمُومُ قَلْبٍ مُوجَّعٌ … لَوْ كُنَّ فِي صَخْرٍ لَكُنَّ صُدُوعا يَا قَلْبُ لَيْسَ إِلَى الصِّبَا مِنْ رَجْعَةٍ … فَاحْزَنْ فَلَسْتَ بِمِثْلِهِ مَفْجُوعا ومنه قوله (١): [من الكامل] كم ليلةٍ شَغَلَ الرُّقَاءُ عَذُولَها … عَنْ عاشقين تَوَاعَدا للقاء عُقِدَا عِناقًا طُول ليلهما معًا … قد ألصقا الأحشاء بالإحشاء حتى إذا طلع الصباحُ تفرَّقا … بتنفس وتلهف وبُكاءِ ما راعنا تحتَ الدُّجَى شيءٌ سِوَى … شَبَهِ النجوم بأعين الرقباء ومنه قوله (٢): [من الطويل] أصانِعُ أطراف الدُّمُوعِ فَمُقلَتي … مُوَفَّرَةٌ بِالدَّمعِ غَرْبًا على غَرْبِ وهل هي إلا حاجةٌ قُضِيَتْ لنا … ولوم تحملناه في طاعة الحب ومنه قوله (٣): [من الكامل] لمَّا رأيتُ الدمع يفضحني … وقَضَتْ علي شواهد الصب ألقيتُ غيرَكَ في ظنونهُمُ … وسَتَرْتُ وجْه الحب بالحب ومنه قوله (٤): [من المديد] غضب الإدلال مِنْ رَشًَا … لابس للحُسْنِ جِلبابا غُصُنٌ يهتزُّ في قَمَرِ … راكضًا للوشي سحابا أثمرت أغصانُ راحتِهِ … لجُناةِ الحُسن عُنَّابا ومنه قوله (٥): [من الطويل] هي الدار إلا أنها منهمُ قَفْرُ … وأَنَّي بها ثَارٍ وأَنهم سَفْرُ حَبَسْتُ بها لَحْظِي وأطلقْتُ عَبْرَتي … وما كانَ لِي فِي الصَّبْرِ لَوْ كَانَ لي عُذْرُ كأني وأيَّامي التي طَوَتِ النَّوَى … نجيَّانِ باتا دون لقياهُما سِتْرُ فدع ذكر بثنى قَدْ مَضَى لي راجعًا … فذلك دهر قدْ تَوَلَّى وذا دَهْرُ ومنه قوله (٦): [من المنسرح] وشمس ليلٍ طَرَقْتُها فَبَدَا … منها صُدود ما كنتُ أحسبه

стр. 2307

تقولُ: مَنْ جاءَ وهي تعرفُني … يا لِصَّةَ القلب جئتُ أطلبه ومنه قوله (١): [من الكامل] ريم يتيه بحُسْنِ صَوَرَتِهِ … عَبَثَ الفُتُورُ بلحظِ مُقلَتِهِ وكأنَّ عقرب صُدْغِهِ احترقَتْ … لمَّا دَنَتْ مِنْ نارِ وَجْنَتِه ومنه قوله (٢): [من البسيط] قالوا الفراق غدًا لا شك قلتُ لهم … بلْ مَوْتُ نفسيَ مِنْ قبل الفراقِ غَدًا إنِّي إذًا لصبور إن بقيتُ وقد … قالوا الفراق وإن لم يرحلوا أبدا ومنه قوله (٣): [من الخفيف] رب ليل أحييته بزفيري … وهموم تكوي الحشا والفؤادا باتَ طَرْفي يُشيعُ النَّجم فيهِ … كلما خلته يسير تمادى ومنه قوله (٤): [من الطويل] ومستكبر يزهى بخضرة شارب … وفترة أجفان وخد مُوردِ تبسم إذ مازحته وكأنما … تُكَشِّفُ عَنْ دُرِّ حجاب زَبَرْجَدِ ومنه قوله (٥): [من السريع] وفاحم مال على الخدٌ … مِثْلَ العناقيد على الوَرْدِ وصولجان الصُّدْغِ مُستمكِنُ … للضَّربِ مِنْ تُفَاحَةِ الخَدِّ ومنه قوله (٦): [من الكامل] لمَّا وَثِقْتَ بَدَأْتَ بالهَجْرِ … ورَمَيَتني من حيث لا أدري ما كنت تدري كيف تقتلني … فَهَجَرْتَني وفَطِنْتَ للهَجْرِ ومنه قوله (٧): [من الخفيف] يا هلالًا يدور في فَلَكِ الما … وَرْدِ رِفقًا بأعيُنِ النَّظَّارَة قف لنا في الطريق إنْ لم تَزُرنا … وقفةٌ في الطريق نصف الزيارة ومنه قوله (٨): [من السريع] ماأقصر الليل على الراقد … وأهونَ السُّقْمَ على العائد

стр. 2308

يفديكَ ما أبقيتَ مِنْ مُهجتي … لستُ لما ألويت بالجاحد كأنني عانقت ريحانةً … تنفَّسَتُ في ليلها البارد فلو ترانا في قميص الدُّجَى … حَسِبتَنا مِنْ جَسَدٍ واحد ومنه قوله (١): [من السريع] إن جاء في الليل تَجلَّى وإنْ … جاءَ صَباحًا زادَهُ نُورا فكيف أحتالُ إذا زارني … حتى يكون الأمرُ مَستورا ومنه قوله (٢): [من الكامل] قالت لأختيها ألمْ تَرَيا … أنْ قد أجد البينُ بالسَّفْرِ ما للمضاجع لا تُلاثمني … وكأنَّ قلبي ليس في صدري ومنه قوله (٣): [من الطويل] ألست ترى النجم الذي هو طالع … عليك فهذا للمحبين نافع عَسَى يلتقي في الأفق لحظي ولحظه … فيجمعنا إذ ليس في الأرض جامع ومنه قوله (٤): [من الطويل] ومِنْ دُونِ ما أبديت لي يُقتل الفتى … ويُمسي جليد القوم وهو ضعيف ولم أُدرِ أنَّ البانَ يُعْرَسُ في النَّقا … ولا أنَّ شمسًا في الظلامِ تَطُوفُ ومنه قوله (٥): [من الكامل] إنِّي لأحسد كأسًا حين يلثمها … حتى أتيتُ سَخِينَ العَينِ مُرتفقا وتنطوي النفسُ مِنْ وَجْدٍ ومِنْ أسف … إذا غدا لنجاد السيفِ مُعْتَنقا ومنه قوله (٦): [من الكامل] لج الفراق فويحَ مَنْ عَشِقا … ما الدمعُ إلا للنَّوَى خُلِقا أرأيت لحظتها وما صَنَعَتْ … هل بعدها للعاشقينَ بَقَا يا صاحبَيَّ تَرَقَّبا تَلَفِي … إِنْ لَمْ يَطِرْ قلبي فقدْ خَفَقا ومنه قوله (٧): [من الكامل] ومُتيَّمٍ جَرَحَ الفِرَاقُ فُؤادَهُ … فالدمعُ مِنْ أجفانه يتدفق

стр. 2309

هَزَّتْهُ ساعةُ فُرقَةٍ فكأَنَّما … في كلِّ عُضو منه قلبٌ يَحْفِقُ ومنه قوله (١): [من الخفيف] شَفَعِيْنِي يا شِرَّ في رد قلبي … فلقد طال حبس قلبي لديكِ وأذني في الرُّقادِ لي إن عيني … تستعير الرقاد مِنْ عَينيكِ أو هَبِيْ لِي صَبرًا أردُّ به الدمـ … ـع فإني أخافُ دمعي عليك ومنه قوله (٢): [من البسيط] إنَّ الذين بخير كنتَ تذكرُهُمْ … قَضَوا عليك، وعنهم كنتُ أنهاكا لا تَطلُبَنَّ حياةً عندَ غَيْرِهِمُ … فليسَ يُحييكَ إلا مَنْ تَوَفَّاكا ومنه قوله (٣): [من الطويل] أعاذلتي لا تعذلي عاشقًا مِثْلي … ولكنْ دَعيه واعذري الحِبَّ مِنْ أَجلِي ونُوحِي على صب بكت عائداتُهُ … صَرِيعِ القُدودِ المِيْلِ والأَعْيُنِ النُّجْلِ رَمَينَ فَلمَّا أَنْ أَصَبْنَ مَقاتِلي … تَوَلَّينَ فانضمَّتْ جِرَاحِي عَلَى النَّبْلِ ومنه قوله (٤): [من الكامل] ومُنعم كالغُصْنِ ذي الميل … مازحْتُه فاحمر مِنْ خَجَلِ لمَّا شَمَمتُ الخمرَ مِنْ فَمِهِ … وفَيتُهُ حَدًَّا مِنَ القُبَلِ ومنه قوله (٥): [من المنسرح] صدت شرير فما تكلِّمُني … كم ذا التَّجنِّي على المُحِبِّ كَمْ دَعَتْ خَلاخِيلُها ذوائبَها … فَجِئْنَ مِنْ رأسها إلى القَدَمِ ومنه قوله (٦): تعال قد أمكن المكان … واجسر على الوَصْلِ يا جبان عجل فإنَّ الزمانَ غِرٌّ … مِنْ قبل أن يفطن الزمان ومنه قوله (٧): [من الكامل] كم ليلةٍ عانقت فيها بدرها … حتى الصباح مُوَسَّدًا كَفَّيْهِ ما زلتُ أشرب خمرةً مِنْ رِيقِهِ … وتحيَّتي تُفَاحَتا خَدَّيهِ

стр. 2310

فَسَكِرْتُ لا أدري أمِنْ خَبَلِ الهَوَى … أَمْ كأسِهِ أمْ فيه أم عينيه ومنه قوله (١): [من الوافر] قلوب الناس أسرى في يديه … وثوب الحسن مخلوع عليه أَسَرُّ إِذا بَلِيتُ وذابَ جِسْمِي … لعل الريح تحملني إليه ومنه قوله (٢): [من الكامل] وبَكَيْتُ مِنْ جَزَعِ النَوحِ حَمامَةٍ … تدعو الهَديلَ فَضَلَّ غيرَ مُجيبها نُحنا وناحَتْ غيرَ أنَّ بُكَاءَنا … بعيوننا وبكاءها بقلوبها مَنَعَ الزيارةَ مِنْ شُريرَةَ خائفٌ … لو يستطيع لبات بين جُيُوبِها ساءت بك الدنيا وسُرَّتْ مَرَّةً … فأراكِ مِنْ حسناتها وذنوبها ويجرني بالمطل موعد حاجةٍ … لو شئتِ قَدْ بَرَدَ الغليل بطيبها محبوسة في كلِّ مَطْلِكِ طالما … عَذَّبتني وشَغَلْتِ آمالي بها ومنه قوله (٣): [من الكامل] صَدَّتْ وأَغْرَتُ طيفَها بُمَتَيمِ … إِنَّ الفراق لمُغرم بالمُغْرَمِ وبدت فحسبكَ مِنْ وِشاح ناطِقٍ … كَثُرَتْ وسَاوِسُهُ بحِجْلٍ مُفْعَمِ وكأن فاها بعد آخرِ رَقدَةٍ … مُتسَحْرُ بُعِقارِ دَنْ مُعْلَم ومنه قوله (٤): [من المنسرح] كمْ مِنْ عِناقِ لنا وكمْ قُبَلِ … مُخْتَلِساتٍ حِذارَ مُرْتَقِبِ نَقْرَ العصافير وهي خائفةٌ … مِنَ النواطير يانع العنب ومنه قوله (٥): [من الخفيف] قُلْ لأحلى العِبَادِ شَكْلًا وقَدًا … أَبجِدّ ذا الهجر أم ليس جدا ما تَرَى في مُتَيَّم بِكَ صَبِّ … خاضع لا يَرَى مِنَ الذُّلِّ بُدًا إِنْ زَنَتْ عينه بغيرك فاجلد … ها بطولِ السهادِ والدَّمْعِ حَدًا ومنه قوله (٦): [من الوافر] لَقَدْ هَتَكَتْ دُموعُ العَينِ سِتْرِي … وأَحْرقَني هواه بغير نار ويخجل حين يلقاني كأني … أُنطُ خَدَّهُ بِالجُلَّنارِ

стр. 2311

ومنه قوله (١): [من المتقارب] وفي عَطْفَةِ الصُّدْغِ خالٌ له … كما أخَذَ الصولجان الكُرَه ومنه قوله (٢): [من الخفيف] سَقَى الجزيرة ذاتَ الظِّلِّ والشَّجَرِ … فَدَيْرَ عَبْدُونَ هَطَالٌ مِنَ المَطَرِ فَطَالَما نبهتني للصَّبُوح بها … في غُرَّةِ الفجرِ والعُصفورُ لمْ يَطِرِ أصواتُ رُهبانِ دَيْرٍ في صَلَاتِهِمُ … سُودُ المَدارعِ نَجَّارِينَ في السَّحَرِ مُزنّرين على الأوساط قدْ جَمَعوا … على الرؤوس أكاليلًا مِنَ الشَّعَرِ كم فيهم [من] مليح الدَّلِّ مُكتحل … بالسِّحرِ يَكسرُ جَفنيه على حَوَرِ لاحظته بالهوى حتى استقاد لهُ … طَوعًا وأسلفني الميعاد بالنظر فقمت أفرش خدي في الطريق لهُ … ذُلًا وأسحب أذيالي على الأثر وكان ما كان مما لستُ أذكرُهُ … فُظُنَّ خَيرًا ولا تسألْ عَنِ الخَبَرِ ومنه قوله (٣): [من الطويل] له شافع في القلبِ مَعْ كلِّ زَلَّةٍ … فليس بمحتاج الذنوب إلى العُذْرِ يُناجِيني الإخلافُ مِنْ تحتِ مَطْلِهِ … فَتَخْتصِمُ الآمال واليأس في صدري ومنه قوله (٤): [من الطويل] ولما لحقنا الطاعنين وأرقلتْ … جِمالٌ بنا تشكو الكلالَ ونُوقُ أَشَرْنَ على خَوفٍ بأغصانِ فِضَّةٍ … مُقَوَّمَةٍ أثمارهنَّ عَقِيقُ سلامًا كإسقاط الندى تحتَ ليلهِ … سَرَى حين لم يُعلم إليه طريق وشكوى لو أنَّ الدمع لمْ يطْفِ حَرَّها … تولّدَ منها بينهنَّ حَريق ومنه قوله (٥): [من الطويل] ألا لا أرى كالدارِ إذْ نحنُ جِيرَةٌ … تُسافِرُ فيما بينَنا الكتبُ والرُّسْلُ بسر أحاديث عذاب لو أنها … جَنَى النحل لم تلفظ حلاوتها النَّحْلُ ومنه قوله، وتروى لغيره (٦): [من الوافر] نَضَتْ عنها القميص لصبّ ماءِ … فوردَ خَدَّها فَرْطُ الحَياءِ

стр. 2312

فلمَّا أَنْ قَضَتْ وَطَرًا وهَمَّتْ … على عَجَل لتأخُذَ بالرداء رأت شَخْصَ الرقيب على تَدَانٍ … فأسلبت الظلام على الضّياءِ فغاب الصبح منها تحتَ ليل … وظل الماء يقطرُ فوق ماء ومنه قوله (١): [من الطويل] فيا رُبَّ يوم لا يُوارِي نُجُومَهُ … مددتُ إلى المظلوم فيه يد النصر فسبحان ربي ما لقوم أرى لهم … كوامن أضغان كواكبها تسري إذا ما اجتمعنا في النَّديّ تضاءلوا … كما خفيت مرمى الكواكب في الفجر ومنه قوله (٢): [من الخفيف] قدْ تَرَدَّيتُ بالمكارم … ... وكَفَتْني نفسي من الافتخار أخزن الغيظ في قلوبِ الأعادي … وأُحِلُّ العَدُوَّ دار الصغارِ أنا جيش إذا غدوتُ وَحيدًا … ووحيدٌ في الجَحْفَلِ الجَرَّار ومنه قوله (٣): [من الطويل] سلي إذا ما الحرب ثارت بأهلها … ولم يكُ فيها للجبانِ قَرَارُ وقام لها الأبطال بالبيض والقَنا … وهَبَّتْ رياح الآخرينَ فَطَارُوا إذا شئتُ أَوْقَرْتُ البلاد حَوَافِرًا … وَسَالتْ ورائي هاشم ونزار [ومنه قوله (٤): [من الطويل] لنا عَزْمَةٌ صَمَّاءُ لا تقبلُ الرُّقَى … تَبيتُ أنُوفُ الحاسدين على رغم وإنا لنعطي الحقَّ مِنْ غيرِ حاكم … علينا ولو شئنا لنمنا على الظُّلْمِ] ومنه قوله (٥): [من الكامل] كم فتنة لاقيت فيها فُرصةً … فَحَسَمْتَها ووَثَبْتَ قبلَ وُثُوبِها أسد الفوارس في الوقائع لا تَطَا … إلا على الأقران يومَ حُروبها راعيت جانبها بلحظ حازم … فَطِنٍ بعقرَبِ عِلَّةٍ ودبيبها بعزائم أغمدتها في صمته … لا يكشف الأوهام ستر عيوبها ولرب سمع قَدْ قَرَعْتَ بحُجَّةِ … هنَّبتَها مِنْ شكّها وعُيوبها

стр. 2313

أثنى عليها بالصَّوابِ حَسُودُها … وقَضَى عليها خصمها بوجوبها أعطى لها التوفيق مِنْ قَسَمَاتِهِ … بيضاءَ ساطعةً لِمَنْ يَسري بها ومنه قوله (١): [من المديد] جُمِعَ الحَقُّ لنا في إمام … قَتَلَ البُخْل وأحيا السماحا إنْ عَفَا لَمْ يُلْغِ للهِ حقًّا … أو سطا لم يخش فينا جناحا وله مِنْ رأيهِ عَزَماتٌ … وَصَلَ اللهُ بهنَّ النجاحا ومنه قوله (٢): [من الكامل] هُوَ كالسماء على الأنام فحَيْثُ ما … كنتم رمتكُم لَعْنَةٌ عَنْ حَالِقٍ لا تحسبوا اليوم الجديد كأمسِكُمْ … أينَ الصباح من الظلام الغاسق فَطَنَ الصنائع بالوفاء وأهلِهِ … وسيوفُهُ يعرفن كل منافق ومنه قوله (٣): [من الطويل] جفوني وراموا موضعي فساءهم … قصورُهُمُ عنِّي وأني معَ النَّسْرِ تميل صروف الدهر حيث أُمِيلُها … وأقسمها حالين بالنهي والأمر ومنه قوله (٤): [من البسيط] تَمْرِي أنامله الدنيا لصاحبها … ونصلُهُ مِنْ عِدَاهُ قاطَرُ دامي كالسهم يبعثه الرامي فصفحتُهُ … تَلقي الرَّدَى دونَهُ والصَّيْدُ للرامي مُستقيظ لا يَفُلُّ الشَّكُ عَزْمَتَهُ … كأَنَّ أوَهامَهُ أَنصار أقوام لا يشتكي الدهر إن خَطْبٌ أَلمَّ بِهِ … إلا إلى صَعَدةٍ أو حَدٌ صَمصام ومنه قوله (٥): [من الطويل] قَدَحْتُمْ زِنادَ الحرب أولَ مَرَّةٍ … لنا وخَلَعُتم بنا رِبْقَةَ العَهْدِ وفاخرتُم قومًا بهم فاز قِدْحُكُمْ … وهم علموكم في الملا حنوة المَجْدِ فلذنا بركنِ الصَّبرِ وانتصفت لنا … صوارم تعدينا إذ قَلَّ مَنْ يعدي ومنه قوله (٦): [من الطويل] ولما تلاقينا وهُزَّتْ رماحُنا … وجُرِّدَ منها كُلُّ أبيض باتر

стр. 2314

رأوا مَعشَرًا لا يُبْصِرُ المَوتَ غيرُهُمْ … فما يَرِحُوا إِلَّا بِرَجْمِ الحَوافِرِ ومنه قوله (١): [من الكامل] يا مَنْ يَدُس لي العداوة صنعته … أرسيت لي فاصبر على الإدلاج فتح العدا باب المكيدة والأذَى … فَاعْجَبْ لِخَراجِ لها وَلاج أنا كالمَنيَّةِ سُقمُها قُدَّامَها … طُورًا، وطورًا تبتدى فتفاجي ومنه قوله (٢): [من الطويل] إذا أظلمت آراءُ قَومِ رماهم … برأي يُجْلِّي الخَطْبَ والخَطْبُ مُظْلِمُ ويرعى صواب القول منه بفكرة … إذا جمعت أَقطارُهُ نَطَقَ الفَمُ لهُ كَرَمٌ مِنْ نفسه وعطائِهِ … وبعضُ عطاءِ المُفْضِلِينَ تَكَرُّمُ إذا ما جَنَى الجاني وإنْ جَلَّ جُرْمُهُ … فَغُفْرانُهُ في سُخطِهِ يتحكَّمُ ومنه قوله (٣): [من الطويل] أبا حسن ثَبَّتَ آراءَ وَطْأتي … وأدركتني في المُعضلاتِ الهَزاهِزِ وألبستني درعًا عليَّ حَصينةً … فناديتُ صَرْفَ الدهرِ هلْ مِنْ مُبارِزِ؟ ومنه قوله: [من الكامل] (٤) أبت الحوادث أنْ يَدوم بقاء … أو أنْ يَرُدَّ قضاءهنَّ قضاء تغدو فتفترس النفوس كأَنَّها … أُسْدٌ تَوَثَّبُ في السَّوام ضراء والدهر أهوج عاثر بخطامِهِ … عَسْرُ الخليقة هادم بناء ومنه قوله (٥): [من الطويل] وغرس مِنَ الأحبابِ غُيِّبَ فِي الثَّرَى … وأسقَتْهُ أَجفاني بسح وقاطر فأثمر هَمًّا لا يَبيدُ وحَسْرَةً … لقلبي تجنيها بأيدي الخواطر ومنه قوله (٦): [من الكامل] ما قَر في أيدي قوابله … حتى أُذيق الصاب بالعسل والدهر لا يُبقي على أَحَدٍ … والمَوتُ هجام على الأَجَلِ ومنه قوله (٧): [من المتقارب]

стр. 2315

وإنْ فُرْصَةٌ أمكنتْ في العَدُّ … وفَلا تُبْدِ فِعْلَكِ إلا بها فإنْ لم تَلِجٌ بابَها مُسرعًا … أتاك عدوك من بابها ومنه قوله (١): [من البسيط] أشكو إلى الله أحداثًا مِنَ الزمنِ … بَرَيْنَ جِسمي بَرْيَ القِدْح بالسَّفَنِ وكِلْنَ بي دُونَ خلق الله كلّهم … فليتني لم أر الدنيا ولم ترني يا نفس صبرًا وإلا فأهلكي جَزَعًا … إنَّ الزمان على ما تكرهين بني تلفتي وسلي هذا وذاك وذا … بأنهم لمْ يَخِسْ دَهْرٌ وَلَمْ يَخُنِ لا تحسبي أنعُما سَرَّتْكِ صحتها … إلا مفاتيح أبواب مِنَ الحَزَنِ ما المرء إلا كعبد السوء يضربه … سوط الزمان ولا يمشي على السَّنَنِ ومنه قوله (٢): [من الطويل] مَضَى عَجَبي مِنْ كُلِّ شيء رأيتُهُ … وبانت بعيني الأمور اللوابس فإني رأيتُ الدهر في كلِّ ساعَةٍ … يَسيرُ بنفس المرء والمرء جالس وتقتاده الآجال حتى تحطّهُ … إلى تُربةٍ فيها لهنَّ فَرائس وأصدعُ شَكّي باليقين وإنني … لنفسي على بعض المساءة حابس ومنه قوله (٣): [من مجزوء الرمل] إنَّما شَيَّبَ الفَتى … ناصح إنْ فَلا ما على الناصح أَنْ … يَنتهي مَنْ جَهلا ومنه قوله (٤): [من الطويل] رأت أقحوان الشيب لاح وآذنت … ملاحات أيام الصبا بوَدَاعِ [فقالت]: مَحاكَ الدهرُ مِنْ صِبْغِة الصِّبا … وكنتَ مِنَ الفتيان خير متاع ومنه قوله (٥): [من الكامل] لا تَقْصُرَنَّ عَنِ الشبابِ وطيبه … ونَفاقِ رُتبته على الأحباب وأعمره باللذاتِ ما صَلَحَتْ لَهُ … فإِذا مَضَى لَمْ تَبْكِ فَقْدَ شَبابِ هذا الذي يبكي الشباب وطيبَهُ … أبدًا ويَرْقَعُ شيبه بخضاب لو كان أعطى نفسَهُ لذَّاتِها … لتَفَرَّغت بعد الصبا لمتاب
следующие страницы →