وقوله (١): [من السريع]
شَرِبْتُها صَفْراءَ كَرْحَيَّةٌ … كأَنَّها في كأسها تَتَّقِدْ
وتحسَبُ الماءَ زُجاجًا جَرَى … وتَحْسَبُ الأقداح ماءً جَمَدْ
وقوله (٢): [من الوافر]
وليل قد سَهِرتُ ونامَ فِيهِ … نَدَامى صُرِّعُوا حولي رُقُودا
أُسامِرُ فيهِ قَهقهةَ القَناني … ومزمارًا يُحدِّثني وعُودا
فكادَ اللَّيلُ يَرْجُمُني بِنَجم … وقال أراهُ شَيطانًا مَرِيدا
وقوله في خمرة مطبوخة (٣): [من الطويل]
خَليلي قد طابَ الشَّرابُ المُبرَّد … وقدْ عُدْتُ بعدَ النُّسْكِ والعَوْدُ أَحْمَدُ
فهاتِ عُقارًا في قميصِ زُجاجةٍ … كَياقوتة في دُرَّةٍ تَتَوَقَّدُ
تَضُوعُ عليها الماءُ شُبَّاكَ فِضَّةٍ … لها حَلَقٌ بِيضُ تُحَلُّ وتُعقَدُ
مِنَ اللائي مَسَّتْها مِنَ النارِ لَفْحَةٌ … فَظَلَّتْ بما فيها تَفُورُ وتُزيدُ
وعنها لنا في جَوفِها حَبَشِيَّةٌ … عليها سَرَاوِيلٌ مِنَ الماءِ مِجْسَدُ
فظاهرُها حِلْمُ صَبُورٌ على الأذى … وباطنها جَهْلٌ يَقُومُ وَيَقْعُدُ
ولما جنيناها قطافًا رَوِيَّةً … تَذُوبُ إِذا مَسَّتْ عناقيدها اليد
وَقَتْني مِنْ نارِ الجَحيم بنفسها … وذَلكَ مَعروف لها ليس يُجْحَدُ
وقوله (٤): [من الخفيف]
عَلِّلاني بِصَوت ناي وعُودِ … واسقياني دَمَ ابنة العنقود
أشرب الراح وهي تشرب عقلي … وعلى ذاك كان قتل الوليد
رُبَّ سُكْرٍ جَعَلْتُ مَوعِدَهُ الصُّبـ … حَ وسَاقٍ حَشَثْتُهُ بِمَزيد
وقوله (٥): [من مجزوء الكامل]
وكأَنَّما جُنِيتْ مِنَ الـ … يا قُوتِ لَيستْ بِنتَ كَرْمِ
رَقَتْ ففاتَتْ ناظرًا … يرنو فَلَمْ تُدرَك بِوَهْمِ
وقوله (٦): [من الطويل]
стр. 2347
خليلِيَ قُمْ حتى نَمُوتَ مِنَ السُّكْرِ … بِحانَةِ خَمَّارٍ مماتًا بلا قبر
ونَشربَ مِنْ كَرِخِيَّةٍ ذَهَبيةٍ … ونَصفحَ عَنْ ذَنبِ الحَوادث والدهرِ
وقوله (١): [من الكامل]
قدْ حَثَّني بالكأس أوّلَ فَجْرِهِ … ساقٍ علامةُ دِينِهِ في خَصْرِهِ
وكأَنَّ حُمْرَةَ لونها مِنْ خَدِّهِ … وكأنَّ طِيبَ نَسيمِها مِنْ نَشْرِهِ
حتى إذا صَبَّ المزاجَ تَبَسَّمَتْ … عَنْ لُؤلؤ فحسبتُهُ مِنْ شَعْرِهِ
ما زال يُنجز لي مَواعِدَ عينه … فَمُهُ وأَحْسَبِ رِيقَهُ مِنْ خَمْرِهِ
وقوله (٢): [من المنسرح]
تخرجُ مِنْ دَنْها وقدْ حَدِبَتْ … مِثْلَ هِلَالٍ بَدَا بِتقويس
مَنْ لامني في المدام فهوَ كَمَنْ … يكتُبُ بالماء في القراطيس
وقوله (٣): [من المنسرح]
قد ركبتْ كفَّهُ مُشعشعةٌ … إبريقها في الكؤوس هَدَّارُ
أُودعَ صَفرُ الزُّجاج صفرَتَها … كَمِثْلِ نُورٍ ضَمِيرُهُ نَارُ
وقوله (٤): [من الوافر]
وبيضاء الخمار إذا اجتلتها … عُيونُ الشَّرْبِ صَفراء الإزارِ
جموح في عنان الماءِ تَنْزُو … إذا ما راضها نَزْوَ المَهاري
وقوله (٥): [من الطويل]
وكرخِيَّةِ الأنساب أو بابليةٍ … ثَوَتْ حِقَبًا في ظُلْمَةِ القَارِ لا تَسْرِي
نظرتُ صفاء الماء فوقَ صَفَائِها … فَخِلتُهما سُلًا مِنَ الشمس والبدر
وقوله (٦): [من الرجز]
وليلةٍ مِنْ حَسنات الدهر
سَرَيْتُ فيها بِخُيولٍ شُقْرِ
سياطها ماء السحابِ الغُر
كأَنَّهُ دَرْبُ لُجَين يجرِي
стр. 2348
وقوله (١): [من المتقارب]
وشَرْبِ سقيتهم والصبا … ح في وَكْرِهِ واقع لمْ يَطِرْ
كأَنَّهُمُ انْتَهَبُوا بينَهُمْ … حَريقًا فأيديهم تستعر
وقوله (٢): [من الوافر]
شربنا بالكبير وبالصغيرِ … ولمْ نَحْفَل بأحداث الدهور
وقدْ رَكَضَتْ بنا خَيلُ المَلاهي … وقدْ طِرْنا بأجنحة السرور
وقوله (٣): [من الكامل]
ومهفهف يُهدي إلى النَّفْسِ … ذَهَبِيَّةَ صَفْراء كالورس
وكأنَّ كفَّيْهِ تُقَسِّمُ في … أَقداحِنا قطعًا مِنَ الشمس
وقوله (٤): [من الخفيف]
وشَمُولٍ أَرَقَها الدَّهْرُ حتى … ما تُوَارى قَذَاتُها بلَبُوس
وَرْدَةُ اللون في خُدُودِ النَّدَامى … وهيَ صَفراء في خُدودِ الكُؤوس
وقوله (٥): [من المنسرح]
لاعيش إلا بكفّ جَاريةٍ … ذاتِ دَلالٍ بِطَرفِها مَرَضُ
كأنَّ في الكأس حينَ تَمْزِجُها … نُجُومَ رَجْم تعلو وتنخفض
وقوله (٦): [من الطويل]
وشمس نهار قدْ سَبَقْتُ طُلُوعَها … بشمس عُقار في الزُّجاجَةِ تَطْلُعُ
فما اشتهر الإصباح حتى رأيتني … أقومُ إِلى بِرِّ النَّدِيمِ وأَرْكَعْ
وقوله (٧): [من الطويل]
تدور علينا الراحُ مِنْ يَدِ شادِنٍ … لهُ لَحْظُ عَيْنٍ تَشتكي السُّقْمَ مُدْنَفُ
كأَنَّ سُلافَ الخَمْرِ مِنْ ماءِ وَجْهِهِ … وعُنقودَها مِنْ شَعْرِهِ الجَعْدِ يُقْطَفُ
وقوله أيضًا وهما في جرثومة (٨): [من السريع]
وقهوة في كأسها تَزْهَرُ … يَفُوحُ منها المسك والعنبر
يَحُنُّها في كَفِّهِ شَادِنٌ … كأنَّها مِنْ خَدِّهِ تُعْصَرُ
стр. 2349
وقوله يصفها في كأس أزرق (١): [من الكامل]
وإذا رأى حمراء ساطعةَ السَّنَى … أَبْقَتْ بِخَدِّ الشَّرْبِ منها عَنْدَما
وتَوَقَّدَتْ في جَوفِ كأس أزرق … كتوقد المريخ في جو السما
وقوله (٢): [من الطويل]
وناولني كأسًا أضاءَ بَنَاتُهُ … تَدَفَّقُ ياقوتًا وَدرًا مُجَوَّفا
ولما أَذَقْنَاها المِزَاجَ تَسَخَّرَتْ … فَخِلْتُ سَنَاها بارقًا مُتَكشّفا
وقوله (٣): [من الوافر]
ونديمان سَقَيْتُ الرَّاحَ صِرْفًا … وأُفقُ الصُّبْحِ مُرتفعُ السُّجُوفِ
صَفَتْ وصَفَتْ زُجاجتها عليها … كَمعنّى دَقٌ في ذِهْنِ لَطِيفِ
وقوله (٤): [من المنسرح]
اشرب عُقارًا كأنَّها قَبَسٌ … قَدْ سَبَكَ الدهرُ تِبْرَها فَصَفَا
أُريقَ فيها المِزَاجُ فَاشتعلت … كمثل نار أطعمتها سَعَفَا
وقوله (٥): [من البسيط]
وقد يُباكرني الساقي فأشربُها … كأَنَّها قَبَسٌ فِي الكَفِّ مَشْهُورُ
يُريقُ في كأسها مِنْ صَوبِ غَادِيةٍ … فالخَمْرُ ياقُوتَةٌ والماءُ بَلُّورُ
وقوله (٦): [من المتقارب]
إذا ما طَعَنَّا بُطونَ الدِّنان … سأردمُ الكَرْمَ منهنَّ سُورا
كأنَّ خراطيمها في الزجاجِ … خَرَاطيمُ نَحْل ينقينَ نُورا
وقوله (٧): [من السريع]
مُدامةٌ تُشرِقُ في كأسها … مُضْرَمَةٌ تَسْطَعُ بالعنبر
كأنما أقداحنُا فِضَّةٌ … قَدْ بُطِّنَتْ بالذَّهَبِ الأحمر
وقوله (٨): [من الطويل]
وعاقد زنّار على غُصُنِ الآسِ … دَقِيقِ المَعانِي مُخْطَفِ الخَصْرِ مَيَّاسِ
سقاني عُقارًا صَبَّ فيها مِزَاجَها … فَأَضْحَكَ عَنْ ثَعْرِ الحَبابِ فَمَ الكَاسِ
стр. 2350
وقوله (١): [من المنسرح]
لا شيء يسلي هَمِّي سِوَى قَدَح … تدمى عليه أوداج إبريق
يكتب فيهِ كَفَّ المزاج لنا … ميماتِ سَطْرٍ بغيرِ تَعريق
وقوله (٢): [من البسيط]
ظَبْي مُخَلَّى مِنَ الأحزان أودعني … ما يعلمُ اللهُ مِنْ حُزْنٍ وَمِنْ قَلَقِ
كأنَّهُ وكأنَّ الكأس في يَدِه … هلالُ أول شهر غاب في شَفَقِ
وقوله (٣): [من الوافر]
وندمان دَعَوتُ فَهَبَّ نَحوِي … وسَلْسَلَها كما خُرِطَ العَقِيقُ
كأنَّ بكأسِها نارًا تَلَظَّى … ولولا الماءُ كان لها حريق
كأنَّ عمامة بيضاء بيني … وبين الراحِ تَحْرُقُها البُرُوقُ
وقوله (٤): [من الطويل]
ومشمولةٍ صَاغَ المزاج لرأسها … أكاليل دُرِّ ما لمنظومها سِلْكُ
جَرَتْ حَرَكاتُ الدهرِ فَوقَ سُكونِها … فَذابَتْ كَذَوبِ التِّبْرِ أَخَلَصَهُ السَّبْكُ
وقَدْ خَفِيَتْ مِنْ صَفْوِها فَكَأَنَّها … بقايا يقين كاد يُذهبهُ الشَّلُّ
وقوله يعارض من أنفق جزاف عمره في غير سرور المدام (٥): [من الطويل]
إذا شئتُ سَقَانِي غَزَالُ دَسَاكِرٍ … يُبَشِّرُ أحشاء الدنان بِمِبْزَلِ
وكَلَّل بالمنديل أقداحَ قهوةٍ … كَجَمرٍ جَلَتْهُ الريحُ قُدَّامَ مَصْطَلي
يطوف بها والصُّبْحُ عُريان خالعٌ … بقية ليل كالقميص المُرَعْبَلِ
على كل مجرور الرداء سَمَيدَع … جَوادٍ بما يحويه غيرِ مُبَخْلِ
يَعبُّ ويسقى أو يُسفّي مُدامةٌ … كمثلِ سِراج في الحنادسِ مُشْعَلِ
ولستَ تَرَاهُ سائلًا عَنْ خَلِيفَةٍ … ولا قائلًا مَنْ يَعزِلُونَ وَمَنْ يَلي
ولا صائحًا كَالعَيْرِ في يومِ لَذَّةٍ … يُناظرُ في تفضيل عُثمان أو علي
ولا حاسبًا تقويم شمس وكوكب … ليعرف أخبار العُلُو مِنَ أَسْفَلِ
يَقومُ كَحِرَباءِ الظَّهيرةِ مائلًا … يُقلِّب في اسطرلا بِهِ عَيْنَ أَحَول
ولكنَّهُ فيما عَنَاهُ وسَرَّهُ … وعَنْ غيرِ ما يَعنيهِ فَهُوَ بِمَعْزِلِ
стр. 2351
خليلي بالله اقعدا نصطَبِحْ ولا … (قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكَرَى حَبيبٍ ومَنْزِلِ)
ويا رَبِّ لا تُنْبِتُ ولا تُسقط الحَيا … (بِسِقْطِ اللوى بينَ الدَّخُولِ فَحَومَلِ)
ولا تَقْرِ مَقْرَاةَ امرئ القيس قَطْرَةً … مِنْ المُزنِ وارحم ساكنيها بجندل
ولكن ديارَ اللَّهْوِ رَبِّ فَسَقِّها … ودُلَّ على خَضْرَائِها كلَّ جَدول
وقوله (١): [من المتقارب]
وخَمَّارَةٍ مِنْ بَناتِ اليهودِ … تَرَى الرِّقَّ في بيتها شائلا
وَزَنَّا لها ذَهَبًا جامِدًا … فَكَالَتْ لنا ذَهَبًا سائلا
عُقارًا تنفَّسُ عَنْ مِسْكَةٍ … تَرَى فَوقَها لؤلؤًا جايلا
فلم أرهما سِوَى فَقْدِها … ولا غيرها [فَرحًا] عاجلا
إذا قُرِعَتْ بالماءِ حَلَّتْ بِكأسها … مدت دنا تعلو كارِعَها الرملا
مُشعشةٌ كالشمس يأكل نُورُها … زُجَاجَتها في كف شاربها أكلا
عَرُوسًا جَعَلنا مَهْرَها بعضَ دِينِنا … فما رَضِيتْ حتى وهبنا لها العقلا
وقوله (٢): [من البسيط]
ولم تَزَلْ ليلَنا تُسقَى مُشعشعةٌ … كأَنَّما الماءُ يُغريها بِتَصْرِيمِ
أبقى الجديدانِ مِنْ مَوجُودِها عَجَبًا … لونًا ورائحة في غير تجسيم
كأن في كأسها والماءُ يَقْرَعُها … أكارعَ النَّمْلِ أو نقش الخواتيم
وقوله (٣): [من الطويل]
يَمُجُ سُلافَ الخَمْرِ في عَسْجَدِيَّةٍ … تَوَهَّجَ في يمناه كالكوكب الفَرْدِ
مُحفرةٍ فيها تصاور فارس … وكسرى غَرِيقٌ حَوَلَهُ حِزَقُ الجُنْدِ
وقوله (٤): [من الخفيف]
اسقني القهوة التي تَصِفُ العَيْـ … ـنُ بلونٍ صافٍ وطعم زُلالِ
طَعَنَتْ نَحْرَها الأكف ولكن … تأخذُ النارَ مِنْ عُقول الرجال
رُوحَ دَنْ صَفراء تستخلف الشمـ … ـس سناها على سواد الليالي
وكأنَّ السُّقاةَ قَدْ مَسَحُوها … بِدهانٍ في رأسها وصقال
وقوله (٥): [من مخلع البسيط]
стр. 2352
قد أظلم الليل يا نديمي … فاقدح لنا النار بالمدام
كأنني والوَرَى رُقُودٌ … أُقبِّلُ الشمس في الظلام
وقوله (١): [من الطويل]
وصفراء مِنْ صِبْغ الهجير لرأسها … إذا مُزِجَتْ إِكليلُ دُرِّ مُنظَّم
قطعتُ بها عُمْرَ الدجى وشربتُها … ظَلَاميةَ الأجسامِ نُوريةَ الدَّمِ
وقوله (٢): [من السريع]
يا ربَّ ليلِ سَحَرٌ كُلُّهُ … مُفْتضح البدر عليل النسيم
لم أعرف الإصباح في ضَوءِهِ … لمَّا بَدَا إِلَّا بِسُكْرِ النَّديم
وقوله (٣): [من الطويل]
كأن أباريق المدام لديهم … ظباء بأعلى الرقمتين قيام
وقد شَرِبُوا حتى كأَنَّ رِقَابَهُمْ … مِنَ الدِّينِ لَمْ يُخلَقُ لَهُنَّ عِظامُ
وقوله (٤): [من الكامل]
وكأن إبريق المدامةِ بينَنا … ظَبْي على شَرَفٍ أَنافَ مُدَلَّها
لما استحثوهُ تَذَكَرَ إِلفِهِ … فَبكى على قَدَحِ النديم وقهقها
وقوله (٥): [من الوافر]
سَلِّط على الأحزان بنت الدنان … مَلِيحَ الدَّل مُختضب البنانِ
وحَمِّلْ كَفَّهُ كأسًا تَلَظَّى … بنارٍ لا تَقَنَّعُ بالدَّخانِ
فلمَّا صَبَّ فيها الماءَ سارتْ … كما سارَ الشُّجاع إلى الجبان
وقد لبست نقابًا مِنْ حَبابِ … كسلخ الأيمْ أوْ دُرِّ الجُمان
فَخِلْتُ الكأسَ مَركَز أقحوانٍ … وتُرْبَتَهُ سَحِيقَ الزَّعْفَرانِ
وقوله (٦): [من مجزوء الرمل]
قل لمن حَيَّا فأَحْيا … مَيّتًا يُحْسَبُ حَيَّا
ما الذي ضَرَّكَ لَوْ بَقَـ … ـيْتَ لي في الكأس شَيَّا
أَتُرَاني كُنْتُ إلا … مِثْلَ مَنْ قَبَّلَ فَيَّا
واسقني في كُلِّ حِينٍ … قهوةً ذاتَ حُمَا
إن يكن رُشدًا فَرُشدًا … أو يكنْ غَيًّا فَغَيَّا
стр. 2353
وقوله (١): [من الوافر]
وكأس من زجاج فيهِ (أَسْدٌ) … فرائسهن الباب الرجال
إذا ما صَرَّعَتْ مِنّا نَديمًا … توسَّدَ باليمين وبالشمال
وقوله (٢): [من المديد]
قدْ أَسَقَى الرَّاحَ صافية … تَنشُرُ الإصباح في الظلم
فإذا ما الماء خالطَها … راض منها سَهْلَةَ الشَّيَمِ
واكتستْ مِنْ شَكلِهِ حَبَبًا … بينَ مَنثُورٍ ومُنتظم
وتَبَدَّتْ في أَسرَّتِها … أَسْطُرُ مَجهولةُ الكَلِم
رَحْلُها كَفَّ يسيرُ بها … مِنْ فَمِ الإبريق نحو قم
وقوله في الهجاء (٣): [من الطويل]
وإخوان شر قد حُرِمْتُ إخاءهم … وكانوا لغرس الوُد شَرَّ بِقاعِ
قَدَحت زناد الوصل بيني وبينهم … فأذكيتُ نارًا غير ذاتِ شُعاع
وقوله في غدر بني الدهر (٤): [من المتقارب]
بَلَوتُ أَخِلاءَ هذا الزمانِ … فَأَقللت بالهجر منهم نصيبي
وكلُّهمُ إِنْ تَصَفَحتهم … صديقُ العِيان عدو المغيب
وقوله في ذم القلم والكتابة (٥): [من الطويل]
وأجوف مشقوق كأنَّ شَباتَهُ … إذا استعجلته الكف منقار لاقط
وتاه به قوم فقلتُ رويدَكُمْ … فما كاتب بالكف إلا كشاري
وقوله في صديق مداج (٦): [من الطويل]
ولي صاحب في وجهه ليَ أوجُه … وفي فَمِهِ طَبْلُ يُسَرِّي وَيَضْرِبُ
إذا ما حلا الإخوان كان مَرَارَةً … يُعَرِّضُ في حَلْقِي مرارًا ويَنشَبُ
ولا بدَّ لي منه فَحِينا يَعَضُّني … ويَنْساغُ لي حِينًا ووجْهِي مُقَطِّبُ
стр. 2354
كماء طريق الحج في كُلِّ مَنْهَلٍ … يُذَمُّ على ما كان منه ويُشرَبُ
[٢] قدامة بن جعفر بن قدامة الكاتب، أبو الفرج (١)
رجل طالما تقضى النهار وفرعه مهزوز، وسهر الليل وبرقه كأنه عمود فضة محزوز، فأنهز للفضائل أوداجًا، وكاشف الدجى وقد داجى، ولم يزل يعري عن منكب الليل دواجا، ويساقط لؤلؤ الفرقدين أزواجا، إلى أن أصبح اسمه مثلًا مضروبًا، وعذبه الزلال منهلًا مشروبًا، ولهذا كل ذي قدم في البلاغة لا يُشبه إلا بقدامة، ولا يقاس به الصابيء ابن هلال فنجي منه قلامه، وناهيك برجل سعي صيته بين الخافقين، ووسع جنباه مثل النيل والفرات الدافقين، وطال الأمد عليه وقد بلي جسده، وذهبت رحمته وحسده، والألسنة بذكره لهحة، وبفضائله وإن لم تهب من كراه مبتهجة.
كان نصرانيًا، وأسلم على يد المكتفي بالله، وكان أحد البلغاء الفصحاء، والفلاسفة الفضلاء، وممن يشار إليه في علم المنطق،، وحضر مجلس الوزير الفضل بن جعفر بن الزيات وقت مناظرة أبي سعيد السيرافي ومتى المنطقي سنة عشرين وثلاثمائة، ومات سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.
قال صاحب بغية الألباء: بلغني أن بعض متعاطي الأدب شرح المقامات الحريرية، فقال عند قوله: ولو أوتي بلاغة قدامة، ان قدامة بن جعفر كان كاتبًا لبني بويه، قال: وجهل في هذا القول، فإن قدامة كان أقدم عهدًا، وهو المذكور البغدادي من أهل الفضل، عالم بالأدب. ادرك زمن ثعلب والمبرد، وابن قتيبة وطبقتهم.
وذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في «التوشيح» قال: وقال قدامة: هو أن يكون في أول البيت معنى إذا علم علمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه كقول الراعي النميري: [من الوافر]
فَإِنْ وُزِنَ الحَصَا فَوَزَنْتُ قَومي … وَجَدْتُ حَصَا ضَربتهِمْ رَزِينا
قال: السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصا، وعرف القافية والروي علم آخر البيت.
стр. 2355
ومنهم:
[٣] أبو عثمان الجاحظ، واسمه عمرو بن بحر بن محبوب (١)
بحر البيان الدافق، ولسان الإحسان الناطق، المتكلم في كل شي، المقدم في
стр. 2356
بابه على كل ميت وحي، الذي دخله أرباب كل علم فيهم، وأطلعه أهل كل فهم قمرًا في دياجيهم، الحكيم المطلق، والعميم المعرفة في اللغة بكل ما به ينطق، الناقل لما يصدق، والناقد لما يحقق والمملي لكل ما يعلق، والمولى من متن البيان ما لا يخلق، كأنما تصنيفه للأفهام مفاتيح أقفال، وفي دجى الأوهام مصابيح تشب لقفال، وله في «البيان والتبيين» أوضح من النهار؛ إذ يبين. عجل إلى الفضائل فما راث، وسبق الأوائل بلا اكتراث. مر على المجرة، فورد شطوطها، وكر على النيرة، فمحا خطوطها، وهجم على الفضائل، وأتاها متثبتًا، وأخذها مصبحًا ومبيتًا، فملأ جوانح الغمام أوارًا، وصاغ البدر التمام تاجًا، والهلال سوارًا، بتنوع حطم به الجوزاء، فكسر عريشها، وصاد طيور الفراقد، ووزع ريشها، هذا إلى توسع في كل فن، وتحقيق لكل ظن، بخاطر طالما قرع الفولاذ، وتهادى تهادي العروس في اللاذ، وكان لا يزال ليله مبصرًا، وسيله لا ينثني مقصدًا، ولم يبق علم لم ينظر فيه نظر المتبصر، ويجتهد له اجتهاد من لم يقصر، إلا كان به أدرى، ولم تبق طائفة أحق به من الأخرى.
وقال فيه القاضي الفاضل ﵀ وقد ذكره: وما منا إلا من دخل داره، وشن على كلامه الغارة، وخرج وعلى كتفه منه الكارة.
قلت: أخذ عن أبي عبيدة، والأصمعي وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش وكان صديقه، وأخذ الكلام عن النظام، وتلقف الفصاحة من العرب شفاهًا بالمربد.
حدث أبو هفان، قال: لم أر قط، ولا سمعت أحب إلى الجاحظ من الكتب والعلوم؛ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته كائنًا ما كان حتى أنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها، والفتح بن خاقان كان يحضر لمجالسة المتوكل فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابًا من خفه أو كمه، وقرأه إلى حين عوده من الخلاء.
وكان الجاحظ من أصحاب النظام وكان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا، وله كتب كثيرة مشهورة، جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذاهب المخالفين، والأخلاق، والآداب، وفي ضروب الجد والهزل، وقد قرأها الناس وتداولوها، وعرفوا فضلها، وإذا تدبر العاقل المميز كتبه، علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان ومعرفة أصول الكلام وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها، والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة، وغير المعتزلة.
قال الجاحظ: لما مسخ الله الإنسان قردًا وخنزيرًا ترك فيه شبهًا من الإنسان،
стр. 2357
ولما مسخ الله زماننا لم يترك فيه شبهًا من الزمان.
وقال الجاحظ: ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيف؛ لأن الوقت قصير، والحس مغمور، لكن جهد البلاء أن تظهر الخلة، وتطول المدة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقًا مؤنبًا، وابن عم شامتًا، وجارًا حاسدًا، ووليًا قد حول عدوًا، وزوجة مختلفة، وجارية مستبغية، وعبدًا يحقرك، ووليًا ينتهرك.
وقال: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للأخير شيئًا، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح.
وقيل: إن الجاحظ خدم في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام، ثم استعفى فأعفي.
حدث أبو العيناء قال: كان لي صديق، فجاءني يومًا، فقال لي: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معي إليه وسيلة، وقد سألت من صديقه، فقيل لي:
أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، وأحببت أن تأخذ لي منه كتابًا بالعناية، قال:
فصرت إلى الجاحظ، فقلت له: جئتك، مسلمًا وقاضيًا للحق، ولي حاجة لبعض أصدقائي وهي كذا وكذا. قال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرف أخبارنا إذا كان في غد وجهت إليك بالكتاب فلما كان من غد وجه إليه الكتاب، فقلت لولدي: وجه هذا الكتاب لفلان ففيه حاجته فقال لي: إن أبا عثمان بعيد الغور، فينبغي أن نفضه، وننظر ما فيه، ففعل، فإذا في الكتاب: «هذا كتابي مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذمك». فلما قرأت الكتاب، مضيت إلى الجاحظ من فوري، فقال: يا أبا عبد الله قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب، فقلت: أو ليس موضع يكره فقال: لا هذه علامة بيني وبينه فيمن أعتني به، فقلت: لا إله إلا الله ما رأيت أحدًا أعلم بطبعك ولا ما جبلت عليه من هذا الرجل، علمت أنه لما قرأ الكتاب، قال: أم الجاحظ عشرة آلاف قحبة، وأم من يسأله حاجة، فقلت له: ما هذا أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ، وحدث بذلك الفتح بن خاقان، وحدث الفتح المتوكل، فذلك كان سبب اتصالي به، وإحضاري مجلسه.
ومن كلام الجاحظ: احذر من تأمن؛ فإنك حذر على من تخاف.
وقال: أجمع الناس على أربع: أنه ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخف روحًا من أحول، ولا أقود من أحدب.
قال: أربعة أشياء ممسوخة: [أكل الأرز البارد]، والنيك في الماء، والقبلة على
стр. 2358
النقاب، والغناء من وراء الستارة.
وحدث الجاحظ مرة بحضرة السدي: إذا كانت المرأة عاقلة ظريفة كاملة، كانت قحبة، قال السدي: وكيف؟ قال: لأنها تأخذ الدراهم، وتتمتع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد والتوبة معروضة لها متى شاءت، فقال: وكيف عقل العجوز؟ قال: هي أحمق الناس، وأقلهم عقلًا.
وقال أبو سعيد السيرافي: حدثنا جماعة من الصابئين كتاب، أن ثابت بن قرة قال: ما أحسد [من] هذه الأمة العربية إلا ثلاث أنفس، فإنه: [من الكامل]
عُقْمُ النساء فلا يلدْنَ شَبيهَهُمْ … إِنَّ النساء بمثلِهِمْ عُقْمُ
فقيل له: احص لنا هؤلاء الثلاثة؟ فقال:
أولهم عمر بن الخطاب في سياسته ويقظته، وحذره، وتحفظه، ودينه، وجزالته وبذالته، وصرامته وشهامته، وقيامه في صغير أمره وكبيره بنفسه، مع قريحة صافية، وعقل وافر، ولسان عضب وقلب شديد، وطوية مأمونة وعزيمة مأمومة، وصدر منشرح، وبال منفسح، وبديهة نصوح، وروية لقوح، وسر طاهر، وتوفيق حاضر، ورأي مصيب، وأمر عجيب وشأن غريب، دعم الدين وشيد بنيانه، وأحكم أساسه ورفع أركانه، وأوضح حجته وأنار برهانه، ملك في زي مسكين ما جنح في أمر ولا وني، ولا غض طرفه على خنا. ظهارته كالبطانة، وبطانته كالظهارة. جرح وأسا، ولان وقسى، ومنع وأعطى، واستخذى وسطا، كل ذلك في الله ولله، ولقد كان من نوادر الزمان.
قال: والثاني الحسن بن أبي الحسن البصري، فلقد كان من دراري النجوم علمًا وتقوى، وزهدًا وورعًا، وعفة ورقة، وتألهًا وتنزهًا، وفقهًا ومعرفة، وفصاحة ونصاحة. مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلتبس العقول ما أعرف له ثانيًا، ولا قريبًا ولا متدانيًا، كان منظره وفق مخبره، وعلانيته في وزن سريرته. عاش سبعين سنة لم يقرف بمقالة شنعاء، ولم يزل بريبة ولا فحشاء سليم الدين، نقي الأديم، محروس الحريم، يجمع مجلسه ضروب الناس وأصنافهم، لما يوسعهم من بيانه، ويفيض عليهم بإحسانه. هذا يأخذ عنه الحديث، وهذا يلقن منه التأويل، وهذا يسمع الحلال والحرام، وهذا يتبع من كلامه العربية، وهذا يجرد له المقالة، وهذا يحكي الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء، وهو في جميع هذا كالبحر العجاج تدفقًا، وكالسراج الوهاج تألقًا، ولا تنس مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأمراء وأشباه الأمراء بالكلام الفصل، واللفظ الجزل، والصدر الرحيب، والوجه الصليب،
стр. 2359
واللسان العضب كالحجاج وفلان وفلان، مع شارة الدين وبهجة العلم لا تثنيه لائمة في الله، ولا تذهله لائحة عن الله، يجلس تحت كرسيه قتادة صاحب التفسير، وعمرو وواصل صاحبا الكلام، وابن أبي إسحاق صاحب النحو، وفرقد السبخي صاحب الرقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم، فمن ذا مثله، ومن يجري مجراه.
والثالث: أبو عثمان الجاحظ، خطيب المسلمين، وشيخ المتكلمين، ومِدْرَه المتقدمين والمتأخرين. إن تكلم حكى سحبان في البلاغة، وإن ناظر ضارع النظام في الجدال، وإن جد خرج في ليل عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مزيد. حبيب القلوب، ومراح الأرواح، وشيخ الآداب، ولسان العرب كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة، ما نازعه منازع إلا رشاه آنفًا، ولا تعرض له منقوص إلا قدم له التواضع استبقاء. الخلفاء تعرفه، والأمراء تصفه، والكبراء تنادمه، العلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلم عليه، والغامة تحبه جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم، وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم، طال عمره وفشت حكمته، وظهرت حيلته، ووطئ الرجال عقبه، وتهادوا أدبه وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالاقتداء به، لقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب.
قال صاحب «بغية الألباء»: هذا قول ثابت، وهو رجل صابيء لا يرى للإسلام حرمة، ولا للمسلمين حقًا، ولا يوجب لأحدٍ منهم ذمامًا وقد انتقد هذا الانتقاد، ونظر هذا النظر، وحكم بهذا الحكم، وأبصر الحق بعين لا غشاوة عليها من الهوى، ونفس لا لطخ بها من التقليد، وعقل ما تخبل عليه بالعصبية، ولسنا نجهل مع ذلك فضل هؤلاء الثلاثة من السلف الطاهر، والخلف الصالح، ولكن عجبنا فضل عجب من رجل ليس منا، ولا من أهل ملتنا ولغتنا، ولعله ما خَبُرَ عمر بن الخطاب كل الخبرة، ولا استوعب كل ما للحسن من منقبة، ولا وقف على ما لجميع أبي عثمان من البيان والحكمة بقوله هذا القول، ويتعجب هذا التعجب، ويحسد هذه الأمة بهم هذا الحسد، ويختم كلامه بأبي عثمان ويصفه بما يأبى الطاعن عليه أن يكون له شيء منه، ويغضب إذا ادعى ذلك له، أو وقر عليه. هل هذا إلا الجهل الذي يرجم المثل به.
قيل لأبي هفان: لم لم تهجو الجاحظ فقد ندد بك، وأخذ بمخنقك؟ فقال:
أمثلي يخدع عن عقله، والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا في الصين، ولو قلت فيه ألف بيت لما طنَّ منها بيت في ألف سنة.
قال المبرد: سمعت الجاحظ يقول: كل عشق يُسمى حبًا، وليس كل حب يسمى عشقًا، لأن العشق اسم لما فضل من المحبة، كما أن السرف اسم لما جاوز الجود،
стр. 2360
والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد، والجبن اسم لما فضل عن شدة الاحتراس، والهرج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وقال أبو الفضل بن العميد: ثلاثة علوم الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس:
الفقه على أبي حنيفة؛ لأنه دون وخلَّد، وجعل من يتكلم به بعده مشيرًا إليه ومخبرًا عنه، والكلام فعلى أبي الهذيل، والفصاحة واللسن فعلى أبي عثمان الجاحظ.
وحدث يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: يُحب للرجل أن يكون سخيًا لا يبلغ التبذير، شجاعًا لا يبلغ الهرج، متحرسًا لا يبلغ الجبن، بطيئًا لا يبلغ العجز، ماضيًا لا يبلغ القحة، قوالًا لا يبلغ الهذر، صموتًا لا يبلغ العي، حليمًا لا يبلغ الذل، منتصرًا لا يبلغ الظلم، وقورًا لا يبلغ البلادة، ناقدًا لا يبلغ الطيش، ثم وجدنا رسول الله ﷺ قد جمع ذلك كله، في كلمة واحدة، وهي «خير الأمور أوساطها» فعلمنا أنه ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وعلم فصل الخطاب.
وقال أبو زيد البلخي: ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشئ مشغول، وعقل المتصفح فارغ.
وحدث المبرد قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه، فقلت: كيف أنت؟
فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حُرَّ بالمنشار ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأشد من ذلك نيفًا وتسعون سنة أنا فيها، ثم أنشدنا (١): [من الوافر]
أترجو أن تكون وأنت شيخ … كما قد كنت أيام الشباب
كذبتك نفسك ليسَ ثَوبٌ .. دَرِيسٌ كالجديد من الثياب
وحدث أبو محمد الحسن بن عمر النجيرمي قال: كنت بالأندلس، فقيل لي: إن هاهنا تلميذًا لأبي عثمان الجاحظ يعرف بسلام بن يزيد، فأتيته فرأيت شيخًا هرمًا، فسألته عن سبب اجتماعه بأبي عثمان، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس، فقال: كان طالب العلم بالمشرق يشرف عند ملوكنا بلقاء أبي عثمان، فوقع إلينا شيء من كتبه، فخرجت لا أعرّج على شيء حتى قصدت بغداد، فسألت عنه، فقيل لي: بالبصرة، فانحدرت إليه، وسألت عن منزله، فأرشدت إليه، ودخلت إليه، فإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيًا ليس فيهم ذو لحية غيره فدهشت فقلت: أيكم أبو عثمان، فرفع يده وحركها في وجهي وقال: من أين أنت؟ قلت: من الأندلس، فقال: طينة حمقاء، فما
стр. 2361
الاسم:؟ قلت: سلام، قال: اسم كلب القِراد. ابن من؟ قلت: ابن يزيد. قال: بحق ما صرت. أبو من؟ قلت: أبو خلف، قال: كنية قرد زبيدة. ما جئت تطلب؟ قلت: العلم. قال: ارجع بوقت؛ فإنك لا تفلح، قلت: ما أنصفتني، فقد اشتملت على خصال أربع: جفاء البادية، وبعد الشقة، وعزة الحداثة، ودهشة الداخل، قال: فترى حولي عشرين صبيًا ليس فيهم ذو لحية غيري، ما كان يجب أن تعرفني بها؟ قال: فأقمت عليه عشرين سنة.
وقال أبو العيناء: أنشدني الجاحظ لنفسه (١): [من الوافر]
يَطيب العيش أن تلقى حليمًا … غَذَاهُ العِلم والرأي المصيب
فيكشِفُ عنك حيرة كلِّ رَيْبٍ … وفضلُ العلم يعرفه الأديب
سقام الحرص ليس لهُ شِفاءٌ … وداء البخل ليس له طبيب
وكان الجاحظ يقول: إن تهيأ لك في الشاعر أن تبره وترضيه، وإلا فاقتله.
وقال ميمون بن هارون: قلت للجاحظ: ألك بالبصرة ضيعة؟ فتبسم وقال: إنما أنا وجارية، وجارية تخدمها، وخادم، وحمار. أهديت كتاب «الحيوان» إلى محمد بن عبد الملك، فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب «البيان والتبيين» إلى ابن أبي دؤاد فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب «الزرع والنخل» إلى إبراهيم بن العباس الصولي، فأعطاني خمسة آلاف دينار. فانصرفت إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد، ولا تسميد.
وكتاب البيان والتبيين نسختان أولى وثانية، والثانية أصح وأجود، وله من المصنفات زيادة على مائة وعشرين مصنفًا.
وتوفي الجاحظ سنة خمس وخمسين ومائتين في خلافة المعتز، وقد جاوز التسعين، وكان يتعين تقديمه على ابن المعتز وقدامة، وإنما ذكرناهما قبله؛ لاعتنائهما بعلم البديع، وتصنيفهما أبوابه، فوصلنا تراجمهما بتفريعهما للفن، واختراع أقسامه استطرادًا.
وذكره أبو القاسم الراغب في كتاب المحاضرات في كثرة آيات الأنبياء وقلتها قال: قال العلماء: إنما كثر اعلام موسى لأن علمه كان مع غباوة بني إسرائيل، ونقصان أحلام القبط.
قال الجاحظ: ومتى أردت معرفة ذلك، فانظر إلى بقاياهم هل لهم حكمة، أو
стр. 2362
مثل أو شعر، ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم معنا هل تغير بذلك أخلاقهم وشمائلهم، وأحلامهم وآدابهم، وفطنهم، ثم من غباوتهم ما حكى الله تعالى عنهم حيث قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (١) وكقولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (٢) وكقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ (٣) وآياتهم انقطعت بموتهم، وعرفها من بعدهم بإخبار سلفهم. وجعل من معجزات نبينا ﷺ القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأشرك فيه الخلف والسلف، وجعله باقيًا على مرور الأيام وبعد الأحوال.
وقال أبو عثمان لعائب عليه كتبه:
عبت الكتاب، ونعم الذخر والعقدة، ونعم البشرة والنزهة، ونعم المستغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة، والمعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، والوزير والتنزيل. والكتاب وعاء ملئ علمًا، وظرف حشي ظرفًا، وإناء سخن مزاجًا، وحدًا إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وعجبت من غرائب فوائده، وإن شئت شجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مثله، وببارد حار، ومن لك بطبيب أعرابي، وبرومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولد، وتقديم ممتع، وبشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب، والحسن وضده، وبعد فمتى رأيت بستانًا يحمل في ردن، وروضة في قلب. ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى. آمن من أرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأضبط بحفظ الوديعة من أرباب الوديعة، وأحفظ لما استحفظ من الأميين، ومن الأعراب للمعربين، بل من الصبيان قبل اعتراض الاشتغال، حين العناية تامة لم تنتقص، والأذهان فارغة لم تتقسم، والإرادات وافرة لم تتشعب، والطينة لينة فهي أقبل ما يكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون من العلوق، حين هذه الخصال لم يلبس جديدها، ولم تتفرق قواها كانت كقول الشاعر: [من الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
وقال ذو الرمة لعيسى بن عمر:
стр. 2363
اكتب شعري، فالكتاب أعجب إليَّ من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعب في طلبها يومًا أو ليلة، فيضع موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى، ولا يبدل كلامًا بكلام.
وعبت الكتاب ولا أعلم جارًا أبر، ولا خليطًا أنصف، ولا رفيقًا أطوع، ولا معلمًا أخضع، ولا صاحبًا أظهر كفاية، ولا أقل غيبة، ولا أكثر أعجوبة وتصرفًا، ولا أقل صلفًا وتكلفًا، ولا أكف عن قتال وشغب ومراء من كتاب، ولا أعلم شجرة أطول عمرًا، ولا أجمع أمرًا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتني، ولا أسرع إدراكًا، ولا أوجد في كل إبان من كتاب، ولا أعلم نتاجًا في حداثة سنه، وقرب ميلاده، وحضور ذهنه، وإمكان موجوده، يجمع بين التدابير العجيبة، والعلوم القريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الاخبار عن القرون الماضية، والبلاد خفة المتراخية والأمثال السائرة، والأمم البائدة، مما يجمع الكتاب. والكتاب مع نقله، وصغر حجمه صامت ما أسكته، وينبغ ما استنطقه، ومن لك بمستمر لا يبتدئك في حال شغلك، ولا يدعك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له والتذمم فيه ومن لك بزائر إن شئت جعلت زيارته غبًا، وورده خمسًا، وإن شئت لزمك لزوم ظلك، وكان منك مكان بعضك. والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك، والمستميح الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يستبطئك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر والخديعة، ولا يخدعك بالنفاق والكذب والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بيانك، وفخم ألفاظك، ونجح نفسك، وعمر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك، وعرفت به في شهر ما لا تعرفه في دهر من أفواه الرجال، مع السلامة من الغرم، ومن كد الطلب، ومن الوقوف بباب المكتب بالتعليم وبالجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقًا، وأكرم منه عرقًا، ومع السلامة من مجالسة البغضاء، ومقارنة الأغبياء، وهو الذي يطيعك بالليل طاعته لك بالنهار، وفي السفر طاعته لك في الحضر، ولا يعتل بنوم ولا يعتريه كلال السهر، وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عزلت لم يدع طاعتك، وإن هبت ريح عدوك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقًا منه بسبب، ومعتصمًا منه بأدنى حبل لم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارة، مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي
стр. 2364
تلزم، ومن فضول النظر، ومن عادة الخوض، ومن ملابسة صغار الناس، وحضور ألفاظهم الرديئة الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم السيئة، وجهالتهم المذمومة، لكان في ذلك السلامة، ولو لم يك في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف البيت، وعن اعتياد الراحة. لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنة.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: «قال المهلب لبنيه في وصيته: يا بني لا تقوموا في الأسواق إلا على زراد أو وراق».
وقال شيخ قُرئ عليه مآثر غطفان: «ذهبت المكارم إلا من الكتب».
وقال غيره: «غبرت أربعين سنة ما قلت، ولا بت، ولا اتكأت إلا والكتاب موضوع على صدري».
وقال علي بن الجهم: «إذا استحسنت الكتاب، ورجوت منه الفائدة، فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقة مخافة استنفاده، وانقطاع المادة من مثله، وإن كان الدفتر عظيم الحجم، وكان الورق كثير العدد والإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولا بد أن تصير كتبه أكثر من سماعه، ولا يجمع حتى يكون الإنفاق عليه مما لعدته، ومن لم يكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذ عنده من إنفاق عشاق الصبيان، والمستهزئين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغًا رضيًا».
وقال إبراهيم بن السندي: «وددت أن الزنادقة لم يكونوا حراصًا على المغالاة بالورق النقي الأبيض، وتخير الحبر الأسود، والخط الجيد، فإنني لم أر كورق كتبهم ورقًا، ولا كخطوطهم خطًا، وإني غرمت مالًا عظيمًا مع حبي للمال، وبغضي للغرم؛ لأن سخاء النفس بالإنفاق على الكتب دليل على شرف النفس، وعلى السلامة من سكر الآفات».
وقال أبو عمرو بن العلاء: «ما دخلت على رجل قط، ولا مررت ببابه، فرأيته ينظر في دفتر، وجليسه فارغ إلا اعتقدت أنه أفضل منه وأعقل».
وأنشد رجل يونس النحوي قوله: [من البسيط]
استَودَعَ العِلمَ قِرْطاسًا فضيَّعَهُ … فَبِئْسَ مُستودعُ العلم القراطيس
فقال: قاتله الله فما أشد صبابته، وأحسن صيانته له. إن عملك من روحك، ومالك من بدنك، فضعه مكان الروح، ومالك بمكان البدن.
وقال الخليل بن أحمد: «لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه».
стр. 2365
قال غيره: «فإذا الذي لا يحتاج إليه هو الذي يحتاج إليه إذا لم يوصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج إليه».
وقد قال ﷺ : «قيدوا العلم بالكتاب».
وروي عنه ﷺ أنه قال: «بقية عمر الإنسان لا ثمن لها يدرك ما فاته، ويحيي ما أماته، ويبدل سيئاته حسنات».
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «إن الله تعالى جعل محاسن الأخلاق وصلة بينه وبين عباده، فبحسب أحدكم أن يتمسك بحبل متصل بالله».
قيل لبعض الكذابين: كيف تحتال للكذب؟ قال: أكذب على الموتى واستشهد الغيب.
قيل لبعض الحكماء: متى تقضي له بالصدق؟ قال: إذا صدق فيما يضره كما يصدق فيما ينفعه.
قال رسول الله ﷺ : «المؤمن يألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف».
وقال ﷺ : «لم يكذب من قال خيرًا أو نمي خيرًا وأصلح بين الناس».
قال ابن مسعود ﵁: «من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبخ نفسه».
وقال الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين»: وقد صحت التجربة، وقامت العبرة على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة منه إذا سقط أكثرها أو خالف أحد شطريها للآخر، وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس.
قال: ومتى وجد اللسان في جميع جهاته شيئًا يقرعه ويصكه، ولم يمر في هواء واسع المجال، وكان لسانه يملأ جوبة فمه، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر، ويؤكده قول صاحب المنطق أن الطائر، والسبع، والبهيمة، كلما كان لسان الواحد منها أعرض، كان أفصح، وأحكى لما يلقن، ولما يسمع نحو الببغاء والغداف وغراب البين.
قال: ويدل على أن عظم اللسان نافع لمن سقط جميع أسنانه قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية حين أمره بهجاء الأنصار: أرادني أنت في الكفر بعد الإيمان، ولكني سأدلك على غلام في الحي كأن لسانه لسان ثور، يعني الأخطل.
وفي الحديث: «إن الله يبغض الرجل يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلاء بلسانها».
وقال رسول الله ﷺ لحسان: «ما بقي من لسانك، فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه
стр. 2366
طرف أرنبته» ثم قال: «والله لو وضعته على صخر لفلقته، أو على شعر لحلقته، وما يسرني به مقول من معد رائق السمط».
ثم قال بعد ذلك:
وقد قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني، القائمة في صدور الناس، المتصورة في آذانهم، المتجلجلة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والجارية على أفكارهم، مستورة خفية، محجوبة مكتوبة، وموجودة معدومة، ولا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه إلا بغيره، وإنما يحيي تلك المعاني استعمالهم لها، أو إخبارهم عنها، فبهذا يقرب من الفهم، وينجلي للعقل، ويجعل الخفي ظاهرا، والغائب حاضرا، والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا، وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب الإشارة يكون إظهار المعنى، وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح كانت الإشارة أبين وأنور، والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الناطق به القرآن، والله جل ثناؤه يمدحه، ويدعو إليه ويحث عليه، وتفاخرت العرب، وتفاضلت العجم، وهو اسم لما كشف قناع المعنى، وهتك الحجاب، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان؛ لأن الغاية التي يجري إليها، إنما هو الفهم والإفهام، وأوضحت المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع. ثم اعلم أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة، وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ، ومن غير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد، وأولها اللفظ، ثم الإشارة ثم العقد، ثم الخط، ثم النصبة الحال التي تسمى نصبة، والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا ينقص عن تلك الدلالات، ولكل واحدة من هذه الخمسة صورة بائنة عن صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف عن أعيان المعاني، ثم عن حقائقها في التفسير، وأجناسها، وأقدارها، وخاصها وعامها، وطبقاتها في السار والضار، والبيان بصر، والعي عتمى. كما أن العلم بصر والجهل عمى، والبيان من نتاج العلم والعي من نتاج الجهل.
وقال يونس بن حبيب: ليس لعيي مروءة، ولا لمنقوص البيان بها بهاء، ولو حل بيافوخه أعنان السماء.
قال: وأما الإشارة باليد وبالرأس، وبالعين وبالحاجب، والمنكب، وبالثوب وبالسيف، وقد يتهدد رافع السوط والسيف، فيكون ذلك زاجرا رادعا، ويكون وعيدا وتحذيرا. والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هوله، ونعم الترجمان، وما تعدو
стр. 2367
الإشارة أن تكون ذات حلية موصوفة، وصورة معروفة، وفي الإشارة بالطرف والحاجب، وغيرهما من الجوارح مرفق كبير، ومعونة حاضرة في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس، وغير الجليس، ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس، ولجهلوا هذا الباب البتة، وقد قال الشاعر: [من الطويل]
أَشارَتْ بطرف العين خيفة أهلها … إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبًا … وأهلًا وسهلًا بالحبيب المسلم
هذا ومبلغ الإشارة أبلغ من مبلغ الصوت والصوت آلة اللفظ، وهو الجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. حسن الإشارة باليد، والرأس من تمام حسن البيان باللسان، وقد قال الشاعر: [من الطويل]
إذا نَحنُ خِفْنا الكاشحينَ فلم نُطِقُ كلامًا تكلمنا بأعيننا شَزْرا فَنَقْضِي وَلَمْ يُعلم بنا كلُّ حاجةٍ ولم نُظهر الشكوى ولم نهتكِ السِّرَّا فأما الخط فمماذكره الله فيه لنبيه ﷺ : ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) وأقسم به في كتابه المكنون، فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٢) والقلم أحد اللسانين، وهو أبقى أثرًا، واللسان أكثر هذرًا.
وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام، واللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو في الغابر الكائن مثله للقائم الراهن. والكتاب يقرأ بكل لسان، ويدرس في كل مكان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوز مواضعه.
وأما العقد وهو الحساب دون اللفظ والخط، فالدليل على لفظه والانتفاع به قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣) وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (٤) وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٥) وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا
стр. 2368
مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (١) ولولا معرفة العباد معنى الحساب في الدنيا لما فهموا معنى الحساب في الآخرة.
وأما النصبة، فهي الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد، وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض، وفي كل شيء، وكذلك قال الأول: سل الأرض فقل من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارًا أجابتك اعتبارًا.
وقال صالح بن عبد القدوس (٢): [من الخفيف]
إن تكن لا تُطيقُ رَجْعَ جَوابِ … فلقِدْمًا تَرَى وأَنتَ خَطِيبُ
واعظات وما وعظتَ بقول … مثل وعظ بالصمت إذ لا تُجيب
وقال بعض الحكماء: أشهد أن السموات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة، ويشهد لك بالربوبية.
وقال خطيب من الخطباء حين قام على سرير الإسكندر وهو ميت: الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وقال عنترة، وجعل نعيب الغراب خبرًا للزاجر (٣): [من الكامل]
حَرِقُ الجناح كأَنَّ لَحْيَيْ رأسِهِ … حلمان بالأخبار هش مُولَعُ
وقال أبو الرديني العكلي، وذكر تنسم الذئب الريح، وصدق استرواحه واستنشائه: [من الرجز]
يستخبر الريح إذا لم يسمع
بمثلِ مِقرَاع الصفا الموقع
وقال آخر: [من البسيط]
إنَّ السماء وإنَّ الأرضَ شاهدةٌ … والله يشهد والأيام والبلد
قال الجاحظ: ومتى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه، وإن كان صامتًا، وأشار إليه وإن كان ساكنًا. وهذا القول سائغ في جميع اللغات، ومتفق عليه مع إفراط الاختلافات.
وقال نصيب في هذا المعنى يمدح سليمان بن عبيد الملك (٤): [من الطويل]
أقولُ لِرَكب قافلين رأيتُهم: … قفوا ذاتَ أوشال ومولاك لاعب
قفوا خَبِّروني عَنْ سُليمان إنني … لمعروفه مِنْ أَهْلِ ودّان طالب
стр. 2369
فعاجُوا فأثْنَوا بالذي أنت أهلُهُ … وَلَوْ سَكَتُوا أثنت عليك الحقائب
قال الجاحظ: قال علي كرم الله وجهه: قيمة كل امرئ ما يحسن، فلو لم نقف إلا على هذه الكلمة، لوجدناها كافية شافية، ومجزية مغنية، بل لوجدناها فاضلة على الكفاية، غير مقصورة عن الغاية، وأحسن الكلام ما كان قليله مغنيًا عن كثيره، ومعناه ظاهرًا في لفظه، وإذا كان المعنى شريفًا، واللفظ بليغًا، وكان صحيح الطابع، بعيدًا عن التكلف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، وحينئذ لا يمتنع من تكليفها صدور الجبابرة، ولا يذهب عن فهمها عقول الجهلة.
وقال عامر بن عبد القيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.
وقد جمع الباقر صلاح شأن الدنيا بحذافيرها قال: «صلاح جميع التغابن والتعاشر ملء مكيال ثلثاه فطنة وثلث تغافل».
قال الجاحظ: فلم يجعل لغير الفطنة نصيبًا؛ لأن الإنسان لا يتغافل إلا عن شيء فطن له.
وقيل لابن عباس: أنَّى لك هذا العلم؟ قال: قلب عقول، ولسان سؤول.
وقيل لمحمد بن علي والد الخليفتين: متى يكون وجود الأدب شرًا من عدمه؟
قال: إذا كثر الأدب، ونقصت القريحة. وكان يقول: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل.
وقال أبو مسلم: سمعت الإمام إبراهيم بن محمد يقول: يكفي من حفظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء إفهام السامع. قال الجاحظ: وأنا أستحسن هذا الكلام جدًا.
ومن كلامه قوله: اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر كما نعوذ بك من العي والحصر.
وقوله أيضًا، وذكر الله تعالى جميل بلائه في تعليم البيان، وعظيم نعمته في تقويم اللسان، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (١). وقال: هذا بيان للناس، ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفضيل والإيضاح، وسماه فرقانًا كما سماه قرآنًا.
стр. 2370
وقوله: رأيت فلانًا ينفض يده منك، وأنت تصادره على وصله، وكفى بالأعراض حاجبًا، وبالانقباض طاردًا، وممن وقف في الإذن لك فقد حجبك، ومن تنكر عن حكايتك فقد كذبك، ومن حظر عنك سره، فقد اتهمك، ومن مطلك ولو ساعة، فقد حرمك، ومن تمنى فقدك فقد قتلك، ومن صادق عدوك، فقد عاداك، ومن عادى عدوك، فقد والاك، ومن صدقك عن عيبك، فقد علمك، ومن أقبل بحديثه على غيرك، فقد طردك، ومن شكر إليك سواك، فقد سألك، ومن سكت عن مديح الناس لك، فقد ثلبك، ومن بلغك، شتمك، ومن استمهلك في الجواب، فقد هابك، ومن أجرى ذكرك عند من لا تأمنه عليك، فقد اغتابك، ومن نقل إليك، فقد نقل عنك، ومن شهد لك بالباطل، فقد شهد عليك، ومن وقع لك في أخيك، فقد وقع له فيك، ومن أحبك لغير شيء، فقد أبغضك لغير شيء، ومن أحسن إليك، فقد استعان بالأيام عليك، فإن شكرته، جازتك عنه، وإن كفرته حاربتك دونه، ومن ألح في سؤالك فقد طرق لك إلى حرمانه، ومن أمرك بما لا تطيق، فقد أغراك بعصيانه، جعلتك سهيمي فيها، وأعطيتك ما أعطيت نفسي منها، فكن شفيعي إلى إذنك حتى تسمعها، وشفيع أذنك إلى قلبك حتى يفهمها، وشفيع قلبك إلى نفسك حتى تعمل بها.
ومنهم:
[٤] أبو محمد، عبد الله بن سعيد بن محمد بن سنان الخفاجي الحلبي (١)
إن تكلم في دقائق الأدب أتقنها، أو في لغة العرب قال متقنها بنظم أقوى من تركيب الأنابيب، وأحوى من الليل لشمل كل غريب، تنوع في فنونه، وتسرع إلى أخذ
стр. 2371
القلوب بفتونه، وترفع في طبقاته، فرأى الدراري من دونه لمع بالتوشية برديه ووارى في التسوية النهار في وضوح ضحاه، وطيب أبرديه، وجارى البحر كلامه، فكأنه قذف له من الدر ما لديه، وولد فيه من التشبيه كل عقيم، ومن اللطائف ما يحسن على خدود الطروس عذاره الرقيم، ومن المعاني الواضحة الخفية ما يحكي الطرف الصحيح السقيم، وهو صاحب كتاب «سر الصناعة» ونقلة الآداب تمتاز منه، وتجلت البضاعة، وله مع أبي العلاء محاورات أجل من محاورة الحبيب، ومجاراة أمتع من مجاراة الشادن اللبيب.
وقد ذكر ابن العديم منه شذورًا وبلغ بها أماني كأنما وفي بها نذورًا.
وكان الخفاجي شيعيًا، مبالغًا في الغلو، لا بل رافضيًا، إن يريد في الأرض إلا الفساد والغلو، وفي شعره منه تلك التي تستك منها المسامع، وتستل دماء النفوس حسرات بها المدامع، ذكر فيها السلف الأول بما برأهم الله من عتابه، وبراهم لرد نباله الراشقة في جعابه، ولقد ذكر أبا بكر الصديق ﵁ في معنى فدك بما يدرأ به هذا العظيم الفرية في سحره، ويرد به سهم هذا المنتصب عرضًا إلى نحره، ويرمي به شيطانه الأفيك يدخره، ويعاد به جلبه، ولو كان العنبر الورد إلى شجره.
فأما شعره، فما لا ينكر لؤلؤه لبحره (١): [من الكامل]
عَكَسَ الأنام فإن سمعت بناقص … فاعْلَمْ بِأنَّ لديهِ حَظًَّا زائدا
وتفاوت الأرزاق أوجب فيهمُ … أَنْ يَجعلُوهُ مَصالِحًا ومَفاسِدا
وقوله (٢): [من البسيط]
ومُكِبْرِينَ صَغيرًا مِنْ عُقُوقِهم … لمْ يركبوا الخيل إلا بعد ما كَبِرُوا
أخفوا بكيدِهم عُذرًا فما عبئتْ … سُمرُ الرماح بما هَمَّتْ بهِ الإبرُ
منها:
جَرَّبتُموهُ فأَفنتْكُمْ صَوارِمُهُ … ولوْ عَقلتُمْ كَفَاكُمْ دُونَهُ الخَبَرُ
وقد علا فوق أفلاك النجوم بها … فكيفَ يَلْحَقُ مَنْ فِي بَاعِهِ قِصَرُ
حدث ببأس بني حمدان في أممٍ … تَأتي فقد ظهرت في هذه النُّذُرُ
стр. 2372
واذكر لهم سيرًا في المَجدِ مُعجزةً … لولا الشريعةُ قُلنا إنها سُوَرُ
قوم إذا طَلَبَ الأعداء عيبهم … فما يَقولونَ إِلا أَنهم بَشَرُ
السابقون إلى الدُّنيا بما مَلَكُوا … ما أوردوا الناس إلا بعدما صدروا
منها:
فَرْعُ أبان جناهُ طِيبَ عُنصِرِهِ … ما يعرفُ العُود حتى يُعرَفَ الثَّمَرُ
منها:
منظومة فإذا فاهَ الرُّواةُ بها … ظَنَنْتَ أَنَّ نُجوم الليل تنتشرُ
مِنْ مُعجزاتي التي لولا بَدائعُها … في الشِّعْرِ شَبَّهَ قَومٌ بعض ما سحروا
ومنه قوله (١): [من الطويل]
وجَدُوةٍ نارِ دُونَ ذِكْرِ مَكانِها … سريرةٌ حُبّ لا تخافُ ظُهورها
تناهيتُ في كتمانه فنسيتُهُ … فلله نفس غاب عنها ضَمِيرُها
وقوله (٢): [من الكامل]
ودع النسيم يُعيدُ مِنْ أَخبارِهِ … فَلَهُ حَواشٍ للحديث رقاق
ما نَمَّ مِنْ علق العُذَيْبِ بغائب … إلا وقد شهدتْ بِهِ الآماق
وعلى الغَضَا إِنْ كُنْتَ مِنْ جِيرَانِهِ … نارٌ تقسم حرها الأشواق
ومنها:
ومُشَيَّتِ العَزَماتِ يُنْفِقُ عُمْرَهُ … حَيرانَ لا ظَفَرُ ولا إخفاق
أَمَلٌ يَلوحُ اليأس في أرجائِهِ … وغِنّى يَشِفُ وراءَهُ الإِمْلاقُ
يَمْرِي عفافةَ ثَرْوَةِ لَوَ أَنَّها … نَومٌ لما شَعَرْتْ بِهِ الآماقُ
وقوله (٣): [الكامل]
لو أنصفت زُفَتْ إلى خُطَّابِها … والبدر تاج والنُّجوم نطاقُ
لم يعترضها بالحِجابِ نَقيصةٌ … ما كلَّ ما سَتَرَ البُدورَ مُحاقُ
وقوله (٤): [من الطويل]
وهاتفة في البانِ تُملِي غَرَامَها … علينا وتَتلوْ مِنْ صَبَابَتِهَا صُحْفَا
стр. 2373
عَجِبتُ لها تشكو الفراقَ جَهالةً … وقد جاوبتْ من كل ناحية إلفا
وَيَشْجَو قُلوب العاشقينَ حَنينُها … وما فهموا مِمَّا تغنَّتْ بِهِ حَرْفا
ولوْ صَدَقَتْ فيما تقولُ مِنَ الأسَى … لَمَا لَبِسَتْ طَوقًا ولا خَضَبَتْ كَفَّا
أجارَتَنا أَذْكَرتِ مَنْ ليس ناسيًا … وأضرمتِ نارًا للصبابة لا تُطْفَا
منها:
لَعَمْرِي لئن طالت علينا فإنَّنا … بحكم الثريا قد قطعنا لها كَفَّا
رمينا بها في الغرب وهيَ ذَميمةٌ … ولمْ يُبَقِ للجوزاء عقدًا ولا شَنْفا
كأنَّ الدُّجَى لمَّا تَوَلَّتْ نُجُومُهُ … مُدبِّرُ حَرْبٍ قَدْ هَزَمنا لها صَفًا
كأنَّ عليه للمجرَّةِ رَوضةٌ … مُفَتِّحةُ الأزهار أوْ نَشْرَةٌ رعفا
كانا وقدْ أَلقَى إلينا هلالَهُ … سلبناه تاجًا أو قصمنا له وقفا
كأنَّ السُّها إنسانُ عَينٍ فَريحةٍ … مِنَ الدمع تبدو كُلَّما ذَرَفَتْ ذَرْفا
كأَنَّ سَنَى المِرِّيخِ شَمْلَةٌ قابسٍ … تَخطفها عجلان يخطفُها خَطفا
كأن سهيلًا فارس عاينَ الوَغَى … فَفَرَّ ولمْ يَشهد طرادًا ولا زَحْفا
كأنَّ أفول النَّسْرِ طَرْفٌ تَعلَّقتْ … بهِ سِنَةٌ ما هَبَّ منها وما أغفى
جَرَى سابقًا في حَلْبَةِ الجُودِ وحْدَهُ … وقال العدا كان السحاب لهُ رِدْفا
[ومنه قوله أيضًا: [من الكامل]
تَفرَّدَ عَنْ أَهل الزمانِ بِمَذهَبٍ … يُريدُ بِهِ مَستورُ لُؤْمِهِمُ كَشْفا]
وقوله (١): [من الكامل]
ما كان يعلم قبلَ فيضِ نَوالِهِ … أَنَّ الغَمامَ إذا استهل بخيل
فَرقَتْ عَزائمُهُ فَشَابَ له الدُّجى … خَوفًا وأثر في الهلال نُحُولُ
وقوله (٢): [من الرمل]
كلُّ مَيَّاسِ جَرَتْ أَعطافُهُ … وعَواليه على حكم التثني
هزة للجود صارتْ نَشْوَةَ … لَمْ يُكَدِّرْ عِندَها العُرْف تَمَنِّي
وقوله (٣): [من الطويل]
وهلْ عَلِمَ البَرْقُ اليَمَانِيُّ أَننا … طَرَقْنا بِهِ طَرْفًا مِنَ الليل أكحلا
стр. 2374
وما بالُهُ خَصَّ الغَضَا بابتسامةٍ … وسَلَّ على رَمْلِ الشقيقةِ مُنْصَلا
وهيفاء طوع الريح قَدْ خَلَعَ الدُّجَى … عليها هلالًا بالنجومِ مُكَلَّلا
لها من هلالِ المَشْرَفِي صِقَالُهُ … وَمِنْ شِيَمِ الخَطَّيِّ أَنْ يَتْمَيَّلا
وقوله (١): [من الطويل]
وليس بكاء العين إلا جِنايَةٌ … ولا اللُّوم إلا أنها بقيت معي
وكل أسى لا تذهب النفس عندَهُ … فما هُوَ إِلا مِنْ قَبيل التصنع
ووالله ما وفَيْتُ وُدَّكِ حَقَّهُ … وهلْ هِيَ إلا لوعتي وتفجعي
وأين وفائي لا ندى الدَّمعِ بالغ … رضائي ولا جَهْدُ الصَّبَابَةِ مَقنعي
وقوله (٢): [من الكامل]
أنفَقْتُ بَعْدَ أَبي العلاء مدامعًا … حُبِستْ ذَخِيرَتُها على الآماق
وبَكَيتُه وجُفونُها مَوجُودَةٌ … مثل الحمام تنوح بالأطواق
وضَتِنْتُ في فيض الدموع مِنَ الجَوى … فَرَحًا فَصار بمائها إحراقي
وقوله (٣): [من الكامل]
ومدامع سَبَقَتْ خَال نديمه … ما كنت إلا قطرةً مِنْ ظلّها
وإذا القلوب ترادفت أحزانُها … فالدمعُ يَحملُ شُعبةً مِنْ نَقِلها
وقوله (٤): [من الطويل]
لحا الله مغلوبًا على نَصْلِ سَيفِهِ … مُقيمًا على نهي الزمان وأمره
أناخ بدار اللهو حتى كأنما … يَرَى الرِّزْقَ مَقصورًا على مستقره
وقوله (٥): [من الطويل]
وقل زمان العاجزين فإنَّني … لأكرِمُ نفسي أن أقول زماني
إذا باعدت منا المناسب قَرَّبَتْ … مَوَدَّةً لا ناس ولا متواني
وإِنَّ سِنانَ الرُّمْحِ مُنْحَدِرٌ بِهِ … على بُعْدِهِ لا زُجُهُ المتداني
وقوله (٦): [من الرجز]
стр. 2375
فَرُبَّ ليل في هضاب عاقل
رَقَّ نَسيمًا حِينَ طَابَ مَلبسًا
يَظُنُّني الغَيرانُ قَدْ شَهِدْتُهُ
وإِنَّما وصَفْتُهُ تَفَرُّسا
وقوله (١): [من الطويل]
أَلومُ عَليكَ الوَجْدَ وهُوَ مُبَرِّحُ … وأُعتِبُ فيكَ الدَّمع وهو نجيعُ
وأَعلَمُ أنّي ما مَنَحْتُكَ طَائِلًا … وهَلْ هِيَ إِلَّا زَفُرَةٌ ودُمُوعُ
وقوله (٢): [من الكامل]
وصبابَةٍ عَلِقَتْ بِقلبِ مُتَيَّم … وصَلَ الغرام إليه قبل حجابه
وإذا الغريب صبا إلى أوطانِهِ … شَوْقًا فَمَعْناهُ إلى أحبابه
وقوله (٣): [من الطويل]
وظبي مِنَ الأَعرابِ رَنَّحَهُ الصِّبا … فَمالَ وفي أَعطافِهِ تَعبِسُ الخَمْرُ
إذا أخذ المرآة ينظرُوجْهَهُ … ظَنَنْتَهما شمسين بينهما بَدرُ
وقوله (٤): [من البسيط]
مَنْ كانَ يَحْمَدُ ليلًا في تَقَاصُرِهِ … فإنَّ ليلي ما يُرجَى لَهُ سَحَرُ
لا تسألُونِي إلا عَنْ أوائلهِ … فآخر الليل ما عندي لهُ خَبَرُ
وقوله (٥): [من الطويل]
فيا قلبِ قَدْ حَذَّرْتُكَ النَّظرةَ التي … خَلَسْتَ فما راقَبْتَ نهيًا ولا زَجْرا
ويا قلب قد أرداكَ مِنْ قَبلُ مَرَّةً … فَويحَكَ لِمْ طاوِعْتَهُ مَرَّةً أُخرى
وقوله (٦): [من الكامل]
ومُهَوِّن للوجدِ يَحْسَبُ أَنَّها … يومَ العُذيبِ مَدامِعٌ وخُدُودُ
فما لقلوب العاشقينَ مَزِيَّةٌ … إِذا نَظَرتْ أفكارها في العواقب
منها:
إذا كانَ عَقْلُ المرء أدنى خِلالِهُ … فَمَا هي إلا تُغْرَةٌ للمصائب
وكم حبس القُمْرِيُّ حُسْنَ غِنائِهِ … وقَيَّدَتِ البازي حُجْنُ المَخالِبِ
ومنها
يَظُنُّ العدا أَنِّي مَدَحْتُكَ للغنى … وما الشِّعْرُ عِنْدِي مِنْ كَرِيم المكاسب
وما شئت إلا أن تتمَّ صِفاتُهُ … وللدُّرِّ مَعنى في نُحُور الكَوَاعِبِ
وقوله (١): [من الرمل]
ما عَلى أَحسنِكُمْ لَوْ أَحْسَنا … إِنَّمَا يَطلب شيئًا هينا
قد شجانا الناسُ مِنْ بَعْدِكُمُ … فَادْرِكونا بأحاديث المنى
وعِدُوا بِالوَصلِ مِنْ طيفكمُ … مُقْلَةٌ تعرف فيكم وَسَنا
لا وسِحْرِ بين أجفانِكُمْ … فَتَنَ الحُبُّ بِهِ مَنْ فَتَنا
وحديث من مواعيدِكُمُ … تَحسدُ العَيْنُ عليه الأذنا
ما رحلتُ العِيسَ عَنْ أَرضِكُمُ … فَرَأَتْ عَيني شَيئًا أَحْسنا
يا بَني عُذْرَةَ إِنْ خِفْناكُمُ … فَدَمُ الهرماس منكم عدنا
أحدث سمركم الشاربه … لَسْتُ أعني لكُمُ سُمْرَ القَنا
وسَلَلْتُمْ فيه ألحاظكُمُ … فَعَرَفْنا بالسيوف اليمنا
هل لنا نَحْوكمُ مِنْ عَوْدَةٍ … ومِنَ التَّعليل قولي هل لنا
كم أسلي النفس عَنْ حُبِّكم … وهي لا تزداد إلا حزنا
ولَعَمْرِي لَوْ وَجَدْنا رَاحةً … مِنْ هَواكمْ لَطَلَبنا شَجَنا
يانديميَّ عَفَا ذِكْرُكُمُ … وحديث الشَّوقِ قَدْ أَسكَرنا
بَينَ بُصْرَى ومَيرٍ عَرَبٌ … يَأْمَنُ الخائف منهم ما جَنَا
كُلَّما شُنَّتْ عليهمْ غَارَةٌ … أَعْمَدوا البيض وسلوا الأَعْيُنا
طلَعَتْ للحُسْنِ فيهمْ مُزْنَةٌ … أَنبِتَتْ في كُلِّ حِقْفٍ غُصْنا
ما لقلبي ليس يُشفى داؤُهُ … كُلَّما زال ضنى عاد صنى
لوْ سَلِمنا مِنْ تَباريح الجوى … لذكرنا جُملةً مِنْ أَمرنا
стр. 2378
وشكرنا لابنِ نَصْرِ مِنَّةَ … أطلقت بالمدح فيه الألسنا
قوله (١): [من البسيط]
إذا هَجَرَتُكُمُ لَمْ أَخشَ سَطوتَكُمْ … وَإِنْ مَدَحْت فَمَا حَظِّي سِوَى التَّعَبِ
فَحِينَ لَمْ أُلفِ لا خوفًا ولا طَمَعًا … رغبتُ في الهَجو إشفاقًا مِنَ الكَذِبِ
وقوله (٢): [من الكامل]
هل تسمعون شكايةٌ مِنْ عاتِبِ … أو تقبلون إنابة من تائب
أمْ كُلَّما يتلو الصديق عليكُمُ … في جانب وقلوبكم في جانب
أَمَّا الوُشاة فقد أصابوا عندكمْ … شَرَفًا يُنَفِّقُ كُلَّ قَولٍ كاذِبِ
فَمَلِلْتُمُ مِنْ صابر ورقدْتُمُ … عَنْ ساهِرٍ وزَهدتم في راغب
وأقلُّ ما حَكَم الملالُ عليكم … سوء القِلَى وسماع قول العائبِ
وقوله (٣): [من الطويل]
وعلمتموني كيف أصبر عنكم … وأطلب مِنْ رِقّ الغَرَامِ بِكُمْ عِنْقا
فما قُلتُ يومًا للبكاء عليكُمُ … رُوَيدًا ولا للشَّوقِ نَحْوَكمُ رِفْقا
وما الحُبُّ إلا أَنَّ أَعُدَّ قَبيحكم … إليَّ جَميلًا والقلَى مِنْكُمُ عِشْقا
وكان أبو محمد الخفاجي قد عصى بقلعة عزاز من أعمال قلعة حلب، وكان بينه وبين أبي نصر محمد بن الحسن بن النحاس الوزير لمحمود وغيره مودة أكيدة، فأمر محمود أبا نصر أن يكتب إلى الخفاجي كتابًا يستعطفه ويؤمنه، وقال: إنه لا يأمن إلا إليك، ولا يثق إلا بك، فكتب إليه كتابًا، فلما فرغ منه، وكتب إن شاء الله، شدد النون من إن شاء الله. فلما قرأه الخفاجي خرج من عزاز قاصدًا إلى حلب، فلما كان على ظهر الطريق، أعاد النظر في الكتاب، فلما رأى التشديد على النون، أمسك رأس فرسه وفكر، وقال في نفسه: لم يكتب ابن النحاس هذا عبثًا، فلاح له ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ (٤)، فرجع إلى عزاز، ولم يدخل حلب.
وكتب إليه الجواب: إنَّا الخادم المعترف بالأنعام، وكسر الألف من أنا وشدد
стр. 2379
النّون وفتحها، فلما وقف الشيخ أبو نصر على الكتاب سُرَّ بما فيه، وقصد بذلك ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ (١) فكتب إليه يحذره، ويستصوب رأيه في ترك الحضور، ويستعلم أخباره، فكتب إليه ابن سنان وهو آخر شعر قال (٢): [من البسيط]
خَفْ مَنْ أَمنت ولا تركن إلى أَحدٍ … فما نَصَحْتُكَ إِلا بَعْدَ تَجْرِيبِ
إن كانتِ التُّرْك فيهم غير وافيةٍ … فَمَا يَزِيدُ على عُذرِ الأعاريب
تَمَسَّكوا بوصايا اللَّوْمِ بينهم … وكادَ أنْ يدرسوها في المحاريب
أَعِدْ قُرْبَ رَحْلِي منهم فرحًا … وما مُقامي وعِيسُ الدهرِ تَسرِي بِي
قال: فلما رأى محمود امتناع ابن سنان من حضور مجلسه، والركون إليه، أخذ يفكر في حيلة يبلغه بها، فاستدعى أبا نصر بن النحاس، وقال له: أنت أشرت علي بتولية هذا الرجل، ولا اعرف فراغ بالي منه إلا من جهتك، ومتى لم تفعل ما آمرك به قتلتك، وألحقت بك جميع من بينك وبينه حرمة. وأعلم أن العلامة في نصحك وترك الغش منك لي موته، ومتى لم يقع هذا لا أقبل لك عذرًا وضربت عنقك. فقال له: مرني بأمرك. قال: تمضي إليه وفي صحبتك ثلاثون فارسًا، فإذا قاربته أنفذت من يعرفه حضورك، فإنه إذا عرف ذلك لا يرى ترك النزول إليك، والتلقي لك، فإذا فعل ذلك، وسألك النزول عنده، والأكل معه فامتنع، وعرفه أني حلفتك ألا تأكل زاده، ولا تحضر مجلسه حتى يطيعك في الحضور عندي، وطاوله في المخاطبة حتى تقارب الظهر، ثم ادع أنك قد جعت، وأخرج هاتين الخشتنانكتين فكل أنت هذه، وأطعمه هذه، فإن استوفى أكلها عجل الرجوع إليَّ، فإنَّ منيته فيها، فسار ابن النحاس مقدمًا رجلًا ومؤخرًا رجلًا أخرى، مقسم الفكر في أتلاف مثل ذلك الأخ. قال: وعزمت على الهرب، ثم فكرت فيمن خلفت من العائلة، فألجأتني الضرورة إلى أن أفعل جميع ما أمر به محمود، وكان بين ابن سنان وبين ابن النحاس من المودة والصفاء ما لم ينكر معه شيئًا مما جرى. قال: وجعل والله يأكلها، فلما استوفى أكل الخشتنانكة، صرفت رأس فرسي إلى حلب، مجدًا في السير خوفًا من الطلب، ورجع ابن سنان إلى مركزه من القلعة، فلما استقر بها وجد مغصًا شديدًا، ورعدة مزعجة، ثم قال: قتلني والله أخي أبو نصر بما أطعمني من زاده، وأمر بالركوب خلفه ورده، فركبوا خلفه ففاتهم، ووصل
стр. 2380
ابن النحاس عشاءً إلى حلب، وعرف محمود بما جرى، فلما أصبح كان من الغدو وصل من عزاز من أخبر أن ابن سنان في السياق واستدعى ابن سنان حضور الشريف أبي المعالي النقيب. وحكى أبو الحسن علي بن معن قال: كنت ممن خرج من حلب إلى عزاز يومئذ، فوجدنا الشيخ أبا محمد بن سنان ليس له يد تتحرك، فجعل يتصفح وجوهنا، ولا يستطيع كلامنا، ثم مات ﵀، وذلك سنة ست وستين وأربعمائة.
ومنهم:
[٥] عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني الإسماعيلي، النحوي، أبو بكر (١)
الإمام في علم العربية، مجلي حنادس، ومصدق ظن حادس، جعل فيحاء الكتب مراحه، وخالف زمانه على عدم الراحة، فكان يحمل نفسه فوق الطاقة، ولا يصالح شمسه بالعاقة، فلم يأته ليل إلا وجد زناده في شوقه، وجد عادةً منه حتى فكك أزرار نجومه من طوقه، ثم لم يزل حتى يخلط أول ليله بنهاره، ويجمع في طرفيه بين شفيقه ونهاره، فلا يخفف عنه شفقًا ولا يعرف أصيلًا ولا شفقا، ولهذا ساد
стр. 2381
وسار ذكره بين تاؤيب واساد. وهو من أئمة البيان، وأهلة أهل الأعيان. أظهر اللطائف، وبينها ومثلها للعيان وعينها، فأخرج خباياها، وأبدى خفاياها، وأتى فيها من شهد النحل ما ضمت خلاياها، فأخذ اللب، وترك القشور، وأبقى من صحفه ما لا يطوى إلى يوم النشور.
وأخذ النحو عن أبي الحسن عبد الوارث ابن أخت أبي علي الفارسي، ولم يلق شيخًا مشهورًا غيره؛ لأنه لم يخرج عن جرجان، وكان ينتحل مذهب الشافعي، وأصول الأشعري. وبرز على من تقدمه، وأعجز من تأخر عنه، وتوفي سنة إحدى وقيل: سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
ومن شعره ما قاله ارتجالًا مما يكتب على القلم: [من الكامل]
[مُهْمَا حَصَلَتْ بِكَفِّ خَيْرِ النَّاسِ] … سَعْدُ جَلَوتَ المَجْدَ فِي القرطاس
ولَقِيتَ آمالَ العُفَاةِ بِنُجْحِهَا … وَقَلَعْتَ بِالنُّعمَى عُرُوقَ الياس
وغدوت والسيف المُهنَّدُ خادمي … وَتَرَى الأسنة لا تقوم لناسي
وقوله في معنى: [من الوافر]
أتيه على الحسام إذا جَرَتْ بِي … يد الشيخ الإمام أبي المحاسن
أقصى الجود عنه في البرايا … وأطلع بالمناجِح والميامِن
ومنه قوله: [من مخلع البسيط]
أَعْرِضَ عَنِ العَقْلِ لا تُرِدْهُ … ومِلْ إلى الجهل ميل هائم
وعش حمارًا تعش بخيرٍ … فالسَّعْدُ في طَالِعِ البهائم
ومنه قوله: [من السريع]
لا تَأمَنِ النَّفْشَةَ مِنْ شاعر … ما دام حيًّا ناطقا
فإِنَّ مَنْ يمد حكم كاذبًا … يُحْسِنُ أنْ يَهجوكم صادقا
وقوله أيضًا: [من الكامل]
لا يُوحِشنَّكَ أنهم ما أرتاحُوا … فِيما جَلاهُ عليهم المُدَّاحُ
فَهُمْ كَقَومٍ عُلِّقَتْ بأزائهم … بِيضُ المرائي والوُجُوهُ قِباح
ومنهم:
стр. 2382
[٦] أبو الحسن الزمخشري، محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي (١)
إمام أي بحر بين جنبيه، وأي طود خبا في ثوبيه، أي بدر طلع من عرفه، وأي
стр. 2383
برق تهلل في أسرته، سهم أي سهم، وخاطر لا يمر به وهم، إلا أنه كان من رؤوس الاعتزال، وصدور أهل الاعتلال كلمة أجمع عليها أهل السنة، وأطلقت عليه بالتحقيق لا بالظنة بان بها انكشافه وحقق أمرها كشافه، وجاور البيت الحرام بمكة باقي مدته، وثوى بها ثواءً لا هبوب من رقدته، وكان بها ربيعًا لأهل ذلك الوادي، وضياء لآهلة ذلك النادي، تسري الركائب إليه، وترى الوفود تمام الحج أن تقف المطايا عليه، وكان يُسمى جار الله، وهكذا كان يكتب في الفتاوى، ويقال إنه كان يرى جواز إباحة المتعة، ولا يصرح منه إلا بطرف إيماء، وقيل إنه ربما فعله مع بعض أعزاء أضيافه، وأخصاء نزلائه من أهل ائتلافه.
كان واسع العلم، كبير الفضل، غاية في الذكاء، وجودة القريحة، متفننًا لكل علم، معتزليًا، قويًا في مذهبه، مجاهرًا به، حنفي الفروع. ورد إلى بغداد غير مرة، وجاور بمكة، وتلقب بجار الله تشبيهًا بأبي المعالي الجويني، إذ تلقب بإمام الحرمين لمجاورته بهما، وكان يلقب أيضًا بفخر خوارزم.
دخل عليه بعض الفضلاء، فقال له: بم عاجلك الشيب؟ قال: بمتابعة الأسفار، ومطالعة الأسفار، فقال الزمخشري: إن رواءه يدل على ما وراءه.
وأصاب الزمخشري في رجله خراج، فقطعها، وصنع عوضها رجلًا من خشب، وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابه الطوال، فيظن من يراه أنه أعرج.
ومن شعره ما قاله في شيخه فريد العصر أبي مضر محمود بن جرير الأصبهاني (١): [من الطويل]
سلام عليكم أدمعي قَلَّ ما تَرْقا … إذا شِمْتُ مِنْ تلقاءِ أَرضِكُم بَرْقا
ومِنْ عَجَبٍ أني إذا لاح بارقٌ … بأرضكم استمطرتُ أجفاني الوَدَقا
وما خِلْتُ هذا البَرْقَ إلا ابتسامةً … بسعدى أضاءت عند إيماضها الأفقا
أَأَو مَضَ بَرْقٌ أَمْ سُعادُ تَبسَّمَتْ … فما تَعرفُ العينان بينهما فرقا
تَمنيت لو يُغني التَّمَنِّي لقاؤها … بوِقْعِ رِمَاحِ الخَطَّ مِنْ دُونِ أَنْ تلقا
стр. 2384
خليلي هل أيامنا بسويقةٍ … رواجعُ أو طارت بأيامنا العنقا
مقيلُ شَبابِ قَدْ تقلَّصَ ظِلُّهُ … ومَشروعُ لَهْوِ اضَ سَلسالُهُ رَنْقا
إذا الريحُ مِنْ شرقي لهو تَنَسَّمَتْ … فيا بَرْدَ صَدْرِي حِينَ أَنَسْقُها نَشْقا
ولَهْفِي على عَصْرٍ تَقضى مناسب … سَجَايَا فَرِيدِ العَصْرِ أَوْ وَجْهِهِ الطَّلْقا
وقوله يرثي شيخه المذكور: [من الطويل]
وقائلة ما هذه الدُّررُ التي … تُساقِعُها عَيْنَاكَ سِمْطَينِ سِمْطَينِ
فقلت لها الدُّرُّ الذي كانَ قَدْ حَشَا … أبو مُضرٍ أذني تساقط مِنْ عَيني
وقوله: [من الطويل]
أبادية الأعرابِ بُعدًا فإنَّني … بحاضرة الأتراك نيطت علائقي
وأَهْلِلْنَ يا نُجْلَ العُيونِ فإِنَّني … بَكيتُ لهذا الناظر المتضايق
وقوله: [من المنسرح]
تزهو علينا بقوس حاجِبِها … زَهْوَ تَميم بقوس حاجبها
وسمع الزمخشري قول القائل: «إن السفيه إذا لم ينه مأمور» فحذا حذوه فقال: [من الكامل]
وإذا سفيه غَضَّني في مجلس … ونَهاكَ مِنْ غُرَرِ الأكارم معشر
فهم الألى غَضُوا إذا ما هُمُ رَضُوا … وهم الألى نَكِرُوا إِذا لم يُنْكَرُوا
ومنهم:
[٧] … (١) السكاكي (٢)، واسمه.
فعله غير مشوّه، وفضله أي مموه. ذو علوم تترك آية الليل ممحوة، وشفة السحر
стр. 2385
للمناداة حوّة، أضاءت داديه، وصالت منن النجاد أياديه. سعى للعلوم فحصل طرائفها، وحصن تحت جناحه طوائفها، واهتز للمعاني اهتزاز الغصن للبارح، ولز من تقدمه في الزمان لز الجذع القارح، فأضحى الفضل كله يُزمّ بعنانه، ويذم السيف ونصله بسنانه.
* * *