وسار ذكره بين تاؤيب واساد. وهو من أئمة البيان، وأهلة أهل الأعيان. أظهر اللطائف، وبينها ومثلها للعيان وعينها، فأخرج خباياها، وأبدى خفاياها، وأتى فيها من شهد النحل ما ضمت خلاياها، فأخذ اللب، وترك القشور، وأبقى من صحفه ما لا يطوى إلى يوم النشور.
وأخذ النحو عن أبي الحسن عبد الوارث ابن أخت أبي علي الفارسي، ولم يلق شيخًا مشهورًا غيره؛ لأنه لم يخرج عن جرجان، وكان ينتحل مذهب الشافعي، وأصول الأشعري. وبرز على من تقدمه، وأعجز من تأخر عنه، وتوفي سنة إحدى وقيل: سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
ومن شعره ما قاله ارتجالًا مما يكتب على القلم: [من الكامل]
[مُهْمَا حَصَلَتْ بِكَفِّ خَيْرِ النَّاسِ] … سَعْدُ جَلَوتَ المَجْدَ فِي القرطاس
ولَقِيتَ آمالَ العُفَاةِ بِنُجْحِهَا … وَقَلَعْتَ بِالنُّعمَى عُرُوقَ الياس
وغدوت والسيف المُهنَّدُ خادمي … وَتَرَى الأسنة لا تقوم لناسي
وقوله في معنى: [من الوافر]
أتيه على الحسام إذا جَرَتْ بِي … يد الشيخ الإمام أبي المحاسن
أقصى الجود عنه في البرايا … وأطلع بالمناجِح والميامِن
ومنه قوله: [من مخلع البسيط]
أَعْرِضَ عَنِ العَقْلِ لا تُرِدْهُ … ومِلْ إلى الجهل ميل هائم
وعش حمارًا تعش بخيرٍ … فالسَّعْدُ في طَالِعِ البهائم
ومنه قوله: [من السريع]
لا تَأمَنِ النَّفْشَةَ مِنْ شاعر … ما دام حيًّا ناطقا
فإِنَّ مَنْ يمد حكم كاذبًا … يُحْسِنُ أنْ يَهجوكم صادقا
وقوله أيضًا: [من الكامل]
لا يُوحِشنَّكَ أنهم ما أرتاحُوا … فِيما جَلاهُ عليهم المُدَّاحُ
فَهُمْ كَقَومٍ عُلِّقَتْ بأزائهم … بِيضُ المرائي والوُجُوهُ قِباح
ومنهم:
стр. 2382
[٦] أبو الحسن الزمخشري، محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي (١)
إمام أي بحر بين جنبيه، وأي طود خبا في ثوبيه، أي بدر طلع من عرفه، وأي
стр. 2383
برق تهلل في أسرته، سهم أي سهم، وخاطر لا يمر به وهم، إلا أنه كان من رؤوس الاعتزال، وصدور أهل الاعتلال كلمة أجمع عليها أهل السنة، وأطلقت عليه بالتحقيق لا بالظنة بان بها انكشافه وحقق أمرها كشافه، وجاور البيت الحرام بمكة باقي مدته، وثوى بها ثواءً لا هبوب من رقدته، وكان بها ربيعًا لأهل ذلك الوادي، وضياء لآهلة ذلك النادي، تسري الركائب إليه، وترى الوفود تمام الحج أن تقف المطايا عليه، وكان يُسمى جار الله، وهكذا كان يكتب في الفتاوى، ويقال إنه كان يرى جواز إباحة المتعة، ولا يصرح منه إلا بطرف إيماء، وقيل إنه ربما فعله مع بعض أعزاء أضيافه، وأخصاء نزلائه من أهل ائتلافه.
كان واسع العلم، كبير الفضل، غاية في الذكاء، وجودة القريحة، متفننًا لكل علم، معتزليًا، قويًا في مذهبه، مجاهرًا به، حنفي الفروع. ورد إلى بغداد غير مرة، وجاور بمكة، وتلقب بجار الله تشبيهًا بأبي المعالي الجويني، إذ تلقب بإمام الحرمين لمجاورته بهما، وكان يلقب أيضًا بفخر خوارزم.
دخل عليه بعض الفضلاء، فقال له: بم عاجلك الشيب؟ قال: بمتابعة الأسفار، ومطالعة الأسفار، فقال الزمخشري: إن رواءه يدل على ما وراءه.
وأصاب الزمخشري في رجله خراج، فقطعها، وصنع عوضها رجلًا من خشب، وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابه الطوال، فيظن من يراه أنه أعرج.
ومن شعره ما قاله في شيخه فريد العصر أبي مضر محمود بن جرير الأصبهاني (١): [من الطويل]
سلام عليكم أدمعي قَلَّ ما تَرْقا … إذا شِمْتُ مِنْ تلقاءِ أَرضِكُم بَرْقا
ومِنْ عَجَبٍ أني إذا لاح بارقٌ … بأرضكم استمطرتُ أجفاني الوَدَقا
وما خِلْتُ هذا البَرْقَ إلا ابتسامةً … بسعدى أضاءت عند إيماضها الأفقا
أَأَو مَضَ بَرْقٌ أَمْ سُعادُ تَبسَّمَتْ … فما تَعرفُ العينان بينهما فرقا
تَمنيت لو يُغني التَّمَنِّي لقاؤها … بوِقْعِ رِمَاحِ الخَطَّ مِنْ دُونِ أَنْ تلقا
стр. 2384
خليلي هل أيامنا بسويقةٍ … رواجعُ أو طارت بأيامنا العنقا
مقيلُ شَبابِ قَدْ تقلَّصَ ظِلُّهُ … ومَشروعُ لَهْوِ اضَ سَلسالُهُ رَنْقا
إذا الريحُ مِنْ شرقي لهو تَنَسَّمَتْ … فيا بَرْدَ صَدْرِي حِينَ أَنَسْقُها نَشْقا
ولَهْفِي على عَصْرٍ تَقضى مناسب … سَجَايَا فَرِيدِ العَصْرِ أَوْ وَجْهِهِ الطَّلْقا
وقوله يرثي شيخه المذكور: [من الطويل]
وقائلة ما هذه الدُّررُ التي … تُساقِعُها عَيْنَاكَ سِمْطَينِ سِمْطَينِ
فقلت لها الدُّرُّ الذي كانَ قَدْ حَشَا … أبو مُضرٍ أذني تساقط مِنْ عَيني
وقوله: [من الطويل]
أبادية الأعرابِ بُعدًا فإنَّني … بحاضرة الأتراك نيطت علائقي
وأَهْلِلْنَ يا نُجْلَ العُيونِ فإِنَّني … بَكيتُ لهذا الناظر المتضايق
وقوله: [من المنسرح]
تزهو علينا بقوس حاجِبِها … زَهْوَ تَميم بقوس حاجبها
وسمع الزمخشري قول القائل: «إن السفيه إذا لم ينه مأمور» فحذا حذوه فقال: [من الكامل]
وإذا سفيه غَضَّني في مجلس … ونَهاكَ مِنْ غُرَرِ الأكارم معشر
فهم الألى غَضُوا إذا ما هُمُ رَضُوا … وهم الألى نَكِرُوا إِذا لم يُنْكَرُوا
ومنهم:
[٧] … (١) السكاكي (٢)، واسمه.
فعله غير مشوّه، وفضله أي مموه. ذو علوم تترك آية الليل ممحوة، وشفة السحر
стр. 2385
للمناداة حوّة، أضاءت داديه، وصالت منن النجاد أياديه. سعى للعلوم فحصل طرائفها، وحصن تحت جناحه طوائفها، واهتز للمعاني اهتزاز الغصن للبارح، ولز من تقدمه في الزمان لز الجذع القارح، فأضحى الفضل كله يُزمّ بعنانه، ويذم السيف ونصله بسنانه.
* * *
стр. 2386
[مشاهير أرباب المعاني والبيان في مصر]
وأما المغاربة:
فلم يقع إلينا من هذه الطائفة منهم أحد ممن هو على شرط هذا الكتاب.
وأما مصر:
فلم يقع إلينا من أهلها إلا واحد، ولكنه أي واحد، وواحد كالألف إن أفزعنا.
وهو:
[٨] الزكي، عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن الحسن بن محمد، العدواني، المصري، عرف بابن أبي الإصبع (١)
جد حتى انقاد له الحظ، وسهر حتى رق عليه قلب الليل الفظ، طالما يمحي ليل بإدراكه. وتنحى سهيل فوقع في أشراكه، مر على قطائع الكواكب، فساق قلائصها، وسام في طرائد الليل قنائصها، وكان بمصر وله مثل مقطعاتها، ونضير مصبغات ربيعها
стр. 2387
ومصبغاتها، قطع شعر هي السحر الحلال، والبارد العذب لا ماء النيل الزلال. وعليه تخرج جماعة المتأخرين من الأدباء وكان الأديب أبو الحسين الجزار يمت بحضوره لديه، وعرض أوائل شعره عليه، وله عم أبي الحسين بسببه حكايات ليس هذا موضعها.
مولده سنة خمس، وقيل: سنة تسع وثمانين وخمسمائة بمصر.
توفي في الثالث والعشرين من شوال سنة أربع وخمسين وستمائة.
وله تصانيف مفيدة، ذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في التوشيع قال: وقال ابن أبي الأصبع: وما بشعر قلته في هذا الباب من بأس وهو: [من البسيط]
بِي مِحنتان مُلامٌ في هَوًى بهما … يرثي لي القاسيان الحُبُّ والحَجَرُ
لولا الشفيقانِ مِنْ أُمنيَّةٍ وأسى … أودى بيَ المُوديانِ الشَّوقُ والفِكَرُ
قال شيخنا أبو الثناء: ويحسن أن يسمى ما في بيته مطرف التوشيع؛ إذ وقع المثنى في أول كل بيت وآخره.
وذكر في التفريع: أن ابن أبي الأصبع ذكره في صدر الباب وقال: إنه هو الذي استخرجه، وهو أن يبتدئ الشاعر بلفظه هي إما اسم أو صفه، ثم يكررها في البيت مضافة إلى أسماء وصفات تتفرع عليهما جملة من المعاني في المدح وغيره، كقول المتنبي: [من المتقارب]
أنا ابنُ اللقاء أنا ابن السخاء … أنا ابنُ الضّراب أنا ابن الطعان
أنا ابنُ الفيافي أنا ابن القوافي … أنا ابنُ السروج أنا ابنُ الرّعان
طويل النجاد طويلُ العِمادِ … طويلُ القناة طويل السنان
حديد اللحاظ حديد الحفاظ … حديدُ الحُسام حَديدُ الجَنانِ
قال شيخنا: وفيما ذكره نظر؛ لأنه بباب تعديد الصفات أنسب. وقال في الإبداع: قال ابن أبي الأصبع: وما رأيت فيما استقريت من الكلام، كأنه استخرجت منها أحدًا وعشرين ضربًا من المحاسن، وهي قوله تعالى ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ (١) وهي المناسبة التامة بين أقلعي وأبلعي، والمطابقة بذكر الأرض والسماء، والمجاز في قوله: يا سماء، فإن المراد والله أعلم: يا مطر السماء، والاستعارة في قوله:
стр. 2388
أقلعي والإشارة في قوله تعالى وغيض الماء، فإنه عبر بها بين اللفظتين عن معان كثيرة، والتمثيل في قوله سبحانه: وقضي الأمر، فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى الموضوع له.
والإيذان في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (١) فإنه عبر عن استقرارها بهذا المكان استقرارًا متمكنًا بلفظ قريب من لفظ المعنى، والتعليل لأن غيض الماء علة الاستواء، وصحة التقسيم إذ استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض، وغيض الماء الحاصل على ظهرها، والاحتراس في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، إذ الدعاء عليهم يشعر بأنهم مستحقو الهلاك احتراسًا من ضعيف العقل يتوهم أن العذاب شمل من يستحق، ومن لا يستحق، فتأكد بالدعاء كونهم مستحقين، والإيضاح في قوله تعالى: ليبين أن القوم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدمة حيث قال ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ (٣) هم الذين وصفهم بالظلم ليعلم أن لفظة القوم ليست فضلة، وأنه يحصل بسقوطها لبس في الكلام، والمساواة؛ لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها، وحسن النسق؛ لأنه عطف القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب، وائتلاف اللفظ مع المعنى؛ لأن كل لفظة لا يصلح موضعها غيرها، والإيجاز؛ لأنه اقتص القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخل منها في أقصر عبارة، والتسهيم؛ لأن أول الآية إلى قوله أقلعي يقتضي آخرها، والتهذيب؛ لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن عليها رونق الفصاحة سليمة من التعقيد، والتقديم، والتأخير والتمكين، لأن الفاصلة مستقرة في قرارها، مطمئنة في مكانها، والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء وباقي مجموع الآية من الإبداع، وهو أن يأتي في البيت الواحد من الشعر أو القرينة الواحدة من النثر عدة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جملة. قال: فهذه سبع عشرة لفظة تضمنت أحدًا وعشرين ضربًا من البديع غير ما تكرر من أنواعه فيها.
وأنشد له ابن سعيد قوله في المرقص: [من المتقارب]
ولما رأيتُكَ عند المديح … جَهْمَ المُحَيَّا لنا تنظرُ
تيقنت نحلك لي بالنَّدَى … لأنَّ الجَهامة لا تُمطر
стр. 2389
ومن بقية ما له قوله: [من الطويل]
وساق إذا ما ضَاحِكَ الكأس قابلتْ … فوَاقِعُها مِنْ ثغره اللؤلؤ الرطبا
خَشِيت وقد أمسى نديمي على الدُّجَى … فأسدلت دونَ الصُّبح مِنْ ثغرهِ حُجبا
وقَسَّمت شمس الطاس في الكأس أنجمًا … ويا طول ليلٍ قُسِّمَتْ شمسُهُ شُهبا
وقوله: [من الطويل]
تَبسَّمَ لمَّا أَنْ بَكيَتُ مِنَ الهَجْرِ … فَقُلتُ تَرى دمعي فقالَ تَرَى ثَغْرِي
فديتكَ لمَّا أَنْ بَكَيتُ تَنظَّمت … بفيكَ لآلي الدمع عقدًا مِنَ الدُّرِّ
فلا تدعي يا شاعر الشغرِ صَنعةٌ … فكاتب دَمعي قال ذَا النظمُ مِنْ نَثْرِي
وقوله: [من الطويل]
أيا عَبْلةَ الألحاظ قلبكِ عَنتر … وما لي على غاراته في الحَشَا صَبْرُ
نَعَمْ أنتِ يا حسناء خنساءُ عَصرِنا … وشاهد قولي أَنَّ قلبكِ لي صَخْرُ
ومنها:
أغاية قصدي بَطْنُ يُمناكِ غايَةٌ … بها أبدًا للمجتدي ينبتُ التَّبْرُ
أَغَضْتِ الحَيا والبحر جُودًا فَقَدْ بَكَى الـ … حيا مِنْ حَياء منكِ والتَطَمَ البحرُ
ومنها:
عُيونُ معانيها صحاح وأعينُ الـ … ملاح مراض في لواحظها كَسْرُ
أضاعت عُقولًا حينَ ضَاعتْ فما دَرَى … أبابَلُ أهداها إليك أم السحر
وقوله: [من الطويل]
إذا الوَهْمُ أبدى لي لماها وثَغْرَها … تَذكَّرتُ ما بين العُذيب وبارق
ويُذكرني من أدمعي وقَوامِها … مَجَرُّ عَوالينا ومَجْرى السوابق
وقوله: [من البسيط]
وقيم كَلَّمت جسمي أنامِلُهُ … بغيرِ ألسنة تكليم خُرسان
إِنْ رامَ مَسْكَ يَميني كادَ يَخلعها … أو سَرَّحَ الرأس بعد الغسل أبكاني
فليس يُمسك بالمعروف منهُ يَدًا … ولا يُسرِّحُ تسريحًا بإحسان
وقوله (١): [من الطويل]
تصدق بوصلٍ إِنَّ دَمعي سائل … وزود فُؤادي نظرة فهو راحل
عَلا رَهَجُ الإعصار عند التفاتِهِ … فَأَعْجَلَ عَينِي أَنْ تُغَمِّضَ جَفْنَيها
كراقصة قَدْ أَسْرَعَتْ في دِوارِها … إذا انقلبت لَفَّتْ عَلَى الخَصْرِ كُمَّيها
وقوله: [من الخفيف]
قام في قائم الظهيرةِ نَقْعٌ … مُستطيل آثاره إعصار
مثل ظل الأشباح في الأرضِ … مُستطيلًا إذا تَوَلَّى النَّهارُ
وقوله فيها: [من السريع]
أقولُ للناس وقَدْ أَنْذَرَ الـ … إعصارُ مَنْ شاهدهُ في الهَوَاء
تَعَوَّذوا في الأرضِ مِنْ فِتْنَةٍ … غبارُها يَصْعَدُ نَحو السماء
وقوله: [من البسيط]
شَكَا البخارُ بِبَطْنِ الأَرْضِ مَحْبَسَهُ … عَساهُ يُطْلَقُ فاهتزَّتْ بِشَكْوَاهُ
وكانت الأرض كالحُبلى إذا أنصَلَحَ الـ … جَنينُ في جوفها يهتزُّ أعلاه
وقوله: [من الرمل]
قُلتُ إذ زُلزلت الأرض وما فَوقَها … للعهد إلا ناقض
حَمَتِ الدُّنيا مِنَ الغَيْضِ على … ساكنيها فاعْتَراها نَافِضُ
وقوله: [من البسيط]
قامت إلى شمعة في الليل تُصْلِحُها … بلا مِقَطَّ فَطارتْ مُهجَتي فَرقا
فأدركتني وقالت لا تَخَفْ لَهَبًا … على بنانٍ مِنَ الياقوت قد خُلِقا
وقوله (١): [من الطويل]
أظنُّ خَيال العامرية قدْ ظَنَّا … وحاشاه لكن ليس لي مُقْلَةٌ وَسْنَى
وكيف يَزورُ الطَّيفُ صَبًَّا يُراقب الـ … نجوم إذا ما ليلة مَوْهِنًا حَنّا
سَميري ما للطَّيفِ ذَنْبٌ لأَنَّهُ … رَأَى خِدْنَهُ وهوَ الكَرَى قَدْ جَفا الجَفْنا
وكم ليلة فاوضتُهُ أنْ يُلم بي … إذا ما هَذا ليلُ فَعَنَّ وما عَنَّا
فأهدى لنا في الحَضْرِ باديةَ الفَلا … بها السِّرْبَ مِنْ وُلدِ الضَّرَاعِم قَدْ رُعْنَا
قَصِدْنا غزالًا أَعْلقَتَهُ حَبائِلُ … المَنامِ ولَولا أُخْتُهُ ما نَجَا مِنَّا
ومنها:
بَكَيت فناداني أتبكي وبيننا … بحكم التداني قابُ قَوسَينِ أَوْ أَدْنَى
стр. 2392
فقلتُ كذا كُنَّا بِمُنْعَرِج اللوى … ولكِنَّنا مِنْ بعد ذاكَ تَفَرقنا
رَأيتُ بفيهِ إِذْ تَبَسَّمَ أَدَمْعًُا … فَقلتُ رَثَى لِي إِذْ بَكَى فَمُهُ حُزْنا
أَجادَ لَهُ في النَّظْم شَاعِرُ ثَغْرِهِ … ولكنَّهُ مِنْ مُقلَتي سَرَقَ المَعْنى
آخر السفر السابع من كتاب مسالك الأمصار
ويتلوه إن شاء الله السفر الثامن، فأما طوائف الفقراء خلاصة ذوي القلوب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين
وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين
وحسبنا الله ونعم الوكيل (١)
* * *
стр. 2393
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد، وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
وبعد:
فهذا هو السفر الثامن من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م.
وقد ترجم فيه المؤلف لعدد كبير من مشاهير الفقراء والمتصوفين.
وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على نسختين هما:
١ - نسخة أحمد الثالث - طوبقبوسراي - استانبول برقم ٥/ ٢٧٩٧ ص ١ - ٢٧٧. وقد كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكي الملك المؤيد، شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ هـ) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة.
والتي قام بنشرها مصوّرة العلامة الدكتور فؤاد سركين - معهد تأريخ العلوم العربية والإسلامية - فرانكفورت - ألمانيا الإتحادية ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
وقد جعلتها الأصل في عملي.
٢ - نسخة مكتبة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول برقم ٣٤٢١ المحفوظة نسختها المصوّرة في مكتبة الكونغرس الأمريكي.
стр. 2394
وقد استفدت منها بواسطة الميكروفلم المحفوظ في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت برقم V. ٨.C ١، ٤١
أما منهجي في تحقيقه فهو كما ذكرته في مقدمتي للسفر الأول من الموسوعة.
هذا ما استطعت عمله، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه. والله من وراء القصد.
وهو حسبي ونعم الوكيل.
جمهورية العراق - الكوفة
كامل سلمان الجبوري
стр. 2395
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد
فأما طوائف الفقراء، خلاصة ذوي القلوب، وخاصة المحبوب، فقد ذكرت منهم من أمكن إلى زماننا، إذ كانت الأرض لا تخلو من قائم الله بحجة، ومهيمن على أتباع شرائع رسله، وقليل ما هم، وتعرفهم بسيماهم، كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: «أشخاصهم مفقودة، وأمثلتهم في القلوب موجودة». فأما من سلك ضلالًا سماه طريقة، وانتحل باطلًا دعاه حقيقة، فعلى الدنيا العفاء.
وقد قال رجل القوم الجنيد رحمة الله عليه: «كل حقيقة لا تصدقها الشريعة، فهي كفر». وقد ذكرتهم من أهل الجانبين جريًا على العادة، وبالله التوفيق.
стр. 2396
[مشاهير الفقراء والمتصوفين من أهل المشرق]
فمنهم:
[١] أُوَيسُ القَرَنِيُّ (١)
وهو أويس بن عامر بن جزء بن مالك المرادي القرني، خير التابعين.
أشرقت لياليه المقمرات، ورشقت إليه القلوب رشق الحجيج الجمرات، أزهر بين تلك النيرات، وظهر بين تلك النفوس المطهرات، وقد ذهب بعض من تكلم على الحديث؛ أنه المعني بقوله ﷺ : «إني لأجد ريح الرحمن من قِبَل اليمن». وكان وضحه نورًا وإشراقًا وظهورًا، سمق فيما شبه به أحد، ولا أقرن وسَبَقَ سَبْقَ الجواد، فما لز به سابق في قرن، وكان سراء ذلك الصدر، وبدرًا في التمام وعلو القدر.
روى مسلم في صحيحه: أن عمر بن الخطاب ﵁، كان إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس؟ [حتى أتى على أويس]، فقال: أنت أويس بن
стр. 2397
عامر؟. قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟. قال: نعم. قال: فكان بك برص، فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم. له والدة هو بها بر. لو أقسم على الله لأبره. فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل». فاستغفر لي. فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟. قال: أكون في غبراء الناس أحبُّ إليَّ.
فلما كان في العام المقبل، حجّ رجل من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس؟. قال: تركته رث البيت قليل المتاع. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر، مع أمداد أهل اليمن، من مراد، ثم من قرن. كان به برص، فبرئ منه، إلا موضع درهم. له والدة هو بها بَر. لو أقسم على الله لأبره. فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل». فأتى أويسًا؛ فقال: استغفر لي قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح. فاستغفر لي. قال: استغفر لي قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي. قال: لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر لي. ففطن له الناس، فانطلق على وجهه.
وروى مسلم أيضًا: إن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة. وكان به بياض؛ فمروه فليستغفر لكم».
قال ابن الكلبي: قتل أويس مع علي ﵁ يوم صفين، وكانت صفّين سنة سبع وثلاثين للهجرة. وليس لأويس حديث مسند.
ومنهم:
[٢] أبو مسلم الخولاني الداراني (١)
الزاهد، سيد التابعين بالشام، أتى بصنو المعجزات، وجاء بالكرامات
стр. 2398
المنجزات، ولم يبال باقتحام الضرام، وفتح فمها للإلتهام والإلتقام، أوقدت له النار فخاضها مشمرًا عن ساقه، ومحملًا من قرونها من أوساقه، ويقينه يدفع عنه آلامًا، ويقول: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ (١) فاض لأجل موقوت، وخاض النار حتى انطفأت، والياقوت ياقوت، فأب أحسن أوبة، وجاء بآية خليلية يضرب لها في كل أفق نوبة.
اختلف في اسمه على أقوال أصحها: عبد الله بن ثوب. قدم من اليمن، وأسلم في حياة النبي ﷺ ، وقدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁. وروى عن عمر، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وأبي ذر وعبادة بن الصامت. وروى عن جماعة من التابعين. وحديثه في صحيح مسلم، والسنن الأربعة.
قال إسماعيل بن عياش: حدثنا شرحبيل بن مسلم، قال: أتى أبو مسلم الخولاني المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر. ولما تنبأ الأسود باليمن، بعث إلى أبي مسلم؛ فأتاه بنار عظيمة، ثم إنه ألقى أبا مسلم فيها، فلم تضره، فقيل للأسود: إن لم تَنْفِ هذا عنك أفسد عليك من اتبعك. فأمره بالرحيل، فقدم المدينة، فأناخ راحلته ودخل المسجد يصلي، فبصر به عمر ﵁، فقام إليه، فقال: ممن الرجل؟. قال: من اليمن. فقال: ما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟. قال: ذاك عبد
стр. 2399
الله بن ثُوَب. قال: فنشدتك بالله أنت هو؟. قال: اللهم نعم. فاعتنقه عمر وبكي، ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين الصِّدِّيق، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من صُنِعَ به كما صُنِعَ بإبراهيم الخليل.
قال ابن عياش: عن شرحبيل بن مسلم، عن سعيد بن هانئ قال: قال معاوية: إنما المصيبة كل المصيبة بموت أبي مسلم الخولاني، وكُرَيْبِ بن سيف الأنصاري. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: هذا حديث حسن الإسناد، يعطي أن أبا مسلم توفي قبل معاوية.
وقال المفضّل بن غسان: توفي أبو مسلم سنة اثنتين وستين، ومعاوية توفي في قول أبي معشر وغيره سنة ستين.
ومنهم:
[٣] رَابِعَةُ بنتُ إسماعيلَ العَدَوِيَّة البصرية، مولاة آل عتيك، الصالحة، المشهورة (١)
كانت أية للمبصر، وغاية لم تقصر، سبقت فحول الرجال، وبسقت عند حلول الآجال، وأُغرِمَتْ بحب السهر، وملكت نفسها ملك من قهر، فأصبحت لها شكيمتها، وأصبحت مثل الصباح شيمها، ودامت في أوديتها هائمة، وفوق ألويتها حائمة، إلى أن دعيت فأجابت، وجالت المهامه وجابت فتمت إرادتها، وختمت بالخير سعادتها، وبوأت الأرض المقدسة مدفنًا، وحققت أن رأي سواها كان يفنى.
كانت [﵂] من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح مشهورة، وذكر أبو القاسم القشيري في «الرسالة» أنها كانت تقول في مناجاتها: «إلهي! أتحرق بالنار قلبًا يحبك؟ فهتف بها مرة هاتف: ما كنا نفعل هذا، فلا تظني بنا ظن السوء».
وقال سفيان الثوري ﵁ عندها يومًا واحزناه!. فقالت: لا تكذب بل قل: وا قلة حزناه، لو كنت محزونًا لم يتهيأ لك أن تتنفس.
وكانت ﵂ تقول: «ما ظهر من أعمالي فلا أعده شيئًا».
стр. 2400
ومن وصاياها: «اكتموا حسناتكم كما تكتموا سيئاتكم».
وقالت عبدة بنت أبي شوّال - وكانت تخدم رابعة -: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: «يا نفس كم تنامين؟! يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور». وكان هذا دأبها حتى ماتت.
ولما حضرتها الوفاة، دعتني وقالت: يا عبدة لا تُؤْذِني بموتي أحدًا، وكفنيني في جبتي هذه، وهي جبة من شَعَر، كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون. قالت: فكفناها [في تلك الجبة]. وفي خمار صوف كانت تلبسه ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلقة إستبرق خضراء، وخمار من سندس أخضر، لم أر شيئًا قط أحسن منه، فقلت: يا رابعة! ما فعلت بالجبة التي كفَّنَّاكِ فيها والخمار الصوف؟. قالت: إنه والله! نزع عني وأبدلت به ما ترينه عليَّ، وطويت أكفاني، وختم عليها، ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها يوم القيامة. فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا. فقالت: وما هذا عند ما رأيتُ من كرامة الله لأوليائه؟. فقلت لها: فما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت هيهات هيهات! سبقتنا والله إلى الدرجات العلى فقلت: وبم؟ وقد كنت عند الناس، - أي أكبر منها؟. قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا وأمست فقلت لها: فما فعل أبو مالك، أعني ضيغمًا؟ قالت: يزور الله متى شاء. قلت: فما فعل بشر بن منصور؟. قالت: بخ بخ، أعطي والله فوق ما كان يؤمل. قلت: فمريني بأمر أتقرب به إلى الله ، قالت:
«عليك بكثرة ذكره، يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك». رحمها الله تعالى.
وقال بعضهم: كنت أدعو لرابعة العدوية، فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور، مخمرة بمناديل من نور.
قال ابن الجوزي في شذور العقود: توفيت سنة خمس وثلاثين ومائة.
وقال غيره: سنة خمس وثمانين [ومائة]. وقبرها على رأس جبل يسمى «الطور» يطل على القدس من شرقيه. وأغرب ما في هذا الجبل ما سمعناه بالقدس الشريف في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة، أن الناس احتاجوا إلى استسقاء الغيث من الله قال: فصعد المسلمون واليهود والنصارى، والسامرة هذا الجبل، فاستقبل المسلمون الكعبة الحرام، واستقبل اليهود الصخرة المعظمة، واستقبل النصارى الشرق، واستقبل السامرة جهة نابلس، فصارت كل طائفة إلى ظهور سائر الطوائف، وهذا لا يتفق في مكان آخر. حكى ذلك الحافظ العلامة أبو سعيد العلائي.
стр. 2401
وأورد السهروردي في «عوارف المعارف» لرابعة رحمها الله تعالى (١): [من الكامل]
إِنِّي جَعَلْتُكَ في الفؤادِ مُحَدِّثي … وأَبَحْتُ جسمي من أراد جُلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
ومنهم:
[٤] حَبِيبُ العَجَمِيٌّ (٢)
أتى بخوارق مثل الإعجاز، وتدفق كالسحاب في الإنجاز، وأتى من قاصية بلاد، وجز ناصية الليالي والآباد، حتى جال في كل مجال، ووصل إلى حيث حصل ما حصل، وأتى من أرض بعيد مداها، بديع هداها، لا تفهم ألسنتها الأعاجم، ولا تفهم الحداث عنها إلا التراجم، فجاد لها مسعى، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، فلم يغلق دونه الباب، وكم تعلق بغباره ذوو الألباب.
روي أنه كان يقول: «كل عمل لا يكون سره آثر عندك من علنه، فهو رياء».
قال بعضهم: صحبت في طريق الحج رجالًا منهم حبيب العجمي، فكنت أظنُّه غلامهم لقيامه بخدمتهم، فسألتهم عنه؟ فإذا هو سيدهم.
وقال عبد الله القاشاني: بقيت أيامًا أحدث نفسي: أي الرجال أفضل درجة؟ - أعني من رجال القوم؟ فبينا أنا نائم ليلة من الليالي، وإذا أنا أنظر إلى السماء وهي كالصحيفة، وفيها مكتوب بخط من نور، سطر من المشرق إلى المغرب، فقرأته فإذا هو: «حبيب، حبيب، حبيب» مكررةً ثلاث مرات.
وحكي عنه قال: كان حبيب بين جماعة في يوم شديد الحر في ذروة جبل مقفر، من أرض سجستان، فقالوا: لقد أضرت بنا هذه الظهيرة، وقد حانت الصلاة، فكيف
стр. 2402
نقوم بها ونحن نكاد نتساقط؟. قال: فدمعت عين حبيب ثم قال: «اللهم إنهم عبادك يريدون طاعتك، اللهم فاسقهم». قال: فكأنما فتحت أبواب السماء بالمطر، وأتاهم عارض من بَرَد، فابتردوا به وشربوا، وتوضؤوا. ثم قاموا فصلوا، فلما فرغوا أمسكت السماء.
وحكي عنه قال: حججتُ مرة، فلما كان يوم عرفة، صعدت الجبل حتى كنت بأعلاه، فنظرت بعيني؛ فإذا بالسهل والجبل قد فرشها الحجاج، وكانت سنة جامعة، فاستكثرت أهل الموقف، فقلت في نفسي: «لعل في هؤلاء من لا يغفر له!» فسمعت قائلًا يقول بصوت ملأ ما بين الجبلين: «هو أكرم من هذا».
قلت: ويقرب من هذا ما حكاه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في ترجمة سليمان بن داود المباركي عن التتائي قال: أفضت من عرفات وقد مضى الناس، فبينما أنا أسير وحدي، إذا أنا برجلين يقول أحدهما لصاحبه يا حبيب. فقال الآخر:
لبيك!. قال: أترى الذي تحاببنا فيه يعذِّبنا؟. قال: فسمعوا صوتًا: «ليس بفاعل، ليس بفاعل».
ومنهم:
[٥] أَبو إسحاق، إبراهيمُ بْنُ أَدْهَمَ بنِ مَنصُورٍ (١) من كورة بلخ
مَلِكُ لاقت بعطفيه حلل التقوى الفاخرة، ومَلَكَ الدنيا فرغب في الآخرة، بلغ ما
стр. 2403
لا يتوهم، وسبق ولا غرو له، وهو ابن أدهم، وكان أي رجل، لم تجره الدنيا بحبالها، ولم تغره الدنيا بخيالها، فأعرض عن الأعراض، وبقايا سورها، وقليل ميسورها، وزهد زهدًا صار فيه مثلًا يضرب، ورجلًا حديثه يُسْتَغرب، إلى أن قطع الأجل كما يقطع المسافر المسافة، وحطَّ رحله حيث أمن المخافة.
وكان من أبناء الملوك، فخرج يومًا متصيّدًا، فأثار ثعلبًا، وقيل: أرنبًا، فهتف به هاتف: يا إبراهيم! ألهذا خُلِقْتَ، أم بهذا أُمِرْتَ؟. ثم هتف به من «قربوس» سرجه:
стр. 2404
والله ما لهذا خُلِقْتَ، ولا بهذا أُمِرْت؟. فنزل عن دابَّته، وصادف راعيًا لأبيه، فأخذ جبته، وكانت من صوف، فلبسها، وأعطاه ثيابه، وقماشه، وفرسه. ثم دخل مكة، وصحب بها سفيان الثوري، والفضيل بن عياض، ثم ارتحل إلى الشام، وأقام بها. وكان يأكل من عمل يده؛ مثل: الحصاد، وعمل البساتين، وغيرهما. وصادف في بعض البراري رجلًا علمه اسم الله الأعظم فدعا به، فرأى الخضر ﵇. وكان ﵁ كبير الشأن في باب الورع: يحكى عنه أنه قال: «أطب مطعمك، ولا حرج عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار».
وكان من دعائه: «اللهم! انقلني من ذلّ معصيتك إلى عز طاعتك».
وروي أنه كان يحفظ كرمًا؛ فمر به جندي، فقال: أعطنا من هذا العنب. فقال: ما أمر به صاحبه. فأخذ الجندي يضربه بسوطه، فطأطأ رأسه وقال: «اضرب رأسًا طالما عصى الله!!».
وقيل: مرَّ إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة، فاجتمع إليه الناس، وقالوا: يا أبا إسحاق! إن الله يقول في كتابه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١) ونحن ندعوه فلا يستجيب لنا!. فقال: يا أهل البصرة ماتت قلوبكم في عشرة أشياء: أولها: عرفتم الله ولم تؤدُّوا حقه. والثانية: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به. والثالثة: ادعيتم حب رسول الله ﷺ وتركتم سُنَّته. والرابعة: ادعيتم عدواة الشيطان ووافقتموه!. والخامسة: قلتم: نحب الجنة، وما تعملون لها!. والسادسة: قلتم: إن الموت حق، ولم تستعدوا له!. والسابعة: قلتم: نخاف النار [ووهنتم] أنفسكم!. والثامنة: اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم!. والتاسعة: أكلتم نعمة ربكم ولم تشكروها. والعاشرة: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم!.
وقال إبراهيم بن بشار: سألت إبراهيم بن أدهم عن العبادة؟ فقال: «رأس العبادة التفكر والصمت، إلا عن ذكر الله تعالى». وقد بلغني أنه قيل للقمان: ما بلغ من حكمتك؟. فقال: لا أسأل عما قد كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني. ثم قال: يا ابن بشار! إنما ينبغي للعبد أن يصمت، أو يتكلم بما ينتفع به، أو ينفع به من موعظة، أو تنبيه، أو تخويف، أو تحذير. يا ابن بشار! مثل لبصر قلبك حضور مَلَكِ الموت ﵇ لقبض روحك، فانظر كيف تكون؟. ومثل هول المطلع، ومساءلة منكر ونكير. فانظر كيف تكون؟. ومثل القيامة، وأهوالها، وأفزاعها، والعرض، والحساب،
стр. 2405
والوقوف، فانظر كيف تكون؟. ثم صرخ صرخة، ووقع مغشيًا عليه.
وكتب عمر بن منهال القرشي إلى إبراهيم بن أدهم، وهو بالرملة: أن عظني موعظة أحفظها عنك. فكتب إليه: «أما بعد … فإن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنقص منه في كل وقت نصيب، وللبلاء في جسمه دبيب، فبادر بالعمل قبل أن ينادى بالرحيل، واجتهد في العمل بدار الممر قبل الانتقال إلى دار المقر». وقال أحمد بن الفضل العكي: سمعت أبي يقول: مر إبراهيم بن أدهم بقيسارية، وقد تعجَّل دينارًا من نظارة كرم، فسمع صوت امرأة تصيح، فقال: ما لهذه؟. قالوا: تلد. قال: وأي شيء نعمل لها عند ولادتها؟ قالوا: نشتري لها الدقيق، والزيت، والعسل والسمن فصرف ديناره واشترى زنبيلًا، وملأه من هذه الأخبية، ثم حمله على رقبته إلى بابها، وقال: خذوا!. فنظروا … وإذا هم أفقر بيت من أهل قيسارية، وأعبده الله تعالى!!.
وقال بقية بن الوليد: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: تعلمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان. دخلت عليه في صومعته، فقلت له: يا سمعان! منذ كم أنت ها هنا؟. فقال: منذ سبعين سنة!. فقال: يا حنيفي! وما دعاك إلى هذا؟. فقلت: أحببت أن أعلم. ثم قلت له: ما الذي تأكل؟. قال: في كل ليلة حمصة!. قلت: فما الذي يهيج قلبك حتى يكفيك الحمّصة؟ فقال: ترى الدير الذي بحذائك؟ قلت: نعم. قال: إنهم يأتوني في كل سنة يومًا واحدًا؛ فَيُزَيِّنُونَ صومعتي، ويطوفون حولها، ويعظموني بذلك، فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة، ذكرت تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة، فاحتمل أنت يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد. فوقعت المعرفة في قلبي. ثم قال لي: حسبك أو أزيدك؟. قلت: زدني فقال: انزل عن الصومعة، فنزلت، فأدلى إلي ركوة فيها عشرون حمصة، وقال لي: ادخل الدير، فقد رأوا ما أدليت لك، فلما دخلت الدير، اجتمع النصارى حولي، فقالوا: يا حنيفي ما الذي أدلى لك الشيخ؟. قلت: من قوته. قالوا: وما الذي تصنع به؟ نحن أحق به، فبعناه قلت: بعشرين دينارًا؛ فاشتروه، ثم رجعت إلى الشيخ، فقال: يا حنيفي لو التمست منهم عشرين ألف دينار لأعطوك!. ثم قال: هذا عز من لا تعبده، فكيف عزُّ من تعبده؟ يا حنيفي! أقبل على ربك، ودع المجيء والذهاب.
وقال إبراهيم بن أدهم: مررت براهب في صومعته، والصومعة على عمود، والعمود على قلة جبل، كلما عصفت الريح تمايلت الصومعة. فقلت: يا راهب! فلم يجبني. ثم ناديته ثانيًا، فلم يجبني. فقلت في الثالثة: بالذي حبسك في صومعتك إلا أجبتني. فأخرج رأسه من صومعته، فقال: سميتني باسم لم أكن له بأهل!، قلت
стр. 2406
لي يا راهب، ولست براهب، إنما الراهب من رهب من ربه . قلت: فما أنت؟. قال: سجنت سَبْعًَا من السباع. قلت: ما هو؟ قال: لساني سبع ضار، إن أنا أرسلته مزق الناس. يا حنيفي؟ إن الله عبادًا سلكوا خلال دار الظالمين، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين، وشابوا ثمرة العلم بنور الإخلاص، هم - والله - عباد كحلوا أبصارهم بسهر الليل، فلو رأيتهم في ليلهم، قد نامت عيون الخلق وهم قيام على أطرافهم، يناجون من لا تأخذه سنة ولا نوم. يا حنيفي، عليك بطريقهم. قلت: فعلى الإسلام أنت؟. قال: ما أعرف غير الإسلام دينًا، ولكن عهد إلينا المسيح ﵇، ووصف لنا آخر زمانكم، فخليت الدنيا، وإن دينكم لجديد، وقد خَلُقَ.
وقال إبراهيم: رأيت في المنام كأن جبريل ﵇ نزل إلى الأرض، فقلت له: لم نزلت؟ قال: لأكتب المحبين. فقلت: مثل من؟. فقال: مثل مالك بن دينار، وثابت البناني، وأيوب السختياني، وعد جماعة. فقلت: أنا منهم؟. فقال: لا. فقلت: فإذا كتبتهم، فاكتب تحتهم: «محب المحبين». فقال: قد أمرني الله تعالى أن أكتبك أولهم.
وقال: «نِعْم القوم السُّؤَالُ، فإنهم يحملون زادنا إلى الآخرة».
وروي عنه أنه قال: «ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: كنت في سفينة وفيها رجل مضحاك، كان يقول: كنا نأخذ العلج في بلاد الترك هكذا!!! وكان يأخذ بشعر لحيتي، ويهزني، فسرني ذلك؛ لأنه لم يكن في تلك السفينة أحقر في عينه مني!. والثانية: كنت عليلًا في مسجد، فدخل المؤذن، فقال: اخرج، فلم أطق، فأخذ برجلي، وجرني إلى خارج. والثالثة: كنت بالشام، وعلي، فرو، فنظرت فيه فلم أميز بين شعره والقمل لكثرته، - وفي رواية أخرى - كنت يومًا جالسًا، فجاء إنسان وبال علي، وجاء آخر وصفعني!».
وقال أبو عبد الله بن الفرج: اطلعت على إبراهيم بن أدهم بالشام وهو نائم، وعند رأسه أفعى في فمها باقة نرجس تذب عنه حتى انتبه!.
ومنهم:
[٦] الفُضَيْلُ بنُ عِيَاض، أبو علي الخراساني (١)
رجل رأى بعين البصيرة واطلع، وتمثل بصفاء السريرة هول المطلع، أسمعه
стр. 2407
النذير، وأسرعه النفير، وزجره واعظ القرآن فازدجر، وألان قلبه - وكان من حديد أو حجر - وقد مضت عليه سنون كان سائحًا في سَنَتِها، طافحًا بسمتها، وشبابه مقتبل، وشأنه أنه لغُرَّة العمر، مهتبل، فرد سيله قبل بلوغ القرآن، وأنام سيفه بعد ما فقد غراره، وذلك حين آن له المتاب، وسبق له الكتاب، فعمل بعمل أهل الجنة، وأظهر الله له من سره ما أجنه.
وروى أبو القاسم القشيري بسنده قال: كان الفضيل شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس. وكان سبب توبته: إِنَّهُ عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) فقال: يا رب! قد آن. فرجع، فآواه الليل إلى خَرِبَة، فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال قوم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا. فتاب الفضيل، وأمنهم، وجاور الحرم حتى مات.
وقال الفضيل بن عياض: «إذا أحب الله عبدًا أكثر غمه، وإذا أبغض عبدًا وسع عليه دنياه».
وقال ابن المبارك: إذا مات الفضيل ارتفع الحزن.
وقال الفضيل: «لو أن الدنيا بحذافيرها عُرِضَتْ عليَّ ولا أحاسب بها لكنت أتقدرها، كما يتقدَّر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه». وقال: «ترك العمل لأجل الناس هو الرياء، والعمل لأجل الناس هو الشرك».
وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكًا، ولا مبتسمًا، إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك؟. فقال: «إن الله أحب أمرًا فأحببت ذلك».
وقال الفضيل: إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي».
حكى في «مناقب الأبرار» عن سفيان بن عيينة ﵁ قال: قال لي الرشيد: أريد أن ألقى الفضيل بن عياض، لعل الله أن يحدث لي عظةً أنتفع بها. فقلت له: والله! إنَّ ذلك لحبيب إليَّ، ولكنه رجل قد أخذ نفسه بخدمة الله تعالى، فما لأحد فيه حظ، وأكره أن تراه متصوفًا في بعض حالاته من عبادة ربه فتوهم عليه جفاء، وإن كنت والله أعرفه الرجل الكريم العِشرة، الحسن الخُلُق، يوهم من شاهده مين
стр. 2408
لينه أنه داخل في حكم العامة. فقال لي: ما عزمت على لقائه حتى وطنت نفسي على احتمال مشاهدتي أخلاقه. ثم قال: ويحك يا سفيان! إن شَرَف التقوى شرف لا يزاحم عليه بإمرة ولا خلافة!. فأديتُ ذلك إلى الفضيل، فقال: إنه لحسن العقل، لولا ما ضُرب به من فتنة هذه العاجلة. ويسوؤني أيضًا، فأما ما يسوؤني منه فلم أر مثله يرفل في سوابغ النعم عريانًا من الشكر، ثم قطب بين عينيه، وقال: ما قدر من كان الله عاصيًا؟. لا حاجة لي في لقائه فلم أزل أرفق به حتى أذن، فرجعت إلى الرشيد فأعلمته، وقلت له: ليس يطمع فيه إلا وقت إفطاره، وكان إفطاره كاختطاف الطائر حبه. فركب الرشيد، ولبس مبطنة، وطيلسانًا، وغطاء رأسه، ومعه مسرور الخادم، وأنا؛ فدققت الباب؛ فنزل وفتح، ودخل، ودخلت معه، ووقف مسرور على الباب، فسلم عليه الرشيد قائمًا، فتشمم منه رائحة المسك، فقال الفضيل: «اللهم إني أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك المتقين في جنات النعيم». ثم تبادرت دموعه على لحيته، فقلت: يا أبا علي! هذا أمير المؤمنين واقف يسلم عليك، فرفع رأسه، وقال: وإنك لهو يا حسن الوجه؟. ونظر إلى الرشيد وهو يبكي، فقال له: اعلم أن الأحكام قد سلبت فضيلة العدل وظهر في الملة والذمة عدوان الأمرين، وهو في صحيفتك يدرج معك في كفنك ليوم النشور، وقد بدا إليك سرعة نفاذ ما أنت فيه من تقدمك من آبائك، ثم نهض، وقال: «الله أكبر». فقلت له: يا أمير المؤمنين! أما إذا افتتح الصلاة فليس فيه حيلة. وانصرفنا. فقال الرشيد: وهو خارج: لولا خجلي منك لقبلت ما بين عينيه، فقلت له: والله لوددت أن فعلت!.
ولد الفضيل بسمرقند، ونشأ بأبيورد، وتوفي بمكة سنة سبع وثمانين ومائة.
ومنهم:
[٧] دَاوُدُ بنُ نُصَير الطائي (١)
وصل إلى الغاية وبلغها، وتجنَّب الغواية ومبلغها، تفقه ثم اعتزل، وتنبه ثم لم
стр. 2409
يَزِلْ، وقطع مدة البقاء على فرد قدم، وفر من الدنيا ولم يداخله ندم، وكان وشبابه غربيب، وجلبابه ما علق بريح حبيبة ولا حبيب، مُجِد في العلم وطلبه، مجدد بما يعلم دواعي طربه، يسعى إليه ولا يتكبر، ويرعى ما يرد عليه ويتدبر، ثم لما اضطلع من ذلك البحر الرواء، انخلع من ذلك الرداء، ولبس رتق الفقراء المبرأ من الرياء، وطم طمعه فانفطم، وأحب الخلوة فكان لا يفارق ظل أطم.
قال أبو علي الدقاق: كان سبب زهد داود: أنه كان يمر ببغداد يومًا، فنحاه المطرّقون بين يدي حميد الطوسي، فالتفت، داود، فرأى حميدًا، فقال داود: أفّ لدنيا سبقك بها حميد. فلزم البيت، وأخذ في الجهد والعبادة.
وقال القشيري: سمعت ببغداد بعض الفقراء يقول: إن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح وتقول: [من السريع]
بأي خديك تبدى البلى … وأي عينيك إذا سالا
وقيل: كان سبب زهده: إنه كان يجالس أبا حنيفة ﵁، فقال له أبو حنيفة يومًا: يا أبا سليمان أما الأداة فقد أحكمناها. فقال له داود: فأي شيء بقي؟.
فقال: العمل به. قال داود: فنازعتني نفسي إلى العزلة، فقلت لنفسي: حتى تجالسهم
стр. 2410
ولا تتكلم في مسألة. قال: فجالستهم سنة لا أتكلم في مسألة، وكانت المسألة تمر بي، وأنا إلى الكلام فيها اشد نزاعًا من العطشان إلى الماء البارد ولا أتكلم. ثم صار أمره إلى ما صار.
وقيل: حَجَمَ «جنيد الحجام» داود الطائي، فأعطاه دينارًا، فقيل له: هذا إسراف. فقال: «لا عبادة لمن لا مروءة له».
وكان يقول بالليل: «إلهي! همَّك عطل علي الهموم الدنيوية، وحال بيني وبين الرقاد».
وقالت داية داود الطائي له: أما تشتهي الخبز؟ فقال: بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية!.
ولما توفي، رآه بعض الصالحين في المنام، وهو يعدو، فقال له: ما لك؟. فقال: «الساعة تخلصت من السجن». فاستيقظ الرجل [من منامه]، وارتفع الصياح: مات داود الطائي.
وقال له رجلٌ: أوصني. فقال له: «عسكر الموت ينتظرونك».
ودخل عليه بعضهم، فرأى جرَّة ماء انبسطت عليها الشمس، فقال له: ألا تحملها إلى الظل؟. فقال: «حين وضعتها لم يكن شمس، وأنا أستحي أن يراني الله أمشي لما فيه حظ نفسي».
ودخل عليه بعضهم، فجعل ينظر إليه، فقال: أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام؟.
وقال أبو الربيع الواسطي: قلت لداود الطائي: أوصني. فقال: «صم عن الدنيا، واجعل فطرك الموت، وفرَّ من الناس كفرارك من الأسد».
قال ابن حُبَيق: ورث داود الطائي عشرين دينارًا، فأكلها في عشرين سنة.
وقال ﵁: «صاحب أهل التقوى فإنهم أقل مؤونة، وأكثر معونة».
وقيل له يومًا: لو تنحيت عن الشمس إلى الظل؟. فقال: هذه خطى لا أدري كيف تكتب؟.
توفي داود الطائي ﵁ سنة ستين ومائة.
ومنهم:
стр. 2411
[٨] شَقِيق بن إبراهيم البلخي (١)
من مشايخ خراسان، وقف على الحقيقة، ورتع في حضرة القرب والحديقة، فأعرق في شيمه، وأغدق من شيمه بعدما قضى في طلب الدنيا زمانا، وعمره خضر، وعوده نضر، وليل شبابه ما صاح فيه نهار المشيب، وناعم جلبابه ما طاح عنه رداؤه القشيب. وأول كراماته، وما عرف من مقاماته، ردُّ سيل غرامه، وقد تحدر وأطفأ وَقْدَ ضرامه. وقد قيل: إنه عليه لا يقدر، فقدر واحتكم، وكان شقيق النفس وإن لم يكن من حكم.
وهو أول من تكلم في علوم الأحوال بكور خراسان، وله لسان في التوكل.
صحب إبراهيم وأخذ عنه الطريقة، وهو أستاذ حاتم الأصم. وسبب توبته: أنه كان من أبناء الأغنياء خرج للتجارة إلى أرض الترك، وهو حَدَثُ، فدخل بيتًا للأصنام، فرأى خادمها، قد حلق رأسه ولحيته، ولبس ثيابًا أرجوانية، فقال شقيق للخادم: إن لك صانعًا، حيًا، عالمًا، قادرًا، فاعبده ولا تعبد هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع!!.
فقال: إن كان كما تقول، فهو قادر على أن يرزقك ببلدك، فلم تعنيت إلى ههنا للتجارة؟ فانتبه شقيق، وأخذ في طريق الزهد بعد التوبة.
стр. 2412
وقال: «احذر أن لا تهلك بالدُّنيا. ولا تهتم! فإن رزقك لا يعطى لأحد سواك».
وقال: «التوكل أن يطمئن قلبك بموعود الله».
وقال: «تعرف تقوى الرجل في ثلاثة أشياء: في أخذه، ومنعه، وكلامه».
وقال: «الفقير هو الذي يخشى الغنى، ويغتنم الفقر».
وقال: «عملت في القرآن عشرين سنة، حتى ميزت الدنيا من الآخرة، فأصبته في حرفين، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١).
وقال: «الزاهد الذي يقيم زهده بفعله، والمتزهد الذي يقيم زهده بلسانه».
وقال: «إن حفظ الفقر أن ترى الفقر منَّةً من الله عليك، حيث لم يُضَمِّنْكَ رزق غيرك، ولم يُنْقِصْكَ مما قسم لك».
وقال: «ليس شيء أحبَّ إليَّ من الضيف؛ لأن رزقه ومؤونته على الله، ولي الأجر».
وقال حاتم الأصم: كان شقيق البلخي موسرًا، وكان يتفتى، ويعاشر الفتيان، وكان علي بن عيسى بن ماهان أمير بلخ، وكان يحب كلاب الصيد، ففقد كلبًا من كلابه، فسعي برجل أنه عنده، وكان الرجل في جوار شقيق، فطلب الرجل، فهرب … فدخل دار شقيق مستجيرًا، فمضى شقيق إلى الأمير، وقال: خلوا سبيله، فإن الكلب عندي أردُّه إليكم إلى ثلاثة أيام. فخلوا سبيله، وانصرف شقيق مهتمًا لما صنع. فلما كان اليوم الثالث، كان رجل من أصدقاء شقيق غائبًا عن بلخ، فرجع إليها، فوجد في الطريق كلبًا عليه قلادة، فأخذه، وقال: أهديه إلى شقيق، فإنه يشتغل بالتفتي. فحمله إليه، فنظر شقيق؛ فإذا هو كلب الأمير!. فسُرَّ به، وحمله إلى الأمير، وتخلص من الضمان، فرزقه الله الانتباه، وتاب مما كان فيه، وسلك طريق الزهد.
وقال شقيق: لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة في سوق الليل، وهو جالس في ناحية من الطريق يبكي، فعدلت إليه، وسلَّمت عليه، وقلت له: أيش هذا البكاء يا أبا إسحاق!؟. فقال: حين عاودته مرة أو اثنتين أو ثلاثة، فلما أكثرت عليه قال: يا شقيق! أنا أخبرك [بحديث فلا تحدث به أو استره علي]. فقلت: يا أخي! قل ما شئت. فقال: اشتهت نفسي السكباج منذ ثلاثين سنة، وأنا أمنعها جهدي، فلما كان البارحة، كنت جالسًا وقد غلبني النعاس، إذا أنا بفتى شاب، وبيده قدح أخضر يعلو منه بخار،
стр. 2413
ورائحة سكباج قال: فاجتمعت بهمتي عنه، فقرب مني، وقال: يا إبراهيم! كُل. فقلت: ما آكل شيئًا قد تركته الله تعالى: فقال: وإن أطعمك الله فما تأكل؟. فما كان لي جواب إلا أنني بكيت. فقال لي: كُل يرحمك الله. فقال إبراهيم: قد أُمرنا أن لا نطرح في وعائنا إلا من حيث نعلم. فقال: كُل عافاك الله! فإنما أعطيت، وقيل لي: يا خضر! اذهب بهذا، وأطعم نفس إبراهيم بن أدهم، فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحملها من حين منعها.
توفي شقيق رحمه الله تعالى سنة أربع وتسعين ومائة.
ومنهم:
[٩] مَعْرُوف بن فيروز الكَرْخِي؛ أبو محفوظ (١)
أي رجلٍ وَفِي، وذي عمل خفي علق بأسباب النبوة فنجا، وأشرق له شهاب الإيمان فرجا، فلم يتمسك بعصم الكوافر، ولا ضلَّ بعد الأيام النوافر، فوافي مسلمًا، وجفا دينًا كان كقطع الليل مظلمًا، فبرئ من الآية الممحوة، وربي في الحنيفية البيضاء لا سوادًا ولا حوَّة، فصدَّ وجهه عن دين أبويه، وأسلم وسلم إليه، فسعد بالدين، وصعد إلى عليّين، فسَرَتْ في أبويه أنفاسه فأسلما، وأشركا في دحض الشرك معه وأسهما، وقد كانا جهدا على قتله، وتجردا لمحنته، ثم زال عن عيونهما العشاء، والله يهدي من
стр. 2414
كان من المشايخ الكبار، مجاب الدعوة، يُستشفى بقبره. يقول البغداديون: قبر معروف ترياق مجرب. وهو من موالي علي بن موسى الرضا، ﵁، وكان أستاذ السري السقطي، وقد قال له يومًا: «إذا كانت لك إلى الله حاجة فأقسم عليه بي». قال أبو علي الدقاق - رحمه الله تعالى -: كان معروف الكرخي أبواه نصرانيان، فسلموا معروفًا إلى المؤدب [وهو صبي]، فكان المؤدّب يقول له: قل: «ثالث ثلاثة» ويقول معروف: بل هو واحد. فضربه المعلم يومًا ضربًا مبرحًا، فهرب معروف، فكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أي دين يشاء، فنوافقه عليه. ثم إنه أسلم علي يدي علي بن موسى الرضا، ورجع إلى منزله، ودق الباب، فقيل: من بالباب؟. فقال: معروف. فقالوا: علي أي دين جئت؟ فقال: على الدين الحنيفي؛ فأسلم أبواه.
وقال سري السقطي: رأيت معروفًا الكرخي في النوم بعد موته، فقلت: ما فعل الله بك؟. فقال: غفر لي فقلت: بزهدك وورعك؟. قال: لا، بقبولي موعظة ابن السماك، ولزوم الفقر، ومحبتي الفقراء. وموعظة ابن السماك: ما قاله معروف: «كنت مارًا بالكوفة، فوقفت على رجل يقال له: «ابن السماك وهو يعظ الناس؛ فقال في خلال كلامه: من أعرض عن الله بكليته، أعرض الله عنه جملة، ومن أقبل على الله بقلبه، أقبل الله برحمته إليه، وأقبل بجميع وجوه الخلق إليه، ومن كان مرَّةً ومرة، فالله يرحمه وقتًا ما». فوقع كلامه في قلبي، فأقبلت على الله تعالى، وتركت جميع ما كنت عليه، إلا خدمة مولاي علي بن موسى الرضا. وذكرت هذا الكلام لمولاي، فقال: يكفيك بهذا موعظة إن اتعظت.
وقيل لمعروف في مرض موته: أوص. فقال: «إن من فتصدقوا بقميصي، فإني أريد أن أخرج من الدنيا عريانًا كما دخلتها عريانًا».
ومر بسقاء يقول: رحم الله من يشرب! - وكان ﵁ صائمًا؛ فتقدم فشرب، فقيل له: ألم تكن صائمًا؟ فقال: بلى، ولكني رجوت دعاءه.
توفي سنة مائتين، وقيل: سنة إحدى ومائتين.
ومنهم:
[١٠] أَبُو مُحَمَّد، الفَتْحُ بْنُ سَعِيدٍ المَوصِلِيُّ (١)
ويُعرف بلده بـ «فتح الكاري»، وهي قرية بشرقي دجلة. من أقران بشر الحافي.
стр. 2415
رجل نفض من الدنيا يدا، وأعرض عن السُّحُب وهي تفيض نَدى، وكان لأهل الطريقة منه فتح قريب، ومَنْحٌ منه غير غريب، وكانت له الأقضية مسخرة، والأيام المزدهية به مفتخرة، وكان لو أومأ إلى الصخر لانفلق، أو إلى الليل لأئتلق. إلى حكم تتفجر منابعها، وسفوح تُفرح السُّحُبَ مرابعُها، وجواهر كَلِمِهِ عند القوم في مخبَّاتِ الصُّدُور مخزونة، وبحبات القلوب موزونة.
قال إبراهيم بن عبد الله: صدع فتح الموصلي؛ ففرح بذلك.
وقال: يا رب! ابتليتني ببلاء الأنبياء؟!؛ فشُكْرُ هذا أن أصلي الليلة أربع مائة ركعة!.
وقال فتح: «أهل المعرفة: الذين إذا نطقوا فيه ينطقون، وإذا عملوا فله يعملون، وإذا طَلَبُوا فمنه يطلبون، وإذا رغبوا فإليه يرغبون أولئك خواص الله، السابقون المقربون». وكان ﵁ في وقت ليالي الشتاء يجمع عياله، ويمد كساءه، ثم يقول: «[اللهم!] أفقرتني وأفقرت عيالي، وجعتني، وجوعت عيالي!، وأعريتني وأعريت عيالي، [بأي] وسيلة أتوسل إليك؟، وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبابك، فترى هل أنا منهم حتى أفرح؟.»
وسئل فتح الموصلي عن الصدق ما هو؟. فأدخل يده في كير حداد، وأخرج الحديدة المحماة، ثم وضعها على كفّه، وقال: «هذا هو الصدق».
وقال: «صحبت ثلاثين شيخًا كانوا يُعدُّون جميعهم من الأبدال، وكلُّهم أوصوني عند فراقي لهم، فقالوا: «إياك ومعاشرة الأحداث».
وقال أبو عبد الله بن الجلاء: كنا في غرفة سَرِي السَّقَطِي ببغداد، فلما ذهب بعض الليل، لبس قميصًا نظيفًا، وسروالًا، ورداء، وقام ليخرج، فقلت: إلى أين في هذا الوقت؟. فقال: أعود فتحًا. فلما مشى في طرقات بغداد، أخذه العسس، وحبسوه، فلما أصبح أمروا بضربه مع المحبوسين، فلما رفع الجلاد يده، وقفت فلم يقدر أن
стр. 2416
يحركها!، فقيل: للجلاد: اضرب. فقال: حذائي شيخ واقف يقول: لا تضربه!!. فتقف يدي لا تتحرك!!. فنظروا؛ من الرجل؟. فإذا هو «فتح الموصلي» فأطلقوه، واعتذروا إليه؛ لأنهم لم يعرفوه.
وقال إبراهيم بن نوح الموصلي: رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة، وكان صائمًا، فقال: عشوني. فقالوا: ما عندنا شيء نعشيك به. قال: فما لكم جلوس في الظُّلْمة؟. قالوا: ما عندنا شيء نُسرِجُ به!. فجلس يبكي من الفرح، وقال: «إلهي! مثلي يترك بلا عشاء؟!. ولا سراج!!، فأي يد كانت مني؟». فما زال يبكي حتى الصباح.
وقال شعيب بن حرب: دخلت على فتح الموصلي أعوده، وهو مريض، فقلت له: يا أبا محمد! أوصني. فقال: أليس الإنسان إذا منع من الطعام والشراب يموت؟
قلت: نعم. قال: «فكذلك القلب إذا منع من الذكر مات».
وروي: إنه دخل على بشر الحافي فقال له: يا أبا نصر! ابعث إلى السوق واشتر لنا خبزًا جيدًا، وتمرًا جيدًا. ففعل بشر ذلك. فأكل الفتح منه، وأكثر، وحمل الباقي، فقال بشر لمن كان عنده: أتدرون لم قال: اشتر خبزًا جيدًا، وتمرًا جيدًا؟. فقالوا: لا. قال: لأن الطعام الصافي الجيد يصفو لصاحبه عليه الشكر. ثم قال لهم: أتدرون لم أكثر الأكل؟. قالوا: لا. قال: لأنه علم أني أفرح بأكله، فأراد أن يزيدني سرورًا وفرحًا.
قال: أتدرون لم حمل الباقي؟. قالوا: لا. قال: لأن التوكل إذا صح لم يضر صاحبه الحمل معه.
وروي أن رجلًا قال للمعافى بن عمران: هل كان للفتح الموصلي كبير عمل؟.
فقال: كفاك بعمله تركه للدنيا!.
ومنهم:
[١١] أبو سُلَيْمَانَ، عَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطِيَّةَ الدَّاراني (١)
عابد، شقت به الليالي جُنَحَ ظُلُماتها، وأشرقت أعماله البدور في سمائها، وله
стр. 2417
بداريا مشهد له في السنة أيام تعدُّ مواسم وليال بالوفود بواسم، يُقصد بالزيارة من كل فج، ويؤتى بكل ناضج وفج، وتقذف له أبحر سواكب، وتقف حوله زُمَرٌ ومواكب، وترتج تلك الساحات، وتثج هنالك السماحات، في كل ظلماء تحاكي سناء الليلة القمراء، وتجاوب تسبيح الملائكة أصوات القراء.
ولأهل دمشق بإقامة مواسم هذه الليالي ولوع، ولأقمار أهلها مشارق ثم طلوع، لا يزال لهم هذا دأبًا كل عام يأتي، وفعلًا يخالف قول من يفتي. قال أبو سليمان الداراني: كنت ليلة باردة في المحراب، فأقلقني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد، وبقيت الأخرى ممدودة. فغلبتني عيناي، فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. فاليت على نفسي أن لا أدعو إلا ويداي خارجتان، حرًَّا كان الزمن أو بردًا. وقال أيضا: «نمت [ليلة] عن وردي، فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أُرَبَّى لك منذ خمسمائة عام!؟».
وقال: «أفضل الأعمال خلاف هوى النفس».
وقال: «لكلِّ شيءٍ عَلَم، وعلم الخُذلان ترك البكاء».
وقال: «لكلِّ شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبع البطن».
وقال: «كل ما شغلك عن الله تعالى من مالٍ، أو أهل، أو ولد، فهو عليك مشوم».
وقال: «من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة، ذهب الله بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذِّبَ قلبًا بشهوة تُرِكَتْ له».
стр. 2418
وقال: «إذا سكنت الدنيا في قلب ترحلت منه الآخرة».
وقال: «ربما يقع في قلبي النكتة من نُكَتِ القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة».
وقال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان يومًا، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟. فقال: يا أحمد! ولم لا أبكي؟. إذا جنَّ الليل، ونامت العيون، وخلا كل حبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وتقطرت في محاريبهم، وأشرف الجليل فنادى: يا جبريل! بِعَيني مَنْ تلذذ بكلامي، واستراح إلى ذكري، وإنِّي لمُطَّلِعُ عليهم في خلواتهم، أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء.؟. هل رأيتم حبيبًا يُعَذِّبُ أحباءه؟!، أم كيف يجملُ بي أن آخذ قومًا إذا جنّهم الليل تملقُوا إلي؟ فبي حلفت: أنهم إذا وردوا عليَّ يوم القيامة، لأكشفنَّ لهم عن وجهي الكريم، حتى ينظروا إلي، وأنظر إليهم».
توفي ﵁ سنة خمس عشرة ومائتين، وقبره بقرية داريا، من قرى دمشق.
ومنهم:
[١٢] بشر بن الحَارِثِ الحَافِي (١)، أبو نصر
زاد على الوسمي، وزان مدارعه زينة الكَمِي، وتحلق بمشهد الشفق بشرى،
стр. 2419
وتألق يوم مولده الصباح فكان بشرا طفيء به كل مشتعل، وحفي كلُّ حافٍ ومنتعل.
ووقعت دونه القوادم والخوافي، واتبعت آثاره، وأثر الحافي غير خافي. سار ذكره فأوجف، وسكن باطن الأرض فاقشعر ظاهرها وأرجف، وشفع بأخت كانت هي وأخواتها على الخير أعوانًا، وإذا ذكر أهله أعيانا، وكان لمن صحف نسرا، ولمن صحح ما في طي الطيب نشرا.
أصله من «مرو» وسكن بغداد، وكان كبير الشان. وسبب توبته: أنه أصاب في الطريق كاغدة مكتوبًا عليها اسم الله قد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه «غالية»، فطيب بها «الكاغدة»، وجعلها في شق الحائط، فرأى فيما يرى النائم: كأنَّ قائلًا يقول له: «يا بشر طيبت اسمي، لأطيِّبَنَّ اسمك في الدنيا والآخرة».
قال أبو علي الدقاق: مرَّ بشر ببعض الناس، فقالوا: هذا الرجل لا ينام الليل كله، ولا يفطر إلا في كل ثلاثة أيام مرة؛ فبكى بشر، فقيل له في ذلك؟. فقال: إني لا أذكر أني سهرت ليلة كاملة، ولا أني صُمتُ يومًا لم أُفطِر من ليلته، ولكن الله يلقي في القلوب أكثر مما يفعله العبد لطفًا منه - سبحانه - وكرمًا.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: بلغني أن بشر بن الحارث الحافي قال: «رأيت
стр. 2420
النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا بشر! أتدري لِمَ رفعك الله من بين أقرانك؟. قلت: لا، يا رسول الله!. قال: باتباعك لسنتي، وخدمتك للصالحين، ونصيحتك لإخوانك، ومحبتك لأصحابي، وأهل بيتي، وهو الذي بلغك منازل الأبرار.
وقال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل، فإذا رجل يماشيني، فتعجبتُ منه، ثم ألهمت أنه الخضر ﵇، فقلت له: بحق الحقِّ من أنت؟. فقال: أخوك الخضر؛ فقلت له: أريد أن أسألك، فقال: سل. فقلت: ما تقول في الشافعي ﵀؟. فقال: هو من الأوتاد.
فقلت: ما تقول في أحمد بن حنبل ﵁؟. قال: رجل صديق.
قال: فما تقول في بشر بن الحارث الحافي؟.
قال: لم يخلق بعده مثله!!.
فقلت: بأي وسيلة رأيتك؟. فقال: ببرك لأمك.
وقال أبو علي الدقاق: أتى بشر باب المعافى بن عمران، فدق الحافي عليه الباب، فقيل: مَنْ؟. فقال: بشر الحافي. فقالت له بُنَيَّةٌ من داخل الدار: لو اشتريت لك نعلًا بدانقين، لذهب عنك اسم الحافي.
وقال أبو عبد الله [بن] الجلاء: رأيت ذا النون، وكانت له العبارة، ورأيت سهلًا، وكانت له الإشارة، ورأيت بشر بن الحارث، وكان له الورع. فقيل له: فإلى مَنْ كنت تميل؟ فقال: لبشر بن الحارث أستاذنا.
وقيل: إنه اشتهى الباقلاء سنين، فلم يأكله، فرؤي في المنام بعد وفاته، فقيل له: ما فعل الله بك؟. فقال: غفر لي، وقال: كُلّ يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب!
وقال بشر: «إني أشتهي الشواء منذ أربعين سنة ما صفا لي ثمنه!!» وقيل لبشر: بأي شيء تأكل الخبز؟ فقال: أذكر العافية، وأجعلها إدامًا. وقال بشر: لا يحتمل الحلال السرف.
ورئي بشر في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟. فقال: غفر لي، وأباح لي نصف الجنة، وقال لي: يا بشر! لو سجدت لي على الجمر ما أديت شكر ما جعلته لك في قلوب عبادي.
وقال بشر: «لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس».
ومن دعائه: «اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة، فاسلبه عني».
وقال: «عقوبة العالم في الدنيا أن يعمي بصر قلبه».