← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

يحركها!، فقيل: للجلاد: اضرب. فقال: حذائي شيخ واقف يقول: لا تضربه!!. فتقف يدي لا تتحرك!!. فنظروا؛ من الرجل؟. فإذا هو «فتح الموصلي» فأطلقوه، واعتذروا إليه؛ لأنهم لم يعرفوه. وقال إبراهيم بن نوح الموصلي: رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة، وكان صائمًا، فقال: عشوني. فقالوا: ما عندنا شيء نعشيك به. قال: فما لكم جلوس في الظُّلْمة؟. قالوا: ما عندنا شيء نُسرِجُ به!. فجلس يبكي من الفرح، وقال: «إلهي! مثلي يترك بلا عشاء؟!. ولا سراج!!، فأي يد كانت مني؟». فما زال يبكي حتى الصباح. وقال شعيب بن حرب: دخلت على فتح الموصلي أعوده، وهو مريض، فقلت له: يا أبا محمد! أوصني. فقال: أليس الإنسان إذا منع من الطعام والشراب يموت؟ قلت: نعم. قال: «فكذلك القلب إذا منع من الذكر مات». وروي: إنه دخل على بشر الحافي فقال له: يا أبا نصر! ابعث إلى السوق واشتر لنا خبزًا جيدًا، وتمرًا جيدًا. ففعل بشر ذلك. فأكل الفتح منه، وأكثر، وحمل الباقي، فقال بشر لمن كان عنده: أتدرون لم قال: اشتر خبزًا جيدًا، وتمرًا جيدًا؟. فقالوا: لا. قال: لأن الطعام الصافي الجيد يصفو لصاحبه عليه الشكر. ثم قال لهم: أتدرون لم أكثر الأكل؟. قالوا: لا. قال: لأنه علم أني أفرح بأكله، فأراد أن يزيدني سرورًا وفرحًا. قال: أتدرون لم حمل الباقي؟. قالوا: لا. قال: لأن التوكل إذا صح لم يضر صاحبه الحمل معه. وروي أن رجلًا قال للمعافى بن عمران: هل كان للفتح الموصلي كبير عمل؟. فقال: كفاك بعمله تركه للدنيا!. ومنهم: [١١] أبو سُلَيْمَانَ، عَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطِيَّةَ الدَّاراني (١) عابد، شقت به الليالي جُنَحَ ظُلُماتها، وأشرقت أعماله البدور في سمائها، وله

стр. 2417

بداريا مشهد له في السنة أيام تعدُّ مواسم وليال بالوفود بواسم، يُقصد بالزيارة من كل فج، ويؤتى بكل ناضج وفج، وتقذف له أبحر سواكب، وتقف حوله زُمَرٌ ومواكب، وترتج تلك الساحات، وتثج هنالك السماحات، في كل ظلماء تحاكي سناء الليلة القمراء، وتجاوب تسبيح الملائكة أصوات القراء. ولأهل دمشق بإقامة مواسم هذه الليالي ولوع، ولأقمار أهلها مشارق ثم طلوع، لا يزال لهم هذا دأبًا كل عام يأتي، وفعلًا يخالف قول من يفتي. قال أبو سليمان الداراني: كنت ليلة باردة في المحراب، فأقلقني البرد فخبأت إحدى يدي من البرد، وبقيت الأخرى ممدودة. فغلبتني عيناي، فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. فاليت على نفسي أن لا أدعو إلا ويداي خارجتان، حرًَّا كان الزمن أو بردًا. وقال أيضا: «نمت [ليلة] عن وردي، فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أُرَبَّى لك منذ خمسمائة عام!؟». وقال: «أفضل الأعمال خلاف هوى النفس». وقال: «لكلِّ شيءٍ عَلَم، وعلم الخُذلان ترك البكاء». وقال: «لكلِّ شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبع البطن». وقال: «كل ما شغلك عن الله تعالى من مالٍ، أو أهل، أو ولد، فهو عليك مشوم». وقال: «من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة، ذهب الله بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذِّبَ قلبًا بشهوة تُرِكَتْ له».

стр. 2418

وقال: «إذا سكنت الدنيا في قلب ترحلت منه الآخرة». وقال: «ربما يقع في قلبي النكتة من نُكَتِ القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة». وقال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان يومًا، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟. فقال: يا أحمد! ولم لا أبكي؟. إذا جنَّ الليل، ونامت العيون، وخلا كل حبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وتقطرت في محاريبهم، وأشرف الجليل فنادى: يا جبريل! بِعَيني مَنْ تلذذ بكلامي، واستراح إلى ذكري، وإنِّي لمُطَّلِعُ عليهم في خلواتهم، أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء.؟. هل رأيتم حبيبًا يُعَذِّبُ أحباءه؟!، أم كيف يجملُ بي أن آخذ قومًا إذا جنّهم الليل تملقُوا إلي؟ فبي حلفت: أنهم إذا وردوا عليَّ يوم القيامة، لأكشفنَّ لهم عن وجهي الكريم، حتى ينظروا إلي، وأنظر إليهم». توفي ﵁ سنة خمس عشرة ومائتين، وقبره بقرية داريا، من قرى دمشق. ومنهم: [١٢] بشر بن الحَارِثِ الحَافِي (١)، أبو نصر زاد على الوسمي، وزان مدارعه زينة الكَمِي، وتحلق بمشهد الشفق بشرى،

стр. 2419

وتألق يوم مولده الصباح فكان بشرا طفيء به كل مشتعل، وحفي كلُّ حافٍ ومنتعل. ووقعت دونه القوادم والخوافي، واتبعت آثاره، وأثر الحافي غير خافي. سار ذكره فأوجف، وسكن باطن الأرض فاقشعر ظاهرها وأرجف، وشفع بأخت كانت هي وأخواتها على الخير أعوانًا، وإذا ذكر أهله أعيانا، وكان لمن صحف نسرا، ولمن صحح ما في طي الطيب نشرا. أصله من «مرو» وسكن بغداد، وكان كبير الشان. وسبب توبته: أنه أصاب في الطريق كاغدة مكتوبًا عليها اسم الله قد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه «غالية»، فطيب بها «الكاغدة»، وجعلها في شق الحائط، فرأى فيما يرى النائم: كأنَّ قائلًا يقول له: «يا بشر طيبت اسمي، لأطيِّبَنَّ اسمك في الدنيا والآخرة». قال أبو علي الدقاق: مرَّ بشر ببعض الناس، فقالوا: هذا الرجل لا ينام الليل كله، ولا يفطر إلا في كل ثلاثة أيام مرة؛ فبكى بشر، فقيل له في ذلك؟. فقال: إني لا أذكر أني سهرت ليلة كاملة، ولا أني صُمتُ يومًا لم أُفطِر من ليلته، ولكن الله يلقي في القلوب أكثر مما يفعله العبد لطفًا منه - سبحانه - وكرمًا. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: بلغني أن بشر بن الحارث الحافي قال: «رأيت

стр. 2420

النبي ﷺ في المنام، فقال لي: يا بشر! أتدري لِمَ رفعك الله من بين أقرانك؟. قلت: لا، يا رسول الله!. قال: باتباعك لسنتي، وخدمتك للصالحين، ونصيحتك لإخوانك، ومحبتك لأصحابي، وأهل بيتي، وهو الذي بلغك منازل الأبرار. وقال بلال الخواص: كنت في تيه بني إسرائيل، فإذا رجل يماشيني، فتعجبتُ منه، ثم ألهمت أنه الخضر ﵇، فقلت له: بحق الحقِّ من أنت؟. فقال: أخوك الخضر؛ فقلت له: أريد أن أسألك، فقال: سل. فقلت: ما تقول في الشافعي ﵀؟. فقال: هو من الأوتاد. فقلت: ما تقول في أحمد بن حنبل ﵁؟. قال: رجل صديق. قال: فما تقول في بشر بن الحارث الحافي؟. قال: لم يخلق بعده مثله!!. فقلت: بأي وسيلة رأيتك؟. فقال: ببرك لأمك. وقال أبو علي الدقاق: أتى بشر باب المعافى بن عمران، فدق الحافي عليه الباب، فقيل: مَنْ؟. فقال: بشر الحافي. فقالت له بُنَيَّةٌ من داخل الدار: لو اشتريت لك نعلًا بدانقين، لذهب عنك اسم الحافي. وقال أبو عبد الله [بن] الجلاء: رأيت ذا النون، وكانت له العبارة، ورأيت سهلًا، وكانت له الإشارة، ورأيت بشر بن الحارث، وكان له الورع. فقيل له: فإلى مَنْ كنت تميل؟ فقال: لبشر بن الحارث أستاذنا. وقيل: إنه اشتهى الباقلاء سنين، فلم يأكله، فرؤي في المنام بعد وفاته، فقيل له: ما فعل الله بك؟. فقال: غفر لي، وقال: كُلّ يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب! وقال بشر: «إني أشتهي الشواء منذ أربعين سنة ما صفا لي ثمنه!!» وقيل لبشر: بأي شيء تأكل الخبز؟ فقال: أذكر العافية، وأجعلها إدامًا. وقال بشر: لا يحتمل الحلال السرف. ورئي بشر في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟. فقال: غفر لي، وأباح لي نصف الجنة، وقال لي: يا بشر! لو سجدت لي على الجمر ما أديت شكر ما جعلته لك في قلوب عبادي. وقال بشر: «لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس». ومن دعائه: «اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة، فاسلبه عني». وقال: «عقوبة العالم في الدنيا أن يعمي بصر قلبه».

стр. 2421

وقال: «من طلب الدنيا فليتهيا للذل». وقال بشر لأصحاب الحديث: «أدُّوا زكاة هذا الحديث، قالوا: وما زكاته؟. قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث». وكان لبشر ثلاث أخوات، وهنَّ: «مضغة» و «مخة» و «زبدة»، وكنَّ زاهدات عابدات، ورعات. وأكبرهنَّ «مضغة»، ماتت قبل موت أخيها بشر، فحزن عليها حزنًا شديدًا، وبكى بكاء كثيرًا، فقيل له في ذلك؟ … . فقال: قرأت في بعض الكتب: إن العبد إذا قصر في خدمة ربه سلبه أنيسه. وهذه أختي «مضغة» كانت أنيستي في الدنيا». وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخلت امرأة على أبي، فقالت له: يا أبا عبد الله!، إني امرأة أغزل في الليل على ضوء السراج، وربما طفيء السراج، فأغزل على ضوء القمر، فهل علي أن أبين غزل السراج من غزل القمر؟. فقال لها أبي: إن كان عندك بينهما فرقٌ، فعليك أن تبيني ذلك. فقالت له: يا أبا عبد الله! أنين المريض هل هو شكوى؟. فقال لها: إني أرجو أن لا يكون شكوى، ولكن هو اشتكاء إلى الله تعالى. ثم انصرفت؛ قال عبد الله: فقال لي أبي: يا بني! ما سمعت إنسانًا قط يسأل عن مثل ما سألت هذه المرأة، اتبعها. قال عبد الله: فتبعتها إلى أن دخلت دار بشر الحافي، فعرفت أنها أخته، فأتيت أبي فقلت له: إن المرأة أخت بشر الحافي، فقال أبي: هذا والله! هو الصحيح، مُحالٌ أن تكون هذه المرأة إلا أخت بشر الحافي!!! وقال عبد الله أيضًا: جاءت «مُخَةٌ» أخت بشر الحافي إلى أبي فقالت: يا أبا عبد الله! رأس مالي دانقان، أشتري بهما قطنًا فأغزله، وأبيعه بنصف درهم، فأنفق دانقًا من الجمعة إلى الجمعة، وقد مرَّ الطائف ليلة ومعه مشعل، فاغتنمت ضوء المشعل، وغزلت طاقين في ضوئه، فعلمت أن الله يطالبني، فخلصني من هذا خلَّصك الله تعالى فقال أبي: تخرجين الدانقين، ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيرًا منه. قال عبد الله: فقلت لأبي: لو قلت لها حتى تُخرج رأس مالها، فقال: يا بني! سؤالها لا يحتمل التأويل، فَمَنْ هذه المرأة؟. فقلت: هي «مُخَةٌ» أخت بشر الحافي. فقال أبي: من هنا أتيت. وقال بشر: «تعلمت الورع من أختي، فإنها كانت تجتهد أن لا تأكل ما لمخلوق فيه صنع». توفي ﵁ في شهر ربيع الآخر، سنة ست وعشرين، وقيل: سنة سبع

стр. 2422

وعشرين ومائتين. وقيل: في عاشر المحرم، وقيل: في رمضان، ببغداد. وقيل: بمرو. وإنما لقب بـ «الحافي» لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شعًا لأجل نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكافي: ما أكثر كلفتكم على الناس؟!. فألقى النعل من يده، والآخر من رجله، وحلف لا يلبس نعلًا. ومنهم: [١٣] أَحمدُ بنُ أَبِي الحَوَارِي (١) المعروف بـ «ريحانة الشام» قطب من الأقطاب، ورجل طار ذكره وطاب، تفرد في الجميع، وهب طيبه فقيل: أمن ريحانة الداعي السميع، فعبقت بطيبه الأردان، وعلقت من نصيبه الأخدان، وهطلت له سوافح أغرقت في يمها، ونوافح عرفت، وما تُمْدَحُ ريحانة قبل شمها. رسا مقصرًا، بان عن إبانته، وقص قوادم النسيم، فعلق طيبًا من ريحانته. هو من أهل دمشق. صحب أبا سليمان الداراني.

стр. 2423

وكان أبو القاسم الجنيد يقول: «أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام». وقال أحمد بن أبي الحواري: «من نظر إلى الدنيا نظرة إرادة وحب لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه». وقال: «من عمل بلا اتباع سنة رسول الله ﷺ ؛ فباطل عمله». وقال: «ما ابتلى الله عبدًا بشيء أشد من الغفلة والقسوة». توفي - رحمه الله تعالى - سنة ثلاثين ومائتين (١). ومنهم: [١٤] أَبُو عَبْدِ الرَّحمنِ، حَاتِمُ بنُ عُنوان الأصم (٢) ويقال: حاتم بن يوسف. ويقال: حاتم بن عنوان بن يوسف [الأصم]. صاحب مقالات، وساحب ذيل في مقامات، وكان لأغطية الصدور كاشفا، ولتجلية البدور كاسفا، رفع له الحجاب، وصدع به الدجى فانجاب، وطالما غفر الزلل، وظفر بما لم يزل. حكي أنه ستر فستر الله عليه، وتصامم فسر الله مسمعيه، وكان له جميل صنع لم يزل إليه مصروفًا، ومنع كان لا يراه من أنكره إلا معروفا، مع جود أضفى ذيله وأطاله. وكان من قدماء مشايخ خراسان، من أهل بلخ، صحب شقيق بن إبراهيم البلخي، وكان أستاذ أحمد بن خضرويه، وهو مولى للمثنى بن يحيى المحاربي، وله ابن يقال له: «خشنام بن حاتم». قيل: إنه لم يكن أصم، وإنما تصامم مرة؛ فسمي به. جاءته امرأة تسأله عن مسألة، فاتفق أن خرج منها في تلك الحالة صوت، فخجلت فقال حاتم: ارفعي صوتك! فأرى من نفسه أنه أصم!، فَسُرَّت المرأة من ذلك،

стр. 2424

وقالت في نفسها: إنه لم يسمع الصوت، فغلب عليه اسم الأصم. وقال: «من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موت أبيض، وهو: الجوع. وموت أسود، وهو: احتمال الأذى من الخلق. وموت أحمر، وهو: العمل الخالص من الشوب في مخالفة الهوى. وموت أخضر، وهو: طرح الرقاع بعضها على بعض. وقال: «العجلة من الشيطان إلا في خمس: إطعام الطعام إذا حضر ضيف، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب إذا أذنب». وقال: «من أصبح وهو مستقيم في أربعة أشياء فهو يتقلب في رضا الله تعالى: أولها: الثقة بالله، ثم التوكل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة والأشياء كلها تتم بالمعرفة». [وقال:] «الواثق من رزقه من لا يفرح بالغنى، ولا يهتم بالفقر، ولا يبالي أصبح في عسر أو يسر». وقال: «أصل الطاعة ثلاثة أشياء: الخوف والرجاء، والحب. وأصل المعصية ثلاثة أشياء: الكبر، والحرص، والحسد. فما يأخذه المنافق يأخذه بالحرص، ويمنعه بالشك، وينفقه بالرياء والمؤمن يأخذ بالخوف، ويمسك بالشدة، وينفق في الطاعة خالصًا الله تعالى». وقال: «الجهاد» ثلاثة: جهاد في سرِّك؛ مع الشيطان حتى تكسره؛ وجهاد في العلانية، في أداء الفرائض حتى تؤديها، كما أمر الله تعالى؛ وجهاد مع أعداء الله تعالى، في غزو الإسلام». [وقال:] «الشهوة ثلاثة: شهوة في الأكل، وشهوة في الكلام، وشهوة في النظر. فاحفظ الأكل بالثقة، واللسان بالصدق، والنظر بالعبرة». وقال: «اطلب نفسك في أربعة أشياء: العمل الصالح بغير رياء، والأخذ بغير طمع، والعطاء بغير منة، والإمساك بغير بخل». وقال: «ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل؟. وما تلبس؟. وأين تسكن؟. فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر». وقال: «الزم خدمة مولاك، تأتك الدنيا راغمة، والجنة عاشقة». وقال: «تعهد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت، فاذكر سمع الله تعالى إليك، وإذا سكنت فاذكر علم الله تعالى فيك». وقال: «من ادعى ثلاثًا بغير ثلاث، فهو كذاب: من ادعى حبَّ الله، من غير ورع عن محارمه، فهو كذاب. ومن ادعى حبَّ الجنة، من غير إنفاق ماله، فهو كذاب. ومن ادعى حبَّ النبي ﷺ ، من غير محبة الفقر، فهو كذاب».

стр. 2425

وقيل له: على ماذا بنيت أمرك في هذا الأمر؟. فقال: على أربع خصال: «علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فاطمأنت به نفسي. وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به. وعلمت أن الموت يأتيني، فأنا أبادره. وعلمت أني لا أخلو من عين الله حيث كنت، فأنا مستحيي منه». توفي - رحمه الله تعالى - بواشجرد سنة سبع وثلاثين ومائتين، عند رباط يقال له: «رأس سروند» على جبل فوق «واشجرد». ومنهم: [١٥] أحمدُ بنُ خَضْرَوَيهِ البَلْخِيُّ (١) من كبار مشايخ خراسان. رسا رسو أبان، وأظهر العجائب وأبان، أرضى الخليل، ورضي بالقليل، ورمى بباع ممتد، وساعد مشتد، حتى تردَّى رداء الصلاح، وورد حيث يتفجر معين الصباح، فوطئ العلا وأكنافها، وكان منهج نساك، وجد إنفاق وإمساك، على أنه أفاض المواهب، وأغاض البحور والعصور الذواهب، وكان على هذا مقتصدا، وللموت ساعة فساعة مترصدا. صحب أبا تراب النخشبي. وقدم نيسابور، وزار أبا حفص، وخرج إلى بسطام في زيارة أبي يزيد البسطامي، وكان كبيرًا في الفتوة.

стр. 2426

قال أبو حفص: «ما رأيت أحدًا أكبر همَّةً ولا أصدق حالًا من أحمد بن خضرويه». وكان أبو يزيد يقول: «أستاذنا أحمد». وقال محمد بن حامد: «كنت جالسًا عند أحمد بن خضرويه، وهو في النزع، وكان قد أتى عليه خمس وتسعون سنة، فسأله بعض أصحابه عن مسألة، فدمعت عيناه، وقال: «يا بني! باب كنت أدقه منذ خمس وتسعين سنة، وهو ذا يُفْتَحُ لي الساعة، لا أدري أبالسعادة يفتح أم بالشقاوة؟ أنَّى لي أوان الجواب؟. قال: وكان عليه سبعمائة دينار، وغرماؤه عنده، فنظر إليهم، وقال: اللهم إنك جعلت الرهون وثيقة لأرباب الأموال، وأنت تأخذ عنهم وثيقتهم، فاد عني». قال: فدق داق الباب، وقال: أين غرماء أحمد؟. فقضى عنه، ثم خرجت روحه. وقال أحمد بن خضرويه: «لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رق أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة عليك، لما ظفرت بك الشهوة». ومنهم: [١٦] الحَارِثُ بنُ أَسَدٍ المُحَاسِبِيُّ (١) البصري، أبو عبد الله. رجل كان عن متاع الدنيا متنزها، وباتباع الألى متشبها،

стр. 2427

لم تصبه الأيام بهزتها، ولم تصبه الليالي منها بِتِرَتِهَا، فخصم أطماعه من طلب متاعها، وفطم آماله من حلب رضاعها، وقنع منها بالقوت الذي ألجيء إلى أكله، ووكل أباه بطول حزنه ونكله، وترك نفسه فيما لا يطيق من شجونها، وضيق سجونها؛ لذنب أخرجه ليكون غرضًا لنابلها، وأخرجه من الجنة بحبة من سنابلها. كان عديم النظير في زمانه، علمًا، وورعًا، ومعاملة، وحالًا. قيل: إنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئًا. قيل: لأن أباه كان يقول بالقدر. فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه شيئًا؛ وقال: «صحت الرواية عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يتوارث أهل ملتين). قال أحمد بن مسروق: مات الحارث بن أسد المحاسبي، وهو محتاج إلى درهم، وخلف أبوه ضياعًا وعقارًا، فلم يأخذ منه شيئًا. وقال أبو علي الدقاق: كان الحارث المحاسبي إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة، تحرك على إصبعه عِرْقٌ؛ فكان يمتنع منه. وقال [أبو] عبد الله بن خفيف: اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي، والجنيد بن محمد، وأبو محمد رويم، وأبو العباس بن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي؛ لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق. وقال الحارث: «من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين الله ظاهره بالمجاهدة، واتباع السنة». ويحكى عن الجنيد أنه قال: مرَّ بي يومًا الحارث المحاسبي، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: يا عم!، تدخل الدار، وتتناول شيئًا؟. فقال: نعم. فدخلت الدار،

стр. 2428

وطلبت شيئًا أقدمه إليه، فكان في البيت شيء من طعام حُمِلَ إليَّ من عرس قوم، فقدمته إليه، فأخذ لقمة وأدارها في فمه مرات، ثم إنه قام وألقاها في الدهليز، ومرّ!. فلما رأيته بعد ذلك بأيام، قلت له في ذلك؟ فقال: إني كنت جائعًا، وأردت أن أسرك بأكلي، وأحفظ قلبك، ولكن بيني وبين الله علامة: أن لا يسوغني طعامًا فيه شبهة، فلم يمكني من ابتلاعه، فمن أين كان ذلك الطعام؟. فقلت: إنه حُمِلَ إِليَّ من دار قريب لي من العرس. ثم قلت: تدخل اليوم؟. فقال: نعم. فقدمت إليه كسرًا يابسة كانت لنا، فأكل وقال: إذا قدمت إلى فقير شيئًا، فقدم إليه مثل هذا. وسئل الحارث عن العقل ما هو؟. فقال: «نور الغريزة مع التجارب، يزيد ويقوى بالعلم والحلم». وكان يقول: «فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء». وقال السمعاني: كان أحمد بن حنبل يكرهه لنظره في علم الكلام، وتصنيفه فيه؛ وهجره، فاستخفى من العامة، فلما مات لم يصل عليه إلا أربعة نفر. قال: وعرف بالمحاسبي؛ لأنه كان يحاسب نفسه. قال ابن خلكان: وهو أحد رجال الحقيقة، وهو ممن اجتمع له علم الظاهر والباطن، وله كتب في الزهد والأصول، وكتاب «الرعاية» له. توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. ومنهم: [١٧] أَبُو تُرَابٍ، عَسْكَر بنُ حُصَيْن النَّخْشَبِي (١) صحب حاتم الأصم، وأبي حاتم العطار البصري. اعتد لمسيره واعتنى، وشده

стр. 2429

لمصيره البيت وابتني، فلم تجذبه الدنيا بخطامها، ولم تسلبه بحطامها، فما زال يفر من دناياها، ولا يقر خوفًا من طروق مناياها، وطالما ظنت أنها تسوّل له لبس ردائها المعار، وتحمل دائها والعار والعناية قد أحاطت به من كل جانب، وأماطت ردنه من كل جاذب، فشرف مقاما، وشرق عدوه ملاما، ولم يرمق الدنيا بمؤخر عين ولا مقدم، ولا علق بمال معاهد، ولا مسلم. قال ابن الجلاء: صحبت ستمائة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة: أولهم: أبو تراب النخشبي. قال أبو تراب: «الفقير قُوتُه ما وجده، ولباسه ما ستره، ومسكنه حيث نزل». وقال أيضًا: «إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله، فإذا أخلص فيه، وجد حلاوته ولذته وقت مباشرة الفعل». وقال: «ما تمنت نفسي علي شيئًا قط إلا مرة واحدة: تمنت عليَّ خبزًا وبيضًا، وأنا في سفري، فعدلت عن الطريق إلى قرية، فوثب رجل وتعلق بي، وقال: كان هذا مع اللصوص!. فبطحوني، وضربوني سبعين خشبة، قال: فوقف علينا رجل صوفي، فصرخ، وقال: ويحكم!! هذا أبو تراب النخشبي، فخلوني، واعتذروا إلي، وأدخلني الرجل منزله، وقدم لي خبزًا وبيضًا، فقلت: كلها بعد سبعين جلدة!!. وقال يومًا لأصحابه: «من لبس منكم مرقعة، فقد سأل، ومن قعد في خانقاه أو مسجد، فقد سأل، ومن قرأ القرآن من المصحف، أو كيما يسمع الناس، فقد سأل. ونظر يومًا إلى صوفي من تلامذته قد مد يده إلى قشر بطيخ، وقد طوى ثلاثة أيام، فقال له أبو تراب: «تمد يدك إلى قشر البطيخ!؟ أنت لا يصلح لك التصوف، الزم السوق». وكان أبو تراب يقول: «بيني وبين الله عهد أن لا أمد يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه». وكان ﵁ إذا رأى من أصحابه ما يكره، زاد في اجتهاده، وجدد توبته، ويقول: «بشؤمي دُفِعُوا إلى ما دفعُوا إليه، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (١). وحكى ابن الجلاء، قال: دخل أبو تراب مكة طيّب النفس، فقلت: أين أكلت أيها الأستاذ؟. فقال: أكلةً بالبصرة، وأكلة بالنباج، وأكلة ههنا. توفي سنة خمس وأربعين ومائتين. قيل: مات بالبادية، نهشته السباع.

стр. 2430

ومنهم: [١٨] السَّري بنُ مُغَلِّس السَّقَطِي (١)، خال الجنيد، وأستاذه رمى يده من الدنيا ونفضها، وأعطى الله عهودًا ما نقضها، لم يرض بمتاع معار، ولا برضاع آخره إثم وعار، فتجنَّب الزخارف، وتجلبب غير ما ألبسته من المطارف، فأماط تلك الأردية، وحلَّ تلك العُقد المردية، حتى خبت لديه مواقدها، وهبت إليه بالإنابة مراقدها، والزهد يصفي له الموارد، ويصلي سواه كل وارد. وكم اتجه أمثاله إلى ذلك الينبوع واشتبه حاله، حتى فضح التطبّع شيمة المطبوع. كان تلميذ معروف الكرخي، وأوحد زمانه في الورع، والاحوال السنية، وعلوم التوحيد. وكان يتجر في السوق، فجاءه معروف يومًا، ومعه صبي يتيم، فقال: أكس هذا اليتيم. قال سري: فكسوته، ففرح معروف، وقال: بغض الله إليك الدنيا، وأراحك مما أنت فيه. فقمت من الحانوت، وليس شيء أبغض إليَّ من الدنيا، وكل ما أنا فيه من بركات معروف. وقال الجنيد: ما رأيت أعبد من السريّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة، ما رئي مضطجعًا إلا في علة الموت. وقال السَّريُّ: «التصوف اسمٌ لثلاثة معان: وهو الذي لا يطفئ نور معرفته نور ورعه. ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب والسنة. ولا تحمله الكرامات

стр. 2431

على هتك أستار محارم الله. وقال الجنيد: سألني السري يومًا عن المحبة، فقلت: قال قوم: هي الموافقة، وقال قوم: الإيثار، وقال قوم: كذا وكذا، فأخذ سري جلدة ذراعه، ومدها، فلم تمتد، ثم قال: «وعزَّته تعالى، لو قلت: إن هذه الجلدة يبست على هذا العظم من محبته لصدقت!» ثم غشي عليه، فدار وجهه كأنه قمر مشرق. وكان السري به أدمة. ويحكى عن السري أنه قال: منذ ثلاثين سنة أنا في الاستغفار من قولي: الحمد لله، مرة. قيل: فكيف ذلك؟. فقال: وقع ببغداد حريق، فاستقبلني رجل، فقال لي: نجا حانوتك!. فقلت: «الحمد لله، فمنذ ثلاثين سنة أنا نادم على ما قلت، حيث أردت لنفسي خيرًا مما حصل للمسلمين!!!. وقال السري: صليت وردي ليلة، ومددت رجلي في المحراب، فنوديت: يا سري!! كذا تجالس الملوك؟. قال: فضممت إليَّ رجلي، ثم قلت: وعزَّتك لا مددتُ رجلي أبدًا، فما مددتها بعد ذلك. ويحكى عن السري أنه قال: «أنا أنظر في أنفي في اليوم كذا وكذا مرة، مخافة أن يكون قد اسود، خوفًا من الله تعالى أن يسود صورتي لما أتعاطاه». وقال السري: أعرف طريقًا مختصرًا قصدًا إلى الجنة. فقلت: ما هو؟. فقال: لا تسأل من أحد شيئًا، ولا تأخذ من أحد شيئًا، ولا يكن معك شيء تعطي منه أحدًا. وقال: «أشتهي أن أموت ببلد غير بغداد. فقيل له: ولم ذلك؟. فقال: أخاف أن لا يقبلني قبري فأفتضح!»!. وقال الجنيد: دخلت يومًا على السري السقطي، وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟. فقال: جاءتني البارحة الصبية، فقالت: يا أبت هذه ليلة حارة، وهذا الكوز أعلقه ههنا. ثم إني حملتني عيناي فنمت فرأيت جارية من أحسن الخلق، قد نزلت من السماء، فقلت: لمن أنتِ؟ فقالت: لمن لا يشرب الماء المبرد في الكيزان. فتناولت الكوز؛ فضربت به الأرض فكسرته. قال الجنيد فرأيت الخزف المكسور لم يرفعه ولم يمسه، حتى عفا عليه التراب. قال: وسمعته يقول: «اللهم مهما عذبتني بشيء، فلا تعذبني بذل الحجاب». وقال السري: غزونا أرض الروم؛ فمررت بأرض خضراء، فيها الخُبَّازى، وحجر منقور فيه ماء المطر، فقلت في نفسي: لئن كنت أكلت يومًا حلالًا فاليوم!.

стр. 2432

فنزلت عن دابتي، وجعلت آكل من ذلك الخُبَّازَى، وشربت من ذلك الماء، وإذا بهاتف يهتف بي: يا سري! فالنفقة التي بلغت بها إلى هذا الموضع، من أين؟. وقال: «أحب أن آكل أكلة ليس الله عليَّ فيها تبعة، ولا لمخلوق علي فيها منة، فما أجد إلى تلك سبيلًا». ودخل عليه رجلٌ في مرضه يعوده، فقال له: كيف تجدك؟. فقال: [من الحفيف] كَيْفَ أَشكو إلى طبيبي ما … والذي بي أصابني من طبيبي فأخذ الرجل المروحة يروح عليه، فقال له السَّري: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟. ثم أنشأ يقول: [من البسيط] القلب محترق، والدمعُ مُستبقُ … والكَربُ مُجتمع والصبر مفترق كيف القرار على مَنْ لا قرار له … ممَّا جَناهُ الهوى والشوق والقَلَقُ يا رب إن كان شيء فيه لي فرجٌ … فامنن علي به ما دام بي رَمَقُ ودخل عليه رجل، وهو يجود بنفسه، فجلس عند رأسه وبكي، فسقط عليه من دموعه، ففتح عينيه، ونظر إليه، فقال له الرجل: أوصني. فقال: لا تصحب الأشرار، ولا تُشْغَلَنَّ عن الله بمجالسة الأخيار. توفي السَّري ﵁ سنة سبع وخمسين ومائتين. وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: في رمضان سنة خمسين. وكانت وفاته في بغداد. وكان كثيرًا ما ينشد: [من الطويل] إذا ما شكوتُ الحبَّ قالت كَذبَتْنَي … فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا فلا حُبَّ حتى تُلصِقَ الجِلدَ بالحشا … وتُذهَلَ حتى لا تُجيب المناديا وتنحل حتى لا يُبقي لَكَ الهوى … سوى مُقلةٍ تبكي بها وتناجيا ومنهم: [١٩] أَبُو زَكَرِيَّا، يَحيَى بْنُ مُعَادُ الرَّازِي الوَاعِظُ (١) ترك الدنيا أنكاثا، ومرَّ فيها عابر سبيل لا إمكاثا، فما حط عن قلاصه، ولا حل

стр. 2433

حباله لخلاصه، فلم يعلق لها بدنس، ولا خنس فيها نجمه ولا كنس، ولم ير محاط الرجال إلا على ذنابي الأفاعي، وزبانى العقارب السواعي، فشد وانطلق، ورد الغيث في طلق، فلم يتخذ في هذه الدار مقيلا، ولا خال نفسه فيها مقيمًا ولا نزيلا. وكان نسيج وحده في وقته، وله لسان في الرجاء خصوصًا، وكلام في المعرفة. خرج إلى بلخ، فأقام بها مدة، ورجع إلى نيسابور. قال يحيى بن معاذ: «كيف يكون زاهدًا من لا ورع له؟ تورع عما ليس لك، ثم ازهد فيما لك». وقال: «جوع التوابين تجربة، وجوع الزاهدين سياسة، وجوع الصديقين تكرمة». وقال يحيى: «الفوت أشدُّ من الموت، لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق». وقال: «الزهد ثلاثة أشياء: القلة، والجوع، والخلوة». وقال: «لا تُربح على نفسك بشيء أجل من أن تشغلها في كل وقت بما هو أولى بها». وقيل: «إن يحيى بن معاذ تكلم ببلخ في تفضيل الغنى على الفقر، فأعطي ثلاثين ألف درهم فقال بعض المشايخ: لا بارك الله له في هذا المال؛ فخرج إلى نيسابور، فوقع عليه اللص، وأخذ ذلك المال منه. وقال أيضًا: «من خان الله في السر، هتك الله ستره في العلانية». وقال: «تزكية الأشرار لك هجنة بك، وحبهم لك عيب عليك، وهان [عليك] من احتاج إليك». وقال أبو بكر الخطيب: قدم يحيى بن معاذ بغداد، واجتمع إليه بها مشايخ الصوفية والنساك، ونصبوا له منصة، وأقعدوه عليها، وقعدوا بين يديه يتحاورون،

стр. 2434

فتكلم الجنيد، فقال له يحيى: اسكت يا خروف، ما لك وللكلام إذا تكلم الناس؟. وكانت له إشارات وعبارات حسنة؛ فمن كلامه: «الكلام الحسن حسن، وأحسن من الكلام معناه، وأحسن من معناه استعماله، وأحسن من استعماله ثوابه، وأحسن من ثوابه رضا من تعمل له». وقال: «حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر، ولا تنقص بالجفاء». وكان يقول: «من لم يكن ظاهره مع العوام فضة، ومع المريدين ذهبًا، ومع العارفين دُرًَّا، وياقوتًا، فليس من حكماء الله المؤيدين». وكان يقول: «أحسن شيء كلام صحيح من لسان فصيح، في وجه صبيح، كلام دقيق يستخرج من بحر عميق، على لسان رجل رفيق». وكان يقول: «إلهي! كيف أنساك وليس لي رب سواك؟». «إلهي! لا أقول: لا أعود؛ لأني أعرف من نفسي نقض العهود، ولكني أقول: لا أعود، لعلي أموت قبل أن أعود». ومن دعائه: اللهم إن كان ذنبي قد أخافني فإن حسن ظني بك قد إجارني. اللهم! سترتَ عليَّ ذنوبًا في الدنيا، أنا إلى سترها في القيامة أحوج، وقد أحسنت بي إذ لم تظهرها بعصابة من المسلمين، فلا تفضحني في ذلك اليوم على رؤوس العالمين، يا أرحم الراحمين!». ودخل على علوي ببلغ زائرًا له، ومسلّمًا عليه، فقال له العلوي: أيد الله الأستاذ ما تقول فينا أهل البيت؟. قال: «ما أقول في طينٍ عُجنَ بماء الوحي، وغُرسَ بماء الرسالة، فهل يفوح منهما إلا مسك الهدى، وعنبر التقى؟. فحشى العلوي فاه بالدر. ثم زاره من الغد، فقال يحيى: إن زرتنا فبفضلك، وإن زرناك فلفضلك، فلك الفضل زائرًا ومزورًا». ومن كلامه: «ما بعد طريق إلى صديق، ولا استَوحَشَ في طريق من سَلَكَ فيه إلى حبيب». ومن كلامه: «مسكين ابن آدم لو خاف النار كما يخاف الفقر لدخل الجنة». وقال: «ما صحتْ إرادة أحدٍ قط [فمات] حتى حنَّ إلى الموت، واشتهاه اشتهاء الجائع إلى الطعام، لارتداف الآفات واستيحاشه من الأهل والإخوان، ووقوعه فيما يتحير فيه صريح عقله». وقال: «من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء».

стр. 2435

وقال: «ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تسره فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه». وقال: «عمل كالسراب، وقلبٌ من التقوى خراب وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب، هيهات!! هيهات!!، أنت سكران بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك!، ما أجلك لو بادرت أجلك!!، ما أقواك لو خالفت هواك!!. توفي ﵁ يوم الاثنين لست عشرة خلت من جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين ومائتين بنيسابور، رحمه الله تعالى. ومنهم: [٢٠] أَبو يزيد، طَيْفُورُ بنُ عِيسَى بنِ آدَمَ البَسْطَامِي (١) بطل جاهد نفسه في الله حق جهاده، وأحيا ليله ونهاره باجتهاده، وزهد حذرًا من دنيا صِدْقُها كَذِب، وحقها بيد الباطل منجذب، فكان لا يُسيم إبله في وخيم مرعاها، ولا يطلق أمله في ذميم مسعاها إذا كرهه شميمها، وجبهه أن لا يكنفه إلا هشيمها وأبكاه منها الجوار، وأشجاه فيها سوء الجوار، فلم ينغب من صفوها إلا رفقا، ولم ير من أخلاصها إلا مذقا، ففر منها الفرار من المجذوم، وقطع منها الفروع والجذوم.

стр. 2436

كانوا ثلاثة إخوة، آدم، وطيفور، وعلي، وكلُّهم كانوا زُهَادًا، عُبَّادا، وأبو يزيد كان أجلهم [حالًا]. سئل أبو يزيد: بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟ فقال: ببطن جائع، وبدن عار. وقال أبو يزيد: «عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدتُ شيئًا أشد عليَّ من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت، واختلاف العلماء رحمة، إلا في تجريد التوحيد». وقال: «لقد هممت أن أسأل الله تعالى أن يكفيني مؤنة الأكل، ومؤنة النساء، ثم قلت: كيف يجوز لي أن أسأل هذا، ولم يسأله رسول الله ﷺ إياه؟، فلم أسأله. ثم إن الله كفاني مؤنة النساء، حتى لا أبالي استقبلتني امرأة أو حائط». وسئل عن ابتداء زهده؟. فقال: ليس للزهد منزلة. فقلت: لماذا؟. فقال: لأني كنت ثلاثة أيام في الزهد. فلما كان اليوم الرابع خرجت منه: اليوم الأول: زهدت في الدنيا وما فيها. واليوم الثاني: زهدت في الآخرة وما فيها. واليوم الثالث: زهدت فيما سوى الله. فلما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى الله تعالى، فهمتُ، فسمعتُ هاتفًا يقول: يا أبا يزيد! لا تقوى معنا. فقلت: هذا الذي أريده. فسمعت قائلًا يقول: وجدت، وجدت. وقيل لأبي يزيد: ما أشدَّ ما لقيت في سبيل الله؟. فقال: لا يمكن وصفه. فقيل له: ما أهون ما لقيت نفسك منك؟ فقال: أما هذا فنعم؛ دعوتها إلى شيء من الطاعات، فلم تجبني، فمنعتها الماء سنة. وقال أبو يزيد: «منذ ثلاثين سنة أصلي، واعتقادي في نفسي عند كل صلاة أصليها كأني مجوسي أريد أن أقطع زناري!. وقال أيضًا: «لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة». وذهب أبو يزيد ليلة إلى الرباط، ليذكر الله على سور الرباط، فبقي إلى الصباح لم يذكر، فقيل له في ذلك؟ فقال: تذكرت كلمة جرت على لساني في حال صباي، فاحتشمت أن أذكره . وقيل: لم يخرج أبو يزيد من الدنيا حتى استظهر القرآن. توفي سنة إحدى وستين ومائتين، وقيل: سنة أربع وثلاثين. ومنهم:

стр. 2437

[٢١] أَبُو حَفْصٍ، عُمَرُ بْنُ سَالِمِ الحَدَّادُ، والأصح: عمرو بن سلمة (١) رجل كان به يستغاث، ويمطر البلد الماحل ويُغاث، استقام على الطريقة، واستدام اجتناء الأعمال الوريقة، وأقبل على الله بكليته، وأقبل إليه بنيته، وقام بالتكاليف أتم قيام، وشرد عن جفنيه الكرى والناس نيام، حتى تجلّت له الحجب ورفعت، وزادت آماله حيث شاءت ورتعت فدعي من أقرب مكان، وقرب فخضع الله واستكان. وهو من قرية يقال لها: كور داباذ على باب مدينة نيسابور، على طريق بخارى. كان أحد الأئمة والسادة. قال أبو حفص: «المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمى بريد الموت». وقال: «إذا رأيت المريد يحب السَّماعَ، فاعلم أن فيه بقيَّةً من البطالة». وقال: «حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن». وقال: «الفتوة أداء الانصاف، وترك مطالبة الانصاف». وكان يقول: «من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا نعده في ديوان الرجال». توفي سنة نيف وستين ومائتين. ومنهم: [٢٢] حَمْدُون بنُ أَحْمَدَ بن عمارة القَصَّارُ النَّيْسَابُورِي (٢)، أبو صالح خاف من مر الفطام، وعاف من حلو الحطام، فلم يستحل للدنيا ريقا، ولم يستجل لها خدًا شريقا، وتيقن أن دون طنباتها ما يذم مختبره، ودون حلالها الشبهات،

стр. 2438

فسل آماله منها سلًا، وخلع طاعتها ولم يبايع يدًا شلًا، وترك لقاحها لنتاجها، وانفتاحها لإرتاجها، وبقي - أي صار - حتى حل ساحة المقابر. صحب سلمًا الباروسي، وأبا تراب النخشبي. وسُئِل: متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟. فقال: إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله تعالى في علمه، أو خاف هلاك إنسان في بدعة، وهو يرجو أن ينجيه الله تعالى منها». وقال: «من ظنَّ أنَّ نفسه خيرٌ من نفس فرعون فقد أظهر الكبر». وقال: «منذ علمت أن للسلطان فراسةً في الأشرار، ما خرج خوف السلطان من قلبي». وقال: «إذا رأيت سكرانًا فتمايل، لئلا تبغي عليه، فتبتلي بمثل ذلك». وقيل له: أوصني. فقال: «إن استطعت أن لا تغضب لشيء من الدنيا فافعل». ومات صديق له وهو عند رأسه، فلما مات أطفأ حمدون السراج، فقالوا له: في مثل هذا الوقت يزاد في السراج الدهن!. فقال لهم: إلى هذا الوقت كان الدهن له، ومن هذا الوقت صار الدهن للورثة. وقال حمدون: «من نظر في سيرة السلف عرف تقصيره، وتخلفه عن درك درجات الرجال». وقال: «لا تفشي على أحد ما تحبُّ أن يكون مستورًا منك». توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين. ومنهم: [٢٣] أَبُو الحسين، أَحمدُ بنُ مُحَمَّد النُّورِيُّ البغوي الأصل، البغدادي المولد والمنشأ (١) ذو تحقيق، لم يكن أمره فرطا، ولا عقده منفرطا ودام مرتديًا بهذا الجلباب،

стр. 2439

مهتديًا حيث تضلُّ الألباب، واستوثق بعقل الصبر، واستوسق من زاده المحمل إلى القبر، وغرس للاجتناء، وتحمل قبل اشتمال الهدم على البناء، وخاف من كيد البهتان، وغثاء الدنيا الهتان، فضر إلى الحقائق بالالتجاء، وقطع من الخلائق حبل الرجاء. صحب السري السقطي، وابن أبي الحواري، وكان من أقران الجنيد رحمه الله تعالى. كبير الشأن، حسن المعاملة واللسان. قال الجنيد: منذ مات النوري لم يخبر عن حقيقة الصدق أحد. وقال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أعبد من النوري، قيل: ولا الجنيد؟. قال: ولا الجنيد. وقال أبو الحسين النوري: «التصوف: ترك كل حظ للنفس». وقال: أعزُّ الأشياء في زماننا شيئان عالم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عن حقيقة». وقال: «من رأيته يدعي مع الله حالةً تخرجه عن حد العلم الشرعي،، فلا تقربن منه». وقال: «كانت المراقع غطاءً على الدّر، فصارت اليوم مزابل على جيف». وقيل: كان رحمه الله تعالى يخرج من داره كل يوم، ويحمل الخبز معه، ثم يتصدق به في الطريق، ويدخل مسجدًا يصلي فيه إلى قريب من الظهر، ثم يخرج منه، ويفتح باب حانوته، ويصوم. فكان أهله يتوهمون أنه يأكل في السوق، وأهل السوق يتوهمون أنه يأكل في بيته. وبقي على هذا في ابتدائه عشرين سنة!!. توفي رحمه الله تعالى سنة خمس وسبعين ومائتين. ومنهم:

стр. 2440

[٢٤] سَهْلُ بنُ عَبدِ الله التُّسْتَريُّ (١) أحد أئمة القوم، جهد لنفسه حتى خلصها، وزهد فأبرها بالمعارف وخصصها، فحل البحبوحة، وحصل العطايا الممنوحة، وكان الله في أمره سر ومعنى فيما يعلن ويسر، فلم تتقاذف به البحار، ولا استخرجته المهامه فحار، بل كان إذا اتسعت له الفجاج سلكها، وإذا امتنعت عليه ملكها، فقاد نفسه بأعنتها، وقال بها في جنتها، فنعم بالثناء، وفني بالخلد في دار البقاء. لم يكن له في وقته نظير في المعاملات والورع. وكان صاحب كرامات. لقي ذا النون المصري بمكة، سنة خروجه إلى الحج. وقال سهل: «كنت ابن ثلاث سنين، وكنت أقوم بالليل أنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار، وكان يقوم بالليل، فربما كان يقول لي: يا سهل! إذهب فنم، فقد شغلت قلبي. قال سهل: قال لي خالي يومًا: ألا تذكر الله الذي خلقك؟. فقلت: كيف أذكره؟. فقال لي: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات، من غير أن تحرك به لسانك: «الله معي. الله ناظر إلي. الله شاهد علي». فقلت ذلك ثلاث ليال، ثم أعلمته، فقال لي: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال لي: قل في كل ليلة إحدى عشرة مرة، فقلت ذلك، فوقع في قلبي له حلاوة. فلما كان بعد سنة، قال لي خالي: احفظ ما علمتك، ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة. فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لها حلاوة في سرّي. ثم قال لي خالي يومًا: يا سهل!، من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهده أيعصيه؟. إياك والمعصية.

стр. 2441

فكنت أخلو، فبعثوا بي إلى الكتاب، فقلت: إني لأخشى أن يتفرق علي همي، ولكن شارطوا المعلم: أني أذهب إليه ساعة، فأتعلم، ثم أرجع. فمضيت إلى الكتاب، وحفظت القرآن، وأنا ابن ست سنين، أو سبع، وكنت أصوم الدهر، وقوتي خبز الشعير، إلى أن بلغت اثنتي عشرة سنة، فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فسألت أهلي أن يبعثوني إلى البصرة أسأل عنها، فجئت البصرة، وسألت علماءها، فلم يشف أحد منهم عني شيئًا!!. فخرجت إلى عبادان، إلى رجلٍ يُعرف بأبي حبيب حمزة بن عبد الله العباداني، فسألته عنها، فأجابني، وأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه، وأتأدب بآدابه، ثم رجعت إلى «تُسْتَر»، فجعلت قوتي اقتصارًا على أن يشترى لي بدرهم من الشعير «الفرق» فيطحن، ويخبز لي، فأفطر عند السحر، كل ليلة على أوقيَّةٍ واحدةٍ بحتًا، بغير ملح ولا إدام، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة!!. ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال، ثم أفطر ليلة، ثم خمسًا، ثم سبعًا، ثم خمسًا وعشرين ليلة، وكنت عليه عشرين سنة، ثم خرجت أسيح في الأرض سنين، ثم رجعت إلى تُستر، وكنت أقوم الليل كله. وقال سهل: «كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء، طاعةً كان أو معصية، فهو عيش النفس، وكل فعل يفعله بالاقتداء، فهو عذاب النفس». توفي ﵁ سنة ثلاث وثمانين ومائتين بالبصرة، في المحرم. وقيل: سنة ثلاث وسبعين. ومولده سنة مائتين. وقيل: سنة إحدى ومائتين، بتسْتَر. ومنهم: [٢٥] أَبُو إِسْحَاقَ، إِبْرَاهِيمُ بن أحمد بن إسماعيل الخَوَّاصُ (١) علم إيمان وعدم شك، ما له على القلوب إيذان من شية ذلك الطراز، وحلية ذلك السيف الجراز دنا شبهًا بأهل إخائه، وأهلة سمائه، وأفقه لا يعد النجوم من إمائه، فأهل من تلك المواقيت، وتملك، فعُدَّ جوهره من تلك اليواقيت. وكان خالصًا

стр. 2442

من الأنضار، وخلاصًا من ذلك الذهب النضار، حتى نزل في جدثه، ونزح الشبه مما يلقى على جثثه، ولم يدر بموته من فقد، ولا علم مدرج الكفن عليه علي أي شيء عقد. وهيهات .. الكواكب لا تقبر، والتراب لا يكون فيه النيّر الأكبر. وهو آخر من سلك طريق التوكل، ودقق فيها. وكان أوحد المشايخ في وقته، وكان من أقران الجنيد والنوري، وله في الرياضات، والسياحات مقامات يطول شرحها. ومات في المسجد الجامع، بالري سنة إحدى وتسعين ومائتين، وكان مبطونًا، وكان به علة القيام، وكان إذا قام يدخل الماء، ويغتسل، ويعود إلى المسجد، ويصلي ركعتين، فدخل الماء مرة ليغتسل، فخرجت روحه، وهو في وسط الماء، رحمه الله تعالى. وتولى أمر غسله ودفنه يوسف بن الحسين. ومن كلامه ﵁: «من لم يصبر لم يظفر». وقال: «من لم تبك الدنيا عليه، لم تضحك الآخرة إليه». وقال جعفر بن محمد: بِتُّ ليلةً مع إبراهيم، فانتبهت، فإذا هو يناجي إلى الصباح، ويقول: [من الكامل] بَرِحَ الخَفاءُ، وفي التَلاقي راحَةٌ … هَلْ يَشتَفي خِلُّ بِغَيرِ خَليلِهِ وقال: «العلم كله في كلمتين: لا تتكلف ما كفيت ولا تضيع ما استكفيت». وقال: «ليكن لك قلب ساكن، وكف فارغة، وتذهب النفس حيث شاءت». وقال: «دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين». وقال: «من صفة الفقير أن تكون أوقاته مستوية الانبساط، صابرًا على فقره، لا يظهر عليه فاقة، ولا تبدو منه حاجة، وأقلُّ أخلاقه الصبر والقناعة، مستوحشًا من الرفاهات متنعمًا بالخشونات، فهو بضد ما عليه الخليقة، برئ مما هي عليه معتمدة، وإليه مستريحة، ليس له وقت معلوم، ولا سبب معروف فلا تراه إلا مسرورًا بفقره، فرحًا بصبره، مؤونته على نفسه ثقيلة، وعلى غيره خفيفة، يعز الفقر ويعظمه، ويخفيه جهده ويكتمه، حتى عن أشكاله يستره، قد عظمت من الله تعالى عليه فيه المنة، وحل في قلبه قدرها، فليس يريد لما اختار الله له بدلا، ولا يبتغي له حولًا».

стр. 2443

وقال: «أربع خصال عزيزة: عالم مستعمل لعلمه، وعارف ينطق عن حقيقة فعله، ورجل قائم الله تعالى بلا سبب، ومريد ذهب عنه الطمع». وقال: «الحكمة تنزل من السماء، فلا تسكن قلبًا فيه أربعة أشياء: الركون إلى الدنيا، وهم غدٍ، وحبُّ الفضول، وحسد أخ». وأنشد: [من الوافر] عليل ليسَ يُبرتُهُ الدَّواءُ … طَويلُ الضُّرٌ يَضنِيهِ الشَّفاء سرائرُهُ بَوادٍ ليس تبدو … خَفيَّاتٌ إِذا بَرِحَ الخَفاءُ وقال عمران بن سنان اجتاز بنا إبراهيم الخواص، فقلنا: حدثنا أعجب ما رأيته في أسفارك .. ؟. فقال: «لقيني الخضر ﵇، فسألني الصحبة، فخشيت أن يفسد علي توكلي لسكوني إليه، ففارقته». وقال: لقيت غلامًا في التيه، كأنه سبيكة فضة، فقلت: إلى أين يا غلام؟. فقال: إلى مكة. فقلت: بلا زاد، ولا راحلة، ولا نفقة؟!. فقال لي: يا ضعيف اليقين!. الذي يقدر على حفظ السماوات والأرضين، لا يقدر أن يوصلني إلى مكة بلا عاقة؟. فلما دخلت مكة إذا أنا به في الطواف، وهو يقول: [من الرجز] يا عين سُحّي أبدا … يا نفسُ مُوتي كَمَدا ولا تُحبّي أحدا … إلا الجليل الصمدا فلما رآني، قال لي: يا شيخ!، أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين؟. وقال: كنت ببغداد في جامع المدينة، وهناك جماعة من الفقراء، فأقبل شاب ظريف، حسن الوجه طيب الرائحة، فقلت لأصحابنا: يقع لي أنه يهودي، وكلُّهم كرهوا ذلك، فخرجت وخرج الشاب، ثم رجع إليهم، وقال: أيش قال الشيخ في؟. فاحتشموه، فألح عليهم، فقالوا: قال: إنك يهودي!. قال: فجاءني وأكب علي يدي يقبلها، وأسلم!. فقيل له: ما السبب؟ قال: نجد في كتابنا أن الصديق لا تخطئ فراسته، فقلت: أمتحن المسلمين، فتأملتهم. فقلت: إن كان فيهم صديق؛ ففي هذه الطائفة، فلبست عليكم؛ فلما اطلع هذا الشيخ علي، وتفرَّس في، علمت أنه صديق، وصار ذلك الشاب من كبار الصوفية. وقال الخواص: تهت في البادية أيامًا، فجاءني شخص، وسلم علي، وقال لي: تهت؟. فقلت: نعم. فقال: ألا أدلك على الطريق؟. ومشى بين يدي خطوات، ثم غاب عن عيني، وإذا أنا على الجادة، فبعد ذلك ما تهت، ولا أصابني في سفري جوع ولا عطش. وقال بعض الصالحين كنت في جماعة بمدينة الرسول ﷺ نتجارى الآيات،

стр. 2444

ورجل ضرير بقرب منا يسمع، فتقدم إلينا، وقال: قد أنست بكلامكم، اعلموا أنه كان لي صبية وعيال، وكنت أخرج إلى البقيع أحتطب، فخرجت يومًا، فرأيت شابًا عليه قميص كتان، ونعله في إصبعه، فتوهمت أنه تائه، فقصدته لأسلب ثوبه، فقلت: انزع ما عليك. فقال: مُرّ في حفظ الله، فقلت له ثانيًا، وثالثًا. فقال: لا بد؟ فقلت: لا بد. فأشار بإصبعه من بعيد إلى عيني، فسقطتا!. فقلت: بالله عليك من أنت؟. فقال: إبراهيم الخواص. وقال الخواص: دخلت البادية مرة، فرأيت نصرانيًا على وسطه زنار، فسألني الصحبة، فمشينا سبعة أيام، فقال لي: يا راهب الحنفية!، هات ما عندك من الانبساط؛ فقد جعنا. فقلت: إلهي! لا تفضحني مع هذا الكافر. فرأيت طبقًا عليه خبز وشواء، ورطب، وكوز ماء؛ فأكلنا، وشربنا، ومشينا سبعة أيام. ثم بادرت وقلت: يا راهب النصرانية! هات ما معك من الانبساط، فقد انتهت النوبة إليك. فاتكأ على عصاه، ودعا؛ فإذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي، فتحيرت، وتغيرت، وأبيت أن آكل فألح عليّ، فلم أجبه، فقال لي: كل .. فإني مبشرك ببشارتين: إحداهما: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. وحل الزنار. والأخرى: أني قلت: «اللهم إن كان لهذا العبد خطرًا عندك فافتح لي بهذا .. »؛ ففتح!. فأكلنا، ومشينا، وحج، وأقمنا بمكة سنة، ثم مات، ودفن بالبطحاء. وقال: «دخلت البادية مرة، فأصابتني فاقة شديدة، فلما دخلت مكة، داخلني العجب، فنادتني امرأة عجوز، وقالت: يا إبراهيم كنت معك في البادية، ولم أكلمك، خوفًا أن أشغل سرك، أخرج عنك هذا الوسواس». وقال حامد الأسود: كنت مع إبراهيم الخواص في البرية، فبينا نحن تحت شجرة، فجاء سبع، فصعدت الشجرة إلى الصباح، لا يأخذني النوم، ونام إبراهيم الخواص، والسَّبع يشم من رأسه إلى قدمه، ثم مضى، فلما كانت الليلة الثانية، بتنا في مسجد بقرية فوقع على وجهه بقة، فأنَّ أنَّة!. فقلت: هذا عجب!، البارحة لم تجزع من الأسد، والليلة تصبح من البق .. !. فقال: أما البارحة فتلك حالة كنت فيها مع الليلة فهذه حالة أنا فيها مع نفسي. وقال حامد أيضًا: وكنت معه في البادية سبعة أيام على حالة واحدة، فلما كان في اليوم السابع، ضعفت، فجلست فالتفت إلي وقال: ما لك؟. فقلت: ضعفت. فقال: أيما أغلب عليك: الماء أو الطعام؟. فقلت: الماء. فقال: الماء وراءك. فالتفت، فإذا عين ماء كاللبن الحليب، فشربت وتطهرت، وإبراهيم ينظر، ولم يقربه، فلما أردت

стр. 2445

القيام، هممت بأن أحمل منه فقال: أمسك … فإنه ليس مما يتزود منه. وقال الخواص: عطشت في بعض أسفاري، وسقطت من العطش، فإذا أنا بماء قد رش علي وجهي، ففتحت عيني، فإذا أنا برجل حسن الوجه راكبًا دابة شهباء، فسقاني الماء، فقال لي: كن رديفي وكنت بالحجاز، فما لبثت إلا يسيرا، فقال: ما ترى؟. فقلت: أرى المدينة. فقال: انزل وأقرئ رسول الله ﷺ مني السلام!، وقل له: أخوك الخضر يقرئك السلام. وقال الكتاني، سمعت الخواص يقول: كنت في البادية مرة، فسرت في وسط النهار، فوصلت إلى شجرة بقرب ماء، فنزلت، وإذا سبع عظيم قد أقبل فاستسلمت، فلما قرب مني إذا هو يعرج، فحمحم، وبرك بين يدي، ووضع يده في حجري، فنظرت، فإذا يده منتفخة فيها قيح ودم، فأخذت خشبة، وشققت الموضع الذي فيه القيح والدم، وشددت عليه خرقة، فمضى به، وإذا به، بعد ساعة قد عاد، ومعه شبلان يبصبصان إليّ، وحملا إلي رغيفًا!. وقيل له: ما بال الإنسان يتحرك عند سماع غير القرآن، ما لا يجد في غير سماع القرآن؟. فقال: «لأن سماع القرآن صدمة لا يمكن أحد أن يتحرك فيها لشدة غلبتها، وسماع القول ترويح يتحرك فيه». وسئل عن العافية، فقال: العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا آفة، وقلب بلا شغل، ونفس بلا شهوة. وقال علي بن محمد: كنت جالسًا مع إبراهيم الخواص، وهو يتكلم في العلم، وحوله جماعة، إلى أن طلعت عليه الشمس، وحميت، حتى وجدت حرها، وهو جالس لا يعبأ بها، فلما اشتدت قلت له: يا سيدي! ألا تقوم إلى الفيء، فهو أرفق بك؟. فقال لي: ويلك ما تدلني إلا على الشرك!. ثم أنشأ يقول: [من الوافر] لقَدْ وَضَحَ الطريق إليكَ قَصْدًا … فما أحد أرادك يستدل فإِنْ وَرَدَ الشتاء فأنتَ صيفٌ … وإن ورد المَصيف فأنتَ ظِلُّ وقال: «آفة المريد ثلاث خصال: حب الدرهم، وحب النساء، وحب الرياسة. فتدفع آفة حب الدرهم باستعمال الورع وتدفع آفة حب النساء بترك الشهوات، ومداومة الصوم، فإنما تتولد هذه الشهوة من الشبع، وفراغ القلب. وتدفع آفة حب الرياسة: بإيثار الخمول. والمريد الصادق الله تعالى مراده وقصده، والصديقون إخوانه، والخلوة بيته، والوحدة أنسه، والنهار غمه، والليل فرحه ودليله قلبه، والقرآن معينه، والبكاء والجوع أدمه، والعبادة رياضة نفسه، والمعرفة قياده، والحياة سفره، والأيام مراحله، والورع طريقه والزهد قرينه، والأحوال منازله، والصبر شعاره،

стр. 2446

والسكونُ دثارُه، والصدقُ مُطيتُه، والعبادةُ مركبُه، وخوفُ الفوت مستحثُّه، وأنشدَ: [من البسيط] إنَّ الذينَ بخيرٍ كنتَ تعهدُهُمْ … مَضَوا عليك، وعنهم كنتُ أنهاكا لا تطلبَنَّ حياةً عند غيرِهِمُ … فليسَ يُحييكَ إِلَّا مَنْ تَوفَّاكَا ومنهم: [٢٦] أَبُو القَاسِم، الجُنَيدُ بنُ مُحَمَّد (١) سيد الطائفة، وإمامهم. أفعم أودية المعارف وأفاضها، ولبس منها أسنى المطارف وفضفاضها، إلى علوم تُحَقَّق. وعلو مراتب عليها أردية النفوس تشقق، جمع بين الطريقتين، وتصدر في جميع الفريقين، ولم يكن فيهم منكرًا أنه حامل لوائهم، وحامي سرحهم عند لأوائهم، فكان هو بينهم المنادى المفرد العلم، والواحد الفرد. حل حيث حلَّ من العظم، فاض منه بحر لم يبق منه جدول إلا اختطفه في تياره، واقتطفه ورق النصال ببتاره.

стр. 2447

ويحكى أنه كان لا يرى إلا في زي مريد، وزيادة تواضع ما عليه مزيد. أصله من نهاوند، ومنشؤه ومولده بالعراق، وأبوه كان يبيع الزجاج فلذلك يقال له «القواريري». وكان أبو القاسم يبيع الخز، فقيل له: «الخزاز» وكان فقيها على مذهب «أبي ثور»، صحب السري، والحارث المحاسبي، ومحمد بن علي القصاب، وغيرهم. توفي سنة سبع وتسعين ومائتين. وقال الجنيد: «ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع؛ وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات». وقال لرجل ذكر المعرفة: «أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر، والتقرب إلى الله ». فقال الجنيد: «إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهو عندي عظيم، والذي يسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، فإن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عالم لم أنقص من أعمال البر ذرة، إلا أن يحال بي دونها». وقال: «إن أمكنك أن لا تكون آلة في بيتك إلا خزفًا، فافعل». وقال: «الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على من اقتفى أثر الرسول ﷺ ». وقال: «لو أقبل صادق على الله تعالى ألف ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة، كان ما فاته أكثر مما ناله». وقال: «من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة». وقال: «مذهبنا هذا مقيد بالأصول؛ الكتاب والسنة». وقال: «علمنا هذا مشبّك بحديث رسول الله ﷺ ». وقال أبو الحسين علي بن إبراهيم الحداد: حضرت مجلس القاضي أبي العباس بن جريج [الفقيه الشافعي]، فتكلم في الفروع والأصول بكلام حسن أعجبت منه، فلما رأى إعجابي قال: «أتدري من أين هذا؟». قلت: يقول به القاضي. فقال: «هذا ببركة مجالستي أبي القاسم الجنيد». وقيل للجنيد: ممن استفدت هذا العلم؟. فقال: من جلوسي بين يدي الله ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة، وأومأ إلى درجة في داره. ورؤي في يد الجنيد سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟. فقال: طريق به وصلت إلى ربي لا أفارقه.

стр. 2448

وكان الجنيد يدخل كل يوم حانوته، ويسبل الستر، ويصلي أربعمائة ركعة، ثم يعود إلى بيته. وقال أبو بكر العطوي: كنت عند الجنيد حين مات، فرأيته ختم القرآن ثم ابتدأ من البقرة، وقرأ سبعين آية، ثم مات رحمه الله تعالى. وقال الجنيد: «قال لي خالي سَرِيُّ السَّقَطِيُّ رحمه الله تعالى: «تكلم على الناس» و [كان] في قلبي حشمة من الكلام على الناس، فإني كنت أتهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت ليلة في المنام رسول الله ﷺ - وكانت ليلة جمعة - فقال لي: «تكلم على الناس!»، فانتبهت، وأتيت باب السَّري قبل أن أصبح، فدققت الباب، فقال: «لم تصدقنا حتى قيل لك؟!». فقعدت في غدٍ للناس بالجامع، وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس. فوقف علي غلام نصراني متنكرًا، وقال: «أيها الشيخ! ما معنى قول رسول الله ﷺ : «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فإنه ينظرُ بِنُورِ الله»؟. فأطرقت، ثم رفعت رأسي، وقلت: أسلم!، فقد حان وقت إسلامك!. فأسلم الغلام. وقال الجنيد: «ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها». قيل له: وما هي؟. قال: مررت بدرب القراطيس، فسمعت جارية تغني من دار، فأنصت لها، فسمعتها تقول: [من الطويل] إذا قلتُ: أهدى الهجر لي حُلَلَ البِلى … تَقُولِينَ: لولا الهجرُ لمْ يَطِبِ الحُبُّ وإن قلتُ: هذا الحبَّ أحرقَهُ الهَوَى … تقولي: بنيرانِ الهَوَى شَرُفَ القَلبُ وإن قلت: ما أذنبت قلتِ مُجيبة … حياتك ذَنْبٌ لا يُقاس به ذَنْبُ فصعقت، وصحت … .. فبينا أنا كذلك، إذا بصاحب الدار قد خرج، فقال: ما هذا يا سيدي؟!. فقلت له: مما سمعت. فقال: أشهدك أنها هبة مني إليك. فقلت: قد قبلتها، وهي حرة لوجه الله تعالى. ثم دفعتها لبعض أصحابنا بالرباط، فولدت له ولدًا نبيلًا، ونشأ أحسن نشوء، وحج على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة. «عن الحلية» الصوفية، أنها حكت بسندها إلى الجنيد، قال: «كنت لهجًا بزيارة الرهبان، والمنقطعين إلى العبادة من سائر الأديان، فحكي لي: إن في أقصى بلاد الروم جارية فتية السن، قد اتخذت وتدًا من حديد وعارضة، وغلت يدها وعنقها إليه، وتعلقت بين السماء والأرض، لا تقر من العبادة، فاجتهدت إلى أن وصلت إلى ذلك الموضع، ورفعتُ رأسي إليها، فحين بَصُرَتْ بي قالت لي: يا أبا القاسم! إن لم يكن حقًا فهو حقيقة!!!. وقال أبو محمد الجريري: كان في جوار الجنيد رجل مصاب [في خربة]، فلما

стр. 2449

مات الجنيد [ودفناه، تقدّمنا ذلك المصاب، وصعد موضعًا رفيعًا وقال لي: «يا أبا محمد! تراني أرع إلى تلك الخربة بعد أن فقدت ذلك السيد؟!». ثم] أنشأ يقول: [من مخلع البسيط] وا أسفا من فِرَاقِ قَومٍ … هُمُ المصابيح والحصون والمدن والمزن والرَّوَاسي … والحبر والأمن والسُّكُونُ لم تتغر لنا الليالي … حتّى توفتهم المنون فَكُلُّ جَمْرِ لنا قُلوبٌ … وكلُّ ماء لنا عُيونُ ثم غاب عنا، فكان ذلك آخر العهد منه]. ومنهم: [٢٧] أَبُو عُثْمَانَ، سَعِيدُ بنُ إسماعيلَ الحيري (١)، المقيم بنيسابور عارف زجر نفسه ووعظها، ورأى نفسه في مرمى كل نظرة لحظها، فحل رموز آماله، والتمس كنوز القرآن في أمثاله، وصحب قومًا اتخذوا نفوسًا، وشهدوا في العلياء شموسا، في فيئه قطعوا أودية الأعمار هياما، وطاولوا ألوية الليل قياما، ولم يخدع أحدًا منهم متاع الدنيا ولا استجرّه، ولا حام إلا على زهر الثريا ونهر المجرة، وأمسى وتربه يستهدي طيبا، ويندى عنبرًا وعودًا رطيبا. كان من الري، وصحب شاه الكرماني، ويحيى بن معاذ. ثم ورد نيسابور مع الكرماني على أبي حفص الحداد، وأقام عنده وتخرج به، وزوجه أبو حفص ابنته. ومات سنة ثمان وتسعين ومائتين، وعاش بعد أبي حفص نيفًا وثلاثين سنة.

стр. 2450

ومن كلامه: «لا يكمل إيمان الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع، والإعطاء، والعزّ، والذل». وقال: «الصحبة مع الله: بحسن الأدب، ودوام الهيبة، والمراقبة. والصحبة مع رسول الله ﷺ : باتباع سنته، ولزوم ظاهر العلم والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام والخدمة والصحبة مع الأهل بحسن الخلق. والصحبة مع الإخوان: بدوام البشر ما لم يكن إثمًا. والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم، والرحمة عليهم». وقال: «من أمر السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالبدعة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (١). وقال أبو عثمان: «صحبت أبا حفص وأنا شاب فطردني مرة، وقال: «لا تجلس عندي!»! فقمت ولم أُوَلِّه ظهري، وانصرفت إلى ورائي، ووجهي إلى وجهه، حتى غبت عن عينيه، وجعلت على نفسي أن أحفر على بابه حفرة لا أخرج منها إلا بأمره!. فلما رأى مني ذلك أدناني، وجعلني من خواص أصحابه. وكان يقال: في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم: «أبو عثمان بنيسابور، والجنيد ببغداد، وأبو عبد الله بن الجلاء: بالشام». وقال أبو عثمان: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في حال فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته». ولما تغير على أبي عثمان الحال، مزق ابنه أبو بكر قميصًا على نفسه، ففتح أبو عثمان عينيه، وقال: «خلاف السنة يا بني في الظاهر علامة رياء في الباطن». وقال: «أصل العداوة من ثلاثة أشياء: - من الطمع في المال، والطمع في إكرام الناس، والطمع في قبول الناس». وقال: صلاح القلب في أربع خصال: في التواضع لله، والفقر إلى الله؛ والخوف من الله، والرجاء في الله». وقال: «الخوف من الله يوصلك إلى الله، والكِبْرُ والعُجْبُ في نفسك يقطعك عن الله، واحتقار الناس في نفسك مرض عظيم لا يداوى». وقال: «من جل مقداره في نفسه، جل أقدار الناس عنده؛ ومن صغر مقداره في نفسه، صغر أقدار الناس عنده».

стр. 2451

وقال: «تعززوا بعز الله كي لا تذلوا». وقال: «العاقل من تأهب للمخاوف قبل وقوعها». وقال: «التفويض ردُّ ما جهلتَ علمه إلى عالمه، والتفويض مقدمة الرضا؛ والرضا باب الله الأعظم». وقال: «الفراسة ظن وافق الصواب، والظن يخطئ ويصيب؛ فإذا تحقق في الفراسة، تحقق في حكمها، لأنه إذ ذاك يحكم بنور الله تعالى لا بنفسه». وسئل عن التوكل فقال: «هو الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه. والشكر: معرفة العجز عن الشكر. وشكر العوام: على المطعم والمشرب والملبس. وشكر الخواص: على ما يرد على قلوبهم من المعاني واليقين: قلة الإهتمام لغد». وسئل عن قول النبي ﷺ : «أسألك الرضاء بعد القضاء؟». قال: «لأن الرضاء قبل القضاء عزم على الرضاء، والرضاء بعد القضاء هو الرضاء». وقال: «من أضر به الرجاء حتى قارب الأمن فالخوف له أفضل، ومن أضرَّ به الخوف حتى قارب الإياس، فالرجاء له أفضل وأنشد في هذا المعنى: [من الطويل] أسأتُ ولم أحسن وجئتُكَ هاربا … وأين لعبدٍ مِنْ مَواليهِ مَهْرَبُ؟ يؤمِّلُ غُفرانًا فإن خابَ ظَنُّهُ … فما أحد منه على الأرض أخيب ومنهم: [٢٨] مُمْشَاذُ الدِّينَوَرِيُّ (١) زاهد قنع عفافا، وقمع هواه ليصبح ويمسي من الدنيا معافي، وتقرب إلى الله بالنوافل حتى أحبه، وملكه قلوب الناس فلم تدع حبه، وعبر مدة العمر لا ترد له دعوة، ولا يعد معه لذي قوم حظوة، وترقى بتجريد سرى به في الملكوت، وسما به والنجوم سكوت، ثم انتقل إلى ربه الكريم، ووُسِّد في تربه ميتًا ميتة الكليم، وطاب قبر جنّه،

стр. 2452

وقربٌ مودي منه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (١). صحب يحيى بن الجلاء، ومن فوقه من المشايخ، وكان من كبار المشايخ، عظيم المرمى في هذه العلوم، كبير الحال، [أحد فتيان الجبال]، ظاهر الفتوة. مات سنة تسع وتسعين ومائتين. ومن كلامه: قال: «طريق الحق بعيد، والصبر مع الحق شديد». وقال: «ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك؛ وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك». وقال: «ما دخلت قط على أحد من شيوخي، إلا وأنا خال من جميع مالي؛ أنظر بركات ما يرد عليّ من رؤيته أو كلامه؛ فإنّ من دخل على شيخ بحظه، انقطع بحظه عن بركات رؤيته، ومجالسته، وأدبه، وكلامه». وقال: «أدب المريد في أشياء أربعة: التزام حرمات المشايخ؛ وخدمة الإخوان؛ والخروج عن الأسباب؛ وحفظ آداب الشرع على نفسه». وقال: «صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح، وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد». وسئل عن التوكل؟ فقال: «التوكل: حَسْمُ الطمع عن كل ما يميل إليه قلبك ونفسك». وقال أبو بكر الرازي: كنت عند ممشاذ الدينوري، فجرى حديث الدين، فقال لي: كان علي دين، فاشتغل قلبي، فرأيت في المنام كأن قائلًا يقول لي: يا بخيلًا!، أخذت علينا هذا المقدار؟ .. خذ! عليك الأخذ، وعلينا العطاء. فما حاسبت بعد ذلك بقالًا، ولا قصابا، ولا غيرهما. وقال: «منذ علمت أن أحوال الفقراء جد كلها لم أمازح فقيرًا، وسبب ذلك: إن فقيرًا جاءني قادمًا علي، فقال لي: أيها الشيخ! أريد أن تتخذ لي عصيدة، فجرى على لساني: «إرادة وعصيدة.!»، فتأخر الفقير ولم أشعر، ثم أمرت باتخاذ عصيدة، وطلبت الفقير، فلم أجده، فتعرفت خبره، فقيل لي: انصرف من فوره، وكان يقول في نفسه: «إرادة وعصيدة؟!»، وهام على وجهه حتى دخل البادية، ولم يزل يقول هذه الكلمة حتى مات.

стр. 2453

وسئل عن التصوف؟ فقال: «صفاء الأسرار، والعمل بما يرضي الجبار، وصحبة الناس بلا اختيار». وقال بعضهم: كنت عند ممشاذ عند وفاته، فقيل له: كيف تجد العلة؟. فقال: سلوا العلة عني. فقيل له: قل: «لا إله إلا هو»، فحول وجهه إلى الجدار، وقال: [من المجتث] أفنيتُ كُلِّي بكُلِّك … هذا جَزَا مَنْ يُجِلُّك لا إله إلا هو، أحد، أحد. وقيل: [له]: إذا جاع الفقير أيش يعمل؟ فقال: «يصلي. قال: فإن لم يقدر؟. قال: ينام. قال: فإن لم يقدر؟. فقال: إن الله تعالى لا يخلي الفقير عن إحدى ثلاث: إما قوى، وإما غذى، وإما أخذ». وقال فارس الدينوري: خرج ممشاذ الدينوري يومًا من باب الدار، فنبح عليه كلب، فقال ممشاذ: «لا إله إلا الله». فمات الكلب مكانه!. وروي أنه كان إذا رأى فقيرًا قدم من البادية، يقول له: تعال يا كعب يا مكسور!، من أي بركة شربت؟، وعلى أي بدوي نزلت؟، وطعام من أكلت؟. حكى بعض أصحابه، قال: اشتدّ به المرض، فاستثقله. فقيل له: مثلك يكره الموت؟!. فقال: أخاف لقاء الحبيب قبل الإكثار مما يرضيه؛ فدخل عليه داخل لا يعرفه منا أحد، فناوله تفاحة لا يعرف مثلها في الدنيا، فأخذها، فشمها، فمات … !. ثم نظرنا فلم نر الرجل ولا التفاحة، وإنما سمعنا قائلًا يقول: «موتة موسوية والله» رحمه الله تعالى. ومنهم: [٢٩] أبو محمد، رُوَيمُ بنُ أحمدَ بنِ يَزِيدَ بنِ رُوَيمِ بنِ يَزِيدَ البَغْدَادِي (١) إمام به الابتداء في الترتيب، والاقتداء للمستتيب. عَلَمٌ من الأعلام، وكرم

стр. 2454

للأخوال والأعمام. رفل من جلابيب الجنود وأنجادها، ورف ذيله على أغوار النجوم وأبجادها، وطالما تلفع بالظلماء، وتشفع برب السماء، ودام على طريقه اللاحب، حتى سقاه الموت السمام المنقع، وأتاه الحمام بما يتوقع، على أنه كان استدرك لمصيره، وتأهب لمسيره، وسبق حتى وارته حفرته، ولم يفت، وأرته عين اليقين قبره وهو حي لم يمت. كان فقيهًا على مذهب داود الأصفهاني. مُقرئًا على إدريس بن عبد الكريم الحداد. قال أبو عبد الله بن خفيف: قلت لرويم: أوصني. فقال: «ما هذا الأمر إلا ببذل الروح، فإن أمكنك الدخول فيه مع هذا، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية». وقال رويم: «قعودك مع كل طبقة من الناس أسلم من قعودك مع الصوفية، فإن كل الخلق قعدوا على الرسوم، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق، وطالب الخلق كلُّهم أنفسهم بظواهر الشرع، وطالب هؤلاء أنفسهم بحقيقة الورع، ومداومة الصدق، فمن قعد معهم وخالفهم في شيء مما يتحققون، نزع الله نور الإيمان من قلبه». وقال ﵁: اجتزت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك، وأنا عطشان، فاستقيت من دار، ففتحت صبية بابها، ومعها كوز، فلما رأتني قالت: صوفي يشرب بالنهار!!!. فما أفطرت بعد ذلك اليوم قط. وقال: «قف على البساط، وإياك والانبساط، واصبر على ضرب السياط، حتى تجوز الصراط». وسئل عن الفتوة؟ فقال: «أن تعذر إخوانك في زلاتهم، ولا تعاملهم بما تحتاج أن تعتذر منه». وقال: «إن الله غيب أشياء في أشياء غيَّب مكرَهُ في حلمه، وغيب خداعه في لطفه، وغيب عقابه في كرامته». وقيل له: هل ينفع الولد صلاح الوالدين؟ فقال: «من لم يكن بنفسه لا يكون بغيره، بل من لم يكن بربه لا يكون بنفسه». ثم أنشد لابن الرومي: [من الطويل] إذا العود لم يُثمر وإنْ كانَ شُعبة … من المثمرات اعتدهُ الناسُ في الحَطَبْ وسئل عن حقيقة الفقر؟ فقال: «أخذ الشيء من جهته، واختيار القليل على الكثير عند الحاجة». وقال: «الصبر: ترك الشكوى، والرضا: استلذاذ البلوى، واليقين: هو المشاهدة».

стр. 2455

وقال: «يعاتب الخلق بالإرفاق، ويعاتب المحب بالغلظة». وأنشد على أثره لغيره: [من الكامل] لو كنت عاتبة لسكن عبرتي … أملي رضاك، وزُرتُ غيرَ مُراقَبِ لكن مَلِلْتِ، فلم تكن ليَ حِيلةٌ … صدُّ المَلول خلاف صد العاتب وسئل عن المحبة؟؛ فقال: «الموافقة في جميع الأحوال». وأنشد: [من الطويل] ولوْ قُلتِ لي: مُتْ مُتُّ سَمعًا وطاعة … وقُلتُ لداعي الموت أهلًا ومرحبا وسئل عن وَجْدِ الصوفية عند السماع؟. فقال: «يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم، فتشير إليه: إلي، إليّ. فيتنعمون بذلك من الفرح، ثم يقع الحجاب، فيعود ذلك الفرح بكاء، فمنهم من يخرق ثيابه، ومنهم من يصيح، ومنهم من يبكي، وكل إنسان على قدره». وقال: «التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالعدل والإيثار، وترك التعرض والاختيار». ودخل رويم في شيء من أمور السلطان، فدخل عليه الجنيد ومعه رجل خراساني، فلما خرج قال الجنيد كيف رأيته يا خراساني؟!. قلت: لا أدري. قال: إن الناس يتوهمون أن هذا نقصان في حاله ووقته، وما كان رويم أعمر وقتًا منه هذه الأيام. وقال السلمي: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: «رويم أتم حالًا من أن تغيره تصاريف الأحوال». وذكر الخطيب البغدادي رويمًا. وذكر من كلامه قوله: «السكون إلى الحال اغترار». وقوله: «رياء العارفين خير من إخلاص المريدين». وقوله: «الفتوة أن تعذر إخوانك في زللهم، ولا تعاملهم بما يحوجك إلى الاعتذار إليهم». وقال ابن خفيف: لما دخلت بغداد قصدت رويمًا، وكان قد تولى القضاء، فلما دخلت عليه رحب بي وأدناني، وقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من فارس. فقال: لمن صحبت؟. قلت: جعفر الحذاء. فقال: ما تقول الصوفية في؟. قلت: لا شيء. قال: بلى، يقولون: إنه رجع إلى الدنيا. فبينا هو يحدثني إذ جاء طفل صغير، فقعد في حجره، فقال رويم: لو كنت أرى منهم من يكفيني مؤنة هذا الطفل، لما تعلقتُ بهذا الأمر، ولا بشيء من أسباب الدنيا، ولكن شغل قلبي بهذا أوقعني فيما أنا فيه! توفي - رحمه الله تعالى - ببغداد، سنة ثلاث وثلاثمائة.
следующие страницы →