وقال: «تعززوا بعز الله كي لا تذلوا».
وقال: «العاقل من تأهب للمخاوف قبل وقوعها».
وقال: «التفويض ردُّ ما جهلتَ علمه إلى عالمه، والتفويض مقدمة الرضا؛ والرضا باب الله الأعظم».
وقال: «الفراسة ظن وافق الصواب، والظن يخطئ ويصيب؛ فإذا تحقق في الفراسة، تحقق في حكمها، لأنه إذ ذاك يحكم بنور الله تعالى لا بنفسه».
وسئل عن التوكل فقال: «هو الاكتفاء بالله تعالى مع الاعتماد عليه. والشكر: معرفة العجز عن الشكر. وشكر العوام: على المطعم والمشرب والملبس. وشكر الخواص: على ما يرد على قلوبهم من المعاني واليقين: قلة الإهتمام لغد».
وسئل عن قول النبي ﷺ : «أسألك الرضاء بعد القضاء؟». قال: «لأن الرضاء قبل القضاء عزم على الرضاء، والرضاء بعد القضاء هو الرضاء». وقال: «من أضر به الرجاء حتى قارب الأمن فالخوف له أفضل، ومن أضرَّ به الخوف حتى قارب الإياس، فالرجاء له أفضل وأنشد في هذا المعنى: [من الطويل]
أسأتُ ولم أحسن وجئتُكَ هاربا … وأين لعبدٍ مِنْ مَواليهِ مَهْرَبُ؟
يؤمِّلُ غُفرانًا فإن خابَ ظَنُّهُ … فما أحد منه على الأرض أخيب
ومنهم:
[٢٨] مُمْشَاذُ الدِّينَوَرِيُّ (١)
زاهد قنع عفافا، وقمع هواه ليصبح ويمسي من الدنيا معافي، وتقرب إلى الله بالنوافل حتى أحبه، وملكه قلوب الناس فلم تدع حبه، وعبر مدة العمر لا ترد له دعوة، ولا يعد معه لذي قوم حظوة، وترقى بتجريد سرى به في الملكوت، وسما به والنجوم سكوت، ثم انتقل إلى ربه الكريم، ووُسِّد في تربه ميتًا ميتة الكليم، وطاب قبر جنّه،
стр. 2452
وقربٌ مودي منه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (١). صحب يحيى بن الجلاء، ومن فوقه من المشايخ، وكان من كبار المشايخ، عظيم المرمى في هذه العلوم، كبير الحال، [أحد فتيان الجبال]، ظاهر الفتوة.
مات سنة تسع وتسعين ومائتين.
ومن كلامه: قال: «طريق الحق بعيد، والصبر مع الحق شديد».
وقال: «ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك؛ وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك».
وقال: «ما دخلت قط على أحد من شيوخي، إلا وأنا خال من جميع مالي؛ أنظر بركات ما يرد عليّ من رؤيته أو كلامه؛ فإنّ من دخل على شيخ بحظه، انقطع بحظه عن بركات رؤيته، ومجالسته، وأدبه، وكلامه».
وقال: «أدب المريد في أشياء أربعة: التزام حرمات المشايخ؛ وخدمة الإخوان؛ والخروج عن الأسباب؛ وحفظ آداب الشرع على نفسه».
وقال: «صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح، وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد».
وسئل عن التوكل؟ فقال: «التوكل: حَسْمُ الطمع عن كل ما يميل إليه قلبك ونفسك».
وقال أبو بكر الرازي: كنت عند ممشاذ الدينوري، فجرى حديث الدين، فقال لي: كان علي دين، فاشتغل قلبي، فرأيت في المنام كأن قائلًا يقول لي: يا بخيلًا!، أخذت علينا هذا المقدار؟ .. خذ! عليك الأخذ، وعلينا العطاء. فما حاسبت بعد ذلك بقالًا، ولا قصابا، ولا غيرهما.
وقال: «منذ علمت أن أحوال الفقراء جد كلها لم أمازح فقيرًا، وسبب ذلك: إن فقيرًا جاءني قادمًا علي، فقال لي: أيها الشيخ! أريد أن تتخذ لي عصيدة، فجرى على لساني: «إرادة وعصيدة.!»، فتأخر الفقير ولم أشعر، ثم أمرت باتخاذ عصيدة، وطلبت الفقير، فلم أجده، فتعرفت خبره، فقيل لي: انصرف من فوره، وكان يقول في نفسه: «إرادة وعصيدة؟!»، وهام على وجهه حتى دخل البادية، ولم يزل يقول هذه الكلمة حتى مات.
стр. 2453
وسئل عن التصوف؟ فقال: «صفاء الأسرار، والعمل بما يرضي الجبار، وصحبة الناس بلا اختيار».
وقال بعضهم: كنت عند ممشاذ عند وفاته، فقيل له: كيف تجد العلة؟. فقال: سلوا العلة عني. فقيل له: قل: «لا إله إلا هو»، فحول وجهه إلى الجدار، وقال: [من المجتث]
أفنيتُ كُلِّي بكُلِّك … هذا جَزَا مَنْ يُجِلُّك
لا إله إلا هو، أحد، أحد.
وقيل: [له]: إذا جاع الفقير أيش يعمل؟ فقال: «يصلي. قال: فإن لم يقدر؟. قال: ينام. قال: فإن لم يقدر؟. فقال: إن الله تعالى لا يخلي الفقير عن إحدى ثلاث: إما قوى، وإما غذى، وإما أخذ».
وقال فارس الدينوري: خرج ممشاذ الدينوري يومًا من باب الدار، فنبح عليه كلب، فقال ممشاذ: «لا إله إلا الله». فمات الكلب مكانه!.
وروي أنه كان إذا رأى فقيرًا قدم من البادية، يقول له: تعال يا كعب يا مكسور!، من أي بركة شربت؟، وعلى أي بدوي نزلت؟، وطعام من أكلت؟.
حكى بعض أصحابه، قال: اشتدّ به المرض، فاستثقله. فقيل له: مثلك يكره الموت؟!. فقال: أخاف لقاء الحبيب قبل الإكثار مما يرضيه؛ فدخل عليه داخل لا يعرفه منا أحد، فناوله تفاحة لا يعرف مثلها في الدنيا، فأخذها، فشمها، فمات … !. ثم نظرنا فلم نر الرجل ولا التفاحة، وإنما سمعنا قائلًا يقول: «موتة موسوية والله» رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٢٩] أبو محمد، رُوَيمُ بنُ أحمدَ بنِ يَزِيدَ بنِ رُوَيمِ بنِ يَزِيدَ البَغْدَادِي (١)
إمام به الابتداء في الترتيب، والاقتداء للمستتيب. عَلَمٌ من الأعلام، وكرم
стр. 2454
للأخوال والأعمام. رفل من جلابيب الجنود وأنجادها، ورف ذيله على أغوار النجوم وأبجادها، وطالما تلفع بالظلماء، وتشفع برب السماء، ودام على طريقه اللاحب، حتى سقاه الموت السمام المنقع، وأتاه الحمام بما يتوقع، على أنه كان استدرك لمصيره، وتأهب لمسيره، وسبق حتى وارته حفرته، ولم يفت، وأرته عين اليقين قبره وهو حي لم يمت. كان فقيهًا على مذهب داود الأصفهاني. مُقرئًا على إدريس بن عبد الكريم الحداد. قال أبو عبد الله بن خفيف: قلت لرويم: أوصني. فقال: «ما هذا الأمر إلا ببذل الروح، فإن أمكنك الدخول فيه مع هذا، وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية».
وقال رويم: «قعودك مع كل طبقة من الناس أسلم من قعودك مع الصوفية، فإن كل الخلق قعدوا على الرسوم، وقعدت هذه الطائفة على الحقائق، وطالب الخلق كلُّهم أنفسهم بظواهر الشرع، وطالب هؤلاء أنفسهم بحقيقة الورع، ومداومة الصدق، فمن قعد معهم وخالفهم في شيء مما يتحققون، نزع الله نور الإيمان من قلبه».
وقال ﵁: اجتزت ببغداد وقت الهاجرة ببعض السكك، وأنا عطشان، فاستقيت من دار، ففتحت صبية بابها، ومعها كوز، فلما رأتني قالت: صوفي يشرب بالنهار!!!. فما أفطرت بعد ذلك اليوم قط.
وقال: «قف على البساط، وإياك والانبساط، واصبر على ضرب السياط، حتى تجوز الصراط».
وسئل عن الفتوة؟ فقال: «أن تعذر إخوانك في زلاتهم، ولا تعاملهم بما تحتاج أن تعتذر منه».
وقال: «إن الله غيب أشياء في أشياء غيَّب مكرَهُ في حلمه، وغيب خداعه في لطفه، وغيب عقابه في كرامته».
وقيل له: هل ينفع الولد صلاح الوالدين؟ فقال: «من لم يكن بنفسه لا يكون بغيره، بل من لم يكن بربه لا يكون بنفسه».
ثم أنشد لابن الرومي: [من الطويل]
إذا العود لم يُثمر وإنْ كانَ شُعبة … من المثمرات اعتدهُ الناسُ في الحَطَبْ
وسئل عن حقيقة الفقر؟ فقال: «أخذ الشيء من جهته، واختيار القليل على الكثير عند الحاجة».
وقال: «الصبر: ترك الشكوى، والرضا: استلذاذ البلوى، واليقين: هو المشاهدة».
стр. 2455
وقال: «يعاتب الخلق بالإرفاق، ويعاتب المحب بالغلظة». وأنشد على أثره لغيره: [من الكامل]
لو كنت عاتبة لسكن عبرتي … أملي رضاك، وزُرتُ غيرَ مُراقَبِ
لكن مَلِلْتِ، فلم تكن ليَ حِيلةٌ … صدُّ المَلول خلاف صد العاتب
وسئل عن المحبة؟؛ فقال: «الموافقة في جميع الأحوال». وأنشد: [من الطويل]
ولوْ قُلتِ لي: مُتْ مُتُّ سَمعًا وطاعة … وقُلتُ لداعي الموت أهلًا ومرحبا
وسئل عن وَجْدِ الصوفية عند السماع؟. فقال: «يشهدون المعاني التي تعزب عن غيرهم، فتشير إليه: إلي، إليّ. فيتنعمون بذلك من الفرح، ثم يقع الحجاب، فيعود ذلك الفرح بكاء، فمنهم من يخرق ثيابه، ومنهم من يصيح، ومنهم من يبكي، وكل إنسان على قدره».
وقال: «التصوف مبني على ثلاث خصال: التمسك بالفقر والافتقار، والتحقق بالعدل والإيثار، وترك التعرض والاختيار».
ودخل رويم في شيء من أمور السلطان، فدخل عليه الجنيد ومعه رجل خراساني، فلما خرج قال الجنيد كيف رأيته يا خراساني؟!. قلت: لا أدري. قال: إن الناس يتوهمون أن هذا نقصان في حاله ووقته، وما كان رويم أعمر وقتًا منه هذه الأيام.
وقال السلمي: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: «رويم أتم حالًا من أن تغيره تصاريف الأحوال».
وذكر الخطيب البغدادي رويمًا. وذكر من كلامه قوله: «السكون إلى الحال اغترار». وقوله: «رياء العارفين خير من إخلاص المريدين». وقوله: «الفتوة أن تعذر إخوانك في زللهم، ولا تعاملهم بما يحوجك إلى الاعتذار إليهم».
وقال ابن خفيف: لما دخلت بغداد قصدت رويمًا، وكان قد تولى القضاء، فلما دخلت عليه رحب بي وأدناني، وقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من فارس. فقال: لمن صحبت؟. قلت: جعفر الحذاء. فقال: ما تقول الصوفية في؟. قلت: لا شيء. قال: بلى، يقولون: إنه رجع إلى الدنيا. فبينا هو يحدثني إذ جاء طفل صغير، فقعد في حجره، فقال رويم: لو كنت أرى منهم من يكفيني مؤنة هذا الطفل، لما تعلقتُ بهذا الأمر، ولا بشيء من أسباب الدنيا، ولكن شغل قلبي بهذا أوقعني فيما أنا فيه!
توفي - رحمه الله تعالى - ببغداد، سنة ثلاث وثلاثمائة.
стр. 2456
ومنهم:
[٣٠] أَبُو مُغيث، الحُسِينُ بنُ مَنْصُورٍ الحَلاجُ (١)
بحر لا يلجه إلا معذر، وأسد لا يخرجه إلا متضرر شرب بقية الزجاجة، وطرب فوق قدر الحاجة، فانقلب سكرانًا طافحا، وغلب عليه فما طامحا، وكان ممن كتب الكتب وقراها، وبرى الكتب ودرأها، فكان يجني ثمر الغيوب، ويجري تارة مجرى المحاسن، وتارة مجرى العيوب، فلا يزال يأتي بالحكمة الصائبة، ويحدث بالكلمة الغائبة، بكشف لا يحجب، ولا يأتي بنادرة فيتعجب، لكثرة ما كان يأتي به شيئًا بعد شيء، ويمد من تخييلاتها فيا بُعْدَ فَي، فكان لو شاء أنه أو هم شق البحر فخاض منه طريقًا يبسا، وشبّ الماء فأوقد منه شهابًا قبسا، وأومأ إلى الغوادي فأجابت سماؤها، وإلى الليالي فانجابت ظلماؤها، فخلب العقول أو سحرها، وخيّل أوقات الظهيرة عشيات الليالي أو سحرها، حتى أضلَّ جبلا، وأضاع جملا، وأصبح مثلا، وأمسى وأمثال عقد النجوم عليه منتثلا، وكاد العراق يميد لساكنه، ويميل بمساكنه، حتى كادت بغداد تخرج في ذمامها، ويخرج من يد أيامها، والناس عليه مؤتلفون، وفيه
стр. 2457
مختلفون، وهم به لا يقصرون، ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (١) ثم قتل بسيف الشرع، وسقي بسيل دمه منابت الزرع، فقر الدر في الضرع، واستقر في ثأره الأصل والفرع، هذا بعد أن صُبَّ عليه سوط عذاب، وقتل والناس قسمان: قسم مدح، وقسم عاب، إلا أنه حكي أنه لم يحضر واقعته إلا من أصيب، وأخذ من البلوى بنصيب.
وهو من بيضاء، فارس، ونشأ بواسط، والعراق. وصحب الجنيد، والنوري، وعَمْرًا المكي، وغيرهم.
واختلف المشايخ في أمره: فردَّه أكثرهم ونفوه، وأبوا أن يكون له قدم في التصوف. وقبله [بعضهم]. من جملتهم أبو العباس بن عطاء، وأبو عبد الله محمد بن خفيف، وأبو القاسم إبراهيم بن محمد النصراباذي، وأثنوا عليه، وصححوا له حاله، وحكوا عنه كلامه، وجعلوه أحد المحققين، حتى قال محمد بن خفيف: «الحسين بن منصور: عالم ربَّاني». قتل بباب الطاق من بغداد، يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثمائة.
وقال الحلاج: «حجبهم بالاسم فعاشوا؛ ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا؛ ولو كشف لهم الحجاب عن الحقيقة لماتوا».
وقال: «من أسكرته أنوار التوحيد، حجبته عن عبارة التجريد، بل من أسكرته أنوار التجريد نطق عن حقائق التوحيد؛ لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم».
وقال: «من التمس الحق بنور الإيمان، كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب».
وقال أبو العباس الرازي: كان أخي خادمًا للحسين بن منصور، فسمعته يقول: لما كانت الليلة التي وعد من الغد لقتله، قلت له: يا سيدي أوصني. فقال لي: «عليك بنفسك، إن لم تشغلها شغلتك». فلما كان من الغد، وأُخرج للقتل، قال: «حسب الواحد إفراد الواحد». ثم خرج يتبختر في قيده ويقول (٢): [من الهزج]
نديمي غيرُ مَنسُوبِ … إلى شيءٍ مِنَ الحيف
سَقَاني مثل ما يشر … بُ فِعْلَ الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس … دَعَا بالنطع والسيف
كذا مَنْ يشرب الكأسَ … مِنَ التّنّين في الصيف
ثم قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا
стр. 2458
الْحَقُّ﴾ (١). ثم ما نطق بعد ذلك حتى فعل به ما فعل. وقال القناد: لقيت الحلاج يومًا في حالة رثة، فقلت له: كيف حالك؟ فأنشأ يقول (٢): [من الوافر]
لئن أمسيت في ثوبي عديم … لقدْ بَليا على حُرِّ كريمِ
فلا يُحزنك أنْ أبصرت حالًا … مغيرة عن الحال القديم
فلي نفس ستتلف أو سترقى … لعَمْرُكَ - بي إلى أمر جسيم
وأنشد ابن فاتك للحسين بن منصور (٣): [من الخفيف]
أنت بَينَ الشَّغافِ والقلبِ تَجري … مثلَ جَري الدموع من أجفاني
ويحل الضمير جوف فؤادي … كحلول الأرواح في الأبدان
ليسَ مِنْ ساكن يَحرَّكَ إلا … أنتَ حرَّكته خفي المكان
وأنشد لنفسه (٤): [من الطويل]
مواجيد حق، أوجد الحقُّ كلَّها … وإن عجزت عنها فهوم الأكابر
وما الوجد إلا خطرة ثم نظرةٌ … تُثير لَهيبًا بين تلك السرائر
إذا سكن الحق السريرة ضوعفت … ثلاثة أحوال، لأهل البصائر
فحال يبيد السرّ عَنْ كُنْهِ وَجْدِهِ … ويُحضره للوجد، في حال حائر
وحال به زُمَّتْ ذُرى السر فانئنت … إلى منظر أفناه عن كل ناظر
وأنشد أيضًا لنفسه (٥): [من الطويل]
متى سهرت عيني لغيرك أو بكت … فلا أُعطيت ما مُنْيَتْ وتمنَّتِ
وإن أضمرت يومًا سواك فلا رَعَتْ … رياض المُنى من وجنتيك وجِنَّة
وأنشد لنفسه (٦): [من الرمل]
جبلت روحُكَ في روحي كما … يُجبلُ العنبر بالمسك الفتق
فإذا مسَّكَ شيءٌ مَسَّني … فإذا أنتَ أنا لا نفترق
وأنشد لنفسه (٧): [من الوافر]
دلال يا خليلي مستعار … دلال بعد أن شاب العذار؟
ملكت - وحُرمَةِ الخلوات - قلبًا … لعبتَ بهِ وقَرَّ به القرار
стр. 2459
فلا عَينٌ يُؤرِّقها اشتياق … ولا قلبٌ يُقلقله ادكار
نزلت بمنزل الأعداء منّي … وبِنْتَ فلا تزور، ولا تُزارُ
(كما ذهب الحمار بأم عمرو … فلا رجعت ولا رجع الحمار)
وأنشد عبد الرحيم بن أحمد الحلي قال: أنشدني الحلاج لنفسه، وقد ذكرت لديه الدنيا وأحوالها (١): [مجزوء الكامل]
دنيا تُغالِطُني كأنّ … ـي لستُ أعرف حالها
حَظَرَ المَليكُ حَرامَها … وأنا أحتميت حلالها
فوجدتُها مُحتاجةً … فوهبتُ لذتها لها
وقد حكي عنه، أنه لما خرج ليقتل، خرج غير جازع، ولا أسف، وجعل يقول: «آن لقاء الحبايب».
وحكى السلمي عن العطوفي، قال: كنت أقرب الناس من الحلاج، فضرب كذا وكذا سوطًا، وقطعت يداه ورجلاه فما نطق. وحكي عنه: أنه لما قُدِّمَ للقتل، أسفر وجهه، ثم اربد، وهمهم بشفتيه، ثم أنشد (٢): [مبحر الوافر]
طلبتُ المُستقر بكلِّ أرض … فلم أرَ لي بأرض مستقرا
وذُقتُ مِنَ الزمان وذاقَ مني … وكانَ مذاقُهُ حُلوًا ومُرًا
أطعت مطامعي فاستعبدتني … ولو أني قنعتُ لكنتُ حُرَّا
وقد ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أنه قال - وهو مصلوب: «إلهي! أصبحت في دار الرغائب أنظر إلى العجائب. إلهي! إنك تتودد إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك؟!».
ومنهم:
[٣١] أَبُو عَبْدِ الله، أَحمدُ بنُ يَحيى الجَلاءُ ويقال: محمد بن يحيى، والاصح أحمدالبغدادي (٣)
سابق بلغ المدى، وقتل أطماعه ببت العلائق وودى، وكان بطل كتيبة، ورجلًا له
стр. 2460
كرامات عجيبة، وأخا غرائب لا تؤاخى، ولا يأتي بها الزمان وإن تراخي، طالما بهر العيون وملأها، وأظهر ما عجب الظنون وملاها، ولم يزل تبارح به غرف العرفان، ويتبلج صبح الحق حتى أدرج في الأكفان، فروض ثرى حله، وسقى الله دياره غير مفسدها، وساق إليها مثل أخلاق، موسدها، وطاب حيًا للأتراب، وميتًا في التراب مضطجعا.
أقام بالرملة، ودمشق، وكان من جِلَّة مشايخ الشام. صحب أباه، يحيى [الجلاء]، وأبا تراب النخشبي وذا النون المصري، وأبا عبيد البسري وكان عالمًا ورعًا، وهو أستاذ محمد بن داود الرقي.
روي عنه أنه قال لأبيه وأمه: «أحبُّ أن تهباني الله » فقالا: قد وهبناك الله.
فغبت عنهما مدة، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة، فدققت الباب، فقال لي أبي: من ذا؟.
قلت: ولدك أحمد. فقال: كان لنا ولد فوهبناه الله تعالى، ونحن من العرب، لا نسترجع ما وهبناه، ولم يفتح لي. وقال له رجل على أي شيء أصحب الخلق؟. فقال:
«إن لم تبرهم فلا تؤذهم، وإن لم تسُرَّهم فلا تسؤهم». وقال: «الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، لتصغر في عينك، فيسهل عليك الإعراض».
وقال محمد بن ياسين سألت ابن الجلاء عن الفقر؟ فسكت، ثم ذهب، ورجع عن قريب، ثم قال: كان عندي أربعة دوانيق، فاستحييت من الله تعالى أن أتكلم في الفقر، فأخرجتها .. !. ثم قعد وتكلم في الفقر.
وقيل له: ما معنى الصوفي؟. فقال: «ليس نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف فقيرًا مجردًا من الأسباب، كان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه العلم من علم كل مكان، يسمى صوفيًا». وقال: اشتهت والدتي على والدي يومًا سمكة، فمضى والدي إلى السوق وأنا معه، فاشترى سمكة ووقف ينظر من يحملها؟ فرآى صبيًا واقفًا حذاءه، فقال: يا عم! … تريد من يحملها؟ قال: نعم. فحملها ومشى معنا، فسمعنا الأذان. فقال الصبي: أذن المؤذن، وأحتاج أن أتوضأ وأصلي. فإن رضيت وإلا فاحمل السمكة!؛ ووضعها الصبي ومضى. فقال أبي: نحن أولى من أن نتوكل بالسمكة. فدخلنا
стр. 2461
المسجد وصلينا جميعًا، وخرجنا من المسجد. وإذا السمكة موضوعة على حالها، فحملها، ومضى معنا إلى دارنا. فذكر والدي ذاك لوالدتي، فقالت: يقيم عندنا حتى يأكل معنا. فقلنا له. فقال: إني صائم. قلنا: فتعود إلينا بالعشي؟ فقال: إذا حملت في اليوم مرة، فلا أحمل ثانيًا. فأدخل المسجد إلى المساء، ثم أدخل عليكم بالعشي. فلما أمسينا دخل الصبي علينا فأكلنا، فلما فرغنا، دللناه على موضع الطهارة، ورأيناه يؤثر الخلوة، فتركناه في بيت.
وكان لقريب لنا ابنة زمنة، فلما كان في بعض الليل، وإذا بها قد جاءت تمشي!. فسألناها عن حالها؟ فقالت: قلت: «يا رب! بحرمة ضيفنا إلا ما عافيتني … فقمت!». قال: فمضينا نطلب الصبي؛ فإذا الأبواب مغلقة كما كانت، ولم نجده. فقال أبي: منهم كبير وصغير.
وقال: دخلت المدينة، وبي فاقة، فتقدمت إلى القبر، وقلت: «ضيفك يا رسول الله!، ثم غفوت، فرأيت النبي ﷺ وقد أعطاني رغيفًا، فأكلت نصفه، وانتبهت، وبيدي النصف الآخر».
وقال: كنت واقفًا أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه، فمر بي أبو عبد الله البلخي، فقال: أيش وقوفك؟. فقلت: ياعم ما ترى؟ هذه الصورة الحسنة تعذب بالنار؟. فضرب بيده بين كتفي، وقال: لتجدنَّ غِب هذا ولو بعد حين. قال ابن الجلاء: فوجدت غبها، وذلك أني نسيت القرآن بعد أربعين سنة!
وقيل: لما مات أبو عبد الله بن الجلاء، نظروا إليه وهو يضحك، فقال الطبيب: إنه حي!. ثم نظر إلى مجسته، فقال: إنه ميت. ثم كشف عن وجهه، فقال: لا أدري أهو ميت أم حي؟!! حتى دخل عليه بعض اخوانه فغسله، وكان في داخل جلده عرق على شكل كتابة ﴿الله﴾.
ومنهم:
[٣٢] أَبُو عَبْدِ الله، مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ البَلْخِيُّ (١)
أعلقته مصايد الأيام فأفلت أشراكها، ورأى الراحة في تجنب الأيام فطلب
стр. 2462
إدراكها، فلم يسكن إلى سكن، ولا تقيد بموضع سكن، وكانت الأفلاك له مكان الاستقلال، فجانب الدنيا فلم يرمقها إلا شزرا، ولم يرم منها إلا نزرا، وألقى أثقالها تخفيفًا لمحمله، وتخليصًا له عند عرض عمله، فخلَّصها مما كادها، وخفف عنها [ما] مادها، ولم يزل على قدم ما سالها، وحول ديم ما يفارق أوشالها، إلى أن دعاه الداعي، وأصم به الناعي.
أصله من «بلخ»، لكنه أخرج منه بسبب المذهب، فرحل إلى سمرقند، واستوطنها، ومات بها سنة تسع عشرة وثلاثمائة. صحب أحمد بن خضرويه وغيره من المشايخ.
وكان من كبار مشايخ خراسان وجلتهم، ولم يكن أبو عثمان يميل إلى أحد من المشايخ ميله إليه.
وكان يقول: لو وجدت في نفسي قوة لرحلت إلى أخي محمد بن الفضل، فأستروح سري برؤيته.
وكان أبو عثمان يقول: محمد بن الفضل سمسار الرجال.
ومن كلامه: «أعرف الناس بالله أشدهم مجاهدة في أوامره، وأتبعهم لسنة نبيه ﷺ ».
وقال: «العلم حرز، والجهل غَرَر، والصديق مؤنة، والعدوّ هم، والصلة بقاء، والقطيعة مصيبة، والصبر قوة والجرأة عجز والكذب ضعف، والصدق قوة، والمعرفة صداقة، والعقل تجربة».
وقال: «ست خصال يعرف بها الجاهل: الغضب في غير شيء، والكلام في غير نفع، والعطية في غير موضعها، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد، وألا يعرف صديقه من عدوه».
стр. 2463
وقال: «خطأ العالم أضر من عمد الجاهل».
وقال: «من ذاق حلاوة العلم لا يصبر عنه».
وقال: «من ذاق حلاوة المعاملة أنس بها».
وقال: «من عرف الله تعالى اكتفى به، بعد قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
وقال: «العلوم ثلاثة: علم بالله، وعلم من الله، وعلم مع الله: فالعلم بالله: معرفة صفاته ونعوته. والعلم من الله: علم الظاهر والباطن، والحلال والحرام، والأمر/ ٦٥/ والنهي في الأحكام. والعلم مع الله: علم الخوف والرجاء، والمحبة والشوق».
وقال: «ثمرة الشكر: الحب الله تعالى، والخوف منه».
وقال: «ذكر اللسان: كفارات ودرجات؛ وذكر القلب: زُلَفٌ وقُرُبات».
وقال: «من استوى عنده ما دون الله، نال المعرفة بالله تعالى».
وقال: «الفتوة: حفظ السر مع الله على الموافقة، وحفظ الظاهر مع الخلق بحسن العشرة، واستعمال الخُلق».
وقال: «الزهد: النظر إلى الدنيا بعين النقص، والإعراض عنها تعززًا وتظرُّفًا، فمن استحسن من الدنيا شيئًا فقد نبه على قدرها».
وقال: «علامة الشقاوة ثلاثة أشياء: يرزق العلم ويحرم العمل، ويرزق العمل، ويحرم الإخلاص، ويرزق صحبة الصالحين ولا يحترمهم».
وقال: «إيثار الزهاد عند الاستغناء، وإيثار الفتيان عند الحاجة، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢).
وقال: «المحبة: سقوط كل محبة من القلب إلا محبة الحبيب».
وروي أنه لما نفى أهل بلخ محمد بن الفضل من البلد، دعا عليهم وقال: «اللهم امنعهم الصدق»، فلم يخرج من بلخ بعده صديق.
وقال: عجبت لمن يقطع البوادي والمفاوز حتى يصل إلى بيته وحرمه، فيرى آثار النبوة، كيف لا يقطع نفسه وهواه، ليصل إلى قلبه فيرى آثار ربه !».
قال: فمات أربع نفر ممن سمعوا كلامه هذا. وأنشد في هذا المعنى: [من الكامل]
стр. 2464
ومِنَ البَلاءِ وللبلَاءِ عَلامَةٌ … ألا يُرَى لَكَ عَنْ هَوَاكَ نُزُوعُ
العبدُ عبدُ النفسِ في شهواتها … والحُرُّ يشبع تارة ويجوع
ومنهم:
[٣٣] أَبُو عَمرو الدِّمَشْقِي (١)
أحد مشايخ الشام، بل واحدها. زاهد كره الدنيا ولجاجها، وضاقت عليه على سعة فجاجها بطل من أبطال الرجال، ورجل يكشف له الحجاب والحجال، صدق في مقاله، فأسمع، وسبق في مجاله، فلم يكن في اللحاق به مَطْمَع، وكان ذا قدم يقوم عليها الليل، وكرم لا تحمل النجوم منه إلا غثاء السيل، وفضل يعرف منه في لحن القول إذا قال، وفي أثناء الطول وكم استطال، ومد معه ذيل الفجر فما طال، إلى تحقيق للتحقيق، وطريق أهل الطريق، وعلم كان منه ناهلًا، وعلم أن الله لم يتخذ وليًا جاهلًا.
صحب أبا عبد الله الجلاء، وأصحاب ذي النون المصري. وهو من أفتى المشايخ. رد على من تكلم في تقدم الأرواح والشواهد.
مات سنة عشرين وثلاثمائة.
قال ﵁: «كما فرض الله على الأنبياء ﵈ إظهار الآيات والمعجزات، كذلك فرض على الأولياء كتمان الكرامات، حتى لا يفتتن الخلق بها».
وقال: «خواص خصال العارفين أربعة أشياء: السياسة، والرياضة، والحراسة، والرعاية، فالسياسة، والرياضة: ظاهران والرعاية والحراسة باطنان. فبالسياسة يصل العبد إلى التطهير. وبالرياضة: يصل إلى التحقيق والسياسة: حفظ النفس، ومعرفتها. الرياضة: مخالفة النفس ومعاداتها. الحراسة: معاينة بر الله في الضمائر، والرعاية مراعاة حقوق المولى بالسرائر. وميراث السياسة: القيام على الوفاء بالعبودية. وميراث الرياضة: الرضا عن الحكم. وميراث الحراسة: الصفوة والمشاهدة، وميراث الرعاية: المحبة والهيبة. ثم الوفاء متصل بالصفاء، والرضا متصل بالمحبة،
стр. 2465
عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَه، … وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَه».
وقال: «التصوف: رؤية الكون بعين النقص، بل غض الطرف عن كل ناقص، ليشاهد من هو منزه عن كل نقص».
وقال: «حقيقة الخوف ألا تخاف مع الله أحدًا، والخائف الذي يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان».
وقال: «الرضا ارتفاع الجزع في أي حكم كان».
ومنهم:
[٣٤] أَبُو عَلَيَّ الرُّوذَبَارِيُّ (١)
واسمه أحمد بن محمد بن القاسم بن منصور [ابن شهريار بن مُهرذاذاز بن فُرْغُدُدَ بن كسرى].
وهو من أهل بغداد، أحيا طريقة السلف وأنعشها، وأرعد الفرائص هيبة وأرعشها، وكان يقابل منه ليث عرين، وغيث دنيا ودين، لا يقتحم عليه غاب، ولا يؤمن له رقيب حضر أو غاب، إلى دماثة خلق، وأمانة ذكر له في طرق. هذا وقد أطرح نفسه لمن يلومها، وتركها على غاية يرومها، فألحف كل طريد فضل ظله، وآوى كل شريد من محل محله، فكان عالا، وكان فوق حمام الصالح جاهًا ومالا، ولم يعدم مستجير به احتماءه واحتماله. وهو من أهل بغداد، سكن مصر، وكان شيخها، وبها مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
صحب الجنيد، والنوري وأبا حمزة البغدادي، وحسنًا المسوحي، ومن في طبقتهم من مشايخ بغداد، وصحب بالشام عبد الله بن الجلاء. وكان عالمًا، فقيهًا،
стр. 2466
حافظًا للأحاديث، ظريفًا، عارفًا بالطريقة وكان يفتخر بمشايخه ويقول: «شيخي في التصوف: الجنيد، وفي الفقه: أبو العباس بن سريج، وأستاذي في الأدب: ثعلب، وأستاذي في الحديث: إبراهيم الحربي».
وسئل عن الإشارة؟. فقال: «الإشارة: الإبانة عما يتضمنه الوَجْدُ من المشار إليه، لا غير. وفي الحقيقة، إن الإشارة تصحبها العِلل، والعِلل بعيدة من عين الحقائق».
وسئل عن التصوف؟. فقال: «هذا مذهب كله جد، فلا تخلطوه بشيء من الهزل».
وقال: «لا رضا لمن لا يصبر؛ ولا كمال لمن لا يشكر؛ وبالله وصل العارفون إلى محبته، وشكروه على نعمته».
وقال: «لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد، لما بقي محب إلا مات».
وسئل عن التوبة؟. فقال: «الاعتراف، والندم، والإقلاع». وأنشد لنفسه: [من الكامل]
رُوحِي إليك بكلها قد أجمعت … لو أنَّ فيك هلاكها ما أقلعت
تبكي إليك بكلّها عَنْ كلّها … حتى يقال: مِنَ البكاء تقطعت
فانظر إليها نظرةً بتعطفٍ … فلطالما متعتها فتمتَّعتْ
وقال: «من رزق ثلاثة أشياء، فقد سلم من الآفات: بطن جائع مع قلب قانع، وفقر دائم مع زهد حاضر، وصبر كامل مع قناعة دائمة».
وقال: «في اكتساب الدنيا مذلَّةٌ للنفوس، وفي اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبًا لمن يختار المذلة في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى!».
وقال: «إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام: أنا جائع!، فألزموه السوق، ومروه بالكسب».
وقال: «كان أربعة في زمانهم: واحد: لا يقبل من الإخوان، ولا من السلطان، وهو: يوسف بن أسباط؛ ورث سبعين ألف درهم فما أخذ منها شيئًا، وكان يعمل الخوص بيده. والثاني: كان يقبل من الإخوان والسلطان جميعًا، وهو: أبو إسحاق الفزاري؛ فكان ما يأخذه من الإخوان ينفقه في المستورين الذين لا يتحركون، والذي يأخذه من السلطان يخرجه إلى أهل طرسوس. والثالث: كان يقبل من الإخوان، ولا يقبل من السلطان، وهو: عبد الله بن المبارك. والرابع: كان يقبل من السلطان ولا يأخذ من الإخوان، وهو: مخلد بن الحسين، وكان يقول: السلطان لا يمن، والإخوان يمنون!».
стр. 2467
وقالت فاطمة أخت أبي علي الروذباري: «لما قربت وفاة أخي كانت رأسه في حجري، ففتح عينيه، وقال: «هذه أبواب السماء قد فتحت، وهذه الجنان قد زُيِّنَتْ، وهذا قائل يقول: يا أبا علي! قد بلغناك الرتبة القصوى وإن لم تسألها، وأعطيناك درجة الأكابر وإن لم تردها»، ثم أنشأ يقول: [من الوافر]
وحَقِّكَ لا نَظرتُ إلى سواكا … بعين مَودَّةٍ حتى أراكا
أراكَ مُعذِّبي بفتوُرِ لَحظِ … وبالخَدِّ الموردِ مِنْ حَياكا
ثم قال لي: «يا فاطمة! الأول ظاهر، والثاني إشكال».
وروي أن جماعة تذاكروا شيئًا في القناعة عند أبي بكر الكتاني، وأبو علي الروذباري حاضر، فأنشأ أبو علي يقول: [من البسيط]
حد القناعة محو الكُلِّ منك إذا … لاحَ المَزيد بحد عندَ مُطَّلِع
فإن تحقَّقَ صَفْرُ الوُدٌ مُشتملًا … على الإشارات لم يلو على طمع
وقال: «التفكر على أربعة أوجه: ففكرة في آيات الله تعالى؛ وعلامتها: تولد المحبة في الله منها. وفكرة في الوعد بثواب الله تعالى؛ وعلامتها: تولد الرغبة فيه. وفكرة في وعيد الله في العذاب وعلامتها: تولد الهيبة من الله تعالى. وفكرة في جفاء النفس مع إحسان الله تعالى؛ وعلامتها: تولد الحياء من الله تعالى. وأنشد: [من الطويل]
تشاغلتم عني فكُلِّي أفكّر … لأنكمُ مِنِّي بما بيَ أَخْبَرُ
فإن شئتم وصلي فذاك أريدُهُ … وإِن شئتم هجري فذلك أوثرُ
فلست أرى إلا بحال يسركم … بذلك أزهو ما حييتُ وأفخَرُ
ومنهم:
[٣٥] أَبُو بَكرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بنِ جَعْفَرَ الكَتَّانِيُّ (١)
مَلَكُ في زي بشر، وفلك لا ينكر نجومه ذو بصر، فرد رأى الدنيا تشيح عارضها،
стр. 2468
وتمد بأرضها، وسحبها محلولة الخيوط، وبروقها موصولة الخطوط، فخاف أن يصير القطر سيلا، والفجر ليلا، فحل بذورة لا يبلغ مرقاها، ولا يصل إليها المقصر إذا انبعث أشقاها، فسلم دينه وأوتي كتابه بيمينه، وحق له الإعتاب، وغلبه المتاب، وسُرَّ بعمله وقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ (١).
أصله من بغداد. صحب الجنيد والنوري، وأبا سعيد الخراز. أقام بمكة، وجاور بها إلى أن مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
وكان أحد الأئمة المشار إليهم في علوم الطريقة، وكان المرتعش يقول: «الكتاني سراج الحرم».
ومن كلامه: - «إن الله تعالى ريحًا تسمى الصبيحة، مخزونة تحت العرش، تهب عند الأسحار، تحمل الأنين والاستغفار، إلى عند الملك الجبار».
وقال: «إذا سألت الله التوفيق، فابتدئ بالعمل».
وروي: إنه نظر إلى شيخ كبير أبيض الرأس واللحية، يسأل الناس، فقال: «هذا رجل أضاع أمر الله في صغره، فضيعه الله في كبره».
وقال: «الشهوة زمام الشيطان؛ فمن أخذ بزمامه كان عبده».
وقال: «الغافلون يعيشون في حلم الله، والذاكرون يعيشون في رحمة الله، والصادقون يعيشون في قرب الله».
وقال: «من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة أشياء نومه غلبة؛ وأكله فاقة؛ وكلامه ضرورة».
وقال: «لولا أن ذكره فرض عليّ ما ذكرته، إجلالًا له؛ مثلي يذكره، ولم يغسل فاه بألف توبة متقبلة عند ذكره؟!».
وأنشد - في المعنى: [من البسيط]
ما إن ذكرتُكَ إلا هم يغلبني … قَلْبي وسري وروحي عند ذكراكا
стр. 2469
حتى كأن رقيبًا منك يهتف بي: .. إياك ويحك والتذكار إياكا!
وقال: «كنت في طريق، في وسط السنة، فإذا أنا بهميان ملآن يلمع دنانير، فهممت أن أحمله لأفرقه بمكة على الفقراء، فهتف بي هاتف: إن أخذته سلبناك فقرك!. قال: فتركته».
وقال: رأيت في الشام شابًا لم أر أحسن منه، قلت: من أنت؟ قال: أنا التقوى. قلت: فأين تسكن؟. قال: في كل قلب حزين. قال: ثم التفت فإذا امرأة سوداء، كأوحش ما يكون. فقلت: من أنتِ؟ فقالت الضحك!. قلت: فأين تسكنين؟. قالت: في كل قلب فَرِح مَرِح. قال: فانتبهت واعتقدت أن لا أضحك إلا غلبة.
وقال: «العبادة اثنان وسبعون بابًا؛ أحد وسبعون منها في الحياء، واحد في أنواع البر».
وقال: «وجدنا دين الله مبنيًا على ثلاثة أركان: الحق والعدل، والصدق. فالحق على الجوارح، والعدل على القلوب، والصدق على العقول».
وحكى عن نفسه أنه بقي عشرة أيام لم يأكل شيئًا، فشكا إلى بعض إخوانه الجوع. قال: ثم مررت ببعض الأزقة، فنظرت إلى درهم مطروح، عليه مكتوب: أما كان الله تعالى بجوعك عالمًا حتى قلت: إني جائع؟.
ومنهم:
[٣٦] أَبُو إِسْحَاقَ، إبراهيم بن داودَ القَصَّارُ الرقي (١)
من كبار مشايخ الشام. قنع بقليل المعاش، ومات فقيل: عاش، ولم يرد من الدنيا رياشًا، ولم يرد سكنًا منها ولا رشاشا، فحمل على النفس ضيمها، وترك لأهوائها تقشعها وغيمها، فلم يمدّ إليها يدا، ولا عدَّ فيها أصدقاء ولا عدا، وكان يقطع الأيام مراحل، ويقذف بحر الليل ليقف على الساحل، يطلب بعنته طلاب الصائد، ويجعل تحت كل بر شركًا للمصايد، فلم يقبل معتذرًا، ولا يقبل إلا حذرا. وكان من
стр. 2470
أقران الجنيد، وابن الجلاء، إلا أنه عُمر طويلًا، وصحبه أكثر مشايخ الشام، وكان لازمًا للفقر، مجردًا فيه، محبًا لأهله.
ومات سنة ست وعشرين وثلاثمائة.
ومن كلامه: «قيمة كل إنسان بقدر هِمَّته، فإن كانت همَّتُه الدنيا، فلا قيمة له، وإن كانت همته رضاء الله تعالى، فلا يمكن استدراك غاية قيمته، ولا الوقوف عليها».
وقيل له: «هل يبدي المحبُّ حبَّه؟ أو هل ينطق به؟، أو يطيق كتمانه؟. فأنشأ يقول متمثلًا: [من الطويل]
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم … بكتمان عين دمعها - الدهرَ - يَذْرِفُ
حملتم جبال الحب فوقي وإنني … لأعجزُ عَنْ حمل القميص وأضعُفُ
وقال: «الراضي لا يسأل. وليس من شرط الرضا المبالغة في الدعاء».
وقال: «حسبك من الدنيا شيئان: صحبة فقير، وحرمة ولي».
وقال: «من اكتفى بغير الكافي افتقر من حيث استغنى».
وقال: «كفايات الفقراء هي التوكل، وكفايات الأغنياء الاستناد إلى الأملاك».
وقال: «من تعزز بشيء غير الله، فقد ذلّ في عزّه».
وقال: «الأولياء مرتبطون بالكرامات والدرجات، والأنبياء مكشوف لهم عن حقائق الحق؛ فالكرامات والدرجات عندهم وحشة».
وقال: «الأنبياء ينبسطون على بساط الأنس، والأولياء على درجات الكرامة».
وقال إبراهيم بن المواز: دخلت يومًا على إبراهيم القصار، فقال: ادع لي فلانًا القوّال - صبيًا كان بالرقة - فدعوته له، فقال له: أعد الأبيات التي كنت تغنيها بالأمس، فأخذ الصبي يغني: [من الطويل]
إذا كنت تجفوني وأنتَ ذخيرتي … وموضع شكواي فما أنا صانع
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا … لي الليلُ هَزّتني إليكَ المَضاجِعُ
وأمضي نهاري بالحديث وبالمنى … ويجمعني والليل وللهم جامع
قال: فأخذ الشيخ يبكي ويصيح ويقول: واشوقاه … ! إلى من هذا وصفه، وإلى زمان كشف لنا عن بوادي هذه الأحوال.
ومنهم:
стр. 2471
[٣٧] أَبو بكر الشَّبْلي (١)
واسمه: دُلَف بنُ جَحْدَر. وقيل: ابن جعفر. وقيل: جعفر بن يونس. رجل كانت به الأيام هزة، وللأنام عزّة، وللدنيا نضارة، وللنعمى غضارة، وسم الليالي وهي بهيمة، ونسم على رياض الدنو وهي نسيمة، فحلّ بها حيث لا يدنو المحال، فجاب السماء وعيوقها، وجاز زرع السنبلة وسوقها، وكان مَلَكًا في زي بشر، وواحدًا إلا أنه ثاني النجم وثالث الشمس والقمر، فلما فقد عزّ عزاؤه، ووقد ضرام الأحشاء وقلّ جزاؤه، فذهب بالأجور، ومضى وكل الناس فيه مأجور، ولم نر منذ زمان أكثر من يوم موته باكيا، وباقيًا لو فدي باليا.
أصله: من أسروشنة ومولده: سُرَّ من رأى. وقيل: إنه خراساني الأصل، بغدادي المولد والمنشأ. تاب في مجلس خير النساج. وصحب أبا القاسم الجنيد، ومن في عصره من المشايخ، وصار أوحد الوقت علمًا، وحالًا، وظرفًا. وكان فقيهًا، عالمًا، على مذهب مالك، وكتب الحديث الكثير [ورواه]. وعاش سبعة وثمانين سنة، ومات في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودفن بمقبرة الخيزران ببغداد.
وروي أنه لما تاب في مجلس خير النساج أتى نهاوند، وقال: كنت والي بلدكم، فاجعلوني في حِلٌّ! .. ومجاهداته في بدايته فوق الحد، ومن جملة ذلك: إنه اكتحل بكذا وكذا ملح ليعتاد السهر، ولا يأخذه النوم. قال: فلما زاد الأمر حميت الميل فاكتحلت به.
стр. 2472
وقال الشبلي: اطلع الحقُّ عليّ فقال: «من نام غفل، ومن غفل حجب».
وأنشد: [من الخفيف]
عَجَبًا للمُحب كيف ينام … كلُّ نوم على المُحب حرام
وقيل له: متى يكون الرجل مريدًا؟ فقال: «إذا استوت حالته في السفر والحضر، والمشهد والمغيب».
وقال عبد الله بن محمد الدمشقي: كنت يومًا واقفًا على حلقه الشبلي، فجعل يبكي ولا يتكلم؛ فقال رجل: يا أبا بكر! ما هذا البكاء كله؟!. فأنشأ يقول (١): [من الوافر]
إذا عاتبته، أو عاتبوه … شكافِعْلي، وعدد سيئاتي
أيا مَنْ دَهرُهُ غَضَبٌ وسُخْطٌ … أَمَا أحسنت يومًا في حياتي؟!
وقال بعض أصحابه: «رأيت الشبلي في المنام، فقلت له: يا أبا بكر! من أسعد أصحابك بصحبتك؟. فقال: أعظمهم لحرمات الله، وألهجهم بذكر الله، وأقومهم بحق الله، وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله، وأعرفهم بنقصان نفسه، وأكثرهم تعظيمًا لما عظم الله من حرمة عباده». وقال له رجل: ادع لي. فأنشأ يقول (٢): [من الطويل]
مَضَى زمن والناس يستشفعون بي … فهل لي إلى ليلى الغَدَاةَ شَفيع
وروي أن الجنيد قال له يومًا: لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت. فقال الشبلي: «يا أبا القاسم! لو رد الله تعالى أمرك إليك لاسترحت». فقال الجنيد: «سيوف الشبلي تقطر دما».
وقال: «سهو طرفة عين عن الله - تعالى - لأهل المعرفة - شرك بالله تعالى».
وقال الشبلي: «ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق، وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته».
وكان يقول في مناجاته: «أحبك الخلق لنعمائك، وأنا أحبك لبلائك». وقال عبد الله بن محمد الدمشقي: كنت واقفًا على حلقة الشبلي في جامع المدينة، فوقف سائل على حلقته، وجعل يقول: يا الله يا جواد، فتأوه الشبلي وصاح، وقال كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود؟، ومخلوق يقول في شكله: [من الطويل]
تعود بسط الكف حتَّى لوَأَنَّهُ … ثناها لقبض لم تُجبه أناملة
стр. 2473
تراه - إذا ما جئتَهُ - مُتهللًا … كَأَنَّكَ تُعطيه الذي أنت سائلة
ولو لم يكن في كفِّهِ غَيرُ رُوحِهِ … لجادَ بها فليتق الله سائلة
هو البحر من أي النواحي أتيتَهُ … فلجَّتُهُ المعروف والجُودُ ساحله
ثم بكى، وقال: بلي!! يا جواد. فإنك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، ثم مننت - بعد ذلك - على أقوام بعزّ الاستغناء عنهم، وعما في أيديهم بك؛ فإنك الجواد كل الجواد؛ لأنهم يعطون عن محدود، وعطاؤك لا حد له ولا صفة. فيا جواد يعلو كل جواد، وبه جاد كل من جاد.
وقال بعضهم: كنا يومًا في بيت الشبلي، فأخر العصر، ونظر إلى الشمس، وقد تدلَّت للغروب، فقال: الصلاة يا سادتي. وقام فصلى، ثم أنشأ يقول ملاعبة، وهو يضحك: ما أحسن قول من قال: [من الوافر]
نَسيتُ اليومَ مِنْ عِشقي صلاتي … فلا أدري عشائي من غدائي
فذكرك سيدي أكلي وشُربي … ووجهكَ إنْ رأيتُ شِفاء دائي
وقال له رجلٌ: إلى ماذا تستريح قلوب المشتاقين؟. قال: إلى سرور من اشتاقوا إليه، وموافقته». وأنشد (١): [من الوافر]
أُسَرُّ بمهلكي فيهِ، لأنّي … أُسَرُّ بما يَسُرُّ الإلف جِدًّا
ولو سئلت عظامي عَنْ بِلاها … لأنكرتِ البلى، وسمعتُ جَحدا
ولو أخرجتُ مِنْ سُقمي لنادى … لهيب الشوق بي يسألهُ رَدًّا
وقال عبد الله البصري: سئل الشبلي وأنا حاضر إلى ماذا تحنُّ قلوب أهل المعارف؟. فقال: «إلى بدايات ما جرى لهم في الغيب من حسن العناية في الحضرة بغيبتهم عنها». وأنشأ يقول: [من الكامل]
سقيًا لمعهدك الذي لو لم يكن … ما كان قلبي للصبابة معهدا
وقيل للشبلي: لم تصفر الشمس عند الغروب؟ فقال: «لأنها عزلت عن مكان التمام، فاصفرت لخوف المقام، وهكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه؛ لأنه يخاف المقام، فإذا طلعت الشمس، طلعت مضيئة، وكذلك المؤمن إذا بعث من قبره خرج ووجهه يشرق». وقال: «أليس الله تعالى يقول: (أنا جليس من ذكرني)؟. فما الذي استفدتم من مجالسة الحق؟». وأنشد (٢): [من الطويل]
стр. 2474
ذكرتُكَ لا أني نسيتُكَ لمحةً … وأَيسر ما في الذِّكْرِ ذِكرُ لساني
وكنتُ بلا وَجْدٍ أموتُ مِنَ الهوى … وهامَ عليَّ القلب بالخفقان
فلما أراني الوَجْدُ أنك حاضري … شهدتكَ موجودًا بكل مكان
فخاطبت موجودًا بغير تكلُّمِ … ولاحظت معلومًا بغير عيانٍ
وقال: «أدنى علامات الفقير: لو كانت الدنيا بأسرها لواحد فأنفقها في يوم واحد، ثم خطر بباله أن يمسك منها قوت يوم، ما صدق في فقره!».
وقال له أبو علي المغازلي: ربما يطرق سمعي آية من كتاب الله تعالى، فتحدوني على ترك الأشياء، والإعراض عن الدنيا، ثم أرجع إلى أحوالي وإلى الناس، [ثم لا أبقى على هذا ولا على هذا، وأرجع إلى الوطن الأول مما كنت عليه من سماعي القرآن]. فقال الشبلي: «ما [طرق سمعك من القرآن] فاجتذبك الله إليه فهو عطف منه عليك ولطف، وما رددت على نفسك، فهو شفقة منه عليك؛ لأنه لم يصح لك التبري عن الحول والقوة في التوجه إليه».
وقال أحمد بن مقاتل: كنت مع الشبلي في مسجد ليلة من رمضان، وهو يصلي خلف الإمام، فقرأ الإمام: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (١) فزعق زعقة، قلت: طارت روحه، وهو يرتعد، ويقول: بمثل هذا خاطب الأحباب يردد ذلك كثيرًا.
وروي أنه سمع قائلًا يقول: «الخيار عشرة بدانق» فصاح وقال: إذا كان الخيار كل عشرة بدانق، فكيف الشرار؟!.
وسمع القوال يقول شيئًا، فصاح وتواجد، فقيل له: يا أبا بكر! مالك من بين الجماعة؟. فقام وتواجد، وقال (٢): [من البسيط]
لي سكرتان وللندمانِ واحدةٌ … شيءٌ خُصِصْتَ بهِ مِنْ بينهم وحدي
وحكي أن فقيهًا من أكابر الفقهاء يكنى بأبي عمران، كانت حلقته بجنب حلقة الشبلي في جامع المنصور، وكان كلام الشبلي يعطل على ابن عمران وأصحابه كلامهم، فسأله أصحابه يومًا عن مسألة في الحيض، وقصدوا إخجاله؟. فأجاب الشبلي عنها، وذكر مقالات الناس في تلك المسألة، والخلاف فيها. فقام أبو عمران وقبل رأسه، وقال: يا أبا بكر! قد استفدت في هذه المسألة عشر مقالات لم أسمعها، وكان
стр. 2475
عندي من جملة ما قلت ثلاث أقاويل!.
وقال إبراهيم الحداد: «كنت يومًا عند الشبلي جالسًا وقد انصرف أكثر الناس عنه، وبقي حوله جماعة، فسألوه أن يدعو؟. فسكت ساعةً ثم قال: «اللهم اضربهم بسياط الخوف، واقتلهم بأزمة الشوق، وافنهم عن مؤالفات الرسوم، وأغنهم عن ملاحظات الفهوم. اغفر لهم إن انصرفوا عنك، ووفقهم إن أقبلوا عليك، خرب منازل فنائهم، واعمر منازل بقائهم، وكن لهم كما لم تزل اشغل اللهم الكل بمفارقة الكل». ثم أنشأ يقول (١): [من البسيط]
الناس كلهم بالعيدِ قَدْ فَرحوا … وما فَرِحْتُ بهِ، والواحد الصَّمَد
لما تثبت أني لا أعاتبكُمْ … غَضَضْتُ طَرفي فلم أنظر إلى أحد
ثم قال: «إلهي طموح الآمال قد خابت إلا لديك، وعكوف الهمم قد تعطلت إلا عليك، ومذاهب المعارف قد قصرت إلا إليك». وكان ابن بشار نهى الناس عن الذهاب إلى الشبلي والاستماع من كلامه، فلقيه يومًا، فجعل الشبلي يكلمه وابن بشار يقول: كم من خمس من الإبل؟ فلما أكثر، قال له الشبلي في واجب الشرع شاة، وفيما يلزمنا: كلُّها. فقال ابن بشار: لك بهذا القول إمام؟. قال: نعم، أبو بكر الصديق ﵁، حيث أخرج ماله كله، وقال له النبي ﷺ : ما خلفت لعيالك؟. قال: الله ورسوله. فذهب ابن بشار ولم ينه عن مجلسه بعد ذلك.
وسئل الشبلي عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢)؟. فقال: أبصار الرؤوس: عما حرَّم الله وأبصار القلوب: عما سوى الله ». وقال الشبلي: «كنت يومًا جالسًا، فجرى بخاطري أني بخيل، فقلت: أنا بخيل!. فقاومني خاطري، وقال: بلى إنك بخيل. فقلت: مهما فتح علي اليوم، لأدفعنه إلى أول فقير يلقاني!». قال: فبينا أنا أتفكر إذ دخل علي صاحب لمؤنس الخادم، ومعه خمسون دينارًا، فقال: اجعل هذه في مصالحك. فأخذتها وخرجت. وإذا بفقير مكفوف بين يدي مزين، يحلق رأسه، فتقدمت إليه، وناولته الصرة، فقال لي: أعطها للمزين. فقلت: «إنها دنانير!». فقال: «أو ليس قد قلنا إنك بخيل؟!» فناولتها للمزين، فقال: «من عادتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجرًا! قال: فرميتها في دجلة، وقلت: ما أعزك أحد إلا أذله الله».
وقال أبو محمد الحريري: مكثت عند الشبلي الليلة التي مات فيها، فكان ينشد
стр. 2476
طول ليلته هذه الأبيات: [من المديد]
كل بيت أنتَ ساكنه … غيرُ مُحتاج إلى السرج
وجهك المأمول حُجَّتُنا … يومَ يأتي الناس بالحجج
لا أتاح الله لي فَرَجًا … يومَ أدعو منكَ بالفَرَج
ورآه بعض الصالحين بعد موته، فقال: «ما فعل الله بك؟» فقال: «لم يطالبني بالبراهين على الدعاوى إلا على شيء واحد، وذاك أني قلت يومًا: لا خسارة أعظم من خسارة الجنة ودخول النار. فقال لي: وأي خسارة أعظم من خسران لقائي؟».
ورآه آخر في النوم فقال: «ما فعل الله بك؟» فقال: «ناقشني حتى أيست، فلما رأى إياسي تغمدني برحمته».
ومنهم:
[٣٨] أَبو بكر الدقي وهو: محمد بن داود الدينوري (١)
أشرق كالصباح مبهجا، وطرق الفلاح منهجا، فلم يبعد به الوصول، ولم يعد إلا مخضب حكم وتصرف، وحتم على من تعزز وتشرّف. هذا والخوف ملأ جوانحه، وملك جوارحه، ليلة أودعها حتى خلًا كل لياليه إنَّه حالية الترائب، وكل أيامه من ذهب سنابل ولجين ذائب، إذ ترك ذلك زهدًا للأيام، وكرما يبخل به اللئام.
أقام بالشام، وكان من أقران أبي علي الروذباري، إلا عُمر زيادة على مائة سنة.
صحب أبا عبد الله بن الجلاء، وأبا بكر الزقاق الكبير، وأبا بكر المصري، غير أنه كان ينتمي إلى ابن الجلاء. وكان من أجل مشايخ وقته، وأقدمهم صحبة للمشايخ.
توفي بعد الخمسين وثلاثمائة.
سئل عن الفرق بين الفقر والتصوف؟. فقال: «الفقر حال من أحوال التصوف». فقيل له: ما علامة الصوفي؟ فقال: «أن يكون مشغولًا بكل ما هو أولى به من غيره، ويكون معصومًا عن المذمومات».
стр. 2477
وقال: «علامة القرب: الانقطاع عن كل شيء سوى الله تعالى».
وقال: «من عرف ربه لم ينقطع رجاؤه. ومن عرف نفسه لم يعجب بعمله، ومن عرف الله لجأ إليه. ومن نسي الله لجأ إلى المخلوقين والمؤمن لا يسهو حتى يغفل، فإذا تفكر حزن واستغفر».
وقال: «كنت بالبادية، فوافيت قبيلة من قبائل العرب، فأضافني رجل منهم، فرأيت غلامًا أسود، مقيدًا هناك، ورأيت جمالًا ميتة بفناء البيت. فقال الغلام: «أنت الليلة ضيف، وأنت على مولاي كريم، فتشفّع لي فإنه لا يردُّك!». فقلت لصاحب البيت: «لا آكل حتى تحلَّ هذا العبد». فقال: «هذا الغلام قد أفقرني، وأتلف مالي!». فقلت: «ما فعل!». فقال: «له صوت طيب وكنت أعيش من ظهر هذه الجمال، فحملها أحمالًا ثقيلة، وحدا لها، حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في يوم، فلما حط عنها ماتت كلها!». ولكن قد وهبته لك. وأمر بالغلام فحُلَّ عنه القيد. فلما أصبحنا أحببت أن أسمع صوته، فسألته عن ذلك؟ فأمر الغلام أن يحدوا على جمل كان على بئر هناك، يسقي عليه، فحدا، فهام الجمل على وجهه، وقطع حباله، ولا أظن أني سمعت صوتًا أطيب منه، ووقعت لوجهي حتى أشار عليه بالسكوت». وأنشدوا في هذا المعنى: [من الكامل]
إِنْ كُنْتَ تُنكر أن للـ … أصوات فائدة ونفعا
فانظر إلى الإبل اللوا … تِ هُنَّ أغلظ منك طبعا
تُصغي إلى حدوِ الحُدا … ةِ فتقطع الفلوات قطعا
وقال: «خرجت إلى مصر، فلما دخلتها قلت: أسلم على الدقاق، فقصدته وسلمت عليه، فقال: من أين جئت يا أبا بكر!؟. قلت: من أيلة. فقال: إلى الرملة؟. قلت: لا يا سيدي إلى القلزم، وإليكم. فقال: جزت ذلك الطريق، خذ مني حكاية: أقمت فيه ثمانية عشر يومًا تائهًا ما وجدت فيه شيئًا أرتفق به، فلما كان بعد المدة، إذا أنا بسلطان قد ولي مصر يريد أيلة، فرأوا شخصي من بعيد، فأرسلوا فارسًا يحملني إليه، فلما رأيت جمالًا ورفقة طمعت نفسي، فلما تبينت أنهم جند أيست أن لي فيهم فرجا. قال الشيخ: وما شيء من الطاعات الله تعالى إلا وهذا اليأس في هذا الوقت أحسن منه فقال الوالي: هذا رجل تائه، قدموا إليه السفرة». فقلت: «ليس إلى ذلك سبيل». فقال: ويحك أنت على حال التلف. فقلت: «إن بيعتنا مع الله تعالى بمحل هذا لا نرضى رحلكم في المدن ولا لكم نرضاه وذلك أن العلم يلزمنا، ولو كنا في شدة. ففقه الأمير عني ما قلت؛ فبكى وقال: سألتك بالله إلا ما شربت الماء؛ فإنه من النيل،
стр. 2478
فناولني دلوه، فشربت منها شربة، وبقيت عليها إلى مصر!». رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٣٩] أبو عمرو، إسماعيل بنُ نُجَيد بن أَحمدَ بنِ يُوسُفَ بنِ سَالِمِ بنِ خالد السُّلَمِيُّ (١)
سحاب عمت به الرحمة، وعظمت به في الصدور الحرمة، رد على الشيطان غروره، وردي بالحرمان إفكه، وزوره، وطالما أراد اختلاسه فتستر له بأذيال النسيان، وكاد أن يجري منه مجرى الدم من الإنسان، إلا أنه سكّن سورته وقمعها، وسكت أسرته وقلعها، فخاب لديه، وخار ولم يصل إليه.
صحب أبا عثمان الحيري، وكان من كبار أصحابه؛ ولقي الجنيد. وكان من أكبر مشايخ وقته. له طريقة ينفرد بها: من تلبيس الحال، وصون الوقت. وهو آخر من مات من أصحاب أبي عثمان في سنة ست وستين وثلاثمائة وسمع الحديث ورواه، وكان ثقة.
ومن كلامه: «كل حال لا يكون عن نتيجة علم؛ فإن ضرره على صاحبه أكثر من نفعه».
وقال: «المتوكل الذي يرضى بحكم الله فيه».
وقال: «من أراد أن يعرف قدر معرفته بالله تعالى، فلينظر قدر هيبته له، في وقت خدمته له».
وقيل له: «ما الذي لا بد للعبد منه؟. فقال: ملازمة العبودية على السنة، ودوام المراقبة».
وقال: «إذا أراد الله بعبد خيرًا، رزقه خدمة الصالحين والأخيار، ووفقه لقبول ما
стр. 2479
يشيرون به عليه، وسهل عليه سبل الخير، وحجبه عن رؤيتها».
وقال عبد الواحد بن علي السياري: قلت له آخر ما فارقته بمصر: «أوصني!. فقال لي: «إلزم مواجب العلم واحترم لجميع المسلمين؛ ولا تضيع أيامك، فإنها أعزُّ شيء لك؛ ولا تتصدر ما أمكنك؛ وكن خاملًا فيما بين الناس؛ فبقدر ما تتعرف إليهم، وتشتغل بهم، تضيع حظك من أوامر ربك».
وقال: «من أظهر محاسنه لمن لا يملك ضرَّه ولا نفعه، فقد أظهر جهله».
وقال: «من استقام لا يعوج به أحد، ومن اعوج لا يستقيم به أحد».
وقال: آفة العبد رضاه من نفسه بما هو فيه».
وقيل: «اجتمع أبو عمرو، وابن نجيد، والنصراباذي، والطائفة في موضع فقال النصراباذي: أنا أقول: إذا اجتمع القوم، فواحد يقول شيئًا، ويسكت الباقون، خير من أن يغتابوا. فقال أبو عمرو: لأن تغتاب ثلاثين سنة، أنجى لك من أن تظهر في السماع ما لست به». رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٤٠] أبو القاسم إبراهيمُ بْنُ مُحَمَّد النَّصْرَابَاذِيُّ (١)
شيخ خراسان في وقته. لا يفيض صدره الحفائظ، ولا يقدح أحشاءه المغائظ، علم زهد، وعلم حقيقة، أحلى من الشهد، نفض الرقاد عن جفنيه، وكحل بالشهاد ملء عينيه، تصور الدنيا فعاب، وتصوب كوكب الدنايا في أفقه فغاب، حتى دعاه داعي الحمام، فأسرع البدار، وطلع كالقمر ليلة الإبدار، ففر إلى الفردوس من وراء الجدار، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢).
стр. 2480
صحب أبا بكر الشبلي، وأبا علي الروذباري، وأبا محمد المرتعش، وغيرهم من المشايخ. وكان أوحد المشايخ في زمانه علمًا وحالا. وأقام بنيسابور، ثم خرج في آخر عمره إلى مكة، وحج سنة ست وستين وثلاثمائة، وأقام بالحرم مجاورًا، ومات سنة سبع وستين وثلاثمائة. وكتب الحديث الكثير، ورواه، وكان ثقة.
ومن كلامه: «إذا بدا لك شيء من بوادي الحق، فلا تلتفت معه - إلى جنة ولا إلى نار، ولا تُخطرهما ببالك؛ وإذا رجعت عن ذلك الحال فعظم ما عظمه الله تعالى».
وقال: «أهل المحبة واقفون مع الحق على مقام، إن تقدموا غرقوا، وإن تأخروا حجبوا».
وقال: «من لزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (١).
وقال: «الزاهد غريب في الدنيا، والعارف غريب في الآخرة».
وقال: «الحق غيور، ومن غيرته أنه لم يجعل إليه طريقًا سواه»
وقال: «قيمة الزاهد بمعبوده، كما أن قيمة العارف بمعروفه».
وسئل عن المحبة؟. فقال: «محبة توجب سفك الدماء، ومحبة توجب حقن الدماء». ثم قال: «المحبة: مجانبة السلوّ على كل حال. وأنشد»: [من الطويل]
ومَنْ كانَ في طُولِ الهوى ذاقَ سلوةً … فإنيَ مِنَ ليلى لها غير ذائق
وأكثر شيءٍ نلتُهُ مِنْ وِصالِها … أماني لمْ تَصدق، كلمحة بارق
[وقال: سمعت أبا إسحاق ابن عائشة يقول: سألت أبا سعيد القرشي عن الجمع والتفرقة، فقال: الجمع عين التوحيد، والتفرقة حقيقة التجريد، وهو أن يكون العبد فانيًا بالله تعالى يرى الأشياء كلها به، وله، وإليه، ومنه، كما قال عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت الله فيه، وأنشد أبو سعيد أبياتًا لغيره في هذا المعنى: [مجزوء الرمل]
وتحققتك في سرّي فناجاك لساني … فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعاني
فلئن غيبك التعظيم عن لحظ عياني … فلقد صيّرك الوجد من الأحشاء داني] (٢)
ومنهم:
стр. 2481
[٤١] أبو الحسن، عليّ بن إبراهيم الحُصْري (١)
وحيد أيّ وحيد، وفريد في شريعة وتوحيد، لا يقرن إلا بالجنيد، ولا يقرب إلا من داود ذي الأيد، وكان مالكًا للظنون، وسالكًا حذاء المنون، حتى سما به كوكبه فتعالى، وزاحم منكبه النجم، ثم احتذاه نعالا، والجِدُّ دأبه والجد يحفز اجتذابه، والعمل ديدنه، والعلم لا يفنى منه معدنه، حتى أجاب للمقدار، ونقل من دار إلى دار، ثم وَجَدَ ما قدَّم وَجَد، وود لو كان تقدم. وكان شيخ العراق ولسانها في وقته، لم يُرَ في زمانه من المشايخ أتم حالًا منه، ولا أحسن لسانًا ولا أعلى كلاما. متوحدًا في طريقته، ظريفًا في شمائله وحاله، له لسان في التوحيد يختص به، ومقام في التجريد والتفريد لم يشاركه فيه أحد بعده. وهو أستاذ العراقيين، وبه تأدب من تأدب منهم.
صحب [أبا بكر] الشبلي، وإليه كان ينتمي، وصحب غيره من المشايخ أيضًا.
وهو بصري الأصل. سكن بغداد، ومات بها يوم الجمعة، في ذي الحجة، سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
وقال: «أصولنا في التوحيد خمسة أشياء: رفع الحديث، وإفراد القدم، وهجر الإخوان، ومفارقة الأوطان، ونسيان ما علم وجهل».
وقال أبو الحسين الزنجاني: كثيرًا ما كنت أسمع الحصري ببغداد يقول: «عرِّضوا ولا تصرحوا، فإن التعريض أستر». وينشد: [من الطويل]
وأعرِض إذا ما جِئتَ - عنا بحيلةٍ … وعَرِّض بببعض إِنَّ ذلك أستر
فما زلت في إعمال طرفك نحونا … ولحظك حتى كاد ما بك يظهر
ومنهم:
стр. 2482
[٤٢] أبو عبد الله، محمدُ بنُ خَفِيفِ بنِ إِسْفَكْشَاذِ الضَّبِّيُّ (١)
قمر جلا السدف، وجلّ أن يقاس إلا بالسلف، لم يجلس في محفل إلا خلته كوكبًا في المجامع يأتلق، ونَشْرَ صَبًَا بالمسامع يعتلق، وكان حيث حضر تحل له الحبي، ويحل أعالي الربى، إلى أن نزل باليباب ووسد بين أتراب، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ (٢).
أصله من إسفكشاذ، وأقام بشيراز. وكان شيخ المشايخ، وأوحدهم في وقته. عالمًا بعلوم الظاهر، وعلوم الحقائق، حسن الأحوال، في المقالات والأفعال، جميل الأخلاق والأعمال.
مات سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
ومن كلامه: «لما خلق الله تعالى الملائكة والجن والإنس، خلق العصمة والكناية والحيلة: فقال للملائكة: اختاروا. فاختاروا العصمة. ثم قال للجن: اختاروا. فاختاروا العصمة. فقال: قد سبقتم. فاختاروا الكفاية. ثم قال للإنس: اختاروا. فقالوا: نختار العصمة. فقال: قد سبقتم. فقالوا: نختار الكفاية. فقال: قد سبقتم. فأخذوا الحيلة. فبنوا آدم يحتالون بجهدهم».
وقال: «الخوف اضطراب القلوب بما علمت من سطوة المعبود».
وقال: «الرياضة: كسر النفوس بالخدمة، ومنعها عن الفترة».
وقال: «التقوى: مجانبة ما يبعدك عن الله تعالى».
وقال: «ليس شيء أضر بالمريد من مسامحته النفس في ركوب الرخص، وقبول التأويلات».
стр. 2483
وقال: «الدَّنِفُ: من احترق في الأشجان، ومنع من بث الشكوى».
وقال: «الزهد: سُلُو القلب عن الأسباب، ونفض الأيدي عن الأمال، وحقيقة الزهد: التبرم بالدنيا، ووجود الراحة في الخروج منها».
و [قال]: «القناعة: الاكتفاء بالبلغة. وحقيقة القناعة: ترك التشوق إلى المفقود، والاستغناء عن الموجود».
وقال: «الشوق: ارتياح القلوب بالوجد، ومحبة اللقاء للقرب».
وقال: «رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وهو يقول: «من عرف طريقًا إلى الله فسلكه، ثم رجع عنه عذبه الله تعالى عذابًا لم يعذب به أحدًا من العالمين».
وقال: «المشاهدة: اطلاع القلوب بصفاء اليقين إلى ما أخبر الله تعالى عنه من الغيوب».
وقال: «الرجاء: ارتياح القلوب إلى كرم الموجود».
ومنهم:
[٤٣] ابن سمعون، مُحَمَّدُ بنُ أحمد بن إسماعيل بن عَنْبَس (١)
الإمام أبو الحسين البغدادي الواعظ. واحدٌ رُدَّ به العدو، ورجي به الهدو، ورُدَّت به النوائب شبحًا في حلوقها، وسحبًا لما تدعيه من باطل حقوقها، وكانت محرجة به صدور برحائها، محرقة بلهبه صدور روائها. رامها فقصف النِّصَال على النصال، وقصد الرماح، ودعم بها الآصال، حتى طال بها الأمن ودام، وطاب فحل الليل عن الشفق الفدام، بتوجه يتقهقر له الجيش المطل، ويقهر أسد الخميس المدل، ويظهر أن الله لا يحارب له ولي، ولا يغالب له قدر له سيل تحدر من علي. وقنع مدة بالعيش الزهيد، وعمل ليوم يأتي كل نفس معها سائق وشهيد، وكان أمة قانتًا، ونعمة لم تدع فائتًا،
стр. 2484
فأجزلت له المواهب، وسهلت له العطايا من أصعب المذاهب، فرفع على الرؤوس مقاما، وسمع منه ما داوى للنفوس داءً عقاما، ثم كان إلى أن مات من الحلال يكتسب، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (١).
قال السلمي: هو من مشايخ بغداد، له لسان عال في هذه العلوم، لا ينتمي إلى أستاذ، وهو لسان الوقت، والمرجوع إليه في آداب المعاملات، ويرجع إلى فنون من العلم.
وقال أبو محمد السني - صاحب ابن سمعون -: «كان ابن سمعون في أول أمره ينسخ بالأجرة وينفق على نفسه وأمه، فقال لها يومًا: أحب أن أحج. قالت: وكيف يمكنك؟. فغلب عليها النوم، فنامت وانتبهت بعد ساعة، وقالت: يا ولدي! حُجَّ رأيتُ النبي ﷺ في النوم يقول: - دعيه يحج؛ فإنّ الخير له في حجه. ففرح وباع دفاتره، ودفع إليها من ثمنها، وخرج مع الوفد، فأخذت العرب الوفد. قال: فبقيت عريانًا، ووجدت مع رجل عباءة، فقلت: هبها لي أستتر بها، فأعطانيها، قال: فجعلت إذا غلبني الجوع، ووجدت قومًا من الحاج يأكلون، وقفت أنظر إليهم، فيدفعون إلى كسرة، فأقتنع بها، وأحرمت في العباءة، ورجعت إلى بغداد. وكان الخليفة قد حرم جارية وأراد إخراجها من الدار.
قال أبو محمد السني: فقال الخليفة: اطلبوا رجلًا مستورًا يصلح [أن تزوج هذه الجارية به]؛ فقال بعضهم: قد جاء ابن سمعون من الحج. فاستصوب الخليفة قوله، فزوجه بها. فكان ابن سمعون يجلس على الكرسي، فيعظ ويقول: «خرجت حاجًا، ويشرح حاله، وها أنا اليوم علي من الثياب ما ترون».
قال البرقاني: قلت له يومًا: تدعو الناس إلى الزهد، وتلبس أحسن الثياب!، وتأكل أطيب الطعام، فكيف هذا؟!. فقال: «كلُّ ما يصلحك الله فافعله، إذا صلح حالك مع الله».
ولما دخل عضد الدولة بغداد، وقد هلك أهلها، قتلًا وخوفًا وجوعًا، للفتن التي اتصلت فيها بين الشيعة والسنة، فقال: آفة هؤلاء: القصاص. فنادى: لا يقص أحد في الجامع، ولا الطرق، ولا يتوسل بأحد من الصحابة. ومن أحب التوسل قرأ القرآن، فمن خالف فقد أباح دمه. فوقع في الخبر: إن ابن سمعون جلس على كرسيه بجامع المنصور. قال أبو الثناء العضدي: فأمرني أن أطلبه؛ فأُحْضِر. فدخل علي
стр. 2485
رجل له هيبة وعليه نور. فلم أملك أن قمت إليه، وأجلسته إلى جنبي، فجلس غير مكترث، فقلت: إن هذا الملك جبار عظيم، وما أوثر لك مخالفة أمره، وإني موصلك إليه، فقبل الأرض وتلطف له، واستعن بالله عليه. فقال: الخَلْقُ والأمر لله. فمضيت به إلى حجرة وقد جلس فيها وحده، فأوقفته، ثم دخلت لأستأذن، فإذا هو إلى جانبي قد حول وجهه إلى نحو دار فخر الدولة، ثم استفتح وقرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (١). قال: ثم حول وجهه، وقرأ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
ثم أخذ في وعظه؛ فأتى بالعجب؛ فدمعت عين الملك، وما رأيت ذلك منه قط، وترك كُمَّه على وجهه. فلما خرج أبو الحسين - رحمه الله تعالى - قال الملك: اذهب إليه بثلاثة آلاف درهم، وعشرة أثواب من الخزانة، فإن امتنع، فقل له: فرقها في أصحابك، وإن قبلها، فجئني برأسه، ففعلت فقال: إن ثيابي هذه من نحو أربعين سنة، ألبسها يوم خروجي إلى الناس، وأطويها عند رجوعي، وفيها مُتْعَةٌ وبقيَّةٌ ما بقيت، ونَفَقتي من أجرة دار خلفها أبي، فما أصنع بهذا؟ فقلت: فرقها على أصحابك. فقال: ما في أصحابي فقير. فعدت فأخبرته. فقال: الحمد لله الذي سلمه منا، وسلَّمنا منه.
وسئل ابن سمعون عن التصوف؟. فقال: «أما الاسم: فترك الدنيا وأهلها، وأما حقيقة التصوف: فنسيان الدنيا، ونسيان أهلها».
وقال ابن سمعون في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ (٣)، قال: «مواعيد الأحبة - وإن اختلفت - فإنها تؤنس كنا صبيانًا ندور على الشط ونقول: [من مجزوء الخفيف]
ماطليني وسوفي … وعديني ولا تفي
واتركيني مُوَلَّها … أو تَجُودي وتعطفي
وذكر ابن سمعون أنه أتى بيت المقدس ومعه تمر، فطالبته نفسه برطب، فلامها، فعمد إلى التمر وقت، إفطاره فوجده رطبًا، فلم يأكل منه وتركه. فلما كان ثاني ليلة وجده تمرًا.
وقال أبو الفتح القواس: لحقتني ضائقة، فأخذت قوسًا وخُفَّين، وعزمت على بيعهما، فقلت: أحضر مجلس ابن سمعون، ثم أبيعهما، فحضرت، فلما فرغ ناداني: يا أبا الفتح لا تبع الخُفَّين والقوس، فإن الله سيأتيك برزق». أو كما قال.
стр. 2486
وقال أبو طاهر العلاف: حضرت أبا الحسين يومًا وهو يعظ، وأبو الفتح القواس إلى جنب الكرسي، فنعس، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة، ثم استيقظ أبو الفتح، ورفع رأسه، فقال له أبو الحسين: «رأيت رسول الله ﷺ في نومك؟». قال: نعم. فقال: لذلك أمسكت خوفًا من أن تنزعج».
وحكى مولى الطائع الله: أن الطائع أمره، فأحضر ابن سمعون، فرأيت الطائع غضبانًا، وكان ذا حِدَّة، فأحضرت ابن سمعون، فأذن له الطائع في الدخول، فدخل وسلم بالخلافة، ثم أخذ في وعظه، فقال: «روي عن أمير المؤمنين علي ﵁»، ثم روى عن أمير المؤمنين وترضى عنه، ووعظ حتى بكى الطائع، وسمع شهيقه، وابتل منديل من دموعه، فلما انصرف، سألت الطائع عن سبب طلبه، فقال: رُفِعَ إليّ أنه ينتقص عليًا ﵁، فأردت أقابله، فلما حضر افتتح بذكر علي، والصلاة عليه، وأعاد وأبدى في ذكره، فعلمت أنه وُفّق، ولعله كوشف بذلك».
توفي ﵁ سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، في ذي القعدة. وولد سنة ثلاثمائة. وسمعون: هو جده إسماعيل.
قال أبو بكر الخطيب: كان بعض شيوخنا إذا حدثنا عنه قال: «حدثنا الشيخ الجليل المنطق بالحكمة».
سمع أبا بكر بن أبي داود، ومحمد بن مخلد العطار، وأبا جعفر بن البختري. وبدمشق: أحمد بن سليمان بن زبَّان، ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة، وجماعة، وأملى عنهم. وروى عنه: أبو عبد الرحمن السلمي، وعلي بن طلحة المقريء، والحسن بن محمد الخلال، وأبو طالب العشاري، [وأبو الحسين بن الأبنوسي]، وخديجة بنت محمد الشاهجانية الواعظة، [وأبو بكر أحمد بن محمد بن حمدوه الحنبلي]، وغيرهم. وكان أوحد دهره، وفرد عصره في الكلام، على علم الخواطر والإشارات، ولسان الوعظ، دون الناسُ حِكَمَه، وجمعوا كلامه. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٤٤] أَبُو القَاسِم عَبدُ الكَرِيمِ بن هوازن بنِ عبدِ المَلِكِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ محمد القُشَيرِيُّ، الفقيه، الشافعي (١)
كان ليومه من أمسه آخذا، وبلومه من نفسه مؤاخذا، فكان لا يزال دمعه ينهل،
стр. 2487
ومدمعه مُحْمَرًّا، كأن آماقه جُرْح لا يندمل، لم تستمله الأغصان، وقد مالت قدودها، ولا أمالت ليلى قلبه، وقد طال صدودها، فلم يشك جفا ودود، حتى فاء إلى صديد ودود. وإنما يعرف أكثر أحوال القوم من «رسالته»، ويعترف الفضّل بقدمه وبسالته، وهو معدود من أهل سيادتهم، وذوي حظوتهم في الدارين وسعادتهم.
وكان علامة في الفقه والتفسير والحديث، والأصول، والأدب، والشعر، والكتابة، وعلم التصوف، وجمع بين الشريعة والحقيقة. وأصله من ناحية «أستوا»، من العرب الذين قدموا خراسان. توفي أبوه وهو صغير، وقرأ الأدب في صباه، وكانت له ضيعة مثقلة الخراج بنواحي «أستوا»، فرأى من الرأي أن يحضر إلى نيسابور، يتعلم طرفًا من «الاستيفاء» ويحمي الضيعة من الخراج، فحضر نيسابور على هذا العزم، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي عليّ الحسين بن علي النيسابوري المعروف بـ «الدقاق» - وكان إمام وقته - فلما سمع كلامه أعجبه، ووقع في قلبه، فرجع عن ذلك العزم، وسلك طريق الإرادة، فقبله الدقاق، وأقبل عليه، وتفرّس فيه النجابة، فجذبه بهمته، وأشار عليه بالاشتغال بالعلم، فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر
стр. 2488
الطوسي، وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه.
ثم اختلف إلى الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائييني، وقعد يسمع درسه أيامًا، فقال الأستاذ: هذا العلم لا يحصل بالسماع، ولا بدَّ من الضبط بالكتابة، فأعاد عليه جميع ما سمعه تلك الأيام، فعجب منه، وعرف محله فأكرمه، وقال له: ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطلع على مصنفاتي. فقعد وجمع بين طريقته، وطريقة ابن فورك. ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني، وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق. وزوجه ابنته، مع كثرة أقاربها.
وبعد وفاة أبي علي، سلك مسلك المجاهدة والتجريد، وأخذ في التصنيف، فصنف: «التفسير الكبير» قبل سنة عشر وأربعمائة، وسماه: «التيسير في علم التفسير»، وهو من أجود التفاسير. وصنَّف: «الرسالة» في رجال الطريقة.
وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجويني، وأحمد بن حسين البيهقي، وجماعة من المشاهير؛ فسمع منهم الحديث ببغداد والحجاز. وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء. وأما مجالس الوعظ والتذكير فهو إمامها.
عقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وحدث ببغداد، وكتبنا عنه، وكان ثقة، وكان يقص، وكان حسن الموعظة، مليح الإشارة، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري، والفروع على مذهب الشافعي.
وذكره أبو الحسن الباخرزي في «دمية القصر» وقال في حقه: لو قرع الصخر بسوط تحذيره لذاب، ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب.
وقال أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي: أنشدنا عبد الكريم بن هوازن القشيري لنفسه: [من الطويل]
سقى الله وقتًا كنتُ أخلو بوجهكم … وثَعَرُ الهَوى في روضة الأُنسِ ضاحك
أقمنا زَمانًا والعيونُ قَريرةٌ … وأصبحتُ يومًا والجفون سوافك
ومن شعره أيضًا: [من الطويل]
إذا ساعدتك الحال فارقب زوالها … فما هي إلا مثلُ حَلبَةِ أشطر
وإن قصدتك الحادثاتُ ببؤسها … فوسّع لها ذَرعَ الجلد واصبر
وكان أبو القاسم كثيرًا ما ينشد لبعضهم، وهو ذو القرنين بن حمدان: [من الكامل]
стр. 2489
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا … وشهدت كيف نكرر التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدثا … وعلمت أن من الحديث دموعا
ولد في ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلاثمائة. وتوفي صبيحة يوم الأحد سادس عشر شهر ربيع الآخر، سنة خمس وستين وأربعمائة، بمدينة نيسابور. ودفن بالمدرسة تحت شيخه أبي علي الدقاق. وكان له فرس أهدي إليه، فركبه نحو عشرين سنة، فلما مات الشيخ، لم يأكل الفرس شيئا، ومات بعد أسبوع.
ومنهم:
[٤٥] أبو الفتوح، أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي (١)
مجد الدين، أخو الإمام الغزالي، الفقيه الشافعي. رشد لضلال، ورفد لحلال، سرت غواديه فظلت، وسرت أياديه فحلت، وكان يتخلل بالمواعظ، ويتوصل إلى ما لم يبلغه كلم واعظ، فملأ أوعية القلوب تذكارا، وترك أودية الخواطر لها أوكارا، ولم يزل زينة العصر، وحلية الأيام أيام النضر، يقوم مقام الجيوش الخضارم، ويرد الأعداء وما طليت بالدماء ظباه الصوارم.
قال ابن خلكان: «كان واعظا مليح الوعظ، حسن المنظر، صاحب كرامات وإشارات، وكان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه، ودرس بالمدرسة النظامية نيابة عن أخيه أبي حامد لما ترك التدريس زهادة فيه، واختصر كتاب أخيه أبي حامد المسمى ب: «إحياء علوم الدين»، في مجلد واحد، وسماه: «لباب الإحياء»، وله تصنيف آخر سماه: «الذخيرة في علم البصيرة». وطاف البلاد، وخدم الصوفية بنفسه، وكان مائلا إلى الإنقطاع والعزلة.
وذكره ابن النجار في «تاريخ بغداد» فقال: كان [قد] قرأ القاريء بحضرته: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (٢) الآية، فقال: شرفهم بياء الإضافة إلى نفسه بقوله:
стр. 2490
«يا عبادي!» ثم أنشد يقول: [من الطويل]
وهانَ عَلَيَّ اللومُ في جَنْبِ حُبّها … وقولُ الأَعادي: إِنَّهُ لَخَليعُ
أَصَمُّ إِذا نُودِيتُ باسمي، وإنني … إِذا قيلَ لي: يا عبدَها لَسَميعُ
قال ابن خلكان: ومثل هذا قول بعضهم: [من السريع]
لا تَدْعُني إِلا بِيا عَبْدَها … فإِنَّهُ أَشرف أسمائي
وحكي: إنه اجتمع هو وأخوه أبو حامد ليلة، فأذن مؤذن العشاء، فتقدم الشيخ أبو حامد فصلّى إمامًا، وصلَّى الشيخ أحمد خلفه، فمرَّ بخاطر أبي حامد وهو واقف يصلي مسائل في الحيض في كتاب كان يصنفه، فلما أتم الصلاة، قام الشيخ أحمد يعيد صلاته، فقيل له في ذلك؟ فقال: كيف أصلي خلف رجل منغمس في دم الحيض إلى شحمة أذنيه؟. فسمع قوله أخوه أبو حامد، فقال: صدق والله أخي، لقد مر بخاطري - وأنا قائم أصلي - مسائل في الحيض، واستغرقت في ذلك. قلت: وليس هذا بمبطل لصلاته حتى يحتاج إلى إعادتها، ولكنه تورع عن خطرات الخواطر.
وتوفي رحمه الله تعالى بقزوين سنة عشرين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٦] يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الحُسَينِ بنِ وَهْرَةَ، أبو يعقوب الهمذاني (١)
الفقيه، الزاهد، ذو الكرامات، ليس يجحدها البهوت ومقامات ليس يشهدها السكوت، بفم كأنما طبع عليه/ ٩٣/ بخاتم، وكرم طمع لديه حاتم، وصلاح كان