وقال أبو طاهر العلاف: حضرت أبا الحسين يومًا وهو يعظ، وأبو الفتح القواس إلى جنب الكرسي، فنعس، فأمسك أبو الحسين عن الكلام ساعة، ثم استيقظ أبو الفتح، ورفع رأسه، فقال له أبو الحسين: «رأيت رسول الله ﷺ في نومك؟». قال: نعم. فقال: لذلك أمسكت خوفًا من أن تنزعج».
وحكى مولى الطائع الله: أن الطائع أمره، فأحضر ابن سمعون، فرأيت الطائع غضبانًا، وكان ذا حِدَّة، فأحضرت ابن سمعون، فأذن له الطائع في الدخول، فدخل وسلم بالخلافة، ثم أخذ في وعظه، فقال: «روي عن أمير المؤمنين علي ﵁»، ثم روى عن أمير المؤمنين وترضى عنه، ووعظ حتى بكى الطائع، وسمع شهيقه، وابتل منديل من دموعه، فلما انصرف، سألت الطائع عن سبب طلبه، فقال: رُفِعَ إليّ أنه ينتقص عليًا ﵁، فأردت أقابله، فلما حضر افتتح بذكر علي، والصلاة عليه، وأعاد وأبدى في ذكره، فعلمت أنه وُفّق، ولعله كوشف بذلك».
توفي ﵁ سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، في ذي القعدة. وولد سنة ثلاثمائة. وسمعون: هو جده إسماعيل.
قال أبو بكر الخطيب: كان بعض شيوخنا إذا حدثنا عنه قال: «حدثنا الشيخ الجليل المنطق بالحكمة».
سمع أبا بكر بن أبي داود، ومحمد بن مخلد العطار، وأبا جعفر بن البختري. وبدمشق: أحمد بن سليمان بن زبَّان، ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة، وجماعة، وأملى عنهم. وروى عنه: أبو عبد الرحمن السلمي، وعلي بن طلحة المقريء، والحسن بن محمد الخلال، وأبو طالب العشاري، [وأبو الحسين بن الأبنوسي]، وخديجة بنت محمد الشاهجانية الواعظة، [وأبو بكر أحمد بن محمد بن حمدوه الحنبلي]، وغيرهم. وكان أوحد دهره، وفرد عصره في الكلام، على علم الخواطر والإشارات، ولسان الوعظ، دون الناسُ حِكَمَه، وجمعوا كلامه. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٤٤] أَبُو القَاسِم عَبدُ الكَرِيمِ بن هوازن بنِ عبدِ المَلِكِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ محمد القُشَيرِيُّ، الفقيه، الشافعي (١)
كان ليومه من أمسه آخذا، وبلومه من نفسه مؤاخذا، فكان لا يزال دمعه ينهل،
стр. 2487
ومدمعه مُحْمَرًّا، كأن آماقه جُرْح لا يندمل، لم تستمله الأغصان، وقد مالت قدودها، ولا أمالت ليلى قلبه، وقد طال صدودها، فلم يشك جفا ودود، حتى فاء إلى صديد ودود. وإنما يعرف أكثر أحوال القوم من «رسالته»، ويعترف الفضّل بقدمه وبسالته، وهو معدود من أهل سيادتهم، وذوي حظوتهم في الدارين وسعادتهم.
وكان علامة في الفقه والتفسير والحديث، والأصول، والأدب، والشعر، والكتابة، وعلم التصوف، وجمع بين الشريعة والحقيقة. وأصله من ناحية «أستوا»، من العرب الذين قدموا خراسان. توفي أبوه وهو صغير، وقرأ الأدب في صباه، وكانت له ضيعة مثقلة الخراج بنواحي «أستوا»، فرأى من الرأي أن يحضر إلى نيسابور، يتعلم طرفًا من «الاستيفاء» ويحمي الضيعة من الخراج، فحضر نيسابور على هذا العزم، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي عليّ الحسين بن علي النيسابوري المعروف بـ «الدقاق» - وكان إمام وقته - فلما سمع كلامه أعجبه، ووقع في قلبه، فرجع عن ذلك العزم، وسلك طريق الإرادة، فقبله الدقاق، وأقبل عليه، وتفرّس فيه النجابة، فجذبه بهمته، وأشار عليه بالاشتغال بالعلم، فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر
стр. 2488
الطوسي، وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه.
ثم اختلف إلى الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائييني، وقعد يسمع درسه أيامًا، فقال الأستاذ: هذا العلم لا يحصل بالسماع، ولا بدَّ من الضبط بالكتابة، فأعاد عليه جميع ما سمعه تلك الأيام، فعجب منه، وعرف محله فأكرمه، وقال له: ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطلع على مصنفاتي. فقعد وجمع بين طريقته، وطريقة ابن فورك. ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني، وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق. وزوجه ابنته، مع كثرة أقاربها.
وبعد وفاة أبي علي، سلك مسلك المجاهدة والتجريد، وأخذ في التصنيف، فصنف: «التفسير الكبير» قبل سنة عشر وأربعمائة، وسماه: «التيسير في علم التفسير»، وهو من أجود التفاسير. وصنَّف: «الرسالة» في رجال الطريقة.
وخرج إلى الحج في رفقة فيها الشيخ أبو محمد الجويني، وأحمد بن حسين البيهقي، وجماعة من المشاهير؛ فسمع منهم الحديث ببغداد والحجاز. وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء. وأما مجالس الوعظ والتذكير فهو إمامها.
عقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وحدث ببغداد، وكتبنا عنه، وكان ثقة، وكان يقص، وكان حسن الموعظة، مليح الإشارة، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري، والفروع على مذهب الشافعي.
وذكره أبو الحسن الباخرزي في «دمية القصر» وقال في حقه: لو قرع الصخر بسوط تحذيره لذاب، ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب.
وقال أبو عبد الله محمد بن الفضل الفراوي: أنشدنا عبد الكريم بن هوازن القشيري لنفسه: [من الطويل]
سقى الله وقتًا كنتُ أخلو بوجهكم … وثَعَرُ الهَوى في روضة الأُنسِ ضاحك
أقمنا زَمانًا والعيونُ قَريرةٌ … وأصبحتُ يومًا والجفون سوافك
ومن شعره أيضًا: [من الطويل]
إذا ساعدتك الحال فارقب زوالها … فما هي إلا مثلُ حَلبَةِ أشطر
وإن قصدتك الحادثاتُ ببؤسها … فوسّع لها ذَرعَ الجلد واصبر
وكان أبو القاسم كثيرًا ما ينشد لبعضهم، وهو ذو القرنين بن حمدان: [من الكامل]
стр. 2489
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا … وشهدت كيف نكرر التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدثا … وعلمت أن من الحديث دموعا
ولد في ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلاثمائة. وتوفي صبيحة يوم الأحد سادس عشر شهر ربيع الآخر، سنة خمس وستين وأربعمائة، بمدينة نيسابور. ودفن بالمدرسة تحت شيخه أبي علي الدقاق. وكان له فرس أهدي إليه، فركبه نحو عشرين سنة، فلما مات الشيخ، لم يأكل الفرس شيئا، ومات بعد أسبوع.
ومنهم:
[٤٥] أبو الفتوح، أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي (١)
مجد الدين، أخو الإمام الغزالي، الفقيه الشافعي. رشد لضلال، ورفد لحلال، سرت غواديه فظلت، وسرت أياديه فحلت، وكان يتخلل بالمواعظ، ويتوصل إلى ما لم يبلغه كلم واعظ، فملأ أوعية القلوب تذكارا، وترك أودية الخواطر لها أوكارا، ولم يزل زينة العصر، وحلية الأيام أيام النضر، يقوم مقام الجيوش الخضارم، ويرد الأعداء وما طليت بالدماء ظباه الصوارم.
قال ابن خلكان: «كان واعظا مليح الوعظ، حسن المنظر، صاحب كرامات وإشارات، وكان من الفقهاء، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه، ودرس بالمدرسة النظامية نيابة عن أخيه أبي حامد لما ترك التدريس زهادة فيه، واختصر كتاب أخيه أبي حامد المسمى ب: «إحياء علوم الدين»، في مجلد واحد، وسماه: «لباب الإحياء»، وله تصنيف آخر سماه: «الذخيرة في علم البصيرة». وطاف البلاد، وخدم الصوفية بنفسه، وكان مائلا إلى الإنقطاع والعزلة.
وذكره ابن النجار في «تاريخ بغداد» فقال: كان [قد] قرأ القاريء بحضرته: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (٢) الآية، فقال: شرفهم بياء الإضافة إلى نفسه بقوله:
стр. 2490
«يا عبادي!» ثم أنشد يقول: [من الطويل]
وهانَ عَلَيَّ اللومُ في جَنْبِ حُبّها … وقولُ الأَعادي: إِنَّهُ لَخَليعُ
أَصَمُّ إِذا نُودِيتُ باسمي، وإنني … إِذا قيلَ لي: يا عبدَها لَسَميعُ
قال ابن خلكان: ومثل هذا قول بعضهم: [من السريع]
لا تَدْعُني إِلا بِيا عَبْدَها … فإِنَّهُ أَشرف أسمائي
وحكي: إنه اجتمع هو وأخوه أبو حامد ليلة، فأذن مؤذن العشاء، فتقدم الشيخ أبو حامد فصلّى إمامًا، وصلَّى الشيخ أحمد خلفه، فمرَّ بخاطر أبي حامد وهو واقف يصلي مسائل في الحيض في كتاب كان يصنفه، فلما أتم الصلاة، قام الشيخ أحمد يعيد صلاته، فقيل له في ذلك؟ فقال: كيف أصلي خلف رجل منغمس في دم الحيض إلى شحمة أذنيه؟. فسمع قوله أخوه أبو حامد، فقال: صدق والله أخي، لقد مر بخاطري - وأنا قائم أصلي - مسائل في الحيض، واستغرقت في ذلك. قلت: وليس هذا بمبطل لصلاته حتى يحتاج إلى إعادتها، ولكنه تورع عن خطرات الخواطر.
وتوفي رحمه الله تعالى بقزوين سنة عشرين وخمسمائة.
ومنهم:
[٤٦] يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الحُسَينِ بنِ وَهْرَةَ، أبو يعقوب الهمذاني (١)
الفقيه، الزاهد، ذو الكرامات، ليس يجحدها البهوت ومقامات ليس يشهدها السكوت، بفم كأنما طبع عليه/ ٩٣/ بخاتم، وكرم طمع لديه حاتم، وصلاح كان
стр. 2491
شقيق شقيق إخاء، وقرين القرني إذا هب رخاء. له أمور تغني عن الإيضاح، وأسرار مثل الشمس في الإيضاح، فانتهى إليه السؤدد، وإلى رواق العلياء أنه على غيره لم يمدد،
لتفرده في زمانه، وورده الروي من إيمانه.
قال أبو سعد السمعاني: يوسف بن أيوب الهمذاني: من قرية «بُوزَنْجِرد»: قرية من قرى همذان، مما يلي الري. الإمام الورع التقي المتنسك، العامل بعلمه، والقائم بحقه، صاحب الأحوال والمقامات الجليلة، وإليه انتهت تربية المريدين الصادقين، واجتمع برباطه بمدينة مرو جماعة من المنقطعين إلى الله تعالى، ما لا يتصور أن يكون في غيره من الربط مثلهم. وكان من صغره إلى كبره على طريقة مرضية، وسداد واستقامة، خرج من قريته إلى بغداد، وقصد الإمام أبا إسحاق الشيرازي، وتفقه عليه، ولازمه مدة حتى برع في الفقه، وفاق أقرانه خصوصًا في علم النظر.
وكان الشيرازي يقدمه على جماعة كثيرة من أصحابه، مع صغر سنه، لعلمه بزهده، وحسن سيرته، واشتغاله بما يعنيه. ثم ترك كل ما كان فيه من المناظرة وخلا بنفسه، واشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى، ودعوة الخلق إليها، وإرشاد الأصحاب إلى الطريق المستقيم.
نزل مرو وسكنها، وخرج إلى هراة، وأقام بها مدة، ثم سئل الرجوع إلى مرو في آخر عمره، وخرج منها متوجهًا إلى هراة ثانيًا، وعزم على الرجوع إلى مرو في آخر عمره، وخرج منها متوجهًا إلى مرو، فأدركته منيته بـ «ياميين» بين «هراة» و «بَغْشُور»، في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ودفن، ثم نقل بعد ذلك إلى مرو.
وقال غير السمعاني: قدم يوسف الهمذاني بغداد في سنة خمس عشرة وخمسمائة، وحدث بها، وعقد بها مجلس الوعظ بالمدرسة النظامية، وصادف بها قبولًا عظيمًا من الناس.
قال أبو الفضل صافي بن عبد الله الصوفي الشيخ الصالح: حضرت مجلس شيخنا يوسف الهمذاني في النظاميَّة وكان قد اجتمع العالم، فقام فقيه يعرف بابن السقاء، وآذاه، وسأله عن مسألة؟، فقال له الإمام يوسف: «اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر!». ولعلك تموت على غير دين الإسلام!.
قال أبو الفضل: فاتفق أنه بعد هذا القول بمدة، قدم رسول نصراني من ملك الروم إلى الخليفة، فمضى إليه ابن السقاء، وسأله أن يستصحبه، وقال له: يقع لي أن أترك دين الإسلام، وأدخل في دينكم. فقبله النصراني، وخرج معه إلى القسطنطينية، والتحق بملك الروم، وتنصر ومات على النصرانية، والعياذ بالله تعالى من الضلال.
стр. 2492
وقال ابن النجار في ترجمة يوسف المذكور: «سمعت أبا الكرم عبد السلام بن أحمد المقرئ يقول: كان ابن السقاء قارئًا للقرآن الكريم، مجودًا لتلاوته، حدثني من رآه بالقسطنطينية ملقى على دكة مريضًا، وبيده خُلق مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه. قال فسألته: هل القرآن باق على حفظك؟. فقال: ما أذكر منه إلا آية واحدة: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١)، والباقي أنسيته. نعوذ بالله من سوء القضاء، وزوال نعمته، وحلول نقمته، ونسأله الثبات [على دين الإسلام]، والعصمة، آمين. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٢).
ومنهم:
[٤٧] عَدِيُّ بنُ مُسَافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحَسَنِ بنِ مروان الهَكَّاريُّ (٣) مسكنًا، القرشي الأموي من ولد معاوية بن أبي سفيان
ولي الله عرف أيامه من أمسها، وقدم له يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، قصر جناح النسر عن تدويمه، وقصر طماح الطرف دون تحويمه، وخالف الأماني في مرادها، وخلف وراءه وكبد الآمال مرادها، فما ألهاه من الدنيا غرورها، ولا ازدهاه حزنها ولا سرورها، وشكته الأيام إذ كان من أدوائها، وجفته إذ لم يكن من أودائها، ثم جاءت إليه بالجميل منقادة، وانقادت له بالرعيل ومن قاده، وله في آل حرب
стр. 2493
نسب سالمته القبائل، وحاكمته فلم يقض لها معه بطائل، هذا إلى كرم بدين، وفضل كان يراه على ذمته كالدين، وكان فيه أمل، وله عمل ما عليه مزيد إلا أن طائفته غلوا فيه فغووا، ونووا فيه نية فغووا، وغلب عليهم الهوى فأضلهم، ودلاهم المغرور ودلّهم، ولكل معزّ مذلّ، ومن يهد الله فما له من مضل. وسار ذكره في الآفاق، وتبعه خلق كثير، وهم «الطائفة العدوية»، وجاوز حسن اعتقادهم فيه الحد، حتى جعلوه قبلتهم التي يصلون إليها، وذخيرتهم في الآخرة التي يعولون عليها.
وكان قد صحب جماعة كثيرة من أعيان المشايخ، والصلحاء المشاهير، مثل عقيل المنبجي، وحماد الدباس، وأبي النجيب عبد القاهر السهروردي، وعبد القادر الجيلي، وأبي الوفاء الحلواني. ثم انقطع إلى جبل الهكارية، من أعمال الموصل، وبنى له هناك زاوية، ومال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلًا لم يسمع لأرباب الزوايا مثله.
قلت: وقد هاجر زين الدين ابن أخي الشيخ إلى البلاد، فأكرمت ملوكنا مقدمه، وأمر إمرة كثيرة، وانقطع في قرية تعرف ببيت فار. وكان بها، وكان منغمسًا في النعم والملاذ، يعيش عيش الملوك من اقتناء الغلمان والجواري والملابس، وتمد لديه أسمطة ملوكية. وحكي أن بعض نساء القياصرة كانت مغراة بالشيخ زين الدين، مطنبة في تعظيمه، متغالية في الاعتقاد لصلاحه، وأنفقت عليه أموالًا جليلة، وكانت غير مصغية إلى عذول يعذلها في حبه، وخواصها يلومونها على تبذير أموالها، ويذكرون لها ما كان يتعاطاه من الأمور القبيحة، ولا يزداد إلا غيًا وتماديا، فتوصلوا إلى أن حملوها في قفة، وأشرفوا بها عليه وهو عاكف على المنكرات فما زادها ذلك إلا ضلالا، وقالت: أنتم تنكرون هذا عليه، إنما الشيخ يتدلل على ربه!، وضاعفت له الإنفاق، ولم تمسك خشية الإملاق.
وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب رحمه الله تعالى، قال: بعثت مع الأمير الكبير علم الدين سنجر الدواداري، ليحلفه في أول الدول الأشرفية؛ فأتيناه وهو في قريته، مثل الملك في قلعته، للتجمل الظاهر، والحشمة الزائدة، والفرش الأطلس، وآنية الذهب والفضة، والعصار الصيني، وأشياء تفوت العد، إلى غير ذلك من الأشربة المختلفة الألوان، والأطعمة المنوعة، فلما دخلنا عليه لم يحفل بنا، وأتاه الأمير علم الدين، فقبل يده، وهو جالس لم يقم، فبقي الداواداري قائمًا قدامه يحدثه، وزين الدين يسأله، لا هو يجلس، ولا زين الدين يقول له اجلس، ثم أمره بالجلوس فجلس على ركبتيه متأدبًا بين يديه، ثم أنعم علينا بجملة طائلة تقارب خمسة عشر ألف درهم.
стр. 2494
قلت: وقد كان يحلف منهم الشيخ عز الدين أميرا، وأُمر، وبقي مدة أميرًا بدمشق، ثم بصفد، ثم بدمشق، ثم ترك الإمارة، وآثر الانقطاع، وأقام بالمزة، وكانت الأكراد تأتيه من كل قطر بصفايا أموالها، تقربًا إليه، ومنهم على ما حكي من كان يجلس بين يديه.
ثم إنه أراد الخروج على السلطان وتبعه طوائف الأكراد من كل بلد، وباعوا أموالهم بالهوان، واشتروا الخيل والسلاح، وآلات الحرب، ووعد رجالًا ممن تبعه بالنيابات الكبار، ونزل بأرض اللجون، وأتى السلطان خبرهم، وأنهم على هذا لم يؤذوا أحدًا في نفس ولا مال، وإنما يبيعون أموالهم بالرخص، ويشترون الخيل والسلاح بالغالي، فأمر تنكز نائب الشام بكشف أخبارهم، وقص آثارهم، وأمسك السلطان من كان بالزاوية العدوية بالقرافة.
واختلفت الأخبار؛ قيل: إنهم يريدون سلطنة مصر، وقيل: بل كانوا يريدون ملك اليمن، وقلق السلطان لأمرهم، وأهمه، إلى أن أمسك تنكز نائب الشام عز الدين المذكور، وأودع الاعتقال، حتى مات، وفرق الأكراد، ولو لم يتدارك، لأوشك أن يكون لهم نوبة.
ومولد الشيخ عدي بقرية يقال لها «بيت فار» من أعمال بعلبك، والبيت الذي ولد فيه يزار إلى الآن.
وتوفي سنة سبع، وقيل: سنة خمس وخمسين وخمسمائة، في بلده بالهكارية، ودفن بزاويته، وقبره عندهم من المزارات المعدودة، والمشاهد المقصودة، وحفدته إلى الآن يقيمون إمارة، والناس معهم على ما كانوا عليه زمن الشيخ من جميل الاعتقاد، وتعظيم الحرمة. وكان مظفر الدين صاحب إربل يقول: رأيت الشيخ عدي بن مسافر، وأنا صغير بالموصل، وهو شيخ ربع، أسمر اللون، وكان يحكي عنه صلاحًا كثيرًا. وعاش تسعين سنة رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٤٨] أحمد المعروف بابن الرفاعي، أبو العباس بن أبي الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة (١)
عرف حقه الأنام، وألفت فضله الأيام، أي رجلٍ، وأي بطل، مثله في الخواطر
стр. 2495
لم يجل، طالما اهتز في يديه كل أخضر، وأهزله رداء ألقى المهابة في قلوب الحضر، وكان لو من السحاب لم يعبأ بنواله، واستقر له استقرار الجبل لا يعن بزواله، وجاء في عصر مشعشع بالأولياء، وزمان مترعرع بمواليد الأتقياء، وكان دونهم مدلي اللهب، ومواطئ أقدام طائفته منها على أرض من الذهب ورأوا النار بردا وسلاما فاقتحموها، وخاصموا ألسنتها وألجموها، إلى نهش الأفاعي وقد لفح سمومها، ونفح كالشرار سمومها، يأكلونها أكلا لما، ويحبونها حبا جما. هذا وشأن أشياعه حجب العنا، وطل العنا، وغير هذا مما ابتدعوه، وابتدوه، ونسبوه إليه وشنعوه، مما لم يكن عليه، ولا يمكن أن ينسب إليه.
كان ﵁ رجلا صالحا، فقيها، شافعي المذهب. قدم أبوه العراق، وسكن البطائح بقرية يقال لها: «أم عبيدة» - بفتح العين -، فتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، ورزق منها الشيخ أحمد، وإخوته.
وكان أبو الحسن مقرئا يؤم بالشيخ منصور، فمات وزوجته حامل بالشيخ أحمد، فرباه خاله منصور، فقيل: إنه ولد في أول المحرم سنة خمسمائة. ونشأ أحسن نشأة، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالرفاعية، والبطائحية من الفقراء منسوبة إليه. ولأتباعه أحوال عجيبة، من أكل الحيات وهي حية، والنزول في التنانير، وهي تتضرم بالنار فيطفئونها، ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد، ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل.
стр. 2496
ولم يكن له عقب، وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة. وله شعر، فمنه على ما قيل: [من الطويل]
إذا جَنَّ ليلي هام قلبي بذكركم … أنوحُ كما ناحَ الحَمامُ المُطوَّقُ
وفوقي سَحابٌ يُمطر الهم والأسى … وتحتي بحار بالأسى تتدفق
سلوا أم عمرو كيف باتَ أسيرُها … تُفَلُّ الأسارى دونَه وهوَ مُوثَقُ
«فلا هو مقتول، ففي القَتلِ راحةٌ … ولا هوَ مَمنُونٌ عليهِ فَيُطلَقُ»
قيل: إنه أقسم على أصحابه: إن كان فيه عيب ينبهونه عليه. فقال الشيخ عمر الفاروثي: يا سيدي! أنا أعلم فيك عيبًا!. قال: ما هو؟ قال: يا سيدي! عيبك أننا من أصحابك. فبكى الشيخ والفقراء، وقال: أي عمر! إن سلم المركب حمل من فيه.
قيل: إن هرة نامت على كُمّ الشيخ أحمد، وقامت الصلاة، فقص كمه، ولم يزعجها، ثم قعد فوصله، وقال: ما تغير شيء!.
وقيل: توضأ، فنزلت بعوضة على يده، فوقف لها حتى طارت.
وعنه قال: أقرب الطرق الانكسار والذلّ، والافتقار، وتُعَظِّمُ أمر الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة سيدك رسول الله ﷺ .
وقيل: كان يجمع الحطب، ويجيء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم الجرة. قيل له: أيش أنت يا سيدي؟. فبكى فقال: يا فقير، ومن أنا في البين، ثبت نسب واطلب ميراث.
وقال: لما اجتمع القوم وطلب كل واحد شيئًا، دارت النوبة إلى هذا اللاشيء أحمد!. وقيل: أي أحمد! اطلب. قلت: أي رب! علمك محيط بطلبي، فكرر علي القول، قلت: أي مولاي! أريد أن لا أريد، وأختار أن لا يكون لي اختيار، فأجابني، وصار الأمر له وعليه.
وقيل: إنه رأى فقيرًا يقتل قملة، فقال: لا واخذك الله، شفيت غيظك؟!؟. وعنه أنه قال: لو أن عن يميني خمسمائة يروحوني بمراوح الندّ والطيب، وهم من أقرب الناس إلي، وعن يساري مثلهم من أبغض الناس إلي معهم مقاريض يقرضون بها لحمي، ما زاد هؤلاء عندي، ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه، ثم قرأ: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١).
وقيل: أتي إليه بطبق تمر، فبقي ينقي لنفسه الحشف يأكله، ويقول: «أنا أحقُّ
стр. 2497
بالدون من غيري، فإني مثله دون!. وكان ﵁ لا يجمع بين لبس قميصين لا في شتاء، ولا في صيف، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلة، وإذا غسل ثوبه ينزل في الشط كما هو قائم يفركه، ثم يقف في الشمس حتى ينشف. وإذا ورد عليه ضيف، يدور على بيوت أصحابه يجمع الطعام في مئزر.
وقال: «الفقير المتمكّن إذا سأل حاجة، وقضيت له، نقص من تمكنه درجة».
وتوفي ﵁، يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، بأم عبيدة، وهو في عشر السبعين. وكان لا يقوم للرؤساء، ويقول: «النظر إلى وجوههم يقسي القلب».
ومنهم:
[٤٩] الشيخ عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست الجيلي الحنبلي (١)
علم الأولياء، محيي الدين، سيد طائفة كانوا بالنهار لا يفترون، وبالأسحار هم يستغفرون، طلع من هاشم بن عبد مناف في الذوائب، وكرع منه في غدير لم يرفق بالشوائب، وكان من الشرف في شامخ، قلاله وراسخ النسب العلوي في كرم خلاله، وكان له مجلس يوالي فيه الانتحاب، ويحرك فيه الأصحاب، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ (٢) فما برح اجتهاده محدودا، وجهاده يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
стр. 2498
مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١). وكان مخلصًا دون أشكاله، ومخلصًا توكل على الله حق اتكاله، على أنه من بقية قوم يرجعون كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وصلوا الليالي بالأسحار، وركبوا ثبج الفيافي وقفار البحار، فحمدوا ما كانوا يعملون، وعلى ربهم كانوا يتوكلون. مولده بجيلان، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وقدم بغداد، شابًا، فتفقه على أبي سعيد المخرمي. وسمع الحديث من جماعة، وحدث عن طائفة من الكبار.
قال السمعاني: «كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة، وشيخهم في عصره. فقيه صالح، دَيِّنٌ خيرٌ، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة، تفقه على المخرمي، وصحب الشيخ حمادًا الدباس. قال: وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له مضينا لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فألقى درسًا ما فهمت منه شيئًا، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلهم فهموا، لإلفهم بكلامه وعبارته.
وقال ابن الجوزي: «كان أبو سعد المخرمي قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، ففوضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت وصمت، وضاقت المدرسة بالناس، فكان يجلس عند سور بغداد مستندًا إلى الرباط، ويتوب عنده في المجلس خلق كثير، فعُمِّرت المدرسة، ووسعت، وتعصب في ذلك العوام، وأقام فيها يدرس، ويعظ إلى أن توفي.
وقال الشيخ أبو بكر العماد - رحمه الله تعالى -: كنت قرأت في أصول الدين، فأوقع عندي شكًا، فقلت: حتى أمضي إلى مجلس الشيخ عبد القادر، فقد ذكر أنه يتكلم على الخواطر، فمضيت وهو يتكلم، فقال: اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة. فقلت في نفسي: هذا قاله اتفاقًا. فتكلم، ثم التفت إلى ناحيتي، فأعاده، فقلت: الواعظ قد يلتفت. فالتفت إلي ثالثة، وقال: يا أبا بكر، فأعاد القول، ثم قال: قم قد جاء أبوك، وكان غائبًا، فقمت مبادرًا، وإذا أبي قد جاء.
وقال أبو البقاء النحوي: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر، فقرؤوا بين يديه بالألحان، فقلت في نفسي: تُرى لأي شيء ما ينكر الشيخ هذا؟. فقال: يجيء واحد قد قرأ أبوابًا من الفقه ينكر!. فقلت في نفسي: لعل أنه قصد غيري. فقال: إياك نعني بالقول، فتبت في نفسي من اعتراضي، فقال: قد قبل الله توبتك.
стр. 2499
وقال السهروردي: عزمت على الاشتغال بأصول الدين، فقلت في نفسي: أستشير الشيخ عبد القادر؛ فأتيته، فقال قبل أن أنطق: يا عمر، ما هو من عُدَّة القبر، يا عمر، ما هو من عدة القبر!!.
وقال الشيخ عبد القادر: طالبتني نفسي يومًا بشهوة، فكنت أضاجرها، وأدخل في درب، وأخرج من آخر أطلب الصحراء، فرأيت رقعةً ملقاة، فإذا فيها: ما للأقوياء والشهوات، وإنما خلقت الشهوات للضعفاء؟! فخرجت الشهوة من قلبي. قال: وكنت أقتات بخروب الشوك، وورق الخس، من جانب النهر.
وحكى ابن النجار عن الشيخ عبد القادر قال: «بلغت بي الضائقة في الغلاء إلى أن بقيت أيامًا لا آكل طعامًا، بل أتبع المنبوذات، فخرجت يومًا إلى الشط، فوجدت قد سبقني الفقراء، فضعفت وعجزت عن التماسك، فدخلت مسجدًا، وقعدتُ، وكدت أصافح الموت، ودخل شاب أعجمي ومعه خبز وشواء، وجلس يأكل، فكنت أكاد كلما رفع لقمة إلى فمه أن أفتح فمي، فالتفت فرآني، فقال: بسم الله، فأبيت، فأقسم علي، فأكلت مقصرًا، وأخذ يسألني ما شغلك؟ ومن أين أنت؟. فقلت: متفقه من جيلان، قال: وأنا من جيلان، فهل تعرف لي شابًا جيلانيًا اسمه عبد القادر يُعرف بسبط أبي عبد الله الزاهد؟. فقلت: أنا هو!. فاضطرب لذلك، وتغير وجهه، وقال: والله يا أخي، لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية نفقة لي، فسألت عنك، فلم يرشدني أحد إلى أن نفدت نفقتي، وبقيت بعدها ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا من مالك، فلما كان هذا اليوم الرابع، قلت: قد تجاوزتني ثلاثة أيام، وحلَّت لي الميتة، فأخذت من وديعتك ثمن هذا الخبز والشواء، فكل طيبًا، فإنما هو لك، وأنا ضيفك الآن. فقلت: وما ذاك؟. قال: أمك وجهت معي ثمانية دنانير، والله ما خُنتك فيها إلى اليوم، فسكنته، وطيبت نفسه، ودفعت إليه شيئًا منها.
وحكي عنه أيضًا أنه قال: «كنت في الصحراء أكرر في الفقه وأنا في فاقة، فقال لي قائل - لم أر شخصه -: اقترض ما تستعين به على طلب الفقه. فقلتُ: كيف أقترض وأنا فقير ولا وفاء لي؟. قال: اقترض وعلينا الوفاء. فأتيت بقالًا، فقلت: تعاملني بشرط: إذا سهل الله أعطيتك، وإن مُتُّ تجعلني في حلّ؟. تعطيني كل يوم رغيفًا ورشادًا. فبكى وقال: أنا بحكمك فأخذت منه مدَّةً، فضاق صدري، فقيل لي: امض إلى موضع كذا، فأي شيء رأيت على الدكة، فخذه، وادفعه إلى البقال. فلما جئت رأيت قطعة ذهب كبيرة، فأعطيتها البقلي ولحقني الجنون مرة، وحملت إلى المارستان، فطرقتني الأحوال حتى حسبوا أني مت، وجاؤوا بالكفن، وجعلوني على
стр. 2500
المغتسل، ثم سُرِّي عني، وقمتُ، ثم وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفتن، فخرجت إلى باب الحلبة، فقال لي قائل: إلى أين تمشي؟!، ودفعني دفعة خررت منها، وقال: ارجع فإن للناس فيك منفعة. قلت: أريد سلامة ديني. قال: لك ذاك، ولم أرَ شخصه.
ثم بعد ذلك طرقتني الأحوال، فكنت أتمنى من يكشفها لي، فاجتزت بالظَّفَرِيَّة، ففتح رجل داره، وقال: يا عبد القادر!، أيش طلبت البارحة؟. فنسيتُ، فسكت، فاغتاظ، ودفع الباب في وجهي دفعة عظيمة، فلما مشيت ذكرتُ فرجعت أطلب الباب، فلم أجده. قال: وكان حماد الدباس، ثم عرفته بعد، وكشف لي جميع ما كان يشكل علي، وكنت إذا غبت عنه لطلب العلم وجئت يقول: أيش جاء بك إلينا؟ أنت فقيه، مر إلى الفقهاء، وأنا أسكت، فلما كان يوم جمعة، خرجت مع الجماعة في شدة البرد، فدفعني ألقاني في الماء، فقلت: غُسل الجمعة، بسم الله، وكان عليَّ حِبَّةُ صوف، وفي كمي أجزاء، فرفعت كُمِّي لئلا تهلك الأجزاء، وخلوني ومشوا، فعصرتُ الجبة وتبعتهم، وتأذيت بالبرد كثيرًا، وكان الشيخ يؤذيني ويضربني، وإذا جئت يقول: جاءنا اليوم الخبز الكثير والفالوذج، وأكلنا وما خبَّأنا لك وحشة عليك!. فطمع في أصحابه، وقالوا: أنت فقيه، أيش تعمل معنا؟، فلما رآهم يؤذونني، غار علي، وقال: يا كلاب لم تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله، وإنما أوذيه لأمتحنه، فأراه جبلًا لا يتحرك، ثم بعد مدة قدم رجل من همذان، يقال له: يوسف الهمذاني، وكان يقال: إنه القطب، ونزل في رباط، فمشيت إليه ولم أره، وقيل لي: هو في السرداب، فنزلت إليه، فلما رآني قام، وأجلسني ففرشني، وذكر لي جميع أحوالي، وحل لي المشكل علي، ثم قال لي: تكلم على الناس. فقلت: يا سيدي أنا رجل أعجمي، قح، أخرس، أتكلم على فصحاء بغداد؟!. فقال لي: أنت حفظت الفقه وأصوله، والخلاف والنحو، واللغة، وتفسير القرآن، لا يصلح لك أن تتكلم؟. اصعد على الكرسي وتكلم، فإني أرى فيك عذقًا سيصير نخلة.
قال: وكنت أومر وأنهى في النوم واليقظة، وكان يغلب علي الكلام، ويزدحم على قلبي إن لم أتكلم به حتى أكاد أختنق، ولا أقدر أسكت، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة، ثم تسامع الناس بي، وازدحم الخلق علي، حتى صار يحضر مجلسي [نحو من] سبعين ألفًا.
وقال: فتَشتُ الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع، كفّي مثقوبة لا تضبط شيئًا!. لو جاءني ألف دينار لم
стр. 2501
أبيتها، وكان إذا جاءه أحدٌ بذهب، يقول: ضعه تحت السجادة.
وقال: «أتمنى أن أكون في الصحارى والبراري كما كنت في الأول لا أرى الخلق ولا يروني». ثم قال: «أراد الله مني منفعة الخلق، فقد أسلم على يدي أكثر من خمسمائة، وتاب على يدي أكثر من مائة ألف. وهذا خير كثير، وترد علي الأثقال التي لو وُضِعَتْ على الجبال تفسَّخَتْ، فأضع جنبي على الأرض، وأقول: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١)، ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني».
وقال الجبائي: كنت أسمع في «الحلية» على ابن ناصر، فرق قلبي، وقلت، اشتهيت لو انقطعت وأشتغل بالعبادة، ومضيت، فصلّيتُ خلف الشيخ عبد القادر، فلما جلسنا، نظر إليَّ، وقال: «إذا أردت الانقطاع، فلا تنقطع حتى تتفقه وتجالس الشيوخ وتتأدب، وإلا فتنقطع وأنت فريخ ما ريشت».
وعن أبي الثناء النهر ملكي قال: تحدثنا أن الذباب ما يقع على الشيخ عبد القادر، فأتيته، فالتفت إليَّ، وقال: أيش يعمل عندي الذباب؟ لا دبس الدنيا، ولا عسل الآخرة!؟.
وقال أبو البقاء العكبري: سمعت يحيى بن نجاح الأديب يقول: قلت في نفسي: أريد أن أحصي كم يقُصُّ الشيخ عبد القادر شعر تائب؟. فحضرت المجلس ومعي خيط، فلما قص شعرًا، عقدت عقدةً تحت ثيابي في الخيط، وأنا في آخر الناس، وإذا به يقول: «أنا أحل وأنت تعقد.؟».
وحكى ابن النجار عنه: إنه كان في وسط الشتاء وبرده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، وحوله من يروّحه بالمروحة. قال: والعرق يخرج من جسده كما يكون في شدة الحر!.
وقال أحمد بن ظفر بن هبيرة: سألت جدي أن أزور الشيخ عبد القادر، فأعطاني مبلغًا من الذهب لأعطيه، فلما نزل عن المنبر سلمت عليه، وتحرجت من دفع الذهب إليه في ذلك الجمع، فقال: هات ما معك، ولا عليك من الناس!. وسلّم على الوزير.
وقال صاحب مرآة الزمان: كان سكوت الشيخ عبد القادر أكثر من كلامه، وكان يتكلم على الخواطر، وظهر له صيت عظيم، وقبول تام، وما كان يخرج من مدرسته إلا يوم الجمعة أو إلى الرباط. وتاب على يده معظم أهل بغداد، وأسلم خلق، وكان يصدع بالحق على المنبر، وكان له كرامات ظاهرة.
стр. 2502
وحكى أبو الحسن علي بن قاسم الهكاري قال: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر الجيلي، فوجدت بين يديه غلامًا ينشد: [من البسيط]
بانتْ سُعادُ فقلبي اليوم متبول
القصيدة، ثم رأيته ثاني ذلك اليوم، ينشدها بين يديه، فتفكرت في سبب تكرارها، وسألت الشيخ عبد القادر عن ذلك؟. فقال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله! أمرت أن تُحفظ عنك هذه القصيدة؟ قال: نعم. فقلت: يا رسول الله، وهي مدح فيك؟. قال: نعم، ومن قالها ثلاث مرات غفر الله له، فأحببت بعد ذلك أن أسمعها كل يوم، أو كما قال.
انتقل إلى رحمة الله تعالى في عاشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمسمائة، وشيعه خلق لا يحصون، ودفن بمدرسته، رحمه الله تعالى.
وولد له تسعة وأربعون ولدًا، سبعة وعشرون ذكرانًا، والباقون إناثًا.
وقال: إذا ولد لي ولد أخذته على يدي وقلت: هذا ميت، فأخرجه من قلبي، فإذا مات لم يؤثر عندي موته شيئًا.
ومنهم:
[٥٠] قَضِيبُ البَان (١)
قال ابن عدي: سمعت شيخي أبا يوسف يقول: ما دفن ولي الله تعالى في زمان
стр. 2503
قضيب البان إلا وكان قضيب البان هو الذي يحفر قبره بيده. وكان اجتمع به في جنازة أحدهم وأخبره بذلك.
قال أبو يوسف: وما سئل قضيب البان عن مسألة من لدن آدم ﵇ إلى زمانه إلا مسح وجهه، ثم نظر في كفه، وأخبر بجوابها، وبتاريخها.
قلت: ويحكى أن ابن يونس الفقيه، كان يستنقص بقضيب البان، ويقول: عجبًا لمن يعتقد فيه خيرًا، وهو لا يتوقى النجاسات، ويطلق لسانه فيه فبينما ابن يونس يومًا، وهو على باب مدرسته، وقد جلس لانتظار الفقهاء، ليدخل بهم، ويذكر الدرس، وإذا بقضيب البان قد جاء، وجلس تلقاء وجهه، وأخذ هدمة له، وقعد يخيطها، ثم طلع إلى ابن يونس، وقال: يا قاضي خَيْطَتك، يا قاضي خَيْطَتك!. وجعل يكررها؛ فجاءت الفقهاء، وجلس ابن يونس لذكر الدرس، فلم يفتح عليه بكلمة، حتى ولا التحميد، وخرس!. فذكر كلمة قضيب البان، ونهض إليه، فقال: يا سيدي! أنا استغفر الله، فضحك، وفتق بعض ما كان خيط في تلك الهدمة!. ثم جعل يقول: فتقت لسانك يا قاضي! فتقت لسانك يا قاضي. فقام ابن يونس ودخل المدرسة، وجلس للدرس، ففتح عليه بكل عجب، وأتى بكل بديع، حتى قيل: إنه لم يذكر درسًا في عمره أكثر تحريرًا وتحقيقًا ونقلًا، وفائدة من ذلك اليوم. قالوا: فكان ابن يونس إذا رآه بعدها قبل
стр. 2504
يده، وقال: هذا ولي الله.
وحدثني علي بن عبد الله المعروف بالبديع أنه سمع محمد بن يونس بن محمد بن مالك القاضي بالموصل يحكي عن أبيه أن أحد المؤذنين بجامع الموصل حدثه، قال: خرجت يومًا لأتقضى خارج البلد، فرأيت قضيب البان ماشيًا في همة، فقلت: والله لأتبعنه اليوم، فمشيت وراءه نحو ساعة، وأنا لاه، ثم نظرت فأنكرت الطريق التي نحن بها، والأرض التي نحن فيها، وإذا نحن في أرض لا أعرفها، وإذا أمامنا نهر يصغر دجلة عنده، وحوله أشجار ليست بأرضنا، فبهت، وحرتُ، ولم أجسر على خطابه، فأتى قضيب البان النهر، فجلس، وجلست ناحية منه، فنزع ثيابه ونزل النهر، فاغتسل ثم خرج، فقام يصلي، واشتدَّتْ عليَّ الهاجرة، ولم يكن ذلك زمان حر، فأتيت شجرة ذات ظل، فنمت، فلما قمتُ لم أر قضيب البان، ولا من أسترشد به، فبينما أنا في ذلك وإذا براع يرعى معزى، فقمتُ إليه، فحدثته، فإذا هو أعجمي لا يعرف العربية، فصبرت واستعنت، فأقبل رجلٌ كهل، فقمت إليه، وسألته عن ذلك الموضع؟ فقال: بأرض الهند في مكان كذا، وهو نهر كذا!. فقلت له: فكم بيني وبين الموصل؟. فقال: وأين الموصل؟. وذكر شهرًا!. فصحت صيحةً كاد ينفطر معها قلبي، فقال لي الشيخ: ويحك ما لك؟!. فحكيت له حالي، وأنني خرجت في يومي هذا من الموصل؛ لأتقضى، فرأيت مولهًا عندنا ماشيًا، فتبعته، لأبصر أين يذهب؟، فأتى بي إلى هنا، ونزل فاغتسل، وقام يصلي إلى تلك الشجرة، واشتد علي الحر فنمت، فلما قمت لم أجده، فقال: اعلم أنَّي مار، في هذه الأرض، ولست منها، وسأل الراعي، قال: فحدث الراعي بالهندية، وكان رجلًا هنديًا، فقال له: هذا رجل يأتي كل يوم إلى هنا، فيغتسل ويقوم هنا، فيتعبَّد عبادات يدين بها، مما لا نعرفه نحن، ثم يذهب كما يأتي!. قال: فبتُ بأصعب ليلةٍ مرَّتْ بي، فلما كان في اليوم الثاني، جاء قضيب البان ففعل مثل ما فعله، وأُلقي عليَّ النوم، فجعلتُ أغالبه، فلما قضى صلاته، قمت إليه، وشكوتُ إليه حالي، فضحك، وقال: امش خلفي، ولا تعود تكلّف نفسك ما لا يعنيك، ولا تكثر فضولًا!. فقلت: يا سيدي السمع والطاعة، فأقبل علي يحدثني أحاديث العقلاء ذوي العلم، فلم يكن إلا ساعة، ونحن بالموصل، فودعني وانصرف، رحمه الله تعالى.
ومنهم:
стр. 2505
[٥١] أبو علي، الحَسَنُ بْنُ مُسَلَّم بن أبي الحَسَنِ بنِ أَبي الجُود (١): الزاهد الفارسي
عارف أحرز الحليفة إحرازا، وحرس الحقيقة فلم يدع لها إبرازا، فاستطار هياما، واستطاب سهرًا قطع عليه ليالي وأياما، وحُبّبت إليه الوحدة، وطيبت له الخلوة، فأنس بالله وحده، ولم تزل الأبصار به معقودة، والأمصار عليه محدودة، وكان لا يزال يأوي البر المقفر، ويهوى الفقر المفقر، إلى أن ترقت روحه، وأشرقت في أوجها نوحه.
أصله من قرية بنهر عيسى يقال لها: الفارسية. وكان من الأبدال، لازمًا لطريقة السلف، أقام أربعين سنة لم يكلم أحدًا، وكان صائم الدهر، قائم الليل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة.
ذكره أبو الفرج في «صفة الصفوة» وقال: كان زاهد زمانه، وكانت السباع تأوي إلى زيارته، وكان الخليفة وأرباب الدولة يمشون إلى زيارته وحكى عنه جماعة من أهل القرية: إن السباع كانت تنام طول الليل جوار زاويته، وإذا خرج أحد من القرية في الليل إلى نهر عيسى، لم تتعرض له. وأنَّ فقيرًا نام في الزاوية في ليلة باردة فاحتلم، ونزل إلى النهر ليغتسل، فجاء السَّبُعُ فنام على جُبَّته، فكاد الفقير أن يموت من البرد والخوف، فخرج الشيخ وجاء إلى السبع وضربه بكُمه وقال: يا مبارك! قد قلنا لك: لا تتعرض لأضيافنا!، فقام السَّبُعُ يهرول!.
стр. 2506
توفي يوم عاشوراء، سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ودفن برباطه بـ «الفارسية».
ومنهم:
[٥٢] أَبُو الحَسَنِ، عَلَيٌّ بنُ مُحَمَّد بن غُلَيْس، اليماني، الزاهد (١)
رجل كان ملاذًا، وملجًا في النوائب ومعاذا، يصرخ صراخ السيوف، ويطل إطلال الضراغم تحت السجوف، بسهام لا تُرَدّ، وسمام كأنه من أنياب الأساود يستمد، إذا رمى رمية أنفذها، وإذا أرشف بريقه عضة أكيلة وقذها، فكان في انطلاقه لا يفادى، وفي أهل صداقته لا يعادى، يمد يدًا له ما رُدَّتْ خائبة، ولا مدَّت إلا إلى إجابة غير غائبة. كان مقيمًا بكلاسة دمشق.
وحكى عنه العلامة أبو الحسن السخاوي قال: سمعت ابن غليس يقول: كنت مسافرًا مع قافلة، فرأيت في المنام كأنَّ سَبْعًا اعترضهم، فقطع الطريق عليهم، فوقفوا حائرين، فتقدمت إليه وقلت: يا كلب الله!، أنت كلب الله، وأنا عبد الله، فاخضع، واخنع لمن سكن له ما في السماوات والأرض، وهو السميع العليم. فذهب، وانفتحت الطريق، ثم انتبهتُ، فسرنا قليلًا، وإذا بالقافلة قد وقفت، فسألت: ما الخبر؟ فقيل: السَّبع على الطريق. فتقدمت إليه، وهو مُقع على ذنبه، فقلت ذلك الكلام، وتقدمت إليه، فأدخلت يدي في فمه، وقلبت أسنانه، وشممتُ منه رائحة كريهة.
قال السخاوي: فقلت له: إنه يأكل اللحم ولا يتخلل!. قال: وأدخلت يدي بين أفخاذه، فقلبت خصيتيه وإذا هي مثل خصي القط.
وقال الشيخ ميمون الضرير: أخبرني صاحب لابن غُلَيس قال: أمرني ابن غُليس بإيقاد السراج، ولم يكن به زيت، فأوقدت الفتيلة، فوقدت!. ثم أمرني في الليلة الثانية، فأوقدتها، فوقدت!. ثم أمرني في الليلة الثالثة بإيقادها، فقلت له: لا زيت في السراج!. قال: وأيش فضولك في هذا؟، لو سكت لكان يقدها أبدا!.
وقال أبو القاسم الفضل: مات فرس لابن غُلَيس، فحزن عليه كثيرًا، فقيل له: كم تحزن عليه؟، غيره يقوم مقامه!. فقال: إنه فرس صالح، كان معي في سفري بالعراق، فأواني الليل مع جماعة إلى قرية، وكانت ليلة باردة، ذات ريح، ومطر، فلم
стр. 2507
يُقدَّرُ لنا مكان نأوي إليه، إلا موضع صغير. فقلت لأصحابي: إن تركنا الفرس خارج البيت هلك بالبرد، وخفنا عليه، وإن أدخلناه معنا، خفنا من بوله وتلويثه الجماعة لصغر المكان. فتقدَّمتُ إليه وقلت له: نحن ندخلك معنا بشرط أن لا تفعل ما يتأذى به الجماعة من بول وغيره!. ثم أدخلناه، فبات ليلته لم يتحرك بحركة يُتَأَذَّى منها، ولم يبل. فلما أصبحنا، أخرجناه معنا، فلما صار خارج الباب، بال نحو قربة ماء.
وكان ابن غُليس يقول عن نفسه: «ابن غُلَيس ما يسوى فليس!».
وتوفي ﵁ يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ودفن قبلي قبر معاوية ﵁ بغرب مقبرة الباب الصغير. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٥٣] الشَّيخُ أَبُو عُمَرَ، مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بن مُحَمَّدٍ بِنِ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ (١) أخو الشيخ موفق الدين الحنبلي الزاهد
رقى السماء فوق صفائحها، وأبدى الأنباء وفق صحائحها. ووالى أعماله أرسالا، وأيقظ أعماله والرياح كسالى، وعزم اعتزامًا مسح بالنجوم راسه، ومسك بخيوط الغيوم مراسه فلم يلتفت إلى الدنيا ومغازلتها، ولا انفتل إلى مقاتلتها، على الدنايا ومنازلتها، تحليقًا إلى دار نعيمها سرمدا، ونسيمها لا يرى منه من شكوى الهوى أرمدا، فقطع الغاية مسرعا، ورفع حيث أراد ممرعا من قوم كانوا أهل علو وعلوم، وفي أموالهم حق معلوم. وكان غمامًا به يستسقى، وإمامًا عنه الدين يتلقى.
ويقال إنهم من بني، الفاروق، ثم من ولده عبد الله، ولا يعرف إلى من هم بنيه،
стр. 2508
ولا إلى أب في النسب يليه، إلا أنهم في الذرية العمرية من معدن شرف، ومثوى كرم، ما يحل منه في طرف.
ولد سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، بقرية «الساويا» من أعمال نابلس، وقيل: بـ «جماعيل».
قال أبو المظفر [الواعظ] سبط ابن الجوزي: «حدثني أبو عمر قال: هاجرنا في بلادنا، فنزلنا بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي، فأقمنا به [مدة]، ثم انتقلنا إلى الجبل، فقال الناس: «الصالحية، الصالحية! ينسبونا إلى مسجد أبي صالح، لا أننا صالحون، ولم يكن بالجبل عمارة إلا دير الحوراني وأماكن يسيرة. قال أبو المظفر: وكان معتدل القامة، حسن الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال متبسمًا، نحيل الجسم من كثرة الصلاة والصيام والقيام. قرأ القرآن بحرف أبي عمرو، وحفظ «مختصر الخرقي» في الفقه، وقرأ النحو على ابن بري بمصر، وسمع الحديث بدمشق ومصر. واشتغل بالعبادة عن الرواية، وكتب [الكثير بخطه المليح من المصاحف والكتب مثل:] «الحلية» لأبي نعيم، وتفسير البغوي، و «المغني» لأخيه، والإبانة» لا بن بطة، ومصاحف كثيرة، للناس ولأهله، وكتبًا كثيرة، الكل بغير أجرة.
وكان يصوم الدهر، إلا من عذر، ويقوم الليل من صغره، ويحافظ على الصلوات في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل الأخير إلى المسجد في الظلمة، فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعين من القرآن بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس، و «ياسين» و «تبارك» و «الواقعة»، والمعوذتين، و «قل هو الله أحد»، وإذا ارتفعت الشمس لقن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي ثماني ركعات، ويقرأ «قل هو الله أحد» ألف مرة، ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الاثنين والخميس إلى مغارة الدم ماشيًا بالقبقاب، فيصلي فيها ما بين الظهر والعصر، وإذا نزل جمع «الشَّيحَ» من الجبل وربطه بحبل وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل في الليل إليهم الدراهم، والدقيق ولا يعرفونه، ولا ينام إلا على طهارة، ومتى فتح له بشيء من الدنيا آثر به أقاربه، وغيرهم، ويتصدق بثيابه، وربما خرج الشتاء وعلى جسده جبة بغير ثوب، ويبقى مدة طويلة بغير سراويل، وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة، أو مات صغير يحتاج إلى كفن قطع له منها قطعة، وكان ينام على الحصير، ويأكل خبز الشعير، وثوبه خام إلى أنصاف ساقيه، وما نهر أحدًا ولا أوجع قلب أحد، وكان يقول: «أنا زاهد ولكن في الحرام!».
стр. 2509
ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق في خيمة، فجاء العادل إلى زيارته، وهو في الصلاة فما قطعها، ولا التفت، ولا ترك ورده، وكان يصعد المنبر وعليه ثوب خام مهدول الجيب، وفي يده عصا، فما قطعها، ولا التفت، والمنبر يومئذ ثلاث مراقٍ، وكان يحضر الغزوات مع صلاح الدين.
قال أبو المظفر: وكراماته كثيرة؛ فمنها: أني صليتُ يوم جمعة بجامع الجبل في سنة ست وستمائة، والشيخ عبد الله اليونيني إلى جانبي، فلما كان في آخر الخطبة والشيخ أبو عمر يخطب، نهض الشيخ عبد الله مسرعًا، وصعد إلى مغارة توبة، وكان نازلًا بها، فظننت أنه احتاج إلى وضوء أو آلمه شيء، فصليتُ وطلعت وراءه، وقلت له: خير ما الذي أصابك؟، فقال: هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة!، يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذي قال؟ قال: قال: «الملك العادل» وهو ظالم! فما يصدق!!!. وكان أبو عمر يقول: «اللهم وأصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب». فقلت: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح، فيا ليت شعري خلف من تصح؟. وخطر لي قول عبد الرحمن بن عوف لما رأى عمر بن الخطاب ﵁ يمشي في أزقة المدينة فتبعه، فأتى بيت عجوز، فدخله، قال: فدخلت لأبصر ما يصنع؟. فتواريت، وإذا به قد خرج من عندها، فدخلت بعده وقلت للعجوز: ما كان هذا يصنع عندك؟ فقالت: يحمل إليَّ ما آكل ويخرج الأذى عني!!!.
قال عبد الرحمن: فقلت في نفسي: ويحك يا عبد الرحمن! أعثرات عمر تتبع؟. قال أبو المظفر: وبينا نحن في الحديث، إذ دخل الشيخ وسلّم، وحل مئزره وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله الصلاة، ثم قال ابتداء: «قد روي في الحديث: أن النبي ﷺ قال: ولدت في زمن الملك العادل كسرى». فنظر إليَّ الشيخ عبد الله وتبسم، ومد يده فأكل، وقام الشيخ أبو عمر فنزل، فقال لي الشيخ عبد الله: ما ذا إلا رجل صالح.
قال أبو المظفر: وأصابني قولنج، عانيت منه شدة، فدخل علي أبو عمر وبيده خروب شامي مدقوق، فقال: استف هذا. وكان عندي جماعة فقالوا: هذا يزيد القولنج، ويضره. فما التفت إلى قولهم، وأخذته من يده فأكلته، فبرأت في الحال.
قال: وجاءه رجل مغربي فقرأ عليه القرآن، ثم غاب عنه مدة، وعاد، فلازمه، فسئل عن ذلك؟ فقال: دخلت ديار بكر، فأقمت عند شيخ له زاوية وتلاميذ، فبينا هو ذات يوم جالس بكى بكاء شديدًا، وأغمي عليه، ثم أفاق، وقال: مات القطب الساعة!، وقد أقيم أبو عمر شيخ الصالحية مقامه!؟.
قال: فقلت له: ذاك شيخي. قال: فأيش قعودك هنا؟. قم فاذهب إليه، وسلّم
стр. 2510
إليه عني، وقل له: لو أمكنني السعي إليه لسعيت. ثم زودني، وسافرت.
قال أبو المظفر: وقلت له يومًا أول ما قدمت الشام - وما كان يرد أحدًا في شفاعة - وقد كتب ورقة إلى الملك المعظم وقال فيها إلى الولد الملك المعظم: «كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله؟. فتبسم، ورمى إلي الورقة، وقال: تأملها. وإذا به لما كتب «الملك المعظم» كسر الظاء، فصار «المعظم». وقال: لا بد أن يكون يومًا قد عظم الله تعالى.
قال: فعجبت من ورعه، وتحفظه في منطقه عن مثل هذا.
قال أبو المظفر: وقال أبو عمر يومًا للمبارز المعتمد: قد أكثرت عليه من الرقاع والشفاعات!. فقال له: ربما تكتب إليَّ في حق أناس لا يستحقون الشفاعة، وأكره ردَّ شفاعتك. فقال له الشيخ: أنا أقضي حق من قصدني، وأنت إن شئت فاقبل، وإن شئت فلا تقبل. فقال: ما أرد ورقتك أبدًا.
قال أبو المظفر: وكان سبب موته أنه حضر مجلسي بالجامع بقاسيون، مع أخيه الموفق والجماعة، وكان قاعدًا في الباب الكبير، وجرى الكلام في رؤية الله ومشاهدته، واستغرقت، وكان وقتًا عجيبًا فقام أبو عمر من جانب أخيه، وطلب باب الجامع، ولم أره، فالتفت وإذا بين يديه شخص يريد الخروج من الجامع، فصحت على الرجل: اقعد فظنَّ أبو عمر أنني أخاطبه، فجلس على عتبة باب الجامع الجوانية، إلى آخر المجلس، ثم حمل إلى الدير، فكان آخر العهد به، وأقام أيامًا مريضًا، ولم يترك شيئًا من أوراده. فلما كان عشية الاثنين، ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وستمائة، جمع أهله، واستقبل القبلة، ووصاهم بتقوى الله، ومراقبته، وأمرهم بقراءة «يس»، وكان آخر كلامه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)، وتوفي.
وغُسل وقت السحر، ومن وصل إلى الماء الذي غُسل به نشف به النساء مقانعهن، والرجال عمائمهم. ولم يتخلف عن جنازته أحد، ولما خرجوا بجنازته من الدير، كان يومًا شديد الحر، فأقبلت غمامة، فأظلت الناس إلى قبره!. وكان يُسمعُ منها دوي كدوي النحل.
قال أبو المظفر: ولولا المبارز المعتمد، والشجاع بن محارب، وسيف الدولة الحسامي، ما وصل إلى قبره من كفنه شيء. وإنما أحاطوا به بالدبابيس والسيوف. وكان قبل وفاته بليلة رأى إنسان كأنَّ قاسيون وقع، أو زال من مكانه، فأولوه: موته.
стр. 2511
ولما دفن رأى بعض الصالحين النبي ﷺ وهو يقول: من زار أبا عمر ليلة الجمعة، فكأنما زار الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه. ومات عن ثمانين سنة.
قال أبو المظفر: وأنشدني أبو عمر لنفسه: [من الطويل]
أَلَمْ يكْ مُلْهَاةً عن اللهو أنني … بدا لي شيب الرأس والضعف والألم
أَلَمْ بي الخطبُ الذي لو بكيتهُ … حياتي حتى يَنْفَدَ الدمع لمْ أَلَمْ
قال: وكان على مذهب السلف الصالح سمتًا وهديًا، وكان حسن العقيدة، متمسكًا بالكتاب والسنة، والآثار المروية، يمرها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المسلمين، وكان ينهى عن صحبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصالحين الذين هم على سنة سيد المرسلين وخاتم النبيين ﷺ . وأنشد لنفسه أيضًا: [من الرجز]
أوصيكم بالقول في القرآن … بقول أهل الحق والاتقان
ليس بمخلوق ولا بفان … لكن كلام الملك الديان
آياتُهُ مُشرقةُ المَعاني … متلوَّةٌ الله بالان
محفوظة في الصدر والجَنانِ … مكتوبةٌ في الصُّحْفِ بالبنان
والقول في الصفات يا إخواني … كالذات والعلم مع البيانِ
إمرارها من غير ما كُفرانِ … مِنْ غَيرِ تشبيه ولا عُدوان
وقال أبو شامة: أخبرني بعض أصحابنا الثقات، أنه رأى الإمام الشافعي في المنام، فسأله: إلى أين تمضي؟. قال: أزور أحمد بن حنبل، قال: فاتَّبعته، أنظر ما يصنع؟. فدخل دارًا، فسألت لمن هي؟ فقيل: للشيخ أبي عمر - رحمه الله تعالى. وقال أبو شامة: وأول ما وقفت على قبره وزرته، وجدت بتوفيق الله تعالى رِقَةٌ عظيمة، وبكاء، وكان معي رفيق لي، وهو الذي عرفني قبره، وجد أيضًا مثل ذلك، رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٥٤] عبد الله بن عثمان بن جعفر بن أبي القاسم محمد اليونيني (١)
ملجأ لخائف، وملجم للسان كل مفتر وحائف. صفت له أيامه صفاء الزجاجة،
стр. 2512
ووفت له لياليه وفاء السحب الثجاجة، فمس السماء ومسحها، ومد النعماء وفسحها، والحق يسعده، ويقربه ولا يبعده، دامت به كل عين قريرة، ونسبته على المحاسن قديرة، وهو للمتبصر سيف لك لم يثلم، وللمقتصر شرف ما كلُّ من رقى إليه بسلَّم يسلم، فكان فضله شيء جزم به وقطع، وعلم أن غيره لو حاوله لم يستطع، تهلل به وجه الدهر، وكان قد كلح، وصلح به فساده وقط ما صلح.
قال عبد الله بن شكر اليونيني: كان الشيخ - رحمه الله تعالى - في شيبوبيته قد انقطع في الجبل، وكانت أخته تأتيه كل يوم بقرص وبيضتين، فأتته بذلك مرة، وإذا بفقير قد خرج من عنده ومعه قرص وبيضتان فقالت له: من أين هذا؟. قال: من ذاك القاعد، له شهر كل يوم يعطيني قرصًا وبيضتين!. فأتته وسألته، فنهرها، وزعق فيها.
وقال خليل بن عبد الغني الزاهد الأنصاري: كنت بحلقة الحنابلة إلى جانب الشيخ عبد الله، فقام ومعه خادمه توبة إلى الكلاسة، ليتوضأ، وإذا برجل متختل يفرِّقُ ذهبًا، فلما وصل إليَّ أعطاني خمسة دنانير، وقال: أين سيدي الشيخ؟. قلت: يتوضأ. فجعل تحت سجادته ذهبًا، وقال: إذا جاء قل له: مملوكك أبو بكر التكريتي يسلّم عليك، ويشتهي أن تدعو له.
فلما جاء الشيخ وقف يصلي وبقيت أنا ألعب بالذهب في عبي، فلما سلم قال:
ما هذا؟ قلت: يا سيدي ذهب أعطانيه رجل، ويقول: مملوكك أبو بكر التكريتي يسلم عليك ويشتهي أن تدعو له، فقال توبة: من ذا يا سيدي؟. قال: صاحب دمشق؛ وإذا به قد رجع، ووقف قدام الشيخ، والشيخ يصلي، فلما سلم أخذ السواك ودفع به الذهب، وقال: يا أبا بكر كيف أدعو لك والخمور دائرة في دمشق؟. وتغزل امرأة وقيَّةً تبيعها فيؤخذ منها قراطيس؟. فلما راح أبطل ذلك كما قال الشيخ، وكان الملك العادل.
وقال محمد بن أبي الفضل: كنت عند الشيخ، وقد جاء إليه المعظم، فلما جلس عنده، قال: يا سيدي! ادع لي. قال: يا عيسى لا تكن نحسًا مثل أبيك!. فقال: يا
стр. 2513
سيدي وأبي كان نحسًا؟. قال: نعم. أظهر الزغل، وأفسد على الناس المعاملة، وما كان محتاجًا!. قال: فلما كان الغد. أخذ الملك المعظم ثلاثة آلاف دينار، وطلع إلى عند الشيخ بها، وقال: هذه تشتري بها ضيعة للزاوية. فنظر إليه، وقال: قم يا ممتحن، يا مبتدع!، لا أدعو الله تنشق الأرض وتبتلعك، ما قعدنا على السجاجيد حتى أغنانا، تحتي ساقية تجري ذهبًا وساقية تجري فضة!، أو كما قال.
وقال أبو طالب النجار: أنكر الشيخ عبد الله على صاحب بعلبك، وكان يسميه «مُجَيد»، فأرسل إليه الأمجد يقول: إن كانت بعلبك لك فأشتهي أن تطلقها لي، فلم يبلغه رسول الأمجد شيئًا.
وقال أبو المنى خادم الشيخ مسعود الحمصي: كنت ليلة جالسًا أكبس الشيخ، وإذا به قد ضم رجليه، وقام. فقلت في نفسي: خرج مجددًا وضوءًا. قال: فأبطأ علي، فخرجت أطلبه، فلم أجده، فبقيت أنتظره إلى أن عاد، فكبسته، ثم قام وخرج، وعاد، فبقي في نفسي شيء، فقال: ما لي أراك؟، أيش في نفسك؟. قلت: أنت تدري. قال: ويحك، كان الشيخ عبد الله اليونيني قد خرج يزور جبال العراق فودعته، إلى الفرات، ثم رجع فودعته، ثم ناولني منشفة بغدادية وقال لي: هذه أعطانيها الشيخ، أو ما هذا معناه.
وقال أبو الحسن علي بن عثمان الموصلي: حضرت مجلس الشيخ الفقيه ببعلبك، وهو على المنبر، فسألوه أن يحكي شيئًا من كرامات الشيخ عبد الله، فقال بصوت جهير: كان الشيخ عبد الله عظيمًا، كنت عنده، وقد ظهر من ناحية الجبل سحابة سوداء مظلمة، ظاهر منها العذاب، فلما قربت قامَ الشيخ، وقال: إلى بلدي؟ ارجعي، فرجعت السحابة. ولو لم أسمع هذه الحكاية من الفقيه ما صدقت.
وقال الشيخ محمد السكاكيني، وكان لا يكاد يفارق الشيخ: كنت ليلة ببعلبك فدعاني إنسان، وألح علي؛ [فأتيته] فقلت: كيف أخلي الشيخ؟ فقال: لا بد من هذا. فلما كان الليل قلت في نفسي: يكون الشيخ في الجبل، وأنا ههنا، فقمت، وطلعت من السور، من عند عمود الراهب، وجئت إلى الزاوية، فإذا الشيخ ظاهرها وهو يقول: يا مولاي ترسل إليَّ الناس في حوائجهم؟، من هو أنا حتى ترسلهم إليَّ؟. اقضها أنت لهم يا مولاي. إبراهيم النصراني من جبَّة بشري، يا مولاي!، ودعا له، فبهت لذلك، ونمت، ثم قمتُ إلى الفجر، وبقيت عنده يومئذ إلى الليل. فلما كان الليل وأنا ظاهر الزاوية، إذا بشخص، فقلت: أيش تعمل هنا؟. وإذا هو إبراهيم النصراني!. من «جبة بشري»، قلت: أيش جابك؟. قال: أين الشيخ؟. قلت: يكون في المغارة، وأيش تريد
стр. 2514
به؟. قال: رأيت البارحة رسول الله ﷺ وهو يقول: تروح إلى الشيخ عبد الله، وتُسْلِمْ على يده، فقد شفع فيك!.
فرحنا إلى الشيخ وإذا به في المغارة، فلما رآه الشيخ، قال: يا سيد! أيش بك؟. فقص عليه ما رأى، فتفجَّرت عينا الشيخ، وغرغرت بالدموع، وقال: «سماني رسول الله ﷺ شويخ!؟.» فأسلم إبراهيم، وجاء منه رجل صالح.
وقال عبد الصمد: والله الذي لا إله إلا هو، مذ خدمت الشيخ عبد الله اليونيني ما رأيته استند على شيء، ولا سَعَلَ، ولا تنحنح، ولا بصق. وقال الفقيه محمد اليونيني: حضرت الشيخ عبد الله مرتين، وقد سأله ابن خاله حمد بن برق، فقال: زوجتي حامل، إن جاءت بولد ما اسميه؟ قال: سم الواحد سليمان، والآخر داود. فولدت اثنين توأمًا.
وقال له ابنه محمد: امرأتي حامل، إن جاءت بولد ما أسميه؟. قال: سم الأول عبد الله، والثاني: عبد الرحمن. وقال سعيد المارديني: جاء رجل من بعْلَبَكَ إلى الشيخ، فقالوا: جاءت الفرنج. قال: فمسك لحيته، وقال: هذا الشيخ النحس ما قعوده ها هنا؟. فرُدَّتْ الفرنج!.
وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان: عبد الله اليونيني أسد الشام، كان صاحب رياضات ومجاهدات، وكرامات وإشارات، لم يقم لأحد تعظيمًا لله؛ وكان يقول: لا ينبغي القيام لغير الله. صحبته مدة، وكان لا يدخر شيئًا، ولا يمس دينارًا ولا درهمًا، وما لبس طول عمره سوى الثوب الخام، وقَلَنْسُوَة من جلد ماعز تساوي نصف درهم، وفي الشتاء يبعث له بعض أصحابه فروة، فيلبسها، ثم يؤثر بها في البرد. قال لي يومًا ببعلبك: يا سيدي!، أنا أبقى أيامًا في هذه الزاوية ما آكل شيئًا!. فقلت: أنت صاحب القبول، كيف تجوع؟. قال: لأن أهل بَعْلَبَكَ يتكل بعضهم على بعض، فأجوع أنا، فحدثني خادمه عبد الصمد، قال: كان يأخذ ورق اللوز يفركه، ويستفه. وكان الملك الأمجد يزوره، فكان الشيخ يهينه، فما قام له يومًا، وكان يقول: يا مُجيد! أنت تظلم وتفعل، وهو يعتذر إليه. وأظهر الملك العادل قراطيس سودًا، فقال الشيخ عبد الله: انظروا إلى هذا الفاعل الصانع، يفسد على الناس معاملاتهم، فبلغ العادل ذلك، فأبطلها.
وكنت اجتمعت به في سنة ستمائة إلى سنة ثلاث، وكان له تلميذ اسمه توبة. وسافرت إلى العراق سنة أربع، وحججت، فلما كان يوم عرفة، صعدت جبل عرفات، فإذا بالشيخ عبد الله قاعد مستقبل القبلة، فسلَّمتُ عليه، فرحب بي وسألني عن
стр. 2515
طريقي؟، وقعدتُ عنده إلى وقت الغياب، ثم قلت: ما نقوم نروح إلى المزدلفة؟. فقال: اسبقني؛ فلي رفاق. فأتيت مزدلفة ومنى، فدخلت مسجد الخيف، فإذا بالشيخ توبة، فسلم علي، فقلت: أين نزل الشيخ؟ فقال: أيّما شيخ؟. قلت: عبد الله اليونيني. قال: خلفته ببعلبك. فقطبت وقلت: مبارك. ففهم، وقبض على يدي وبكى، وقال بالله حدثني أيش معنى هذا؟ قلت: رأيته البارحة على عرفات. ثم رجعت إلى بغداد، ورجع توبة، إلى دمشق، وحدَّثَ الشيخ عبد الله، ثم حدثني الشيخ توبة، قال: قال لي: ما هو صحيح منك، فلان فتى، والفتى لا يكون غمازًا، فلما عدت إلى الشام عتبني الشيخ.
قال سبط ابن الجوزي: وحدثني الجمال [بن] يعقوب، قاضي [كرك] البقاع، قال: كنت عند الجسر الأبيض، وإذا بالشيخ عبد الله قد جاء ونزل إلى ثورا، وإذا بنصراني عابر على الجسر، ومعه بغل عليه حِمْلُ خمر، فعثر البغل ووقع، فصعد الشيخ وقال: يا فقيه تعال. فعاونته حتى حملناه، فقلت في نفسي: أيش هذا الفعل؟. ثم مشيت خلف البغل إلى العقيبة، فجاء إلى دكان الخمار، فحل الظرف وقلبه، وإذا به خل!. فقال له الخمارُ: ويحك هذا خل. فبكى، وقال: والله ما كان إلا خمرًا من ساعة، وإنما أنا أعرف العلة، ثم ربط البغل في الخان، وعاد إلى الجبل، وكان الشيخ قد صلى الظهر عند الجسر في مسجد، فدخل عليه النصراني، وأسلم، وصار فقيرًا.
قال أبو المظفر: وكان الشيخ شجاعًا، ما يبالي بالرجال، قلوا أو كثروا، وكان قوسه ثمانين رطلًا، وما فاتته غزاة في الشام قط. وكان يتمنى الشهادة، ويلقي نفسه في المهالك. فحكى لي خادمه عبد الصمد: قال: لما دخل العادل إلى بلاد الفرنج، إلى صافيتا، قال لي الشيخ ببعلبك: انزل إلى عبد الله الثقة، فاطلب لي بغلته، قال: فأتيته بها، فركبها، وخرجت معه فبتنا في يونين، وقمنا نصف الليل، فجئنا المحدثة الفجر، فقلت له: لا تتكلم فهذا مكمن الفرنج. فرفع صوته وقال: الله أكبر، فجاوبته الجبال، فيبست من الفزع، ونزل فصلى الفجر، وركب، فطلعت الشمس، والطير لا يطير في تلك الأرض، وإذا قد لاح في ناحية حصن الأكراد طلب أبيض، فظنهم «الأسبتار»، فقال: الله أكبر، ما أبركك من يوم!. اليوم أمضي إلى صاحبي. وساق إليهم وشهر سيفه، فقلت في نفسي: شيخ وتحته بغلة، وبيده سيف، يسوق إلى طلب فرنج. فلما كان بعد لحظة وقربوا، إذا هم بمائة حمير وحش، فانكسر قلبه، وفترت همته، وجئنا إلى حمص، فجاء الملك المجاهد أسد الدين، وقدم له حصانًا من خيله، فركبه، ودخل معهم، وفعل عجائب. وكان يقول للفقيه محمد: في وفيك نزلت:
стр. 2516
﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) أنا من الرهبان، وأنت من الأحبار!
وقال كمال الدين ابن العديم في تاريخ حلب: أخبرني الشيخ محمد اليونيني، قال: سمعت الشيخ عبد الله اليونيني ينشد: [من الطويل]
شَفيعي إليكم طُولُ شَوقي إليكم … وكُلُّ كَريم للشَّفيع قَبولُ
وعُذري إليكم أَنَّني في هَواكُم … أُسير ومأسور الغرام ذَليل
فإن تقبلوا عُذري فأهلًا ومرحبًا … وإنْ لَمْ تُجيبوا فالمُحِبُّ حَمولُ
سأصبر، لا عنكم ولكن عليكم عسى لي إلى ذاكَ الجَناب وُصُولُ
وأخبرني الشيخ محمد قال: كان الشيخ يصلي بعد العشاء الآخرة وردًا إلى قريب ثلث الليل، فكان ليلة يعاتب ربه ، ويقول: يارب الناس ما يأتوني إلا لأجلك، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية، والرجل الفلاني أن تقضي حاجته، وما قضيتها، فهكذا يكون؟ ويبكي ليله وينتحب وليلة يتمثل بهذه الأبيات، وكان يتمثل بها كثيرًا.
قال: وأخبرني القاضي شمس الدين عبد الله الحنفي النائب بدمشق، قال: حكى رجل من الفقراء كان قد صحب الشيخ عبد الله اليونيني، وكان في صباه حماميًا، قال: دعتني نفسي إلى معاشرة النساء، فبينا أنا عند امرأة، وإذا زوجها قد جاء، فدق الباب، فحرْتُ، وكان بيتها صغيرًا، فصعدت السطح، فدخل زوجها، فرآها متغيرة، فقال: ما لك؟. قالت: لا شيء، فارتاب، وصعد السطح. قال: ونظرت والله إلى عمامته وهو في السلم صاعد. فقلت: «يا سيدي الشيخ عبد الله!، أنا في حسبك». فطلع، فلم يرني، ونزل، وبقي في بيته ساعة، وخرج. فنزلت ومضيت إلى الشيخ، فقال: ويلك يا مدبر! تتستر بنا، وتستعين بنا على المعاصي؟!
قال ابن العديم: وقد صحبته، ووهب لي قميصًا له أزرق، وقال لي يومًا ببيت المقدس: يا أبا القاسم! اعشق تفلح!. فاستحييت، وذلك في سنة ثلاث وستمائة. وعدت مع والدي. ثم بعد مدة سارني بجامع دمشق، وقال: عشقت بعد؟. فقلت: لا. قال: شه عليك. واتفق أني تزوجت بعد ذلك بسنة، وملت إلى الزوجة ميلًا عظيمًا، فما كنت أصبر عنها. قال لي الفقيه محمد: كنت عند الشيخ، فالتفت إلى داود المؤذن، فقال: وصيتك بي غدًا، فظن الموذن أنه يريد يوم القيامة. وكان ذلك يوم الجمعة، وهو
стр. 2517
صائم، فلما جاء وقت الإفطار، قال لجاريته: يا دراج! أجد عطشًا. فسقته ماء لينوفر، فبات تلك الليلة، وأصبح وجلس على حجر، موضع قُبِرَ، مستقبل القبلة، فمات وهو جالس، ولم نعلم بموته، حتى حركوه، فوجدوه ميتًا، فجاء المؤذِّنُ وغسله، رحمه الله تعالى.
قال الفقيه: كنت عند الشيخ يومًا؛ فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟. قال: لا. فذهب أحدهما، وجلس الآخر، فقال الشيخ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، ثم قال له: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أيامًا، فقال له الشيخ: تحب أن أريك قبرك؟. قال: نعم. فأتى به المقبرة، فقال: هذا قبرك!. فأقام بعد ذلك اثني عشر يومًا، أو أربعة عشر يومًا، ثم مات، فدفن في ذلك المكان!. وكان له زوجة، ولها، بنت، فطلبت أن يزوجني بها، فتوقفت أمها، وقالت: هذا فقير ما له شيء. فقال: والله إني أرى دارًا قد بنيت له، وفيها ماء جار، وابنتك عنده في الإيوان، وله كفاية على الدوام، فقالت: ترى هذا؟. قال لها: نعم. فزوَّجَتْنِيها، ورأت ذلك، وأقامت معي سنين، وذلك سنة محاصرة الملك العادل سنجار. وكانت امرأة بعد موتها تطلب زواجي وتشفعت بزوجة الشيخ، فلما أكثرتْ عليّ، شكوتها إلى الشيخ، فقال: طول روحك يومين، ثلاثة، ما تعود تراها. قال: فقدم ابن عمها من مصر أمير كبير بعد أيام، فتزوج بها، وما عدتُ رأيتها.
قال ابن العديم: توفي في عشر ذي الحجة، سنة سبع عشرة وستمائة، وهو صائم، وقد جاوز الثمانين. وكان رحمه شيخًا طوالًا، مهابًا، كأنه نار، وكان يقوم نصف الليل إلى الفقراء، فمن رآه نائمًا ضربه، وكان له عصاة اسمها «العافية». وكان شجاعًا في الله، وبالله، كثير الأذكار والحضور، يغار ممن يذكر اسم «الجبار» بغير استحضار، وله هيبة على المشايخ والفقراء، لا يستطيع الإنسان أن يطيل النظر إليه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان من حين اشتد يخرج ويتطرح في شعراء يونين، فإذا رآه السفارة، حملوه إلى أمه، وكانت صالحة. فلما انتشا، طلب لبنان، وتعبد فيه.
وقال الشيخ شمس الدين محمد بن العماد نزيل مصر: ما سمي أحد بأسد الشام إلا الشيخ عبد الله اليونيني. وقال الشيخ علي القصار: كنت إذا رأيت الشيخ عبد الله أهابه كأنه أسد، فإذا دنوت منه، وددت أني أشق قلبي وأجعله فيه. رحمه الله تعالى.
стр. 2518
ومنهم:
[٥٥] الشَّيخُ يُونُسُ بن يُوسف بن مُساعد الشَّيباني، المُخَارِقِيُّ، المشرقي، القُنَّنِيُّ شيخ الفقراء اليُونُسِيَّة (١)
رجل لم يكن في التقوى مُحْرَجًا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا﴾ (٢)، توالت عليه العصب، وقام له العدو، وانتصب فَرُدَّ خائبًا، وفَرَّ دون لقائه آيِبًا، فتوكل له ربه، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٣)، فكشف له الغطاء، ووكف له العطاء، وأنافت له غدر المواهب، وأشرقت به غدائر الغياهب وكانت لياليه مشكاة لأنوار، ومشكاة لأوار، وعزائمه تُسعّر لجج السيوف وتوقدها، وطائفته شاكية السلاح، شافية في أهل الصلاح، طالما حلوا الدهر همما، وأشبهوا الصحاب ذمما، واتَّزروا بزي غريب من طرة عجيب نظره، فلبسوا أحلامًا، وصلوا اخلافًا، ولم يكن من انتموا إليه وارتموا عليه على طريقتهم التي سلكوها، وحقيقتهم التي ضيعوها بعد أن ملكوها.
قال ابن خلكان: [وسألت جماعة] من أصحابه عن شيخه من كان؟ فقالوا: لم يكن له شيخ؛ بل كان مجذوبًا، وهم يسمون من لا شيخ له بـ «المجذوب»، يريدون بذلك أنه جذب إلى طريق الخير والصلاح، ويذكرون له كرامات.
وقال ابن خلكان: أخبرني الشيخ محمد بن أحمد بن عبيد، كان قد رآه وهو صغير، وذكر أن أباه أحمد كان صاحبه، فقال: كنا مسافرين والشيخ يونس معنا، فنزلنا في الطريق على عين بوار، وهي التي يجلب منها الملح البواري، وهي بين سنجار وعانة، قال: وكانت الطريق مخوفة، فلم يقدر أحد منا أن ينام من شدة الخوف، ونام الشيخ يونس، فلما انتبه قلت له: كيف قدرت أن تنام؟.
стр. 2519
فقال لي: والله ما نمت حتى جاء إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وتدرك الفعل. فلما أصبحنا رحلنا سالمين ببركة الشيخ يونس.
قال: وعزمت مرة على دخول نصيبين، وكنت عند الشيخ يونس في قريته، فقال: إذا دخلت البلد فاشتر لأم مساعد كفنًا، قال: وكانت في عافية، وهي أم ولده، فقلت له: وما بها حتى نشتري لها كفنًا؟ فقال: ما يضر، فذكر أنه لما عاد وجدها قد ماتت!.
وذكر له غير هذا من الأحوال والكرامات وأنشدني له مواليا، وهو: [من المواليا]
أنا حميتُ الحِمى وانا سكنت فيه … وأنا رميت الخلايق في بحار التيه
مَنْ كانَ يبغي العطا مِنِّي أنا أُعطيه … أنا فتى ما أداني من به تشبيه
قال ابن خلكان: وذكر لي الشيخ محمد المذكور أن الشيخ يونس توفي سنة تسع عشرة وستمائة في قريته، وهي «القُنَيَّة»، من أعمال «دارا»، وقبره مشهور بها يزار، وكان قد ناهز تسعين سنة من عمره. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٥٦] السَّاوجي شَيْخُ القَلَنْدَرِيَّة، جَمَالُ الدِّين، محمد الزَّاهِد (١)
أليف حال لو صُبَّ على الصخر لتصدع، ولو استوقف به المفارق لما وَدَّع، كان لا يصدف مسمعًا، ولا يصرف في غير الهوى العذري مدمعًا، هام بالحب فتيمه، وأثكله من أحب وأيَّمه شهدت البصائر من حاله ما أعجب، ومن فرط بكائه وانهماله ماء لولا النار لأعشب، فحمل إنسان عينيه ما لم يطق، وسقي بكأس من شرب منه لم يفق. وكان في مبدأ أمره إذا قدم دمشق بطلب العلم مشتغلا، وفي لهب الجد مشتعلا، ثم شمر للزهد إزاره، وانقطع سواء من هجره أو زاره، وأقام مجاورًا لمحلة الأموات، وجارًا للأعظم الرفات، ثم حلق شعر لحيته ورأسه، واتخذه شعارًا لأناسه، فلم يزل ريًا لأتباعه، وحلية لضباع قاعه وسباعه وربما أتى هو وبعض ذويه بمخاريق وكرامات، للإنكار فيها طريق. وأصحابه يُرْمَونَ باستعمال المسكر، إلا أنه الذي لا يُعصَر، والمسكر الذي يفعل فعل المُدام، ولا يعرف وينكر.
قدم دمشق، وقرأ القرآن والعلم، وسكن بجبل قاسيون بزاوية الشيخ عثمان الرومي، وصلى به مدة ثم حصل له زهد، وفراغ عن الدنيا، فترك الزاوية وانملس،
стр. 2520
وأقام بمقبرة الباب الصغير، قريبا من الموضع الذي بنى فيه القبة لأصحابه، وبقي مدة في قبة زينب بنت زين العابدين، فاجتمع فيها بالجلال الدركزيني، والشيخ عثمان كوهي الفارسي، الذي دفن بالقنوات بمكان القلندرية. ثم إن الساوجي حلق وجهه ورأسه، فانطلى على أولئك حاله، فوافقوه، وحلقوا. ثم فتش أصحاب الشيخ عثمان [الرومي] على الساوجي فوجدوه بالقبة فسبوه، وقبحوا فعله، فلم ينطق ولا رد عليهم. ثم اشتهر وتبعه جماعة وحلقوا، وذلك في حدود العشرين وستمائة. ثم لبس دلق شعر، وسافر إلى دمياط، فأنكروا حاله وزيه، فرنق بينهم ساعة، ثم رفع رأسه، وإذا هو بشيبة - فيما قيل - كبيرة بيضاء. فاعتقدوا فيه، وضلوا به حتى قيل: إن قاضي دمياط وأولاده، وجماعة حلقوا لحاهم، وصحبوه، والله أعلم بصحة ذلك.
وتوفي بدمياط بعد العشرين وستمائة وقبره بها مشهور، وله هناك أتباع.
وذكر شمس الدين الجزري في تاريخه: أنه رأى كراريس من «تفسير» القرآن الكريم للشيخ جمال الدين الساوجي، وبخطه وجلس في المشيخة بعده بمقبرة الباب الصغير، جلال الدين الدركزيني، وبعده: الشيخ محمد البلخي، وهو - أعني البلخي - من مشاهير القوم، وهو الذي شرع لهم الجولق الثقيل، وأقام الزاوية، وأنشأها، وكثر أصحابه. وكان للملك الظاهر فيه اعتقاد، فلما تسلطن طلبه، فلم يمض إليه. فبنى لهم السلطان هذه القبة من مال الجامع. وكان إذا قدم يعطيهم ألف درهم، وشقتين من البسط، ورتب لهم ثلاثين غرارة قمح، في السنة، وعشرة دراهم في اليوم. وكان السويداوي منهم يحضر سماط السلطان الملك الظاهر، ويمازح السلطان. ولما أنكروا في دولة الأشرف موسى على علي الحريري أنكروا على القلندرية - وتفسيرها بالعربي المحلقين - ونفوهم إلى قصر الجنيد.
وذكر ابن إسرائيل الشاعر: إن هذه الطائفة ظهرت بدمشق سنة نيف وعشر وستمائة. ثم أخذ يحسن حالهم.
ومنهم:
[٥٧] الشيخ عبد الله بن يونس الأرمني الحنفي (١)
الشيخ، الزاهد، القدوة. قدوة لما عصم، وأسوة فيما علم، فطفق يفيض
стр. 2521
المواهب، وطفح جدوله ليغيض الغياهب، ولم يزل منتابًا، ومؤملًا يهدي مرتابًا، وكشف لبصيرته، وأشرف بسريرته، وأدلج إلى الآخرة يحدي به مطايا النفوس، حتى زف إلى لحده زفاف العروس، وأطبق ملحده عليه، وعلى ما تبعه من النفوس، ثم خلا بعمله، وخلف المحلف خاليًا بعدله، وذهب لم يطمس له منار، ونزل الجنة والقلوب بعد في نار.
أصله من أرمينية الروم، وجال في البلاد، ولقي الصلحاء والزهاد، وكان صاحب أحوال ومجاهدات، وكان سمحًا، لطيفًا، متعفّفًا، لازمًا لشأنه، مطرح التكلف. ساح مدة وبقي يتقنَّع بالمباحات، وكان متواضعًا، سيدًا، كبير القدر، له أصحاب ومريدون، ولا يكاد يمشي إلا وحده، ويشتري الحاجة بنفسه، ويحملها. وكان قد حفظ القرآن، وكتاب القُدوري، فوقع برجل من الأولياء فدله على الطريق إلى الله.
توفي تاسع عشرين شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكانت له جنازة مشهودة، وزاويته مطلة على قبر الشيخ موفق الدين بسفح قاسيون، ودفن جوار الزاوية رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٥٨] شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ (١)
أبو حفص، عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن [عمر بن] عمويه. واسمه عبد
стр. 2522
الله بن سعد بن الحسين بن القاسم بن النضر بن القاسم بن سعد بن النضر بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق الملقب: شهاب الدين السُّهْرَوَرْدِي.
رأس سُنَّةٍ وجماعة، ورحا سنة ذات مجاعة. كان الغيث يستهل من فروج أصابعه، وتستقي البحار من منابعه، مع اعتزائه إلى نسب صديقي، واعتزازه منه بحسب حقيقي، وإجلال الخلفاء لمحله، وانتساب الوفاء إلى حرمه وحله، ونظره في العلم نظرًا يُعَدُّ به من الفقهاء، وشغل أوقاته شغلًا ما قرَّ للالتهاء. وكان في أول أمره ومقتبل عمره - على شدة فاقته، وعدم قدرته على الدنيا وطاقته - يعطي عطاء المكثرين، ويهب هبات المثرين مع فقر يعض عليه، ويغض بصر أمله لديه، لعفّة ما زالت تحل له رتاجًا، وتوسع عليه فلا تدعه مُحتاجا، إلى أن صار من ذوي الثراء، والنعم والإثراء، وعلا مقامًا كان له سعدا، وتم تمامًا كان له إرثًا من آبائه حتى يعد معدا.
وكان فقيهًا شافعي المذهب، شيخًا صالحًا ورعًا، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة، وتخرج عليه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله. وصحب عمه أبا النجيب، وعنه أخذ التصوف والوعظ، والشيخ أبا محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، وغيرهما، وانحدر إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد بن عبد، ورأى غيرهم من الشيوخ، وحصل طرفًا صالحًا من الفقه والخلاف، وقرأ الأدب، وعقد مجلس الوعظ سنين. وكان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ، وعلى وعظه قبول كثير، وله نَفَسٌ مبارك.
حكى من حضر مجلسه أنه أنشد يومًا على الكرسي: [من الكامل]
стр. 2523
لا تسقني وحدي فما عودتني … أني أشح بها على جلاسي
أنت الكريم ولا يليق تكرمًا … أنْ يعبر الندماء دور الكاس
فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة، وتاب جمع كبير (١).
قال ابن خلكان (٢): ورأيت جماعة ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته وتسليكه - كجاري عادة الصوفية - فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها، وما يجدونه من الأحوال الخارقة، وكان قد وصل رسولًا إلى إربل، من جهة الديوان العزيز، وعقد بها مجلس وعظ، ولم تتفق لي رؤيته لصغر السن.
وكان كثير الحج، وربما جاور في بعض حججه. وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم.
سمعت أن بعضهم كتب إليه: «يا سيدي، إن تركت العمل، أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العُجْبُ، فأيهما أولى؟». فكتب جوابه: «اعمل واستغفر الله تعالى من العجب».
وحكى الوداعي عن الشيخ قطب الدين بن القرطبي قال: حضرت مجلس الشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة، وهو يعظ، فأنشد في خلال وعظه: [من البسيط]
هو الحمى ومعانيه مَغانيه … فانزل وعاين بليلي ما تعانيه
ما في الصحابِ أَخو وجد أطارحه … حديثَ نَجْدٍ ولا صَبٌ أُجاريهِ
فقام إليه فقير فقال: أنا أطارحك أيها الواعظ، وجلس ووضع رأسه بين ركبتيه، فقال الشيخ: جهزوا أخاكم، فإنه قد مات. فقاموا إليه فوجدوه قد مات، فجهزوه، وواروه وله كتاب: «عوارف المعارف» ذكر فيه أبياتًا لطيفة منها: [من البسيط]
أَشَمُّ مِنْكَ نسيمًا لستُ أعرفُهُ … أَظنُّ لمياء جرت فيك أذيالا
وذكر فيه أيضًا: [من الخفيف]
إن تأملتكمْ فُكلِّي عُيون … أو تذكَّرتكم فكلي قُلوبُ
ومن شعره أيضًا قوله (٣): [من مخلع البسيط]
تَصرَّمَتْ وحشة الليالي … وأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حَسُودًا … مَنْ كانَ في هُجْرَكُمْ رَأَى لِي
وحقكمْ بَعْدَ أَنْ حَصَلتُمْ … بِكُلِّ ما فات لا أبالي
стр. 2524
أُحَيِّيْتُمُوْنِي وَكُنْتُ مَيْتًا … وَبَعَثْتُمُوْنِيْ بِغَيْرِ غَالِي
تَقَاصَرَتْ عَنْكُمْ قُلُوْبٌ … فَيَا لَهُ مَوْرِدًا حَلَا لِي
عَليَّ مَا لِلْوَرَى حَرَامٌ … وَحُبُّكُمْ فِيْ الحَشَا حَلَالِي
شَرَّبْتُ أَعْظُمِيْ هَوَاكُمْ … فَمَا لِغَيْرِ الهَوَى وَمَا لِيْ
فَمَا عَلَى عَادِمٍ أَجَاجًا … وَعِنْدَهُ أَعْيُنُ الزُّلالِ
وقوله: [من البسيط]
رَبعُ الحِمَى مُذْ حَلَلْتُمْ مُعشِبٌ نَضِرُ … بُروقُ أكنافه يزهو بها النظر
لا كان وادي الغضا لا تنزلون به … ولا الحِمَى سَحَّ في أرجائِهِ المَطَرُ
ولا الرياح وإنْ رَقَّتْ نَسائمُها … إِنْ لَمْ تُفِدْ نَشْرَكُمْ لَا ضَمَّها سَحَرُ
ولا رَقَتْ عَبْرَتي حتى يكونَ لِمَنْ … ذاق الهوى وصبًّا في عَبَرَتي عِبَرُ
وقوله: [من الكامل]
يَطْوِي اللَّبِيبُ صَحَائِفَ الأَمَلِ … قبل اقتحام طلائع الأَجَلِ
قد شاب مشوب حظه [ … ] … ذهب الكلال بلذَّةِ الْكَلَلِ
وقوله: [من المتقارب]
أيا صاحبي وقد سئمت السرى … فمن لي بِعَينِ تَذُوقُ الكَرَى
أرى نارهم والهوى سائقي … وقدْ هَيَّجَ الشَّوقَ مَنْ أُسِهرا
وقد دار في القلب كأس الهَوى … وذُو الوَجْدِ لا بُدَّ أن يسكرا
ولوعي بسكان دارِ العَقيقِ … رَخيصُ بِرُوحِيَ أَنْ يُشترى
مولده: بسهرورد، في أواخر رجب، أو أوائل شعبان، الشك منه، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وتوفي في مستهل المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ببغداد، ودفن من الغد بالوردية. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٥٩] غَانِمُ بنُ عَلِيّ بن إبراهيمَ بنِ عَسَاكِر بن الحُسَينِ الشيخ، القدوة، الزاهد، أبو عليّ، الأنصاري، السَّعديُّ، المَقْدِسِيُّ، النَّابُلُسِيُّ (١)
أحد مشايخ الطرق باب من حضرة القُدُس، وآب ولم يطأ غير الكواكب ولم
стр. 2525
يَدُسُّ، ففاء ظلالًا، وأضاء هلالًا، وورد مشرعة، وحمل حمل السحاب المقبل مسرعة، ورمى بمريديه على الشريعة حتى سقاهم زلالها، ووقاهم فرق الفرقة وضلالها، وتألقت له الأنوار، فمشى في أضوائها، وتألقت له الأنواء، فسرى في أنوائها، ولم يعدل بليلى حبيبة، ولا عدى نجدًا وكتيبة، خبا لرامة وسفوحها، وآرام وَجْرَةَ وسنوحها، فهمى وهام، ودلّ على وقته السهام.
ولد بقرية بورين، من عمل نابلس، سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وسكن القدس، عام أنقذه السلطان من الفرنج سنة ثلاث وثمانين، وساح بالشام، ورأى الصالحين. وكان زاهدًا عابدًا، مخبتًا، قانتًا لله مؤثرًا للخمول والانقباض، صاحب أحوال وكرامات. حكى ابنه الشيخ عبد الله: إنَّ أباه أخبره أن رجلًا من الصديقين اجتمع به ساعة، قال: فلما وقعت يدي في يده انتُزِعَتِ الدنيا من قلبي، ولما نهضت قال لي: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (١). فجعلت هذه الآية قدوتي إلى الله تعالى، وسلكت بها في طريقي، وجعلتها نُصب عيني لكلِّ شيء قالته لي نفسي. فإن قالت لي: كُل أجوعُ، وإن قالت: نَم، سهرتُ، وإن قالت: استرخ، أتعبتها.
قال ابنه عبد الله: انقطع أبي رحمه الله تعالى تحت الصخرة في الأقباء السليمانية سنة ستين، وصحب الشيخ عبد الله الأرموي، بقية عمره، وعاشا جميعًا مُصْطَحِبَيْن. قال: وحج ثلاث مرات مُحْرِمًا من القدس، فقال: رجعت من الحج، وأنا مريض، لا أستطيع الكلام، فانطرحت في البرية، فجاءني مغربي، فسلم علي، فأومأت له، فقال: قم. فأقامني، وجعل يده تحت جناحي، ثم سار بي يحدثني بما أنا فيه، وبما يكون مني لا أشك أني سائر في الهواء، غير أني قريب من الأرض مقدار ساعة، ثم قال: اجلس، ونم، فنمت و نام معي فاستيقظت فلم أجده!. ووجدت نفسي قريبًا من الشام، وأنا طيب، ولم أحتج بعد ذلك إلى طعام، ولا شراب حتى دخلت بيت المقدس.
قال: [ثم أخذ ولده عبد الله يصف توكله وفناءه ومحبته ورضاه، ومقاماته، وأن أخلاقه كريمة، وهيبته عظيمة، وأنه] (٢) بقي عشرين سنة بقميص واحد، وطاقية على