المواهب، وطفح جدوله ليغيض الغياهب، ولم يزل منتابًا، ومؤملًا يهدي مرتابًا، وكشف لبصيرته، وأشرف بسريرته، وأدلج إلى الآخرة يحدي به مطايا النفوس، حتى زف إلى لحده زفاف العروس، وأطبق ملحده عليه، وعلى ما تبعه من النفوس، ثم خلا بعمله، وخلف المحلف خاليًا بعدله، وذهب لم يطمس له منار، ونزل الجنة والقلوب بعد في نار.
أصله من أرمينية الروم، وجال في البلاد، ولقي الصلحاء والزهاد، وكان صاحب أحوال ومجاهدات، وكان سمحًا، لطيفًا، متعفّفًا، لازمًا لشأنه، مطرح التكلف. ساح مدة وبقي يتقنَّع بالمباحات، وكان متواضعًا، سيدًا، كبير القدر، له أصحاب ومريدون، ولا يكاد يمشي إلا وحده، ويشتري الحاجة بنفسه، ويحملها. وكان قد حفظ القرآن، وكتاب القُدوري، فوقع برجل من الأولياء فدله على الطريق إلى الله.
توفي تاسع عشرين شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكانت له جنازة مشهودة، وزاويته مطلة على قبر الشيخ موفق الدين بسفح قاسيون، ودفن جوار الزاوية رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٥٨] شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ (١)
أبو حفص، عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن [عمر بن] عمويه. واسمه عبد
стр. 2522
الله بن سعد بن الحسين بن القاسم بن النضر بن القاسم بن سعد بن النضر بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق الملقب: شهاب الدين السُّهْرَوَرْدِي.
رأس سُنَّةٍ وجماعة، ورحا سنة ذات مجاعة. كان الغيث يستهل من فروج أصابعه، وتستقي البحار من منابعه، مع اعتزائه إلى نسب صديقي، واعتزازه منه بحسب حقيقي، وإجلال الخلفاء لمحله، وانتساب الوفاء إلى حرمه وحله، ونظره في العلم نظرًا يُعَدُّ به من الفقهاء، وشغل أوقاته شغلًا ما قرَّ للالتهاء. وكان في أول أمره ومقتبل عمره - على شدة فاقته، وعدم قدرته على الدنيا وطاقته - يعطي عطاء المكثرين، ويهب هبات المثرين مع فقر يعض عليه، ويغض بصر أمله لديه، لعفّة ما زالت تحل له رتاجًا، وتوسع عليه فلا تدعه مُحتاجا، إلى أن صار من ذوي الثراء، والنعم والإثراء، وعلا مقامًا كان له سعدا، وتم تمامًا كان له إرثًا من آبائه حتى يعد معدا.
وكان فقيهًا شافعي المذهب، شيخًا صالحًا ورعًا، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة، وتخرج عليه خلق كثير من الصوفية في المجاهدة والخلوة، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله. وصحب عمه أبا النجيب، وعنه أخذ التصوف والوعظ، والشيخ أبا محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، وغيرهما، وانحدر إلى البصرة إلى الشيخ أبي محمد بن عبد، ورأى غيرهم من الشيوخ، وحصل طرفًا صالحًا من الفقه والخلاف، وقرأ الأدب، وعقد مجلس الوعظ سنين. وكان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ، وعلى وعظه قبول كثير، وله نَفَسٌ مبارك.
حكى من حضر مجلسه أنه أنشد يومًا على الكرسي: [من الكامل]
стр. 2523
لا تسقني وحدي فما عودتني … أني أشح بها على جلاسي
أنت الكريم ولا يليق تكرمًا … أنْ يعبر الندماء دور الكاس
فتواجد الناس لذلك، وقطعت شعور كثيرة، وتاب جمع كبير (١).
قال ابن خلكان (٢): ورأيت جماعة ممن حضروا مجلسه وقعدوا في خلوته وتسليكه - كجاري عادة الصوفية - فكانوا يحكون غرائب مما يطرأ عليهم فيها، وما يجدونه من الأحوال الخارقة، وكان قد وصل رسولًا إلى إربل، من جهة الديوان العزيز، وعقد بها مجلس وعظ، ولم تتفق لي رؤيته لصغر السن.
وكان كثير الحج، وربما جاور في بعض حججه. وكان أرباب الطريق من مشايخ عصره يكتبون إليه من البلاد صورة فتاوى يسألونه عن شيء من أحوالهم.
سمعت أن بعضهم كتب إليه: «يا سيدي، إن تركت العمل، أخلدت إلى البطالة، وإن عملت داخلني العُجْبُ، فأيهما أولى؟». فكتب جوابه: «اعمل واستغفر الله تعالى من العجب».
وحكى الوداعي عن الشيخ قطب الدين بن القرطبي قال: حضرت مجلس الشيخ شهاب الدين السهروردي بمكة، وهو يعظ، فأنشد في خلال وعظه: [من البسيط]
هو الحمى ومعانيه مَغانيه … فانزل وعاين بليلي ما تعانيه
ما في الصحابِ أَخو وجد أطارحه … حديثَ نَجْدٍ ولا صَبٌ أُجاريهِ
فقام إليه فقير فقال: أنا أطارحك أيها الواعظ، وجلس ووضع رأسه بين ركبتيه، فقال الشيخ: جهزوا أخاكم، فإنه قد مات. فقاموا إليه فوجدوه قد مات، فجهزوه، وواروه وله كتاب: «عوارف المعارف» ذكر فيه أبياتًا لطيفة منها: [من البسيط]
أَشَمُّ مِنْكَ نسيمًا لستُ أعرفُهُ … أَظنُّ لمياء جرت فيك أذيالا
وذكر فيه أيضًا: [من الخفيف]
إن تأملتكمْ فُكلِّي عُيون … أو تذكَّرتكم فكلي قُلوبُ
ومن شعره أيضًا قوله (٣): [من مخلع البسيط]
تَصرَّمَتْ وحشة الليالي … وأقبلت دولة الوصال
وصار بالوصل لي حَسُودًا … مَنْ كانَ في هُجْرَكُمْ رَأَى لِي
وحقكمْ بَعْدَ أَنْ حَصَلتُمْ … بِكُلِّ ما فات لا أبالي
стр. 2524
أُحَيِّيْتُمُوْنِي وَكُنْتُ مَيْتًا … وَبَعَثْتُمُوْنِيْ بِغَيْرِ غَالِي
تَقَاصَرَتْ عَنْكُمْ قُلُوْبٌ … فَيَا لَهُ مَوْرِدًا حَلَا لِي
عَليَّ مَا لِلْوَرَى حَرَامٌ … وَحُبُّكُمْ فِيْ الحَشَا حَلَالِي
شَرَّبْتُ أَعْظُمِيْ هَوَاكُمْ … فَمَا لِغَيْرِ الهَوَى وَمَا لِيْ
فَمَا عَلَى عَادِمٍ أَجَاجًا … وَعِنْدَهُ أَعْيُنُ الزُّلالِ
وقوله: [من البسيط]
رَبعُ الحِمَى مُذْ حَلَلْتُمْ مُعشِبٌ نَضِرُ … بُروقُ أكنافه يزهو بها النظر
لا كان وادي الغضا لا تنزلون به … ولا الحِمَى سَحَّ في أرجائِهِ المَطَرُ
ولا الرياح وإنْ رَقَّتْ نَسائمُها … إِنْ لَمْ تُفِدْ نَشْرَكُمْ لَا ضَمَّها سَحَرُ
ولا رَقَتْ عَبْرَتي حتى يكونَ لِمَنْ … ذاق الهوى وصبًّا في عَبَرَتي عِبَرُ
وقوله: [من الكامل]
يَطْوِي اللَّبِيبُ صَحَائِفَ الأَمَلِ … قبل اقتحام طلائع الأَجَلِ
قد شاب مشوب حظه [ … ] … ذهب الكلال بلذَّةِ الْكَلَلِ
وقوله: [من المتقارب]
أيا صاحبي وقد سئمت السرى … فمن لي بِعَينِ تَذُوقُ الكَرَى
أرى نارهم والهوى سائقي … وقدْ هَيَّجَ الشَّوقَ مَنْ أُسِهرا
وقد دار في القلب كأس الهَوى … وذُو الوَجْدِ لا بُدَّ أن يسكرا
ولوعي بسكان دارِ العَقيقِ … رَخيصُ بِرُوحِيَ أَنْ يُشترى
مولده: بسهرورد، في أواخر رجب، أو أوائل شعبان، الشك منه، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة وتوفي في مستهل المحرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ببغداد، ودفن من الغد بالوردية. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٥٩] غَانِمُ بنُ عَلِيّ بن إبراهيمَ بنِ عَسَاكِر بن الحُسَينِ الشيخ، القدوة، الزاهد، أبو عليّ، الأنصاري، السَّعديُّ، المَقْدِسِيُّ، النَّابُلُسِيُّ (١)
أحد مشايخ الطرق باب من حضرة القُدُس، وآب ولم يطأ غير الكواكب ولم
стр. 2525
يَدُسُّ، ففاء ظلالًا، وأضاء هلالًا، وورد مشرعة، وحمل حمل السحاب المقبل مسرعة، ورمى بمريديه على الشريعة حتى سقاهم زلالها، ووقاهم فرق الفرقة وضلالها، وتألقت له الأنوار، فمشى في أضوائها، وتألقت له الأنواء، فسرى في أنوائها، ولم يعدل بليلى حبيبة، ولا عدى نجدًا وكتيبة، خبا لرامة وسفوحها، وآرام وَجْرَةَ وسنوحها، فهمى وهام، ودلّ على وقته السهام.
ولد بقرية بورين، من عمل نابلس، سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وسكن القدس، عام أنقذه السلطان من الفرنج سنة ثلاث وثمانين، وساح بالشام، ورأى الصالحين. وكان زاهدًا عابدًا، مخبتًا، قانتًا لله مؤثرًا للخمول والانقباض، صاحب أحوال وكرامات. حكى ابنه الشيخ عبد الله: إنَّ أباه أخبره أن رجلًا من الصديقين اجتمع به ساعة، قال: فلما وقعت يدي في يده انتُزِعَتِ الدنيا من قلبي، ولما نهضت قال لي: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ (١). فجعلت هذه الآية قدوتي إلى الله تعالى، وسلكت بها في طريقي، وجعلتها نُصب عيني لكلِّ شيء قالته لي نفسي. فإن قالت لي: كُل أجوعُ، وإن قالت: نَم، سهرتُ، وإن قالت: استرخ، أتعبتها.
قال ابنه عبد الله: انقطع أبي رحمه الله تعالى تحت الصخرة في الأقباء السليمانية سنة ستين، وصحب الشيخ عبد الله الأرموي، بقية عمره، وعاشا جميعًا مُصْطَحِبَيْن. قال: وحج ثلاث مرات مُحْرِمًا من القدس، فقال: رجعت من الحج، وأنا مريض، لا أستطيع الكلام، فانطرحت في البرية، فجاءني مغربي، فسلم علي، فأومأت له، فقال: قم. فأقامني، وجعل يده تحت جناحي، ثم سار بي يحدثني بما أنا فيه، وبما يكون مني لا أشك أني سائر في الهواء، غير أني قريب من الأرض مقدار ساعة، ثم قال: اجلس، ونم، فنمت و نام معي فاستيقظت فلم أجده!. ووجدت نفسي قريبًا من الشام، وأنا طيب، ولم أحتج بعد ذلك إلى طعام، ولا شراب حتى دخلت بيت المقدس.
قال: [ثم أخذ ولده عبد الله يصف توكله وفناءه ومحبته ورضاه، ومقاماته، وأن أخلاقه كريمة، وهيبته عظيمة، وأنه] (٢) بقي عشرين سنة بقميص واحد، وطاقية على
стр. 2526
رأسه، ثم سأله الفقراء أن يلبس جُبَّةٌ، فلبس، وأنه ما لقي أحدًا إلا ابتسم له.
قال: ورأيت ابن شير المغربي، وحج سنة، ثم قدم وحضر عند الفقراء، فقال: كيف كان وصول الشيخ؟. قالوا: الشيخ ما حج. فقال: والله لقد سلمت عليه على الجبل وصافحته. ثم أتى إليه وسلّم عليه، وقال: يا شيخ غانم! أما سلمت عليك بالجبل؟. فتبسم وقال: يا شمس الدين! هذا يكون بحسن نظرك، والسكوت أصلح.
وحكى الشيخ القدوة إبراهيم [بن عبد الله] الأرموي قال: حضرت مع والدي سماعًا حضره الشيخ غانم، والشيخ طي، والشيخ علي الحريري، فلما تكلم الحادي حصل للشيخ غانم حال، فحملني وقام بي، ودار مرارًا، فنظرتُ، فإذا بي في غير ذلك الموضع، ورأيت شخصًا خارجًا من باب حديقة، وهو يسوق بقرة، فهالني ذلك. فلما جلس بي الشيخ، قال له الشيخ طي أو غيره: أيش كانت وظيفة ولد الشيخ عليك في هذه القومة؟. فلم ينطق. فقال والدي: الشيخ عبد الله فرج ولدي في إقليم الهند وجاء!. فسكت الشيخ غانم.
هذه الحكاية يرويها قاضي القضاة أبو العباس بن صَصْرى، والشيخ علاء الدين علي ابن شيخنا شمس الدين محمد سبط الشيخ غانم.
وتوفي الشيخ غانم في غرة شعبان سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن في الحضرة التي فيها صاحبه ورفيقه الشيخ عبد الله الأرموي بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٦٠] عَبدُ الله بن عَبدِ العَزِيزِ اليونيني من أصحاب الشيخ عبد الله اليونيني الكبير (١)
قمر طلع منيرًا تماما، واقتلع ثبيرًا وشماما، من قوم رفعوا عقوق الأعذار، ورقعوا خروق الأعمار، وطبعوا الكلام زبرا، وطمعوا بقول ربهم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ (٢)، فقدموا لأيديهم، وتقدموا والله يهديهم، وسعوا للآخرة سعيها، وسقوا رياض الأماني الفاخرة، فأحسنوا سقيها ورعيها، فأزلفت لهم الغرف ورضوان بوابها، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٣).
стр. 2527
كان صاحب كرامات ومجاهدات. قال أبو العباس أحمد ابنه: عنفني والدي مرة، وقال لما انزعج: ويلك أنا قضيت إلى يومي هذا صلاة أربعين سنة!.
قال ابنه: وحدثني فقير قال: اقتات أبوك سنة بثلاثة دراهم، اشترى بدرهم دقيق، وبدرهم سمنًا، وبدرهم عسلًا، ولته وجعله ثلاثمائة وستين كبة، كان يفطر كل ليلة على كبة.
وقيل: إنه عمل مرة مجاهدةً تسعين يومًا، يفطر كل ليلة على حمّصة، حتى لا يواصل.
قال [الشيخ إسرائيل بن إبراهيم: كان إذا دخل شهر رجب يتمارض الشيخ عبد الله بن عبد العزيز، ويأكل في كل عشرة أيام أكلة!.
وقال الشيخ إبراهيم البطائحي: كان في المِزَّة شاب، وكان يشرب الخمر، وكان يحسن إلى جماعة المزة، فسألوا الشيخ عبد الله لعله يتوب، فقال الشيخ عبد الله: أحضروه لعله يتوب، وكان يحسن إلى جماعة المِزَّة]. فدعا بعض الجماعة الشيخ وأصحابه، وحضر الشاب وأنشد بعضهم أبياتًا، وطاب الشيخ، وكان ثمة شمعة، فجعل الشيخ لحيته عليها، وبقيت النار تخرج من خلالها، وكان الشيخ كث اللحية، فلما رأى الشاب ذلك الحال، وقع على رِجْلِ الشيخ وتاب، وجاء منه رجل صالح، وكان كثير العبادة والخير.
قال: وأخبرني جماعة من أهل المزة: أنهم شاهدوا الشيخ والنار تخرج من خلال لحيته، وأن الشاب تاب.
وقال مري بن أبي الفضل: أخبرني علي الشبلي، قال: احتاجت زوجتي إلى مقنعة، وطالبتني، فقلت: عليَّ دَين خمسة دراهم، فمن أين أشتري لكِ؟. فلما كان الليل، نمتُ، فرأيتُ كأنَّ قائلًا يقول: إن أردت أن تنظر إلى إبراهيم الخليل، فانظر إلى الشيخ عبد الله بن عبد العزيز. فلما أصبحت أتيته بقاسيون، فقال لي: ويلك يا علي! اجلس. وقام إلى منزله، وعاد ومعه مقنّعة، وفي طرفها مربوط خمسة دراهم.
فرجعت، وكان عندنا ورد، فجمعته المرأة وأتت به إلى بيت الشيخ عبد الله، فوجدت زوجته وما على رأسها سوى مئزر معقود تحت حنكها، ﵂.
وحكى خادمه عباس، فقال: سافرت صحبة الشيخ إلى العراق، ومعنا جماعة، فلما أتينا ميافارقين، دخل الشيخ عبد الله مسجدًا وكان ثم دكان فيها خياط سامري، فلما رأى السامري الشيخ دخل وقعد في رواق المسجد، فأنكر عليه بعض الجماعة، وأراد أن يخرجه، فقال له الشيخ: دعه، وإذا برجل قد دخل على الشيخ ودعاه إلى
стр. 2528
منزله، فقام الشيخ وأصحابه، والسامريُّ، فلما صاروا في بيت الرجل أنشد بعض الجماعة أبياتًا، قال: فضرب السامريُّ بيده على رأسه، وقام إلى الشيخ، وأسلم، وصحبه.
وقال الشيخ يومًا لزوجته: ما فرغ هذا الدقيق المشؤوم؟ قالت: ليس هو مشؤوم، وقد رأينا فيه البركة. فقال: ويلك، وإلا دقيق ما يأكل منه فقير ما هو مشؤوم؟
وكان إذا رأى فقيرًا يقول: ما تجيء تعمل عندي في جُبّ. فإذا أجاب قال: على شرط أي شيء جاءنا فتوح تأخذه. فكان إذا عمل الفقير عمق شبرين فإن أُتي الشيخ بشيء دفعه إليه. فإذا راح عمد الشيخ فطم ما حفره الفقير.
توفي: في ثامن رجب سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ودفن بقاسيون بالقرب من التربة المعظمة. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٦١] الشَّيخُ عَلِيُّ بنُ [أبي الحَسَنِ بنِ منصور] المعروف بالحريري (١)
عَشِقَ فَتَاهُ، وكَلِفَ بغير فتى ولا فتاه، وكان صاحب خوارق لا بتكيف، ولا يدري أهي أو سانحات الطير أعيف. أخذ القلوب عنوة، وكشف الغطاء وقال علوة، وكان لا ينام والعيون رقود، ولا يسام إليه خطى المهرية والقود، وكانت له أذكار بها النجوم تتألف وأفكار لو سرت مسراها الريح كادت تتلف، إلى خَلْبِ للألباب، وسلب للقلوب يفعل فعل الأعداء بالأحباب، وسكون إلى الدعة، وإنفاق من
стр. 2529
سعة، وتأنق في رفاهية، وعيشة راضية، لعيشة الملوك مضاهية، هذا مع جهاد كان عليه في أول حاله وقبل أن يرمى صدقه بمحاله.
حكي أنه كان يركب حائطًا في داره لحاجة يريدها، ثم يغلب عليه حال ينسى بها نفسه، ولا يعود يعرف يومه من أمسه، حتى يبقى مدى على الجدار منتصب، ومرفقه بالشمس متوج أو بالثريا معتصب، لا يعرف ضجرًا ولا هجيرا سحابًا مثعنجرًا، ثم كثر بالناس ائتلافه، وطال تردده إلى المدينة واختلافه، فأطلقت فيه الفقهاء الألسنة، ومرقت الفقراء له السيئة بالحسنة، فطائفة مقرة، وأخرى جاحدة، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١).
أصله من «بُشْر»، وتردد إلى دمشق، وتبعه طائفة من الفقراء. قال أبو شامة: وهم المعروفون بالحريرية، أصحاب الرأي المنافي للشريعة، وباطنهم شر من ظاهرهم.
قال: وكان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة والتهاون بها، ومن إظهار شعار أهل الفسوق والعصيان شيء كثير. وانفسد بسببه جماعة كثيرة من أولاد كبراء دمشق، وصاروا على زي أصحابه، وتبعوه بسبب أنه كان خليع العذار، يجمع مجلسه الغناء الدائم، والرقص والمُردان، وترك الاحتجاز على أحد فيما يفعله، وترك الصلوات، وكثرة النفقات، فأضلَّ خلقًا كبيرًا، وأفسد جماعة. ولقد أفتى في قتله جماعة من علماء الشريعة، ثم أراح الله منه.
وتوفي: في رمضان سنة خمس وأربعين وستمائه في زاويته بقرية «بسر». هذا قول أبي شامة في الحريري، وهو أحد القولين فيه.
والقول الآخر: إنه من الأولياء أصحاب الأحوال والكرامات، وقد حكي لي من أحواله ما أذكره والسرائر عند الله تعالى.
حدثني عمي الصاحب شرف الدين رحمه الله تعالى قال: سافرت وأنا صبي صغير إلى بلاد حوران، فلما كنت بزرع دخلت الحمام، فإذا أنا بالشيخ الحريري؛ فقال لي بعض من كان معي: قبل يد الشيخ، فقمت إليه، وقبلت يده، فرأيته جالسًا على جانب الحوض يصب الماء على أصحابه، فقال له بعض أصحابه، يا سيدي! هذا ابن فضل الله، فقال: ونعم - والله من ابن رجل جيد، اقعد!، فقعدت، فأمر شخصًا من أصحابه، فغسلني والشيخ يصبُّ عليَّ بيده الماء، إلى أن فرغت، ثم أتاني بمناشف من عنده مبخرة، ما رأيت أطيب منها ريحًا، ثم أتاني بقماش كأنه قد هيئ لي،
стр. 2530
فلبسني، ثم قال: يا سعيد! يا طويل العمر!، يا طويل الذيل!، فأنا كلما تذكرت ما أنعم الله به علي علمت أنها كانت بشرى من الشيخ.
وحدثني الشيخ نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي الطيب، عن أبيه الشيخ نجم الدين أبي حفص عمر قال: خرج مرة إلى محجة قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل ابن الزكي، ومعه نائبه قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة، ومعه ابنه القاضي نجم الدين، وكان الفصل شتاء، فلما أردنا العود، وجه ابن الزكي وجهه إلى: «بُسْر» لزيارة الشيخ علي الحريري، فلما قاربنا «بُسْر» قال ابن الزكي: أشتهي أن يطعمنا الشيخ بسيسة حورانية، فقال صدر الدين بن سني الدولة وأنا أشتهي طبيخ كشك بدجاج، فقال ابنه: وأنا أشتهي دراقن لوزي. فقالوا: وأنت؟ فقلت: أنا رجل فقير مهما حضر قنعت. قال: فلما وصلنا ونزلنا بالزاوية، سلمنا على الشيخ، فجلس إلينا جلسة ثم قام، وغاب عنا إلى أن كاد وقت الظهر يفوت، ثم أتى ومعه قصعة فيها بسيسة، وقصعة فيها كشك دجاج، وبيده شيء آخر، فقال لخادمه: ضع البسيسة بين يدي قاضي القضاة محيي الدين، وضع الكشك بين يدي القاضي صدر الدين، ثم التفت إلى نجم الدين وقال: يا ثقيل!، يا متعنّت!، من أين يلتقي في بلاد حوران في زمان الشتاء دراقن لوزي؟ والله ما تأخرنا إلا بسبب عنتك، ثم وضع الذي كان بيده قدامه، فإذا هو سلّةٌ صغيرة فيها دراقن، ثم طلع إلي وقال: يا نجم الدين! أنت رجل فقير مهما حضر قنعت به، شارك الكل وكل معهم.
وحدثني شيخنا نجم الدين موسى بن علي الكاتب المجوّد، عرف بابن البصيص، فيما يحكي عن أبيه قال: كان شخص من أبناء الأمراء عند أبي في المكتب، يتعلم الخط، فلما خرج من المكتب، سمع الحديث، وتفقه، وكان له ذكاء، وعنده قابلية واستعداد، فبرع، ثم إنه جاء يومًا إلى أبي إلى المكتب ليزوره ويوصيه بأخ له صغير، كان قد أتى به إليه ليعلمه، فجلس إلى أبي، وشرع يحدثه، فجرى ذكر الشيخ الحريري، فأخذ ذلك الشاب يقع فيه ويقول: رجل مبتدع صفته نعته، وبالغ في ذكره بالسوء، فما أتم كلامه إلا وقد أقبل الشيخ في خلق من أصحابه، فوقف على المكتب، ونظر إلى ذلك الشاب، ثم قال له: دع كل شيء كنت فيه، وخلّ هذا الفشار من رأسك، وقم انزل. فقام الشاب إلى الشيخ، وقبَّل يده، فطلب الشيخ مقصًا ثم قص شعره، وألبسه طاقية على رأسه، وثوبًا من ثياب الفقراء، ثم مشى الشيخ، فمشى الشاب معه، ثم صحبه صحبة كانت إلى آخر العمر.
ومنهم:
стр. 2531
[٦٢] عيسى بن أحمد بن إلياس بن أحمد اليونيني (١)
جلا الرتب ومزقها، ومحا بصباح جبينه الأهلة ومحقها، صام الهواجر، وقام الليالي الطوال مُغْرَوْرِقَ المحاجر، وأَنِينُهُ أَنِيسُه، وجلوسه منفردًا جليسه، فأنس بالله دون خلقه، وجلس في كِسْرِ بيته لأداء حقه، وعمل لجنَّة يدوم نعيمها، ويهب بحياة النفوس نسيمها، وفرّ من النار فرار الآبق، وقرَّ به القرار ودمعه السابق.
قال أبو محمد عبد الله بن عمر المقدسي - فيما جمعه من أخبار الشيخ عبد الله اليونيني وأصحابه -: ومنهم ذو المنظر المهول، والسيف المسلول، لم يكن بالكلام قَوول، ولا في العمل ملول. رئيس القوم، ومحيي الليل بالتهجد والنهار بالصوم. سلاب الأحوال الشيخ عيسى. فروى بسنده عن إبراهيم بن مسمار قال: صحبت الشيخ عيسى أربعين سنة، ما رأيته أكل فيها بالنهار.
وقال محمد بن عبد القادر اليونيني: جاء الملك الصالح إسماعيل إلى عند الشيخ، واستأذن عليه ثلاث مرار، فلما اجتمع به قال له: يا سيدي! أشتهي أن أوقف عليك يومين، فامتنع من ذلك، فقال: أبني هاهنا رواقًا، فقال له: ما أشتهي يكون عندي من يصد عني.
وقال أحمد بن عثمان بن إلياس: صحبت الشيخ عيسى خمسين سنة، فحدثنا يومًا قال: ورد إليَّ جماعة وتحدثوا في كرامات الأولياء، فقلت: أعرف رجلًا لو قال لهذه الحجارة: صيري ذهبًا وفضةً، صارت فقلت: يا سيدي، ذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه ورد إلى عنده جماعة، وتحدثوا بمثل هذا، فقال إبراهيم: أعرف رجلًا لو قال لهذا الجبل: زُلْ، لزال!. فاهتز الجبل، فقال له إبراهيم: اسكن!، فسكن. فأنت لما قلت هذه المقالة صارت الحجارة ذهبًا؟! قال: فاحمر وجهه، ودخل فحصل عندي مثل أني أسأت الأدب قُدَّامه، فلما كان بعض الليالي، توضأ، ووقف على حجر ينشف وجهه، ويحرك الحجر برجليه، فالتفت إليَّ وقال: يا أحمد أيش كنت تقول؟.
стр. 2532
فقلت: يا سيدي! أنا أستغفر الله. قال: قال إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١) فنظرت، وإذا بالحجر يلمع ذهبًا!. فصحت وأغمي عليّ، فأراد الفقراء يقيموني، فقال: خلوه، فلما أفقتُ، اجتمعت ببعض أصحاب الشيخ، وقلت: يا فلان! ما يعرف أحد الشيخ، فقد رأيت منه كذا وكذا. ثم دخلت على الشيخ فعنفني، ولامني لكوني حكيت ما رأيت. وقال: يا ما فاتك مني؟.
وقال إسماعيل بن إبراهيم بن سلطان: كنت قرأت نصف الختمة، والبقرة، وآل عمران، والنساء، ونسيتها، فسألني الشيخ عيسى: أيش قرأت؟. قلت: كذا وكذا، ونسيتها، فلما أردت أن أفارقه ضمَّني إلى صدره، فحفظت بعدها القرآن.
وقال عبد الولي بن عبد الرحمن الخطيب: لما دخل الخوارزمية جاء وال لهم إلى «يونين»، وطلب من الفلاحين شيئًا ما لهم به قوة، فشكا الفلاحون إلى الشيخ ما يقاسونه من الوالي. فاتفق أن الوالي طلع إلى عند الشيخ، فقال له: ارفق، فهؤلاء فقراء. فقال: ما لي إلى هذا سبيل. فبقي الشيخ يردد عليه ويقول: ما لي إلى هذا سبيل. فنظر إليه الشيخ وأطال النظر، فخبط الأرض، وأزبد، فلما أفاق، انكب على رجلي الشيخ، واعتذر، ونزل، فقال للخوارزمية من أراد أن يموت يطلع إلى الضيعة، أو ما معناه.
ولما مرض الشيخ مرض الوفاة جاء فقير إلى السياج الذي عند زاويته، وقال له: يا عيسى تعال فقام إليه فقال: هات أذنك، فقدم إليه أذنه، فشاوشه، وراح. فلما رجع الشيخ سأله الجماعة عما قال له؟. فقال: أيش تريدون؟ فلما ألحوا عليه، قال لهم: قال لي: يقول لك رسول الله ﷺ : تهيأ للقدوم. فمات بعد اثني عشر يومًا، والجماعة خبروني بهذا.
توفي في ذي القعدة سنة أربع وخمسين وستمائة.
وقد ذكره ابن اليونيني (٢)، ورفع نسبه إلى كرز بن وبرة، وكرز في الطبقة الرابعة من أهل الكوفة. وكان زاهدًا عابدًا، [خائفًا مجتهدًا] يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، فيضربونه حتى يغشى عليه. وكان يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات. ولم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة، حياءً من الله تعالى.
وقال أبو سليمان المكتب: صحبت كرزًا إلى مكة، فكان ينزل فيصلي، فرأيت يومًا سحابة تظله، وكان يومًا شديد الحر، فقال: اكتم علي. وقد ذكره أبو نعيم وغيره.
عدنا إلى ذكر الشيخ صاحب هذه الترجمة:
стр. 2533
قال ابن اليونيني (١): صحب الشيخ الكبير عبد الله اليونيني، وانتفعت به، وكان من أعيان أصحابه، وانقطع بزاويته بقرية «يونين» من عمل بعلبك، معرضًا عن الدنيا وأهلها. يقوم الليل، ويسرد الصوم، وبقي على ذلك سنين كثيرة، إلى أن توفي رحمه الله تعالى في زاويته بقرية يونين، في رابع ذي القعدة، ودفن بها، وهو في عشر الثمانين تقريبًا، وكان من الأولياء الأفراد، ولم يتزوج لاستغراق أوقاته بذلك، لكنه عقد عقدًا على عجوز كانت تخدمه، لاحتمال أن تمس يده يدها، والناس عنده سواء في المعاملة.
قال (٢): وبلغني أن البادرائي قصد زيارته، فجاءه عند صلاة المغرب، فصلى الشيخ، وقام ليدخل إلى خلوته على عادته، فاستوقف له حتى أتاه، فسلم عليه، وسأله الدعاء، ثم أخذ في محادثته، فقال له الشيخ: رحم الله من زار وخفّف. وتركه ودخل [إلى خلوته]. قال: وكانت شفاعاته عند ولاة الأمور مقبولة، وله الحرمة العظيمة عند سائر الناس، والمهابة في الصدور، مع لطف أخلاقه، ولين كلمته. وله الكرامات الظاهرة، وإذا حضر إليه أحد من المشايخ و أرباب القلوب [إلى يونين، قصد زيارته و] تأدب معه غاية الأدب، وأما هو فلا يمشي إلى أحد البتة. ومن سلك منهم معه غير الأدب سُلب.
قال (٣): وكانت بينه وبين والدي صداقة، وكنت آتيه مع أبي فيقبل علي، ويتلطف بي، فلما كانت السنة التي مات فيها، كان والدي يأمرني بكثرة التردد إليه، [كأنه استشعر قرب أجله وأحس به، فكنت بعد كل يوم أتردد إليه فقصدته مرة في أول شوال من هذه السنة، ومعي ناصر الدين علي بن فرقين، والشمس محمد بن داود رحمهما الله، فدخلنا عليه وليس عنده غيرنا، وشرع] فحدثنا، ثم استغرق عن غير قصد منه لذلك، ثم أفاق من غشيته، وقد انقطع الحديث، فسألناه إتمامه وألححنا في السؤال فقال: [من البسيط]
مَنْ سارروه فأبدى السرَّ مُشتهرًا … لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وابعدوه فلم يحظ بقربهُمُ … وبَدَّلُوهُ مكان الأنس إيحاشا
قال (٤): وكان مضمون ذلك الحديث: أنه أنذر بدنو أجله، ثم لم يلبث أن مرض ومات، ودفن إلى جانب الشيخ عبد الخالق، وكان من أبر الصلحاء.
стр. 2534
قال (١): حدثني أبو طالب بن أحمد اليونيني: إن الشيخ عيسى أخبره بما يكون من زوال ملك بني أيوب، وأن الترك تملك بعدهم، ويفتح الساحل كله. قال: وحكى لي أيضا: أن عبد الله بن إلياس النصراني الراسي قال: جئت طرابلس، فقال لي بعض الخيالة: عندي أسير من بلادكم - وعرض علي مشتراه - فوجدته رجلا اسمه: سهل، من قرية «رعبان» [فحين رآني تشبث بي وقال: لا تخلى عني اشترني، وأنا أعطيك ثمني حال وصولي إلى رعبان]، فاشتريته بستين دينارا صورية، وجبته إلى قريته، فلم يكن له ولأولاده تلك الليلة ما يتعشون فندمت فقال لي أهل القرية: نحن في أيام البيدر نجمع لك ثمنه، فضقت لذلك، وجئت إلى يونين، فصادفت الشيخ عيسى خارجا من الطهارة، وما كنت رأيته قبل ذلك، فقال لي: أنت الذي اشتريت [سهل] الرعباني؟. فقلت: نعم. فشرع يحدثني عنه، [ويسألني عن الصورة وهو متوجه إلى زاويته، وأنا معه، فلما وصل إلى السياج الذي على ظاهر الزاوية، طلب فقيرا من داخل السياج، وقال له:] أبصر في الزاوية ورقة تحت اللباد الذي لي، أحضرها.
قال النصراني: فتوهمت أنها ورقة كتبها إلى من يعطيني شيئا من وقف الأسرى، أو غيره، فلما ناولني الورقة وجدتها ثقيلة، ففتحتها، فوجدت فيها الستين دينارا التي وزنتها في الأسير بعينها، فتحيرت، وأخذتها، وانصرفت. قال أبو طالب: فقلت له: فلم لا أسلمت؟. فقال: ما أراد الله.
قال قطب الدين (٢): وشكوا إليه التفاح وأمر الدودة، وسألوه كتابة حرز، فأعطاهم ورقة فشمعوها، وعلقوها على شجرة فزالت الدودة عن الوادي بأسره، وأخصبت أشجار التفاح بعد يبسها، وحملت حملا مفرطا. وبقوا على ذلك سنين في حياته، وبعد وفاته، ثم خشينا من ضياع الحرز، فقلنا ننسخه عندنا، فأزلنا الشمع عنه، وفتحناه، فوجدناه قطعة من كتاب جاء إلى الشيخ من حماه، فندمنا على فتحه، ثم أعدناه، فلم يفد، وجاءت الدودة فركبت الأشجار، وأعطبتها، واستمر الحال على ذلك.
وقال (٣): حكى لي الحاج علي بن أبي بكر عن بعض أقاربي أنهم قصدوا عمارة حمام في «يونين» وحصلوا بعض آلاته، فنهاهم الشيخ عيسى، فقالوا: السمع والطاعة، فلما قاموا وأبعدوا، قال أحدهما للآخر: كيف نعمل؟ فقال له: الشيخ عيسى رجل
стр. 2535
كبير [ما يخلد، نصبر]، ومتى مات عمرناه. فبعث الشيخ بطلبهم، فلما جاؤوه قال: كأني بكم وقد قلتم كذا وكذا؟. [وأنكم تعمرون الحمام بعد موتي]. وهذا ما يصير، ولا يعمر هذا الحمام لا في حياتي، ولا بعد موتي، فاعتذروا إليه. قال ابن اليونيني: وأنا والله رأيت التجيبي وهو نائب الشام وكان معظم يونين وقد هم بعمارة حمام يونين، واشترى القدور وسائر الآلات، [ولم يبق إلا عمارته]، ثم اتفق ما صرفه عن ذلك، ثم [انتقل الخبر إلى الأمير عز الدين أيدمر الظاهري متولي نيابة السلطنة بالشام بعده، فشرع في ذلك]، واهتم به أعظم ممن تقدمه، وحفر الأساس، ثم بطل بموانع سماوية!
ومنهم:
[٦٣] يوسف القميني (١)
رجل كان لا يريد في الأرض علوا، ولا فيما لم يرض غلوا، فاتخذ الذل عزا، والفقر كنزا، وجعل الدنيا مسافة جد في قطعها، وشجرة خبيثة جهد في قلعها، وباغية جرد عزائمه لقمعها، وعلة ضارية جلد نفسه على منعها، فعوض بالأعلى عن الأدنى، وبدل له اللفظ بالمعنى، وتوقد منه أي جذوة، وأدلج ليلا وأوب، وأبهج لألاء والنجم في غرته قد صوب. كان مأواه القمامين والمزابل بدمشق، وغالب أوقاته يكون بقمين حمام نور الدين الشهيد، بسوق القمح بدمشق. وكان يلبس ثيابا طوالا تكنس الأرض وهو حاف، مكشوف الرأس، طويل الصمت، قليل استعمال الماء، ولكثير من الناس فيه عقيدة جميلة، ويحكون عنه أنه يكاشفهم في كثير من الأوقات. وكان بعض من يعتقد فيه يحضر له شيئا من المأكول والمشروب، ويجتهد فيه، فيتناول منه قدرا يسيرا. ولازم هذه الطريقة الشاقة إلى أن توفي في سادس شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة، بدمشق. ودفن بتربة المولهين، بقاسيون، ولم يتخلف عن جنازته إلا القليل من الناس. وكان من غرائب العالم، يترنح في مشيته، ولا يلتفت إلى أحد، ولا يعبأ به.
ومنهم:
стр. 2536
[٦٤] الأَكَالُ، مُحَمَّدُ بنُ خَلِيل بنِ عَبدِ الوَهَّابِ بنِ بَدرٍ، أَبُو عَبدِ الله البِيطَارُ (١)
حبب إلى الناس حُسن منظره، ويمن محضره، فكانوا يَغْشَونه، وكادوا بهدب الأجفان يعشونه؛ لأنهم كانوا للنصح لا يستغشونه، ولخالص الود معه لا يغشونه، فكان لا يزال مجلسه معمورا، ومُجَالِسُه معذورا، رغبة في أنسه، ومحبة لنوعه الغريب في جنسه. وكان يقصد من السلطان فمن دونه بأطايب الطعام، ومواهب الإنعام، وتنوع له تلك الأطعمة، وتبذل في النفقات عليها الأيدي المنعمة، ولا يأكل إلا بالأجرة تلك المآكل، ثم يجعل تلك الجعالة للأرمل والثاكل، فما جاءه منها بالأجرة مقربًا أكل منه، وأطعم، وفضّ ختام ذلك المبلغ وأنعم، وما جاءه بغير شيء رده، وتركه ما مد إليه ولا مده.
ويحكى عنه في هذا حكايات غرائب ونوادر: حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب ﵀، قال: اجتمع طائفة من الأمراء يومًا، فتحدثوا في طريقة الشيخ محمد، فقالوا: نريد نغلبه، ونتحيل حتى يأكل شيئًا بغير أجرة!. فقال واحد منهم: أنا أفعل هذا، فبعث، فاشترى رأسين سمان من الغنم، ثم عمد إلى خرجين لطيفين، فملأ عين كل واحد منهما أرزًا والآخر سكرًا، ثم شدهما عليهما، وبعث بهما رجلًا استغفل الشيخ محمد، حتى أتى من الجامع، وفتح باب بيته، ودخل، فلما علم أنه قد صار داخل الدار، ساق الرأسين إلى داخل الدار، ثم ردَّ الباب عليهما وسكره، فلما شعر الشيخ محمد بدخولهما، خرج فرآهما، فقال: نعم، يريدون انني آكل هذا بلا أجرة، لا كيد، ولا كرامة، والرجل الذي أحضرهما خارج الباب يسمع، فانطلق إلى أصحابه، وأخبرهم. ثم إن الشيخ محمدًا لم يزل بالباب حتى فتحه، وأخرج الغنم إلى الزقاق بما عليهما وطردهما، وجعل يقول: يا غنم! إن كان لهم حاجة يبعثوا معكِ الأجرة حتى آكل، وإلا ما آكل. فلما أبعدت الغنم رجع الشيخ محمد إلى داره، وتمت الغنم جارية تشق الأسواق، والطرقات، حتى أتت دار القيامرة، فدخلت إلى الموضع الذي بعثت منه، بما عليها، لم يتعرّض لها أحد!. فلما رأوا ذلك أكبروه، ثم ركب بعض أولئك الجماعة لزيارة الشيخ على عادتهم، فلما دخلوا عليه قال: إنكم شُطار ملاح، أردتم أن آكل لكم بالسخرة وما كفاكم هذا حتى أردتم ان
стр. 2537
أطبخ لكم بالسخرة وان اذبح لكم وأسلخ بالسخرة، وأنا هذا ما أفعله، ولا آخذ إلا طعامًا مطبوخًا، لا يكون عليَّ في أكله كثير تعب، وبعد هذا ما أكله إلا بالأجرة، قم عني، قم!. فقام، وأتى أصحابه، وأعلمهم، فعملوا له أطعمة فاخرة، ثم بعثوا معها مائة دينار، حتى أكل من الطعام، وفرق الذهب بأجمعه في سبيل الخير.
قال شيخنا شهاب الدين وكان هذا دأب الشيخ محمد، ومهما جاءه، فرقه على المستحقين، لا يدخر شيئًا منه، وكان عنده لكل طعام أجرة، وكل ما كان الطعام أفخر، كانت أجرته على أكله أكثر، حتى سُمِّي بالأكال لذلك، وكان من أقل الناس أكلا. هذا ما حكاه لي.
وأصله من جبل بني هلال، ومولده بقصر، حجاج، خارج دمشق، سنة ستمائة. وكان رجلًا صالحًا، كثير الإيثار، وحكاياته مشهورة في أخذه الأجرة على ما يأكله وما يقبله من بر الأمراء والملوك وغيرهم، مشهورة، ولم يسبقه إلى ذلك أحد، ولا اقتفى أثره من بعده.
قال اليونيني في «الذيل»: ولا شك أنه كان له حال ينفعل له بها ذلك، وجميع ما يفتح به على كثرته يصرفه في القرب، وتفقد المحابيس وغيرهم من المحاويج، والأرامل والمنقطعين. وكان بعض الناس ينكر على من يعامله بهذه المعاملة، وينسبه في فعله، فإذا اتفق اجتماعه به انفعل له انفعالًا كليًا، ولا يستطيع الامتناع من إعطائه كل ما يروم، وكان مع هذا حسن الشكل، مليح العبارة، حلو الحديث، له قبول تام من سائر الناس.
قال قطب الدين اليونيني: وكان كثير المحبة في والدي، والتردد إليه، لما نزل دمشق في سنة خمس وخمسين وستمائة، والأكل عنده بغير أجرة، وهو مطلق عنده دون غيره.
توفي بدمشق في خامس شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة.
ومنهم:
[٦٥] عبد العزيز ابن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خَلَف الأنصاري، الأوسِيُّ، أبو محمد، شرف الدين (١)
شيخ الشيوخ بحماه، علم زهد، ومجنى شهد، وسلالة أجداد جادوا، وآباء
стр. 2538
فعلوا فعل آبائهم وزادوا. من جرثومة سجعت، وأرومة سبقت، ومجد لم يقنع، باق منه لوراثه بل لبس برده حتى أبلاه، وأنفق رفده حتى أفناه، تمتع بمفاخره، وجمع فضله، ثم ذهب عن آخره. وكان له عند ملوك حماة جد مقبل، وسعد ذيله عليه مسبل، وتبع طريقه المسلوك. وأخذ بالأدب والتأديب عنه الملوك، وكانت قريحته غمامة مطر، وكمامة زهر، ونظام درر وغرر أيام، وطرر ليال في سالفه غلام.
وله شعر ما طرزت مثل سطوره الخدود، ولا نقشت شبه طروسه الرداح الرود، أرق من دمعة الدلال، ومعاتبة الأحباب للملال. كان كأنه إيماء اللحاظ المراض، وسقيط الطل على الرياض، ومنه قوله (١): [من الطويل]
ولو سَلِمَتْ ليلى غداةَ لقيتُها … بسفح اللوى كادت لها النفسُ تَخشَعُ
ولكنَّ جُرمي ما علمتِ ولَوْ بِهِ … البَدَاوَةُ تَأبى أنْ ألينَ وتمنع
стр. 2539
ولستُ امرءًا أشكو إليكِ صَبابةً … ولا مُقلةً إنسانها الدهر يَدمَعُ
ولكنني أطوي الضلوع على الجَوَى … ولو أنها مِمَّا بها تتقطع
وقوله (١): [من البسيط]
أحدث النفس أحيانًا فأطمعُها … زُورًا وتَأْيَسُ أحيانًا وتكتئب
وأستريح إلى صهباء صافيةٍ … كأنها شُعلة في الكاس تلتهب
ولي كتائب أشواق أجهزها … إلى جَنابِكِ إلا أنها كُتُبُ
ولي أماني من نفس أسُرُّبها … إذا ذَكَرْتُكِ إِلا أَنها كَذِبُ
ومن شعره قوله في الملحق بأوزان الطويل، وهو تاليه على مذهب الأخفش يكون آخر أجزائه مفاعيل بسكون الام، وحذف النون من مفاعيلن على أصولها (٢):
تغافل عن حرماتنا كل غافل … وقد علموا أنا معالم إغفال
وإنا شرعنا للسماحة منهجًا … ينال الغنى غادون فيه وقفال
وإنا نرد الجيش فلا بعزمة … تصدق بالإقدام ما زعم الفال
ونجعل أعراف الجياد إلى الوغى … أعنتناحنى نعود بأنفال
وإن نطق الراؤون عنا بمدحة … فنافجة المسك الذكية منفال
ومن يتغافل عن فروض لوازم … فلسنا عن النفع المصاع بغفال
وإني لمقدام على كل هائل … ولي عن دنيات الخلائق إجفال
وأرفل في أبراد حمدي وسؤددي … ومثلي في تلك الملابس رفال
وأنمى إلى أشياخ صدق إذا … غلت حقودهم شابت ذوائب أطفال
أسود سُرى لا تستخف حلومهم … إلى لهوهم غيد رواجح أكفال
فمن حاول العلياء فليحذ حذوهم … فليس على باب المكارم إقفال
وقوله (٣): [من البسيط]
عاتبت إنسان عيني في تَسرُّعهِ … فقال لي: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٤)
يا عاذلي ليس مثلي مِنْ تُخادِعُه … فليسَ مِثلُكَ مَأمونًا على عَذَلي
ما دمت خلوًا فلا تنفك مُرتهَنًا … فاعشق وقولك مقبول علي ولي
وقوله (٥): [من البسيط]
стр. 2540
لها معاطف تغريني برقتها … ولينها أن أقاسي قلبها القاسي
باتت موسدة رأسي على يدها … عطفا وكانت يدي منها على راسي
وقوله (١): [من الطويل]
وليلة راح ساعدتني عجوزها … على نوم بين لا ينادي وليده
خلوت بها أبكي الأسى وأجده … وأصبغ بالدمع الثرى وأجوده
وأشربها صرفا كأن حبابها … لها من جبيني تغره وعقوده
فمن قال نجد أو زرود محله … فدعه فقلبي نجده وزروده
وقوله (٢): [من السريع]
عذب شربي في حياتي أجاج … فزماني والعلا في ضجاج
كلما حاولت من صرفه … حاجة يصرفني باحتجاج
لا تطيلن لجاجي وقد … ينفع الإنسان طول اللجاج
ساليا رشف رضاب الدمى … قاليا حب حباب اللجاج
ساحبا في الدو سمر القنا … راميا للجو كدر العجاج
قائدا نحو العدا جحفلا … برؤوس الأكم منه شجاج
راجيا إيقاعه بالعدة وقعة … للأرض منها ارتجاج
خاطبا بكر الغلى خاطرا … بين خرصان القنا والزجاج
كارها للعيش ما لم أنل … سالكا للعز خير الفجاج
وقعة يرضى بها ذو الحجى … أو مماتا قاطعا للحجاج
وقوله (٣): [من البسيط]
قد طال بالحلم عن أعدائك الأمد … فاعمد لعزم مزيل ما له عمدوا
وكن على رأيك الميمون معتمدا … فليس غيرك للعلياء معتمد
لا تصرفن عن بني همدان واقرهم … ضربا إذا ما تغشى أمة همدوا
ضربا تجمد موار الدماء إذا … ما مار من هامهم في المأقط الجمد
هم من علائك في هم وفي كمد … فدام للقوم ذاك الهم والكمد
وليس تخمد نار في قلوبهم … من الحقود الألى إلا إذا خمدوا
стр. 2541
في ليل نقع لهنيض الظبي شهب … كسقف دجن له سمر القنا عمد
وقد مددت له حبلا إلى أمد … والآن حين تدانى ذلك الأمد
فانهض تعب المعالي غير متئد … وارع الأنام رعاك الواحد الصمد
وقوله (١): [بحر البسيط]
متيم ود في عينيه لو خباك … ماذا يضرك لو عرفته نباك
لله درك ما ألهاك عن دنف … ما رد أمرك في حال ولا دراك
بريت جسمي بالإعراض منك ولو … عطفت أبرأته سبحان من براك
أدميت خدك إذ أدميت لي كبدي … أنصف وقل لي ترى من بالسر بدأك
قد قلت للسجف لما أن حجبت به … يا سجف لبيك قد أحميت أم رشأك
ويا منمنم خطي عارضيه لقد … قراك مهجته الرائي وما قراك
وأنت يا من يساميني إلى شرفي … لقد وسعت إذن أضعاف ما ملاك
هذا وسرحك يرعى في حمى كلأي … فلا رعى سرحك الباري ولا كلاك
جحدت حق فتى ما زلت ترزؤه … فيما يحل وفيما مل ما رزاك
من وهن رأيك أصبحت منتصرا … بمن يفاجئه يأسى بما فجأك
لم يدر قدرك من قد يرى ولا … عرفت جهلك النامي ولا ملاك
قل ما بدا لك من لوم لذي كرم … فلم تجب طوال الدهر ما حسك
وقوله (٢): [من مخلع البسيط]
يا رشا لم يطق فؤادي … تخلفا عنه وهو داعي
إن كان لا بد من فراق … فاسمح بتقبيلة الوداع
وقوله (٣): [من مخلع البسيط]
قد فؤادي بحسن قد … كالغصن في بانه الرطيب
ووجنة ما أتم ربحي … وقد غدا وردها نصيبي
وقوله (٤): [من الوافر]
تقنع بالكفاف من المعيشة … ودع شرها يذل أسود بيشه
ولا تهتم في الدنيا برزق … ليوم لا تؤمل أن تعيشة
وقوله: «ويروى للبهاء زهير وهي بقوله أشبه، وعبقها أنسب بزهير إذا تنبه» (١):
[من مجزوء الكامل]
رفقًا بروحي فهي لك … وعلى السَّخِي بما مَلَكْ
إني أغار إذا الأراكُ دَنَا … إليك فقبلك
ويَرُوعُني واشي النسيـ … ـم إذا تناك وملك
ما أقبح الصبر الجميـ … ـل بعاشقيكَ وأَجْمَلَك
وقوله (٢): [من مجزوء الرجز]
يُمْهِلُ مَنْ عَارَضَهُ … لكنَّهُ لا يُهمل
كم للعفاةِ نَحْوَهُ … في السَّدِّ حَرْفُ يَعمل
وقوله (٣): [من السريع]
مَنْ مُنصفي مِنْ عاذل جاهل … يَخُونُ باللُّومَ مَنْ لا يَخُونُ
إن قلت ما يضحك إلا أذى … قال وما عِشْقُكَ إِلا جُنُونُ
وقوله (٤): [من السريع]
سيندم الملحد في دينه … يومًا إذا صار إلى اللاحد
أقررت بالرب وخالفته … ما أشبه المُثبِتَ بالجاحِدِ
وقوله (٥): [من السريع]
لا تَنْسَ وَجْدي بكَ يا شادنًا … بحُبِّهِ أُنسيت أحبابي
مالي على هجرِكَ مِنْ طاقةٍ … فهل إلى وَصلِكَ مِنْ بابِ؟
وقوله (٦): [من السريع]
سألتُهُ مِنْ رِيقِهِ شَرْبِةٌ … يطفئ بها مِنْ ظَمَئِي حَرَّهْ
فقال أخشى يا شديد الظَّما … أنْ تَتْبَعَ الشَّربَةَ بالجَرّة
وقوله (٧): [من السريع]
مات أبو بكرٍ ومَنْ لي بأنْ … لوْمُتُ مِنْ قبل أبي بكر
стр. 2544
أخٌ تجلَّلتُ له أَنعمًا … تَفْضُلُ عَنْ حَمَدي وعَنْ شُكري
وقَوْلُهُ مما كتبه على جُرْنِ حمّام كان يدخله السلطان بحماة (١): [من السريع]
كَمُلْتَ لُطفًا ووقارًا على … ما حِزْتَ مِنْ أوصافي الحُلْوَة
مِنْ أَجْلِ هذا صرتُ أهلًا لأنْ … أجالس السلطان في الخَلْوَة
وقوله (٢): [من المنسرح]
قالوا فلانٌ مِنَ القُضاة فما … بالُكَ فِي سَبِّ عِرْضِهِ جَاهِدْ
فقلتُ لا تَحْفِلوا به أبدًا … فذاك قاض يقول بالشاهد
وقوله (٣): [من الخفيف]
إنَّ قَومًا يلحون في حُبِّ سُعْدَى … لا يكادون يفقهون حديثا
سَمِعُوا وصْفَها ولاموا عليها … أَخَذوا طيبًا وأعطوا خبيثا
وقوله (٤): [من المجتث]
انظر بصائب رأي … مُسْتنكرٍ وغَريزي
ولا تعيش ذَليلًا … وأنتَ عبد العزيز
وقوله (٥): [من المتقارب]
تيقّظ بفكرِكَ فيما إليه … عواقب كل الورى آيلة
ولا تتعرض لخزيِ الجَحِيمِ … ومالكَ صَبْرُ على القابلة
وقوله (٦): [من المتقارب]
وقاضٍ تَصدّى لإسخاطنا … فليس لنا عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)
يَجورُ وقَدْ عَدَلَتْ عِرْسُهُ … فيَلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٨)
وقوله (٩): [من المتقارب]
ولي صاحب لستُ أُكفَى أذاه … إلا إذا ما حَوَاهُ الجَدَتْ
له لحيةٌ لا سقاها الحَيا … إليها يُساقُ حَديثُ الحَدَث
وقوله (١٠): [من الطويل]
стр. 2545
تقرب إلى رب السماء بما يرضي … ودع عرض الدنيا تعش وافر العرض
ووف بني الدنيا الوداد فإن وفوا … وإلا فقد أقرضتهم أحسن القرض
وقوله (١): [من الطويل]
رأى المال عمن يملك المال مائلا … فصرمه في الجود قبل انصرامه
لهيب البغض في قلب … لا ضيافه … صحيح مرامه
وقوله (٢): [من الكامل]
قذفت صميم فؤاده بشواظ … شعل أرته نصائح الوعاظ
وأطلت في ليل الشبيبة رقدتي … فأجد صبح الشيب في إيقاظي
وقوله (٣): [من المتقارب]
لعلك ترثي لذي لوعة … إذا ضحك العاذلون انتحب
أؤمل من عبرتي نصرتي … متى كشفت كرب بالكرب
ولو لم أدع في هواك الوقار … لما صار يأخذ مني الطرب
ولا صرت أفهم عنك الحديـ … ـث بنقر الدفوف ونفخ القصب
وقوله (٤): [من الوافر]
وكم [من] لائم يلحي إلى أن … تأمل من هويت فما تنحنح
نفى عني المنام بسحر عين … إلى سلم المتيم ليس يجنح
له حذق بقول الحرب أولى … ولي قلب يقول الصلح أصلح
وقوله (٥): [من البسيط]
يا سلم الله جيرانا بذي سلم … لبينهم بان خسراني وأرباحي
كانوا شموسي وأقماري وقد حجبوا … عني فأظلم إمسائي وإصباحي
إذا خشيت مزيد البعد زدت جوى … مباعدا بين أجساد وأرواح
وقوله (٦): [من المتقارب]
أرقت لبارق مزن أضا … على الأثلات بذات الأضا
فأذكرني جيرة بالغضا … تولوا وأصليت جمر الغضا
وطول في حبهم لائمي … فعرض قلبي لما عرضا
стр. 2546
فلمْ يُجْدِ نفعًا سوى أنَّهُ … على النفع إذ لامني حرضا
وقوله (١): [من الكامل]
وغريم شيب لا يُدافَعُ خَصْمُهُ … وافى وحَقُّ شَبيبتي لم أقضِهِ
فلئن أَصَحْتُ إلى العَذُولِ فَطَالَما … أَعْرضتُ عَنْ طُولِ المَلامِ وَعَرْضِهِ
وكسرت رُمَّانَ النُّهود بعصره … وأكلتُ تفاح الحدود بعضهِ
فالآن توجني الزمان بأسوَدٍ … شَمْطٍ تَنَافَرَ بعضُهُ مِنْ بعضِهِ
وتباينت أوصافه فالغَيُّ في … مُسْوَدِّهِ والرُّشْدُ في مُبْيَضُهِ
وكذاك حالي في الهوى ما هِمْتُ في … إبرامِهِ إِلا هَممت بنقضه
وقوله (٢): [من الطويل]
وجاؤوا عشاء يُهْرَعُونَ وقَدْ بَدَتْ … بجسميَ مِنْ دَاءِ الصَّبابة ألوان.
فقالوا وكلُّ مُعْظم بعض ما رَأَى … أَصابَتْكَ عَيْنٌ قلتُ إِنَّ وأَجْفَانُ
ومنهم:
[٦٦] الشَّيخُ القُطْبُ، أَبو بكر بن قَوَامِ بنِ عَلِيِّ بنِ قَوامِ بنِ مَنصُورٍ بنِ مُعَلَّى بنِ حَسَن بنِ عِكْرِمَةَ بنِ هَارُونَ بنِ قَيْسٍ بنِ رَبِيعَةَ بنِ عَامِرٍ بن هلالِ بنِ تُصَيِّ بنِ كِلاب (٣)
مسلك أقوام، وسالك طريقة دعا بها ابن قوام، وكان لأهل بيته أي قدوة، وبيته أي بيت ودار ندوة، لم يخل رحابه من طارق، ولا سحابه من هطل ما ذر شارق. وكان في أرض «بالس» تهطل سماؤه، وعلى جانب الفرات وماء الفرات وماؤه، وأقام ما أقام وكراماته ظاهره، ومقاماته باهرة، وأحواله تحدث الغرائب عنها، وتحدث العجائب منها. ولم يكن في وقته وزمانه على مقته أجمع منه للخواطر، ولا أجمل محيًا إذا تجهمت السحب المواطر. والحقيقة بعض علمه والطريقة تحت رسمه، والآداب منه تتعلم، وراية المجد إلى يمين غرائبه تسلم.
стр. 2547
ولد بمشهد صفين سنة أربع وثمانين وخمسمائة. ثم انتقل إلى «بالس» وربي بها.
حكى عنه حفيده الشيخ العارف أبو عبد الله أنه قال: كانت الأحوال تطرقني في بداية أمري، فكنت أخبر بها شيخي، فينهاني عن الكلام فيها. وكان عنده سوط، يقول: متى تكلمت في شيء من هذا ضربتك بهذا السوط!. ويأمرني بالعمل، ويقول: لا تلتفت إلى شيء من هذه الأحوال. فما زلت معه كذلك، حتى كنت في بعض الليالي، وكانت لي أم ضريرة، وكنت بارًا بها، ولم يكن لها من يخدمها غيري، فاستأذنت الشيخ في المضي إليها، فأذن لي، وقال: إنه سيحدث لك في هذه الليلة أمر عجيب، فاثبت له ولا تجزع فلما خرجت من عنده وأنا مار إلى جهة أمي سمعت صوتًا من جهة السماء، فرفعت رأسي، فإذا نور كأنه سلسلة متداخل بعضه في بعض، فالتفت على ظهري، حتى أحسست ببردها في ظهري. فرجعت إلى الشيخ فأخبرته بما وقع لي. فقال: الحمد لله، وقبلني بين عيني، وقال: يا بني! الآن تمت النعمة عليك، أتعلم يا بني ما هذه السلسلة؟. فقلت: لا. فقال: هذه سنة رسول الله ﷺ .
وأذن لي في الكلام، وكان قبل ينهاني عنه.
قال حفيده: سمعته يومًا وقد دخل البيت وهو يقول لزوجته: ولدك قد أخذه قطاع الطريق في هذه الساعة. وهم يريدون قتله، وقتل رفاقه. فراعها قول الشيخ ﵁، فسمعته يقول لها: لا بأس عليكِ، فإني قد حجبتهم عن أذاه وأذى رفاقه، غير أن مالهم يذهب، وغدًا إن شاء الله تعالى يصل هو ورفاقه. فلما كان من الغد وصلوا كما ذكر الشيخ، وكنت فيمن تلقاهم، وأنا يومئذ ابن ست سنين، وذلك سنة ست وخمسين وستمائة.
قال شمس الدين الخابوري: وقع في نفسي أن أسأل الشيخ - وكان الخابوري من مريدي الشيخ أبي بكر - عن الروح؟، فلما دخلتُ عليه قال لي من غير أن أسأله: يا أحمد! ما تقرأ القرآن؟. قلت بلى يا سيدي. قال: أقرأ يا بني!: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) يا بني! شيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ، كيف يجوز لنا أن نتكلم فيه؟.
وقال الشيخ إبراهيم البطائحي: كان الشيخ يقف على حلب، ونحن معه، ويقول: والله إني لأعرف أهل اليمين من أهل الشمال منها، ولو شئتم لسميتهم، ولكن لم نؤمر بذلك، ولا يكشف سر الحق في الخلق.
стр. 2548
وقال معضاد بن حامد: كنا مع الشيخ في حفر النهر الذي ساقه إلى «بالس»، فاجتمع عندنا في بعض الأيام خلق كثير في العمل، فبينا نحن نعمل، إذ جاء راعد قوي فيه برد كبار، فقال له بعض أصحابه: يا سيدي! قد جاء هذا الراعد، وربما تعطل الجماعة عن العمل. فقال له الشيخ: اعمل وطيب قلبك، فلما دنا الراعد، استقبله، وأشار إليه بيده، وقال: خذ يمينًا وشمالًا، بارك الله فيك. فتفرق عنا بإذن الله، وما زلنا نعمل والشمس طالعة علينا، ودخلنا البلد ونحن نخوض الماء كما ذكر.
وقال محمد بن ناصر [المشهدي] كنت عند الشيخ وقد صلى صلاة العصر، وصلى معه خلق، فقال له رجل: يا سيدي! ما علامة الرجل المتمكن؟. وكان في المسجد سارية، فقال: علامة الرجل المتمكن أن يشير إلى هذه السارية، فتشتعل نورًا. فنظر الناس إلى السارية فإذا هي تشتعل نورًا. أو كما قال.
وقال إبراهيم البطائحي: سئل وأنا حاضر عن الرجل المتمكن ما علامته؟. وكان بين يديه طبق فيه شيء من الفاكهة والرياحين. فقال: أن يشير بسره إلى ما في هذا الطبق، فيرقص جميع ما فيه. فتحرك جميع ما كان في الطبق ونحن ننظر.
وقال إسماعيل بن أبي سالم المعروف بابن الكردي: كنا جلوسًا مع الشيخ في تربة الشيخ رافع ﵄، ونحن ننظر إلى الفرات، إذ لاح على شاطئ الفرات رجل، فقال الشيخ: أترون ذلك الرجل الذي على شاطئ الفرات؟ فقلنا: نعم. قال: إنه من أولياء الله تعالى، وهو من أصحابي، وقد قصد زيارتي من بلاد الهند، وقد صلى العصر في منزله، وقد توجه إليّ، وقد زُويت له الأرض، فخطا من منزله خطوة إلى شاطئ الفرات، وبقي يمشي من الفرات إلى ههنا، تأدبًا منه معي. وعلامة ما أقول لكم أنه يعلم أني في هذا المكان فيقصده، ولا يدخل البلد. فلما قرب من البلد عرج عنه، وقصد المكان الذي فيه الشيخ والجماعة، فجاء وسلّم وقال: يا سيدي! أسألك أن تأخذ عليَّ العهد أن أكون من أصحابك. فقال له الشيخ: وعزَّة المعبود، أنت من أصحابي. فقال: الحمد لله، لهذا قصدتك، واستأذن الشيخ في الرجوع إلى أهله، فقال له الشيخ: وأين أهلك؟. قال: في الهند!. قال: متى خرجت من عندهم؟. قال: صليت العصر، وخرجت لزيارتك. فقال له الشيخ: أنت الليلة ضيفنا، فبات عند الشيخ، وبتنا عنده. فلما أصبحنا من الغد طلب السفر، فخرج الشيخ، وخرجنا في خدمته لوداعه، فلما سرنا في الصحراء، وأخذ في وداع الشيخ، وضع الشيخ يده بين كتفيه، ودفعه، فغاب عنا، ولم نره، فقال الشيخ: وعزَّة المعبود في دفعتي له وضع رجله في باب داره بالهند، أو كما قال.
стр. 2549
قال حفيده: سمعت علم الدين الشيرازي يحكي لوالدي: قال: كنت في بعض أسفاري، فأدركني شيء من الجوع والعطش، وأوقع الله تعالى في نفسي أن الله يطلع الشيخ على حالي، فإذا أنا بإنسان واقف على صخرة، وهو يشير إليَّ: أن تعال. فمضيت إليه، وإذا هو الشيخ، وعنده كوز ماء، ورغيف خبز!. فقال: كل. فجلست وأكلت، وشربت. وحملت ما فضل.
قال حفيده: وسمعت والدي يقول: ولما كان في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان الشيخ في حلب وقد حصل فيها ما حصل من فتنة التتار، وكان نازلًا في المدرسة الأسدية. فقال لي: يا بني! اذهب إلى بيتنا، فلعلك تجد ما نأكل. فذهبت إلى الدار، فوجدت الشيخ عيسى الرصافي، وكان من أصحابه، مقتولًا في الدار، وعليه دَلَق الشيخ، وقد حُرق، ولم يحترق الدَّلق، ولم تمسه النار، فأخذته وخرجتُ، فوجدني بعض من بني جهبل، فأخبرته بخبر الدَّلق، فحلف عليَّ بالطلاق وأخذه مني.
وقال أيضًا: حدثني إسماعيل بن سالم الكردي، قال: كان لي غنم، وكان عليه راع، فسرح يومًا على عادته، فلما كان وقت رجوعه لم يرجع، فخرجت في طلبه فلم أجده، ولم أجد له خبرًا، فرجعت إلى الشيخ، فوجدته واقفًا على باب داره، فلما رآني قال لي: ذهبت الغنم؟. قلت: نعم. قال: قد أخذها اثنا عشر رجلًا، وهم قد ربطوا الراعي بوادي كذا. وقد سألت الله أن يرسل عليهم النوم، وقد فعل. فامضِ تجدهم نيامًا والغنم ربضًا إلا واحدة، قائمة ترضع سخلتها. قال: فمضيت إلى المكان الذي قال، فوجدت الأمر كما قال؛ فسقت الغنم، وجئت البلد.
وقال البطائحي: حضر الشيخ جنازة، وفيها جماعة من أعيان البلد، فجلس القاضي والخطيب والوالي في ناحية، وجلس الشيخ والفقراء في ناحية، فتكلّم القاضي والوالي في كرامات الأولياء، وأنه ليس لها حقيقة، وكان الخطيب رجلًا صالحًا، فلما قاموا جاء الجماعة يسلمون على الشيخ، فقال الشيخ للخطيب: إنا لا نسلم عليك!. قال: ولم يا سيدي؟. قال: لأنك لم ترد غيبة الأولياء، ولم تنتصر لهم، والتفت الشيخ إلى القاضي، والوالي، وقال: أنتما تنكران كرامات الأولياء!. فما تحت أرجلكما؟ قالا: لا نعلم. قال: تحت أرجلكما مغارة ينزل إليها بخمس درج، وفيها شخص مدفون، هو وزوجته، وكان ملك هذا البلد، وهو على سرير، وزوجته قبالته، ولا نبرح من هذا المكان حتى نكشف عنهما. فدعا بفؤوس، وكشف المكان، والجماعة حاضرون، فوجدوه كما قال.
وقال أبو المجد بن أبي الثناء: كنت عند الشيخ، وقدم عليه الشيخ نجم الدين
стр. 2550
الباذرائي، متوجهًا إلى بغداد، وقد ولاه الخليفة القضاء، فسمعته يقول للشيخ: يا سيدي! قد ولاني الخليفة قضاء بغداد، وأنا كارهه، فقال له: طيب قلبك، فإنك لا تحكم فيها، وحدثه أشياء. وسمعت الشيخ يقول له: يا شيخ نجم الدين! هذا إنسان صفته كذا وكذا، من أعيان الناس، وهو قريب من الملك الناصر، خاطره متعلق بك، وهو يشير إليك بخنصره، فقال له: صدقت يا سيدي!. دفع إليَّ فص خاتم له قيمة، وقال: يكون عندك وديعة، والله ما أعلم أحدًا من خلق الله علم بهذا الفص حين دفعه إليَّ، وقد خيطته في مزدرجتي، من حذري عليه، وكان كما قال الشيخ، فإن نجم الدين قدم بغداد، ومات، ولم يحكم بين اثنين!.
قال حفيده: حدثني الشيخ الصالح العابد عمر بن سليمان الجعبري المعروف بأبي أصيبعة، قال: سير أبي معي إلى الشيخ هدية، وكنت شابًا، فرافقني جماعة من أهل القلعة، فتحدثوا فيما بينهم، فقالوا: إذا دخلنا البلد رجعنا إلى الخمارة، وشربنا. فلما دخلنا البلد وعزموا على ما قالوا، قلت لهم: حتى أوصل إلى الشيخ هديته، ولا يبقى لنا شغل، فمضينا إلى الشيخ، فلما دخلنا إليه وجلسنا، أخذ يتكلم في المعاصي وما فيها من سخط الله وعقابه، فما زال يتكلم حتى القوم تابوا، وصاروا من أصحابه، وماتوا على عمل صالح.
وحدثني أيضًا قال: دخلت على الشيخ، وعنده إنسان من أهل العراق، وهو يسأله، والشيخ يجيبه، فأكثر عليه السؤال، فخطر لي أن أقوم إليه، وأخرجه. فقال لي: يا فلان! دعه، فإنه صاحب بدعة، وقد كفانا الله فيه. قال: فلما جاء الليل، أخذه بعض أهل البلد، وبيته عنده، فقام من الليل، فسقط من أعلى الدار التي بات فيها!. فجاؤوا إلى الشيخ وأخبروه به. فقال: امضوا، واحفروا له قبرًا فإنه الآن يموت!، وهو رافضي مبتدع.
قال حفيده: وسمعت والدي قال: كان الشيخ كثيرًا ما يتكلم فيما يلتبس على الأولياء كشفه، فقال لي في بعض الأيام: قد خرج في هذه الساعة جماعة من حلب إلى زيارتنا، وهم يمشون في شجر سيسبان، ولم يكن هذا الشجر بأرض حلب، ولا يعرف بها. أتدرون ما هو؟ فقالوا: لا. فقال: لأنهم يتكلمون في نقص أموال، وغرائم أموال، فظهرت إشارته في الكشف شجر سيسبان، وذلك لأن النقص يعطي النقص في الأبدان، فلما تكلموا في نقص الأموال، ظهر في الكشف كما قلنا.
وقال مرة أخرى: قد دخل إلى مجلسنا حَمَامٌ كثير، وقد رُص المجلس بهم، أتدرون ما هم؟ فقال: قد قصد زيارتنا قوم أحرار وليس فيهم دعي، فلما كان عن
стр. 2551
قليل، دخل جماعة، وجلسوا حتى رصُّوا المجلس، فقال: هؤلاء الذين أخبرتكم عنهم، إنهم قوم أحرار، ظهرت في الكشف أسرارهم كما قلنا. وكان رحمه الله تعالى كثير العمل دائم المجاهدة في نفسه، ويأمر أصحابه بذلك، ويلزمهم بقيام الليل، وتلاوة القرآن، والذكر دأبه لا يفتر عنه، وفي كل ليلة جمعة يجعل لكل إنسان منهم وظيفة من الجمعة إلى الجمعة، وكان يحثهم على الاكتساب، وأكل الحلال، ويقول: أصل العبادة أكل الحلال.
وكان شديد الإنكار على أهل البدع، لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع به خلق. وكان يحث أصحابه على التمسك بالسنة، ويقول: ما أفلح من أفلح، وسعد من سعد إلا بالمتابعة، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١)، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٣). وكان يقول: ما اتخذ الله وليًا صاحب بدعة قط. قيل له: فإن اتخذه؟. قال: يُصْلِحه [وكان يقول: رجال الشام أمكن من رجال العراق، وأعرف]. وكان يتفقد الأرامل بنفسه، ويقضي حوائجهن. وجاءته امرأة فقالت له: عندي دابَّةٌ، وقد ماتت. وما لي من يجرها عني، فقال: امضي وحصلي حبلًا واتركيه عندها، حتى أبعث من يجرُّها. فمضت وفعلت ما قال، فجاء بنفسه، وربط الحبل في الدابة، وجرَّها إلى باب البلد. وكان لا يركب بغلًا، ولا حمارًا، ولا فرسًا. وإذا عطش وهو قاعد في المجلس مع أصحابه قام فشرب بنفسه، يريد بذلك تربية المريدين.
وكان في الزاوية رجل كبيرٌ مُسن، وكان به قطار البول، فأخذ تحته شيئًا يقطر فيه البول، فكان يقوم، ويريقه بنفسه، ويغسل ما أصاب الحصير منه. وكان لا يُمكن أحدًا من تقبيل يده، ويقول: إذا مكَّن الشيخ أحدًا من تقبيل يده، نقص من حاله شيء. وكان شديد الحياء، لا يقطع على أحد كلامه، ولا يُخجِلُ أحدًا بما يقول. وكان كثير التورع، يتحرّى في مطعمه، وملبسه، ويقول: الدين الورع، وهو أصل العبادة. وكان يتورع عن أموال السلاطين، والجند، وكان عن مال العرب أشدَّ تورعًا، لا يأكل لهم طعامًا، ولا يقبل لهم هدية. وكان للعرب عادة يمرون كل سنة بأرضنا مرتين، فإذا مرُّوا لا يأكل مما يباع في السوق، لا لحمًا ولا لبنًا ولا غيرهما، بل يتأدَّم بالزيت، وما كان من الأدم في البيت.
стр. 2552
وكان في بدء أمره لا يأكل إلا من المباح، يجمع الأشنان بيده، وتارة يحصد، فلما كبر وأسن، كان يأمر من حوله من الفقراء والأصحاب، فيخرجون إلى الصحراء، فيزرعون زرعًا ويحصدونه، فإذا حصل، قال لهم: لا ترفعوه، حتى تدفعوا إلى السلطان نصيبه منه، وكانوا يفعلون ذلك، حتى يدفعوا من التبن ما يخصه. وكان السلطان نور الدين يتردد إلى زيارة جده، فوقف على الشيخ غابة من أرض الفرات، فتورع عنها، وسبلها للمسلمين، فكانوا يأخذون منها الخشب، وينتفعون به، وربما احتاج هو إلى شيء من الخشب للعمارة، فيشترى له ولا يأخذ منها شيئًا، تورع منه.
وصنع له بعض أصحابه في بعض الأيام طعامًا فيه جزر، فلما وضعه بين يديه، قال له الشيخ: من أين اشتريت هذا الجزر؟، فإنه حرام!. فقال: من السوق؟ فقال: امض إليه واسأله عنه من أين اشتروه؟، فمضى وسأل عنه، فوجده قد اشتري من طعمة المكاسين!!.
وقال الشيخ إبراهيم البطائحي: كان الشيخ ﵁ لا يقبل خمسين درهمًا [جملة واحدة]، ويقول: خمسون درهمًا غنى فقير.
وتوفي يوم الأحد سلخ رجب سنة ثمان وخمسين وستمائة، بقرية «علم» ودفن بها، في تابوت، لأجل نقله، فإنه أوصى بذلك.
قال حفيده: أخبرني والدي قال: أوصاني والدي أن أدفنه في تابوت، وقال: يا بني! أنا لا بد أن أنقل إلى الأرض المقدسة. وكان كما قال، فإنه نقل بعد موته باثنتي عشرة سنة، إلى جبل [قاسيون]. قال: وكنت فيمن حضر خروجه من قبره، وسرت معه إلى دمشق، وشهدت دفنه، وذلك صبيحة يوم الجمعة، تاسع المحرم، سنة سبعين وستمائة. ورأيت في سفري معه عجائب، ذكرها. وقد جمع له حفيده سيرة في أربع كراريس.
ومنهم:
[٦٧] عليُّ البَكَّاء (١)
الصالح المشهور، ما زايل الدمع حتى خدَّد خديه، ونزل خاضعًا لديه، وترك
стр. 2553
جياده في حلبة الخد تستبق، والأرض تصطبح منه وتغتبق. بكاء كان لا يجف منه جفنه، ولا يخف منه أفنه، قطع عليه مدة البقاء، واتخذ منه عدة اللقاء، هذا إلى حب للانفراد، فسكن من قلبه الشغاف وركن إلى خلبه للاطلاع والإشراف، حتى ثوى، ولكل امريء ما نوى، وأمسى وهو نزيل الخليل وجاره، وفوق وكر السرحان وجاره.
قال ابن اليونيني: حكى لي الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀، بغزة في شوال سنة خمس وسبعين وستمائة، وقد خرجت صحبته من الديار المصرية، فلما نزل غزة استأذنته في زيارة الخليل ﵇، فقال لي: زر الشيخ عليًا البكاء، فإنه كبير القدر، وشرع في الثناء عليه وذكر مناقبه، فقال: لما كنا في الأيام الناصرية مع الملك الظاهر، زرته فدعا لي، وأخبرني بأمور تقع، فوقع أكثرها، وأعطاني قميصه، فكنت ألبسه تحت السلاح، فما أصابني نشاب ولا غيره وهو عليّ، وأصابني جراحات لما لم أكن لابسه، أو ما هذا معناه.
قال ابن اليونيني: فلما تسلطن الملك المنصور، وقع في خاطري أن ذلك ربما يكون من الأمور التي أخبره بوقوعها، والله أعلم.
قال: وسمي بالبكاء لكثرة بكائه.
حكي أنه سئل عن كثرة بكائه، فقال: كنت ببغداد، فرأيت رجلًا خرج منها، فتبعته، فلم يكن بأسرع من وصوله إلى عمارة لا أعرفها، فظننتها من قرى بغداد، ودخل مسجدًا وصلى فيه الظهر وخرج، وأنا في صلاة السنة، فخرجت، فرأيت وجوهًا أنكرتها، وبلدًا أنكرته، فسألت شيخًا هناك: ما هذه القرية؟. فقال: من أين أنت؟. فقلت: من بغداد. خرجت منها من ساعة. فقال: أظنك لا تعقل ما تقول، بينك وبين بغداد أكثر من سنة!. فقلت: والله لقد خرجت منها من أقل من ساعتين. فقال: حدثني قصتك. فحكيت له أمري عن حليته، فقال: إن كنت صادقًا فارجع إلى المسجد الذي دخلت إليه معه فانتظره، فإنه سيعود إليه. فرجعت إلى ذلك المسجد، فلما كان وقت العصر، حضر ذلك الشخص الذي تبعته، فلزمته، وتشبثت به، وبكيت، وتضرعت إليه، فانتهرني، ثم رق لي، ورجع بي إلى بغداد، فوصلناها في مثل المسافة التي خرجنا منها، وصحبته، وخدمته مدة، وأراد السفر، فأردت صحبته، فمنعني، وقال: لا تقدر على ذلك. وأنا مسافر إلى البلد الفلاني، وأموت في الوقت الفلاني، فإذا كان ذلك الوقت، فاحضر ذلك المكان، واشهدني. فلما دنا الميعاد، حضرت فوجدته في الموت، وقد توجه إلى الشرق، فأدرته إلى القبلة، وهو ينحرف إلى الشرق، وتكرر ذلك منه ومني، فنظر إليَّ، وقال: لا تتعب - هو إنما يموت نصرانيًا! - وتكلم بما يدين به
стр. 2554
النصارى ويعتقده، ففارق، فحملناه إلى دير مشهور هناك، فيه جماعة من الرهبان، فوجدناهم في تألم شديد، وذكروا لنا أنهم كان عندهم راهب عظيم، قد أتى عليه مائة سنة، وأنه توفي تلك السنة، بعد أن أسلم، فسلمنا إليهم صاحبنا، فتولوا أمره ودفنوه، وتسلمنا ذلك الراهب وغسلناه، ودفناه. فألام على كثرة البكاء؟!. فنسأل الله حسن الخاتمة، وأن يتوفانا على الإسلام والسنة، آمين.
توفي الشيخ علي البكاء - رحمه الله تعالى - ببلد الخليل ﵇ في أوائل شهر رجب سنة سبعين وستمائة، ودفن بزاويته.
ومنهم:
[٦٨] الشَّيخُ خَضِر بنُ أَبي بكر بن مُوسَى، أَبُو العَبَّاسِ المِهْرَانِي، العَدَوِيُّ، شيخ الملك الظاهر (١)
قدم من جبال الأكراد، وورد الحياض وراد، فاستخصب المرعى، واستنجب المسعى، وتأكدت له بالملك الظاهر بيبرس صحبة نفعته لديه، ورفعته عند إفضاء الملك إليه، وحمد به زمانه النضر، وكان الملك الاسكندر والشيخ الخضر، ووسائله مقبولة، ورسائله للمصايد أحبولة، والأنام معه، والأيام لدعوته مسمعة، حتى هبت له بنكباء البأساء، ودبت إليه دبيب ظلماء المساء، وانتهت له من الوزراء الظاهرية صلالًا أراقم، وأسقامًا داؤها متفاقم، وكان قد ثقلت عليه شفاعاته، ونقلت إليهم شناعاته. وما زالوا به حتى أخرجوا خباءه، وأسمعوا منه آي نبأه، وأحضرت امرأة تعرف ببنت
стр. 2555
ابن نظيف، فقالت فيه كلامًا، وقادت إليه ملاما، فحمل إلى القلعة واعتقل، وأقام حتى هيء له بيته في المقابر ونقل، إلا أنه مات غير محترم، وتاب ولم ير غير مبجل محترم، وكان موته بدنو أجل الملك الظاهر منذرا، وكان قد أنذره به، وكان منه حذرا.
أصله من قرية يقال لها: «المحمدية»، من أعمال جزيرة ابن عمر، وسبب معرفة الملك الظاهر له واعتقاده فيه: إن الأمير العجمي أخبره عنه قبل أن يتسلطن، أنه قال: إن ركن الدين بيبرس البندقداري لابد أن يملك، فلما ملك، صار له فيه عقيدة [عظيمة]، وقربه وأدناه، وكان ينزل إلى زيارته في الأسبوع مرة أو مرتين أو ثلاثًا، على قدر ما يتفق؛ لكنه لم يكن يغب زيارته والاجتماع به، ويطلعه على غوامض أسراره، ويستشيره في أموره، ولا يخرج عن رأيه، ويستصحبه في سائر أسفاره وغزواته، وفي ذلك يقول الشريف شرف الدين محمد بن رضوان الناسخ: [من الكامل]
ما الظاهرُ السلطانُ إلا مالكٌ … الدُنيا بذاك لنا المَلاحِمُ تُخبِرُ
ولنا دليلٌ واضحٌ كالشمسِ في … وسط السماء بكلِّ عَينٍ تُنظَرُ
لما رأينا الخِضرَ يقدمُ جَيشَه … أبدًا علمنا أنه الاسكندرُ
وكان يخبر الملك الظاهر بأمور قبل وقوعها، فتقع على ما يخبر به، ولما حاصر الملك الظاهر [أرسوف]، وهي من أوائل فتوحاته، سأله: متى تؤخذ؟ فعين له اليوم الذي تؤخذ فيه، فوافق. وكذلك في «قيسارية» و «صفد».
ولما عاد الظاهر [رحمه الله تعالى] من دمشق إلى جهة الكرك، سنة خمس وستين، استشاره في قصده، فأشار عليه أن لا يقصده، وأن يتوجه إلى الديار المصرية، فلم يوافق قوله غرضه، فخالفه وقصده، فلما كان فانكسرت فخذه، وأقام مكانه أيامًا كثيرة، ثم حمل في محفّة إلى غزة، ثم إلى الديار المصرية على أعناق الرجال. ولما قصد الظاهر منازلة حصن الأكراد ومحاصرته، اجتاز الشيخ خضر ببعلبك، ونزل بالزاوية التي عمرت له بظاهرها، وخرج نواب السلطنة وبعض أهل البلدة إلى خدمته، فقال ابن اليونيني: وكنت فيمن خرج، فسمعت كمال الدين إبراهيم بن شيث [رحمه الله تعالى] يسأله عن أخذ حصن الأكراد؟. فقال ما معناه: يؤخذ في مدة أربعين يومًا. أو قال: قلت: لابني يشير إلى الملك الظاهر انك تأخذه في أربعين يومًا، فوافق ذلك، وأخذه في مدة أربعين يومًا.
ولما توجه الملك الظاهر إلى الروم، سأل الشيخ خضر بعض أصحابه عما يتم للملك الظاهر؟، فأخبرهم أنه يظفر، ثم يعود إلى دمشق، ويموت بها بعد أن أموت أنا بعشرين يومًا!. فاتفق ذلك.
стр. 2556
قال ابن اليونيني: وحكي لي أن الملك الظاهر لما تغير عليه، وأحضر من أصحابه من دمشق من يحاققه على أمور نقلت إليه عنه، ويقابله عليها، قعد الملك الظاهر بقلعة الجبل، وعنده من أكابر الأمراء فارس الدين الأتابك، وبدر الدين، والملك المنصور قلاوون، وسير الأمير سيف الدين قشتمر العجمي لإحضاره، فلما طلبه إلى الحضور إلى القلعة، أنكر ذلك؛ لأنه لم يكن له به عادة، فعرفه [بشيء ما] هم فيه، فحضر معه، فلما دخل لم يجد ما يعهده، فقعد عندهم منتبذًا منهم، فأحضر السلطان الذين أحضرهم من أصحابه من دمشق، فشرعوا ونسبوه إلى قبائح وأمور عظيمة لا تكاد تصدر من مسلم، فقال: ما أعرف ما يقولونه، ومع هذا، فأنا ما قلت لكم: إني رجل صالح، أنتم قلتم هذا، فإن كان ما يقول هؤلاء صحيحًا، فأنتم كذبتم. فقام الملك الظاهر ومن معه من عنده؛ وقالوا: قوموا بنا، لا نحترق بمجاورته. وتحولوا إلى طرف الإيوان بعيدًا منه. فقال الظاهر: أيش رابكم في أمره؟. فقال الأتابك: هذا مطلع على الأسرار وأسرار الدولة، وبواطن أحوالها، وما ينبغي إبقاؤه في الوجود، فإنه لا يؤمن أن يصدر منه ما لا يمكن تلافيه فوافقه الحاضرون على ذلك، وقالوا: ببعض ما قد قيل [عنه] يباح دمه، ففهم ما هم فيه، فقال للملك الظاهر: اسمع ما أقول لك! إنَّ أجلي قريب من أجلك، وبيني وبينك مدة أيام يسيرة، من مات منا لحقه صاحبه عن قريب. فوجم الملك الظاهر لذلك، وقال للأمراء: ما ترون في هذا؟. فلم يقل أحد منهم شيئًا. فقال [السلطان] الظاهر: هذا يحبس في موضع لا يسمع له فيه حديث، فيكون مثل من قد قبر وهو حي. فقالوا: الذي رآه مولانا السلطان. فحبسه في مكان منفرد، بقلعة الجبل، ولم يمكن أحدًا من الدخول إليه إلا من يثق به السلطان غاية الوثوق، ويدخل إليه بالأطعمة الفاخرة والأشربة، والفواكه، والملابس تغير عليه كل وقت. وكان حبسه في ثاني عشر شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وتوفي يوم الخميس سادس المحرم، أو ليلة الجمعة سابعه، وأُخرج يوم الجمعة المذكور من سجنه بقلعة الجبل، ميتًا، فسُلِّم إلى أهله، فحملوه إلى زاويته المعروفة بخط الجامع الظاهري بالحسينية، فغسل بها، وحمل إلى الجامع المذكور، وصلّي عليه عقيب الجمعة بالجامع المذكور، ودفن بتربة أنشأها لنفسه بالزاوية، وقد نيف على الخمسين. ولما عاد الظاهر من الروم، كتب بالإفراج عنه، وجهزه على البريد، فوصل البريد بعد موته. وكان بنى له الظاهر زاوية بالحسينية، ووقف عليها أحكارًا يحصل منها في كل سنة فوق ثلاثين ألف درهم. وبنى له بالقدس زاوية، وبجبل المزة ظاهر دمشق زاوية، وبظاهر بعلبك زاوية، وبحماة زاوية، وبحمص زاوية، وفي جميعها
стр. 2557
فقراء، وعليهم الأوقاف، وصرفه في ملكه يَحْكُمُ ولا يُحكم عليه، ولا يخالف أمره في جليل ولا حقير، ويتقي جانبه الخاص والعام، حتى الأمير بدر الدين الخازندار، والصاحب بهاء الدين، وملوك الأطراف، وملوك الفرنج وغيرهم.
وهدم بدمشق كنيسة اليهود ونهبها، وكان فيها من الآلات والفرش ما لا يُعبر عنه، وصيَّرها مسجدًا وبنى بها المحاريب، وعمل بها سماعًا، ومد بها سماطًا. ودخل كنيسة الإسكندرية، وهي معظمة عند النصارى، ويعدونها كرسيًا من كراسيهم، ويعتقدون فيها البركة، ويزعمون أن رأس يحيى بن زكريا ﵉ فيها، وهو عندهم يحيى المعمدان، فنهبها، وصيَّرها مسجدًا، وسماها «المدرسة الخضراء» وأنفق في تغييرها من بيت المال مالًا كثيرًا.
وهدم بالقدس كنيسة النصارى المعروفة بالمصلبة، وهي جليلة عندهم، وقتل قسيسها بيده وعملها زاوية.
وكان واسع الصدر، يعطي ويفرق الدراهم والذهب، وعمل الأطعمة الفاخرة، في قدور مفرطة في الكبر بحيث يحمل القدرة الواحدة الجماعة من الحمالين.
وكانت أحواله عجيبة لا تكيف، ولا تنتظم، والأقوال فيه مختلفة، فمن الناس من أثبت صلاحه، ومنهم من رماه بالعظائم، والله أعلم بحقيقة حاله.
قلت: حكى لي والدي رحمه الله تعالى، قال: كان الشيخ خضر عظيم المكانة عند الملك الظاهر، لا يخالفه في شيء، وكان جريئًا باللسان وباليد إلى غاية، فضاق منه الوزير ابن حنا ضيقًا عظيمًا، ولم يجد له سبيلًا إلى إبعاده، فشرع في التحيل عليه، وكانت بدمشق امرأة تعرف ببنت ابن نظيف، بارعة في الحسن، خالية من الزوج، محبة لأهل الخير، فأتى الشيخ خضر في بعض أسفاره دمشق، فسمعت به، وبعثت إليه بأنواع من المآكل، ثم دعته إلى دار لها لضيافة عملتها له، فجاءها، وأقام عندها أيامًا في مأكل وأوقات طيبة لا ريبة فيها، فبلغ ذلك ابن حنا، فجعله سُلَّمًا له إلى ما يريد يتسلق منه على الشيخ خضر، وذلك أنه خلى تاج الدين ابن ابنه، تزوج المرأة وأبقاها في عصمته مدة طويلة، وحملها بالرغبة والرهبة على ما تقوله في الشيخ خضر، ثم طلقها سرًا، وتحيل جده على الظاهر حتى ألقى في أذنه أن الشيخ خضر يشرب الخمر ويزني، وأنه كان قد أحب امرأة من بنات ابن نظيف، وأفسدها، وأن تاج الدين تزوجها، ثم لم ينته عنها الشيخ خضر، وبقي يأتي إليها، فطلقها، وأنها لو سئلت لأخبرت بالخبر، فبعث الظاهر إلى نائبه بدمشق في ذلك، وأحضر المرأة وسألها، وهي لا تعلم بتطليق تاج الدين لها، فقالت ما قرر معها أن تقوله، فكتب بذلك إلى الظاهر،
стр. 2558
ثم أضيف إلى الشيخ خضر أقوال أخر، ورتبت له ذنوب لم تكن، وكان منه ما كان.
ورأيت أنا في أوراق عمي ﵀ نسخة المطالعة التي كتبت في ذلك، وفيها عظائم ومما قيل فيها وهذه المرأة باقية في عصمة الصاحب تاج الدين، لأنهم لم يكونوا علموا بإيقاع الطلاق عليها.
ومنهم:
[٦٩] يُوسُفُ بنُ نَجَاح بنِ مَوهُوب، أبو الحَجَّاج الزبيرِيُّ المعروف بالفُقَاعِي (١)
علا بعز الطاعة، وغالب رأي النفس فأطاعه، وأزمع على الرحيل فجمع له أهبته، وأجمع له وثبته، واستعد ليوم العرض، وأعدَّ لجَنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، وملاحظة الحق تعينه، وتحقق له ما يستبينه، فتقدم ولم يتأخر، وقدم الله لا لمفخر، وركض به عمله محضرا، وسره ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرا﴾ (٢)، فلم ير أضاليل الدنيا إلا مهموما، ولا رئي على غروراتها محوما.
أصله من قرية من قرى «نابلس» تعرف بـ «عقربا» وله بها زاوية، وكان يتردد إليها في كثير من الأوقات، بعد أن قدم دمشق. وله زاوية ورباط بالقرب من الجامع الأفرمي بناهما له الأمير جمال الدين موسى بن يغمور.
وكان كثير العبادة والزهد، حسن التربية، كريم الأخلاق، لطيف الحركات، كثير التواضع، ليّن الكلمة من المشايخ المشهورين بالعرفان، ولكثير من الناس فيه عقيدة صالحة.
توفي ليلة الأربعاء [بجامع الجبل] سابع عشرين شوال، سنة تسع وسبعين وستمائة، ودفن بتربته جوار الزاوية، بعد أن صُلِّي عليه بالجامع المظفري، بسفح قاسيون، وقد نيف على الثمانين.
حكى ابن اليونيني: عن الشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري قال: اجتمعت به فسمعته يقول: الطالب للمشيخة جاهل بحقيقة الأمر، مستور عليه، إن أهل الله تعالى [يُكرمون] بها، فيسألون الله تعالى الإقالة. قال: وسمعته يقول: ليس أبناء المشايخ
стр. 2559
كغيرهم، فإن الحاصل للطالب المريد من غيرهم أكثر وأجل، فإن أولاد المشايخ عندهم إدلال بآبائهم، فلا تزال نفوسهم مرتفعة، وغيرهم يطلب الذل والانكسار، وإنما حصل الناس على الخير بهما.
قال: وسمعته يقول: لقد جرى لهؤلاء الذين عندي وقت اجتهدت على إدخال أولادي فيه بكل طريق فلم أقدر.
قال: وسمعته يقول: إنما نهى الشيخ الشخص عن صحبة غيره، إذا كان مريدًا مشتغلًا قد سلكه، وعرف مزاجه، لأنه ربما لاذ بجاهل لحاله، ففسد عليه أمره. ومثال هذا: كالمريض الذي له طبيب قد خبر علته، وعرف دواءها، وعالجها مدة، لو شاركه في تعليله طبيب آخر ربما أدى إلى هلاك المريض.
قال: وسمعته يقول: كان شخص يرعى الغنم مدة طويلة لم يأخذ الذئب له شيئًا قط، فلما كان بعد تلك المدة، أخذ الذئب منه شاة، فقلت له: قد أحدثت شيئًا!. فأنكر، فكشفت عن حاله، فإذا به قد أكل طعامًا مسروقًا من بعض صبيان الرعي، فقلت له: بهذا أخذ الذئب منك ما أخذ.
ومنهم:
[٧٠] الشَّيخُ إبراهيمُ ابنُ [الشَّيخِ عَبدِ اللَّهِ] الْأَرْمَوِيُّ (١)
كريم كان ينجز المواعيد، وتنبجس له الجلاميذ، من بيت أركانه لم تهدم،
стр. 2560
ومكانه إرث ممن تقدم، فلم يجهل له قدر، ولم يمهل ترابه مذ وضع له خد في قبر. كان يؤخذ ترابه للاستسقاء، ونور بصائر الأكفاء، وهو في ضريحه يزار، وتحت صفيحه مشهد ومزار.
ومنهم:
[٧١] [الشَّيْخُ الزَّاهِدُ] جندل [بن محمد العجمي] (١)
ذكره ابن اليونيني، فقال: كان زاهدًا عابدًا، منقطعًا، صاحب كرامات، وأحوال ظاهرة وباطنة، وله جد واجتهاد، ومعرفة بطريق القوم. وكان الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن الفركاح الفزاري يتردد إليه في كثير من الأوقات، وله به اختصاص كبير.
قال ولده الشيخ برهان الدين: كنت أروح مع والدي إلى زيارته بمنين، ورأيته يجلس بين يديه في جمع كثير، ويستغرق وقته في الكلام مغربًا لا يفهمه أحد من الحاضرين بألفاظ غريبة.
وقال الشيخ تاج الدين المذكور ﵀: الشيخ جندل من أهل الطريق، وعلماء التحقيق، اجتمعت به في سنة إحدى وستين وستمائة، فأخبرني أنه بلغ من العمر خمسًا وتسعين سنة. وكان يقول: طريق القوم واحد، وإنما يثبت عليه ذوو العقول