← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الكبيرة (١). ذات الألسن العديدة من سكان الشمال. عمل الباب على نقب كان فتح في جبل حيث خَرَجْتَ من البحر الشامي طريقا للأندلس إلى البر المتصل. وقد رأيتُ أن أعقب ذكر هذه الآثار، بما هو مماثلها أو أبلغ في الاعتبار، وهو: قصر العباس (٢). وهو بين سنجار ونصيبين. وهو وإن لم يكن في القدم من نسبة ما ذكرنا، فإنه في العبرة كما أشرنا. حكى قاضي القضاة أبو العباس أحمد بن خلكان في تاريخه (٣) قال: مر أبو الربيع قرواش بن المقلد بن المسيب بقصر العباس بن عمرو الغنوي وكان مطلًا على بساتين ومياه كثيرة. فتأمله، فإذا في حائط منه مكتوب: [من مجزوء الكامل] يا قصرَ عَبَّاسِ بنِ عَمْ … رو، كيف فارقك ابنُ عَمْرك؟ قد كنت تغتال الدهو … ر، فكيف غالك رَيبُ دهْرِكْ؟ واها لعزك بل لجود … ك بل لمجدك بل لفخرِك! وكتبه علي بن عبد الله بن حمدان بخطه سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة». وهذا هو الأمير [سيف الدولة بن حمدان] (٤). وتحته مكتوب: [من مجزوء الكامل] يا قصرُ، ضَعْضعك الزما … ن وحطَّ مِنْ عَلياء فخرِك ومحامحاسن أسطر … شرفت بهنّ مُتُونُ جُدْرِكْ واها لكاتبها الكريـ … م وقدره المُوفي بقَدْرِكْ وكتبه الغضنفر بن الحسن بن علي بن حمدان بخطه سنة اثنتين وستين وثلاثمائة». (وهذا هو عدة الدولة ابن الأمير ناصر الدولة أخي سيف الدولة). وتحته مكتوب: [من مجزوء الكامل] يا قصر، ما فعل الألى … ضُرِبَتْ قِبابُهُمُ بِعُقْركْ؟

стр. 282

أخنى الزمان عليهم … وطواهم لطويل نشرك واهًا لقاصِرِ عُمْر مَنْ … يختال فيك، وطُولِ عُمرك وكتبه المقلد بن المسيب بن رافع بخطه في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة». (وهذا هو والد قرواش). فكتب ولده قرواش تحته: يا قَصْرُ، ما صنع الكرا … م الساكنُونَ قديمَ عَصْرِك؟ عاصرتهم فبذَذْتَهم … وشأوتهم طرا بصبرك ولقد أثار تفجعي … يا ابن المسيبِ رَقْمُ سطرك وعلمتُ أني لاحق بك … دائب في قفو إثرك وكتبه قرواش بن المقلد بن المسيب بخطه في سنة إحدى وأربعمائة». وعزم على هدمه، وقال: هذا مشؤوم. ثم تركه. وباني هذا القصر العباس بن عمرو الغنوي من أهل تَل سَيَّار، باني الرقة ورأس عين من حصن مَسْلَمة بن عبد الملك بن مروان. وكان يتولّى اليمامة والبحرين. وسيره المعتضد لحرب القرامطة في عشرة آلاف فارس فقتل الجميع، وسلم وحده. (وعمرو بن الصفا حارب إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان في خمسين ألف فارس فأخذوه وسلم الباقون). وكذلك قصر البصرة. وكان قبل أن تُختط البصرة منزلا تنزله الأكاسرة في متصيداتهم، وتخرج إليه الأساورة في متنزهاتهم. وتهدّم حتى جدّده الحجاج، فعرف به، فقيل قصر الحجاج. وكان يعرف بقصر قُباذَ. وقال: قال أبو الغراف: قال الحجاج لجرير والفرزدق، وهو في قصره بالبصرة بالجزيرة: «إيتياني في لباس آبائكما في الجاهلية». فلبس الفرزدق الديباج والخز، وقعد في قبة. وشاور جرير دُهَاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: «ما لباس آبائنا إلا الحديد». فلبس درعا وتقلد سيفا وتأبط رمحا وركب فرسا، وأقبل في أربعين فارسا من بني يربوع. وجاء الفرزدق في هيأته. فتقاولا. فقال جرير: [من الطويل] لبست سلاحي، والفرزدق لعبة … عليه وشاحَا حَلْيه وخلاخِلُهْ أعدوا مع الخَرِّ المَلابَ؛ فإنَّما … جرير لكم بعل وأنتم حلائله!

стр. 283

ثم رجعا. فوقف جرير في معرة بني حصن ووقف الفرزدق بالمريد. وقد أبر جرير عليه] (١). وكذلك قصر الكوفة (٢). وقد هدم، فلم تبق منه باقية. وله حكاية مشهورة. ولهذا ذكرناه. قال عبد الملك بن عمير: كنتُ مع عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة، حين جيء برأس مُصْعَب بن الزبير، فوضع بين يديه، فرآني قد ارتعدت فقال لي: ما لك؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين كنتُ بهذا القصر في هذا الموضع، مع عبيد الله ابن زياد، فرأيتُ رأس الحسين بين يديه. ثم كنتُ فيه مع المختار بن أبي عبيد، فرأيتُ رأس ابن زياد بين يديه. ثم كنتُ فيه مع مُصْعَب بن الزبير. فرأيتُ رأس المختار بين يديه. ثم ها أنا فيه معك، ورأس مصعب بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك. وأمر بهدم ذلك الطاق. ولمناسبة هاتين الواقعتين ذكرنا هذين القصرين، لما فيهما من العبرة لمن تفكر. فسبحان الله الباقي، وكل شيء هالك الدائم، وما سواه ليس كذلك! ومنها: قصر هِرَقْل. وهو بالشِّرَف الأعلى الشماليّ. ويُعرف في زماننا بقصر شمس الملوك. ولم يبق منه اليوم إلا الجوسق والحمام والجوسق الآن خانقاه للفقراء. ولم يزل منزلا للملوك ومنزها لأهل البلد، لإشرافه [على] نهر بَرَدَى والوادي. ونزله السلطان صلاح الدين. وحكى ابن ظافر (٣) قال: دخل أبو خالد بن صغير القيسراني (٤) على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نور بخت أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفا، وجرّ النسيم عليها ما رق من أذياله وضفا. وهو تارة يرشف رضابها، ويجعد ثيابها، وتارة يسبكها مبردا، ويحبكها مشردا. فأمره

стр. 284

بوصفها، فقال (١): [من مجزوء الكامل] فأَوَّ مَا تَرَى طَرَب النسيـ … ـم إلى الغدير إذا تحرك؟ بَلْ لو رأيت الماء … يلعب في جوانبه، لسرك! وإذا الصبا هبت علي … ـه، أتاك في ثوب مُفَرَّك] (٢) ومن ذلك ما ذكره الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر، في ترجمة إسماعيل بن أبي هاشم. قال: قرأت بخط أبي الحسن رشا بن نظيف، وأنبأنيه أبو القاسم علي بن إبراهيم وأبو الوحش سبيع بن المسلم عنه: أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن يحيى الدقاق: حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن سلامة الطحاوي: حدثنا إسماعيل بن أبي هاشم، قال: قرأت على قصر بدمشق لبني أُمَيَّة: [من الخفيف] ليتَ شِعْري! ما حالُ أهلكَ … يا قَصْرُ وأَيْنَ الذِينَ عَالَوْا بِنَاكَا؟ ما لأرْبابِكَ الجبابرة الأملاك … شادوك ثمَّ حَلُّوا سِوَاكَا؟ أَلِزُهْدٍ يا قصْرُ فيكَ تحامَوْ … ك ألا تُبْتَني ولست هناكا؟ ليتَ شِعْري! وليتني كنتُ أدْرِي! … ما دهاهُمْ، يا قصر، ثُمَّ دهاكا؟ ومن خلفه: «هذا جواب عنهم: [من الخفيف] أيُّها السائل المفكّر فيهم … ما إلى ذا السُّؤال - قُلْ لي - دَعَاكا؟ أَوَ ما تعرف المَنُونَ إِذا حلَّتْ … ديارا فلن تُراعي هلاكا! إن في نفسك الضعيفة شُغْلا … فاعتبر وامض فالمَنُون وَرَاكا!» قال: وحدثني أبو الحسن بن الطحاوي: حدثني ابن أبي هاشم قال: قرأت بحلوان [مصر] على قصر لعبد العزيز بن مروان: [من الخفيف] أيْنَ ربُّ القَصْر الذي شيَّد … القصرَ، وأينَ العَبِيدُ والأجنادُ؟ أيْنَ تلكَ الجُموعُ والأمرُ … والنهيُ وأعوانُهم وذاك السَّوادُ؟ أينَ عَبُد العزيز، أيْنَ ابنُ مَرْوا … نَ، وأيْنَ الحُماةُ والأولادُ؟ ما لنا لا نُحِسُّهم ونَرَاهم! … أتُرى، ما الذي دهاهم، فبادوا؟ قال: وقرأت تحته: «هذا جواب عنهم: [من الخفيف] أيُّها السائل المُفَكِّر فيهم: … كيْفَ بادتْ جُمُوعُهم والسَّوادُ،

стр. 285

ثمَّ في القصر والذينَ بَنَوْه … أسفًا، حين فارقوه وبادوا أيْنَ كِسْرى وتُبَّع قبلَ مَرُوا … ن ومن قبل تُبَّع شَدَّادُ أيْنَ نُمرود؟ أَيْنَ فِرْعَونُ مُوسى؟ … أين من قبلهم ثمود وعاد؟ كلهم في التراب أضحى رَهِينا … حين لم تُغْنِ عنهم الأَجْنَادُ إن في الموت يا أخي لكَ شُغْلا … عن سواه، والموقف الميعاد!» ومما ينسحب على ذيل ذلك، أنني نزلتُ في مسجد بقنية السلار، من اليرموك بالشام، وكانت قديما منازل غَسَّانَ، ثم نزلها قوم من آل يسار، ثم صار إلى بني السلار، وكانوا أمراء نبلاء، وسادة أجلاء، ثم أبادهم الحدثان، فقرأت على بعض جدران المسجد: [من الكامل] أرأيت أيُّ منازل وديار … أمستْ خَلاءٌ مِنْ بني السَّلارِ، العامرين مساجدًا لإلههم … الغامرين ندى ذوي الإعسار؟ وقد كتب آخر تحتها: [من الكامل] قلبي المَشُوقُ إلى بَني السَّلار … أبدًا يُقلب فوق جذوة نار قوم لحسن صنيعهم أحببتهم، … حبي لآلِ محمد الأظهارِ فاقوا الورى بمناقب ومراتب … ومواهب غمرت وطيب نجار إن أقفرت أرضُ القُنَيَّةِ منهم … فعراضها ملأى من الإيثار بلا فكتبت تحتها: [من الكامل] لا تُنكرنَّ تَنكَّرَ الآثار … وتغير الأوطان والأوطار يا مَنْ تعجب للقُنَيَّةِ إِذْ خَلَتْ … مِنْ ساكنيها من بني السلار لا تعْجَبن فهم سلالة آدم … أُكْلُ المَنُون وعُرضة الأقدار إن تخلُ منهم، فهي من قبل خلَتْ … من آل غَسَّانٍ وَآلِ يَسار لا تعجبن مِنَ الفِراقِ، فَإِنَّهُ … ما هذه الدنيا بدار قرار جاؤوا على آثار غيرهم وقد … ذهبوا كما ذهبوا على الآثار وسَبِيلنا لما أتينا بعدهم … كسبيلهم في الورد والإصدار كل الذي حاروه عارية ولا … عَجَبٌ إذا ردّ المُعارُ عَوَارِي بلا قلت: ومن هذا النوع أنني مررتُ بعد حين من الدهر بمعاهد كنت آلفها أول عُمري، والشيب ما عارض عارضي ولا عُذري؛ وعقد الاجتماع منظوم، وأهلها أهلة ونجوم. فوجدتها خالية بعد أهلها، ظامية بعد عَلَّها ونهلها؛ قد أصبحت عارية. ريفها وظلها، عادمة لكثرها وقُلّها. وقد كتب عليها بعض من ولع: [من الخفيف]

стр. 286

هذه دارهم وماتوا جميعًا … هكذا هكذا يُعادِي الزمان فحركني هذا البيت لسكان ذلك البيت، وأيامنا نحن وساكنه الميت، وتذكرتُ تلك الأيام الماضية، والعيشة الراضية، ثم ما غرت الحوادث، وسدت من الأبواب والبواعث، فقلت ارتجالا: [من الخفيف] أين دهر مضى لنا أوّل … العمر وأين الزمان والإخوان؟ حدثَتْ بعدنا عليهم أمور … هات شيئا ما اغتاله الحَدَثانُ؟ ذهب الكُلُّ في زمان تقضى … كل شيء يأتي عليه الزمان ما تَبَقى لنا من الكل إلا … قولنا للتذكار: كُنَّا وكانوا ثم أمرتُ من كتبها تحت البيت وانصرفت باكيا، وشكوتُ لو أنصف الدهر شاكيا. [الديارات والحانات] وأما ما بلغنا ذكره من الديارات المشهورة الواردة في أشعار العرب وغيرهم، أو كان قد دخلها أحد من الخلفاء والأمراء والأدباء والشعراء المشهورين، أو ورد لذلك الدير ذكر في شعر قديم أو عصري. فمنها: دير الكلب (١): وهو قرب مَعْلَثايا (٢)، في سفح جبل. والماء ينحدر عليه. وقلاليه (٣) مبنيّة بعضها فوق بعض، في صعود الجبل. فمنظرها أحسن منظر. وينبوعه ينصب عليه من أعلاه. وفيه من الزيتون والرُّمَّان والآس والكرم والزعفران والنرجس شيء كثير. ولرهبانه مزارع في السهل. وغلاته كثيرة.

стр. 287

قال الخالدي (١): ولهذا الدير خاصية في برء عضة الكَلْبِ الكَلب. وله عيد في وقت من السنة. ويخرج إليه خلق: من النصارى نساء ورجال للإقامة عندهم، وخلق من المسلمين للنظر إليه والنزهة فيه. ويجتمع إليه أهل الرفث والمُجان، وتُسمع به الأغاني وأنواع الملاهي، وتذبح به الذبائح، وتشرب الخمور. وحكي أن أخًا لأبي السفاح الشاعر عضة كَلْبٌ كَلِبٌ، فحمله إلى هذا الدير، فتداوى به، فبرئ. وأنشد له شعرا فيه، لم أذكره (٢).

стр. 288

دير أبون (١): وهو دير بين الجزيرة و [قرية] (٢) ثمانين. وهو دير جليل عند النصارى. وبه جماعة من الرهبان ويزعمون أنه قبر نوح ﵇؛ وقد تقدم ما ذكرنا في أمر قبره بكرك البقاع. والله أعلم أي بقعة ضمته. ولهم صهريج للماء. زعموا أن له أنابيب من صُفْر يجري فيها الماء من جبل الجودي إلى الصهريج. وإلى جانبه ضيعة غنَّاء كثيرة البساتين. ويقال لها بزر مهران. دير الزعفران (٣): وهو بالقرب من مَعْلَثايا بجانب الفلجة النافذة إلى الحسينية. وهو في لِحْفِ جبل تُطلُّ عليه قلعةُ أَرْدَمُشت. وفيه نزل المعتضد لما حاصرها وأخذها. وهو كثير الرهبان والقلالي، ولرهبانه يسار ونعم ومزارع وبساتين. وفرش أرضه من زهر الزعفران. وقلالية بعضها من [فوق] بعض، كبناء دير الكلب، بأحسن وصف وألمح تكوين. وله سور يحيط به وشرابه مفضل في اللون والرائحة والعتق. وماؤه سائح من ينبوع في جبله. قال الخالدي: اجتزتُ به في بعض السنين، وعامل الناحية سعيد بن إسحاق، فاحتبسني عنده أياما للأنس. فعملت فيه عدة أشعار، منها (٤): [من البسيط] وزعفرانية في اللَّوْنِ والطيب … طيبة الخمر دكناءِ الجَلابِيبِ، ثَوَتْ بحانةِ عُمر الزعفران على … مَر الهَوَاجِر فيه والأهَاضِيبِ وما الغطارِفةُ الشَّيَّانُ إِنْ شَرِبُوا … خَمْرا بأَبْلِجَ مَنْ رُهْبانِهِ الشَّيبِ شربتها من يدي حوراء مقلتها … تُضْنِي القُلُوبَ بتَبْعِيدٍ وتقريب شمس إذا طَلَعَتْ، قالت محاسنها: … ها قد طَلَعْتُ، فيا شمس الضُّحى غيبي! ونِمْتُ سُكْرًا، ونامَتْ لِي معانِقَةً … فلا تَسَلْ عنْ عِناقِ الظَّبي والذيب!

стр. 289

دير قني (١): وهو ببغداد والمداين. ودير العاقول (٢): أسفل منها باثني عشر فرسخا. وإلى جانبه قرية كبيرة، أخرجت

стр. 290

عدة من الكتاب والوزراء. وهو حسن البناء، راكب على دجلة. وبات فيه الوزير علي بن مقلة (١)، ثم اصطبح فيه. وقال: [من السريع] باتت يدي تَجْنِي ثمار الجناح … بديرِ قُنّى مِنْ وُجُوهِ مِلاح! حتى تلا الراهب مَزْمُورَه … وضَمَّخَ الأُفْقَ خَلوقُ الصَّباحُ فهَلْ فَتًى يُسْعِدُنِي عاقدًا … ذيْلَ غَبُوقٍ بذُيول اصطباح؟ أُطِيعُهُ في كلِّ ما يَشْتَهِي … كطاعة الريش لأمر الرياح وفيه يقول البحتري (٢)، من قصيدة يمدح ابن الفياض الوزير،

стр. 291

وكان من ديرقُنى (١): [من الخفيف] مَا تُقضى لبانةٌ عِنْد لبنى … والمُعَنّى بالغانيات مُعَنّى! نزلوا ربوة العراق ارتيادا … أي أرض أشف دارًا وأسنى؟ بين دير العاقول مُرتَبَع أشـ … ـرف مُحتله إلى ديرقني! حيث بات الزيتون من فوقه النخ … ل عليه ورق الحَمَام تَغَنّى. ما المَعَالِي إلا المكارم تزدا … د وإلا مصانع المجد تُبنى! قال الخالدي: وأنشدنا أبو العباس بن أبي خالد الأحول: قال أنشدني كاتب ابن طولون لنفسه: [من الخفيف] إِنَّ عَجْزًا كما نكون وغَبْنَا … أن نرى صاحيَيْن في ديرقُنّى! حَبَّذا روضه المدبج ليلًا … وهواه ذاك المُمَسَّكُ رُدْنا! قد جرى السَّلْسَبِيلُ بالمِسْكِ فيها … فحوتهُ الدِّنّانُ دَنَّا فَدَنا! كم خلونا بخُسرواني كسرى … وهو يُسقى طورًا وطورا يُغَنّى! تحتنافَرْدَةٌ مِنَ الوَرْد إلا … أنها من أنامل البدر تجني! وحكى جحظة البرمكي (٢) قال: كنت بحضرة إسماعيل بن بلبل، بواسط أيام

стр. 292

حرب العلوي البصري (١)، والموفق الناصر يقاتله. فلما انصرفت رافقني البحتري، وكان قد زار ابن بلبل. فلما وصلنا إلى ديرقنى قال لي: ويحك يا جحظة! هذا ديرقنى، وهو من الحُسْن والطيب على ما ترى! وأنت أنت! وطنبورك طنبورك! فهل لك أن نقيم به اليوم، فنشربَ ونطرب، وننعم ونلعب؟ فقلت: نعم! ولم يكن معنا نبيذ. فسألنا عمن يقرب منا من العمال، فكتب إليه البحتري (٢): [من الخفيف] يا ابن عيسى بن فَرُّخان، وللفُرْ … س بعيسى بن فَرُّخان افتخار! قد حللنا بدير قنى وما نبـ … ـغي قرى غيرَ أنْ يكونَ عُقَارُ! فاسق من حيثُ كان يشرب كسرى … عُصْبةً كلّهم ظماءُ حِرَارُ! من كميت تولَّتِ الشمس منها … ما تولته من سواها النار فوجه إليها عشرين دنا شرابا، ومائة دجاجة وعشرين حملا، ونبائج (٣) فاكهة.

стр. 293

وعملت في الأبيات لحنا. فلم نزل نشرب عليه يومنا وليلتنا. وأخذتُ فيها معنى فقلت: وبات يسقينا جنانيةً … ضنَّتْ بها الشمس على النار! دير العذارى (١): وهو بين سُرَّ مَنْ رأى وبغداد، بجانب العلث على دجلة، في موضع حسن. فيه رواهب عذارى. وكانت حوله حانات للخمارين وبساتين ومنتزهات. لا يعدم من دخله أن يرى من رواهبه جواري حسان الوجوه والقدود، والألحاظ والألفاظ. قال الخالدي: ولقد اجتزت به فرأيته حسنا، ورأيتُ في الحانات التي حوله خلقا يشربون على الملاهي. وكان ذلك اليوم عيدًا له. ورأيت في جُنيْناتٍ لرواهبه جماعةً يَلْقُطْنَ زهر العُصْفُر، ولا يماثل حمرة خدودهنّ. ثم إن دجلة أهلكته بمدودها، حتى لم يبق منه أثر. ولجحظة فيه أخبار وأشعار؛ لأنه كان مَعَانه ومأواه، وإليه ينجذب به هواه. وفيه يقول ابن المعتز (٢):

стр. 294

أَيَا جِيرَةَ الوادي على المَشْرِعِ العَذْبِ! … سَقَاكَ حَيا حيُّ الثَّرَى مِيِّتُ الجَدْبِ وحسبُكَ يا دَيْرَ العَذاري قليلُ مَا … يحِنُّ بما تحويه من طيبة قلبي كَذَبْتُ الهوى إنْ لم أَقف أَشْتَكِي الهَوى … إليك وإن طال الوُقُوفُ على صَحْبي وعجت به والصُّبْحِ يَنْتَهِب الدُّجى … بأضوائه، والنَّجْمُ يركُضُ في الغَرْب (١) أُصَانِعُ أطراف الدموع بمُقْلَةٍ … مُوفَّرة بالدمعِ غَرْبًا على غرب وهَلْ هِيَ إلا حاجةٌ قُطِّيَتْ لنا … ولوم تحملناه في طاعة الحب؟ قال الخالدي: وأنشدني جحظة لنفسه (٢): [من البسيط] قالُوا: قَمِيصُكَ مَغْمُور بآثارِ … من المدامة والرَّيْحَانِ والْقَارِ فقلتُ: مَنْ كَان مَأواه ومَسْكَنُه … دير العذارى لدى حانوت خمار وساده يده والأرضُ مَفْرَشُه … لا يستَطِيعُ لسُكْرٍ حَلَّ أَزْرَارِ لم يُنكر الناسُ مِنْهُ أَنَّ حُلَّته … خَضْراء كالروض أو حَمْراء كالنار

стр. 295

وقال: وللصنوبري (١) فيه (٢): [من الوافر] أقولُ لمُشِيبِهِ العَذراءِ حُسْنًا … علامَ رَغِبْتَ في دَيْرِ العَذارى؟ وما وَخَدِّي أغارُ عَلَيهِ، لكن … جميعُ العالَمِينَ مَعِي غِيارى ولابن فيروز البصير فيه: [من الطويل] وروضة لهو قد جَنَيْتُ ثمارها … بدَيْرِ العَذاري بين رَوْض وأنهار تَخَالُ بها وجه المدير وكأسه … هلالًا وشَمْسًا بَيْنَ أَنْجُم نَوَّارٍ يَطوف بإبرِيقٍ مُفَدَّى كَرامَةً … علينا بأسماع كرام وأبصار كأنا له زُغْبُ الفراخ يَقُوتُها … بمثل مذابِ التَّبْر من شَطْرِ مِنقار قال الخالدي: وهذا حسن بديع. وحكى الجاحظ (٣)

стр. 296

قال (١): زعم فتيان من تغلب أنهم أرادوا قطع الطريق على قَفَل، بلغهم أنه يمرّ بهم قريب دير العذاري. ثم جاءتهم العين بأن السلطان قد عُرف بهم وأقبل في طلبهم. قال: فاختفينا في الدير، فلما أَمِنَّا، قال بعضنا لبعض: ما يمنعنا أن تأخذوا القس فتشدّوه وثاقا ثم يخلو كل واحد منكم بواحدة من هذه الأبكار، فإذا طلع الفجر تفرّقنا في البلاد؟ وكنا جماعة بعدد الراهبات اللواتي كنا نظنهنّ أبكارا، فوجدناهن كلهن ثيبات، وقد افتضهنّ القَسُّ. فقال بعضنا: [من المتقارب] ودَيْرُ العَذارى فَضُوحٌ لَهُنّ، … وعِنْدَ اللُّصُوصِ حَدِيثٌ عَجِيبُ فخَلَوْنا بعشرينَ دَيْرِيَّةً … ونيل الرواهب شيء عجيب إذا هُنَّ يَرْهَزْنَ رَهز الظراف … وباب المدينة فَجٍّ رحيب لقد بات بالدير ليل التمام … نِسَاءٌ وِسَاعٌ ونَيْلٌ صليب وللقس حُزْنٌ يَهِيضُ الفُؤاد … ووجد يَدلُّ عليه النحيب وقد كان عيرا لدى عانة … فصُبَّ على العَيْر لَيْثُ غَضُوب وفيه يقول بعض القطاع أيضًا، من كلمة له (٢): [من المتقارب] وأَلْوَطُ مِنْ راهب يدعي … بأنَّ النساء عليهِ حَرَامُ يُحَرِّمُ بَيضاءَ مُمْكُورةً … ويُغْنِيهِ في البَضْعِ عَنْهَا الغُلامُ إذا ما مشى غَضَ مِنْ طَرْفَهِ … وفي الدير بالليل منهُ عُرَامُ

стр. 297

ودير العذارى فَضُوحٌ لهن … وعند اللصوص حديث تمام وقيل في راهبة فيه (١): [من الكامل] يا أيها القمر المُنير الزاهر … المُشرِقُ الحَسَنُ المضيء الباهر أَبْلِغْ شَبِيهَتكَ السَّلام، وهنها … بالنوم، واشْهَدْ لِي بأني ساهر دير الباعوث (٢): وهو على شاطئ الفرات، من جانبها الغربي. في موضع نَزِهِ. وكانت العمارة قليلة حوله. وله خفراء من الأعراب. وله مزارع ومباقل وجنينات. وفي هيكله صورة دقيقة الصنعة عجيبة الحسن، يقال إن لها مئين سنين، لم تتغير أصباغها، ولا حالت ألوانها. قال المنبجي: اجتزت بدير الباعوث هذا واستحسنته واستطبته، فلولا الوطن لاستوطنته. ورأيت في رُهْبانه غلاما كما عذر قد ترهب فخاطبته وإذا به أحلى الناس ألفاظا على لثغة فيه تجعل السين ثاء. فشدّيتُ سُمَّاريتي (٣) إلى جانب الدير. واشتريت شرابا من الرهبان. وبت هناك منادما لذلك الغلام فلما أردت الرحيل قال: أتنصرف من عندنا وأنت شاعر ولم تقل فينا شيئا؟ فقلت: بلى، والله قد قلت! وأنشدته (٤): [من الكامل] يا طيب ليلَةِ ديرِ مَرْ باعوث! … فسَقَاهِ رَبُّ العَرْشِ صِرْفَ غُيُوثِ ومُوَرَّدِ الوَجَنات من رُهْبانه … هو بَيْنَهُم كالظَّبي بين ليُوثِ حاولتُ منه قبلةً فأجابني، … يا حُسنَ ذا التذكير والتأنيث حتى إذا ما الراح سهل حتها … منه العسير برطله المحثوث نلتُ الرِّضا وبلغت قاصية المنى … مِنْهُ برغم رقيبه الديوث ولقد سَلَكْتُ مع النصارى كلّ مَا … سلكوه غير القَوْل بالتثليث دير السوسي (٥): وهو في الجانب الغربي بسر من رأى، ومنه أرضها. فابتاعها المعتصم من أهله.

стр. 298

حكى أحمد بن أبي طاهر (١)، قال (٢): قصدت بسُرَّ مَنْ رأى رائدًا بعض كبارها بشعر مدحته به، فقبلني وأجزل صِلَتي، ووهب لي غلامًا روميًا حسن الوجه. فسرتُ أريد بغداد. فلما سرت نحو فرسخ، أخذتنا السحاب، فعدلت إلى دير السوسي لنقيم فيه إلى أن يخف المطر. فاشتد القطر وجاء الليل. فقال الراهب الذي هو فيه: أنت العشية بائت هنا، وعندي شراب جيد، فتبيتُ تقصف ثم تبكّر. فبت عنده. فأخرج لي شرابًا جيدًا، ما رأيتُ أصفى منه ولا أعطر. وبات الغلام يسقيني والراهب نديمي، حتى من سكرًا. فلما أصبحتُ رحلت وقلتُ: [من المتقارب] سقى سُرَّ مَنْ رَا وسُكَّانَها … وديرًا لسوسيها الراهب فقد بِتُ في دَيْرِه ليلة … وبَدْرٌ على غُصْن صاحبي غزال سقاني حتى الصباح … صفراء كالذهب الذائب غزال سَقَانِي المُدامة مستيقظًا … ونمت ونام إلى جانبي وكانت هناةٌ لِي الويل من جناها الذي خطه كاتبي وقد ذكره أبو الفرج (٣)، وأنشد فيه قول ابن المعتز (٤): [من الخفيف] يا لَيَالِيَّ بالمطيرة والكر … خ ودير السوسي، باللهِ عُودي كنتِ عِنْدِي أُنمُوذَجاتٍ مِنَ … الجَنَّة، لكنَّها بغيرِ خُلُودِ

стр. 299

أشْرَبُ الراح وهي تَشْرَبُ عَقْلي، … وعلى ذاك كان قَتْلُ الوليد دير عبدون (١): وهو بسر من رأى إلى جانب المطيرة. قال: وسُمِّي دير عبدون لكثرة إلمام عبدون - أخي صاعد [بن مخلد] (٢) - به. وكان عبدون نصرانيًا. وأسلم أخوه صاعد على يد الموفق الناصر. فاستوزره وبلغ معه المبالغ العظيمة. وحكى البحتري أنه كان مع عبدون في هذا الدير في يوم فصح، ومعه ابن خرداذبة. قال البحتري فأنشدته قصيدتي التي مدحته بها، وأولها (٣): [من الخفيف] لا جديد الصبا ولا رَيْعَانُه … راجع بعد ما تقضَّى زَمانُه فأمر لي بمائتي دينار، وثياب خز، وشهري (٤) بسرجه ولجامه. وأخوه حينئذ مع الموفق في قتال العلوي البصري. فسر بذلك وقال لي: يا أبا عبادة! قل في هذا شعرا أنفذه إلى ذي الوزارتين، يعني أخاه، وكان لقب بهذا. فقلت (٥): [من المنسرح] ليكتَنِفْكَ السُّرورُ والفَرَحُ! … ولا يَفُتْكَ الإبريق والقَدَحُ فَتْحٌ وفِصْحُ قد وافَيَاكَ معًا: … فالفتح يقرى، والفصح يفتتح فانعم سَلِيمَ الأقطارِ تَغْتَبِقُ … الصهباء من دنها وتَصْطَبِح فإن أردت اجتراح سيئة، … فها هنا السَّيِّئاتُ تُجْتَرَح وأقمنا يومنا إلى الليل، وخلع على ابن خرداذبة وحمله وانصرفنا. وأنشد الخالدي قول ابن المعتز فيه (٦): [من البسيط] سقى الجزيرة ذاتَ الظِّلِّ والشَّجَرِ … فدير عَبْدُونَ هَطَالٌ من المَطَرِ دير زكي (٧): وهو قريب البليخ والفرات في أنزه البقاع، بين بساتين وأنهار وقلال وضياع.

стр. 300

وحكي عن الحسين بن يعقوب أنه قال: صرتُ إلى الرُّها، فبت بها. وخرجت قبل عيد الصليب بيوم. فإذا لدينا وجوه حسان من نصرانيات خرجن لعيدهن عليهن جيد الثياب وفاخر الجوهر؛ وإذا روائح المسك والعنبر قد طيب الهواء منها، وقد فُرش لهن على العجل وهو يُجرّ بهنّ؛ وأخريات على الشهاري الخراسانية والبغلات المصرية والحمر الفره؛ ومشاة، وفي خلال ذلك صبيان ما رأيت أحسن منهم وجوها وقدودًا وثيابًا. فتأملت منظرًا لم أر أحسن منه قط. وإذا هم يطلبون دير زكي ليعيدوا فيه. قال الخالدي: وإلى جانبه قرية تعرف بالصالحية ذاتُ قصور ودور. وفيها يقول بعض الشعراء (١): [من الوافر] قصورُ الصالحية كالعذارى … لِبسنَ حُلِيَّهنَّ ليوم عُرس تقَنّعُها الرياض بكل نور … وتُضْحِكُها مطالع كل شمس وفيها قال الصنوبري (٢): [من البسيط] إني طربت إلى زيتون بطياس … فالصالحيَّةِ ذاتِ الوَرْد والآسِ وَصْفُ الرياض كفاني أن أُقيم على … وَصْفِ الطُّلُولِ، فهل في ذاك من باس؟ وقائل لي: أفق يومًا! فقلتُ له، … من سكرة الحب: أو من سكرة الكاس؟ قل للذي لام فيه: هل ترى كلفا … بأَمْلَحِ الروض إلا أملح الناس؟ وفيها قال أيضًا (٣): [من مجزوء الكامل] الصالحية موطني … أبدًا، وبطياس قراري من فَوْقِ غُدْرانِ تَفِيـ … ــض وبين أنهار جواري ومدامة بزلت فأشـ … ــبه فتلها فتل السوار يا لائمي ما العار عا … رك! فامض عني العار عاري لَهَفي على مَلوِيّة … الاصداغ مسبلة الإزارِ قد فُضّضَتْ بالياسـ … ــــمين وذُهَبَتْ بالجُلَّنارِ وفيه قال (٤): [من الخفيف]

стр. 301

حبّذا المرح! حبّذا العَمْرُ! لا بَلْ … حبّذا الدير! حبّذا السروتان قد تجلى الربيع من حلل الزهـ ر … وصاغ الحمام طيب الأغاني زينت أوجه الرياض فأضحت … وهي تزهى على الوجوه الحسان أخضر اللون كالزبرجد في أحـ … مر صافي الأديم كالعقيان وبَهَارٌ مثل الزنانير محفو … ف بزهر الخَيْرِي والحوذان سفياني بكلِّ لَوْنٍ من الرا … ح على كل هذه الألوان وفيه يقول الصنوبري أيضًا من قصيدة (١): [من الوافر] أراق سجالَهُ بالرَّقتين … جَنُوبِيُّ صَحوب الجانبين وأهدى للرصيف رصيف مُزْنٍ … يعاوده طرير الطرتين تُضاحِكُها الفُراتُ بكل فج … فتضحك عنْ نُضار أو لُجين كأنَّ عِناقَ نَهري دير زكي … إذا اعتنقا عِنَاقُ متيمين أقاما كالسوارين، استدارا … على كفّيه أو كالدُّمْلُجين وياسفُن الفرات بحيث تهوى … هوي الطير بين الجَلْهَتَين تَطارَدُ مُقبلات مُدْبِراتٍ … على عَجَل تَطارُدَ عَسكرين ترانا واصلين كما عهدنا … وصالا لا نُنَغّصه ببين؟ أَلا يا صاحِبَيَّ خُذَا عِنَانَيْ … هواي سلمتما من صاحبين وكان اللهو عندي كابن أُمِّي … فصِرْنا بعد ذاك لعلتين وله أيضا من أخرى (٢): [من الخفيف] يا نديمي أما تَحِنُّ إلى القصف، … فهذا أوانُ يَبْدُو الحنين؟ ما ترى جانب المصلى وقد أش … رق منه ظُهُوره والبُطُونُ؟ أُسْرِجَتْ في رياضه سُرج القط … ر وطابت سُهوله والحزون إن آذار لم يذر تحت وجه الا … رض شيئا أكَنَّه كانُونُ وكأنّ الفُرات بينهما عين … لجين يعوم فيها السَّفِينُ كبطون الحيات أو كمون الـ … مَشْرَفيّاتِ، أخلصتها القُيُونُ كم غدا نحو دير زكي من قلـ … ب صحيح فعاد وهو حَزِينُ لو على الدير عُجتَ يوما، لألْهَتْ … ك فنون وأطربتك فنون

стр. 302

لائمي في صبابتي قَدْكَ مَهْلًا … لا تلمني. إن المَلامَ جُنون ولأبي بكر المُعَرَّج فيه من قصيدة: [من الخفيف] ما ترى الدير؟ ما ترى أسفل الديـ … ـر، وقد صار وَرْدةً كالدهان؟ لو رآه النعمانُ، شَقَّ عليه … ما يرى من شقائق النعمان قال الخالدي عن الزهراوي، قال: كان بالموصل جارية مغنية، لقبَتْ بالدير. وكان لها ابن عم يعشقها. فطرقته يوما زائرًا، فاحتجب عني، وعرفت أن عنده المغنية المعروفة بالدير، وقد خلا بها. فكتبت إليه: [من الخفيف] قد علمنا بأنَّ مَشْواكَ بالدَّي … ر، فعِيشَا في غبطة وأمان تَتَغنّى طورا وتسقِيكَ طَوْرا … وتلاقي للسوءة السوءتان ثم أنشدت إذ سمعت نَخِيرا … كنخِير الرُّعُود في نيسان: (ما ترى الدير؟ ما ترى أسفل الديـ … ـــر، وقد صار وردة كالدهان). قال الخالديّ: «وهذا التضمين حَسَنٌ، واقع في موقعه، متمكن في مكانه. وهكذا سبيل مثله أن يكون البيت المضَمَّن كأنه من الشعر المضاف إليه». قلتُ: بشرط نقله لمعنى آخر غير ما أراد به ناظمه. وإلا فترك التضمين أولى، إذا كان بمعنى الأول. وقد ذكره أبو الفرج وقال: وممن ذكره هارون الرشيد. فقال في بعض غزواته، وقد خلّف جارية كان يحبها هناك (١): [من المتقارب] سلام على النازح المغترب … تحيَّةَ صَبٌ به مُكْتَبْ غزال مراتعه بالبليخ … إلى ديرِ زَكَى فَقصر الخَشَبْ أيا من أعان على نَفْسِه … بتخليفه طائعًا من أحب سأستر، والستر من شيمتي، … هوى من أُحِبُّ لمن لا أُحبّ قال: ويقال إنه قالها في ديرانية رآها في دير زكى، فهويها. دير القائم الأقصى (٢): وهو على شاطئ الفرات، من جانبه الغربي في طريق الرقة. قال أبو الفرج: وقد رأيتُه، وهو مَرْقَبٌ من المراقب التي كانت بين الروم

стр. 303

والفرس، على أطراف الحدود. وقال إسحاق الموصلي (١): لما (٢) خرجنا مع الرشيد إلى الرقة، مررنا بالقائم وعنده الدير. فاستحسن الرشيد الموضع. وكان الوقت ربيعا، وكانت تلك المروح مملوءة بالشقائق والزهر. فشرب على ذلك ثلاثة أيام. ودخلت الدير أطوف فيه، فرأيت ديرانية، حين نهد ثدياها، عليها المسوح، ما رأيتُ أحسن من وجهها وجسمها، وكأن تلك المسوح عليها حليّ. فدعوت بنبيذ وشربت على وجهها أقداحا. وقلت (٣): بِدَيْرِ القائم الأقصى … غزال شادن أخوى بَرى حُبِّي له جسمي … ولا يَدْرِي بما ألقى وأكْتُمُ حُبَّه جَهدِي … ولا والله ما يَخْفى ثم دعوت بالعود، فغنيتُ في الدير صوتًا مليحًا ظريفًا. وما زلتُ أكرره وأشرب وأنظر إليها، وهي تضحك من فعلي حتّى سكرتُ. فلما كان من الغد، دخلت على الرشيد، وأنا ميت من السكر. فقال لي: أين شربت؟ فأخبرته القصة. فقال: طيب وحياتي ودعا بالشراب فشرب. فلما كان العشي قال: قم بنا حتى أتنكر وأدخل إلى

стр. 304

صاحبتك هذه وأراها. فقمتُ معه وتلثّم ودخل الدير فرآها وقال: مليحة والله! وأمر من جاءه بكأس وخَرْدَاذِي. وأحضرت عودي فغنيته الصوت الذي صنعته ثلاث مرات، وشرب عليه ثلاث أرطال. ثم خرج وأمر لي بثلاثين ألف درهم فقلت: يا سيدي، وصاحبة القصة؟ أريد أن يبين عليها أثري فأمر لها بخمسة آلاف درهم، وأمر بأن لا يؤخذ من مزارع ذلك الدير خراج. وأقطعهم إياه وجعل عليه عن الخراج عشرة دراهم في كل سنة، تُؤدّى ببغداد. دير حزقيال (١): - قال شريح الخزاعي (٢): اجتزت بدير حزقيال. فبينا أنا أدور فيه إذا بسطرين مكتوبين على أسطوانة. فقرأتهما، فإذا هما: [من الخفيف] رُبَّ لَيْلٍ أمد من نَفَس العا … شق طولًا، قطعته بانتحاب ونعيم بوصل من كنتُ أهوى … قد تبدّلته ببؤس العتاب نَسَبُوني إلى الجنون ليُخفوا … ما بقلبي من صبوة واكتئاب ليت بي ما ادْعَوْه من فَقْدِ عَقْلي … فهو خيرٌ من طُول هذا العَذَابِ وتحته مكتوب: «هَوِيتُ فُمنعتُ، وطُردتُ وشُرِّدتُ. وفرّق بيني وبين الوطن، وحجبتُ عن الإلف والسكن. وحُبستُ في هذا الدير [ظلمًا و] عدوانًا، وصُفِدتُ في الحديد زمانًا: [من الطويل] وإني على ما نابني وأصابني … لَذُو مِرّة باق على الحدثان فإِنْ تُعْقِبِ الأَيامُ أَظْفَرُ ببُغْتَتِي! … وإن أتولى يرم بي الرجوان فكم ميّت هما بغيظ وحَسْرَةٍ … صَبُورٌ لما يأتي به الملوان» (٣) فدعوت برقعة، وكتبتُ ذلك، وسألت عن صاحبه، فقالوا: رجلٌ هَوى ابنة عم له، فحبسه عمه في هذا الدير، وغرم على ذلك جملة للسلطان خوفًا أن تفتضح ابنته. ثم مات عمه. فورثه هو وابنته. وجاء أهله فأخرجوه وتزوج ابنة عمه.

стр. 305

دير ما سرجس (١): قال أبو الفرج (٢): لم يذكر اي دياراته؟ وله عدة ديارات. منها دير بازاء البركان في ظهر قرية يقال لها كاذة. حكي عن عبد الله الربيعي قال: دخلتُ - أنا وأبو النصر البصري، مولى بني جُمح - بيعة ما سرجس. وقد ركبنا مع المعتصم، نتصيّد. فوقفتُ أنظر إلى جارية كنتُ أهواها، وجعل وهو ينظر إلى صورة في البيعة، استحسنها؛ حتى طال ذلك. ثم قال أبو النصر (٣): [من الرمل] فَتَنَتْنا صورةٌ في بيعة! … فتن الله الذي صَوّرها زادها الناقش في تحسينها … فَضْلَ حُسن، إنه نَضَّرها وجهها لا شَكٍّ عِنْدِي فِتنةٌ … وكذا هي عِنْدَ مَنْ أبصرها أنا للقس عليها حاسد … ليت غَيْرِي عَبَثًا كسرها قال، فقلت: له شتان ما بيننا! أنا أهوى بشرًا، وأنت تهوى صورة قال لي: هذا عبث، وأنت في جد. قال حماد: وغنى عبد الله بن العباس في هذا الشعر غناء حسنًا، سمعته منه. فنسبه إليه لكثرة شعره في امرأة كان يهواها. دير الروم (٤) - وهو بأرض بغداد.

стр. 306

قال الشابشتي: كان مدرك بن علي الشيباني يطرقه في الآحاد والأعياد. فينظر من فيه من المردان، والوجوه الحسان. وله فيه: [من الطويل] وجوه بدير الرُّوم قد سَلَبَتْ عَقْلي … فأصبَحْتُ فِي بُؤْسٍ شَدِيدٍ مِنَ الخَبْلِ فلم تَرَ عَيْنِي مَنْظَرا مثلَ حُسْنِهم … ولم تَرَ عَيْنٌ مُستهامًا بِهِمْ مِثْلي وحكي عن جساس بن محمد قال: كان بدير الروم غلام من أولاد النصارى، يقال له عمرو بن يوحنا. وكان من أحسن الناس صورة وأكملهم خلقا. وكان مدرك بن علي يهواه. وكان من أفاضل أهل الأدب. وكان له مجلس تجتمع فيه الأحداث لا غير. فإن حضره ذو لحية، قال له مدرك: إنه يقبح بك أن تختلط بالأحداث، فقم في حفظ الله! فيقوم. وكان عمرو ممن يحضر مجلسه فعشقه وهام به فكتب إليه رقعة، وتركها في حجره. فقرأها فإذا فيها: [من الكامل] بمجالس العلم التي … بِكَ تَمّ جَمْعُ جُمُوعِها إلا رأيت لِملَّةٍ … غَرِقتْ بفَيْض دموعها بيني وبينك حُرمة، … فالله في تضييعها فقرأ الأبيات، ووقف عليها مَنْ حضر. فاستحيا عمرو، فانقطع عن الحضور وغلب الأمر على مدرك، فترك مجلسه وتبعه. وقال فيه أشعارا، منها قوله: [من الكامل] يا من يُريد وصالنا ويَرُدّه … ما قد يحاذر من كلام الناس صلني فإن سبقَتْ إليك مقالة … منهم، فعصب ما يقال براسي قال جساس: ثم خرج مدرك إلى الوسواس. فحضرته عائدا في جماعة من إخوانه، فقال: ألستُ صديقكم القديم؟ فما فيكم أحد يُسعدني بالنظر إلى وجه عمرو؟ قال: فمضينا إليه. وقلنا له: يا عمرو إن كان قتل هذا الرجل دينًا، فإن إحياءه لمروءة. قال: فما فعل؟ قلنا له: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه. قال: فنهض معنا. فلما دخلنا عليه، سلّم عليه عمرو، وأخذ بيده. فقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه، ثم أغمي عليه، ثم أفاق وهو يقول: [من مجزوء الرمل] أنا في عافية إلا … من الشَّوْقِ إليكا أيُّها العائد ما بي … منك لا يَخْفى عليكا لا تَعُد جسما وعد … قلبا رَهِينا في يَدَيْكا كيف لا يَهْلِكُ من يُرْ … مى بسهمي مُقْلتيكا؟

стр. 307

دير الزَّنْدَوَرْد (١) - وهو بالجانب الشرقي من بغداد وأرض ناحيته كلها فواكه وأترج واعناب. وعنبها من أجود ما يعتصر هناك. ولذا قال أبو نواس: [من البسيط] فسقني من كروم الزنْدَوَرْد ضُحًى … ماء العناقيد في ظل العناقيد! قال الشابشتي: حكى عبد الواحد بن طرخان: قال خرجتُ إلى دير الزندورد في بعض أعياده متطربا ومتنزها، ومعنا جحظة في جماعة من إخواني، فنزلنا موضعا حَسَنًا. ووافقنا هناك جماعةً من ظراف بغداد، لجميعهم معشوقات حسان الوجوه والغناء. فأقمنا به أياما في أطيب عيش. وقال جحظة فيه شعرًا، ذكر الدير وطيب الوقت ومن كان معنا وغنّى فيه لحنًا حسنا. وهو: [من البسيط] سَقْيًا ورَعْيًا لدير الزَّنْدَوَرْد وما … يَحْوِي ويجمعُ من راح وريحان دير تدور به الأقداح مُتَرعَةً … من كف ساق مريض الطرف وسَنانِ والعُود يتبعه ناي يوافقه … والشَّدْوَ يُحكمُه غُصْن من البان والقومُ فوضى ترى هذا يُقْبِلُ ذا … وذاكَ إنسانُ سَوْءٍ فوقَ إنسانِ هذا ودجلةُ للرائينَ مُعرِّضَةٌ … والطيرُ يَدْعو هديلًا بينَ أغصانِ بَرٌّ وبحرٌ فصيدُ البرِّ مُغترِبٌ … والبحرُ يَسْبَحُ شَطَّاهُ بحينانِ ثم صنع لحنا وغنى فيه بشعر له. منه: [من الوافر] خليلي الصَّبُوحَ! دنا الصباحُ! … فإنّ شِفَاء ما تَجِدانِ راح فَنبِّه فتيةً جَبَهُوا قديما … عواذلهم بزجر فاستراحوا رأيت الغانياتِ صَدَدْنَ عنّي … وأعرضت المبتلة الرَّداحُ وقلن: مضت بشرتك الليالي! … فقلت: نعم، وقدرت السلاح دير دومالِس (٢)، وهو في باب الشماسية شرقي دجلة. قال الشابشتي: وموقعه في هذا الوقت في ظهر القرية التي بناها أحمد بن بويه الديلمي. وهو نزه كثير البساتين والشجر. وبقربه أجمة قصب. وهو كبير أهل. وهو من البقاع المعمورة بالقصف. وعيده أحسن عيد. يجتمع نصارى بغداد فيه. وفيه يقول ابن حمدون النديم: [من السريع]

стр. 308

يا دير دومالِسَ ما أَحسَنَكْ! … ويا غَزَالَ الدير ما أفتتنك لئِنْ سَكَنْتَ الدَّيْرَ في أَهْلِهِ، … فإِنَّ فِي وَسْطَ الحَشَا مَسْكَنَكْ دير سَمَالُو (١)، وهو بالجانب الشرقي من بغداد على نهر المهدي. وهناك أرحية للماء، وحوله بساتين وأشجار نخل. أهل بمن يطرقه من أهل الخلاعة. وفي عيد الفصح لا يبقى أحد من النصارى ببغداد، حتّى يأتي إليه، ولمحمد بن عبد الملك الهاشمي فيه شعر، منه: [من الكامل] ولَرُبَّ يوم في سَمَالُو تَمْ لِي … فيه النَّعِيمُ وغُيِّبت أحزانه حتَّى حَسِبْتُ لنا البساط سَفِينَةً … والبيت ترقص حَوْلَنا حيطانه قال خالد بن يزيد بن الكاتب (٢): كنتُ بدير سمالو، فلم أشعر إلا ورسول إبراهيم بن المهدي قد وافاني. فذهبت إليه، فإذا برجل أسود مشفراني قد غاص في الفُرش، فاستجلسني. فجلست. فقال: أنشدني شيئًا من شعرك! فأنشدته: [من الطويل] رأت منه عينِي مَنْظَرين كما رأَتْ … منَ البَدْرِ والشمس المضيئة بالأرض عِشيَّةَ حَيانِي بِوَرْدٍ كَأَنَّهُ … خُدودٌ أُضِيفَتْ بَعضُهُنَّ إِلَى بَعْضِ ونا وَلَنِي كَأْسًا كَأَنَّ رُضَابَها … دموعي لما صَدَّ عن مُقْلَتِي غُمْضِي وولى، وفِعْلُ السُّكْر في حَرَكاتِه … من الراح فعْلُ الرِّيح بالغُصُنِ الغَضْ فزحف حتى صار في ثلثي المُصَلَّى. ثم قال: يا بُنَيَّ! شبه الناسُ الخدود بالورد، وشبهت أنت الورد بالخدود زدني فأنشدته: [من مجزوء الكامل] عاتَبْتُ نَفْسي في هوا ك، … فلم أجدها تَقْبلُ وأجَبْتُ داعيها إلي ك، … ولم أُجِبْ مَنْ يعذل لا وَالَّذِي جعل الوُجُو … هَ لِحُسْنِ وَجْهِكَ تَمْتُلُ لا قُلْتُ: إِنَّ الصَّبْرَ عَنْكَ … من التصابي أَجْمَلُ

стр. 309

فزحف حتى صار خارج المصلّى. ثم قال: زدني! فأنشدته: [من الرمل] عش فحُبِّيكَ سَرِيعا قاتلي … والهوى إن لم تصلني واصلي ظفر الحِبُّ بقلب دنف … بك والسُّقْمُ بجسم ناحل وبكى العادل لي من رَحْمتِي … فبكائي من بكاء العاذل فصاح وقال: يا بُلَيْق! كم لي معك من العين؟ قال: ستمائة وخمسون دينارًا. قال: اقسمها بيني وبينه. وحكى الشابشتي لخالد حكايات، وأنشد له شعرًا، منه قوله: [من الخفيف] كَبِدُ المُسْتَهام كيف تَذُوبُ؟ … ما تُقاسِي مِنَ العُيونِ القُلُوبُ؟ يا مكان الهوى خَلَوْتَ من الصبر … فما لِلسُّلُوِّ فِيكَ نِصيب وقوله: [من الطويل] ولَمْ أَدْرِ ما جَهْدُ الهَوى وبلاؤه … وشدته، حتَّى وَجَدْتُكَ في قَلْبِي أطاعَكَ طَرْفِي فِي فُؤَادِي، فَحَازَهُ … لطَرْفِكَ حتّى صِرتُ في قبضة الحب دير الثعالب (١) - وهو في الجانب الغربي من بغداد، بباب الحديد. وهو بمكان متنزه لا يخلو من قاصد وطارق. ولا يتخلف أحد من النصارى عن عيده. فمواطنه معمورة، وبقاعه مشهورة. ولابن دهقان فيه شعر ظريف. وهو من ولد إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ويُكنّى بأبي جعفر. وأنشد له جَحْظة: [من المتقارب] أحِينَ قطعتُ لك الواصلين … وجدتُ عليك ولم أَبْخَلِ، غَدَرْتَ وأظهرت لي جَفْوةً … وجُرْتَ علي ولم تَعْدِلِ؟ أأطمَعُ في آخر من هواك … ولم تَرْعَ لي حُرْمَةَ الأَوَّلِ؟ دير مديان (٢) - وهو على نهر كَرْخايا ببغداد. وكَرْخايا نهر يَشُقُّ من المحوّل الكبير ويمر على العباسية، ويَشُقُّ الكَرْخَ، ويصب في دجلة. وكان قديما عامرًا يصب الماء فيه، ثم نضب بالبثوق. قال الشابشتي: وهذا الدير حسن عامر حوله البساتين، ويُقصد للتنزه. ولابن

стр. 310

الضحاك (١) فيه شعر. منه (٢): [من البسيط] يا دير مِدْيَانَ لا عُرِّيتَ من سَكَن، … ما هِجْتَ من سقم! يا دير مديانا هل عِنْدَ قَسْكَ مِنْ عِلْمٍ فَيُخْبِرَنِي؟ … أم كيف يُسْعِد وجه الصبر من خانا؟ سفيًا ورَعْيًا لكَرْخايَا وساكنها … بين الجنينة والروحاء من كانا دير أَشْمُوني (٣) - وأشموني امرأة بني الدير باسمها ودفنت فيه. وهو بقُطرُ بُل. قال جَحْظَةُ: خرجت في عيد أشموني فلما وصلت الشط، مددت عيني لأنظر موضعا خاليا أصعد إليه، أو رجلا أنزل عليه فرأيت قينتين من أحسن من رأيتُ. فقدمت سميريتي نحوهما، وقلتُ: تأذنون لي في الصعود إليكما؟ فقالتا: بالرحب والسعة! فصعدتُ وقلت: يا غلام! طنبوري ونبيذي. فقالتا: أما الطنبور فنعم، وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس خلقا وأخلاقا وعشرة. فأخذتُ الطنبور وغنيتُ بشعر لي (٤): [من السريع] سقيًا لأشموني ولذاتها … والعيش فيها بين جَنَّاتِها إذ اصطباحي في بساتينها … وإذ غَبُوقي في دياراتها فشربنا بالأرطال، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار. قال محمد بن المؤمل: كنت مع أبي العتاهية في سميريته، ونحن سائرون إلى أشموني. فسمع غناء من بعض تلك النواحي، فاستحسنه وطرب له، وقال لي: أتحسن أن ترقص؟ فقلتُ: نعم. فقال: فقم بنا نرقص فقلت: في سميرية؟ أخاف أن نغرق.

стр. 311

فقال: إن غرقنا، أليس نكون شهداء الطرب؟ دير سابر (١) - وهو في الجانب الغربي من دجلة بين المزرفة والصالحية، في بقعة كثيرة البساتين والكروم والثمار والحانات والخمارين، معمورة بأهل الطرب. والدير حَسَنٌ عامرٌ. ولابن الضحاك (٢) فيه: [من الكامل] وعواتق باشَرْتُ بين حدائق … ففَضَضْتُهنَّ وقد غَنِينَ صحاحا أتبَعْتُ وخَزَةَ تلك وخَزَة هذه … حتى شربت دماءهن جراحا أبرزتهن من الخُدُور حواسِرًا … وتركتُ صَونَ حريمهن مُباحا في دير سابر والصباح يلوح لي، … فجمعت بدرًا والصَّباح وراحا ومنعم نازعتُ فَضْلَ وِشاحه … وكسوته من ساعدي وشاحا فاذهب بظنَّك كيف شِئتَ فَإِنَّهُ … مما اقترفتُ لَذَاذة وجماحا وأورد الشابشتي فيه للحسين بن الضحاك أخبارًا ظرافًا، وأنشد له أشعارًا لطافًا. منها (٣): [من الوافر] أما ناجاك بالوتر الفصيح … وأَنَّ إليكَ منْ قَلْبِ الجريح؟ فليتكَ حِينَ تَهْجُرهُ ضِرارًا، … مَنَنْتَ عليه بالقتل المُريح بحسنك كان أوّلُ حُسنِ ظني، … أما ينهاك حسنك عن قَبِيحِ؟ أَلا يَا عُمَيْرُو هَلْ لَكَ بِنْتُ كَرَمْ؟ … فَسَلْمَ إِلَى صَفْصَفَةٍ كُلُّ رُوحٍ فَقَامَ عَلَى تَخَاذُلِ مُفْلِشِيهِ … وَسَلْسَلَهَا كَأَزْدَاجِ الدَّبِيجِ وَاتْبَعَ سَكْرَةً سَلَفَتْ بِأُخْرَى … وَحَلَّى الضَّفُو لِلنَّحْرِ الشَّجِيعِ وحكى عنه قال: كنا عند المتوكل في يوم نوروز، والهدايا تعرض عليه فيها تماثيل من عنبر. وكان شفيع الخادم واقفا، عليه قباء مورد ورداء مورد، وهو فيهما من أحسن الناس وجها. فجعل المتوكل يدفع إلى شفيع قطعةً قطعة من ذلك العنبر، ويقول: ادفعها إلى حسين، واغمز يده. فيفعل ذلك. ثم كان آخر ما دفع إلي وردة حمراء حياني بها. فقلت (٤): [من الطويل] وكالوردة الحمراء حَيَّا بأحمر … من الورد، يسعى في غلائل كالوَرْدِ له عَبَاتٌ عند كل تحيَّةٍ … بكفيه تستدعي الخلي إلى الوَجْدِ

стр. 312

تمنيت أن أُسقي بكفَّيْهِ شَرْبةٌ … تُذكِّرني ما قد نَسِيتُ من العهد سقى الله دهرًا لم أبت فيه ليلة … من الدهر إلا من حَبِيبٍ على وعد فأمره المتوكل أن يسقيه، وقال: قد أعطيناك أُمْنِيَّتك. دير قوطا (١) - وهو بالبردان، على شاطيء دجلة. قال الشابشتي: وبينه وبين بغداد بساتين متصلة، ومتنزهات منتظمة. كل ذلك شجر وكروم كثيرة الطراق. قال: وهذا الدير يجمع أموالا كثيرة: من عمارته وكثرة فواكهه وما يطلبه أهل البطالة فيه. ولعبد الله بن العباس الربيعي فيه: [من البسيط] يا دير قوطا، لقد هَيَّجْتَ لي طَرَبا … أزاح عن قلبي الأحزان والكربا بشادن ما رأت عيني له شَبَهًا … في الناس، لا عَجَمًا منهم ولا عَرَبا والله، لو سامَنِي نَفْسِي سَمَحْتُ بها … وما بَخِلْتُ عليه بالذي طلبا وأنشد الشابشتي له فيه قوله: [من السريع] يا حبَّذا يَوْمِيَ بِالدَّالِيَهْ … نَشْرَبُها قَفْصِيَّةً صافية مع كلِّ قَرْمِ مُتلِفِ مَالَهُ … لم تبق في الدُّنْيا له باقيه فخُذْ مِنَ الدنيا ولذاتها، … فإنَّما نحن بها عارية دير جرجس (٢) - وهو بالمَزْرَفة: أحد الأماكن المشهودة، والمواضع المقصودة. ويخرج إليه من يتنزه من أهل بغداد في السُّمَيْريات، لقربه وطيبه. وهو على شاطئ دجلة، والبساتين محدقة به، والحانات مجاورة له، وبه كل ما يحتاج إليه. وأنشد الشابشتي فيه لأبي جفنة القرشي: [من المنسرح] تَرَنَّم الصَّيف بعد عُجمته … وانصرف البَرْدُ في أزمته ومِثْلُ لَوْنِ النَّجيع صافية … تَذْهَب بالمرء فوقَ هِمَّته ومن وفى وعده بزورته … وبت، أُوفى لهُ بِذمَّتِهِ في دير مَرْجِرْجِس وقد نَفحَ الـ … فجر علينا أرواحَ زَهْرتِهِ وأنشد له فيه: [من الكامل] وقرعتُ صافية بماء سحابة … فتحِنُّ حين قرعتهن سرورا

стр. 313

وشربتُ ثم سقيته فكأنني … سبْسَبْتُ فوق لهاته كافورا وفتى يُدير عليك في طرباته … خَمْرا تُولّد في العِظَام فُتورا ما زِلْتُ أشربها وأَسْقِي صاحبي … حتى رأيتُ لِسانه مكسورا قال: وكتب منه النميري إلى ابن المعتز في آخر شعبان. [من مجزوء الرمل] يا أبا العباس، قد … شمر شعان إزاره ومضى يَسْعَى فما يَلْـ … ـحق إنسان غُباره فاعد نشرب صفوة الدّ … ن ونَسْلُبْه وَقَارَه فلم يرد عليه جوابا، ولا أفهمه فيه خطابا. دير الخُوَات (١) - وهو بعكبرا. وهو دير كبير عامر وأكثر سكانه نساء مترهبات. وعيده الأحد الأول من الصوم. قال الشابشتي: وتسمّى ليلة الماشوش، وهي ليلة يختلط فيها الرجال بالنساء، فلا يردّ أحد يده عن شيء. وأنشد فيه لجحظة (٢): [من الرجز] وحانةٍ بالغلَثِ وَسْطَ السُّوقِ نزلتها وصارمي رفيقي على غُلام من بني الحليق فجاء بالجام وبالإبريق أما رأيتَ قِطَعَ العقيق! دير باشهر ا (٣) - وهو على شاطئ دجلة نزه كثير البساتين، على طريق سرَّ مَنْ رأى، منزلة المصعد والمنحدر. وفيه يقول أبو العيناء (٤): [من الهزج]

стр. 314

نزلْنَا دَيْرَ با شهرا … على قسِّيسِهِ ظُهرا فَسَقَانا وروانا … من الصافية العذرا فقابَلْنا به الشَّمْسَ … وقبلنا به البدرا وأحيتْ لَذَّةَ الكاس … ولكن قَتَلَتْ سُكْرا دير مرمار (١) - وهو بسرّ من رأى عند قنطرة وصيف. حوله كروم وشجر. وأنشد فيه الفضل بن العباس بن المأمون: [من البسيط] أنْضَيْتُ فِي سُرَّ مَنْ رَا خَيْلَ لذَّاتِي … ونلْتُ فيها هوى نفسي وحاجاتي عمرت فيها بقاعَ اللَّهو منغمسًا … في القصف ما بين أنهار وجنات بدير مَرْمارَ إِذْ نُحْيِي الصَّبُوحَ به … ونعمل الكاس فيه بالعشيات فكم به منْ غَزَالٍ شادنٍ لَبِقٍ … يَصِيدُنا باللحاظ البابليات وحكى الشابشتي أن الفضل ذكر أنه خرج مع المعتز للصيد. قال: فانقطعنا عن الموكب، أنا وهو ويونس بن بُغا. فشكا المعتز العطش. فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن في هذا الدير راهبا أعرفه، وله مروءة حسنة. وفيه آلات جميلة. فهل لنا أن نعدل إليه؟ فقال: افعل! فصرنا إليه، فرحب بنا وتلقانا بأجمل مَلْقَى، وجاءنا بماء فشربنا. وعرض علينا النزول عنده. وقال: أما تبتردون عندنا؟ فقال المعتز: انزل بنا إليه، فنزلنا عنده. فسألني الديراني عن المعتز ويونس. فقلت: فتيان من أبناء الجند. فقال: بل مُفَلَّتَان من أزواج الحور. فقلت له: ليس هذا من دينك واعتقادك.

стр. 315

فقال: هو الآن في ديني. فضحك المعتز. ثم جاءنا من الطعام بما يكون مثله في الديارات. وكان من أنظف طعام في أنظف آنية. فأكلنا منه وغسلنا أيدينا فقال لي المعتز: قل له بينك وبينه من تحبُّ أن يكون معك من هذين ولا يفارقك. فقلت له. فقال: كلاهما. فضحك المعتز حتى مال من الضحك. ولَحِقَنَا الموكب، فارتاع، فقال له المعتز: بحياتي عليك لا تنقطع عما كنا فيه، فإنني لمن ثَمَّ مولّى ولمن ههنا صديق! فمزحنا ساعة، ثم أمر له المعتز بخمسين ألف درهم. فقال: لا والله لا قبلتها إلا على شرط! قال: ما هو؟ قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أراد. قال: ذلك إليك. فاتعدنا ليوم جئناه. فلم يبق غاية، وقام بالموكب كله. وجاء بأولاد النصارى فخدموا أحسن خدمة. وسُرَّ سرورا ما رأيتُه سُرَّ مثله قط. ووصله ذلك اليوم بمال كثير. دير سرجيس (١) - وهو بطيزنا باذ (٢). بين الكوفة والقادسية، على حافة الطريق. وكانت أرضه محفوفة بالنخل والكروم والشجر والحانات والمعاصر. وكان بهذا أحد البقاع المعمورة، ونُزَهِ الدنيا التي تبتهج بها القلوب المسرورة. قال الشابشتي: وقد عفت الآن آثارها، وهدمت دياراتها. قلت: وبلغني أن ديارها خربت، ولم يبق من رسومها إلا قِبابٌ خَراب، وجرن على قارعة الطريق في القفر اليباب. قال الشابشتي: ويسميه الناس معصرة أبي نواس. وله فيه (٣): [من البسيط] قالوا: تنسك بعد الحج! قلت لهم: أرجو الإله وأخشى طيزنا باذا

стр. 316

أخشى قُضَيِّبَ كرم أن ينازعني … فضل الخطام، إذا أسرعت إغذاذا فإن سَلِمتُ - وما قلبي على ثقة … من السلامة - لم أسلم ببغداذا ما أبعد الرشد من قلب تضمنه … قُطْرَبُّلٌ فَقُرى بنَّا فَكَلْواذا وفيه يقول الحسين بن الضحاك (١): [من الكامل] أَخَوَيَّ، هُبًا للصَّبُوح صَبَاحَا! … هبا ولا تَعِدَا النَّدِيمَ رَوَاحا هل تعذران بدير سرجس صاحبًا … بالصَّحو، أو تَريَانِ ذاك جناحا؟ إني أعيذُكُما بألفة بيننا … أن تَشْرَبا بقرى الفرات قراحا يا رُبَّ ملتَبِسِ الجُفُونِ بنومةٍ … نَبَّهتُه بالراح حين أراحا فكأنَّ رَيَّا الكاسِ حِينَ نَدَبْتُهُ … للكأس أنه في حشاه جباحا فأجاب يعثر في فُضُول ردائه … عَجْلانَ يَخْلِطُ بالعِثَار مزاحا فهَتَكتُ ستر مُجُونه بتَهِتُكِي … في كل مُلْهِية وَبُحتُ وَباحا ديارات الأساقف (٢) - قال الشابشتي: هذه الديارات بالنجف، ظاهر الكوفة، في أوّل الحيرة. وهي قباب وقصور، تسمى ديارات الأساقف، بحضرتها نهر يعرف بالغدير، عن يمينه قصر أبي الخَصِيب، وعن شماله السَّدِير. والديارات بين ذلك. قال: وقصر أبي الخصيب هذا، من أحسن متنزهات الدنيا، مُشْرفُ على النَّجَف والظهر كله. يُصعد من خمسين مرقاة إلى سطح حسن، ومجلس مُشْرِف. ثم يُصْعَد من خمسين مرقاة أخرى إلى سطح أَفْيَح ومجلس عجيب الصنعة. وهو منسوب إلى أبي الخصيب، مولى أبي جعفر المنصور. وأنشد في هذه الديارات لعلي بن محمد بن جعفر العلوي (٣) قوله (٤): [من مجزوء الكامل]

стр. 317

كم وَقفَةٍ لك بالخَوَرْ … نق لا توازى بالمواقف بين الغدير إلى السَّدِ … ير إلى ديارات الأساقف فمدارج الرهبان في … أطمار خائفة وخائف دِمَن كأن رياضها … يُكْسَيْنَ أعلام المطارف وكأنما غُدْرانها … فيها عُشُورٌ في مصاحف وكأنما أنوارها … تهتز بالريح العواصف طُرَرُ الوصائف يلْتَقِين … بها إلى طُرَرِ الوَصائف تَلْقى أوائلها أوا … خرها بألوان الزخارف بحرِيَّةٌ شَتَواتُها … بَرِّيةٌ فيها المصايف دير زُرَارة (١) - وهو بين الكوفة وحَمَّام أعْين على يمين الحاج من بغداد. نَزِةٌ، كثير الحانات والشراب. لا يخلو ممن يطلب اللهو واللعب، ويؤثر البطالة والقصف. قال الشابشتي: خرج يحيى بن زياد (٢) ومطيع بن إياس (٣) حاجين. فلما قربا من

стр. 318

زرارة، قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نقدم أثقالنا، ونمضي إلى زرارة، ونشرب في ديرها ليلتنا، ونتزوّد من خمرها، ونستوفى من مردها ما يكفينا إلى العودة، ثم نلحق بأثقالنا؟ ففعلا. وسار الناس، وأقاما. ولم يزل ذلك دأبهما، إلى أن عاد الحاج. فحلقا رؤوسهما، وركبا بعيرين، ودخلا مع الحاج، على أنهما قد حجا. وقال مطيع (١): [من الوافر] ألم تَرَنِي ويحيى إذ حججنا، … وكان الحج منْ خَيْرِ التجارة؟ خرجنا طالبي خَيْرٍ ودين، … فمال بنا الطريق إلى زراره فآب الناس قد غنموا وحجوا … وأبنا مُوقَرَيْنِ مِنَ الخَساره عُمر مرتومان (٢) - وهو بالأنبار، على الفرات. وهو عُمْرٌ كبير، كثير القلايات والرهبان عليه سور محكم البنيان كالحصن العظيم. والجامع ملاصقه. وله ظاهر حسن، ولا سيما في أيام الربيع؛ لأن صحاريه وسائر أرضه تكون كالحلل: لكثرة نوّاره، وطرائف أزهاره. ونزله كل من اجتاز به من الخلفاء. وفيه يقول كُشاجم (٣): [من الخفيف]

стр. 319

أَعْد يا صاحبي إلى الأنبار، … نَشَربُ الراحَ في شَبَاب النهار! واعمر العمر باللذاذة والقَصْفِ … وحث الكؤوس والأوتار! فاعْتَنِمْ غَفْلَة الزمان وبادر … واقْتَرِضْ لَذَّة الليالي القصار لا تُفَرِّط فإنها خُلَس العيـ … ش وبادر بَوَادِرَ المِقْدارِ! وأنشد الشابشتي له فيه يصف عودًا في يد محسنة (١): [من المنسرح] جاءت بعُودٍ كأَنّ نَغْمَتُه … صَوْتُ فتاةٍ تَشْكُو فِراقَ فتى دارت ملاويه فيه واختَلَفَتْ … مِثْلَ اختلاف الكَفَّيْنِ شُبِّكتا يا حُسْنَ صَوْتَيْهما، كأنهما … أُخْتانِ في صَنْعةٍ تَرَاسَلَتَا وهو على ذا ينوب إن سكَتَتْ … عنها، وعنه تنوب إن سكتا دير الأبلق (٢) - وهو بالأهواز. وحكى المدائني، قال: إنه اصطبح في دير الأبلق في جماعة من أصحابه، فلما سكر قال: [من السريع] يَوْمِي بدير الأبلق الفَرْدِ … ما أنت إلا جنة الخُلْدِ به وأمثال له لم يَزَلْ … يجوز العيس أبو الهندي [عُمر إتراعيل (٣). والشاهد فيه مار ميخائيل. قال ابن المستوفي (٤): بينه وبين كفر عزّى أقل من ميل. وهو عمار كبير وفيه

стр. 320

رهبان كثيرة، وله نهر يجري على بابه وكرم وشجر في شرقيه، ورحى عامرة تطحن فوق الكرم. وبإزائه تل دير زارج، إذا صعده الزائر أيام الربيع أشرف على سائر بلدة حزة. وفيه من ألوان الزهر وأنواع الأقاحي والشقائق وصنوف النور والزهر … يسر الناظرين ويقصر وصف الواصفين. وفي قلالي رهبانه جنينات حسان فيها آس مصر وشجر مريم وغير ذلك. قال: وحدثني محمد بن حمد الأصم، قال: كنتُ بكفر عزّى، فنزحت مع جماعة فيهم خير نلتمس موضعا نزها نجلس فيه ونقصف. فأجمع رأينا على قصد دير إتراعيل - وهو من كفر عزى على ميل - في أيام الربيع، فرأيناه في نهاية الحسن بما حوله وفيه، وهو مشرف على بلد حزة كله، فنزلناه وقصفنا فيه أياما متتابعة، وقلتُ فيه هذه الأبيات: [من مجزوء الوافر] عَمَرنا عُمْر إتراعيل … بالقَصْف وباللعب بِفَتْيان ذوي شرف … وقدْرِ وَذَوِي لُبٌ بغَوْا في كفر عزى نُز … هةً تبعثُ للشَّرْبِ فوافَوْا جَنَّةً مِنْ عُمْر … إتراعيل عنْ قُرْبِ وقد حُف برم و … بأشجار له غُلْبِ وأنهار يحاكي جر … يُهامسلولةَ القَضْبِ وروض راضه المُزْنُ … فأضحى وهو كالعضبِ رأوه كروس جُليت فـ … ي حُلَلٍ قُشْبِ فخلوا منه في منز … ل لهو مُونِي رَحْبِ ودارت نُجُب الأبطا … لِ مَجَّتْ بحلى الشرب على أوجه أعمار … على قُضْب على كُتُبِ فما ظنك بالعطشا … ن عند المَكْرَعِ العذب؟
следующие страницы →