قال ابن اليونيني: وحكي لي أن الملك الظاهر لما تغير عليه، وأحضر من أصحابه من دمشق من يحاققه على أمور نقلت إليه عنه، ويقابله عليها، قعد الملك الظاهر بقلعة الجبل، وعنده من أكابر الأمراء فارس الدين الأتابك، وبدر الدين، والملك المنصور قلاوون، وسير الأمير سيف الدين قشتمر العجمي لإحضاره، فلما طلبه إلى الحضور إلى القلعة، أنكر ذلك؛ لأنه لم يكن له به عادة، فعرفه [بشيء ما] هم فيه، فحضر معه، فلما دخل لم يجد ما يعهده، فقعد عندهم منتبذًا منهم، فأحضر السلطان الذين أحضرهم من أصحابه من دمشق، فشرعوا ونسبوه إلى قبائح وأمور عظيمة لا تكاد تصدر من مسلم، فقال: ما أعرف ما يقولونه، ومع هذا، فأنا ما قلت لكم: إني رجل صالح، أنتم قلتم هذا، فإن كان ما يقول هؤلاء صحيحًا، فأنتم كذبتم. فقام الملك الظاهر ومن معه من عنده؛ وقالوا: قوموا بنا، لا نحترق بمجاورته. وتحولوا إلى طرف الإيوان بعيدًا منه. فقال الظاهر: أيش رابكم في أمره؟. فقال الأتابك: هذا مطلع على الأسرار وأسرار الدولة، وبواطن أحوالها، وما ينبغي إبقاؤه في الوجود، فإنه لا يؤمن أن يصدر منه ما لا يمكن تلافيه فوافقه الحاضرون على ذلك، وقالوا: ببعض ما قد قيل [عنه] يباح دمه، ففهم ما هم فيه، فقال للملك الظاهر: اسمع ما أقول لك! إنَّ أجلي قريب من أجلك، وبيني وبينك مدة أيام يسيرة، من مات منا لحقه صاحبه عن قريب. فوجم الملك الظاهر لذلك، وقال للأمراء: ما ترون في هذا؟. فلم يقل أحد منهم شيئًا. فقال [السلطان] الظاهر: هذا يحبس في موضع لا يسمع له فيه حديث، فيكون مثل من قد قبر وهو حي. فقالوا: الذي رآه مولانا السلطان. فحبسه في مكان منفرد، بقلعة الجبل، ولم يمكن أحدًا من الدخول إليه إلا من يثق به السلطان غاية الوثوق، ويدخل إليه بالأطعمة الفاخرة والأشربة، والفواكه، والملابس تغير عليه كل وقت. وكان حبسه في ثاني عشر شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وتوفي يوم الخميس سادس المحرم، أو ليلة الجمعة سابعه، وأُخرج يوم الجمعة المذكور من سجنه بقلعة الجبل، ميتًا، فسُلِّم إلى أهله، فحملوه إلى زاويته المعروفة بخط الجامع الظاهري بالحسينية، فغسل بها، وحمل إلى الجامع المذكور، وصلّي عليه عقيب الجمعة بالجامع المذكور، ودفن بتربة أنشأها لنفسه بالزاوية، وقد نيف على الخمسين. ولما عاد الظاهر من الروم، كتب بالإفراج عنه، وجهزه على البريد، فوصل البريد بعد موته. وكان بنى له الظاهر زاوية بالحسينية، ووقف عليها أحكارًا يحصل منها في كل سنة فوق ثلاثين ألف درهم. وبنى له بالقدس زاوية، وبجبل المزة ظاهر دمشق زاوية، وبظاهر بعلبك زاوية، وبحماة زاوية، وبحمص زاوية، وفي جميعها
стр. 2557
فقراء، وعليهم الأوقاف، وصرفه في ملكه يَحْكُمُ ولا يُحكم عليه، ولا يخالف أمره في جليل ولا حقير، ويتقي جانبه الخاص والعام، حتى الأمير بدر الدين الخازندار، والصاحب بهاء الدين، وملوك الأطراف، وملوك الفرنج وغيرهم.
وهدم بدمشق كنيسة اليهود ونهبها، وكان فيها من الآلات والفرش ما لا يُعبر عنه، وصيَّرها مسجدًا وبنى بها المحاريب، وعمل بها سماعًا، ومد بها سماطًا. ودخل كنيسة الإسكندرية، وهي معظمة عند النصارى، ويعدونها كرسيًا من كراسيهم، ويعتقدون فيها البركة، ويزعمون أن رأس يحيى بن زكريا ﵉ فيها، وهو عندهم يحيى المعمدان، فنهبها، وصيَّرها مسجدًا، وسماها «المدرسة الخضراء» وأنفق في تغييرها من بيت المال مالًا كثيرًا.
وهدم بالقدس كنيسة النصارى المعروفة بالمصلبة، وهي جليلة عندهم، وقتل قسيسها بيده وعملها زاوية.
وكان واسع الصدر، يعطي ويفرق الدراهم والذهب، وعمل الأطعمة الفاخرة، في قدور مفرطة في الكبر بحيث يحمل القدرة الواحدة الجماعة من الحمالين.
وكانت أحواله عجيبة لا تكيف، ولا تنتظم، والأقوال فيه مختلفة، فمن الناس من أثبت صلاحه، ومنهم من رماه بالعظائم، والله أعلم بحقيقة حاله.
قلت: حكى لي والدي رحمه الله تعالى، قال: كان الشيخ خضر عظيم المكانة عند الملك الظاهر، لا يخالفه في شيء، وكان جريئًا باللسان وباليد إلى غاية، فضاق منه الوزير ابن حنا ضيقًا عظيمًا، ولم يجد له سبيلًا إلى إبعاده، فشرع في التحيل عليه، وكانت بدمشق امرأة تعرف ببنت ابن نظيف، بارعة في الحسن، خالية من الزوج، محبة لأهل الخير، فأتى الشيخ خضر في بعض أسفاره دمشق، فسمعت به، وبعثت إليه بأنواع من المآكل، ثم دعته إلى دار لها لضيافة عملتها له، فجاءها، وأقام عندها أيامًا في مأكل وأوقات طيبة لا ريبة فيها، فبلغ ذلك ابن حنا، فجعله سُلَّمًا له إلى ما يريد يتسلق منه على الشيخ خضر، وذلك أنه خلى تاج الدين ابن ابنه، تزوج المرأة وأبقاها في عصمته مدة طويلة، وحملها بالرغبة والرهبة على ما تقوله في الشيخ خضر، ثم طلقها سرًا، وتحيل جده على الظاهر حتى ألقى في أذنه أن الشيخ خضر يشرب الخمر ويزني، وأنه كان قد أحب امرأة من بنات ابن نظيف، وأفسدها، وأن تاج الدين تزوجها، ثم لم ينته عنها الشيخ خضر، وبقي يأتي إليها، فطلقها، وأنها لو سئلت لأخبرت بالخبر، فبعث الظاهر إلى نائبه بدمشق في ذلك، وأحضر المرأة وسألها، وهي لا تعلم بتطليق تاج الدين لها، فقالت ما قرر معها أن تقوله، فكتب بذلك إلى الظاهر،
стр. 2558
ثم أضيف إلى الشيخ خضر أقوال أخر، ورتبت له ذنوب لم تكن، وكان منه ما كان.
ورأيت أنا في أوراق عمي ﵀ نسخة المطالعة التي كتبت في ذلك، وفيها عظائم ومما قيل فيها وهذه المرأة باقية في عصمة الصاحب تاج الدين، لأنهم لم يكونوا علموا بإيقاع الطلاق عليها.
ومنهم:
[٦٩] يُوسُفُ بنُ نَجَاح بنِ مَوهُوب، أبو الحَجَّاج الزبيرِيُّ المعروف بالفُقَاعِي (١)
علا بعز الطاعة، وغالب رأي النفس فأطاعه، وأزمع على الرحيل فجمع له أهبته، وأجمع له وثبته، واستعد ليوم العرض، وأعدَّ لجَنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، وملاحظة الحق تعينه، وتحقق له ما يستبينه، فتقدم ولم يتأخر، وقدم الله لا لمفخر، وركض به عمله محضرا، وسره ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرا﴾ (٢)، فلم ير أضاليل الدنيا إلا مهموما، ولا رئي على غروراتها محوما.
أصله من قرية من قرى «نابلس» تعرف بـ «عقربا» وله بها زاوية، وكان يتردد إليها في كثير من الأوقات، بعد أن قدم دمشق. وله زاوية ورباط بالقرب من الجامع الأفرمي بناهما له الأمير جمال الدين موسى بن يغمور.
وكان كثير العبادة والزهد، حسن التربية، كريم الأخلاق، لطيف الحركات، كثير التواضع، ليّن الكلمة من المشايخ المشهورين بالعرفان، ولكثير من الناس فيه عقيدة صالحة.
توفي ليلة الأربعاء [بجامع الجبل] سابع عشرين شوال، سنة تسع وسبعين وستمائة، ودفن بتربته جوار الزاوية، بعد أن صُلِّي عليه بالجامع المظفري، بسفح قاسيون، وقد نيف على الثمانين.
حكى ابن اليونيني: عن الشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري قال: اجتمعت به فسمعته يقول: الطالب للمشيخة جاهل بحقيقة الأمر، مستور عليه، إن أهل الله تعالى [يُكرمون] بها، فيسألون الله تعالى الإقالة. قال: وسمعته يقول: ليس أبناء المشايخ
стр. 2559
كغيرهم، فإن الحاصل للطالب المريد من غيرهم أكثر وأجل، فإن أولاد المشايخ عندهم إدلال بآبائهم، فلا تزال نفوسهم مرتفعة، وغيرهم يطلب الذل والانكسار، وإنما حصل الناس على الخير بهما.
قال: وسمعته يقول: لقد جرى لهؤلاء الذين عندي وقت اجتهدت على إدخال أولادي فيه بكل طريق فلم أقدر.
قال: وسمعته يقول: إنما نهى الشيخ الشخص عن صحبة غيره، إذا كان مريدًا مشتغلًا قد سلكه، وعرف مزاجه، لأنه ربما لاذ بجاهل لحاله، ففسد عليه أمره. ومثال هذا: كالمريض الذي له طبيب قد خبر علته، وعرف دواءها، وعالجها مدة، لو شاركه في تعليله طبيب آخر ربما أدى إلى هلاك المريض.
قال: وسمعته يقول: كان شخص يرعى الغنم مدة طويلة لم يأخذ الذئب له شيئًا قط، فلما كان بعد تلك المدة، أخذ الذئب منه شاة، فقلت له: قد أحدثت شيئًا!. فأنكر، فكشفت عن حاله، فإذا به قد أكل طعامًا مسروقًا من بعض صبيان الرعي، فقلت له: بهذا أخذ الذئب منك ما أخذ.
ومنهم:
[٧٠] الشَّيخُ إبراهيمُ ابنُ [الشَّيخِ عَبدِ اللَّهِ] الْأَرْمَوِيُّ (١)
كريم كان ينجز المواعيد، وتنبجس له الجلاميذ، من بيت أركانه لم تهدم،
стр. 2560
ومكانه إرث ممن تقدم، فلم يجهل له قدر، ولم يمهل ترابه مذ وضع له خد في قبر. كان يؤخذ ترابه للاستسقاء، ونور بصائر الأكفاء، وهو في ضريحه يزار، وتحت صفيحه مشهد ومزار.
ومنهم:
[٧١] [الشَّيْخُ الزَّاهِدُ] جندل [بن محمد العجمي] (١)
ذكره ابن اليونيني، فقال: كان زاهدًا عابدًا، منقطعًا، صاحب كرامات، وأحوال ظاهرة وباطنة، وله جد واجتهاد، ومعرفة بطريق القوم. وكان الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن الفركاح الفزاري يتردد إليه في كثير من الأوقات، وله به اختصاص كبير.
قال ولده الشيخ برهان الدين: كنت أروح مع والدي إلى زيارته بمنين، ورأيته يجلس بين يديه في جمع كثير، ويستغرق وقته في الكلام مغربًا لا يفهمه أحد من الحاضرين بألفاظ غريبة.
وقال الشيخ تاج الدين المذكور ﵀: الشيخ جندل من أهل الطريق، وعلماء التحقيق، اجتمعت به في سنة إحدى وستين وستمائة، فأخبرني أنه بلغ من العمر خمسًا وتسعين سنة. وكان يقول: طريق القوم واحد، وإنما يثبت عليه ذوو العقول
стр. 2561
الثابتة. وقال: الموله منفي ويعتقد أنه واصل، ولو علم أنه منفي، لرجع عما هو عليه وقال: ما تقرب أحد إلى الله بمثل الذل والتضرع والانكسار.
قال الشيخ تاج الدين: واجتمعت به في شعبان سنة أربع وستين وستمائة فقال: أنا أحق الملك [العادل] وقد جاءه من حلب عسكر يحاصره، وكان عمري إذ ذاك خمس عشرة سنة.
وقال لي: دنا الموت، ولم يبق إلا القليل. ثم قص علي رؤيا استدل بها على هذا، فسألته عن الرؤيا؟، فقال: رأيت من زمان متقادم كأني أفرغت في بيتي حمل بصل، فأخذت منه بصلة بيدي، فرأيت عليها عبد الرحمن شملة، فجعلتها في حجري، وعرفت أن ذاك البصل كله مشايخ، أريد أن أجتمع بهم، وأراهم، ويروني. فلما كان هذا القرب رأيت كأني عبيت الجوالق البصل، ولم يبق إلا القليل، فعلمت بذلك قرب الأجل. حدثني بذلك عشية السبت ثامن شعبان من السنة المذكورة.
وكانت وفاته بقرية منين في شهر رمضان المعظم سنة خمس وسبعين وستمائة، و دفن بزاويته المشهورة، وعلى ضريحه من الجلالة والهيبة ما يقصر الوصف عنه. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٧٢] أبو الرجال بن مُرّي بن بُحْتُر المنيني (١)
رجل كشفت له البصائر، وأزلفت له المصادر، فعمل لدار القرار، وعجل البدار للاستقرار، وقدَّم لجنة طالما تسوّق لنزلها، وتشوّق إلى كرم منزلها، وهام بها وتاه، وقام في طلبها فواتاه، فقلبته في نعيمها، وقلّدته تقليد زعيمها، وقالت: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (٢)، وقدمتم فأصبتم، ولم يزل يخطم الآمال، ويحطم المال، حتى آن
стр. 2562
له الأوان، وحان أن يُدعى إلى الجنَّة ورضوان، فطاب مضجعا، وقدم مقدمًا ومرجعا. وكان شيخًا ساذجًا، كبير التواضع، دائم الذكر، دائم التوجه، عاريًا عن التكلف والتصنع، عارفًا بالله، صاحب أحوال ومكاشفات. امتحنه جماعة من أعيان الناس في أمر المكاشفات، فكان يأتي بها أسرع من رجع البصر.
وعظم شأنه في آخر عمره، وقصده الناس رجاء بركته. وكانت له زاوية يُمَدُّ بها السماط للواردين والمقيمين، وكان علماء الوقت مثل ابن الفركاح، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، يعظمونه، ويترددون إليه، ويثنون عليه، ويصفونه بالصلاح والولاية، ويبالغون فيه إلى الغاية. وحدثني صاحبنا ناصر الدين محمد بن الفارس المعروف بالحاجبي: توفي يوم الثلاثاء عاشر المحرَّم، سنة أربع وتسعين وستمائة، بقرية منين، ودفن بها.
ومنهم:
[٧٣] عُثمانُ المنيني المعروف بالقريري (١)
رجلٌ يُعَدُّ برجال، وبطل لا يزاحم في مجال، وعجّل وكم قضيت به آجال، كان بدرًا تماما، وبين ثوبيه أسدًا ضرغاما، لا تتوقى له سهام، ولا يرد بالجيش اللهام.
حدثني عنه والدي، والصدر جمال الدين يوسف بن رزق الله العمري - رحمهما الله تعالى - قالا: لما اشتد بأهل بعلبك الأمر نوبة غازان ونحن إذ ذاك بها، كان فيها الشيخ عثمان، وكنا نتعهد زيارته، وأبواب المدينة مفتحة، فلما نازلها بولاي غلقت الأبواب واشتد الخوف، ثم أتينا الشيخ عثمان للزيارة، فوجدنا قطب الدين بن اليونيني خارجًا من عنده، فقال: دخلت على الشيخ فلم يكلمني، ووجدته منكرًا، فلم أجلس، والرأي أن ترجعوا، فإن هذا رجل له بادرة. فقلنا: لا بدَّ أن ندخل، فدخلنا عليه. قال والدي: فالتفت إليَّ وقال: يا محيي الدين! لأي شيء غلقتم أبواب المدينة؟. فقلت له: يا سيدي!! خوفًا من [بولاي] فإنه قد جاء ونزل عليها، وربما أنه يريد أن يحاصر. قال: فغضب الشيخ غضبًا شديدًا، واحمرت عيناه، وجثا على ركبتيه، وطلعت الزبدة على شدقيه.
قال والدي وابن رزق: والله حتى ظنناه سبعًا يريد أن يفترسنا، وبقي على هذه
стр. 2563
الحال هُنَيهَة، ثم قال: وعِزَّةَ العَزيز، طرشهم رجل طِرشَة بَدَّدَ شملهم، وفتح يديهِ يمنة ويسرة، ثم سري عنه. وقال: قل لهم يا مُحيي الدين: فليفتحوا أبواب البلد. قالا: فقمنا، وأمرنا بفتح الأبواب كما قال، ثم باكرنا الخبر في اليوم الثالث برحيل غازان عن مدينة دمشق في الساعة التي قال فيها الشيخ عثمان ما قال.
وحكى لي الشيخ نجم الدين محمد بن أبي الطيب قال: كان لخالنا القاضي تقي الدين عبد الكريم بن الزكي خصوصية بالشيخ عثمان، وكان يتردد إلى قرية برزة حين أقام بها، وكان لا يزال يشكو إليه ما يجده من سوء أخلاق امرأته، وتكبرها عليه بما لها من الأوقاف والغنى. وكان الشيخ ينهاها في كل وقت، ويخوفها عاقبة فعلها، إلى مرة زادت في سوء معاملته، فلما شكاها إلى الشيخ عثمان، قال لها: النوبة الفيصلة بيننا وبينك. ثم قال لابن الزكي: إن عاد بدا منها النوبة شيء قل: يا عثمان، يا نحس!. قال ابن أبي الطيب: فلما أتى يوم موسم، أو حفل كانت بالميطور، وقد اجتمع عندها جماعة من النساء، فلما أراد أن ينزل إلى المدينة، قالت له: ابعث لنا كذا وكذا من الحلوى وغيرها، فبعث بشيء، فاغتاظت، فلما طلع لامته، ثم احتدت إلى أن عادت إلى عادتها وأشد، فصاح ابن الزكي: يا عثمان يا نحس يا عثمان، يا نحس!. ثم لم يستكمل المجلس حتى أخذتها الحمى الحادّة، المحرقة، وقالت له: قتلتني والله!. ثم قالت: والله النوبة هي الفيصلة ففطن ابن الزكي وقام لوقته حتى أتى الشيخ عثمان، ليسأله في أمرها، فمنذ رآه مقبلًا من بعيد قال له: أحسن الله عزاك! ارجع جهزها، فقد قضي الأمر، فرجع وكان الأمر كمال قال.
وحكى لي غير واحد من أهل برزة: إن الملك الأوحد كان قد تعجل نوبة كسروان منهم خراج سنة، ثم لما طال المقام بالجبل بعث يستلف سنة أخرى، فأضر ذلك بنا، ولم يبق إلا من أخذ دوابه، أو قماش نسائه، أو غزلهن ليبيعه ويزنه في خراج السنة الأخرى، فلما رأى الشيخ عثمان ما حصل لنا بذلك من الضرر والإزعاج، اغتاظ حتى كاد يتميز من الغيظ، ثم قال: لا تبيعوا شيئًا، فإنه قد قضي الشغل، فلم يلبث أن جاءنا الخبر بأن الملك الأوحد قد توفي في ذلك اليوم. وأخباره ومناقبه كثيرة.
حكى لي القاضي عبد الله البستاني الفقيه، قال: كان الشيخ صدر الدين ابن الوكيل حسن العقيدة في الفقراء، وسمعته يحكي قال: طلبني الأفرم مرة، طلبًا مزعجًا، فجئته، وأنا خائف منه - على صحبتي له ـ، فلما دخلت عليه رأيته مبتهجًا لي، فطلع إلي وقد كاد يسطو علي لأجل ابن تيمية، وقال لي: يا صدر! أنت تريد تعاند القدرة في ابن تيمية؟ وكلما رفعه الله تريد أنت أن تضعه بيدك، والله ما تريد إلا من يخرجك من
стр. 2564
الشام، ويحبسك في الاسكندرية، ليكف شرك. قال: فخرجت وأنا في غاية الخوف والوحشة، وتوجهت على الفور إلى الشيخ عثمان، فما لحقت أكمل السلام عليه حتى قال لي: بئس الصاحب صاحبك، يعني الأفرم، والله يا صدر الدين، ما هو يا صدر كما قال لك ما يريد يعاند القدرة إلا هو، والله ما يخرج من الشام ويحبس في الاسكندرية إلا ابن تيمية. قال: فُسُرِّي عني ما كنت فيه، وبت عنده تلك الليلة، ثم عدت، فلم أصل إلى بيتي إلا ورسول الأفرم قد أتاني فجئته، فقال: يا صدر الدين أنت رجل صالح، عمل نفسك في ابن تيمية وقد جاء مرسوم السلطان بطلبه، وعزمي أن أدفع عنه، وأشتهي أن لا تحرّكوا أنتم ساكنًا ليدفع عنه الشر، لعل تصطلحوا، فيزول ما بينكم، ثم لم يمض - والله - الأيام حتى لم يكن بد من تجهيزه، وحبس بمصر والاسكندرية، وجاء الأمر كما قال الشيخ. وتوفي سنة ثمان وسبعمائة رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
ومنهم:
[٧٤] مُحَمَّدُ بنُ إبراهيمَ الأَرْمَوِيُّ (١)
مشيد بيت وأبيات، وصاحب أناشيد وتلاوة آيات، سكن الشام فاخضر واديه، وابيض بكرم أياديه، وتفجرت أنهاره مثل قريحته، وطالت غرة جبهته مثل لألاء صبيحته، وسكن بزاوية ابنه بسفح قاسيون، فسقى السفح، وعامل ساكنه بالرحمة والصفح، فظهرت به من سِرِّ أبيه ﵀ خفايا، وطلعت من الزوايا خبايا. وكان رجلًا أوابًا، وعجلًا إلى الله توَّابا، ومحسنًا ما عرفت له أساءة، ولا ألفت منه إلا عباده، أشهد عليها صباحه ومساه، وله عقب نعم ما أعقبه سلف، وأبقاه ماض من خلف منه أي ابن منجب، وولد متواضع تواضعًا للفقراء معجب.
ومن كلامه:
فصل يتعلق بالسماع
قال: افتقار السماع إلى الوجد، افتقار الصلاة إلى النية والقصد، فكما لا تصح
стр. 2565
الصلاة إلا بالنية والقصد، كذلك لا يباح السماع إلا بالوجد، فمن كانت حركته في السماع طبيعية، كانت نشوته به حيوانية، ألا ترى أن كثيرًا من الحيوان ينشأ له حال غير المعتاد عند سماع المطربات، وقوة حركة لسماع طيب النغمات، فمن كان هذا السماع الحيواني في ذلك أقصى أربه، وكان مقصورًا فيه على هواه ولعبه، وهو سماع الطبيعة لا سماع الأرواح، فجدير أن يجتنب فإنه يستعمل الطبيعة [ويجرُّ إلى الوقوع] في غير المباح.
والسماع الذي اختلفت فيه الأقوال إنما هو سماع أهل المقامات والأحوال، فمنهم من أباحه على حكم الاختصاص، ومنهم من جعله زلة الخواص، ومنهم من توقف ولم يجد إلى إقامة الدليل على كلا الأمرين نشاطا، ورأى الاستغفار منه إذا قدر له الحضور فيه احتياطا، فهو متردد في أمريه، فتركه لمثل ذلك أولى، ولم يرزأ على من حضره من السلف، لكن لم ير نفسه بحضوره أهلا. فهذه جملة اقتناعية مما قيل فيه، ونبذة لعل من تأملها تكفيه. [من الطويل]
إذا حَرَّكَ الوجد السماعُ إليكم … يُباحُ وإلا فالسماعُ حَرامُ
ومَنْ هَزَّهُ طيب استماع حديثكُمْ … ومالَ مِنَ الأشواقِ ليس يُلامُ
ولا عَجَبٌ إِنْ شَتَّتَ الحَبُّ جَمْعَهُ … فليس لأحوال المُحب نظام
يسير مع الأشواق أَنَّى توجَّهت … وليس له في الكائناتِ مقامُ
ولا غرو إِنْ ضَلَّتْ مَذاهب عَقلِهِ … فإن مقامَ العِزّ ليسَ يَرامُ
حمى لا سبيل أن يُباحَ مَصونُهُ … وكلُّ الورى طافوا عليه وحامُوا
وقاموا وقد جَدُّوا لأول منزلِ … فَقاموا حيارى فيه حيثُ أَقاموا
ومن نظمه الفائق قوله: [من السريع]
لا غرو أن أصبح وجهُ الثَّرى … ونَورُهُ بالور وضاح
إذْ كم يد بيضاء في كفّها … بِرَوضة النرجس مصباح
وقوله: [من الكامل]
ما حمرة العينين منكِ بمهجتي … أفديهما وبناظري لتألّم
لكن لحاظكِ أغمدتْ أسيافها … بحشاشتي فبدا بها أثرُ الدَّمِ
وقوله: [من الكامل]
وا إذا جئنا سراعًا نَحوَهُ … خَوفَ الهجير وقدْ أَطلَّ زمانه
رق النسيم لبانِهِ وتَعطَّفتْ … كَرَمًَا علينا في الربا أغصانه
وقوله: [من الكامل]
стр. 2566
لله أيام الربيع وطيبها … وتفاخر الأطيار في الألحان
والوردُ يَنمى في الغُصونِ كَأَنَّهُ … [ماءُ] الحياء بوجنة الخجلان
والغُصن يثنيه النسيم كما ثَنَى … سُكرُ الشَّمُوْلِ شَمائِلَ النشوان
والماء يمشي في الرياض كما مَشَتْ … سِنَةُ الرُّقادِ بِمُقلة الوسنانِ
وقوله: [من السريع]
حديقة إذ نبهتها الصَّبا … لم تُبقِ منها مُقلة غافية
وَشَى بطِيبِ العَرْفِ نَمَّامُها … لما أتتها الأعين الصافية
وقوله: [من السريع]
كأنما المِرِّيخُ في جَوِّهِ … شَقيقة بين رياض الأقاح
وأنجم الجوزاء خَوْدٌ غَدَتْ … تَرقصُ مِنْ تِيه بسيف الصباح
وقوله: [من الكامل]
يا طيب ما جاءَ النسيمُ بعَرْقِكُمْ … وحَدِيثه عنكمْ حَديثُ مُرْسَلُ
حَمَّلْتُهُ مُنِي السلام إليكم … فأطاعني لكنَّهُ يَتعلَّلُ
وقوله: [من الكامل]
كم للنسيم على الرُّبَى مِنْ نعمةٍ … وفضيلة بينَ الوَرَى لنْ تُجْحَدا
ما زارها وشكتْ إليه فاقَةُ … إلا وهَزَّ لها الشمائل بالندى
وقوله: [من السريع]
رقت ورق الكاسُ مِنْ دُونِها … عَذْراءُ راح عَرْفُها يُسكِرُ
كالشفق الأبيضِ مِنْ دُونِهِ … والجَو صافٍ شَفَقٌ أَحمرُ
وقوله: [من السريع]
قلبٌ غَدًا مِنْ حُبِّكم عامرًا … لغيرِكمْ لَيسَ بِهِ مَنزِلُ
وقد أَردتُمْ هَدْمَهُ بالقِلا … سألتكم بالله لا تفعلوا
وقوله: [من الخفيف]
حبذا دوحة إذا ما سعينا … واستَجَرنا بذيلها في السموم
لم نزل تحت ظلها في أمانٍ … بينَ جُوْدِ النَّدَى ولُطْفِ النَّسيم
ما استمدت رياضها الغيثَ إلا … جَاءَ مِنهُ الصَّبا بوعد كريم
قدْ تَردّى برد السحاب ووافي … يتمشى هونًا بقلب سليم
يتمادى بين الغُصون دَلالًا … قَدْ تَرَبَّى مِنْ يومِهِ في النعيم
стр. 2567
وهو يختال فرحةً حين وافي … مِنْ حَبيبٍ مُبشِّرًا بالقُدُومِ
ويُريد الرجوع مِنْ غيرِ عَزْمِ … فهوَ بين التأخير والتقديم
وقوله: [من البسيط]
أما ترى الليل قد ولتْ مواكبه … مهزومةً واختفتْ خَوفًا كواكبه
وقد تجرد سيفٌ للصباحِ غَدَتْ … مُحْمَرَّةً مِنْ دَمِ القَتلى جوانهُ
وقوله: [من الكامل]
ما اصفرت الأوراق إلا خيفةً … لما استبانَتْ فُرْقَةُ الأَغصان
وكذا النسيم غدا عليلًا إذ بدا … متنقلًا أبدًا عن الأوطان
فاظفر بجمعِ الشَّمْلِ قَبلَ شَئَاتِهِ … ما العيش إلا صحبة الإخوان
وقوله: [من البسيط]
وافى الربيع فعاد الروضُ مُبتسما … وطالما انتحبتْ فيهِ سَحائبه
والغصنُ مِنْ فوقه الشحرور تحسبُهُ … يتلُو الزَّبُور بأعلى الدَّيْرِ راهِبُهُ
وشاطئ الدهر قد دَبَّتْ عَوارِضُهُ … وافتر مبسمُهُ واخْضر شاربُهُ
فَصَفَّقَ الدَوحُ لمَّا أَنْ رأَى عَجَبًا … مِنْ أجلِ ذلك [قد] شابتْ ذَوائبه
وقوله: [من البسيط]
لم أنس ليلة بات البدر يخدمنا … إلى الصباح ولم يُشعر بنا الرقبا
والنهر [أضحى] لُجينًا والدَّجَى سَبَجٌ … فَمُذْ بدا الصبح ياقوتًا جَرَى ذَهَبا
وقوله: [من البسيط]
وافي النسيم أمامَ القَطْرِ فَانَثَنِتِ الـ … أغصانُ تَرْقُصُ مِنْ تِيْهِ وَمِنْ مَرَحِ
وأعين الروض تجري وهو مبتسم … وقد تفيضُ دُموع العين بالفرح
وقوله: [من الوافر]
وزُهْرٍ في غُصُونِ الدَّوح تبدو … فَنَاهيك السماء بها النجوم
فذا عجبٌ إِذا أَضحتْ رُجُومًا … متى استرق العبير بها النسيم
وقوله: [من السريع]
كأنما الدَّوحُ وقَدْ طَرَّزَتْ … أيدي الصَّبا بالنُّورِ أَثْوَابَها
مَضاربٌ مِنْ سُنْدُسٍ مُذْهَبٍ … قَدْ مَدَّتِ الأغصانُ أَثوابها
وقوله: [من البسيط]
أما ترى الليل قد ولَّتْ عَساكره … وأقبلَ الصُّبحُ وامتدَّتْ مَواكبه
стр. 2568
وَجَرَّدَ الصبحُ سيفًا للدجى فغدَتْ … مِنْ سَفْكِهِ للدما حُمْرًا جوانبُه
وأصبح الليلُ مُصفرًّا لِهِيبتِهِ … يَجدُّ في السير لا تَعْيى ركائبه
مُمزَّقَ الدرع محلول الإزارِ وكَمْ … قَدْ أَحكمَتْ سَردها ليلًا كواكبه
وقوله: [من البسيط]
أصبحتُ أَوَجَعَ مِنْ ورقاء فاقِدَةٍ … في الدوح طول الليل لم تنم
بَعْدَ الأحَبَّةِ لا تهوى المنامَ بَلَى … إِنْ سامحوها وزار الطيفُ في الحلم
وقوله: [من الطويل]
رأيتُ الصبا لما استعنتُ بلطفِهِ … على حَمْل ما لاقيته يتعلَّلُ
وقمتُ بحفظ العهد للنجم في الدجى … فما باله في صحبتي يتنقل
وقلب الدُّجى ما زال للسرِّ كاتمًا … وها هو عمَّا خِلتُهُ يَتحوَّلُ
وقوله: [من الخفيف]
وربوع يكادُ طِيبُ شَذاها … يفضحُ المِسكَ فِي نُحورِ العَذَارَى
أشرقت شمسُ نَورِها فَسَعينا … نَحوِها في الدُّجَى نَؤُمُ نَهارا
وأتى القابسونَ نحوَ سَناها … فَرأَوا جلي نارها جُلنارا
وقوله: [من الوافر]
شَكَوْتُ كما تَهْبُّ صَبًا صَباحا … فَرَقَ لأَنَّه بر كريم
فلا تَعْجَبْ لَهُ إِنْ مالَ عِطْفًا … لأنَّ الغُصْنَ يَعْطفُهُ النَّسيمُ
وقوله: [من الكامل]
لَطُفَتْ شَمائلُهُ فَعُدْن شمائلا … مِنْ أَجَلِها عَرْفُ النسيم مُعَطَّرُ
لَوْ لَمْ يَنُم عبيره بعنوده … كان الرقيبُ لِلُطْفِهِ لا يَشْعُرُ
وقوله: [من السريع]
أصافح الأغصان أبغي الحيا … مُستشفيًا … جِرْبالَهَا
وكيف لا يُدركني جُودُها … وقد تعلَّقْتُ بأذيالها
وقوله: [من البسيط]
ناجته في السر ألحاظي على وَجَلٍ … أليس في الحلم ما يُغني عَنِ السكرى
فقال لي كَسْرُ جَفْنَيهِ فديتهما … بحجلة قدْ عَرَفَتْ السرَّ والنَّجْوَى
وقوله: [من الكامل]
стр. 2569
يا معرضا عني وفي إعراضه … لطف يفي بفضائل القرب
من دون سفك دمي بحبك عامدا … معنى نفسك بواعث العب
وقوله: [من البسيط]
كأنما النهر في ظل الغصون وقد … ألقى السحاب عليه حمرة الشفق
خل تكنفه فرط الحياء وقد مد … العذار عليه خضرة الورق
وقوله: [من الوافر]
كسا فصل الربيع الدوح بردا … يقيها لفحة الحر الشديد
وما خلعته لما رث إلا … وقد طمحت إلى لبس الجديد
وقوله: [من مجزوء الكامل]
أنا مستجير بالدجى … من سل سيف صباحه
فعاه يكلا ذا هوى … كرما بظل جناحه
وقوله: [من الوافر]
كأن سماءنا والبدر فيها … وأنجمها محدقة إليه
حديقة نرجس من حول عين … تدفق ماؤها فطغى عليه
وقوله: [من الخفيف]
جاء فصل الربيع يخطر عجبا … عطفه بين نرجس وبهار
وبدت خجلة من الماء لما … رمقته لواحظ الجلنار
وكأن الغدير إذ قابل الشمس … لجين مرصع بنضار
وكأن السماء إذ رأت الأرض … عروسا جادت لها بنار
فلهذا أضحى الأقاح وكل … قابض ثغره على دينار
وذكت نكهة الصبا إذ أذاعت … سر ما أودعت عن النوار
لا عجيب تهدي إلينا شذاها … مع صباها مجامر الأزهار
إذ رأينا بكل كأس شقيق … در مسك تذكيه شعلة نار
وقوله: [من الطويل]
تبسم تعر الروض بعد قطوبه … سرورا بإقبال الربيع إليه
ألم تر أن الغصن إذ رقت الصبا … يصفق مسرورا لها بيديه
وأن ثياب الورد وهي شقيقة … يشققها حتى تمر عليه
وقوله: [من الخفيف]
стр. 2570
خِلتُ أَنَّ الغُصونَ ترقُصُ لمَّا … بشَّرتْها النسيم بالأمطار
فلهذا ألقت لها ما عليها … فهيَ مِنْ شِدَّةِ السُّرورِ عواري
لبست في الشباب ثوبَ وَقارِ … ورأتْ في المَشيبِ خَلْعَ عِذارِ
وقوله: [من الكامل]
دِمَنْ تُحَالُ دِمًا خُدُودُ شَقِيقِها … تَجري وثَغُر أقاحها يتكلم
ويكاد نرجسها ويمنعُهُ الحَيا … مِنَّا بأطرافِ الحَياءِ يُسلِّمُ
وقوله: [من الطويل]
ودوحةِ حُسن خلتها حين انبعث … كواكب تبر في السماءِ زبرجَدِ
إذا قبلتها الشمس ظُنَّتْ لطَافَةً … بَقيةَ نارٍ في بنادق عَسْجدِ
وقوله: [من الطويل]
وما اسْتَقْتُ أيام الصبا غير أنني … تذكَّرتُ أحبابًا بها ومآربا
تَولَّوا فَوَلَّى طيب عيشي لبينِهِمْ … فلو أنهم داموا لدام لي الصبا
وقوله: [من الكامل]
أَوَ ما تَرى المَنثُورَ لمَّا أَنْ رَأَى … طِيبَ المَقام بجَنَّةٍ وخُلُودِ
كَسَرَ الصَّليب وقد غدا بِبنانِهِ … نحو السماءِ يُشيرُ بالتَّوحيد
وقوله:
تَعوَّدت طول الهجر منكمْ فَلَوْ طَرَا … لِيَ الوَصْل يومًا أنه الوصل
ولو شاهدتكم مقلتي لم أثق بها … وقُلتُ مَنام ما لبعضهما أصل
وقوله: [من مجزوء الكامل]
فاحت فقلت لها دعي … ليس الهوى بتصنع
أين الذهول إذا نطقتِ … وأينَ فَيضُ الأدمع؟
وقوله: [من الطويل]
لئن شُغلتْ رُوحي بغير هواكم … فلا بلغتْ مِنْ وصلكمْ مَا تَمَنَّتِ
وإِنْ مُدَّتِ الأيدي إلى غيرِ فضلكمْ … تَروم نَوالًا مِنْ سِواكم فَشَلَّتِ
وقوله: [من مجزوء الكامل]
قُمْ فاسقني ما راق في … صافي الكؤوس مِنَ الشراب
راحًا ألذ مِنَ ابتسا … م مِنْ حبيب في عتاب
وأَرقَ مِنْ شَكوَى مُحـ … ـبّ مُستهام باكتئاب
стр. 2571
والشمس في أُفقِ السَّما … ء تَلُوحُ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ
مرآة تبر دُونَها … مارَقٌ مِنْ حُمْر الثياب
وقوله: [من المنسرح]
بدا لنا الجلنار في القُضُبِ … والطَّلُّ يَبْدو عليه كالحَبَبِ
كأَنَّما أَكْؤُسُ العَقيقِ بِهِ … قَدْ مُلِئَتْ مِنْ بُرَادَةِ الذَّهَبَ
وقوله: [من الطويل]
غدا لكل معنى في الأنام يَرُوقُهُ … ويُغريهِ بَرْقٌ باللوى وخُفُوقه
ويثنيهِ نَشْرُ الروضِ مَرَّتْ بهِ الصَّبا … سُحَيرًا بَرَيَّا عَرْفكُمْ ويَشُوقُهُ
مُبشِّرةً جاءَتْ فكان لهايد … وفضل عليهِ لا تُؤَدى حُقُوقَهُ
فما الطلُّ فَوقَ الرُّوضِ عندَ سُقوطِهِ … ولا المسكُ منثورًا علينا سَحِيقُهُ
بأطيب ممَّا طَمَّنتِ عَنْ جَنابِكُمْ … وفي طَيْها نَشْرٌ ذَكِيٌّ عُبُوقُهُ
فبالله عرج سائق الطعن بالحِمَى … فمنزلها وادي النَّقا وعَقِيقه
وإلا فدعها كيف شاءت وسيرها … فأيُّ طريقٍ يَمَمتُهُ طَريقُهُ
وقوله: [من الخفيف]
خانني ناظري وهذا دليلٌ … بِرَحيلي مِنْ بَعْدِهِ عَنْ قليل
هكذا السفر إنْ أَرادوا رَحيلًا … قَدَّمُوا خَيلَهمْ أَمامَ الحُمُولَ
وقوله: [من الخفيف]
لِمْ حَرَمْتُمْ جَفْني الرُّقادَ إلى أَنْ … خِلْتُ ما بَينَ جَفْنِ عَينيَّ سَيفا
ما تَمنَّيتُهُ اشتياقًا ولكنْ … أَتَرجَى أَنْ تَبعثوا فيه طيفا
وقوله: [من السريع]
أَوْ حَشْتَني والله يا مالكي … في لَذَّةِ الكأس على الوَرْدِ
فقال لي ما غِبْت عَمَّنْ غَدًا … يَشْرَبُ مِنْ رِيقي على خدي
وقوله وقد مر ببعض الكروم فرأى بها أعظمًا قد علقت، والرياح تلعب بها كلما خفقت، وكلما حركتها سمع من أصواتها مثل الأنين، وأوجع من حسها ما يوجع الحزين، فتذكر ما كانت عليه تلك العظام الرفات، ثم ما حدث عليها من الآفات، وتأسف لها لو ردَّ الأسف ما فات، والذي قاله: [من الكامل]
سئمت دوام سُكُونها فتكلَّمتْ … شَوقًا إلى ما مَرَّ مِنْ لَذَّاتِها
مَرَّ الصَّبا فَتَذكَّرَتْ زَمَنَ الصِّبا … فَغَدَتْ تَنُوحُ على زَمانِ حَياتِها
وقوله: [من الخفيف]
стр. 2572
أودعت سجنها الأزاهير سِرًّا … سرى فيه النسيم في الأسحار
وتلقَّتْ بِعَرْفها الوَفْدَ حتى … تنبهوا منها بقُربِ المَزارِ
فأعادت مِنَ السقام شِفاءٌ … حِيْنَ جاءَتْ بأطيب الأخبار
فثُغُورُ الرياض تبسم عُجبًا … مِنْ بُكاء السماء بالأمطار
نَقَطتها بلؤلؤ الطَّلِ ليلًا … فَحَكَتْهُ شَمسُ الضُّحَى فِي النَّهَارِ
قَسَمَتْهُ النسيم في الجو حتى … جَمَعَتْهُ مِنْ سُندُس في إزارِ
وكأنَّ الغُصون في الدوحِ أَضْحَتْ … مُصغيات إلى هديل الهزار
فإذا ما انتهى إليها بثت … تحدث الهوَى بِغَيرِ استتار
ثُمَّ شَقَّتْ أثوابها مِنْ غيرِ أَمرٍ … ثُمَّ فَكت بقية الأزرار
وقوله: [من الكامل]
رَقَتْ مَعانيه وراقَ حَديثُهُ … لطفًا فعاد هوى لكلِّ مِزَاجِ
فكأَنَّ مَعناه لَطِيفُ ولفظُهُ … خَمْرٌ يُرَوَّقُ فِي صَفاءِ زُجاج
وقوله: [من الوافر]
شَكُوتُ صَبابتي فيه وشوقي … فَكادَ لرِقَةِ الشَّكْوَى يَهِيمُ
فلا عَجَبٌ إِذا ما مَالَ عِطْفًا … لأنَّ الغُصْنَ يعطفُهُ النَّسيمُ
وقوله: [من مجزوء الرمل]
مقلة سوداء ألبستني كَحَلًا … مِنْ غَيرِ كُحْلِ
قد أمنتُ القَطعَ منها … إِذْ غَدَتْ هَمْزَةَ وَصْلِ
وقوله: [من البسيط]
دَنَا السحابُ فَضَمَّ الروض فانبعثتْ … دُمُوعُهُ تَتَوالي وهوَ لَهْفَانُ
كالأمّ تَحْنُو على المولودِ تُرِضعُهُ … بثديها العَذْبَ سَحًْا وهوَ ظَمآن
وقوله: [من السريع]
كأنَّما الروض إذا ما بَدَا … جَبِينُ وجْهِ الكوكب النير
مَطَارِفٌ مِنْ سُنْدُسٍ أَخْضَرٍ … مُمَوَّه بالذَّهَبِ الأحمر
وقوله: [من الكامل]
عَطَفَ السَّحابُ على الرياض فأقبلت … تشكو إليه مِنْ أليم بعاده
فَغَدا يقبلها ويبكي رَحْمَةً … فتبسَّمَتْ فَرَحًا بِعَودِ وُدادِهِ
وقوله: [من السريع]
стр. 2573
كأنَّما المِرِّيخُ في جَوِّهِ … شَقِيقَةٌ في روضةِ الأُقْحُوانِ
ودُميةُ الجوزاءِ في حُلَّةٍ … مِنْ سُندس ما بينَ عِقْدَيْ جُمان
وقوله: [من الكامل]
الغُصْنُ رَبَّاهُ النسيمُ بلُطْفِهِ … فَكَسَا شمائله شريف طباعه
والنهر غذاه صغيرًا قبلَهُ … فَزَكا وطاب جنّي لطيب رضاعه
وقوله: [من الكامل]
والنهرُ قَدْ عَشِقَ الغُصُونَ وقَدْ غَدًا … يصفُ المَحاسنَ مِنْ بَدِيعِ جَمالها
لكن دَرَى أَنَّ النَّسِيمَ يُمِيلُها … عَنْ وَصْلِهِ فَرَضِي بطيفِ خَيَالِها
وقوله: [من السريع]
أَما تَرَى الأغصان لما أتى النـ … سيم بالبشرى من المغرب
لمْ يَرضَ مِنْ سندسها حُلَّةٌ … حتى انجلت في ثوبها المُذْهَبِ
وقوله: [من الكامل]
وإذا رأيت الروض في عَرَصَاتِهِ … تَقِيْهِ بِخَديهِ الرَّدى وعُيُونِهِ
والفَيْتَ فيه النهر قد جاءَ طالعًا … يُقبِّلُ أرضًا بين أيدي غُصُونِهِ
وقوله، وكتب بهما إلى ابن خاله أبي الحسن لما سافر [إلى] نابلس: [من البسيط]
فقدت من غبتُمُ يا سادتي جَلَدِي … وأنتم سائر الأوقاتِ في خَلدِي
عَدِمْتُ قلبي وجسمي ذابَ بَعْدَكُمُ … سُقمًا فَصِرْتُ بلا قلب ولا جَسدِ
وقوله: [من السريع]
أقولُ والصبحُ حَثِيثًا سَرَى … في طَلَبِ الليل على الأبلق
وطرة الليل بها مَفْرِقٌ … بِغَيرِ سيف الصبح لمْ يُفْرَقِ
والبدر إنسانُ لِعَيْنِ الدُّجَى … منفّذ في طرفه الأزرق
وقوله: [من الخفيف]
كيف للطيف أن يزورَ مُحبًّا … وهوَ في طُولِ ليله يقظان
يَسْرِقُ النومَ جَفْنُهُ فإذا ما … كاد يغشاهُ هَزَّهُ الخَفَقَانُ
وقوله: [من الكامل]
خَلَتِ الغُصُونُ كأنها قد ألبسَتْ … دِرْعًا يُزَرِّرُها الصبا ويُفكّك
رش الندى أثوابها وكأنَّها … بيدِ الشَّمائل والجَنُوبِ تُفَرَّكُ
стр. 2574
وحدا النسيم الورق إذ باحث به … فالغُصْنُ وَجْدًا بالهوى يتحرك
والشمس تبسم عن قطوب المزن إذ … تبكي على الأرض السماء فتضحك
ومنهم:
[٧٥] نَجْمُ الدِّينِ الخَشْكَنَاكِيُّ
نجم كم أطلع هلالا، وأطعم مما حلا حلالا، ولم يزل كل ذي ورع ينتاب محله، ويختار من المآكل أحله، والعيون تترقب مواقيت تلك الأهلة، وتتوثب إلى تواقيت تلك الأكلة، وللناس ولع بذلك الخشكنان، وطمع فيما يؤثر من سعد القرآن، فتعجل إلى منادي تلك الدور والدار، وترى طعام أهل الجنة ما خرج من تلك النار، فكانت لا تبرح ترى أفواجًا على فرنها، وتسمع لجاجًا في مفاخرة العصور الذاهبة بقرنها، ولهذا كم أقسم منها بنون والقلم لكتابه وآثارها وما يسطرون.
كان رجلًا أشقر طُوَالًا، له حانوت بالسوق الكبير يعمل فيه الخشكنانك، ويبيعه، ويأخذ الثمن بالناقص، ويعطي بالزائد، ولا يرد درهمًا زائفًا، بل يأخذه ويعطي به الخشكنانك، ثم يقص الدرهم ويرميه في النار، قصدًا لتخفيف الزغل من نقود الناس ومعاملاتهم. وكان إذا سمع أذان المؤذن ترك شغله، وأتى الجامع فصلى فيه في أول صف. وفي يوم الجمعة لا يتسبب بل يجعله مقصورًا على القعود في مقصورة الخطابة، وانتظار الصلاة، حتى يصلي الجمعة. وكان كثير البر والصدقة والمعروف، ونفقاته أضعاف مكسبه، وأمثال معاشه وسببه، وكان معروفًا بالصلاح، مشهورًا بالولاية، وله أحوال عظيمة، وأمور غريبة، وطريقة مثلى، وأفعال حسني، إلى رياضة أخلاق، ودماثة جانب.
قالوا: إنه لم يشتر شيئًا حتى يزن ثمنه أولًا، ويجعله في يده، ثم ما يتسلم المبيع حتى يصير الثمن في يد البائع. هذا إلى عيادة مرضى، وتشييع جنائز، والقيام بحقوق إخوانه وأصحابه وجيرانه، والإفضال عليهم بتفقده، واشتهر أمره في زمانه، وأجمع عليه أهل وقته. وكان ابن تيمية وابن الفركاح، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، وغيرهم من علماء الوقت مجمعين على فضله وصلاحه، وكان الناس تحمل أولادهم وتأتي إليه ليمسح بيده على رؤوسهم، ويدعو لهم، ويعوذهم، فيفعل ذلك، ثم ما ينصرف واحد منهم حتى يعطيه خشكنانكة، أو خشكنانكتين أو أكثر من ذلك، ويعطي الناس على مقدارهم، وينزل الناس منازلهم، ويجزل لذوي الحاجة، حتى أن الفقراء
منهم كان يعطيهم مع الخشكنانك ما تيسر من الفضة أو الفلوس، ولا يعرف هذا المدد
стр. 2575
من أين، ومعاشه لا يحمل بعضه. وكان على قدم عظيمة، وسلوك مشق على غيره.
وحدثني الحافظ العلائي قال: لما اشتد الخوف بأهل دمشق نوبة شقجب، فغدا الشيخان محمد الأرموني، ومحمد بن قوام في الجامع الأموي، واجتمع إليهما الناس، وشرعوا في التوجه إلى الله تعالى، وقرؤوا الحديث الشريف، فلما أكملوا القراءة والدعاء أذن للمغرب، وكان ذلك في رمضان، قام الشيخ نجم الدين الخشكنانكي، ومعه علبتان من الكعك المحشو، تقدير ما يكون في مثليهما عشرون كعكة، فأعطى كل واحد من الشيخين كعكين كعكين، ثم فرَّق على بقية الناس كذلك، وكان الجامع مملوءًا من الناس، لو فرَّق عليهم ثلاثمائة علبة لم يكفهم!، ولم يفطن أحد لذلك في ذلك الوقت، ولا فيما بعده حتى مات، فلما وضع سريره للصلاة عليه، لم يبق إلا من ذكر تلك الكرامة، وعدها من كراماته.
وحدثني صاحبنا الشريف محمد بن أحمد بن علي بن ظاهر الحسيني، قال: كانت لنا دار بالخضراء، وظهور بعضها لغيرنا وكنا في غاية الضرر بملك الغير لها، فباعها مالكها من رجل كان من خاصة الأعسر، فلم يقدر على منازعته بالشرع ولا بغيره، ودخلنا عليه بكل أحد فلم ينزل لنا عن البيع، فذهبت أنا وأمي إلى الشيخ نجم الدين، وكنا لا نعرفه، ولكنا نسمع بخبره، ونعرف مكانته عند الناس، فحدثناه لعله يكلمه، أو يكلم الأعسر لنا، فقال: أما الأعسر، فإني لا أعرفه، وأما هذا الرجل فأحدثه. ثم قام معنا حتى أتيناه، فقلنا له: هذا هو. فسلم عليه، ثم قال: من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وهؤلاء أحق بهذه الدار، والله قد قدمهم للجوار وللخلطة، فدعها لهم. فقال: قد تركتها لهم - وما كان والله يعرفه - فذهبنا، فأتينا بالدراهم، ولم نبرح حتى تكاتبنا، وتسلَّمنا المبيع، وأراحنا الله من ضرر جواره. ثم إن ذاك الرجل كان يقول: والله ما أعرف كيف سحرني ذاك الشيخ؟. ولا يزال نادمًا على الإجابة للبيع. توفي رحمه الله تعالى … ... … .
ومنهم:
[٧٦] علي السَّقْبَاوِيُّ الكردي الأصل (١)
رجل عرف عرفانه، وألف السهر حتى جَفَت النوم أجفانه، وكان بطل كتائب
стр. 2576
ورجل لقاء لا يخطئ له صوائب. كان يسكن بالمدرسة العزيزية شمالي الكلاسة، جوار جامع دمشق، في بيوت الداير الفوقاني.
وله كرامات ظاهرة، وأمور باهرة: - منها: ما حدثني به زين الدين عمر المشرف رحمه الله تعالى قال: كان أيدمر مملوك الصاحب عز الدين بن القلانسي قد أخذ بيتًا من بيوت هذه المدرسة التحتانية، فأشرف عليه الشيخ يومًا فرآه في ذلك البيت بكلوته ولباس الجندية، فسأل عنه؟ فقيل له: هذا مملوك الصاحب. فقال: قولوا له: هذه البيوت ما جعلت إلا للفقهاء والفقراء، ومزاحمتك لهم وأنت من الجند الأغنياء ما يحل، فدع هذا البيت لمستحق. فقالوا له، فلم تفد. فبعث يقول لسيده ذلك، فما أفاد، فغضب غضبًا عظيمًا، وحنق حنقًا مفرطًا، واحمرت عيناه، وقامت أوداج رقبته، وقال: إن كنت تلتقي يا ابن القلانسي التقي، فو الله ما أصبر!. ثم بقي يقول: انقضى الشغل. قال: فاتفق ما كان من إمساك كراي لابن القلانسي، وتضييقه التضييق الشديد عليه، فلما كان بعد مدة، رأيت أيدمر مملوك ابن القلانسي في ذل، مجرورًا بين الأعوان، يكاد يسحب على وجهه فرحمته، وذكرت قول الشيخ، فأتيته، فصادفته منبسطًا، فقلت: يا سيدي! أنتم أهل رحمة وخير، وذكرت له حال ابن القلانسي، ولم أزل به حتى رق له، ودمعت عيناه، وقال: والله ما هذا النائب عن كراي إلا من الجبابرة، وهو أولى بنزول البلاء. اللهم فرج عن ابن القلانسي، وأنزل بكراي ما أراد أن ينزل به من البلاء. قال: فو الله لم يمض إلا أسبوع حتى أمسك كراي، وآل أمر ابن القلانسي إلى الصلاح، ثم إلى الفرج.
وحدثتني الحاجة صفية أخت البطاحي، وكانت ثقة، قالت: لما نزلت التتار على الرحبة - تعني سنة اثنتي عشرة وسبعمائة - واشتد بالناس الأمر، وكثر الجفال، وتأخر العسكر المصري، عدمت القرار، وكنت أطلب الدعاء للمسلمين من كل من أعتقد فيه الصلاح، فاشتد الخوف بنا يومًا، وكثرت الأراجيف، فأتيت أخت الشيخ علي السقباوي، وكانت في بيت إلى جانب بيته فقلت لها: لو قلت للشيخ ليدعو للناس، فإنهم في خوف عظيم وشدة، وإلى الساعة ما صحوا من نوبة غازان. فقامت وأخذتني معها، وقالت: يا أخي هذه امرأة مباركة، وقد قالت: كذا وكذا، فقال: يدبر الله، يدبر الله، وطرأ عليه حال ما استطعنا معه الثبات على المقام عنده، فخرجنا إلى بيت أخته، وجلسنا به هنيهة، نتحدث في أحوال الناس، وإذا به قد صاح صيحة عظيمة منكرة، فقامت أخته إليه مزعجة، وقمت خلفها، فسمعته يقول: ائتني بخرق ليحشي به هذا الجرح، فهبت فأتيته بخرق، فكشف لها عن جرح دون ترقوته، قدر
стр. 2577
شبر، فقالت له: يا أخي! من أين هذا؟ فقال: هذا بسبب تلك العجوز بالشتنا بهؤلاء القوم، وهؤلاء لهم واحد وقح ما يرتد، جرت بيننا وبينه حروب حتى رحلناهم إلى اللعنة!. ولحقنا هذا الجرح في سبيل الله، فحشت جرحه وهو يشخب دمًا، وأنا أراه بعيني لا يخبرني بذلك مخبر.
ومنهم:
[٧٧] إبراهيم الصَّيَّاح (١)
مشكاة الأنوار، وروضة صلاح، لا تخفى لها أنوار. انقطع بدمشق بالجامع الأموي مربيًا لجماعته، وعونًا على ما يخلو به المتعبد فيه من طاعته، وكان بالمأذنة الشرقية مشرقًا لشموسها، ومحليًا لها حلية عروسها، وكان رجلًا منجمعًا عن الناس، مستوحشًا كأنه النمر أو الأسد. وكان كثير الصلاة والذكر، مواصلًا لقيام الليل، وصيام النهار، ولا يقبل على أحد، ولا يختلط بأحد، يمشي في الجامع وكأنما يمشي على حذر، وكان لا يقبل لأحد شيئًا فيما أعلم إلا صاحبنا بدر الدين بن العزازي، فإنه كان يبعث إليه من الطعام في كل يوم، ومن اللباس في كل سنة، بقدر حاجته، وكان يقبل ذلك منه، وحج معه، وكان عديله في المحمل.
حكى لنا ابن العزازي عنه قال: كنت لا أراه إلا كالسكران الطافح، وكنت لا أجسر على كلامه، وكان لا يسألني عن شيء من أحوال الناس ولا الطريق ولا المنازل، ولا غير ذلك. وكان يكثر من قوله: «يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبدًا، ولا يحصى عددًا، يا الله».
وآخر أمره أنه استدفأ بمجمرة فاحترق رحمه الله تعالى وغفر له، وذلك في يوم … ورثاه الأديب جمال الدين ابن نباتة (٢)
стр. 2578
بقوله (٣): [من الطويل]
على مثلها فلتهم أعيننا العبرى … وتطلق في ميدانها الشهب والحمرا
فقدنا بني الدنيا فلما تلفتت … وجوه أمانينا فقدنا بني الأخرى
لفقدك إبراهيم أمست قلوبنا … مؤججة لا برد في نارها الحرى
وأنت بجنات النعيم مهنأ … بما كنت تبلي في تطلبه العمرا
عريت وجوعت الفؤاد فحبذا … مساكن فيها لا تجوع ولا تعرى
بكى الجامع المعمور فقدك بعد ما … لبثت على رغم الديار به دهرا
وفارقته بعد التوطن ساريا … إلى جنة المأوى فسبحان من أسرى
كأن مصابيح الظلام بأفقه … لفقدك نيران الصبابة والذكرى
كأن المحاريب القيام بصدره … لفرقة ذاك الصدر قد قوست ظهرا
стр. 2579
مَضيتَ وَخلَّفت الديار وأهلها … بمضيعِةٍ تشكو الشدائد والوزرا
فَمَنْ لسهام الليل بعدَكَ إنها … مُعطَّلة ليست تُراسُ ولا تُبرى
ومَنْ لِعَفاف عَنْ شَرَاءٍ ثَنى الورى … عبيد الأماني وانثنيت بهِ حُرَّا
سيعلم كل من ذوي المال في غَدٍ … إذا نُصِبَ المِيزانُ مَنْ يَشتكي الفَقْرا
عليك سلامُ اللهِ مِنْ مُتيقّظ … صَبورٍ إذا لم يستطع بشر صبرا
ومِنْ ضامر الكشحين يسبقُ في غَدٍ … إلى غايةٍ مِنْ أجلِها تُحْمَدُ الضَّمْرا
أيعلم ذو التسليك أنَّ جُفونَنا … على شخصه النائي قد انتشرت دُرَّا
وأنَّ الأسى كالحُزْنِ َقدْ جالَ جَولةً … فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى
ألا رُبَّ ليل قدْ حَمَى فِيهِ مِنْ وَغَى … حَمَى الشام والأجفان غافلةٌ تَكْرَى
إذا ضحكَ السُّمارُ حَجَّبَ ثَعْرَهُ … كذلك يحمي العابد الثغر والثغرا
إلى الله قلبًا بعدَهُ في تغابن … إلى أَنْ أَرى صَفَّ القيامة والحشرا
لقد كنتُ ألقاه وصدري مُحْرَجٌ … فيفتح لي يُسرًا ويشرح لي صدرا
وألثم يُمناه وفكري ظاميءٌ … كأنّي منها أَلتُمُ الوابل الغَمْرا
أمولاي إني كنتُ أرجوك للدُّعا … فلا تنسني بالخُلد في الدعوة الكبرى
سَقَى القَطْرُ أرَضًا قد حللت بتربها … وإن كنتُ أستسقي برؤيتك القطرا
ومَنْ كانَ يُرجَى مَنهُ في المَدحِ أُجْرَةٌ … فَإِنِّي أَرجُو في مدائحِكَ الأجرا
ومنهم:
[٧٨] حمَّادُ الحَلَبِيُّ (١)
ذو القدر الوافي، والمشعل بالثريا وبشر الحافي، والسري مع أنه معروف، والنوري حينه إذا سئل منه معروف. قدم دمشق، ونزل بظاهرها على رجل متسبب من أهل الصلاح متكسب من الجبل، كان لا يأكل إلا من طعامه، ولا يكتسي إلا من لباسه، ولا يبيت إلا عنده في بستان له بمرج الدحداح، وكان الشيخ يقرئ القرآن
стр. 2580
الكريم بجامع التوبة بالعقيبة، تبرعًا واحتسابًا، يجلس لإقراء الناس بياض كل يوم في أخريات الرواق الشمالي به.
وكان رجلًا ربعة أبيض بحمرة، أبيض الرأس واللحية، أقنى الأنف، ضعيف العينين، منوّر الوجه والشيبة عليه سيما الولاية، واتهمه أهل العرفان، فكان لا يزال متوجهًا إلى القبلة على طهارة كاملة، منتصبًا للقراءة، والإقراء، فارغًا من الناس، لا يقبل لأحد منهم شيئًا.
وكان شيخنا ابن الفركاح يخرج إلى زيارته في كل أسبوع مرة، أو مرتين، وكذلك شيخنا ابن الزملكاني، رحمهم الله تعالى.
وزاره شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان يذكره بالخير ويثني عليه.
حكى لي الشيخ شرف الدين ابن النجيح، قال: ذكر بين يدي الشيخ - يعني ابن تيمية - أناس من صلحاء الوقت، فأمسك بأذن القائل، وقال له: اجعل بالك، وافتح عينيك: «الصالح حماد»، وبقي يكررها.
كنت كثير التردد والزياره له، وكان على قدم صدق وهدى، وكتاب منير.
ولو حلفت أنه لم تقع عيني على مثله، لكنت بارًا. ولم يُحك عنه أنه قال، ولا ادعى، ولا رزأ أحدًا من ماله شيئًا.
ولما أقحط الناس سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واستعدوا للاستسقاء، أتيته وقلت: يا سيدي! الناس في مشقة، فقال: لو سكتوا كُفُوا. فأعدت عليه القول، وقلت: لو دعوت لهم. فقال لي: اسمع! - وفقنا الله وإياك -: يحكى أن الناس أقحطوا في سنة من السنوات؛ فأمسكت السماء، وجفَّ الماء، فهموا بالاستسقاء، واستعدوا له، فلما أرادوا الخروج إلى الصحراء، أتوا رجلًا صالحًا كان في جانب عنهم، توسموا خيره، فسألوه في الخروج معهم، فخرج معهم، حتى مر ببستان في طريقه، فطرق الباب، فخرج إليه القيم به، فقال له: ما تريد؟ فقال له: اسق بستانك. فقال له: هذا ما يلزمني، أنا أسقي بستاني متى شئت. فالتفت ذلك الصالح إلى الناس، وقال: ألا تسمعون ما يقول؟. قالوا: قد سمعنا. فقال: إذا كان هذا كره أن أعترض عليه، أتعترضون أنتم على الله؟. ثم تركهم ورجع. ولم يخرج الشيخ حماد مع الناس إلى الاستسقاء.
قلت: وكنا نسمعه كثيرًا ما يقول: «كان فقير، قال فقير، جرى لفقير» ويذكر أمورًا عظيمة، وكرامات ظاهرةً، أنه إنما يحكيها عن نفسه، وإنما يريد الكتمان. ومما حدثنا به - وأظنه إنما حكاه عن نفسه - قال: كان بحلب فقير صادق الطلب، نودي في
стр. 2581
سره: حاجتك في مصر!. فخرج يريد مصر، وجعل عليه أن لا يسأل أحدًا شيئًا، وكان شديد الفاقة، وكان لا يأكل إلا من مباحات الأرض، فلما عدا غزة بفراسخ، دخل الرمل، فقال: أيتها النفس، ليس هنا ما تقتاتين به فصبرًا على الجوع، أو فالرجوع، ثم قوى عزيمته، ودخل الرمل حتى أتى «قطيا» ولم يطعم طعامًا تلك الأيام، فلما دخل «قطيا» رأى ما في أسواقها، فغض بصره حتى خرج منها، وأتى حائطًا في منقطع الحدائق بها، فقال في ظله، فلم ينتبه إلا في رجل أتاه بزنبيل فيه من كل ما في السوق من حار وحلو وحامض، ثم قال له: يا عبد الله! كُل، فأمسَكَ. فقال له: كُلْ، فأنت ما سألت، وإنما سُئلت فأكل ثم رفع يده، فقال له: كُل، يا عبد الله!، للأيام التي لم تأكل فيها من غزة إلى هنا وللأيام التي تريد أن لا تأكل فيها من هنا إلى غزة، وارجع من حيث أتيت، فقد انقضى شغلك الذي جئت في طلبه بمصر. قال: فأكل الفقير أكلًا ما كان يعهده من نفسه، ولا يظنه، حتى أتى [على] ما في الزنبيل عن آخره، ثم ناوله ذلك الرجلُ ماءً مبرَّدًا، فشرب منه، ثم قال له: قم، فارجع، فقام فرجع، وقد انقضى شغله، ووصل ما كان أراد.
ولما توفي الشيخ حماد في [ … ]، حضرت جنازته، فلم أر يوم دخول السلطان إلى مدينة، ولا يوم خروج، حاج، ولا يوم عيد، كان أحفل من جنازته، وكان الناس منتشرين من مرج الدحداح بموضع موته، إلى مقابر باب الصغير، موضع دفنه، ما لأحد موضع أكثر من مكان قدمه، وشهدها عامة أهل دمشق.
ومنهم:
[٧٩] محمد بن نبهان (١)
من بيت ما منهم إلا ولي تتشبث ذيله المطر، ويتشبه به النسيم إذا خطر، بناة عليا، وأساة قلوب أموات وأحيا، وما زالوا غيوم سما، ونجوم ظلما، وفي كل وقت منهم رجل شقيق شفيق، وسر السرى في علم التحقيق، سكنوا بيت جبرين من البلاد الحلبية، فهب نسيمهم شمالا، ووهب كرمهم، آمالا، وكانت تأتيني أخباره كما يقذف الروض بنشره وكان السبب في المعرفة به الشيخ التقي عبد الله بن الخطيب،
стр. 2582
فكتبت إليه كتابًا مضمونه: [من الخفيف]
قيل جبرين منزل لابنِ نَبها … ن مَحُوطٌ بمحكم التنزيل
قدْ تَبدًا محمدٌ في رباها … عَلَمًا للسارين وابن السبيل
بوقار كأنه الليلُ خَوفًا … وجبين نير كالقنديل
ليس يخشى الضَّلالَ مَنْ أَمَّ مِنهُ … حَضْرةً أشرقت على جبريل
سلام الله وتحياته وبركاته على تلك الحضرة الطاهرة، جمعنا الله وإياها على التقوى في الدنيا والآخرة.
حضرة سيدي الشيخ السيد القدوة المسلك، جامع الطرائق، منتخب الحقائق، أبي عبد الله محمد بن سيدي الشيخ نبهان، نبه الله القلوب به، ونور البصائر بأغلاقها.
نسبته العبد الفقير المعترف بالتقصير أحمد بن فضل الله. لما زاد شوقه إلى هذه الحضرة المقدسة، لما سمع من أخبارها، واقتبس قلبه الكليم من أنوارها، وكان الشيخ تقي الدين بن الخطيب ممن اتفق معرفته من الإخوان، وكان من نبهاء الطائفة المنسوبة إلى نبهان، وأخذ بزمام القلوب إلى الانتظام في هذا العديد، وجد بها إلى هذه النسبة الشريفة، وإن كان لا يصلح لها نبوة كل مزيد. كتب العبد الفقير الراغب في القبول له، والإقبال عليه، هذه الأحرف حال وداعه متعرفًا إلى هذا الجناب، ومتعلقًا منه بأدنى الأسباب، فإن فتح له، وإلا فكسير لا ينثني وهو وراء الباب.
ثم كانت بيننا المكاتبات لا تنقطع، وكنت أتمنى لقاءه، ولم أستطع، وكان على قدم آبائه في إطعام كل زائر، وبر كل آمل، وإعانة كل مظلوم، وإغاثة كل ملهوف، ولم يزل أمراء حلب تجل أقدارهم، وتستأمر مستشارهم. ولما قدمت حلب سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، رأيت هذا الشيخ، وقد جاء إلى الطنبغا ملك الأمراء، مسلمًا عليه، فرأيت رجلًا يملأ العين والصدر سيماؤه على جلالة القدر. ولما اجتمع بالطنبغا، أكرمه إكرامًا يليق بمثله، وعامله معاملة عارف بفضله، إلا أن الشيخ أنكر عليه ما فعله بطشتمر، وخوفه عاقبة البغي، ويوشك أن يؤخذ قريبًا، فثقل عليه كلامه، وقام الشيخ وقد طال عليه مقامه، هذا، ولم تأت الأخبار بقصد الفخري دمشق، إلا أنه قد طاح إلى الخبر سرًا، ولم نظهر عليه أحدًا، إلا أنا والطنبغا. ثم لم نلبث أن جاءت الأخبار، فلما كان يوم الجمعة الآتية في أسبوع قدومنا، صلينا الجمعة في جامع الطنبغا، قريبًا من سوق الخيل بحلب، فقيل لي: إن الشيخ في بيت له، فدخلت، وجلست إليه، وأخذنا في الحديث، فقال لي: يا أخي! هذا الرجل قد آن أن يُطل دمه، وأرى النصح لا يلج أذنه، فعرفته خبر الفخري، وما كان منه، فقال: هذا الرجل ينهزم
стр. 2583
من قدامه كما انهزم طشتمر من قدام هذا، ثم يقتل هذا، وكان الأمر كما ذكر.
ثم إن الشيخ لم يجتمع بالطنبغا، بعد تلك المرة، وحرض به أن يعود إليه، فما عاد، وهم بأن يتوجه لزيارته، فعاقت دون ذلك العوائق. قلت: وأهل هذا البيت لهم زرع ومتجر، ومنه ينفقون نفقات موسعة، وكانت قد تأكدت بيني وبينه الصحبة في الله تعالى، منذ تلاقينا بحلب. ومما كتبت به إلى رجلين سافرا إلى حلب: [من مخلع البسيط]
بالله إن جئتُما بلادًا لها … ابنُ نَبهان كالحُلي
تأملا منه أيَّ بِرٌ … وفيهِ بَحْرُ لكلِّ رِي
وعارضا النَّوءَ في رباه … وقبلا عارض الولي
ثم لم تلبث الأخبار أن أتت بوفاته، وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
ومما كتبت فيه أعزي بيته من قصيدة وافق فيها تضمين بيت أبي تمام الرابع: [من الطويل]
لأنتُم بني نبهان بعد أبيكم … أَحَقُّ بأَنْ تَبقوا فَلا خَانَكُمْ دَهْرُ
فَحُورُوا تُرابَ المَجِدِ مِنْ بعض إرثهِ … وطُولَ بقاء بعضُ مِيرائِهِ الأَجْرُ
فعُدنا وضاح الجبين وإنما بقيتم … لنا هذي وجوهُكُمُ الزُّهْرُ
(كأَنَّ بني نبهان يومَ وفاتِهِ … نُجومُ سَماءٍ خَرَّ مِنْ بينها البَدْرُ)
ومنهم:
[٨٠] عَبْدُ اللَّهِ اليَافِعِيُّ (١)
الشيخ الصالح، نزيل مكة المعظمة، والمتطوّف بتلك المشاعر المحرمة، استقام سننا، وأقام بالبطحاء لا يبغي بغيرها سكنا، أخذ بطرف من العلم والعمل، وأقام بمكة
стр. 2584
المعظمة يصوم النهار، ويفطر على ماء زمزم، ويقنع باليسير من الزاد، ولا يأكل إلا مما يتيقن حله، واستطاب أكله. وأقام مرة بالمدينة المشرفة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ـ، ومرة بالمسجد الأقصى ببيت المقدس، ثم عاد إلى مكة، وهو الآن بها.
وقد ألان بمواعظه حتى قلب أخشبها، وقد رأيته بالقبة الدنيا من قبة الشرابي بمكة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وحضرت مجلسه، وسمعته يتكلم بمثله في المجامع، وسلمت عليه، ولم يطل لي معه مجلس لحوافز الضرورة.
ومنهم:
[٨١] أَبو بكر، مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ أَبِي بَكر بنِ قَوَام (١)
الشيخ نجم الدين نجم هدى، ونجل أئمة بهم يُقتدى، وبارقة سحب تجلي الحندس وتجلو الصدا. شيد أركان بيته، وأحيا ذكر ميته، وتمذهب للإمام الشافعي فامتد مذهبه في رحابه، وكان مذهبه علمًا لأصحابه، وود «الزعفراني» لو خلق بردع زمانه أطراف النهار، والبيضاوي لو بيض صحائفه بأشعة الأنوار. وجهد «المحاملي» فلم يستطع أن يكون سائق ركبه والاسفراييني فما قدر بعد طول السفر على كسبه. هذا إلى توسع في بقية العلوم، وتطلع إلى سائر المعارف على العموم، وإلتحاقه وما خلع الشباب بمشايخ الطريقة، وقيامه فيها بأكثر من قدرة الهمم المطيقة، فأمسى في نكرات زمانه المفرد العلم، ومن يشابه أباه فما ظلم. وكان يجمعنا وإياه طلب العلم زمن الشباب، وأيام الصبا قبل أن يتقلص الجلباب. وكان عالمًا لم يضيع أيامه، وعارفًا قدم أمامه، لم يزل عمره في جد كله، وجهد في أن لا يأكل شيئًا إلا من حله، والدنيا عنه معرضة، وأصل الأيام له ممرضة، وهو عنها أي مزور، وكنفه منها مغبر ثم مغبر، فلما أسمع صيته من له أذنان، وأجنى ذكره مثل اجتناء الأفنان. ولي التدريس، وتصدر، ودونه كل رئيس. قال: لقد نعيت إلي نفسي لأننا قوم لا نعهد هذا
стр. 2585
من الدنيا، وحكم بدنو الأجل على نفسه، وانطلق ولم يمتد شوط المهل حتى وسد في رمسه. قرأ القرآن الكريم، وأتقن حفظه، وتفقه بشيخ الإسلام شيخنا برهان الدين ابن الفركاح، وأخذ النحو عن شخنا كمال الدين بن قاضي شهبة، وكان كثيرًا ما تجمعنا أوقات الاشتغال عنده، ثم لم ألقه إلا بعد أن قدمت دمشق من مصر سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فرأيت منه أنموذج السلف، وطريقة الألى، ورجل دنيا وأخرى.
كان عقله عقل الوزراء، وزيه زي الفقراء، ويتيه على الدنيا تيه الأمراء.
وكان في زاوية أبيه، غربي الصالحية في جبل قاسيون، لا يخلو من زائر، ولا يأتيه أحد إلا ويضيفه، ويطعمه مما حضر واتفق على قدر حسب الميسور. هذا مع ضرورة ماسة، وفقر.
وكان ميالًا إلى الفقهاء وأهل العلم، منحازًا إلى شعوبهم، لا يزال ينظر في كتاب فقه أو حديث، أو في نسخ شيء من ذلك؛ إما بيده، وإما بيد غيره، أو في مقابلة على شيء كتب.
وكان لا يهاب الأمراء، وأرباب الدول؛ بل إذا جاءه أحد منهم أمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، وأوصاه من مصالح الرعية ما تقتضيه مصلحة الوقت الحاضر، رضي من رضي، وسخط من سخط.
وتمرض مدة بعلة الاستسقاء، ولم يزل مستسلمًا للموت، مسرورًا بلقاء ربه، إلى أن لقي الله تعالى في أوائل شهر رجب الفرد، سنة ست وأربعين وسبعمائة. ودفن إلى جانب والده بالزاوية المعروفة بهم، وحضره خلق، وتأسفت الدنيا لفقده.
وهذا آخر ما ذكرت من هذه الطائفة بالمشرق، فأما من هو منهم بالجانب الغربي بما فيه الديار المصرية الواقعة معه، على قلة المشهورين من أهل المغرب، خلا مصر، فإنَّ المذكورين فيها أمم، إلا أن أكثرهم لم يعد ذكره دار أهله، وليس هذا من شرطنا، فإنا لا نذكر إلا المشهورين في الآفاق المذكورين على كل الألسنة.
* * *
стр. 2586
[مشاهير الفقراء والمتصوفين من أهل المغرب]
فأما من هو من أهل المغرب:
فمنهم:
[٨٢] أَبُو عَبْدِ الله، مُحَمَّدُ بنُ إسماعيلَ المَغْرِبِيُّ (١)
أغاظ الدنيا وأكظمها، ولم ترقه وهي تجلى عليه في أبرادها، وتستبق إليه بدهمها وورادها، فلم يُعِرْها طَرْفَه، ولم يرعها لحظة عين ولا طرفة، بل بت منها طينة الحال وفت منها في مهاب الرياح طينة الخال، ولم يصحبها إلا بنية مفارق، وطوية طارق، فلم يرد بكاسها، ولم يرغب في مكاسها. فخلاها وسار منطلقا، وولاها ظهره وأشار إليها مطلقا.
كان أستاذ إبراهيم الخواص، وإبراهيم بن شيبان. وصحب علي بن رزين، وعاش مائة وعشرين سنة، ومات على جبل طور سيناء، سنة تسع وسبعين ومائتين. وقيل: سنة تسع وتسعين، وقبره فيه مع أستاذه علي بن رزين. وكان عجيب الشان، لم يأكل مما وصلت إليه يد بني آدم عدةً من السنين، بل كان يتناول أصول الحشيش أشياء تعود أكلها.
و [من كلامه] قال: «الفقير: المجرَّد من الدنيا وإن لم يعمل شيئًا من أعمال الفضائل، ذرة منه أفضل من هؤلاء المتعبدين المجتهدين، ومعهم الدنيا».
وقال: «أهل الخصوص مع الله تعالى على ثلاث منازل: - قوم: يضن بهم عن البلاء، لئلا يستغرق الجزع صبرهم، فيكرهون حكمه، أو يكون في صدورهم حرج من
стр. 2587
قضائه. - وقوم: يضن بهم عن مساكنة أهل المعاصي، لئلا، تغتم قلوبهم، فمن أجل ذلك سلمت صدورهم للعالم. - وقومٌ: صبَّ عليهم البلاء [صبًّا]، وصبرهم وارتضاهم، فما ازدادوا بذلك إلا حبًا له، ورضا لحكمه. - وله عباد [منحهم نِعَمًا تجدَّد عليهم، و] أسبغ عليهم باطن العلم وظاهره، وأخمل ذكرهم.
وقال: «من ادعى العبودية وله مراد باقٍ فيه، فهو كاذب في دعواه، إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته، وقام بمراد سيده، فيكون اسمه ما سمي به، ونعته ما حلي به، إذا سمي باسم أجاب عن العبودية؛ فلا اسم له، ولا رسم، لا يجيب إلا لمن يدعوه بعبودية سيده». ثم بكى أبو عبد الله وأنشأ يقول: [من السريع]
لا تدعني إلا بياعَبدَها … فإِنَّهُ أَصدقُ أَسمائي
وقال: «أفضل الأعمال عمارة الأوقات بالموافقات».
وقال: «الفقراء الراضون هم أمناء الله في أرضه، وحجته على عباده، بهم يدفع البلاء عن الخلق».
و [قال]: «الفقير الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقره، ليغنيه بالاستغناء به، كما عززه بالافتقار إليه».
و [قال] وأعظم الناس ذلًا فقير داهن غنيًا وتواضع له، وأعظم الخلق عزًا: غني تذلل لفقير، وحفظ حرمته». وأنشد لنفسه: [من البسيط]
يا مَنْ يَعُدُّ الوصال ذنبًا … كيف اعتذاري مِنَ الذُّنوبِ
إن كان ذنبي إليكَ حُبِّي … فإنَّني عنه لا أتوب
وقال: «العارف يضيء له أنوار العلم فيبصر بها عجائب الغيب». وقال: «مررت بمفازة المغرب عشرين يومًا، ما رأيت فيها آدميًا، ولم أكل شيئًا من الدنيا إلا شربة ماء، فبينما أنا أسير إذ لاح لي شيخ قائم يصلي، فقربت منه وقلت: السلام عليك ورحمة الله. فرد علي السلام. فقلت له: من أنت؟ فقال: خليل الله إبراهيم ﵇ حين رموه في النار. فقلت له: بماذا نلت هذه المنزلة؟. قال لي: يا عبد الله! توكل، فما في المملكة شيء أعز من التوكل. فقلت له: وما التوكل؟. فقال: النظر إليه بلا عين تطرف، ولسان ذاكر بلا حركة، ونفس جوالة بلا روح. ثم سلم علي فإذا هو في الهواء!!».
وقال: خرجت فبينا أنا في برية تبوك، إذا أنا بامرأة بغير يدين، ولا رجلين، ولا عينين، فدنوت منها، ثم قلت: يا أمة الله! من أين أقبلت؟. قالت: من عنده. قلت:
فأين تريدين؟ قالت: إليه. فقلت: يا سبحان الله! بادية تبوك، وليس فيها مغيث!،
стр. 2588
وأنت على هذه الحالة؟!. قالت: يا سبحان الله! غمض عينيك، فغمضتهما، ثم فتحتهما، فإذا أنا بها متعلقة بأستار الكعبة، ثم قالت: يا عبد الله! أتعجب من ضعيف حمله قوي؟ ثم طارت بين السماء والأرض!!.
ومنهم:
[٨٣] أَبُو الخَيرِ الأَقْطَعُ المَعروف بالتِّينَاتِي (١)
لم يبق للدنيا رذاذا، ولا لبس ثوبها المعار إلا جذاذا، صحب أيامها حتى غرض، وحمل آلامها حتى مرض، وتعرضت له فلم يرضها، ولا أحب سماءها ولا أرضها، بل شمر لدار لا ينقص نعيمها، ولا يهب زعزعًا نسيمها، ليلحق بقوم جد ليصل إليهم، مع الذين أنعم الله عليهم، فلم يشبع من المطاعم السغب، ولا ورد من الماء العب، ليتفيأ تلك الظلال الوارفة الأفياء، الواكفة الأتقياء.
أصله من المغرب، وسكن التينات، وله آيات وكرامات.
صحب أبا عبد الله بن الجلاء، وغيره من المشايخ. وكان أوحد في طريقة التوكل.
وكانت السباع والهوام تأنس به، وله فراسة حادة. وتوفي سنة نيف وأربعين وثلاثمائة.
قال ﵁: «دخلت مدينة النبي ﷺ ! وأنا بفاقة. فأقمت خمسة أيام ما ذقتُ ذواقًا، فتقدمت إلى القبر، وسلمت على النبي ﷺ ، وعلى أبي بكر، وعمر، ﵄. وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله!. وتنحيتُ ونمتُ خلف المنبر. فرأيت في المنام النبي ﷺ ، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي بن أبي طالب بين
стр. 2589
يديه، ﵃، فحركني علي، وقال لي: قُمْ، قد جاء رسول الله ﷺ . قال:
فقمت إليه، وقبلت بين عينيه، فدفع إليَّ رغيفًا، فأكلت نصفه، وانتبهتُ، فإذا في يدي نصف رغيف».
وقال أبو بكر الرازي: أنشدني أبو الخير الأقطع: [من الخفيف]
أنْحَلَ الحُبُّ قلبه والحنينُ … ومَحاهُ الهَوى، فما يستبين
ما تراه الظنون إلا ظُنونًا … وهوَ أَخفى مِنْ أَنْ تَرَاهُ العُيُونُ
وقال: «لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية الله تعالى؛ ولن يصفو بدنك إلا بخدمة أولياء الله تعالى».
وقال: «ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، ومحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين».
وقال: «الذاكر الله تعالى لا يقوم له - في ذكره - عوض؛ فإذا قام له العِوَضُ، خرج من ذكره».
وقال: «الدعوى رعونة، لا يحتمل القلب إمساكها، فيلقيها إلى اللسان، فتنطق بها ألسنة الحمقى، ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقبائحه».
وقال: «من أحب أن يطلع الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب أن يطلع الناس على حاله فهو مُدَّعِ كذاب».
وقال حمزة بن عبد الله العلوي: دخلت على أبي الخير، وكنت اعتقدت في نفسي أن أسلم عليه وأخرج، ولا آكل عنده طعامًا، فلما خرجت من عنده، مشيت قليلًا إذا به خلفي، وقد حمل طبقًا عليه طعام، فقال: يا فتى كُل هذا، فقد خرجت الساعة من عقدك!.
ومنهم:
[٨٤] أبو عُثمانَ، سَعِيدُ بنُ سلام المَغْرِبِيُّ (١)
كان للمتقدم إليه حرسا، وللمتكلم لديه خرسا، فكانت عنده لا تنطق الألسنة،
стр. 2590
ولا تطلق بسيئة ولا حسنة، لمهابة ألقيت عليه، وإنابة ألقيت إليه على بسطة للجليس، وغبطة للأنيس، وقرى، وبشاشة، وقرب كان حشو الحُشَاشة، وإطلاق يد في جود، وندى كرامة بأيسر موجود، إلا أنه كان يرجح الطود وقورا، وترى السحاب الجود محقورا. فكان كأن ضيغمًا في أمانيه أو أرقمًا يساور بين نائيه.
وكان من القيروان من قرية يقال لها: «كَرْكِنْت» أقام بالحرم مدة وصحب أبا علي ابن الكاتب وحبيبًا المغربي، وأبا عمرو الزجاجي. ولقي: النهرجوري، وأبا الحسن بن الصائغ الدينوري. وكان أوحد المشايخ في طريقته، وزهده، وتقدمه. وهو بقية المشايخ وتاريخهم، ولم يُرَ مثله على علو الحال، وصون الوقت، وصحة الحكم بالفراسة، وقوة الهيبة.
ورد «نيسابور»، ومات بها سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. وأوصى أن يصلي عليه الإمام أبو بكر بن فورك.
ومن كلامه: «الاعتكاف: حفظ الجوارح تحت الأوامر».
وقال: «التقوى: هي الوقوف مع الحدود، لا يقصر فيها، ولا يتعداها، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (١). وقال: «من آثر على التقوى شيئًا حُرم لذة التقوى».
وقال: من تحقق في العبودية، طهر سره بمشاهدة الغيوب، وأجابته القدرة إلى كل ما يريد». وقال: «من آثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله بموت القلب».
وقال: «العاصي خير من المدعي؛ لأن العاصي - أبدًا - يطلب طريق توبته، والمدعي يتخبط في حبال دعواه».
وقال: «من مد يده إلى طعام الأغنياء - بِشَرَهِ وشهوة - لا يفلح أبدًا، وليس يعذر فيه إلا المضطر».
وقال: «لا تصحب إلا أمينًا، أو معينًا؛ فإن الأمين يحملك على الصدق،
стр. 2591
والمعين يعينك على الطاعة».
وقال: «قلوب أهل الحق قلوب حاضرة، وأسماعهم أسماع مفتوحة».
وقال: «الحكمة هي النطق بالحق».
وقال: «من اشتغل بأحوال الناس ضيع حاله».
وقال ﵁: «الغني الشاكر يكون كأبي بكر الصديق ﵁، فقدم ماله، وآثر الله عليه، فأورثه الله غنى الدارين، وملكهما. والفقير الصابر مثل أويس القرني، ونظرائه، صبروا فيه، حتى ظهرت لهم براهينه».
وقال: «التقوى تتولد من الخوف».
وقال: «من ادعى السماع، ولم يسمع لصوت الطيور، وصرير الباب، وتصفيق الرياح؛ فهو مغتر مدع».
وقال: «رأيت في المنام كأن قائلًا يقول لي: يا أبا عثمان! اتق الله في الفقر ولو بقدر سمسمة».
ومنهم:
[٨٥] أَبو العباس، أحمدُ بنُ محمدِ بنِ مُوسَى بْنِ عَطَاءِ الله الصنهاجي، الأندلسي، المعروف بابن العريف (١)
متق خاف الدنيا وفتكها، وخلَّص منها نفسه وفكها، فلم يعلق بالدنايا، ولم يطلق رسنه من يد المنايا، وطالما دعته الآمال، ورعته الأعمال، فما اغتر بسرابها، ولا سر بشرابها، ولا رأى صدقها إلا خداعا، ولا سننها إلا ابتداعا، فنفض منها اليدين، فطالب أطماعه بالفراغ منها، مطالبة الغريم بالدين، ولم يزل على حالته ولم يبرح، حتى سار نعشه على الرقاب ليلحد أو يُضْرَح.
стр. 2592
وكان من كبار الصالحين، والأولياء المتورّعين، وله المناقب المشهورة، وله كتاب: «المجالس» وغيره من الكتب المتعلقة بطريق القوم. وله نظم حسن في طريقتهم أيضًا، ومن شعره: [من البسيط]
شدوا المطي وقد نالوا المُنَى بِمنّى … وكلُّهم بأليم الشوق قد باحا
سارت ركائبهمْ تَنْدَى رَوَائِحُهُمْ … طِيبًا بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبي المصطفى لَهمُ … رَوحٌ إِذا شَربُوا مِنْ ذِكرِهِ رَاحا
يا واصلين إلى المختارِ مِنْ مُضَرٍ … زُرتمْ جُسومًا وزرنا نحن أرواحا
إنَّا أَقمنا على عُذر وعن قَدَرٍ … ومَنْ أقام على عُذرٍ كَمَنْ رَاحا
وبينه وبين القاضي عياض بن موسى اليحصبي مكاتبات حسنة، وكانت عنده مشاركة في أشياء من العلوم، وعناية بالقراءات، وجمع الروايات، واهتمام بطرقها وحملها. وكان العُبَّاد وأهل الزهد يألفونه ويحمدون صحبته.
وحكى بعض المشايخ الفضلاء أنه رأى بخطه فصلًا في حق أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الظاهري الأندلسي، وقال فيه: «كان لسان ابن حزم المذكور، وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين». وإنما قال ذلك لأن ابن حزم كان كثير الوقوع في الأئمة المتقدمين والمتأخرين، لم يكد يسلم منه أحد.
وكان قد سعي به إلى صاحب مراكش يوسف بن تاشفين، فأحضره إليها فمات، واحتفل الناس بجنازته، وظهرت له كرامات؛ فندم على استدعائه.
وكانت وفاته ليلة الجمعة، الثالث والعشرين من صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة ودفن يوم الجمعة، رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٨٦] شُعِيبُ [بنُ الحُسَينِ]، أَبُو مَدْيَن (١)
أضاء كالبدر سافرا، ورد من القلوب نافرا، ولم يزل لزلة الأيام غافرا، وبأزمة
стр. 2593
المرام ظافرا، وسار ذكره فأسمع الدهر وفي آذانه صمم، وداوى الزمان وفي عقله لمم، وكان أول ما بُشِّر أبوه وهو غلام، وفسر عن لؤلؤته صدف الظلام، حتى بلغ الاحتلام، ويده بالخير وارتحل، وصابر الأيام فتسترت الليالي وتبرقعت بالخجل، فرويت آثار أياديه، ونقلت أخبار سؤدده بألسنة أصدقائه وأعاديه. وكان يقوم والليل لم يطمئن له جنوب، ويروض نفسه والروض لم يشق فيه للشقيق جيوب، بعلم يفلج به الحجاج محتكم، ويخرج في حربه والعجاج مرتكم. وكان له في مجاهدة النفس حروب، ونوّب حتى حان منه للشمس غروب.
وحكي أنه لما قدمت إليه المائدة يومًا فقال: أخروها، وكان هناك فقير جائع، فقال في نفسه: لو كان هذا فقيرًا ما أخر المائدة. فلما حضرت تقدم فأكل منها أكلًا يسيرًا، فأكل ذلك الفقير، وسائر الجماعة، فلما رفعوا أيديهم قال الشيخ لخادمه: شِل من هذا الخبز والطعام الفقير يأتينا في هذه الساعة، وهو جائع، قد أخرنا المائدة لانتظاره، فظنَّ ظان فينا ظنًا. فشال الخادم منها شيئًا، فقال الشيخ: زد!، فهذا ما يكفي فزاد، فقال له: زد! فهذا ما يكفي فقال له: ياسيدي أنت قلت: رجل واحد، وهذا فوق كفاية الواحد، فقال: صدقت هو رجل واحد، ولكن له ثلاثة أيام لم يأكل شيئًا. ثم لم يستتم الكلام حتى أتى الفقير، فسلم على الشيخ، والجوع يتبين في وجهه، وقدم إليه الخادم ما خبأه له؛ فأكله حتى أتى عليه عن آخره، ثم قال: والله لي ثلاثة أيام ولا وجدت ما آكل، ثم قام ذلك الفقير، ودخل الفقير الذي قال ما قال أولًا، فقال: يا سيدي! أنا أستغفر الله مما وقع مني، فقال له: يغفر الله لك، أتصحبني كذا وكذا شهرًا وتقول: لو كان هذا فقيرًا لما أخر يده عنا لأجل شبعه، ونحن جياع؟. فقال: والله يا سيدي! كان ذلك. وأنا أستغفر الله منه. فضحك الشيخ، وأقبل عليه.
وحكى ابن عربي قال: رأى بعض مريدي الشيخ أبي مدين؛ كأن الحق في زير دقيق!، فذكر ذلك لأبي مدين، فقال: هل عندك دقيق؟. قال له: نعم. قال له: هل هو في زير؟. قال: نعم. قال: ذلك إلهك الذي تعتمد عليه، فتصدق به لتخلص مما أنت فيه.
وحكى الوداعي قال: حدثني شخص مغربي: - وكان رجلًا صالحًا -:
стр. 2594
إن القحط شمل المغرب سنة، وأحبس المطر، فأتى الناس أبا مدين ليستسقي لهم، فخرج وهو يقول: [من البسيط]
يا مَنْ يَغِيثُ الوَرى مِنْ بعدِ ما قنطوا … ارحَمْ عَبيدًا أَكُفَّ الفَقرِ قَدْ بَسَطُوا
واستنزلوا جودك المعهود فاسقهمُ … رِيًا يُريهم رِضًا ما شَانَهُ سَخَط
وعامل الكل بالفضل الذي ألفوا … يا عادلًا لا يُرى في حُكمِهِ شَطَط
إِنَّ البهائم أَضحَى المَحْلُ مَرْبَعَها … والطيرُ أصبح للحصباء يلتقط
والأرضُ مِنْ حُلَلِ الأزهار عاطلة … وكان للزهر في فتحاتها بسط
وأنتَ أكرمُ مَسؤول تُمدُّ لَهُ … أيدي العُصاةِ وإِنْ جَارُوا وإنْ قَنطوا
قال: ولم يزل يرددها حتى جاءت السماء، وتوالى الغيث، ودام يتعهد حتى كانت السنة المجدبة أخصب عام. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[٨٧] أبو العباس، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن الحطيئة اللَّحْمِيُّ الفَاسِيُّ (١)
لم يستعذب لريق الدنيا مساغا، ولا استلذ رحيق رضابها منساغا، وأقبل بقلب منيب، وعزم غير منقلب ولا مريب، مصغيًا إلى أوامره ونواهيه بأذن واعية، وقدم قائمة في الطاعة أو ساعيه خائفًا من نار يلفح سعيرها، ويجمح عسيرها؛ وقودها الناس والحجارة، ووفودها لا يزور فيها جار جاره، معملًا إلى الجنة الركائب، مرملًا بنفسه المطمئنة إلى الحبائب. فهنيء بعمله، وهيأ لأمله. وكان من مشاهير الصلحاء وأعيانهم، وكان مع صلاحه فيه فضيلة ومعرفة بالأدب، وكان رأسًا في القراءات السبع، ونسخ بخطه كثيرًا من كتب الأدب وغيرها، وكان جيد الخط، حسن الضبط. والكتب التي توجد بخطه مرغوب فيه للتبرك بها، ولإتقانها.
стр. 2595
ولد بفاس يوم الجمعة، السابع عشر من جمادى الآخرة، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وانتقل إلى الديار المصرية، ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه، وكان قد حجّ ودخل الشام، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة. وكان لا يقبل لأحد شيئًا، ولا يرتزق على الإقراء، واتفق بمصر مجاعة شديدة، فمشى إليه أجلاء المصريين، وسألوه قبول شيء فامتنع، فأجمعوا رأيهم أن يخطب أحدهم البنت التي له، وكان يعرف بالفضل بن يحيى الطويل، وكان عدلًا بزازًا في القاهرة، فتزوجها، وسأل أن تكون أمها عندها، فأذن في ذلك، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه، وبقي منفردًا ينسخ ويأكل من نسخه. [وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئًا.
قيل: جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه، به، فقال: اجعله على ذلك الوتد، فأقام ثلاثين سنة موضعه]. وتوفي في أواخر المحرم سنة ستين وخمسمائة بمصر، ودفن في القرافة الصغرى، وقبره يزار بها.
قال ابن خلكان (١): «زرته ليلًا فوجدت عنده أنسًا كثيرًا»، رحمه الله تعالى.
وكان - رحمه الله تعالى - يقول: «أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب ﵁»، أشار إلى أن الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب.
وذكر في كتاب «الدول المنقطعة» (٢) في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر: إن الناس أقاموا بلا قاض ثلاثة أشهر في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة، فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة، فلم يمكن من ذلك، وتولى غيره.
ومنهم:
[٨٨] ابن بلج
وأصله من مدينة قرطبة، وكان علم عرفان، وعمل نجم له اسناد خفان، إلى تعبد عمر ما بين عرفات وعسفان، وتهجد بكرى النجوم ولا يغمض له أجفان. ذكره ابن عربي وقال: كان يطوف ويهدي لغيره، فخطر له يومًا أن يطوف لنفسه أسبوعًا