← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

والمعين يعينك على الطاعة». وقال: «قلوب أهل الحق قلوب حاضرة، وأسماعهم أسماع مفتوحة». وقال: «الحكمة هي النطق بالحق». وقال: «من اشتغل بأحوال الناس ضيع حاله». وقال ﵁: «الغني الشاكر يكون كأبي بكر الصديق ﵁، فقدم ماله، وآثر الله عليه، فأورثه الله غنى الدارين، وملكهما. والفقير الصابر مثل أويس القرني، ونظرائه، صبروا فيه، حتى ظهرت لهم براهينه». وقال: «التقوى تتولد من الخوف». وقال: «من ادعى السماع، ولم يسمع لصوت الطيور، وصرير الباب، وتصفيق الرياح؛ فهو مغتر مدع». وقال: «رأيت في المنام كأن قائلًا يقول لي: يا أبا عثمان! اتق الله في الفقر ولو بقدر سمسمة». ومنهم: [٨٥] أَبو العباس، أحمدُ بنُ محمدِ بنِ مُوسَى بْنِ عَطَاءِ الله الصنهاجي، الأندلسي، المعروف بابن العريف (١) متق خاف الدنيا وفتكها، وخلَّص منها نفسه وفكها، فلم يعلق بالدنايا، ولم يطلق رسنه من يد المنايا، وطالما دعته الآمال، ورعته الأعمال، فما اغتر بسرابها، ولا سر بشرابها، ولا رأى صدقها إلا خداعا، ولا سننها إلا ابتداعا، فنفض منها اليدين، فطالب أطماعه بالفراغ منها، مطالبة الغريم بالدين، ولم يزل على حالته ولم يبرح، حتى سار نعشه على الرقاب ليلحد أو يُضْرَح.

стр. 2592

وكان من كبار الصالحين، والأولياء المتورّعين، وله المناقب المشهورة، وله كتاب: «المجالس» وغيره من الكتب المتعلقة بطريق القوم. وله نظم حسن في طريقتهم أيضًا، ومن شعره: [من البسيط] شدوا المطي وقد نالوا المُنَى بِمنّى … وكلُّهم بأليم الشوق قد باحا سارت ركائبهمْ تَنْدَى رَوَائِحُهُمْ … طِيبًا بما طاب ذاك الوفد أشباحا نسيم قبر النبي المصطفى لَهمُ … رَوحٌ إِذا شَربُوا مِنْ ذِكرِهِ رَاحا يا واصلين إلى المختارِ مِنْ مُضَرٍ … زُرتمْ جُسومًا وزرنا نحن أرواحا إنَّا أَقمنا على عُذر وعن قَدَرٍ … ومَنْ أقام على عُذرٍ كَمَنْ رَاحا وبينه وبين القاضي عياض بن موسى اليحصبي مكاتبات حسنة، وكانت عنده مشاركة في أشياء من العلوم، وعناية بالقراءات، وجمع الروايات، واهتمام بطرقها وحملها. وكان العُبَّاد وأهل الزهد يألفونه ويحمدون صحبته. وحكى بعض المشايخ الفضلاء أنه رأى بخطه فصلًا في حق أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الظاهري الأندلسي، وقال فيه: «كان لسان ابن حزم المذكور، وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين». وإنما قال ذلك لأن ابن حزم كان كثير الوقوع في الأئمة المتقدمين والمتأخرين، لم يكد يسلم منه أحد. وكان قد سعي به إلى صاحب مراكش يوسف بن تاشفين، فأحضره إليها فمات، واحتفل الناس بجنازته، وظهرت له كرامات؛ فندم على استدعائه. وكانت وفاته ليلة الجمعة، الثالث والعشرين من صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة ودفن يوم الجمعة، رحمه الله تعالى. ومنهم: [٨٦] شُعِيبُ [بنُ الحُسَينِ]، أَبُو مَدْيَن (١) أضاء كالبدر سافرا، ورد من القلوب نافرا، ولم يزل لزلة الأيام غافرا، وبأزمة

стр. 2593

المرام ظافرا، وسار ذكره فأسمع الدهر وفي آذانه صمم، وداوى الزمان وفي عقله لمم، وكان أول ما بُشِّر أبوه وهو غلام، وفسر عن لؤلؤته صدف الظلام، حتى بلغ الاحتلام، ويده بالخير وارتحل، وصابر الأيام فتسترت الليالي وتبرقعت بالخجل، فرويت آثار أياديه، ونقلت أخبار سؤدده بألسنة أصدقائه وأعاديه. وكان يقوم والليل لم يطمئن له جنوب، ويروض نفسه والروض لم يشق فيه للشقيق جيوب، بعلم يفلج به الحجاج محتكم، ويخرج في حربه والعجاج مرتكم. وكان له في مجاهدة النفس حروب، ونوّب حتى حان منه للشمس غروب. وحكي أنه لما قدمت إليه المائدة يومًا فقال: أخروها، وكان هناك فقير جائع، فقال في نفسه: لو كان هذا فقيرًا ما أخر المائدة. فلما حضرت تقدم فأكل منها أكلًا يسيرًا، فأكل ذلك الفقير، وسائر الجماعة، فلما رفعوا أيديهم قال الشيخ لخادمه: شِل من هذا الخبز والطعام الفقير يأتينا في هذه الساعة، وهو جائع، قد أخرنا المائدة لانتظاره، فظنَّ ظان فينا ظنًا. فشال الخادم منها شيئًا، فقال الشيخ: زد!، فهذا ما يكفي فزاد، فقال له: زد! فهذا ما يكفي فقال له: ياسيدي أنت قلت: رجل واحد، وهذا فوق كفاية الواحد، فقال: صدقت هو رجل واحد، ولكن له ثلاثة أيام لم يأكل شيئًا. ثم لم يستتم الكلام حتى أتى الفقير، فسلم على الشيخ، والجوع يتبين في وجهه، وقدم إليه الخادم ما خبأه له؛ فأكله حتى أتى عليه عن آخره، ثم قال: والله لي ثلاثة أيام ولا وجدت ما آكل، ثم قام ذلك الفقير، ودخل الفقير الذي قال ما قال أولًا، فقال: يا سيدي! أنا أستغفر الله مما وقع مني، فقال له: يغفر الله لك، أتصحبني كذا وكذا شهرًا وتقول: لو كان هذا فقيرًا لما أخر يده عنا لأجل شبعه، ونحن جياع؟. فقال: والله يا سيدي! كان ذلك. وأنا أستغفر الله منه. فضحك الشيخ، وأقبل عليه. وحكى ابن عربي قال: رأى بعض مريدي الشيخ أبي مدين؛ كأن الحق في زير دقيق!، فذكر ذلك لأبي مدين، فقال: هل عندك دقيق؟. قال له: نعم. قال له: هل هو في زير؟. قال: نعم. قال: ذلك إلهك الذي تعتمد عليه، فتصدق به لتخلص مما أنت فيه. وحكى الوداعي قال: حدثني شخص مغربي: - وكان رجلًا صالحًا -:

стр. 2594

إن القحط شمل المغرب سنة، وأحبس المطر، فأتى الناس أبا مدين ليستسقي لهم، فخرج وهو يقول: [من البسيط] يا مَنْ يَغِيثُ الوَرى مِنْ بعدِ ما قنطوا … ارحَمْ عَبيدًا أَكُفَّ الفَقرِ قَدْ بَسَطُوا واستنزلوا جودك المعهود فاسقهمُ … رِيًا يُريهم رِضًا ما شَانَهُ سَخَط وعامل الكل بالفضل الذي ألفوا … يا عادلًا لا يُرى في حُكمِهِ شَطَط إِنَّ البهائم أَضحَى المَحْلُ مَرْبَعَها … والطيرُ أصبح للحصباء يلتقط والأرضُ مِنْ حُلَلِ الأزهار عاطلة … وكان للزهر في فتحاتها بسط وأنتَ أكرمُ مَسؤول تُمدُّ لَهُ … أيدي العُصاةِ وإِنْ جَارُوا وإنْ قَنطوا قال: ولم يزل يرددها حتى جاءت السماء، وتوالى الغيث، ودام يتعهد حتى كانت السنة المجدبة أخصب عام. رحمه الله تعالى. ومنهم: [٨٧] أبو العباس، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن الحطيئة اللَّحْمِيُّ الفَاسِيُّ (١) لم يستعذب لريق الدنيا مساغا، ولا استلذ رحيق رضابها منساغا، وأقبل بقلب منيب، وعزم غير منقلب ولا مريب، مصغيًا إلى أوامره ونواهيه بأذن واعية، وقدم قائمة في الطاعة أو ساعيه خائفًا من نار يلفح سعيرها، ويجمح عسيرها؛ وقودها الناس والحجارة، ووفودها لا يزور فيها جار جاره، معملًا إلى الجنة الركائب، مرملًا بنفسه المطمئنة إلى الحبائب. فهنيء بعمله، وهيأ لأمله. وكان من مشاهير الصلحاء وأعيانهم، وكان مع صلاحه فيه فضيلة ومعرفة بالأدب، وكان رأسًا في القراءات السبع، ونسخ بخطه كثيرًا من كتب الأدب وغيرها، وكان جيد الخط، حسن الضبط. والكتب التي توجد بخطه مرغوب فيه للتبرك بها، ولإتقانها.

стр. 2595

ولد بفاس يوم الجمعة، السابع عشر من جمادى الآخرة، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وانتقل إلى الديار المصرية، ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه، وكان قد حجّ ودخل الشام، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة. وكان لا يقبل لأحد شيئًا، ولا يرتزق على الإقراء، واتفق بمصر مجاعة شديدة، فمشى إليه أجلاء المصريين، وسألوه قبول شيء فامتنع، فأجمعوا رأيهم أن يخطب أحدهم البنت التي له، وكان يعرف بالفضل بن يحيى الطويل، وكان عدلًا بزازًا في القاهرة، فتزوجها، وسأل أن تكون أمها عندها، فأذن في ذلك، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه، وبقي منفردًا ينسخ ويأكل من نسخه. [وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئًا. قيل: جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه، به، فقال: اجعله على ذلك الوتد، فأقام ثلاثين سنة موضعه]. وتوفي في أواخر المحرم سنة ستين وخمسمائة بمصر، ودفن في القرافة الصغرى، وقبره يزار بها. قال ابن خلكان (١): «زرته ليلًا فوجدت عنده أنسًا كثيرًا»، رحمه الله تعالى. وكان - رحمه الله تعالى - يقول: «أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب ﵁»، أشار إلى أن الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب. وذكر في كتاب «الدول المنقطعة» (٢) في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر: إن الناس أقاموا بلا قاض ثلاثة أشهر في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة، فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة، فلم يمكن من ذلك، وتولى غيره. ومنهم: [٨٨] ابن بلج وأصله من مدينة قرطبة، وكان علم عرفان، وعمل نجم له اسناد خفان، إلى تعبد عمر ما بين عرفات وعسفان، وتهجد بكرى النجوم ولا يغمض له أجفان. ذكره ابن عربي وقال: كان يطوف ويهدي لغيره، فخطر له يومًا أن يطوف لنفسه أسبوعًا

стр. 2596

واحدًا، قال: فلما عقدت نية الطواف، وقعت ورمت النهوض فلم أستطع، فقلت: «اللهم إني تائب إليك، وراجع إلى ما أقمتني فيه». قال: فعند ذلك أطلقني الله للقيام، فقمت بوقتي ورجعت إلى عادتي التي هداني الله لها. رحمه الله تعالى. ومنهم: [٨٩] أحمدُ بنُ عَطَاءِ الله، أَبُو العَبَّاس هب للمعارف رخاءً، ووهب الدنيا لأهلها سخاءً، وتألق نجمًا للمريد، ورجمًا للمريد، وكان عالمًا معلّمًا، وعارفًا يؤخذ عنه العرفان مسلما، إلى وقوف على الأسرار، ووقوف على قدم في الأسحار، وحضور قلب وشعور، ولب من الكلم كأنه شذور، وموارد حقيقية ورد مناهلها، وشعب طريقة توقى مجاهلها، فلم تزل به قدم، ولم يزل له في الإملاء قلم. قال ابن عربي: سمعته يقول: ما ينبغي للذاكر أن يشتغل بمعاني الذكر، بل بالذكر، ويجعله تعبدًا لا يعقل معناه، ويقول: هذه عبادة أمرت بها، وأنا ممتثل الأمر، فإذا اعتقد الذاكر ذلك، كان الذكر يعمل بخاصيته: وما تقتضيه حقيقته». وأنشد: [من البسيط] أهوى هواه وبعدي عنه يغيبه … فالبعد قد صار لي في حُبِّه أَرَبا فَمَنْ رأَى دَيْفًا صَبًَّا أَخَا شَجَنٍ … ينأى إذا حِبُّهُ مِنْ أَرَضهِ اقتربا وقال: الذكر حجاب عن المذكور، ولكونه بمنزلة الدليل، والدليل متى أعطاك المدلول سقط عنك لتحققك بالمدلول، فمتى كنت مع المذكور فلا ذكر، ومتى رددت الباب وجب الذكر عليك، والذكر للقلب بمنزلة الصقال للمرآة، ليتحقق بالحق صفاؤه وجلاؤه. وقال: «مثل الذاكر اللاهي كمثل من ينادي شخصًا فإذا أجابه اشتغل عن سماعه، وكذلك الذاكر يأتيه المذكور، فلا يجده حاضرًا، وإنما الأصل المراقبة للمذكور، فمتى أجابك كنت معه، وهذا هو الأصل، والله أعلم». وقال في معنى الحديث: «وما اتخذ الله وليًا جاهلًا»: «إن معناه أن الله إذا اختص له وليًا نور قلبه، فكان على بصيرة من ربه». وقال في معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ (١) قال: قيل لي في المنام: تدري ما الواحدة؟. إنما أعظك بنفسك - والباء هاهنا باء السبب -.

стр. 2597

وقال: «لما كان المدعي في الشرع عليه البينة بشاهدين، نظرنا في الحقيقة التي انبعث عنها هذا الحكم، فوجدناها في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ (١) فالملائكة وأولو العلم هما الشاهدان. ولما كان يحكم أخر الشاهد واليمين، وجدنا ذلك في شهادته تعالى وقسمه، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٢). ومنهم: [٩٠] سُلَيْمَانُ [بْنُ عَبْدِ البَاري الدُّرْعِيُّ]، «شيخُ القُرَشِيُّ»، أَبُو الربيع (٣) ربيع كل مجدب، وقريع كل متأدب سمع به مشرق ومغرب. وأسمع أنباء مثل عنقاء مغرب، سمع منه مرقص ومطرب، وأجمع عليه موجز ومطنب. ردّد مسائل الطريقة وأوردها، وردّ عين الحقيقة وأوردها. وكان رجلًا عظيمًا، وزاهدًا عليمًا. وذكره ابن عربي وقال، وقد ذكر الحديث الوارد من طريق غريب، عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال سبعين ألفًا «لا إله إلا الله» كانت له عتقًا من النار). وقال: كان الشيخ أبو الربيع شيخ القرشي كثيرًا ما يستعملها لنفسه، ولمن يموت من أصحابه، فقدر الله - تعالى - أن قالها مرة وأسرها في نفسه، لم يهدها لأحد، فبينا هو ذات يوم مع جماعة له على الطعام، وإذا بصغير من الجماعة كان صاحب مكاشفة، وهو دون البلوغ، قد رمى اللقمة من يده، وقال: كشف لي عن النار، فرأيت أمي فيها!!؛ فقال الشيخ في نفسه: اليوم أصحح كشف هذا الصغير بالحديث، وأصحح الحديث بالكشف. ثم قال في نفسه: اللهم إني قد أهديت ذلك لها، فأعتق اللهم رقبتها من النار». قال: فعندها قال الصغير «الله، الله!، رأيت أمي أخرجت من النار، لكن ما أدري ما السبب؟». قال: فعندها زاد ذلك تعظيمًا عند الشيخ وأصحابه، وصح الكشف بالحديث، والحديث بالكشف. قال ابن عربي: وقد أهديتها لجماعة، ورأيت علامة الرحمة عليهم بعد أن كنت أرى عليهم غير ذلك. ومنهم:

стр. 2598

[٩١ و ٩٢] الأخوان: مُحَمَّدُ الخَيَّاطُ، وَأَحْمَدُ الحَرِيري، المغربيان: أبو عبد الله، وأبو العباس يدان كلتاهما يمين، وفرقدان كلاهما لأخيه قرين. أشرقا إشراق القمرين، وبسقا بسوق الغصنين المثمرين. وذكرهما ابن عربي قال في حكاية ذكرها أنه قال له صديق فقال له: علي ابن الحصار متوفى، وأهمني أمره، فجاءني إلى داري ليلة الأخوان - وسماهما - فسألتهما الاعتناء بأمره تلك الليلة لعلي أراه، ففعلوا، فلما كان في جوف الليل، رأيت صاحبي ابن الحصار، وعليه ثوب خَلق، وعلى وجهه من الأنوار ما لا يستطيع البصر يتأمله. فقلت له - بعد السلام -: ألست فلانًا الذي مات؟. قال: نعم. قلت: ما لقيت من الله؟ قال: نفعني الله بما فعلته معي، وكان حالي هذا الذي ترى من هذا الثوب، ووصل إلى الليلة بهذين ما ترى أثره على وجهي، وقد أدخلني الله الجنة، وبشرني. فقلت: أخشى أن يكون الشيطان قد تمثل بك، فهل من علامة؟. قال: فأطرق مليًا، ثم رفع رأسه إلي، وقال: في غد وقت الظهر يرسل إليك صاحب الأمر في تملك ويؤخذ أصحابك، ثم تكون العاقبة إلى خير». هذه علامة. ثم قال: يا أخي ما رأيت العثماني ما أقل خيره كنت أتوهم أنه أقرب الإخوان، فلم ينفعني، ولا وصل إلي منه خير قط. قال ابن عربي: وكنت رأيت في ذلك النهار العثماني، وكان شاعرًا، وقال: أحب منك أن تضع لي معاني في مرثية حتى أنظمها لشخص اقتضاني أن أعمل له مرثية على وزن قصيدة المتنبي. [من المتقارب] «أيا خدَّد الله ورد الخدود» قلت للعثماني: من الذي اقتضاك المرثية لتكون المعاني لائقة به؟. فلم يعرفني، فلما كان الليل، ورأيت الرؤيا، قال لي صاحبي أبو الحسن في حقه ما قال. ثم قال أبو الحسن: وتعلم الذي اقتضاه المرثية، وفي من هي؟. قلت: لا. قال: هو أبو الحكم بن الحجاج، والمرثية في ولده، وقد وصل إلينا، وهو بخير، لكني ما أكون مثله، أنا أقول لك بيتًا يكون أولًا لقصيدته التي اقتضاها عليه أبو الميت، وهو: [من المتقارب] أيا عين ويحك بالدَّمعِ جُودي … فإنَّ الحبيب نوى بالجُودِ قال ابن عربي: فانتبهت من النوم، وكانت الجماعة عندي، فذكرت لهم ذلك ففرحوا به، ثم أصبحنا، فكان من الطلب لي وأخذ بعض أصحابي بعد

стр. 2599

الظهر، ما ذكره في المنام من العلامة. وذلك سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة. قال ابن عربي: وكنت سألته في المنام عن مجيئه، فقال: حيث أشرف على جسدي، ثم أعود إلى البرزخ. ومنهم: [٩٣] ابْنُ عَرَبِي، مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّد بن أَحمدَ بنِ عبد الله، الشيخ محيي الدين، أَبو بكر الطَّائِيُّ الحَاتِمِيُّ، الأَندَلُسِيُّ، المُرْسِيُّ (١) صاحب المصنفات، سيف يفري النوائب، ويفلي لمم الخطوب الممتدة

стр. 2600

الذوائب، لصرف سلم إليه خاتمه، ونسي به طيئ الكريم وحاتمه. سكن دمشق مذ حلَّها، ومدَّ ببحره الزاخر محلها، وكان فيها ما به مهرعا، وسحابه مكرعا، وجنابه مخصبًا ممرعا، وله أمور تحمل على محامل، وخوارق لا يجامله فيها مجامل، على اتضاع نفس، وإيضاع في العلا إلى أن حل الرمس، ولم يمت حتى كثرت مصنفاته كثرة أمت الأقلام وأخفتها، وغطت الأيام وأحفتها. ولد ﵁ في رمضان سنة ستين وخمسمائة، بمرسية، وسمع بها وبقرطبة من ابن بشكوال، وبإشبيلية، ومكة، وبدمشق، والموصل، وبغداد، وسكن الروم مدة. قال أبو عبد الله الدبيثي: أخذ عن مشيخة بلده، ومال إلى الآداب، وكتب لبعض الولاة، ثم حج، ولم يرجع، وسمع بتلك الديار، وروى عن السلفي بالإجازة العامة، وبرع في علم التصوف، وله فيه مصنفات، ولقيه جماعة من العلماء، وأخذوا عنه. قال ابن نقطة: سكن قونية، وملطية مدة، وله كلام وشعر غير أنه لا يعجبني شعره. والناس فيه على قولين: قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: حدثني شيخنا ابن تيمية الحراني، عن جماعة حدثوه، عن أبي الفتح ابن دقيق العيد، أنه سمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: ابن العربي، هذا شيخ سوء، كذَّاب، يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجًا. وحمل بعض تصانيفه إلى شيخنا ابن الفركاح فتأملها، ثم قال: الذي فهمته من كلامه مليح لا انتقاد عليه فيه، والذي لم أفهمه لا أحكم عليه فيه بشيء. وحكي مثل هذا عن الشيخ الموفّق. وسئل عنه ابن الفركاح فقال: أرجو أن يكون من أهل الخير. وسئل عنه قاضي القضاة البارزي، فقال: كان من العلماء. وسألت عنه شيخنا ابن

стр. 2601

الزملكاني، فقال: صحّ أنه مسلم، ولم يصح غير ذلك. قلت: كان قاضي القضاة محيي الدين أبو الفضل ابن الزكي كثير الصحبة له، والخصوصية به، ودفنه في تربته بسفح قاسيون تبركًا بمدفنه. وحكى صاحبه شمس الدين إسماعيل بن سودكين التوزري قال: قال لي الشيخ محيي الدين بن عربي: كنت في بعض سياحاتي، فدخل في إصبعي شوكة، فمنعتني عن المشي، فقعدت، وأخذت رجلي في حجري أنظر إليها، وقلت: إلهي لو أن معي إبرة، أو ملقطًا لتسببت إلهي! وأنت تعلم عقيدتي أنني أعتقد أن الإبرة والملقاط ما لهما إبراء البتة، فلا تحتجب عني بهما». قال: فنوديت في باطني: نعم، الأمر كذلك، ولكن إليهما ركون. فقلت: إلهي، ولا ركون. وإذا بالشوكة قد نفرت بحدة من رجلي، وضربتني بقوة في إصبع يدي المسبحة اليمني، وسقطت على الأرض، فقمت ومضيت لسبيلي في فضل الله تعالى. وحكي عن ابن عربي أنه قال: لي إلى مكة تردد، فما حججت لنفسي إلا حجة الإسلام، ولا اعتمرت سوى عمرة الفريضة، والباقي لمن شاء الله تعالى، لكني ما أهدي ذلك إلا لمن لا يكاد يرجى له خير. وحكي عنه أنه قال: ذهب بعضهم إلى أن قوله ﵊: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين»، إنما هو لئلا يبلغوا حد الخرف، الذي يفارق فيه النفوس على حالة الجهل. وحكى شيخنا أبو الثناء الحلبي: إن رجلًا كان في زمانه يجيد الخط، وأن بعض ملوك دمشق أعطاه مصحفًا بخط ابن البواب لينقل له منه، فبينما هو مفتوح قدامه في ليلة من الليالي، والسراج يقد، وهو يكتب، إذ سقط السراج، فتبدد زيته على المصحف، فأيقن الرجل بالبلاء، والصبر للقتل والجلاء، وبات بشر ليلة تكون. فلما أذن للصباح، أتى المسجد الجامع ليصلي فرأى ابن عربي إلى جانبه، فلما قضى ركعتي المسجد، التفت إليه ابن عربي بوجهه وقال له: ما صناعتك؟ قال: أنسخ. فقال له: فإن وقع السراج وتبدد زيته على شيء قدامك مضنون به ما تصنع به حتى يذهب الزيت؟. فأكب على يديه يقبلها، ويقول: هذا والله! جرى لي البارحة، وقص عليه قصته، فضحك الشيخ، وقال: لا يهمك، خذ عظام الأكارع الصغار، فاحرقها، واسحقها، واسحق معها من السكر النبات، واخلطهما، ثم افتح الأوراق، وذرَّ ذلك بينهما، ثم أطبق الكتاب، وثقله، ودعه يومًا وليلة، ثم افتحه، وانفضه، فإنه يذهب الزيت، ويعود إلى حاله الأول. قال: ففعلت، فكان كما قال.

стр. 2602

وحكى شيخنا الكندي عنه أنه كان يقول: «اللهم! ارزقني شهوة الحب، لا الحب، حتى أكون منعمًا أبدًا». قال: وفي هذا يقول: [من الطويل] ولَمَّا رأيتُ الحُبَّ يَعظُمُ قَدْرُهُ … وما لي به حتى المماتِ يَدَانِ تعشَّقتُ حُبَّ الحُبِّ فيه ولم أقل … كفاني الذي قد نلت منه كفاني وحكى عن بعض أشياخه أنه قال: بلغني في عموم الأخبار أنه من قرأ اثني عشر ألف مرة سورة الإخلاص بسبب أسير، فرج الله عنه، وفك أسره. فنزلت مرة في مركبًا، وفيه ملاح، فسمعني أذكر هذا الخبر، وكان ولده مأسورًا، ولم أعلم ذلك، ثم فارقته، وبقيت مدة، وجئت إلى النهر لحاجة عرضت. فلما رآنا قام، وقدم مركبه، وقال: هذا لك. تركب أنت ومن معك بغير أجرة، فسألته عن موجب إكرامه، فقال: ما تذكر لما ذكرت في ذلك الحديث الذي ورد في تلاوة سورة الإخلاص اثني عشر ألف مرة، بسبب المأسور؟. فقلت: نعم. فقال لي: كان ولدي هذا مأسورًا حينئذ، وإني فعلت ذلك، فلم أشعر بعد أيام إلا وولدي داخل علي، وكان قد قطع عليه حملة كثيرة كنت أعجز عن بعضها، ويئست من خلاصه، فلما رأيته سررت بخلاصه، وشكرت الله، ثم سألته عن السبب في خلاصه؟ فقال: ما أعلم سببًا، إلا أني كنت في اليوم الفلاني - ثم ذكر ذلك الوقت الذي كملت فيه التلاوة - قاعدًا، وإذا بالقيد سقط من رجلي، بإذن الله، فلما رأيت [ذلك] قمت وانصرفت، فلم يعارضني أحد، فاختفيت نهارًا، وسرت ليلًا حتى وصلت إليكم بحمد الله. وهذا ببركة ركوبك في مركبي، فكيف لا أرعى حقك علي؟. وكتب ابن عربي على هذه بخطه: «صح، صح، صح». ومن كلامه المأثور، ودره المنظوم، قوله (١): [من الكامل] مَنْ ظَنَّ أَنَّ طريق أربابِ العُلا … قول فجهل حائل وتعذر إنَّ السبيل إلى الإله عناية … منهُ بِمَنْ قد شاءه وتعزر لا يرتضى لحقيقة ذو عِزَّةٍ … إلا إذا ضَمَّ السَّنابلَ بَيْدَرُ الحالُ تَطلبه بشرط مقامِهِ … فإذا ادَّعاهُ فحالُهُ لكَ يُشْهرُ يتخيل المسكين أنَّ علومَهُ … ما بين أوراق الكتاب تُسطَّرُ هيهات بل ما أودعوا في كتبهم … إلا يسيرًا مِنْ أمورٍ تَعْسُرُ لا يقرأ الأقوام غير نفوسِهِمْ … في حالهِمْ مَعْ رَبِّهِمْ هل يحصرُ فترى الدخيلَ يَقيسُ فيهِ برَأيهِ … ليُقال هذا مَنْهُمُ فيكبَّرُ

стр. 2603

وتناقضت أقواله إن لم يكنْ … عَنْ حاله فيما تقدَّمَ يُخبِرُ عِلْمُ الطريقة لا يُنالُ براحة … ومقايس فاجْهَدْ لَعَلَّكَ تَظْفَرُ عزت علوم القوم عَنْ إدراك مَنْ … لا يَعتريه صبابةٌ وتَحَيرُ وتنفّس مما يُجنّ وأنَّةٌ … وجوّى يَزيدُ وعَبرةٌ لا تَفتُرُ وتَذلُّل وتوله في غيبةٍ … وتلذُّةٌ بمشاهد لا تظهرُ وتقبض عند الشهودِ وغَيرةٌ … إن قام شخص بالشريعة يسخرُ وتخشع وتفجع وتشرع … بتشرع الله لا يَتغَيَّرُ هذا مقام القوم في أحوالهم … ليسوا كَمَنْ قالَ الشريعة مزجرُ ثم ادعى أن الحقيقة خالفت … ما الشرع جاء به ولكن تستر تبًا لها مِنْ قالَةٍ مِنْ جَاحِدٍ … ويلٌ لهُ يومَ الجحيم يُسَعَرُ أو مَنْ يُشاهد في المشاهدِ مُطرِقًا … ليُقالَ هذا عابد مُتفكّر هذا مُرَاء لا يَلَذٌ بِرَاحَةٍ … في نفسه إلا سويعة ينظُرُ لكنهُ مِنْ ذاكَ أَسْعَدُ حالةٍ … وله النعيم إذا الجهولُ يُقْطَرُ ومنه قوله: [من مجزوء الكامل] يا نائمًا كم ذا الرُّقا … د وأنتَ تُدعي فانْتَبِهْ كان الإله يقوم عنـ … ـك بما دعا لَوْ نِمْتَ بِه لكن قلبك غافل … عما دعاك ومنتبة في عالم الكون الذي … يُرديكَ مَهمَا مُتَّ بِهْ فانظر لنفسك قبل سيـ … ـرِكَ أَنَّ زادكَ مُة ومنه قوله: [من مجزوء الكامل] لما انقضى ليل الشبا … ب ولاح لي صبحُ المَشيبِ أضربتُ عَنْ خوض السفا … هة بالتبتل للحبيب نفسي أخاطب، وإياي أعاتب، أيها المرسل عنان شهواته، الجائل في ميدان لذاته، السابق في حلبة هفواته، إلى كم ذا الاغترار بالعمر القصير؟، كأنك ما علمت أن إلى الله المصير، فبادر إلى التوبة لعلك تقال، وألق عن ظهرك أوقار الأوزار الثقال، يصح لك ما أملت في العقول في حضرة القبول، فقد قال قيوم السماوات والأرض: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) وأمر به في كتابه المبين: ﴿وَتُوبُوا

стр. 2604

إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١)، ثم رغب فيما يحبه للمذنبين، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢). فيا أيها الناس! اعلموا أن كل من ظهرت منه حوبة؛ فإن الله عليه توبة، فمن عظمت حوبته جلت توبته، فتوبة عالم الشهادة من الأعمال، وتوبة النفوس من الآمال، وتوبة الأرواح من الوقوف مع حضرات الجمال، وتوبة الأسرار من معاينة عين الكمال، وتوبة أسرار الأسرار مما لا ينال، والسر الواحد الجامع، عدم رؤية الثواب النافع. وهذا باب يدق وصفه، ويمنع كشفه، فألق سمعك أيها المغتر بحياته المحجوب على الحقيقة بمشاهدة صفاته، وخذ خطاب الحق، من حضرة الفرق بلسان الصدق، فيا محلَّ العدم! عليك بالبكاء والندم، ويا محل التمحيص والاختبار عليك بالافتقار والاعتذار، ويا محل الاطلاع عليك بالنزوع والإقلاع، فشمر الذيل، واقطع بالتلاوة زمان الليل، وطهر ثيابك قبل انسلاخك عنها، واعرف قدر جنايتك، وتب إلى الله منها، وإياك والخديعة باسترسال الطبيعة، وأقم ميزان العدل بين حجبك وجنايتك، وكحل بميل الاعتبار عين بصيرتك، لتعرف قدر ظلام عمايتك، واعلم أنك على ما فرطت في جنب الله نادم، وعلى ما قدمت بين يديك قادم، وأدنى مرامي أفعالك وأقصاها في كتاب: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (٣). [من المتقارب] فطُوبَى لِمَنْ قَدْ غَدا تائبًا مُنيبا … ذَليلًا لرَبِّ [كريم] جليل تراه إذا جَنَّه ليلُه … كثير الأنين كثير العويل قريحَ الفُؤاد حليف السُّهادِ … يُراعِي النُّجوم بطرف عليل إذا الدمع سال على خَدِّه … مَحاأَثَرَ الدَّمْعِ حَرُّ الغليل وقوله من خطبة: فلا يقع بصر إلا عليه، ولا يخرج خارج إلا منه، ولا ينتهي قاصد إلا إليه، فيا أولي الألباب، أين الغيبة والحجاب؟!: [من الطويل] ومِنْ عَجَبٍ أَنِّي أَحِنُّ إليهم … وأسألُ شَوقًا عنهم، وهُمُ مَعِي وتبكيهُمُ عَيني وَهُمْ فِي سَوَادِها … ويَشتاقُهُم قَلبي وهم بينَ أَصْلُعِي ومنه قوله: أيها الغافل عن مواقعة الحساب، والمتعامي عن مناقشة ما في يديه من الاكتساب، كأنك ما قرأت ما في الكتاب المبين: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٤)، فاعلم - أيقظك الله من سِنَةِ الغفلة -: أن المحاسبة في هذه الدار على قدر المحاسب، فمنهم

стр. 2605

معاقب، ومنهم مغالب، ومنهم معاتب، ومنهم محاسب. فمحاسبة الإحساس معاقبة، والأنفاس مغالبة، والأرواح معاتبة، والأسرار مخاطبة. فحاسب نفسك - يا أخي! - في مهل الأنفاس، قبل حلول الأرماس، ومثلها كعامل خراج بين يديك من قبل أن ينعكس الأمر عليك، فكأني بك في ذلك اليوم تدعو فلا تسمع مجيبًا إلا: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (١). ومنه قوله: «أما بعد - يا أخي! - عصمنا الله وإياك من نتائج الغفلات، وآمننا من روعة البيات، فإن الله - سبحانه - لما أوضح المنهج إليه، وبين الأمر المزلف لديه، حمل من اصطفاه من عباده عليه، وعدل بمن حرمه إلى أحد جانبيه، فهنيئًا لمن حمل على الجادة، وبؤسًا لعبد قطعت عنه العناية الربانية والمادة. ونحن - يا أخي! - من هذا كله على بصيرة، مع قبح سيرة وسريرة، فتدارك أخاك بدعوة ترقيه إلى موقف الاختصاص، وتلحقه بأهل الصدق والإخلاص، قبل أن يفجأه الموت، وينقلب بحسرة الفوت؛ فقد طال الأمل، وساء العمل، وترادف الكسل، ولم تعظنا بمرورها الأيام، ولا زجرتنا حوادث العلل والآلام، فأسأله سبحانه أن يطهر الذوات بأحمد الصفات، والسلام». ومنه قوله: «أما بعد - يا أخي! - فالقدر سابق والقضاء لاحق، ولا يغرنك ما أنت عليه من سَنِيّ الأعمال، وزَكِي الأحوال، ما دام رسنك مرخّى، وحبلك على غاربك ملقى، فإن الخاتمة أمامك، ولا تدري بما يرسل الحق إليك أيامك، فخذ الكرامة على أدب، وأعرض عن الاشتغال بها وجد في الطلب، فكم مريد كانت حظ عمله لما كانت غاية أمله، ومن الله نسأل عصمة الأحوال، في السابقة والمال، والسلام». وحكى الشيخ شمس الدين إسماعيل بن سودكين عنه أنه كان يقول: «ينبغي للعبد أن يستعمل همه في الحضور في مناجاته، بحيث يكون حاكمًا على خياله، بصرفه بعقله نومًا كما كان يحكم عليه يقظة، فإذا حصل للعبد هذا الحضور، وصار خلقًا له، وجد ثمرة ذلك في البرزخ، وانتفع جدًا. فليهتم العبد بتحصيل هذا القدر فإنه عظيم الفائدة بإذن الله تعالى». وقال: «إن الشيطان ليقنع من الإنسان بأن ينقله من طاعة إلى طاعة ليفسخ عزمه بذلك». وقال: وينبغي للسالك متى خطر له أن يعقد على أمر ما، أو يعاهد الله تعالى

стр. 2606

عليه، أن يترك ذلك الأمر إلى أن يجيء وقته، فإن يسر الله فِعْلَه فَعَلَهُ، وإن لم ييسر الله فعله يكون مخلصًا من نكث العهد، ولا يتصف بنقض الميثاق». وقال: «إن الحق - سبحانه - جعل الطريق إلى معرفته أسهل الطرق وأوضحها، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)، وهو أصل المعارف كلها. وقال: «بلغني في مكة عن امرأة من أهل بغداد أنها تكلمت في بأمور عظيمة، فقلت: هذه قد جعلها الله سببًا لخير وصل إلي، فلأكافئنها وعقدت في نفسي أن أجعل جميع ما أعتمر في رجب يكون لها، وعنها؛ ففعلت ذلك؛ فلما كان الموسم استدل علي رجل غريب، فسأله الجماعة عن قصده، فقال: بالينبع في الليلة التي بت فيها كأن آلافًا من الإبل أوقارها المسك والعنبر والجوهر، فعجبت من كثرته، ثم سألت لمن هو؟، فقيل لمحمد بن عربي يهديه إلى فلانة، وسمى تلك المرأة، ثم قال: وقيل لي: هذا بعض ما يستحق. قال ابن عربي: فلما سمعت الرؤيا واسم المرأة، ولم يكن أحد من خلق الله علم مني بذلك، علمت أنه تعريف من جانب الحق، وفهمت من قوله: أن هذا بعض ما يستحق أنها مكذوب عليها. قال: فقصدت المرأة، وقلت: اصدقيني! [فقالت: كنت] قاعدة قبالة البيت وأنت تطوف، فشكرك الجماعة التي كنت فيهم، فقلت في نفسي: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت له ثواب ما أعمله في يوم الاثنين وفي يوم الخميس، وكنت أصومهما، وأتصدق فيهما. قال: فعلمت أن الذي وصل منها إليَّ بعض ما تستحقه، فإنها سبقت بالجميل، والفضل للمتقدم. ومنهم: [٩٤] الحرّالي، علي بن أحمدَ بنِ الحَسَنِ بن إبراهيم التجيبي (٢) الإمام أبو الحسن الأندلسي. كان سيفًا مجرَّدًا، وسيلًا لم يكن مصردا، هابته

стр. 2607

الخطوب فاتقته وحابته القلوب فوقته، فاقتاد المطالب بأعناقها، وأتته المآرب تسرع في إعناقها، قد أمسك بعروة ما لها انفصام، وركن إلى ذروة تحميه يوم الخصام بفضل يبهت الطرف، وتبعد منه من يعبد الله على حرف، فرارًا من نار لا تخمد لها جذوة، ولا تحمد لها جلوة، لدنيا ساكنها غير مستكن، ومستوطنها غير مطمئن، فربحت تجارته، وصلحت إنابته الله واستجارته. ولد بمراكش، وأخذ العربية عن ابن خروف، وغيره، وحج، ولقي العلماء، وجال في البلاد، وتغرَّب، وشارك في فنون عديدة، ومال إلى النظريات وعلم الكلام. وأقام بحماة، وبها مات. وله «تفسير» فيه أشياء عجيبة الأسلوب، غريبة المعاني. وكان لا يقدر أحد أن يؤذيه، وتكلم على الكائنات، وأمور الحدثان، وأسرار الحروف، وزعم أنه استخرج علم وقت خروج الدجال، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج. وصنف في المنطق، وشرح في الأسماء الحسنى، وله عبارة حلوة، وفصاحة وبيان. قال الحافظ أبو الصفاء الصفدي: وقد اجتمعت أنا بمن له ذوق في علم الحرف، ويد باسطة في هذا الفن، فذكر لي أن الحرالي لا يفهم شيئًا من هذا العلم، وإنما الأستاذ في هذا الفن: «البوني». وتوفي الحرالي سنة سبع وثلاثين وستمائة. قلت: سمعة الحرالي كبيرة، والألسنة ناطقة بسؤدده، وجلالة قدره في طائفته ونظرائه. وبلغني أنه كان متصرفًا في الوجود بتصرفات غريبة، وأمور عجيبة تدل على اطلاعه وعظم مواهب الله عليه، ونعمه لديه. وكان شيخنا ابن الزملكاني يذكره في أهل التصرفات، وذوي الإتقان لعلم الحرف. وبلغني مثل هذا عن التونسي. وقال لي تقي الدين عبد الرحمن ابن شيخنا كمال الدين بن الزملكاني: سمعت

стр. 2608

التونسي يقول: «الحراليّ شيخ الجماعة وسيدهم». ومنهم: [٩٥] محمد المرجاني، أبو عبد الله مداوي قلوب من أشجان، وسرّ أبوين يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان. كان جدى للنساك، وهدى للسلاك، وقطبًا للأبدال، وحربًا لمن أكثر في الحق الجدال، بكلام يدلُّ على وصول، وبلوغ قصد وحصول، وطبقت بلاد إفريقية سمعته، ووسع فرق أهلها رجب صدره وسعته، ثم عم الشرق والغرب، وملك حبة القلوب بالطلوع والضب، ولم يزل ذكره بالأفواه منتهبا، وفجره في رداء الشفق ملتهبا، وصيته يطير متهمًا ومنجدا، وإذا سمعه الذين يخشون الرحمن خرُّوا بكيًّا وسُجدا، حتى حان حينه، وانتهى إلى القبر نينه، فارتقت إلى السماء روحه، وأشرقت في مطالع الشموس يُوحه. وكانت الوزراء بمصر تستدعيه إلى حضرتها، وهو من مكانه لا يريم، ولا يزال يحافظ على أوطانه محافظة كريم. قرأ القرآن الكريم، وتفقه على مذهب الإمام مالك ﵁ ولقي العلماء، وأخذ عن المشايخ، وصحب الرجال، وأحبَّ الزهاد، واقتدى بالعباد، واعتكف بالمساجد، وتأدب بالكتاب والسنة، ولازم العبادة، وتقرب إلى الله تعالى بالنوافل، وتخير لمكسبه، وتوفي في سببه، وتورع عن كثير من الحلال خوف الشبهات، ونزه عن دنايا الدنيا وظهرت عليه أمائر القبول ولوائح القرب، ودام على الاجتهاد، وقام قيام الزهاد، وبقي يذكر الله تعالى ويحض على التوجه إليه، والإقبال على ما يزلف عنده. حكي أن رجلًا قصد زيارته، فلما كان ببعض الطرق، نزل عن حماره لحاجة عرضت له، فشرد الحمار، فقام في طلبه، فلم يجده، فرجع، وتم ماشيًا، حتى أتى الشيخ، فسلم عليه، وجلس ناحية منه، فالتفت الشيخ إليه، وقال له: طب نفسًا، فإن حمارك وصل إلى أهلك. فلما عاد الرجل إلى أهله وجد الحمار، فسأل: من أين وصل إليهم؟. فقالوا: إن رجلًا أتى به السوق ليبيعه، فعرفه من بني عمك، فأخذه، وحمله إلى والي البلد، فسأله عن الحمار؟ فذكر أنه وجده شاردًا، فأمسكه، ولم يجد له صاحبًا، فاستصحبه معه، فأودعه السجن ليظهر خبرك، وأعطانا الحمار. فشكر الله، وذهب إلى الوالي وأطلق الرجل.

стр. 2609

[٩٦] البُونِي أَبُو الحَسَن (١) ومنهم: قانت أوَّاب، وقانع بما عند الله من الثواب، أدرك الحقائق وشهدها، وترك الخلائق ومشهدها، وصحب الدنيا صحبة مفارق، وحلى العلياء حلية هام ومفارق، وحقق فلم يداخله أوهام، وحب فلم يدانه من حب أوهام، فلم تشب إفاضته الشوائب، ولم يشب نواصيه النوائب، وكان ذا فكر جوال، وذكر قوال، وشكر لا يتغير بتغير أحوال، فتحقق فضله، وتختم وتطوق فعله بأفعال الجميل وتحتم، ولم أقف له على ترجمة، ولم أَقْفُ فيه آثار خواطر محققة ولا مُرَجَمَة، إلا أن الذي بلغ حد الاستفاضة، أنه كان ممن خلع رداء الحرص، وبت علائق الأمل، وجد في العلم والعمل، ولم يزل حتى سلك الطريقة، ووقف على الحقيقة، وتدبر الأسماء الحسنى، وتكلم على معانيها بنوع من العلم اللدني، وجعل لكل ساعة من ساعات الليالي والأيام، ولسحر كل ليلة توجهًا خاصًا، وكذلك لليلة القدر، ويوم عرفة، على دورانهما في الأسبوع، وكذلك لرؤية هلال كل شهر، وجمع ذلك في كتاب سماه: «اللمعة النورانية». ولأهل المعارف اعتناء به، وحسن ظن فيه. ويزعمون أن له في علم الحرف وأسراره اليد الطولى، ويزعمون أن العالم بذلك يتصرف في الوجود، ولهم في ذلك حكايات غريبة، وأحوال عجيبة. وأصله من مدينة بونة، على ساحل البحر الشامي، قرب قسطنطينية، من بلاد إفريقية.

стр. 2610

ومنهم: [٩٧] ابن برجان (١) كاشف أسرار، وكاسف بدور من غير سرار، ولم يزل للشبهة متوقيا، وعلى الشهب مترقيا، حتى تمثل الدقائق، وتوقَّل الحقائق، وشرب من العلم اللدني، وقطف من الفهم الجني، وأترعت له الحياض فارتوى من موردها، وزوى عن موردها، فأبرز الخفايا، وأخرج الخبايا، فكثرت له مؤملون، وكرت إليه متأملون، فآب بالغنائم، وآل، وطرف العنا نائم فكربت أضداد له كادوا يتحملون، وكربت حساد له وباطل ما كانوا يعملون. [٩٨] عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عبدِ الجَبَّارِ بنِ تَمِيمِ بنِ هُرْمُزَ بنِ حَاتِمِ بنِ قُصَيِّ ابنِ يُوسُفَ بنِ يُوشَعَ الحَسَنِيُّ، أبو الحَسَن الشَّاذِلِيُّ الضرير (٢) ولي الله، طالما أنجد بمدده وأصرح، وانجلى بفرقده الروع وأفرح، وكان عدة

стр. 2611

لشدائد، وعمدة في دفع مكايد طالما أغص الكرب، وأراق ذنوب المصائب وقد بلغ عقد الكرب لإصابة سهام، وإجابة دعوة في مهام، لم يحرم في استفتاح السماء، واستمناح النعماء، بعادة متوقعة وسرعة، كم فتق بها الرقيع ورقعه، ولم يزل هذا مجربا، وعنه حدثنا يعرف به أنه ممن هدى الله واجتبى. قدم الديار المصرية من الغرب، وأقام بالاسكندرية مدة، وسافر إلى الحجاز مرارًا، وهو أحد المشايخ المشهورين بمعرفة طريق القوم، وله في ذلك كلام، وتصانيف معروفة. صحبه جماعة، وانتفعوا به. وتوفي بطريق الحجاز، وهو قاصد إليه، بصحراء عيذاب، في العشر الأول من ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة، ودفن هناك. رحمه الله تعالى. ومنهم: [٩٩] عَبدُ الحَقِّ بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر [بن] محمد بن سبعين أبو محمد: قُطْبُ الدِّينِ المُرسِيُّ الرقوطي (١) قرب و داره نائية، وأصغى والنفوس نابية، فكلف وهام، وشغف بما

стр. 2612

يدق على الأفهام، وتراءى من وراء ستورها، فأحبَّ والقلوب سالية، وأطرق والعيون سامية، وطن بشارقة من طلالها، وظنّ كل بارقة على أطلالها، إلى أن مات بها مغرما، وفات إذ رأى فراق الدنيا مغنما، وأدرج في كفنه، وأسرج بدر السماء في مدفنه. ذكره ابن اليونيني في «الذيل» فقال: «كان أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم، وتعدد المعارف، وله تصانيف عدة، ومكانة مكينة عند جماعة من الناس، وأقام بمكة سنين عديدة، إلى أن توفي بها في ثامن عشرين شوال سنة تسع وستين وستمائة، ومولده سنة أربع عشرة وستمائة. ومنهم: [١٠٠] سيدي أبو العَبَّاس المُرسي، أحمدُ بنُ عُمَرَ الأَنصَارِيُّ الْمَالِكِيُّ (١) بحر من البحور الزاخرة، وحبر في علوم الدنيا والآخرة، فاكتنفته العناية الإلهية فأمدته بمددها، وأقامته على جددها، فاستنار بأقمارها، واستمار من ثمارها، فضوأت مشارقه بأشعتها، وبوأت قدمه محل رفعتها، وهب من المغرب هبوب الصَّبَا، ونزل الاسكندرية نزول الغيث الربي، فأصبح به الثغر باسما، وأصبح الراح وأغبق ريحه

стр. 2613

ناسما. وكان بمدينة الاسكندرية، وقدره المتطاول علا منارها، وذكره الشائع علم نارها، وعمر حبه من كل قلب بيتًا، وأمر صفته فيها حيًا وميتًا. ذكره بدر الدين بن غانم قال: كان قطب زمانه، وعلامة أوانه، في العلوم الإسلامية وله القدر الراسخ في علم التحقيق، والكرامات الباهرة، والكلام اللائق البديع في طريق القوم، والأحوال الظاهرة، كان لا تتحدث معه في شيء من العلوم إلا تحدث معك فيها، حتى يقول السامع: إنه لا يحسن غير هذا العلم، لا سيما علم التفسير والحديث، وكان يقول: شاركنا الفقهاء فيما هم فيه، ولم يشاركونا فيما نحن فيه. وكان كتابه في أصول الدين «الإرشاد»، وفي الحديث: «المصابيح» للبغوي، وفي الفقه: «التهذيب» للبرادعي، و «الرسالة»، وفي التفسير: «كتاب ابن عطية». وكان يقرأ عليه بعض المحققين في العربية، فيرد عليه اللحن. وأما علوم المعارف والأسرار؛ فقطب رحاها، وشمس ضحاها، تقول إذا سمعت كلامه: هذا كلام من ليس وطنه إلا غيب الله تعالى، هو بأخبار السماء أعلم منه بأخبار أهل الأرض. وعن الحسن الشاذلي: إنه قال عن الشيخ أبي العباس: أبو العباس بطرق السماء أعلم منه بطرق الأرض. قال ابن عطاء تلميذه كنت لا أسمعه يتحدث إلا في العقل الأكبر، والاسم الأعظم، وشعبه الأربعة، والأسماء والحروف، ودوائر الأولياء، ومقامات الموقنين، والأملاك المقربين عند العرش، وعلوم الأسرار، وأمداد الأذكار، والمقادير، وشأن التدبير، وعلم البدو، وعلم المشيئة، وشأن القبضة، ورجال القبضة، وعلوم الأفراد، وما يكون من أفعال الله تعالى مع عباده يوم القيامة، من حلمه وإنعامه، ووجود انتقامه. قال الشيخ تاج الدين بن عطاء: ولقد سمعته يقول: «لولا ضعف العقل، لأخبرت بما سيكون غدًا من رحمة الله تعالى، وتوفيقه، وإلهامه». وأما سداد طريقته: فكان ﵁ شديد التحرر من حقوق العباد، مسرعًا للوفاء لها، حتى أنه يوفي الدين قبل استحقاقه، ويحمل أصحابه على التخلص من حقوق العباد، إذا كان عليه دين أحسن القضاء، وإذا كان له حق أحسن الاقتضاء، منقطعًا عن أبناء الدنيا والتردد إليهم، لا يرفع قدمه لأحد منهم، ولا يبعث إليهم، ولا يكاتبهم، إذا طلب منه أن يكتب إليهم، بل يقول للطالب: أنا أطلب لك ذلك من الله تعالى. فإن رضي الطالب بذلك، نجح مسعاه ولطف به مولاه. ومبنى

стр. 2614

طريقه على الجمع على الله تعالى، وعدم الفرقة، وملازمة الخلوة، والذكر. ولكل مريد معه سبيل؛ يحمل كل واحد على السبيل التي تصلح له. وكان لا يحب المريد لا سبب له، وكان يقول عن شيخه: اصحبوني ولا أمنعكم أن تصحبوا غيري، فإن وجدتم منهلًا أعذب من هذا المنهل فردوا. وكان مكرّمًا للفقهاء، ولأهل العلم وطلبته إذا جاؤوه. وكان أزهد الناس في ولاة الأمور. وكان لا يثني على مريد، ولا يرفع له علمًا بين إخوانه خشية عليه أن يحسد. وكان كثير الرجاء لعباد الله، والغالب عليه شهود وسع الرحمة. وكان ﵁ يكرم الناس على نحو رتبهم عند الله. وقال - وقد سئل لما أن قال عيسى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)، ولم يقل: الغفور الرحيم؟ .. قال: لأنه لو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكان شفاعة من عيسى ﵇ لهم في المغفرة، ولا شفاعة في كافر، ولأنه عبد من دون الله فاستحى من الشفاعة عنده. وكان يقول: أتباع الحق قليلون، فأولياء الله تعالى كهف الإيواء، فقل من يعرفهم. وقال ابن عطاء - تلميذه -: سمعته يقول: «معرفة الولي أصعب من معرفة الله تعالى، فإن الله تعالى معروف بكماله». ومن زهده: إنه خرج من الدنيا وما وضع حجرًا على حجر، ولا اتخذ بستانًا، ولا استفتح سببًا من أسباب الدنيا. وقال الشيخ أبو الحسن: رأيت الصِّدِّيق في المنام؛ فقال لي: أتدري ما علامة خروج حب الدنيا من القلوب؟. قلت: لا أدري. قال: علامة خروج حب الدنيا من القلوب: بذلها عند الوجود، ووجود الراحة منها عند الفقد. وقال الشيخ أبو العباس المرسي ﵁: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ في المنام؛ فقلت: يا أمير المؤمنين! ما علامة حب الدنيا؟. قال: خوف المذمة، وحب الثناء. وكان يقول: «والله ما دخل بطني حرام قط». وكان يقول: «الورع من ورعه الله تعالى».

стр. 2615

وقال: عزم علينا بعض الصلحاء بالاسكندرية في بستان له بالرمل، فخرجت أنا وجماعة من صلحاء الثغر، ولم يخرج معنا صاحب البستان ذلك الوقت، بل وصف لنا المكان، فتجارينا - ونحن خارجون - الكلام في الورع، فكل قال شيئًا. فقلت له: الورع من ورعه الله تعالى. فلما أتينا البستان، وكان زمن التوت كلهم أسرع إلى الأكل، وأكلت، وكنت كلما جئت لأكل أجد وجعًا في بطني فأرجع، فينقطع الوجع، ففعلت ذلك مرارًا، فجلست ولم آكل شيئًا، وهم يأكلون؛ وإذا بإنسان يصيح: كيف يحل لكم أن تأكلوا من ثمرة بستاني بغير إذني؟. فإذا هم قد غلطوا بالبستان!. فقلت لهم: ألم أقل لكم إن الورع مَنْ ورعه الله تعالى؟. وكان يقول: والله ما جلست للخلق حتى هُدِّدت بالسلب، وقيل لي: لئن لم تجلس لنسلبنك ما وهبناك. وكان شديد الكراهية للوسواس في الطهارة والصلاة، وينقل عنه شهود من كان ذلك وصفه. سئل يومًا فقيل له: يا سيدي فلان صاحب علم وصلاح، كثير الوسوسة!. فقال: وأين العلم؟ يا فلان العلم هو الذي ينطبع في القلب كالبياض في الأبيض، والسواد في الأسود. وكان يقول: الناس على قسمين؛ قوم وصلوا بكرامة الله تعالى إلى طاعة الله تعالى. وقوم وصلوا بطاعة الله تعالى إلى كرامة الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١). ونور الله تعالى يرد على القلب، فيوجب له الاتصاف بصفة أهله في الدنيا، والإعراض عنها، ثم يثب منه إلى الجوارح، فما وصل إلى العين أوجب الاعتبار، وإلى الأذن؛ أوجب حسن الظن، وإلى اللسان؛ أورث الذكر، وإلى الأركان؛ أورث الخدمة. والدليل على ذلك: إن النور يوجب عزوف الهمة عن الدنيا والتأني فيها، قول رسول الله ﷺ : «إن النور إذا دخل الصدر انشرح وانفسح. فقيل: يا رسول الله! فهل لذلك من علامة؟. قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود». وقال في قوله ﷺ : «الصافحتكم الملائكة في طرقكم، وعلى فرشكم»: إنما خص الرسول ﷺ الفُرُسُ والطُّرُق؛ لأن الفرش محل الشهوات والطرق محل الغفلات، فإذا صافحتهم الملائكة في طرقهم وفرشهم، الأحرى أن تصافحهم في محل طاعاتهم وأذكارهم، واقتضت حكمة الله سبحانه أن لا يستوي وقت كبوتهم عنده ووقت ذكرهم

стр. 2616

لما سواهما، حتى يعرف عظيم قدر رتبة محاضرته ﷺ وعزازة الذكر، وجلالة منصبهما. وكان كثيرًا ما ينشد: [من السريع] ياعمرو نادِ عبدَ زَهراء … يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بِيا عَبْدَها … فإِنَّهُ أشرف أسمائي توفي - رحمه الله تعالى - بالاسكندرية، سنة ست وثمانين وستمائة. قلت: أتيت قبر الشيخ أبي العباس - رحمه الله تعالى - بظاهر ثغر الاسكندرية، وزرته فيما هنالك، وأتيت الشيخ ياقوتًا الحبشي، وكان قد صحبه، فحكى لي عجائب من كراماته. ومما حدثني به: إن رجلًا أتى أبا العباس، فجلس بين يديه، ورجل عند الشيخ يكتب من أماليه، فأخذ ذلك الرجل محبرة الكاتب بيده، ورفعها ليسهل عليه الاستمداد، والشيخ مقبل على الجماعة يحدثهم، فجرى ذكر قلب الأعيان، فقال له ذاك الرجل: يا سيدي! هل لقلب الأعيان حقيقة؟. فقال: نعم. إن الله رجالًا لو قال أحدهم لهذه المحبرة كوني ياقوتًا لكانت. فالتفت الرجل فرأى المحبرة قد صارت ياقوتًا! فقطع كلام الشيخ ووثب خارجًا لاغتنام تلك الياقوتة، وظن أنها تكون رأس مال لغناه!، فقال له الشيخ ارجع فإنها محبرة، فنظر إليها فإذا هي محبرة. والذي أقوله: إن مواهب الله عظيمة، والقدرة صالحة، وما شاء الله كان. رحمه الله تعالى. ومنهم: [١٠١] الحَسَنُ بنُ عليّ بنِ يُوسُفَ بنِ هُودَ الجُذَامِيُّ المَعْرِبِيُّ (١) الزاهد، أبو علي، وأبوه عضد الدولة، أخو المتوكل على الله أبي عبد الله محمد، ملك الأندلس. رجلٌ كم جاب المقفر، وجاء كالصباح المسفر، وقدم من بلاد المغرب، قدوم عنقاء مغرب، وكان بجزيرة الأندلس من أبناء ملوكها، وأجلاء أهل

стр. 2617

سلوكها. وسكن دمشق حيث طاب له الوطن، وطوى ذيل أسفاره وقطن. ولأهلها فيه اعتقاد، وظن خلص من انتقاد. وكانت تغلب عليه فكره، ويغل عقله إذا ثاب إليه سكره، فيظلُّ المُدَدَ شاردًا لا يدري، … وسائرًا لا ينطق، وإنما الزمان به يجري، مع ندى سكن بصيبة السحاب الهتان، وهدى بكت بسببه أهل البهتان على أن بعض الفقهاء لم يخله من لسع عقاربه، ورميه بأنه غير متق الله ولا مراقبه، ومن جهل شيئًا عاداه، والله حقيقة عمله، وما أبوء بظلمه. يقال: إنه من أولاد ملوك المغرب. قال الحافظ أبو محمد البرزالي: أبو عضد الدولة أبو الحسن علي أخو المتوكل على الله ملك الأندلس أبي عبد الله وكان عضد الدولة ينوب عن أخيه بمرسية، وتزهد الحسن، وترك الدنيا، واشتغل بشيء من علوم الحكمة والطب، ونظر في كلام ابن عربي، وابن سبعين، وكان من رأيه تعظيم ابن سبعين، وانتماؤه إليه. وكان زهده وإعراضه عن الدنيا ظاهرًا لا ينكره أحد. وعنده غفلة كثيرة في غالب أحواله، يصحبه الرجل سنة، ويغيب عنه أيامًا يسيرة، فيراه، فلا يعرفه، ويذكره بأشياء جرت له معه، فلا يذكر، ولا يظهر عليه أنه رأى ذلك الشخص عمره. وحج مرات، وجاور، ودخل اليمن واحترمه سلطانها، وأرسل إليه وإلى أصحابه مالًا، ودخل دمشق غير مرة، وأكرم أول دخوله إليها إكرامًا كثيرًا، وقصده نائب السلطنة بها، والقاضي، وأعيان الناس، ثم طالت إقامته بها، فانتقص ذلك الإكرام، مع أنه كان يظهر عليه أنه لا فرق عنده بين الحالتين. وكان ينقم عليه كلام يصدر منه لا يوافق الشريعة. وكان الشيخ تقي الدين كثير الوقيعة فيه والنقمة عليه، والتنقص به، وبمذهبه، ينفر عنه التنفير الكثير، ويحذر منه التحذير الوافر. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ثم بان أمره، وقطع بأنه من رؤوس الاتحادية. وحكى الفاضل أبو الصفاء الصفدي: قال: أخبرني الخطيب أبو محمد الحسن بن محمد القرشي، قال: كان ابن هود يلحقه حال يشغله عن حسه، ويذهله عن نفسه، حتى كان توضع في يده الجمرة ولا يشعر، فإذا أحرقته عاد إلى حسه. قال: وربما كان يقع في الحفائر، ولا يدري!. وكان يقرئ في «الدلالة» للريس موسى، وأسلم على يده جماعة من اليهود، فعملوا عليه حتى سقوه الخمرة في حالة غيبته، وأروه المسلمين، وهو في تلك الحال. ولا يغير ذلك عقيدة من له فيه عقيدة. قال البرزالي: سألته عن مولده؟. فقال: في ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمرسية.

стр. 2618

وتوفي عشية الاثنين السادس والعشرين من شعبان سنة تسع وتسعين وستمائة بدمشق ودفن بكرة الثلاثاء بسفح قاسيون، وتقدم في الصلاة قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وأنشد من شعره قوله: [من مجزوء الرمل] عِلْمُ قَومي بيَ جَهْلُ … إِنَّ شَأني لأَجَلُّ وذكر شيخنا أبو حيان، وقال: رأيته بمكة، وجالسته، وكان يظهر منه الحضور مع من يكلمه، ثم لا تظهر الغيبة منه، وكان يلبس نوعًا من الثياب مما لم يعهد لبس مثله بهذه البلاد. قال: وكان يذكر أنه يعرف شيئًا من علوم الأوائل. وأنشد عن أبي الحكم ابن هانئ عنه قوله: [من البسيط] خُضْتُ الدّجنَّةَ حتى لاح لي قَبَسٌ … وبان بانُ الحِمَى مِنْ ذلكَ القَبِسِ فقلتُ للقوم هذا الرَّبْعُ رَبعُهُمُ … وقلتُ للسَّمْعِ لا تخلو مِنَ الحَرَسِ وقلتُ للعين غُنِّي عَنْ مَحاسِنِهِ … وقلتُ للنّطق هذا مَوضِعُ الخَرَسِ قلت: أنشدني شيخنا أبو الثناء الكاتب رحمه الله تعالى هذه الأبيات، وقال: كان من خبرها أن ابن هود حجّ، فلما أتى المدينة، وشارف أعلامها، نزل عن دابته واغتسل، ولبس ثيابًا نظافًا، ثم جعل يمشي، وهو يهمهم بكلام خفي سمعه بعض من كان يمشي خلفه، فإذا هو يقول: [من الطويل] نَزَلنا عَنِ الأكوار نمشي كَرَامَةٌ … لِمَنْ بانَ عنه أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبا ثم لم يزل يطأ من رأسه، ويخضع حتى أتى باب المسجد وكأنه راكع، فسلم على النبي ﷺ من ظاهر الحجرة، بأكمل الأدب، ثم صلى ركعتي التحية بالروضة، ثم خرج إلى الزيارة، فجلس على الرمل، ثم جعل يبكي ويخط على الرمل الأبيات، فقرأها بعض الحاضرين، فحفظها، وأنشدها عنه. قلت: حدثت بهذا الشيخ سعيد خادم ابن هود، فقال: صحيح. وحكى لي شيخنا أبو الثناء قال: أتى لاجين نائب الشام، وحسام الدين الرازي ابن هود، وهو لا يعرفهما، وكان مع لاجين سجادة، ففرشها تحت ابن هود بيده، وساعده الرازي. فقال له بعض من عنده: يا سيدي! هذا نائب الشام، وبيده قد فرش لك السجادة، وهذا الذي معه من أكابر العلماء. فقال: بارك الله فيهما، والله ما فرش لي السجادة إلا ليجلس على سرير الملك، وصاحبه قاضي القضاة. وكان ابن هود ذا علم جمّ، ولكن كانت الغيبة غالبة عليه قال: ولقد كان يبقى الأيام والليالي لا يأكل طعامًا، ولا يشرب شرابًا، وكان كثيرًا ما يقعد في مقابر كيسان

стр. 2619

مستدبرًا للمدينة، متوجهًا إلى القبلة، ويبقى الأيام الكثيرة في الحر والبرد، لا يتغير من مكانه، ولقد رأيته هناك في زمان صيف شديد، وقد لفحته هواجر الحر، وأثر فيه السموم، وكانت بيني وبينه صحبة، ووقفت أمامه، وأنشدته: [من الكامل] أَنْتَ المنية والمنى فيك استوى … ظلُّ الغَمامة والهجير المُحرِقُ فرفع رأسه إلي وقال: من تكون؟ فعرفته بنفسي، فقال: ما أعرفك، فانصرفت، وأنا أرثي له مما يقاسي. وقد ذكره أبو الصفاء، وأنشد له قطعة، منها: [من الطويل] أُوَرِّي بذكرِ الجَزْعِ عنه وبانة … ولا البانُ مطلوبي ولا قَصدِيَ الرَّملُ وأذكر سعدى في حديثي مُغالِطًا … بليلى ولا ليلى مرادي ولا جُمْلُ ولم أَرَ في العشاق مثلي لأنني … تَلَذُّ لي البلوى ويحلو لي العَدْلُ سِوَى مَعشر حَلُّوا النظام ومَزَّقوا … الثياب فلا فَرْضٌ عليهم ولا نَفْلُ مجانين إلا أَنَّ ذُلَّ جُنونِهِمْ … عَزيزٌ على أعتابهِمْ يَسْجُدُ العَقْلُ وأنشدني الشيخ سعيد له شعرًا كثيرًا منها قصيدته المشهورة التي أولها: [من الطويل] سلام عليكمْ صَدِّقَ الخَبَرَ الخُبْرُ … فلمْ يَبْقَ قالَ القَسُّ أَوَ حَدَّثَ الحَبْرُ وهي قصيدة عسرة المسلك، متوعرة الجوانب، يحار في ظلماتها ويخبط في بهماتها، وجملة المختار منها قوله: وأشرق نور الحقِّ مِنْ كلِّ وِجْهَةٍ … على كلِّ وجْه فاستوى السرُّ والجَهْرُ فهاموا وتاهوا بين حق وباطلٍ … يُجَوِّزُهُ زَيدٌ ويمنعُهُ عَمرُو ولو سلموا ساروا على منهج الهُدَى … إلى حضرة الرضوان لكنهم غُرُوا فَقُواموا على ساقٍ مِنَ الجِدَّ واثبتوا … على قَدَم التجريد إِنَّ الغِنى فَقْرُ ولا تجعلوها راحةً دُونَ غاية … فلا راحة إلا إذا بُعثِرَ القَبْرُ ومما أنشد له ابن الكلاس قوله: [من الكامل] حاشا ثِيابَكَ مِنْ أَذًى يا مَنْ لَهُ … القَدْرُ الكبيرُ ورِفْدُهُ لا يُمْنَعُ لمْ يَبدُ فيهنَّ الدماملُ ضِلَّةً … بالقَصدِ لكن ساقهن المَطْمَعُ لما رأت كفيك جودًا هامعًا … وسَحابَ ذاكَ الجَوْدِ لا يتقشَّعُ قَصَدَتْ مُشاركة الأنام فأصبحتْ … مِنْ فَيضِ جُودِكَ تَستمد وتجمع وهذا آخر من وقع في الجانب الغربي

стр. 2620

[مشاهير طبقات الفقراء والمتصوفين بمصر] فأما من بمصر، فقوم: ومنهم: [١٠٢] أَبُو الفَيضِ، ذُو النُّون المِصْرِيُّ، واسمه ثوبان بن إبراهيم، وقيل: أبو الفيض بن إبراهيم الأخميمي (١) قدوة للأولياء، وأسوة للعلماء، ورثة الأنبياء، واتقى الله حق تقاته، وقصر على

стр. 2621

الطاعة كل أوقاته، وكان من الناس جانبا، ولليأس إلى آماله جالبا، عرف الأيام حق معرفتها، وعرَّف ذوي الأفهام منح صفتها، فخلاها من يديه، وأولاها الإعراض لديه، تدارك فساد القلوب بصلاحه، وجلا سواد الدياجي بصباحه، وكان في قوم ما دانوا الله بكيا، وكانوا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١). وطلبه المتوكل الأمر نقل إليه وكان غائبًا، ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ (٢) فلما حلَّ في حضرته جل في عينه، وحلّ عن الاحتجاز عليه عقد بينه، فآب مكرَّمًا، وغاب ولم ينل منه أحد محرما. وكان أوحد وقته علمًا وحالًا وورعًا وأدبًا، سعوا به إلى المتوكل على الله فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل، ورده مكرما؛ وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول: حَيَّ هلا بذي النون. وكان رقيقا نحيفًا، تعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية. ومن كلامه: «إياك أن تكون بالمعرفة مدعيًا، أو تكون بالزهد محترفًا، أو تكون بالعبادة متعلقًا». وقال ذو النون: «قال الله تعالى في بعض كتبه: من كان لي مطيعًا كنت له وليا، فليثق بي، وليحكم علي، فوعزتي! لو سألني زوال الدنيا لأزلتها له». وقال ذو النون: «الصوفي إذا نطق، أبان نطقه عن الحقائق، وإن سكت، نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق». وقال: «الأنس بالله من صفاء القلب مع الله تعالى، والتفرد بالله، والانقطاع من كل شيء سوى الله». وقال: «من أراد التواضع، فليوجه نفسه إلى عظمة الله؛ فإنها تذوب وتصفو، ومن نظر إلى سلطان الله تعالى، ذهب سلطان نفسه؛ لأن النفوس كلها فقيرة عند هيبته. وقال سعيد بن عثمان: أنشدني ذو النون: [من الطويل] أموتُ وما ماتتْ إليكَ صَبابتي … ولا قُضِيَتْ مِنْ صِدْقِ حُبِّكَ أَوطاري مُنايَ المُنى كلُّ المُنى أنتَ لي مُنى … وأنتَ الغِنَى، كلُّ الغِنَى، عند إقتاري وأنتَ مَدَى سُؤلي وغاية رغبتي … وموضع آمالي ومكنون إضماري تحمل قلبي فيك ما لا أبتُهُ … وإنْ طالَ سُقْمي فيكَ أو طال إضراري وبين ضلوعي منك مالك قد بدا … ولم يبد باديه لأهل ولا جار

стр. 2622

وبي منك في الأحشاء داء مُخامر … فقد هَدَّ مني الركن وأنبت اسراري ألست دليل الركبِ إِنْ هَمْ تَحَيَّروا … ومُنقذُ مَنْ أَشفى على جُرُفٍ هارِ؟ أنرتَ الهُدَى للمهتدين ولم يكنْ … مِنَ النور في أيديهِمُ عِشْرُ مِعْشَارِ وعلمتهم علمًا فباتُوا بِنُورِهِ … وبانَ لهم منهم معالم أسرار مهامه للغيب حتى كأنّها … لِما غاب عنها منه حاضرة الدار وأبصارُهُمْ مَحجوبةٌ وقلوبُهُمْ … تَرَاك بأوهام حديات ابصار فنلني بعفو منك أحيا بقُربِهِ … أَغَثْني بيسر منك يطرد إعساري وقال ذو النون: «[الصدق] سيف الله تعالى في أرضه ما وضع على شيء إلا قطعه». وقال: «من تزيّن بعمله كانت حسناته سيئات». وقال: «كان لي صديق فقير، فمات، فرأيته في المنام؛ فقلت له: ما فعل الله بك؟. قال: قال لي: قد غفرت لك بترددك إلى هؤلاء السفل أبناء الدنيا في رغيف قبل أن يعطوك». وقال سالم المغربي: حضرت مجلس ذي النون، فقلت: يا أبا الفيض! ما كان سبب توبتك؟. فقال: عجب لا تطيقه، فقلت: بمعبودك إلا أخبرتني، فقال ذو النون: أردت الخروج من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق ببعض الصحاري، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض، فانشقت الأرض، فخرج منها سكرجتان؛ إحداهما ذهب، والأخرى فضة، وفي إحداهما سمسم، وفي الأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذا، وتشرب من هذا. فقلت: حسبي، قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني الله . وقال: «توبة العوام تكون من الذنوب، وتوبة الخواص تكون من الغفلة». وقال محمد بن أحمد السميساطي: سمعت ذا النون المصري يقول: بينا أنا أسير في جبال أنطاكية، إذا أنا بجارية كأنها والهة مجنونة عليها جبة صوف، فسلمت عليها، فردَّت علي السلام، ثم قالت: ألست ذا النون المصري؟. قلت: عافاك الله، كيف عرفتيني؟. قالت: فتق الحبيب بيني وبين قلبك، فعرفتك باتصال حب الحبيب. ثم قالت: أسألك مسألة. قلت: سليني. قالت: أي شيء هو السخاء؟. قلت: البذل والطاعة. قالت: هذا السخاء في الدنيا، فما السخاء في الدين؟. قلت: المسارعة إلى طاعة المولى. قالت: فإذا سارعت إلى طاعة المولى، يجب به الجزاء؟. قلت: نعم، للواحد عشرة. فقالت: مرّ يا بطال! هذا في الدين قبيح، ولكن المسارعة

стр. 2623

إلى طاعة المولى أن يطلع على قلبك، وأنت لا تريد منه شيئًا بشيء. ويحك يا ذا النون، إني أريد أقسم عليه في طلب شهوة منذ عشرين سنة فأستحي منه أن أكون كأجير السوء إذا عمل طلب الأجرة، ولكن اعمل تعظيمًا لهيبته، وعزًا لجلاله. ثم ذهبت وتركتني. وقال: أتتني امرأة فقالت لي: إن ابني أخذه التمساح الساعة، فرأيت حرقتها، فأتيت النيل، وقلت: اللهم أظهر التمساح، فخرج إلي، فشققت جوفه، وأخرجت ابنها صحيحًا، فقالت: كنت إذا رأيتك سخرت منك، فاجعلني في حل، فأنا تائبة إلى الله تعالى. وقال أحمد بن مقاتل البغدادي: لما دخل ذو النون بغداد، دخل عليه صوفية بغداد، ومعهم قوال، فاستأذنوه أن يقول شيئًا بين يديه؛ فابتدأ يقول: [من مجزوء الوافر] صغير هواك عَذَّبني … فكيف به إذا احتنكا وأنتَ جَمْعتَ مِنْ رُوحي … هوًى قدْ كانَ مُسْتَرَكا أَمَا تَرْتي لمُكْتئِبٍ … إِذا ضَحِكَ الخَلِيُّ بَكا؟ قال: فقام ذو النون وتواجد، وطال تواجده، وسقط على وجهه، والدم يقطر من جبينه، ولا يسقط على الأرض. ثم قام رجل من القوم يتواجد، فقال له ذو النون: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (١)، فجلس في الحال. وحكي أن جارًا لذي النون قام ليلة؛ فسمع ذا النون يقول - وهو باك - «كم من ليلة بارزتك يا سيدي، بما أستوجب به الحرمان منك؟. وأشرفت بقبيح أفعالي منك على الخذلان فسترت عيوبي عن الإخوان، وتركتني مستورًا بين الجيران، لم تكافئني بجريرتي، ولم تهتكني بسوء سريرتي، فلك الحمد على صيانة جوارحي، وأنا أقول كما قال النبي الصالح: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). إلهي، عرف المطيعون عظمتك فخضعوا، وألف العاصون رحمتك فطمعوا، فمن أيهما كنتُ، اغفر لي بعظمتك التي تصاغر لديها كل شيء، وبرحمتك التي وسعت كل شيء اغفر لي وارحمني إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». وقال أبو عبد الله بن الجلاء: كنت مجاورًا بمكة مع ذي النون؛ فجعنا أيامًا كثيرة، لم يفتح لنا بشيء، فلما كان ذات يوم قام ذو النون قبل صلاة الظهر، ليصعد

стр. 2624

إلى الجبل يتوضأ للصلاة، وأنا خلفه فرأيت شيئًا من قشور الموز مطروحًا في الوادي، وهو طري. فقلت في نفسي: آخذ منه كفًا أو كفين، أتركه في كمي لا يراني الشيخ. فلما صرنا في الجبل، وانقطعنا عن الناس، التفت إلي وقال: اطرح ما في كمك يا شره!، فطرحته، وأنا خجل، وتوضأنا للصلاة، ورجعنا إلى المسجد، وصلينا الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلما كان بعد ساعة إذا أنا بإنسان قد جاء ومعه طعام عليه مكبة، فوقف ينظر إلى ذي النون، فقال له: مرّ. فدعه قدام ذاك، وأومأ بيده إليَّ، فتركه الرجل بين يدي، فانتظرت الشيخ ليأكل، فلم يقم من مكانه، ونظر إلي وقال لي: كُل، فقلت: وحدي؟. فقال: نعم أنت طلبت نحن ما طلبنا. يأكل الطعام من طلبه، وأقبلت أكل وأنا خَجِل مُسْتَح مما جرى مني. توفي ذو النون المصري سنة خمس وأربعين ومائتين وقيل: سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقال أبو بكر محمد بن ريان الحضرمي: لما مات ذو النون بالجيزة، حمل في قارب؛ مخافة أن تنقطع الجسور من كثرة الناس مع جنازته، وكنت قائمًا مع الناس على كوم أنظر، فلما رجع من القارب، ووضع على الجنازة، وحمله الناس، رأيت طيورًا خضرًا قد اكتنفت الجنازة، ترفرف عليه، حتى عطف به إلى عند حمام الغار، وغاب عني. حكى في «مناقب الأبرار» عن يوسف بن الحسين قال: بلغني أن ذا النون يعلم اسم الله الأعظم، فخرجت من مكة قاصدًا إليه، حتى وافيته في جدة، فأول ما نظرني رآني طويل اللحية، وفي يدي ركوة طويلة، متزرًا بمئزر، وعلى كتفي مئزر، وفي رجلي تاسومة، فاستبشع منظري، فلما سلمت عليه كأنه ازدراني، وما رأيت منه تلك البشاشة، فقلت في نفسي: ترى مع من وقعت وجلست عنده، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة، جاءه رجل من المتكلمين فناظره في شيء من الكلام، واستظهر على ذي النون وغلبه فاغتممت لذلك، وتقدَّمت وجلست بين أيديهما، واستملت المتكلم إلي وناظرته حتى قطعته، ثم دققت حتى لم يفهم كلامي قال: فعجب ذو النون من كلامي، وكان شيخًا وأنا شاب، فقام من مكانه، وجلس بين يدي، وقال: اعذرني فإني لم أعرف محلك من العلم، وأنت أقرب الناس عندي، وما زال بعد ذلك يجلني، ويرفعني على جميع أصحابه، وبقيت بعد ذلك سنة كاملة، قلت له بعد السنة: يا أستاذ! أنا رجل غريب، وقد اشتقت إلى أهلي، وقد خدمتك سنة، ووجب حقي عليك، وقيل لي: إنك تعلم اسم الله الأعظم، وقد جربتني، وعرفت أني أهل لذلك، فإن كنت تعرفه فعلمني

стр. 2625

إياه. قال: فسكت عني، ولم يُجبني بشيء، وأوهمني أنه ربما علمني، ثم سكت عني ستة أشهر، فلما كان بعد ذلك، قال لي: يا أبا يعقوب! أليس تعرف فلانًا صديقنا بالفسطاط؟. وسمى رجلًا، فقلت: بلى. قال: فأخرج لي من بيته طبقًا فوقه مكبة مسدودة بمنديل، وقال: أوصل هذا إلى من سميت لك بالفسطاط. قال: فأخذت الطبق لأوديه، فإذا هو خفيف، كأنه ليس فيه شيء، قال: فلما بلغت الجسر الذي بين الفسطاط والجيزة، قلت في نفسي: يوجه ذو النون بهدية إلى رجل في طبق ليس فيه شيء؟ لأبصرن ما فيه؟. قال: فحللت المنديل، ورفعت المكبة، فإذا فأرة قد طفرت من الطبق فذهبت. قال: فاغتظت، وقلت: يسخر بي ذو النون؟ ولم يذهب وهمي إلى ما أراد في للوقت. وعرف القصة، وقال: يا مجنون! ائتمنتك على فأرة فخيبتني، فكيف أأئتمنك على اسم الله الأعظم؟ قم عني فارتحل، ولا أراك بعدها، فانصرفت عنه. ومنهم: [١٠٣] أبو بكر، أحمدُ بنُ نَصْرِ الزَّقَّاقِ الكَبِيرُ (١) أخذ من الدنيا بقصاصها، وسهر الليالي والكواكب تنظر الأيام من أخصاصها. وقام على قدم العبادة ثم ما زال، ولا زال وللشمس كل يوم زوال، فصار ذلك دأبًا له لا يتكلفه، وديدنا ضرب له موعد لا يخلفه، هذا إلى استجلاب خواطر، واستنزال مواطر، وفتح قلوب مقفلة ضاعت مفاتيحها، وتنوير بصائر ما أضاءت مصابيحها، وإرشاد طائر، وقول حق في دهر هو السلطان الجائر، فاتسع تصريفه، وسمع منه ما يجري به القلم وصريفه. وكان من أقران الجنيد، وأكابر مشايخ مصر. قال الكتاني: لما مات الزقاق انقطعت حجَّةُ الفقراء في دخولهم مصر. ومن كلامه: «من لم يصحبه التقى في فقره أكل الحرام المحض». وقال: «جاورت بمكة عشرين سنة، فكنت أشتهي اللبن، فغلبتني نفسي، فخرجت إلى عسفان واستضفت حيًا من أحياء العرب، فنظرت إلى جارية حسناء، بعيني اليمنى، فأخذت بقلبي!، فقلت لها: قد أخذ كلُّكِ كُلِّي، فما في لغيرك مطمع. فقالت لي: تقبح بك الدعاوى العالية، لو كنت صادقًا لذهبت عنك شهوة

стр. 2626

اللَّبن!. قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت بها إليها. فقالت لي: مثلك من نظر الله . فرجعت إلى مكة، وطفت أسبوعًا، ثم نمت، فرأيت في منامي يوسف الصديق - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام -. فقلت: يا نبي الله! أقرّ الله عينيك بسلامتك من زليخا. فقال لي: يا - مبارك! أقرّ الله عينك بسلامتك من العسفانية!. ثم تلا ﵇: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (١)، فصحت من طيب تلاوته، ورخامة صوته، وانتبهت، وإذا عيني المقلوعة صحيحة!. وقال الزقاق: «كنت مارًا في تيه بني إسرائيل، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت الشجرة: كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر. وقال أبو علي الروذباري: دخلت يومًا على أبي بكر الزقاق، فرأيته بحالة عجيبة، فسكت ساعة حتى رجع إلي، فقلت له: ما لك أيها الشيخ!؟. فقال: ألم تعلم أني اجتزت بالجيزة ببعض تلك الخوخات، وإذا شخص يغني، يقول: [من الطويل] أبَتْ غَلَبات الشوق إلا تَطَرُّبَا … إليكِ ويأتي العدل إلا تحبُّبا وما كانَ صَدِّي عنكِ صَدَّ مَلامةٍ … ولا ذلك الإقبال إلا تَقَرُّبا ولا كان ذاك العدل إلا نصيحة … ولا ذلك الإغضاء إلا تهيبا علي رقيب منكِ حَلَّ بمُهجتي … إذا رُمْتِ تَسهيلًا عليَّ تَصَعَبا فما هو إلا أن أنشدني الشيخ حتى صرت فيها مغلوبًا لا أدري ما لحقني إلى الساعة، فلما أفقت، قال لي: لا عليك، هكذا من تحقق في بلية لم يخل من البلاء حاضروه، وإنما هو زيادة بلاء صب مني عليك. قمت وتركته. وقال الزقاق: كنت أبكر يوم الجمعة إلى المسجد الجامع، وأجلس عند الجنيد، فبينا أنا ذات يوم جمعة أمشي إلى المسجد إذا أنا باثنين يقولان: اذهب بنا إلى الجنيد نسأله؟. قال الزقاق: فتبعتهما، حتى دخلا سقاية يتطهران، فرأيت منهما شيئًا كرهته لهما، فقلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، أخطأت فراستي فيهما، فخرجا، وأنا أتبعهما حتى وقفا على الجنيد، فقال أحدهما: بماذا يرد خاطر الانزعاج؟. وقال الآخر: كلُّ بادٍ يعود إلى باديه فقلت في نفسي: يا ترى ما يفعل هؤلاء؟. فأقبل علي الجنيد، وقال: أين المغتاب لنا؟ فقلت في نفسي: علم بي، وتكلم على خاطري. ثم قال الثانية: أين المغتاب لنا؟. سلنا نجعلك في حل. فقلت: يا سيدي! ما قلته إلا غيرة.

стр. 2627

فقال: يا أبا بكر! لا تتهم أقواما انتخبهم الحق في سابق علمه، وأظهرهم بكرامة وحدانيته، حتى إذا كان في وقت بدوهم، استخرجهم من الذر لخاصته، وعجن أرواحهم بأنوار قدسه، وأقامهم بين يديه، ونظر إليهم بعين رحمته، وألبسهم تيجان ولايته، فإن دعوه أجابهم، وإن سألوه أعطاهم، وإن استحجبوه غطاهم، لا تدركهم خفيات الألحاظ، ولا يغيرهم ترجمان الأسرار، فهم به ينظرون، وإليه في جميع الأشياء عن الأشياء مستغنون. فنظرت، فلم أرهم!. ومنهم: [١٠٤] أَبُو الحُسَينِ بنُ بَنَان (١) من كبار مشايخ مصر ومقدَّميهم. أدى للآخرة فرضها، ووفي من الدنيا قرضها، ولم يرض بعاجل أجله ببوس، وأجفن صفوه ذهاب نفوس، وحبال البلايا آسرة، وعقاب المنايا كاسرة، ومناسر الأهلة خواطف، ونواشر الأيام المملة غير عواطف، ونوب الليالي سجال، وريب الحدثان المتوالي عجال، فلم ير زخارف الغرور من حظه، ولا رمق رونقها الزور إلا بمؤخر لحظه، حتى طفئت الشرارة، وحل القرارة، وودع متبوعًا بالبكاء، ممنوعًا من البلاء. صحب الخراز، وإليه ينتمي مات في التيه، وسبب ذلك: إنه ورد على قلبه وارد، فهام على وجهه، فلحقوه في وسط متاهة بني إسرائيل في الرمل، ففتح عينيه، وقال: اربع، فهذا مربع الأحباب، وخرجت روحه. ومن كلامه: «كل صوفي يكون هم الرزق قائمًا في قلبه، فلزوم العمل أقرب له إلى الله» و «علامة ركون القلب والسكون إلى الله أن يكون قويًا عند زوال الدنيا وإدبارها عنه، وفقده إياها؛ ويكون بما في يد الله تعالى أقوى وأوثق منه بما في يده». وقال: «اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبوا الحرام». وقال: «ذكر الله تعالى باللسان يورث الدرجات، وذكره بالقلب يورث القربات». وقال: «الوحدة جلسة الصديقين». وقال: «لا يعظم أقدار الأولياء إلا من كان عظيم القدر عند الله».

стр. 2628

وقال: «الناس يعطشون في البراري، وأنا عطشان وأنا على شط النيل!». ومنهم: [١٠٥] أبو علي، الحَسَنُ بن أَحمدَ الكَاتِبُ من كبار مشايخ المصريين (١) رجل كان للمعابد مصباحا، وللعابد في ظلم الليل صباحا، ولم يسود حتى بيض الصحائف، وأمن به الخائف، وكان إذا حندس الظلام، وهمس الكلام، يقف ليله كله على قدمه، ويخدد خده بدمه، ودام على هذا الحال، حتى أن له الارتحال. صحب أبا بكر المصري، وأبا علي الروذباري، وغيرهما من المشايخ، وكان أوحد مشايخ وقته، حتى قال فيه أبو عثمان المغربي: «كان أبو علي ابن الكاتب من السالكين». وكان يعظمه، ويعظم شأنه، مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة. وقال: «إذا انقطع العبد إلى الله بكليته، فأول ما يفيده الله الاستغناء به عن الناس». وقال: «يقول الله تعالى: وصل إلينا من صبر علينا». وقال: «إذا سمع الرجل الحكمة فلم يقبلها، فهو مذنب، وإذا سمعها ولم يعمل بها فهو منافق». وقال: «إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه». وقال: «روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين، وإن كتموها؛ وتظهر عليهم دلائلها، وإن أخفوها، وتدل عليهم وإن ستروها». وقال: «إن الله تعالى يرزق العبد حلاوة ذكره؛ فإن فرح به وشكره، آنسه بقربة، وإن قصر في الشكر، أجرى الذكر على لسانه، وسلبه حلاوته». ومنهم:

стр. 2629

[١٠٦] ابنُ الفَارِضِ، أَبُو القَاسِمِ، عُمَرُ بنُ أَبي الحَسَنِ عَلي بنِ المُرشِدِ بنِ عَليّ، الحموي المولد والدار والوفاة، المعروف بابن الفارض، شرف الدين (١) مظهر جمال، ومظهر تمام وكمال إلى علو، مقام، وعلو شريعة تقام، وكلام في حقيقة، وكمام في حديقة، وإذا غضه يكاد يعصر، وتزداد في العد فلا تكاد تحصر، من بدائع تغازل بألحاظ المها، وتسمع من ألفاظ الغيد ألذ ما يشتهى. إلى قوة تركيب، ومناسبة ترتيب، ودقة معاني، وتوثقة مباني، وتوشيع أردية، وتوسيع أفنية، يجبر بيوت وأندية إلى دقائق عرفان، وحقائق لا يشتمل عليها من السحر أجفان، ومحاسن الخلائق فيه صفان، والناس فيها صنفان هذا إلى زهد وقناعة، وجهد أسبل عليه لباسه وقناعه، وفرط إيثار وبر من إقلال، لا من إكثار، وشرف نفس أغناه عن تحمل منه، وتحمل ذي ضعف ومنه يتزيا من غرور يزدهي بثيابه المعاره، ويلتهي بباطله ويحمل عاره، فمات ولو زخر لديه البحر، لما شرب منه خوفًا من وباله، أو زخ عليه القطر لما علق بحباله. وكان رجلًا صالحًا، كثير الخير، على قدم التجريد. جاور بمكة - شرفها الله تعالى - زمانًا، وكان حسن الصحبة، محمود العشرة. قال ابن الخلكان (٢): أخبرني بعض أصحابه: إنه ترنم يومًا وهو في خلوة ببيت الحريري - صاحب «المقامات» - وهو:

стр. 2630

مَنْ ذا الذي ما سَاءَ قَطْ … ومَنْ لهُ الحُسْنَى فَقَدْ قال: فسمع قائلًا، ولم ير شخصه، وقد أنشد: [من مجزوء الرجز] محمد الهادي الذي … عليه جبريلُ هَبَط وله ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق لطيف، ينحو منحى طريقة الفقراء، وله قصيدة مقدار ستمائة بيت على اصطلاحهم، وكان يقول: عملت في النوم بيتين، وهما (١): [من مجزوء الكامل] وحيَاةِ أشواقي إليـ … ـكَ وحُرمةِ الصَّبر الجميل لا أبصرت عيني سوا … ك ولا صبَوْتُ إلى خليل وحكى أنه لما رأى السهروردي بمكة أنشده بديهًا: [من البسيط] في حالة البعد روحي كنتُ أُرْسِلُها … تقبّلُ الأرضَ عَنِّي فهي نائبتي وهذه نوبة الأشباح قدْ حَضَرَتْ … فامْدُدْ يَمَينَكَ كي تحظى بها شفتي ويحكي أنه رأى جملًا هام به وكلف، وكان الجمل لرجل سقاء يسقي عليه، وكان الشيخ يأتي المورد كل يوم ليراه. قلت: وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود، قال: قدم ابن الفارض، فنزل بمسجد مهجور في آخر باب القرافة، ومعه خادم له، فبقيا ثلاثة أيام لم يطعما طعامًا، فعظم بالخادم الجهد والسغب، فأتى رجل من الأمراء المسجد، فصلى فيه، ثم رمى إلى الشيخ بخرقة فيها عشرة دنانير، ففرح الخادم وهم بأخذها، فمر سائل، فقال له الشيخ: أعطه الذهب، فقال: لو خلينا منه ما نأكل به؟!. فقال: أعطه الذهب، فأعطاه. فلم يمض السائل حتى أتى آخر يسأل عن الشيخ، فلما رآه سلم وقال: أريت البارحة في النوم من دلني على مكانك، وأمرني بالمسير إليك، ودفع إليه خرقة مثل تلك الخرقة فيها مائة دينار، فقال الشيخ لخادمه: إن شئت فخذ هذا الذهب وانصرف عني، فقال: لا والله لا تبعتك بهذا، فقال: بارك الله فيك، قم فاشتر بدينار حصرًا لهذا المسجد، وبدينار ما أحببت من الأكل، وتصدَّق بالبقية، ففعل، وأتى بأنواع من الشواء والحلواء، وغير ذلك، فأكل، واقتصر الشيخ على أكل كسرة، وبقل، وقال: لو لم تحل لي الميتة لم آكل!. ثم أقام ثلاث سنين لا يأكل إلا بعد كل ثلاثة أيام أكلة واحدة، غير باغ ولا عاد. وحكي أن ابن الفارض كان قاضيًا؛ فأتى يومًا المسجد الجامع، والخطيب
следующие страницы →