← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

اللَّبن!. قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت بها إليها. فقالت لي: مثلك من نظر الله . فرجعت إلى مكة، وطفت أسبوعًا، ثم نمت، فرأيت في منامي يوسف الصديق - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام -. فقلت: يا نبي الله! أقرّ الله عينيك بسلامتك من زليخا. فقال لي: يا - مبارك! أقرّ الله عينك بسلامتك من العسفانية!. ثم تلا ﵇: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (١)، فصحت من طيب تلاوته، ورخامة صوته، وانتبهت، وإذا عيني المقلوعة صحيحة!. وقال الزقاق: «كنت مارًا في تيه بني إسرائيل، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت الشجرة: كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر. وقال أبو علي الروذباري: دخلت يومًا على أبي بكر الزقاق، فرأيته بحالة عجيبة، فسكت ساعة حتى رجع إلي، فقلت له: ما لك أيها الشيخ!؟. فقال: ألم تعلم أني اجتزت بالجيزة ببعض تلك الخوخات، وإذا شخص يغني، يقول: [من الطويل] أبَتْ غَلَبات الشوق إلا تَطَرُّبَا … إليكِ ويأتي العدل إلا تحبُّبا وما كانَ صَدِّي عنكِ صَدَّ مَلامةٍ … ولا ذلك الإقبال إلا تَقَرُّبا ولا كان ذاك العدل إلا نصيحة … ولا ذلك الإغضاء إلا تهيبا علي رقيب منكِ حَلَّ بمُهجتي … إذا رُمْتِ تَسهيلًا عليَّ تَصَعَبا فما هو إلا أن أنشدني الشيخ حتى صرت فيها مغلوبًا لا أدري ما لحقني إلى الساعة، فلما أفقت، قال لي: لا عليك، هكذا من تحقق في بلية لم يخل من البلاء حاضروه، وإنما هو زيادة بلاء صب مني عليك. قمت وتركته. وقال الزقاق: كنت أبكر يوم الجمعة إلى المسجد الجامع، وأجلس عند الجنيد، فبينا أنا ذات يوم جمعة أمشي إلى المسجد إذا أنا باثنين يقولان: اذهب بنا إلى الجنيد نسأله؟. قال الزقاق: فتبعتهما، حتى دخلا سقاية يتطهران، فرأيت منهما شيئًا كرهته لهما، فقلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، أخطأت فراستي فيهما، فخرجا، وأنا أتبعهما حتى وقفا على الجنيد، فقال أحدهما: بماذا يرد خاطر الانزعاج؟. وقال الآخر: كلُّ بادٍ يعود إلى باديه فقلت في نفسي: يا ترى ما يفعل هؤلاء؟. فأقبل علي الجنيد، وقال: أين المغتاب لنا؟ فقلت في نفسي: علم بي، وتكلم على خاطري. ثم قال الثانية: أين المغتاب لنا؟. سلنا نجعلك في حل. فقلت: يا سيدي! ما قلته إلا غيرة.

стр. 2627

فقال: يا أبا بكر! لا تتهم أقواما انتخبهم الحق في سابق علمه، وأظهرهم بكرامة وحدانيته، حتى إذا كان في وقت بدوهم، استخرجهم من الذر لخاصته، وعجن أرواحهم بأنوار قدسه، وأقامهم بين يديه، ونظر إليهم بعين رحمته، وألبسهم تيجان ولايته، فإن دعوه أجابهم، وإن سألوه أعطاهم، وإن استحجبوه غطاهم، لا تدركهم خفيات الألحاظ، ولا يغيرهم ترجمان الأسرار، فهم به ينظرون، وإليه في جميع الأشياء عن الأشياء مستغنون. فنظرت، فلم أرهم!. ومنهم: [١٠٤] أَبُو الحُسَينِ بنُ بَنَان (١) من كبار مشايخ مصر ومقدَّميهم. أدى للآخرة فرضها، ووفي من الدنيا قرضها، ولم يرض بعاجل أجله ببوس، وأجفن صفوه ذهاب نفوس، وحبال البلايا آسرة، وعقاب المنايا كاسرة، ومناسر الأهلة خواطف، ونواشر الأيام المملة غير عواطف، ونوب الليالي سجال، وريب الحدثان المتوالي عجال، فلم ير زخارف الغرور من حظه، ولا رمق رونقها الزور إلا بمؤخر لحظه، حتى طفئت الشرارة، وحل القرارة، وودع متبوعًا بالبكاء، ممنوعًا من البلاء. صحب الخراز، وإليه ينتمي مات في التيه، وسبب ذلك: إنه ورد على قلبه وارد، فهام على وجهه، فلحقوه في وسط متاهة بني إسرائيل في الرمل، ففتح عينيه، وقال: اربع، فهذا مربع الأحباب، وخرجت روحه. ومن كلامه: «كل صوفي يكون هم الرزق قائمًا في قلبه، فلزوم العمل أقرب له إلى الله» و «علامة ركون القلب والسكون إلى الله أن يكون قويًا عند زوال الدنيا وإدبارها عنه، وفقده إياها؛ ويكون بما في يد الله تعالى أقوى وأوثق منه بما في يده». وقال: «اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبوا الحرام». وقال: «ذكر الله تعالى باللسان يورث الدرجات، وذكره بالقلب يورث القربات». وقال: «الوحدة جلسة الصديقين». وقال: «لا يعظم أقدار الأولياء إلا من كان عظيم القدر عند الله».

стр. 2628

وقال: «الناس يعطشون في البراري، وأنا عطشان وأنا على شط النيل!». ومنهم: [١٠٥] أبو علي، الحَسَنُ بن أَحمدَ الكَاتِبُ من كبار مشايخ المصريين (١) رجل كان للمعابد مصباحا، وللعابد في ظلم الليل صباحا، ولم يسود حتى بيض الصحائف، وأمن به الخائف، وكان إذا حندس الظلام، وهمس الكلام، يقف ليله كله على قدمه، ويخدد خده بدمه، ودام على هذا الحال، حتى أن له الارتحال. صحب أبا بكر المصري، وأبا علي الروذباري، وغيرهما من المشايخ، وكان أوحد مشايخ وقته، حتى قال فيه أبو عثمان المغربي: «كان أبو علي ابن الكاتب من السالكين». وكان يعظمه، ويعظم شأنه، مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة. وقال: «إذا انقطع العبد إلى الله بكليته، فأول ما يفيده الله الاستغناء به عن الناس». وقال: «يقول الله تعالى: وصل إلينا من صبر علينا». وقال: «إذا سمع الرجل الحكمة فلم يقبلها، فهو مذنب، وإذا سمعها ولم يعمل بها فهو منافق». وقال: «إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه». وقال: «روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين، وإن كتموها؛ وتظهر عليهم دلائلها، وإن أخفوها، وتدل عليهم وإن ستروها». وقال: «إن الله تعالى يرزق العبد حلاوة ذكره؛ فإن فرح به وشكره، آنسه بقربة، وإن قصر في الشكر، أجرى الذكر على لسانه، وسلبه حلاوته». ومنهم:

стр. 2629

[١٠٦] ابنُ الفَارِضِ، أَبُو القَاسِمِ، عُمَرُ بنُ أَبي الحَسَنِ عَلي بنِ المُرشِدِ بنِ عَليّ، الحموي المولد والدار والوفاة، المعروف بابن الفارض، شرف الدين (١) مظهر جمال، ومظهر تمام وكمال إلى علو، مقام، وعلو شريعة تقام، وكلام في حقيقة، وكمام في حديقة، وإذا غضه يكاد يعصر، وتزداد في العد فلا تكاد تحصر، من بدائع تغازل بألحاظ المها، وتسمع من ألفاظ الغيد ألذ ما يشتهى. إلى قوة تركيب، ومناسبة ترتيب، ودقة معاني، وتوثقة مباني، وتوشيع أردية، وتوسيع أفنية، يجبر بيوت وأندية إلى دقائق عرفان، وحقائق لا يشتمل عليها من السحر أجفان، ومحاسن الخلائق فيه صفان، والناس فيها صنفان هذا إلى زهد وقناعة، وجهد أسبل عليه لباسه وقناعه، وفرط إيثار وبر من إقلال، لا من إكثار، وشرف نفس أغناه عن تحمل منه، وتحمل ذي ضعف ومنه يتزيا من غرور يزدهي بثيابه المعاره، ويلتهي بباطله ويحمل عاره، فمات ولو زخر لديه البحر، لما شرب منه خوفًا من وباله، أو زخ عليه القطر لما علق بحباله. وكان رجلًا صالحًا، كثير الخير، على قدم التجريد. جاور بمكة - شرفها الله تعالى - زمانًا، وكان حسن الصحبة، محمود العشرة. قال ابن الخلكان (٢): أخبرني بعض أصحابه: إنه ترنم يومًا وهو في خلوة ببيت الحريري - صاحب «المقامات» - وهو:

стр. 2630

مَنْ ذا الذي ما سَاءَ قَطْ … ومَنْ لهُ الحُسْنَى فَقَدْ قال: فسمع قائلًا، ولم ير شخصه، وقد أنشد: [من مجزوء الرجز] محمد الهادي الذي … عليه جبريلُ هَبَط وله ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق لطيف، ينحو منحى طريقة الفقراء، وله قصيدة مقدار ستمائة بيت على اصطلاحهم، وكان يقول: عملت في النوم بيتين، وهما (١): [من مجزوء الكامل] وحيَاةِ أشواقي إليـ … ـكَ وحُرمةِ الصَّبر الجميل لا أبصرت عيني سوا … ك ولا صبَوْتُ إلى خليل وحكى أنه لما رأى السهروردي بمكة أنشده بديهًا: [من البسيط] في حالة البعد روحي كنتُ أُرْسِلُها … تقبّلُ الأرضَ عَنِّي فهي نائبتي وهذه نوبة الأشباح قدْ حَضَرَتْ … فامْدُدْ يَمَينَكَ كي تحظى بها شفتي ويحكي أنه رأى جملًا هام به وكلف، وكان الجمل لرجل سقاء يسقي عليه، وكان الشيخ يأتي المورد كل يوم ليراه. قلت: وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود، قال: قدم ابن الفارض، فنزل بمسجد مهجور في آخر باب القرافة، ومعه خادم له، فبقيا ثلاثة أيام لم يطعما طعامًا، فعظم بالخادم الجهد والسغب، فأتى رجل من الأمراء المسجد، فصلى فيه، ثم رمى إلى الشيخ بخرقة فيها عشرة دنانير، ففرح الخادم وهم بأخذها، فمر سائل، فقال له الشيخ: أعطه الذهب، فقال: لو خلينا منه ما نأكل به؟!. فقال: أعطه الذهب، فأعطاه. فلم يمض السائل حتى أتى آخر يسأل عن الشيخ، فلما رآه سلم وقال: أريت البارحة في النوم من دلني على مكانك، وأمرني بالمسير إليك، ودفع إليه خرقة مثل تلك الخرقة فيها مائة دينار، فقال الشيخ لخادمه: إن شئت فخذ هذا الذهب وانصرف عني، فقال: لا والله لا تبعتك بهذا، فقال: بارك الله فيك، قم فاشتر بدينار حصرًا لهذا المسجد، وبدينار ما أحببت من الأكل، وتصدَّق بالبقية، ففعل، وأتى بأنواع من الشواء والحلواء، وغير ذلك، فأكل، واقتصر الشيخ على أكل كسرة، وبقل، وقال: لو لم تحل لي الميتة لم آكل!. ثم أقام ثلاث سنين لا يأكل إلا بعد كل ثلاثة أيام أكلة واحدة، غير باغ ولا عاد. وحكي أن ابن الفارض كان قاضيًا؛ فأتى يومًا المسجد الجامع، والخطيب

стр. 2631

يخطب يوم الجمعة، وشخص يغني، فنوى إقامته وتأديبه، فلما انقضت الصلاة، وانتشر الناس وأراد ابن الفارض الخروج، ناداه ذلك الرجل: أن أقبل!، فلما وقف عليه أنشده: [من الكامل] قَسَمَ الإله الأمر بينَ عِبادِهِ … فالصَّبُّ يُنشِدُ والخَلِيُّ يُسبِّحُ ولعمري التسبيح خير عبادة … للناسكين وذا لقوم يَصْلُحُ وكان هذا سبب زهده. مولده: في الرابع من ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة بالقاهرة. وتوفي بها يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن من الغد بسفح المقطم. وأبوه يعرف بالفارض؛ لأنه كان يكتب الفروض للنساء على الرجال. ومن مختار شعره (١): [من البحر الكامل] أرجُ النسيم سَرَى مِنَ الزوراء … سَحَرًا فأحيا ميت الأحياء أهدى لنا أرواح نجدٍ عَرْفُهُ … فالجَرُّ مِنهُ مُعَنْبَرُ الأَرجاء وروى أحاديث الأحِبَّةِ، مُسندًا … عَنْ إذخر بأذاخر وسحَاءِ فَسَكِرْتُ مِنْ رَيَّا حَوَاشي بردِهِ … وسَرَتْ حُميا البرء في أدوائي يا ساكني البطحاء هلْ مِنْ عَودَةٍ … أَحيا بها، يا ساكني البطحاء؟ إن ينقضي صَبْري فليس بمنقَضِ … وجدي القديم بكم ولا برحائي ولئن جفا الوَسْمِيُّ ماحِلَ تُرْبِكُمْ … فَمَدامعي تربي على الأنواء يا لائمي في حُبِّ مَنْ مِنْ أجلِهِ … قَدْ جدَّ بي وجدي وعَزَّ عَزائي هلًا نَهاكَ نَهاكَ عَنْ لوم امريء … لمْ يُلْفَ غير منعم بشقاء لو تدري فيم عذلتني لعَذَرتَني … خَفِّضْ عليك وخلني وبلائي أسعد أخيَّ وغَنِّ لي بحديثِ مَنْ … حَلَّ الأباطحَ إن رَعَيتَ إخائي وكَفَى غرامًا أَنْ أَبِيتَ مُتيّمًا … شوقي أمامي والقضاء ورائي وقوله (٢): [من الكامل] أوميضُ برق بالأبيرق لاحا … أم في رُبَى نَجْدٍ أَرى مُصباحا أم تلك ليلى العامرية أسفرت … ليلًا فصيَّرت المساء صباحا يا ساكني نجد أما مِنْ رَحمةٍ … لأسير إلف، لا يُريد سراحا

стр. 2632

هلًا بعثتُم للمشوقِ تحيةً … في طي صافية الرياح رواحا يَحيا بها مَنْ كانَ يَحْسَبُ هَجرَكمْ … مَرْحًا ويعتقد المَرَاحَ مُزاحا يا عاذل المُشتاقِ جَهلًا بالذي … يَلقَى مليًا لا لَقِيتَ نجاحا أَقصرْ عِدِمتُكَ وَاطَّرِحْ مَنْ أَثخنتْ … أحشاءه النُّجْلُ العيون جراحا ماذا يريد العاذلونَ بِعدْلِ مَنْ … لَبسَ الخَلاعة واستراح وراحا سفيًا لأيام مَضَتْ مَعْ جِيرَةٍ … كانتْ ليالينا بهم أفراحا واها على ذاك الزمان وطيبه … أيام كنتُ مِنَ اللُّغُوبِ مُراحا وقوله (١): [من البسيط] هِلْ نارُ ليلى بَدَتْ ليلًا بذي سَلَمِ … أَمْ بارقٌ لاح بالزوراء فالعلم أرواح نعمانَ هَلًا نَسمةٌ سَحَرًا … وماءَ وجْرةَ هَلًا نَهْلَةٌ بفمي يا سائق الظَّعْنِ يَطوي البِيدَ مُعتَسفًا … طيَّ السِّجِلِّ بذاتِ الشيح مِنْ إِضَمِ عج بالحمى يا رعاك الله معتمدًا … خَمِيلةَ الضَّالِ ذاتَ الرَّنِدِ والخزمِ وقف بِسَلْعِ وسَلْ بِالجَزْعِ هَلْ مُطرَتْ … بالرَّقمتين أثيلات بمنسجم نشدتك الله إن جُزْتَ العقيق ضُحًى … فاقر السلام عليهم غير محتشم وقلْ تَرَكْتُ صريعًا في دياركم … حيًَّا كَمَيْتٍ يُعيرُ السُّقْمَ للسَّقَم فمن فؤادي لهيب نابَ عَنْ قَبَسٍ … ومِنْ جُفوني دمع فاض كالديم وهذه سنة العُشَّاقِ ما عَلِقوا … بشادِنِ فَخَلَا عُضْوٌ مِنَ الألم يا لائمًا لامني في حُبِّهم سَفَها … كُفَّ المَلامَ فلو أحببت لمْ تَلُمَ وحرمةِ الوَصْلِ والوُدّ العتيق وبالـ … عَهدِ الوثيق وما قد كان في القِدَمِ ما حُلْتُ عنهم بسلوان ولا بَدَلٍ … ليسَ التبدُّلُ والسُّلوانُ مِنْ شِيَمي رُدُّوا الرُّقادَ لجَفْنِي عَلَّ طَيفَكُمُ … بمَضجَعي زائرٌ في غَفلةِ الحُلُم آها لأيامنا بالخيْفِ لَوْ بَقيتُ … عَشْرًا وَوَاهًا عليها كيف لمْ تَدُم هيهات وا أسفي لو كانَ يَنفَعُني … أوْ كانَ يُجدِي على ما فات واندمي عني إليكم ظباء المنحنى كَرَمًا … عَهدتُ طَرفي لم ينظر لغيرهم طوعًا لقاض أتى في حُكمِهِ عَجَبًا … أفتى بسفك دمي في الحِلِّ والحَرَمِ أَصمُّ لم يسمع الشكوى وأبَكَمُ لَمْ … يُحِرْ جَوابًا وعَنْ حالِ المَشوقِ عَمِيَ وقوله (٢): [من البحر الطويل]

стр. 2633

شَرِبنا على ذِكْرِ الحَبيبِ مُدامةٌ … سَكِرنا بها مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ الكَرْمُ لها البدر كأس وهي شمس يُديرها … هِلَالٌ وكُمْ يبدو إذا مُزِجَتْ نَجْمُ ولم يبق منها الدهر غيرَ حُشَاشَةٍ … كأَنَّ خَفَاها في صُدُورِ النُّهى كَتْمُ فإن ذُكرت في الحي أَصْبَحَ أهلُهُ … نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم ومن بين أحشاء الدنان تصاعدت … ولم يبقَ منها في الحقيقة إلا اسم وإن خطرت يومًا على خاطر امريء … أقامت به الأفراح وارتحل الهم ولو نظر الندمانُ خَتْمَ إنائِها … لأسكرَهُمْ مِنْ دُونها ذلكَ الخَتْمُ ولو طرحوا في في حائط كَرْمِها … عَليلًا وقد أشفى، لفارقه السُّقْمُ ولو قرَّبوا مِنْ حانِها مُقعَدًا مَشَى … وَيَنطِقُ مِنْ ذكرى مذاقتها البُكُمُ ولو عبقت في الشرق أنفاسُ طِيبِها … وفي الغَربِ مَزكوم لعاد لهُ الشَّم ولَوْ خُضِبَتْ مِنْ كَأْسِها كفُّ لامِسٍ … لَمَا ضَلَّ في ليل وفي يده النجم ولو جُليتْ سِرًا على أَكْمَةٍ غَدًا … بَصيرًا ومِنْ رَاووقها تسمعُ الصُّمّ ولو أنَّ رَكْبًا يمموا تُرْبَ أَرضِها … وفي الركب مَلسُوعٌ لَمَا ضَرَّه السُّمُّ ولَوْ رَسَمَ الراقي حُروف اسمها على … جبينِ مُصاب جُنَّ، أَبَرأَهُ الرَّسْمُ تُهذّب أخلاق الندامى فيهتدي … بهالطريقِ العَزمِ مَنْ لا لَهُ عَرْمُ ويَكْرُمُ مَنْ لَمْ يَعرفِ الجُودَ كَفُّهُ … ويَحْلُمُ عندَ الغَيظُ مَنْ لا لَهُ حِلْمُ ولو نالَ قَدْمَ القَوم لثم مُدامها … لأكسبَة مَعْنى شمائلها اللثْمُ يقولون لي صفها فأنت بوصفها … خَبِيرٌ، أجل، عندي بأوصافها عِلْمُ صفاء، ولا ماء، ولطف ولا هوا … ونُورٌ ولا نار، ورُوحٌ ولا جِسْم تقدَّم كل الكائناتِ وجُودُها … قَديمًا ولا شَكْلُ هُناكَ ولا رَسْمُ وقامت بها الأشياء ثم لحكمة … بها احتجبتْ عَنْ كُلِّ مَنْ لا لَهُ فَهُمُ وهامت بها روحي بحيثُ تمازجًا أنـ … ـحادًا ولا جرم تخللهُ جِرْمُ فخمر ولا كرم وآدم لي أبٌ … وكَرْمٌ ولا خَمْرٌ ولي أُمَّها أَمّ وقد وقع التفريق والكلُّ واحد … فأرواحنا خَمْرٌ وأَشباحنا كَرْمُ محاسنُ تَهْدِي الواصفين لوصفها … فيحْسُنُ فيها منهم النثر والنظم ويَطْرَبُ مَنْ لمْ يدرِها عند ذكرها … كمشتاق نُعْم كلما ذُكرت نُعم وقالوا: شربت الإثم كلًا وإنما … شربتُ التي في تركها عندي الإثم هنيئًا لأهلِ الدَّيْرِ كم سكَنَوا بها … وما شَرِبوا منها ولكنَّهمْ هَمُّوا فعندي منها نشوةٌ قبلَ نَشأَتي … مَعي أبدًا تبقى وإِنْ بَلِيَ العَظْمُ

стр. 2634

عليك بها صرفًا وإِن شئتَ مَزْجها … فعدلُكَ عَنْ ظُلِم الحبيب هو الظُّلَمُ ودونها في الحان واستجلِها بِهِ … على نَغَمِ الألحان فهي بها غُنْمُ فما سكنت والهم يومًا بموضع … كذلك لم يسكن مع النغم الغم وفي سَكْرَةٍ منها ولوْ عُمْرَ ساعةٍ … تَرَى الدهر عبدًا طائعًا ولك الحكم فلا عَيشَ في الدنيا لمن عاش صاحِيًا … ومَنْ لمْ يَمُتْ سُكْرًا بها فاتَهُ الحَزْمُ على نفسه فليبكِ مَنْ ضاعَ عُمْرُهُ … وليسَ لهُ منها نَصيبٌ ولا سَهْمُ وقوله (١) ﵁: [من البسيط] ما بين مُعترك الأحداق والمُهَج … أنا القتيل بلا إثم ولا حَرَج ودَّعتُ قبل الهوى روحي لما نظرَتْ … عيناي مِنْ حُسْنِ ذاك المنظرِ البَهِجِ للهِ أَجفانُ عَينٍ فيك ساهرة … شوقًا إليك وقلب بالغَرَام سَجِي وأضلع نحلت كادت يقومها … مِنَ الجَوَى كَبِدِي الحَرِى مِنَ العِوج وأدمع هملت لولا التَّنفُسُ مِنْ … نارِ الهَوَى لَمْ أَكَدْ أَنجو مِنَ اللجَجِ وحبَّذا فيكَ أَسقامُ خَفيتَ بها … عني تقوم بها عندَ الهِوَى حُجَجِي أصبحتُ فيك كما أمسيتُ مُكتئبًا … ولم أَقلْ جَزَعًا: يا أزمة انفرجي أَهفُو إلى كلِّ قلب بالغَرامِ لهُ … شُغْلٌ وكل لسان بالهوى لهج وكل سمع عن اللاحي بهِ صَمَمٌ … وكُلِّ جَفْنِ إلى الإغفاء لمْ يَعْجِ لا كان وجد به الآماقُ جامدة … ولا غَرَامٌ بِهِ الأَشواقُ لَمْ تَهِجَ عَذِّبْ بما شئتَ غير البعد عنك تجد … أوفى مُحِبِّ بما يُرِيكَ مُبتهج وخُذْ بقية ما أبقيتَ مِنْ رَمَقٍ … لا خير في الحُبِّ إِنْ أُبقى على المُهَجِ مَنْ لي بإتلاف روحي في هوَى رَشًَا … حُلْوِ الشَّمائل بالأرواحِ مُمتزج مَنْ ماتَ فيه غرامًا عاش مُرتقيًا … ما بين أهل الهوى في أرفع الدَّرَج مُحجَّبِ لَوْ سَرَى في مثلِ طُرَّتِهِ … أَغَنتْهُ غُرَّتُهُ الغَرَّا عَنِ السُّرُجِ وإن ضَلَّلْتُ بليلٍ مِنْ ذَوائِبِهِ … أهدى لعيني الهُدى صُبِحٌ مِنَ البَلَجِ وإِنْ تَنفّس قال المسكُ مُعترفًا … لعارفي طِيبهِ مِنْ نَشْرِهِ أَرَجِي أعوام إقباله كاليوم في قِصَرٍ … ويومُ إعراضه في الطول كالحُجَجِ فإن نأى سائرًا يا مُهجتي ارتحلي … وإن دنا زائرًا يا مقلتي ابتهجي قُلْ للذي لامني فيه وعنفني … دَعْني وشأني وعُدْ عَنْ نُصْحِكَ السَّمِ

стр. 2635

فاللوم لؤم ولم يمدح به أحدٌ … فَهل رأيتَ مُحبًا للغرام هُجي؟ يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكني … وارْبَحْ فُؤادَكَ واحذر فتنةُ الدَّعَجِ يا صاحبي وأنا البَرُّ الرؤوف وقدْ … بَذَلتُ نُصحي بذاك الحَيِّ لا تَعْجَ فيه خلعتُ عِذاري واطَّرَحْتُ بهِ … قبول نسكي والمقبولُ مِنْ حُجَجِيَ فابيض وجه غرامي في مَحبَّته … واسود وجْهُ مَلامي فيهِ بالحُجَجِ تبارك الله ما أحلى شمائلُهُ … فكم أماتتْ وأحيتْ فيهِ مِنْ مُهَجِ يهوى لذكر اسمه مَنْ لَجَّ في عَذَلي … سَمْعي وإنْ كانَ عَذلي فيهِ لَمْ يَلِجِ وأَرَحَمُ البرق في مَسْراهُ منتسبًا … لثغرِهِ وهوَ مُسْتَحِي مِنَ الفَلَجِ تَرَاهُ إِنْ غاب عني كلُّ جارحةٍ … في كلِّ معنى لطيف رائقٍ بَهِج في نغمة العُودِ والناي الرخيم إذا … تَألّفا بين ألحان مِنَ الْهَزَج وفي مسارح غزلان الخمائلِ فِي … بَرْدِ الأَصائل والإصباح في البَلَجِ وفي مساقط أنداء الغمَام على … بِساطِ نَوْرٍ مِنَ الأَزهارِ مُنْتَسَجِ وفي مساحب أذيال النسيم إذا … أَهَدى إليَّ سُحَيرًا أطيب الأَرَجِ وفي التثامي ثغر الكأس مُرتِشَفًا … رِيقَ المُدامة في مُسْتَنْزِهِ فَرِجَ لم أدر ما غربة الأوطان وهيَ مَعي … وخاطري أَينَ كُنَّا غيرُ مُنزعج فالدار داري، وحبي حاضر ومتى … بدا فمنعرج الجرعاء مُنْعَرجي ليهن ركب سروا ليلًا وأنتَ بهم … بسيرهم في صباحٍ مِنْكَ مُنبلج فليصنع الركب ما شاؤوا بأنفسهم … هم أهلُ بَدْرٍ فَلا يَخْشُونَ مِنْ حَرَجٍ بحق عصياني اللاحي عليكَ وما … بأضلعي طاعة للوجدِ مِنْ وَهَجَ انظر إلى كبد ذابت عليكَ جَوّى … ومقلةٍ مِنْ نَجِيع الدمع في لُجَج وارحم تعثر آمالي ومُرتَجَعي … إلى خُداع يُمنِّي القلب بالفَرَج واعطف على ذُلِّ أطماعي بهل وعسى … وامنن علي بشرح الصدرِ مِنْ حَرَجي أهلًا بما لم أكن أهلًا لموقعِهِ … قول المبشِّرِ بعد اليأس بالفَرَج لك البشارة فاخلع ما عليك فقد … ذُكِرتَ ثُمَّ على ما فيكَ مِنْ عِوج [وقوله (١): [الطويل] أدِرْ ذِكْرَ مَنْ أهوى، ولو بمَلامِ … فإنَّ أحاديث الحبيب مدامي ليَشْهَدَ سَمْعي من أُحبُّ، وإن نأى … بطيفِ مَلامِ، لا بطيفِ مَنام

стр. 2636

أصلي، فأشدو، حين أتلو، بذكرِها … وأطْرَبُ في المحراب وهي أمامي ولم يبق مني الحب غير كآبة … وحزن، وتبريح، وفرط سقام فأما غرامي واصطباري وسلوتي … فلم يبقَ لي منهن غير أسامي ولي كُلّ عُضو فيه كل صبابة … إذا ما رَنَتْ وقع لكل سهام] (١) وقوله (٢) ﵁: [من الكامل] قلبي يُحدِّثني بأنَّكَ مُتلفي … رُوحي فداكَ عَرَفْتَ أمْ لم تعرف لم أقضِ حَقَّ هَواكَ إنْ كنتُ الذي … لم أقض فيه أسى ومثلي مَنْ يَفي ما لي سوى روحي وباذلُ نفسِهِ … في حُبِّ مَنْ يَهْواه ليسَ بِمُسْرِفِ فلئن رضيت بها فقد أسعفتني … يا خيبةَ المَسعَى إِذا لم تُسعِفِ يا مانعي طيب المنام ومانحي … ثوب السقام به ووجدي المُتلف عطفًا على رمقي وما أبقيتَ لي … مِنْ جِسميَ المُضْني وقلبي المُدْنفِ فالوجد باق والوِصال مُماطلي … والصَّبرُ فان واللقاءُ مُسوفي لمْ أَخْلُ مِنْ حَسَدٍ عليكَ فلا تُضِعُ … سَهَري بتشنيع الخيال المُرجِفِ واسأل نجوم الليل هل زارَ الكَرَى … جَفْني وكيفَ يَزورُ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ لا غرو أن شَحَّتْ بِغُمضِ جُفُونِها … عيني وسَحَتْ بالدُّمُوعِ الذُّرَّفِ وبما جرى في موقف التوديع مِنْ … أَلَم النوى شاهدتُ هَول الموقف إن لم يكن وصل لديكَ فَعِدْ بِهِ … أَملي وماطل إِنْ وَعَدتَ ولا تَفِ فالمَطْلُ منك لدي إنْ عزَّ الوَفا … يحلو كوصْلٍ مِنْ حَبيبٍ مُسْعِفِ أهفو لأنفاس النسيمِ تَعِلَّةً … ولوجْهِ مَنْ نقلت شاه تشوفي فلعل نار جوانحي بهبوبِها … أَنْ تَنطفي وأود أن لا تنطفي يا أهل وُدّي أنتم أملي ومَنْ … ناداكم يا أهلَ وُدِّي قَدْ كُفِي عُودُوا لِمَا كنتم عليهِ مِنَ الوَفا … كَرَمًا فإني ذلك الخل الوفي وحياتكم، وحياتكم قسمًا وَفي … عُمْري بغير حياتكمْ لَمْ أَحْلِفِ لوْ أَنَّ رُوحي في يدي ووهبتها … لمُبشِّري بوصالكم لم أنصف لا تحسبوني في الهَوَى مُتصنّعًا … كَلَفي بكم خُلُق بغيرِ تَكَلُّفِ أخفيتُ حُبَّكم فأخفاني أسى … حتى لعَمَرِي كِدْتُ عَنِّي أَحْتَفِي

стр. 2637

وكتمته حتى ولو أبديته … لوجدتُه أَخفَى مِنَ اللُّطْفِ الخَفي ولقد أقولُ لمن تحرش بالهوى … عَرَّضت نفسك للبلى فاستهدف أنت القتيل بأي مَنْ أَحببتُه … فاختر لنفسك في الهوى مَنْ تَصطفي قل للعذول أطلت لومي طامعًا … أنَّ المَلام عَنِ الهَوى مُستوقفي دع عنك تعنيفي وذُقْ طَعْمَ الهَوى … فإذا عَشِقْتَ فبعد ذلك عنف بَرِحَ الخفاء بحب من لؤ في الدُّجى … سَفَرَ اللثام لقلت يا بدر اختف فإن اكتفى غيري بطيفِ خياله … فأنا الذي بوصاله لا أكتفي وقفا عليهِ مَحبَّتي ولمحنتي … بأقلَّ مِنْ تلفى به لا أشتفي وهَواهُ وهُوَ أَلِيْتي وَكَفَى بِهِ … قسمًا أكاد أُجلُّهُ كالمصحف لو قال تيها قف على جَمْرِ الغَضا … لوقفتُ مُمتثلًا ولم أتوقف أوْ كانَ مَنْ يَرْضَى بِخَدِّي مَوطِئًا … لوَضَعْتُهُ أرضًا ولم أستنكف لا تُنكروا شغَفَي بما يَرْضَى وإنْ … هوَ بالوِصال عليَّ لَمْ يَتَعَطَّفِ غَلَبَ الهَوى فَأَطَعتُ أمر صبابتي … مِنْ حيثُ فيه عصيتُ نَهْيَ مُعنّفي مِنِّي لَهُ ذُلُّ الخُضوع ومنه لي … عِزُّ المَنُوعِ وقُوةُ المُستضعف أَلِفَ الصُّدود ولي فؤادٌ لَمْ يَزَلْ … مُذْ كنتُ غيرَ وُدادِهِ لَمْ يَأْلَفِ يا ما أُميلِ كلِّ ما يَرْضَى بِهِ … ورُضابِهِ يا ما أُحيلاهُ بِفِي لوْ أَسمعوا يعقوبَ ذِكْرَ مَلاحَةٍ … في وجهِهِ نَسِيَ الجَمال اليوسفي أو لو رآه عائدًا أيوب في … سِنَةِ الكَرَى قِدْمًا مِنَ البَلوى شُفِي كلُّ البدور إذا تَجَلَّى مُقبِلًا … تَصبو إليه وكلُّ قَدْ أَهيف إن قلت عندي فيك كلُّ صَبَابَةٍ … قال: الملاحة لي، وكلُّ الحُسْنِ فِي كملتْ محاسنُهُ فلو أهدى السَّنَى … للبدر عندَ تَمامِهِ لَمْ يُخْسَفِ وعلى تفنن واصفيهِ لحُسنِهِ … يَفْنَى الزمان وفيه ما لم يُوصَفِ ولقد صرفت لحبه كلي على … يَدِ حُسْنِهِ فَحَمِدْتُ حُسْنَ تَصَرُّفي فالعين تهوى صورة الحُسنِ التي … رُوحي بها تصبو إلى مَعنَى خَفَي اسعد أُخَيَّ وغَنني بحديثه … وانثر على سمعي حلاه وشف لأرى بعين السمع شاهد حُسنِهِ … مَعنى فأتحفني بذاك وشَرِّفِ يا أخت سعدٍ مِنْ حَبيبي جئتني … برسالةٍ أَديتها بتلطَّفِ فسمعت ما لم تسمعي ونظرت ما … لم تنظري وعرفت ما لم تعرفي إن زارَ يومًا يا حشاي تَقطَّعي … كَلَفًا بهِ أو سار يا عين اذرفي

стр. 2638

ما للنوَى ذَنْبٌ ومنْ أهوَى مَعِي … إنْ غابَ عنْ إنسانِ عيني فهو في وقوله ﵁ (١): [من الطويل] هوَ الحُبُّ فاسلم بالحشا ما الهَوى سَهْلُ … فما اختاره مُضنّى به، ولهُ عَقْلُ وعِشْ خاليًا فالحُّبُ راحتهُ عَنِّى … وأوَّلُه سُقْمُ وآخِرُه قَتْلُ ولكنَّ لدي الموت فيه صبابةً … حياةٌ لِمَنْ أهوى عليَّ بها الفَضْلُ نصحتك علمًا بالهوى والذي أرى … مُخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو فإن شئت أن تحيا سعيدًا فَمُتْ بهِ … شهيدًا وإلا فالغرام لهُ أَهْلُ فَمَنْ لَمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لَمْ يَعِشْ بِهِ … ودون اجتناءِ النَّحْلِ مَا جَنَتِ النَّحْلُ تمسك بأذيال الهوى واخلع الحيا … وخَلَّ سبيل الناسكين وإن جلُّوا وقُلْ لقتيل الحب وفَيْتَ حقَّهُ … وللمُدَّعِي هيهاتَ مَا الكَحَلُ الكُحْلُ تعرض قوم للغرامِ وأَعْرِضُوا … بجانبِهمْ عَنْ صِحَّتي فيه واعْتِلُوا رَضُوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم … وخاضوا بحار الحُبِّ دَعوى فما ابتلوا فهم في السُّرى لم يبرحوا مِنْ مكانهم … وما ظَعَنوا في السير عنه وقدْ كَلُّوا وعن مذهبي لما استحبوا العَمَى على الـ … هُدَى حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ ضَلُّوا أحبَّةَ قلبي والمَحَبَّةُ شافع … لديكم إذا شئتم بها اتَّصلَ الحَبْلُ عسى عَطْفَةٌ منكم عليَّ بنظرة … فقد تعبت بيني وبينَكُمُ الرُّسْلُ أحبايَ أنتم أحسن الدهرُ أَمْ أَسَا … فكونوا كما شئتم، أنا ذلك الخِلُّ إذا كانَ حَظَّي الهجر منكم ولم يكن … بعاد فذاك الهجر عندي هوَ الوَصْلُ وما الصد إلا الود ما لم يكنْ قِلّي … وأصعب شيء غير إعراضكمْ سَهْلُ وتعذيبكمْ عَذْبٌ لدي وجوركم … عليَّ بما يقضي الهَوى لكمُ عَدْلُ وصبري صبر عنكم وعليكم … أرى أبدًا عندي مَرارَتَهُ تَحْلُو أخذتمْ فُؤادي وهو بَعْضي فما الذي … يَضُرُّكم لو كان عندكم الكُلُّ نأيتُم فغير الدمع لم أَرَ وافيًا … سوى زَفْرَةٍ مِنْ حَرِّ نَارِ الجَوَى تَغْلُو فسُهْدِيَ حَيٌّ في جُفُونِي مُخَلَّدٌ … ونَومي بها مَيْتٌ ودَمعي لهُ غُسْلُ هوًى طَلَّ ما بين الطلولِ دَمي … فَمِنْ جُفوني جَرَى بِالسَّفْحِ مِنْ سَفْحِهِ، وَبْلُ تبالَه قَومِي إِذْ رَأَوني متَيَّمًا … وقالوا: بمَن هذا الفتى مَسَّهُ الخَبْلُ

стр. 2639

وماذا عسى عنِّي يُقالُ سِوى غَدَا … بِنُعْم، لهُ شُغْلٌ، نَعَمْ لي بها شُغْلُ وقال نساء الحَيِّ: عنا بذكرِ مَنْ … جَفانا وبعد العِزّ لَذَّ لَهُ الذُّلُّ إذا أنعمت نُعم عليَّ بنظرة … فلا أسعدتْ سُعْدَى ولا أجملتْ جُمْلُ وقد صَدِئَتْ عيني برؤية غيرها … ولَثْمُ جُفوني تُرْبَها للصَّدَى يَجْلُو حديثي قديم في هواها وما لَهُ … كما عَلِمَتْ بَعْدٌ وليس له قَبْلُ وما لي مثل في غرامي [بها] كما … غدت فتنة في حُسْنِها ما لها مِثْلُ حَرامٌ شِفَا سُقْمي لديها رَضِيتُ ما … بهِ قَسَمَتْ لي في الهوى ودمي حل فحالي وإن ساءت فقد حسنت بها … وما حَطَّ قَدْرِي فِي هَواها بهِ أَعِلُو وعُنوان ما فيها لقيتُ وما به … شَقَيتُ وفي قولي اختصرتُ ولمْ أَغْلُ خَفِيتُ ضنّى، حتى لقدْ ضَلَّ عائدي … وكيفَ تَرَى العُوَّادُ مَنْ لا لَهُ ظَلُّ وما عَثَرَتْ عَينُ على أَثَري ولمْ … تَدَعْ لِيَ رَسْمًا في الهَوى الأعينُ النُّجْلُ ولي همَّةٌ تَعلُو إذا ما ذكرتُها … ورُوحٌ بذكراها إذا رَخْصَتْ تَغْلُو فنافس ببذل النفس فيها أخا الهَوَى … فإِنْ قَبِلتْها منك يا حبَّذا البَذْلُ فَمَنْ لَمْ يَجُدْ فِي حُبِّ نُعْم بنفسِهِ … ولو جاد بالدنيا إليه انتهى البُخْلُ ولولا مراعاة الصيانةِ غَيْرَةً … وإن كثروا أهلُ الصبابة أو قلُّوا لقلتُ لعشاق الملاحة أقبلوا … إليها، على رأي، وعَنْ غيرها ولُّوا وإن ذُكرت يومًا، فَخَرُّوا لذكرها … سُجودًا وإن لاحت إلى وجهها، صَلُّوا وفي حبها بِعْتُ السَّعادة بالشَّقا … ضَلالًا وعقلي عَنْ هُدَايَ بِهِ عَقْلُ وقلت لرشدي والتنسُّكِ والتَّقَى … تَخَلُّوا وما بيني وبين الهوى خلوا وفرَّغتُ قلبي مِنْ وُجُودِيَ مُخلصًا … لعلِّيَ في شُغْلِي بها مَعَها أَخْلُو ومِنْ أَجلِها أَسَعَى لِمَنْ بيننا سَعَى … وأَعْذُو ولا أغدو لمنْ دَابُهُ العَذْلُ فأرتاح للواشين بيني وبينها … لتعلم ما ألقى وما عندَها جَهْلُ وأَصبو إلى العذال حُبًا لذكرها … كأنهم ما بيننا في الهوى رُسْلُ فإنْ حَدَّثوا عنها فكُلِّي مَسامِع … وكلِّيَ إِنْ حَدَّثْتُهمْ أَلسن تَتْلُو تخالفت الأقوال فينا تباينًا … بِرَجْم ظُنون بيننا ما لها أَصْلُ فشنع قوم بالوصالِ ولَمْ تَصِلْ … وَأَرْجَفَ بالسلوان قومٌ ولم أَسْلُ وما صَدَقَ التشنيع عنها لشِقْوَتي … وقدْ كَذَبَتْ عنِّي الأراجيف والنقل وكيف أُرجي وصلَ مَنْ لَوْ تَصَوَّرَتْ … حماها المُنَى وَهْمًا، لضاقتْ بِهِ السُّبْلُ وإِنْ وَعَدَتْ لم يلحق الفعلُ قَولَها … وإِنْ أَوعَدَتْ فالقولُ يسبقه الفِعْلُ

стр. 2640

عديني بوَصْل وامطلي بنجازه … فعندي إذا صَحَ الهَوى حَسُنَ المَطْلُ وحُرمةِ عَهْدٍ بيننا عنهُ لمْ أَحُلُّ … وعَقْدِ بأيد بيننا ما لهُ حَلُّ لأنت على غيظ النوى ورضا الهوى … لدي وقلبي ساعة منكِ ما يخلو تُرَى مُقلتي يومًا تَرَى مَنْ أَحْبِهُمْ … ويُعتبني دهري ويجتمعُ الشَّمْلُ وما بَرِحُوا معنى أراهم معي، فإن … نأوا صورةً، في الذهن قام لهم شكل فهمْ نُصْبَ عَيني ظاهرًا حيثما سَرَوا … وهم في فُؤادي باطنًا أينما حَلُّوا لهم أبدًا منّي حُنُوٌّ وإِنْ جَفَوا … ولي أبدًا مَيْلٌ إليهم وإنْ مَلُّوا وقوله ﵁ (١): [من الخفيف] ته دلالًا فأنتَ أَهل لذاكا … وتحكّم فالحُسْنُ قد أعطاكا ولك الأمر فاقض ما أنتَ قاضٍ … فَعَلَيَّ الجمال قد ولاكا وتلافي إن كان فيه تلافيك … وعَجِّلْ بهِ، جُعلت فداكا وبما شئت في هواك اختبرني … فاختباري ما كانَ فيهِ رِضاكا فعلى كُلِّ حالةٍ أنتَ مِنِّي … بيَ أولى إذ لم أكن لولاكا أَبْقِ لي مُقْلَةٌ لعلَّيَ يَومًا … قبلَ مَوتي أرى بها من رآكا أينَ منّي ما رُمْتُ، هيهات بل أيـ … ـن لعيني بالجَفْنِ لثم ثَرَاكا فبشيري لو جاء منكَ بعَطْفِ … وجُودي في قبضتي قلتُ: هاكا هَبْكَ أَنَّ اللأَحَي لحَاهُ بجهل … [عنكَ] قُلْ لي: عَنْ وَصْلِهِ ما نَهاكا؟ أثرى مَنْ أفتاك بالصَّدٌ عَني … ولغيري بالود من أفتاكا كنتَ تَجْفُو وكان لي بعضُ صَبْرٍ … أَحسنَ اللهُ في اصطباري عزاكا كلُّ مَنْ في حماك يهواك، لكن … أنا وحدي بكُلِّ مَنْ في حماكا وقوله ﵁ (٢) -[من البحر البسيط] قف بالديار وحَيّ الأربعَ الدُّرُسا … ونادِها فَعَساها أَنْ تُجِيبَ عَسَى فإِنْ أَجنَّك ليلٌ مِنْ تَوحُشِها … فاشعِلْ مِنَ الشوق في ظلمائِها قَبَسَا ومنها: فإِنْ بَكَى في قفار خلِتُها لُجَجًا … وإنْ تنفّس عادت كلُّها يَبَسَا كم زارني والدجَى يَرْبدُّ مِنْ حَنَقٍ … والزهرُ تبسِمُ عَنْ وجهِ الذي عَبَسَا وابت قلبي قَسْرًا قلتُ مَظْلَمَةٌ … يا حاكم الحُبّ هذا القلبُ لِمْ حُبِسا؟

стр. 2641

زرعت باللحظ وردًا فوق وجْنَتِهِ … حقًا لطرفي أن يجني الذي غرسا فإن أبى فالأقاحي منه لي عوض … مَنْ عُوِّض الثَّغَرَ عَنْ دُرِّ فما بُخِسا تلك الليالي التي أعددتُ مِنْ عُمُرِي … مَعَ الأحبة كانتْ كلُّها عُرُسًا لمْ يَحْلُ للعين شيء بعد بعدهم … والقلبُ مُذْ أَنِسَ التَّذكار ما أنسا وألزم الصبر مني النفس مُكرَهَةً … لولا التأسي بدار الخُلدِ مُتُّ أَسَى وقال (١): [من الطويل] يمينًا بما في الثغرِ مِنْ رائقِ اللَّمى … لقد ذبتُ مِنْ شَوقي إلى وجهِهِ ظَمَا ولولا النسيم الحاجري يمر بي … يُبشِّرني بالقرب من ساكني الحمى لهَدَّمْتُ أَركانَ الصَّبابة والتقى … ولكنَّني عَلَّلْتُ نَفسًا برُبَّما ومُحتجب مِنْ خَلفِ سُمْرٍ ذَوابل … وكم ماتَ فِيهِ مِنْ مُحِبٌ مُتيَّما إذا جاز في ترب له بعْدَ هَجْعَةٌ … يُرِيكَ الضُّحَى فِي غَيْهَبٍ قَدْ تَبَسَّما سل الغُصْنَ مَنْ أعطاهُ لِينَ قَوَامِهِ … ومَنْ قَدْ أَعارَ الجيد واللحظ للدمى شَكَوتُ إلى عَينِيهِ وَجْدي ولوعتي … فقال: لك البشرى إذا مُتَّ مُغْرَما يَرَى أَنَّ قَتلي في هَواهُ مُحَلَّلًا … وأَنَّ وصالي والسَّلامَ مُحَرَّما يَرقُ لِما ألقاه في الليل طيفُهُ … فَمَا ضَرَّهُ مِنْ طيفِهِ لَوْ تَعَلَّما تلطف بي حتى تملَّكَ مُهجتي … وعذَّبني بالتيه والصَّد عندما بَنَى في فُؤادي مسكنًا غيرَ أَنَّهُ … لرُكن اصطباري بالقطيعة هَدَّما بوجه تعالى الله أتقن خَلْقَهُ … فكمْ نَسَخَتْ آيَاتُهُ آيةَ السَّما وقوله (٢): [من الخفيف] أَعْلَنَتْ ما تَسُرُّهُ الآماقُ … حِينَ أَضْمَتْ مَقاتِلِي الأحدَاقُ وكتمتُ الغَرَامَ شَحًا وصونًا … فأَقَرَّتْ بنَشْوَتي العُشَّاقُ يا أُهيل الحمى شكايةَ صَبٌ … فَتكتْ في فُؤادِهِ الأَحْدَاقُ ودُّهُ قَدْ عَلمتُوهُ سَليمًا … ما اعتراهُ بَعْدَ البِعادِ مُحاقُ وهوَ مُذْ بايع الغَرَام قَديمًا … مُؤمِن العِشْقِ لم يَشُبْهُ نِفَاقُ لا وعَصْرِ الصبا وحُرمةِ ليلٍ … ضَمِنَّا حِينَ نامتِ الطَّرَّاقُ ما أفاد الملام فيكم … وقلَّ غَرَامي ولا وهي الميثاق وقوله (٣): [من الكامل]

стр. 2642

حَسْبُ المُحبِّ مِنَ الصبابةِ ما لَقِي … لَمَّا تَخَلَّفَ بعدَهُ في الأَبْرَقِ سارُوا فَمَا والله ما كَتَمَ الدُّجَى … نُورٌ أَضَاءَ مِنَ الجَبينِ المُشْرِقِ ولقدْ رَجَوتُ الصبر يبقى بعد ما … بانُوا فَلَجَّ بي الغَرَامَ وما بَقي أمُرُوا بإطلاق الدموع لبينِهِمْ … وأَسَيرُ سِحْرِ عُيونِهِمْ لَمْ يُطْلَقِ سَعِدَتْ حُدَاتُهمُ بكُلِّ مُمتَّع … في رَكَبِهِمْ والرَّبْعُ بعدَهمُ شَقِي حاشا فؤادًا خَلَّصوهُ لِودهم … واستوطنوه لذكرهِمْ لَمْ يَخْفِق يا قلب صبرًا تحت أعباء الهَوَى … قبل المماتِ لَعَلَّنا لا نلتقي ولربما نُهْدِي الصَّبا في طَيَّها … مِنْ نَشْرِها رُوحًا لقلبِ شَيِّقِ خَلِقَ التَّصَبُّرُ عنهم وهواهم … بين الضلوع جديده لمْ يَخْلَقِ وقوله ﵁ (١) -: [من الطويل] أشاهد معنى حُسنِكُمْ فَيَلَذُّ لي … خُضوعي لديكم في الهوى وتَذلُّلي وأشتاق للمعنى الذي أنتُمُ بِهِ … ولولاكم ما شاقني ذِكْرُ مَنْزِلِ فللهِ كَمْ مِنْ ليلةٍ قَدْ قَطَعتُها … بللَّة عَيْشِ والرقيب بمعْزَلِ ونلتُ مُرادي فوق ما كنتُ رَاجيًا … فوُاحَسْرَتا لو تَمَّ هذا ودَامَ لِي وقد ذكره أبو الصفاء الصفدي (٢) وقال: قال الشيخ شمس الدين يعني الحافظ الذهبي: أنشدنا غير واحد أنه قال عند موته لما انكشف له الغطاء: [من البسيط] إن كان منزلتي في الحب عندكُمُ … ما قَدْ لَقِيتُ فقدْ ضَيَّعتُ أيامي أمنيةٌ ظَفِرَتْ رُوحي بها زمنًا … واليوم أحسبها أضغاث أحلام قال: ومن شعره مما ليس في ديوانه (٣): [من الخفيف] وإذا قيلَ مَنْ تُحِبَّ؟ تَخَطَّا … ك لساني وأنت في القلب ذاكا عَمِيَتْ عَيْنُ مَنْ رأَى مثل عينيـ … ـك وطوبى لعينِ مَنْ قد رآكا ولد ﵁ بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتوفي بها سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ودفن تحت العارض - مكان بالقرافة - ورثاه الجزار، فقال: [من الكامل] لمْ يَبْقَ صَيِّبُ مُزْنَةٍ إلا وقَدْ … وَجَبَتْ عليه زيارة ابن الفارض

стр. 2643

لا غرو أَنْ يَسقِي ثَرَاه وقَبْرَهُ … باقٍ ليوم العرض تحت العارض ومنهم: [١٠٧] أَبُو القَاسِمِ بْنُ مَنصُور بن يحيى المَكِّيُّ الاسكندري المعروف بالقباري (١) حط رجله بالآخرة وأناخ، ولم يتخذ الدنيا غير مناخ، فلم يأنس من أهلها بقبيل. ولا سلك في سبلها إلا عابر سبيل، لعدم اغتراره ببرقها الجهام، وفرط حذاره من رشقها بالسهام، فلم يستطب فيها الملاذ، ولم يستطل بها العود والملاذ، وأقام لا يرشف من ورد زلالها ريقا، ولم يقبل من برد ظلالها طريقا. وكان أحد العباد المشهورين بكثرة الورع والتحري في المأكل والمشرب والملبس، معروفًا بالانقطاع، والتخلي، وترك الاجتماع بأبناء الدنيا، والإقبال على ما يعنيه من أمر نفسه، وطريقه الذي سلكه، قل أن يقدم أحد من أهل زمانه عليه من خشونة عيشه، وما أخذ به نفسه من الوحدة، وعدم الاجتماع بالناس، والجد، والعمل، والاحتراز من الرياء، والسمعة، لا يعلم في وقته من وصل إليه، وكانت الملوك ومن دونهم يقصدون زيارته، ورؤيته، والتبرك به، فلا يكاد يجتمع بأحد منهم، وأخباره في الورع والعبادة مشهورة. وكان مقيمًا بجبل الصيقل بظاهر الاسكندرية، وبه مات، ولم يزل عمره كله على قدم واحدة في الاجتهاد والعبادة، وقلة المبالاة بعيشه كيف كانت، ودنياه كيف نقصت، متقللًا من قليلها بجهده، مقبلًا على الآخرة بكليته، يتصدق بفضله، ويواسي في كفافه، ويؤثر من قوته، إلى كرم عزيز، وقنع باليسير. ومما حكي عنه من الورع أنه لما رأى ما ينال الناس من الظلم في كرى الخليج

стр. 2644

الواصل إلى الاسكندرية من النيل، أعرض عن مائه، وحمله التدقيق في الورع على أن حفر له بئرًا كان يشرب منها، وينقل الماء منها بالجرار على دابة ليسقي بستانه، وكان إذا وجد رطبة ساقطة تحت نخلة ولم يشاهد سقوطها منه، لا يرفعها، ولا يأكلها، لاحتمال أن طائرًا جناها من نخل غيره، وسقطت منه تحت نخلة. وبالجملة لم يخلف بعده مثله. وحكى علي بن حمزة النقيب، عن أبي المظفر يوسف بن عبد العزيز الدمنهوري، قال: أتيت الشيخ أبا القاسم وتهيبته أن أطرق عليه الباب، فوقفت لعلي أجد من يستأذن لي عليه، فسمعته يبكي وينشد: [من الخفيف] كيف بُرْئي وداء وجُدِي عُضالُ … ونهوضي وعثرتي لا تُقال وعزيز على أهون شيء … في هَواه ما قالت العذال يا نسيم الشمالِ مِنْ أَرضِ نَجْدٍ … فيكَ للصَّبٌ صِحَةٌ واعتلال لي بالجَزْعِ حاجة ليسَ تُقضَى … وغَريمٌ يَلَذْ مِنْهُ المِطالُ يا لَقَومي كم ذا تُسَلُّ سُيُوفٌ … لِقتالي وكمْ تُرَاسُ نِبال أنتِ أحلى في القلب من أمل القلـ … ـب إذا ما تناهتِ الآمال قال: ولم يزل يرددها وهو يبكي ويشهق، حتى خفت عليه، فطرقت عليه الباب، فقطع إنشاده وسكن زفراته، وغيض عبراته، ثم أذن لي، فدخلت عليه، فقال: لعلك سمعت شعرًا كنت أنشده؟ فقلت: كان ذلك، ولقد خشيت عليك والله مما كنت فيه. فقال: يا هذا، تذكرت عشقة منذ عهد الصبا أنا إلى الآن في سكرها، وربما كانت في وقت أشد من وقت، والعاقل يستروح بمثل ما رأيت من أرواح الأشعار، وأنفاس الأشجار، وسألتك الله إلا ما كتمت. قال: فوالله ما ذكرتها حتى مات. وتوفي ليلة الاثنين سادس شعبان سنة اثنتين وستين وستمائة، ببستانه بجبل «الصيقل»، بظاهر الاسكندرية، ودفن به، بوصية منه، وقبره يزار ويتبرك به. وبيع الأثاث الموجود في منزله، وقيمته دون خمسين درهمًا وَرِقًا، بما يزيد عن عشرين ألف درهم نُقْرَة، تزايد الناس فيه رجاء البركة حتى بلغ الإبريق الذي كان يستعمله ويتوضأ فيه للصلاة جملة كبيرة، وقيمة مثله لا يبلغ ثلاثة فلوس. وقد رأيت خرقة من أثره عند بعض المصريين، وذكر أنها بيعت في أثاثه بمائة وعشرين درهمًا. ومنهم:

стр. 2645

[١٠٨] ابن فضل صميم علم أغرق في الحسب، وأغبق في كرم الحسب، ترقى للحيرة فعرف الحقيقة، وتوقى الحيرة فوقف على الطريقة. قال: «إذا شئت أن تصير من الأبدال، فحوّل خُلُقَكَ إلى بعض خلق الأطفال؛ ففيهم خمس خصال لو كانت في الكبار لكانوا أبدالًا، وهي: أنهم لا يغتمون للرزق. ولا يشتكون من خالقهم إذا مرضوا. ويأكلون الطعام مجتمعين. وإذا تخاصموا لم يتحاقدوا، وتنازعوا إلى الصلح. وإذا خافوا جرت عيونهم بالدموع». وكان يقول للمريد إذا أتاه: تصحبني على أربعة خلائق هنَّ كنوز الجنة: كتمان الفاقة، وكتمان المصيبة، وكتمان المرض، وكتمان السر. وكان يحب الخلوة، فإذا خلا رفع عقيرته، وأنشد قول الرضي (١): [من الكامل] جاذبته فَضْلَ العِتابِ وبينَنا … كِبْرُ المُلولِ ورقَةُ المَمْلُولِ مَنْ لي به والدار غير بعيدة … عن داره والمال غير قليل وحكي أن رجلًا كان يصحبه، فسمعه يقول يومًا في دعائه: «اللهم وحقق أملي»، فقال: يا سيدي أيكون المحقَّقُ أملًا؟. فقال: اعلم أن الأمل العمل. وقيل: إن الفضيل بن فضالة سأل ربه أن يرفع عنه الأمل، فاستجاب له، فترك الأكل والشرب، فلم تستقم له العبادة، فدعا ربه أن يرد عليه أمله فأكل وشرب. وأتاه نعي بعض إخوانه وهو يأكل طعامًا، فقال للمخبر له: اقعد فكل، فقد علمت. قال له: ومن أعلمك؟ وما سبقني إليك أحد. قال: بلى، قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٢) والعجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع؟!!. ومنهم: [١٠٩] مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الله بن المجد المُرشِدِيُّ الدَّهْرُوطي (٣)، الشيخ أبو عبد الله: رجل من أهل منية مرشد من الوجه البحري من ديار مصر. ظهر فيها ظهور

стр. 2646

الشمس في السماء، وصدر عنه الناس صدورهم عن الماء، وترامت إليه الفجاج بالوفود، وشُدَّت إليه الركائب من أقطار الوجود، وغصت طرق البر والبحر إليه، ونصت ألسنة المشرق والمغرب عليه، وظهرت له كرامات لم تظهر فيها معه لبشر بارقة، ولا غدت بها لابن أدهم سابقة، ولا جاء الجنيد منها إلا جيش ليس له به قبل، ولا وسع ذا النون المصري البحر ولا البر ولا السهل ولا الجبل. والناس فيه على قسمين: حتى أهل بلده؛ فأناس يقولون: إن أموره كانت رحمانية. وأناس يقولون: إنها شيطانية. وسواد الجمهور على حسن الاعتقاد فيه، وسأحكي من أموره ما فيه غنى للواقف عليه. قدمت مصر وهذا الرجل قد طارت سمعته، وطرقت الشام، وأسمعت الخاص والعام، ولم تبق أذن إلا وفيها منه صالح، وذاكر له بذكر صالح، وكنت أتمنى لقاءه، وقصدت هذا في قدمتي الاسكندرية، فحالت دون ذلك شواغل خدمة السلطان، وتمادى علي ذلك الأمد، فقدم مصر حاجًا، وأتى إلى خدمة السلطان، واجتمع به في الميدان المجاور للاسطبل، وكان فخر الدين ناظر الجيوش الجامع بينهما، وقام السلطان له، وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وأقبل عليه يحدثه لما قرره فخر الدين في صدره، فلم يكن للشيخ حديث يحدث به السلطان، ولا موعظة يعظه بها، ولا مصلحة من مصالح الدنيا والآخرة يوصيه بها، إلا الإطناب في شكر فخر الدين، وذكر دينه وزهده وصلاحه، وأنه يتعين على السلطان أن يغتبط به، ويعتمد عليه، ويمسكه بيديه، وجعل كل مجلسه في هذا. فنزل من عين السلطان، وقال لألجاي الداوداري: هؤلاء يتقارضون الشهادات!. ثم قال له: لو كان هذا وليًا من أولياء الله أوصاني بسائر

стр. 2647

عباد الله، ولم يقتصر على ذكر الفخر، وكم في الناس من رجل قدمه خير من الفخر!. وقال لبكتمر الساقي: والله لولا الحياء من الناس كنت ضربته على فمه!. ثم خرج المرشدي إلى الحج، وخرج السلطان إلى سرياقوس، فخرجنا معه، وأتانا الخبر بأن الشيخ في البركة، فقمت أنا ووالدي رحمه الله تعالى، وركبنا لنراه، فلحق بنا الداوداري، وقال: متى رحتم إليه ما يعجب السلطان، وذكره بأمور لا أحب ذكرها، ولم يزل حتى عدنا، ثم لم يقدر لي به اجتماع حتى مات في شعبان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، إلا أنه ومنذ قدم مصر وإلى أن مات لم تزل كتبه إليَّ متواصلة، وحوائجه لدي مقضية. قلت: ولقد يحكى عنه من الغرائب ما لم نسمع مثله عن أحد من أهل زمانه، ولا ممن تقدمهم بزمان سالف. وكان الناس إذا قصدوه تشهوا في نفوسهم أنواع المآكل والمشارب، فإذا أتوه أتاهم به على أنه في منقطع رمل، وقرية صغيرة لا يوجد فيها مثل تلك الأنواع، والشائع الذائع عند عامة أهل مصر أنه كان يأتيه الجماعة وكل واحد قد يشتهي شيئًا، واقترح ما لا يوجد مثله إلا أن يكون في القاهرة، أو دمشق، فإذا حضروا عنده، وسلموا عليه، غاب عنهم هنيهة، ثم حضر وأحضر لكل واحد منهم ما اقترح، ويقولون: إن أكثر ما كان يحضره للناس في كمه، أو هو حامل له بيده، من غير خدام له، ولا من يستعين بهم، حتى زعموا أنه كان يحضر من أنواع الأطبخة عدة [من] الألوان، وليس عنده من يطبخ له، ولا يعرف له قدر ولا مغرفة، ولا زبدية، ولا موقد نار، مع اشتغاله طول نهاره وليله بالناس، ويزعمون أن هذا المدد ما هو في وقت دون وقت، بل إنه يأتي في اليوم الواحد بعدة من الألوان لا يعرف من أين أتى بها، ولا من طبخها!. إلى غير ذلك مما يحكون عنه من هذا ومثله، مما أظن أكثره من باب الخراف في القول. وحكى لي صاحبنا القاضي شمس الدين القيسراني كاتب الإنشاء، وكان قد توجه قصدًا لزيارته، قال: كنت قد أكلت في الطريق قبل إشرافي على بلده بقليل، فاشتهيت أقسما سكرية مبردة، فحال ما وصلت وسلمت عليه غاب عني هنيهة، وأتى معه أقسما سكرية مبردة مثل الأقسما التي تعمل للسلطان، وقال لي: اشرب هذه فإنك قد جئت من حر الطريق. وحكى لي الشيخ أحمد بن عمر الأنصاري قال: الشيخ محمد المرشدي يتوجه في كل سنة إلى «كوم فرح» أظنه قال: في نصف شعبان، ويأتيه من الخلائق ما لا يحصى كثرة، ومعهم دوابهم.

стр. 2648

و «كوم فرح» في مكان منقطع شاسع، ويقيم الناس عند الشيخ ثلاثة أيام، وهو يقوم بهم، وبما يحتاجون إليه من طعام وشراب وعليق، كل هذا يتولاه بنفسه، ولا يعرف من أين يأتي به؟!. وحكى لي الأمير الوزير مغلطاي الجمالي - رحمه الله تعالى - قال: توجهت إلى زيارة الشيخ محمد، فلما قربت منه اشتهيت قمحية بلبن حليب بلحم خروف رميس، … فلما وصلنا، جاء ومعه زبدية كبيرة فيها قمحية بلبن حليب بلحم خروف رميس، وقال لي: كُلْ، ثم بقي يغيب ويجيب أشياء أخر، ويضعها قدام مماليكي. وكلما جاب شيئًا إلى واحد منهم يعجب منه ويقول: والله أنا كنت قد اشتهيته وأحضر أكثر من عشرين لونًا ما يطبخ إلا في مطبخ السلطان. وحكى لي شهاب الدين أحمد بن مليح الاسكندري بالاسكندرية، قال: نويت زيارة الشيخ محمد في نفسي، وقلت: لعلي أصادف عنده هيطلية بسمن وعسل آكل منها؟. فجاء كتاب وكيل الخاص باستعمال حوائج السلطان أعاقني عن ما عزمت عليه، فلم يمض غير يومين أو ثلاثة، وإذا أنا برجل قد أتاني من عند الشيخ، وقال: الشيخ يسلم عليك، وقد بعث لك هذا السمن والعسل لتعمل لك هيطلية، وتأكلها بهما، ولو كانت تحمل إليك بعث لك بها. قال ابن مليح: والله الذي لا إله إلا هو، لم أكن قد اطلعت أحدًا على ما نويت ولا على ما كنت قد اشتهيت. وأخباره في مثل هذا كثيرة. وكان - على ما ذُكِرَ لي - رجلًا مبدنًا. ربعة من الرجال، حسن الشكل، منوّر الصورة، جميل الهيأة، حسن الخلائق، يحفظ القرآن الكريم، والتنبيه في مذهب الشافعي، وكان فقيه النفس، مختصرًا لكثير من المسائل، يتلو في أكثر الأوقات، ويفتي من استفتاه من غير أن يكتب خطه بشيء، وكان لا يرد نفسه عن الشفاعات إلى أرباب الدولة، وحاشية السلطان، وشفاعاته مقبولة، والوسائل به لا ترد. وقد زعم قوم أن هذه الكرامات إنما كانت بصناعة مقررة بينه وبين قاضي فوّه، فإنهما كانا روحين في جسد، وكان قد تحصن بالشيخ، فلا يقدر قاضي القضاة ولا أحد غيره على عزله، وطال ذيله، وأكثر من تسجيل البلاد والتجارة. والولاة ترعاه إما للاعتقاد في الشيخ، أو لرجاء العناية من الشيخ بهم عند الدولة، فتنمت أمواله، وصلحت حاله واتسعت دائرة سعادته، فلم يبق له دأب إلا تلقي من يصل من ذوي الأقدار قاصدًا زيارة الشيخ، لأن «فوّه» طريق «منية المرشد»، فإذا وصل الزائر أنزله، وأضافه، وشرع في محادثته، ومحادثة من معه، حتى يقف ما في

стр. 2649

خواطرهم اقتراحه على الشيخ، ثم يبعث به إلى الشيخ على دواب مركزة في الطريق بينهما، وعدة من الأوصاف بما لعله لا يكون عنده، ثم يعطيه حلية كل رجل من المذكورين واسمه!. قالوا: فكان بهذه الصنعة تم له ما أراد، فيشهد له من أتاه بما كان في نفسه، ويقول غيره بالتقليد كعادة العوام في ذلك. وعندي في كل أمره نظر، ولو رأيته لكنت وقفت على بعض الخبر. وبالجملة فكان ذا فضل وبر، ومعروف، ومذهب غير مألوف، رحمه الله تعالى. ومنهم: [١١٠] عبد الله [بنُ مُحَمَّدٍ بنِ سَلْمَانَ] المَنُوفِيُّ (١) جمع بين العلم والصلاح، وطلع نيره المشرق فلاح. فارقت مصر وهو قطب رحاها، وشمس ضحاها، وهو ممن تفقه واعتزل قرأ الفقه على مذهب الشافعي، وانقطع بالمدرسة الصالحية مقتصرًا على خويصة نفسه، لا يكاد يخرج إلا إلى الصلاة مع الجماعة، أو الجمعة. تقلل من متاع الدنيا، ولا يستكثر من الناس، ولقد أراد السلطان الاجتماع به فلم يرد، وعيّن لجلائل التدريس والمناصب، وكنت المتحدث معه في ذلك فأبى، وعقد على الامتناع. ولقد أقمت بديار مصر ما أقمت من السنين، أرى أبناءها وأسمع أنباءها، فلم أرض أحدًا مثله لعلمه وعمله، وصلاحه، وانقطاعه، وإن كان ابن اللبان أشهر وأوسع علمًا، وأطول باعًا في علوم الشريعة والحقيقة، إلا أنه لا يخلو من متكلم فيه، والشيخ عبد الله مجمَعُ [عليه]، وما ذاك إلا لعظم زهده، وتخليه، وقطع علائقه من الناس، وقطعهم عنه. ولقد يحكى عنه كرامات ظاهرة كفلق الصبح كان يحكي لي منها، ولكنني لم أضبطها. ومنها: ما حكى الأمير سيف الدين الجابي الدوادار ﵀ قال: وقع في نفسي إشكال في مسألة، وكان لي صاحب من الفقهاء الحنفية أتردد إليه زمن الاشتغال، فنزلت إليه، وليس لي مهم إلا أن أسأله عن تلك المسألة، ليحل لي

стр. 2650

الإشكال فيها، فأتيته فلم أجده فأتيت المدرسة التي بها الشيخ عبد الله المنوفي لأراه. فلما دخلت عليه، وسلمت عليه وجلست قال لي: كأنك مشتغل بشيء من الفقه؟. فقلت: نعم. فقال: ما قولك في كذا وكذا؟ - لتلك المسألة بعينها!؛ فقلت: منكم يستفاد فأخذ يتكلم في تلك المسألة وما عليها من الإيرادات، وذكر الإشكال الذي وقع في نفسي، ثم شرع يجيب عن تلك الإيرادات، حتى جلا ذلك الإشكال، وحل المسألة. فسألته عن شيء آخر؟. فقال: لا، قم مع السلامة، والقصد قد حصل. وهذه كرامة ظاهرة لا تنكر. رحمه الله تعالى. ومنهم: [١١١] أَبُو عَبْدِ اللهِ، مُحَمَّدُ بنُ اللُّبَّان شمس الدين الشاذلي (١) طراز مصر المذهب، وفرد أهلها في علم الحقيقة والمذهب، والفائز المعلى قدحه، والسيد المحلى بذائب الذهب مدحه، طاب غرسه، وأشرقت ملء المشارق والمغارب شمسه، وطال لواؤه، وحسن دواؤه وكثرت شيعته تتوالى منه وليًا تروى أنواؤه، وتجود الأرض سماؤه، وتعود بالفرض والنوافل نعماؤه. صحب الشيخ ياقوت الحبشي، وغيره من مشايخ الاسكندرية، ومصر والشام وأخذ عنهم من علوم الطريقة والحقيقة ما تقدم، تمهيد العلوم الشرعية لسلوكه فيه، حتى برع وبر أهل زمانه، وساد على أبناء دهره، وأطلق قلمه بالإفتاء، واشتغل عليه أنواع الطلبة، وأخذت عنه طوائف المريدين، وتكلم على رؤوس الأشهاد، وحضر مجلسه الخاص والعام، ولم يزل يشار إليه بالإجلال، ويذكر بالتعظيم. وكنت أسمع به ولا يقيض لي به لقاء، ثم أصيب بما لم يخل منه مثله، فخلى في بعض مجالسه وقد شرع في كلام ما كمله، وأخذ في قول ما أتمه، فقام ابن الكاتب المالكي، وقطع عليه الكلام، وأخذ في الإنكار عليه، وقام معه أناس قلائل، وهم بهم السواد الأعظم حتى كادوا يثبون بهم، ثم حجز بين الفريقين، ورفع ابن الكاتب القضية

стр. 2651

إلى الحكام، وكان كلامًا يقتضي قبل تمامه ما أوقد حمية بعض الحكام عليه، فتحدث مع البقية، ثم حدثوا السلطان فيه، فاستشاط غضبًا وأمرهم فيه بأمر كاد لا يستدرك، فقيض له من بلغ السلطان القضية وأوصل إليه الخبر على حقيقته، وعرفه بمكانة الشيخ، وما هو عليه من العلم والدين، فسخره الله له، وقلب تلهب غيظه عليه بردًا وسلامًا له، وبعث إلى الحكام بالتمهل في أمره، ثم طلبه السلطان، وادعى عليه لديه، وسأله عما قال؟. فاعترف فحكم بصحة إسلامه، وقبول دولته وإبقائه على ماله وزوجته، وعدالته ومناصبه بعد استيفاء الشرائط الشرعية، وفعل كما يجب شرعًا. ثم عقد له مجلس بالمدرسة الصالحية، عند قاضي القضاة جلال الدين القزويني، فطلبه؛ فنزل من القلعة إليه، والناس حوله، وقد ملأ سواد الناس ما بين القلعة والمدرسة، فلما حضر مجلس الحكم العزيز، ادعى عليه، فأجاب بما حكم به السلطان، وأوصل حكم السلطان بالقاضي القزويني، وحكم حكمًا آخر مستقلًا للشيخ بمثل ذلك، وامتنع من الكلام في المجالس العامة، ثم تكلم، وهو رجل قد جمع الله عليه من القلوب، وجمع له من أشتات ما لا هو في ظن ظان، هذا إلى حسن الشكل، وتنوير الوجه والصورة، وجمال الذات والهيأة، وجودة الخط، وحسن اللفظ، وبراعة اللسان، وكرم النفس، وجميل السجايا، فاهًا لدهر فرق بيننا وبينه، وزمان أبعد المدى عنه. وله نظر ثاقب في الأدب، ونظم بديع (١). * * *

стр. 2652

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين. وبعد: فهذا هو السفر التاسع من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري الدمشقي، المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م. وقد تناول فيه تاريخ وتراجم الحكماء والأطباء والفلاسفة. معتمدًا فيه على كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة، فقد نقل منه بعض التراجم نصًا وأخرى مختصرًا، وقد أشار في بعضها إلى المصدر وأخرى تركها غفلًا. واعتمد على مصادر أخرى أشار إليها بين ثنايا هذا السفر، كالوافي بالوفيات للصفدي وغيره. وقد اعتمدت في تحقيق هذا السفر على ثلاث نسخ وهي: ١ - نسخة أيا صوفيا - مكتبة السليمانية - استانبول رقم ٣٤٢٢ وهي نسخة قديمة عليها تملك محمد بن علي بن عيسى بن داود بن شيركوه بن شاذي الأيوبي سنة ٧٦١ هـ وقد وقفها السلطان العثماني محمود خان، وعليها ختم باسم أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين. وعليها تأييد الوقفية يعود تاريخه سنة سبع و … وسبعمائة. وهي (الأصل) في عملي. ٢ - نسخة أحمد الثالث - طوبقبو سراي - استانبول رقم ٢٧٩٧ وقد كتبت برسم

стр. 2653

خزانة المملوكي الملك المؤيد شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ هـ) ووقفها الملك المؤيد على طلبة العلم بجامعة (المؤيدي). وقد قابلت عليها في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، رقيقة الميكروفلم رقم c ٢، ٤١. ٩. ٣ - نسخة المكتبة الوطنية - المخطوطات العربية - باريس رقم ٥٨٧٠ وقد قابلت عليها في مكتبة الجامعة الأمريكية - بيروت، رقيقة الميكروفلم رقم v. ٩ c ٣، ٤١ وقد أفدت كثيرًا من تعليقات الاستاذ فؤاد سيد على طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل. أما منهجي في تحقيقه فهو كما ذكرته في مقدمتي للسفر الأول من هذه الموسوعة. هذا ما استطعت تقديمه للقارئ الكريم والباحث المتتبع، وحسبي أني كنت مخلصًا فيه. والله من وراء القصد وهو حسبي ونعم الوكيل. جمهورية العراق - الكوفة كامل سلمان الجبوري

стр. 2654

[مشاهير الحكماء والأطباء والفلاسفة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب أعن وإذ انتهت بنا الأوبة في العلماء إلى نوبة الحكماء، فلنطبق بذكرهم المفاصل، ونطلق من عمود اللحود المناصل، وتُنبه منهم عيونًا طالما طال نومها، ونأتي بفوائد فئة كم كثر حسادها، ونقتصر على المشاهير والأعيان الذين يكادون يعدون من المشاهير، ونأتي منهم بمن تكلم في العلوم الثلاثة: الطبيعي، والرياضي، والإلهي أو أحدها، وأجاد في جميعها أو مفردها، فنذكرهم على اختلاف فرق مللهم ونحلهم، وبلادهم وتلادهم، كل فرقة على حدتها بما وقع في قسمة الجانبين، ولم نُسَمٌ منهم إلا من لم يسامت في أفقه، ولا يساهم أولى كوكبه إلى سمائه، أو أخلد ضَبْنُهُ إلى نفقه ممن له في علم الكلام إقدام لا يدانيه ليث الشرى، وتلطف لا يحاكيه طيف الكرى. قصر على طلبه الأشغال، وقصد في التزيد من مكسبه الإيغال، ومن هو بالطب طب بتقصي أحوال المزاج، لا تخفى عليه نبضة عرق، ولا يُموَّهُ عليه ومضة حِذق، ولا يدق مدخل سقام إلا ودواؤه يتبعه، وسقاؤه سوس يذل له سَبعُه. وأولهم: الهرامسة الثلاثة وإليهم تنسب أصول هذه العلوم، وقال ذلك أبو معشر البلخي (١)،

стр. 2655

وقال (١): إنَّ أقليننوس (٢) الذي يزعم أكثر الحكماء أنه أول من استنبط الحكمة، وسيأتي ذكره. لم يكن بالمتأله الأول في صناعة الطب، ولا بالمبتدئ بها، بل إنه عن غيره أخذ، ولمنهج من سبقه سلك، وقال: إنه كان تلميذ هرمس المصري. قال ابن المطران في اختصار كتاب الأدواء للكلدانيين: فأما: [١] هرمس المثلث بالنعمة (٣) وقال في معنى تسميته بالمثلث: إنه كان ملكًا عمت مملكته أكثر المعمورة، ونبيًا ذكره الله تعالى، وقال: هو إدريس ﵇، وهو عند اليهود خنوخ، وقيل: أخنوخ، وحكيمًا فيلسوفًا، له تصانيف كثيرة في أيدي الناس باقية إلى اليوم: «كتاب الطول» و «كتاب العرض و كتاب قضيب الذهب» وغير ذلك.

стр. 2656

قال: فهذه ثلاث نعم اجتمعت له لم يُسمع أنها اجتمعت لغيره من الأمم، ورفعه الله في عمود من نور. والهند والصابئة يزعمون أنه وقع في نار بعثها الله إليه، ولهذا الهند تحرق أجسادها بعد الموت، ومنهم من يحرقها قبل الموت، ويزعم أنه تقرب إلى الله وعبادة له. قال ابن أصيبعة (١): أما هرمس الأول، وهو المثلث بالنعم، فإنه قبل الطوفان، وهرمس لقب كما يقال كسرى وقيصر، وتسميه الفرس في سيرتها اللجهد، وتفسيرها ذو عدل، وهو الذي تذكر الحرانية يعني الصابئة نبوته ويقول الفرس: إن جده كيومرت وهو آدم ﵇، ويقول العبرانيون: أنه خنوخ وهو بالعربية إدريس. قال أبو معشر: هو أول من تكلم في الأشياء العلوية من الحركات النجومية، وأن جده كيومرت وهو آدم علمه ساعات الليل والنهار، وهو أول من بنى الهياكل، ومجد الله تعالى فيها، وأول من نظر في الطب، وتكلم فيه، وأنه ألف لأهل زمانه كتبًا كثيرة بأشعار موزونة، وقواف معلومة في الأشياء الأرضية العلوية، وهو أول من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفةً سماوية تلحق الأرض من الماء والنار. وكان مسكنه صعيد مصر فبنى هنالك الأهرام، ومدائن التراب، وخاف ذهاب العلم بالطوفان فبنى البرابي وهو في الجبل المعروف ببرباه أخميم، وصَوَّر فيها جميع الصناعات، وأشار إلى صفات العلوم لمن بعده حرصًا منه على تخليد العلوم بعده، وخيفة أن يذهب رسم ذلك من العالم. قال: وفي الأثر أن إدريس أوّل من درس الكتب ونظر في العلوم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفةً ورفعه إليه مكانًا عليًا. قلت: وقد مر في ذكره ما فيه غنى. وأما:

стр. 2657

[٢] هرمس الثاني (١) فإنه من أهل بابل. قال أبي أصيبعة (٢): سكن مدينة الكلدانيين، بابل، وكان بعد الطوفان في زمن بابل الذي هو أول من بنى بابل بعد نمرود بن كوش، وكان بارعًا في علم الطب والفلسفة، عارفًا بطبائع الأعداد، وكان فيثاغورس الأرثماطيقي وهرمس هذا جَدَّدا من هذه العلوم ما كان قد درس بالطوفان. قال: وهذه يعني بابل مدينة الفلاسفة من أهل الشرق وفلاسفتهم أول من جدد الحدود ورتب القوانين. وأما: [٣] هرمس الثالث (٣) فإنه سكن مدينة مصر، وكان بعد الطوفان. قال ابن أبي أصيبعة (٤): وهو صاحب كتاب «الحيوان ذوات السموم»، وكان

стр. 2658

طبيبًا فيلسوفًا، عالمًا بطباع الأدوية القتالة، والحيوانات المؤذية، وكان جوالًا في البلاد، طوافًا بها، عالمًا بنصبة المدائن وطبائعها وطبائع أهلها، وله كلام حسن نفيس في صناعة الكيمياء ينتقل منه إلى صناعات كثيرة كالزجاج والخرز والغضار، وكان له تلميذ يقال له اسقيليفوس، وكان سكنه بأرض الشام. * * *

стр. 2659

مشاهير الفلاسفة [فلاسفة اليونان] وأما فلاسفة اليونان: فأعظمهم قدرًا خمسة، وهم: بندقليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو طاليس، وهو ابن نيقوماخس. فأولهم: [٤] بندقليس (١) وهو أول من خاض منهم اللجج، وخاصم بالحجج إلا أنه زل به العقل، وأصدأ مهنده كثرة الصقل. قال أبو القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد إنه كان في زمان داود ﵇، وأخذ الحكمة عن لقمان الحكيم بالشام، ثم انصرف إلى بلاد اليونان فتكلم في خلق العالم بأشياء يقدح ظاهرها في أمر المعاد، فهجره بعضهم. ولطائفة من الباطنية ميل إلى حكمته، وتزعم أن له رموزًا قل ما يوقف عليها. قال ابن أبي أصيبعة (٢): وإلى قوله في الصفات ذهب أبو الهذيل العلاف. ومنهم: [٥] فيثاغورس (٣) وهو ممن خرق الفجاج حيث يتشكى طالع الصباح المسرى، وتترامى طوالع الرياح حسرى، وقد كان يروع الليل، وثغر أفقه أشنب وفجر مفرقه مقنب، ويفاجيء البيد وجبالها، وقد كشرت له أنياب أغوال، ورمالها قد حطت له نوائب أهوال، لا يرده قول مؤنّب، ولا يصده ليل بآفاقه مطنّب، ولا يثني عزماته الموقنة من بارقة سبوحها، ولا من مطوقة في خضر الغصون جنوحها.

стр. 2660

قال أبو القاسم صاعد إنه أخذ الحكمة عن سليمان ﵇ بمصر حين دخلوا إليها من بلاد الشام، وكان قد أخذ الهندسة من المصريين، ثم رجع إلى بلاد اليونان، وأدخل عندهم علم الهندسة، وعلم الطبيعة، وعلم الدين، واستخرج علم الألحان، وتوقيع النغم، وله رموز عجيبة، وأغراض بديعة وله في المعاد مذاهب قارب فيها بندقليس، وكان يرى السياحة، واجتناب مماسة القاتل والمقتول، وكان يقول: إنه أُمِرَ بتقديس الحواس، وتعلم العلم بالعدل، وجمع الفضائل، والكف عن الخطايا والبحث عن طبيعة كل شيء، والتحاب والتأدب لشرح العلوم العلوية ومجاهدة المعاصي، وعصمة النفوس، وتعلم الجهاد، وإكثار الصيام، والقعود على الكراسي، ومواعظ الملوك، وقراءة الكتب، وأن يُعلّم الرجال الرجال والنساء النساء، وكان قد اتخذ أكلًا غير مُجوّع ولا معطش لا يتعداه، ولم يكن يفرح بإفراط، ولا يحزن بإفراط. ويحكى أنه أول من قال: إن أموال الأخلاء مشاعة غير مقسومة، وكان يأمر بأداء الأمانة في الوديعة وصدق الوعد، وكان يتكهن فلا يُخطئ، وكان يرمز حكمته. ومنها قوله: لا تلبس تماثيل الملائكة على فصوص الخواتيم أي لا تجهر بديانتك وأسرار العلوم الإلهية عند الجهال. وكان ممن استوطن أنطاليا بعد أن سافر إلى بلاد شتّى طلبًا للعلم، وأخذ عن الكلدانيين والمصريين وغيرهم، وأخذ عن الكهنة، وآخر أمره أنه كُفِّرَ فبقي مذبذبًا لا يليقه بلد، ثم انحاز إلى هيكل تحصن فيه، ولبث فيه أربعين يومًا لا يغتذى، فأطيف به وأحرق عليه الهيكل، فهلك هو ومن معه. ومن كلامه قوله: الأقوال الكثيرة في الله تعالى علامة تقصير الإنسان عن معرفته. وقوله: ما أنفع الإنسان أن يتكلم بالأشياء النفيسة، فإن لم يمكنه، فليسمع قائلها. وقوله: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من كل أحد. وقوله: ليكن قصدك من المال اكتسابه من حلال وإنفاقه في مثله. وقوله: إذا سمعت كذبًا فهوّن على نفسك الصبر عليه. وقوله: ما لا ينبغي أن تفعله احذر أن تخطره في بالك. وقوله: لا تدنس لسانك بالقذف ولا تصغ بأذنيك إليه. وقوله: الأشكال المزخرفة والأمور المموهة في أقصر الزمان تتبهرج. وقوله: متى التمست أمرًا ابدأ إلى ربك بالابتهال في النجح فيه. وقوله: الإنسان الذي اختبرته بالتجربة فوجدته لا يصلح أن يكون صديقًا وخلًا

стр. 2661

من أن تجعله لك عدوًا. وقوله: ما أخلق بالإنسان أن يفعل ما ينبغي لا ما يشتهي. وقوله: ما أحسن بالإنسان أن لا يخطئ، فإن أخطأ فما أكثر انتفاعه بأن يعلم بأنه أخطأ، ويحرص أن لا يعاود. وقوله: الدنيا دول، مرّة لك وأخرى عليك، فإن توليت، فأحسن وإن تولوك فَلنْ. وقوله: ليس الحكيم من حمل عليه بقدر ما يطيق، فصبر واحتمل، ولكن الحكيم من حمل عليه أكثر مما يحتمل فصبر. وقوله: إن أكثر الآفات إنما تعرض للحيوانات لعدمها الكلام، وتعرض للإنسان من قبل الكلام. وقوله: استعمل الفكر قبل العمل. وقوله: وقد نظر إلى شيخ يحب النظر في العلم ويستحيي أن يُرى متعلمًا: يا هذا أتستحي أن ترى في آخر عمرك أفضل منك في أوله؟ وقوله وقد قيل له: ما أحلى الأشياء؟ قال: ما يشتهيه الإنسان. ومنهم: [٦] سقراط (١) وهو المعروف بسقراط الحُب، والحُبّ وعاء من فخار كان يجلس فيه ويستغني به عن اللباس اتخذه رياشًا له دون اللباس. أعرض عن ملاذ الدنيا ورفضها، وفَرَّغ منها يديه ونفضها، وتجرد من الدنيا إلا جُبَّ، يستره، وجب يشهره كأنما يتوقى من مماطل الفجر إشراكًا خاتلة، ومن رواشق النجوم نبالًا قاتلة، فكان لا يستطيب من دياره مقيلا، ولا يستطيب لعثاره مُقيلًا، فلم يأو جدارًا ولا أطمًا، ولا ألجم رأسه عذارًا ولا خُطمًا حتى انتهى إلى ما بلغ، وشفى كلب الموت من دمه ما ولغ. قال أبو القاسم صاعد هو من تلاميذ فيثاغورس، واقتصر على العلوم الإلهية،

стр. 2662

وخالف اليونان في عبادة الأصنام، وحاج رؤسائهم بالأدلة، فنقدوا العالم عليه، واضطروا ملكهم إلى قتله، فأودعه السجن، ثم سقاه السم. وله وصايا شريفة، وآداب فاضلة، وحكم مشهورة، ومذاهب قريبة من فيثاغورس وبندقليس إلا أن له في العدد آراء ضعيفة، بعيدة عن محض الفلسفة، خارجة عن المذاهب المحققة. وكان لا يستودع الحكم الصحف والقراطيس تنزيهًا لها، ويقول: الحكمة طاهرة مقدسة غير فاسدة ولا دنسة، فلا ينبغي أن نستودعها إلا الأنفس الحية، وننزهها عن الجلود الميتة، ونصونها عن القلوب المتمردة، ولم يصنف كتابًا ولا أملى على أحد من تلاميذه ما أثبته في قرطاس، وإنما كان يلقنهم علمه تلقينًا. وكان من عادة ملوك اليونان إذا حاربوا أخرجوا معهم حكماءهم، فأخرج الملك سقراط معه في سفرة خرج فيها، وكان سقراط يأوي إلى زير مكسور يستكن فيه من البرد، وإذا طلعت الشمس خرج منه فجلس عليه يستدفئ بالشمس، ولهذا سمي سقراط الحب. ومن كلامه قوله: إملأ الوعاء طيبًا أي حكمة. وقوله: لا تأكل الأسود الذئب أي احذر الخطيئة. وقوله: لا تتجاوز الميزان أي لا تتجاوز الحق. وقوله: ازرع بالأسود، واحصد بالأبيض أي ازرع بالبكاء، واحصد بالسرور. وقوله: لا تشيلَنَّ الإكليل أي السنن الجميلة لا ترفعنها لا يحوط حياطة الإكليل للرأس. وقوله: عجبًا لمن علم فناء الدنيا كيف تلهيه عما ليس له فناء. وقوله: اتفاق النفوس باتفاق هممها، واختلافها باختلاف مرادها. وقوله: من بخل على نفسه، فهو على غيره أبخل. وقوله: ما ضاع من عرف نفسه، وما أضيع من جهل نفسه. وقوله: ستة لا تفارقهم الكآبة: الحقود والحسود، وحديث عهد بغنى، وغني يخاف الفقر، وطالب رتبة يقصر قدره عنها، وجليس أهل الأدب وليس منهم. وقوله: العقل مواهب والعلوم مكاسب. وقوله: اتقوا من تبغضه قلوبكم. وقوله: إذا وليت أمرًا بعد عنك الأشرار، فإن جميع عيوبهم منسوبة إليك. وقوله: إنما أهل الدنيا كصور في صحيفة، كلما نُشر بعضها، طوى بعضها. وقوله: ينبغي للعاقل أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب المريض.

стр. 2663

وقوله: طالب الدنيا قصير العمر، كثير الفكر. وقوله: من كان شريرا، فالموت سبب راحة الناس من شره. وقوله: إنما جعل للإنسان لسان واحد وأذنان، ليكون ما يسمعه أكثر مما يتكلمه. وسئل: أي الأشياء ألذ؟ فقال: استفادة الأدب، واستماع أخبار لم تكن سمعت. وقوله: أنفع ما اقتناه الإنسان الصديق المخلص. وقوله: الصامت ينسب إلى العي ويسلم، والساكت ينسب إلى الفضول ويندم. وقوله: من سره الزمان في حالة ساءه في أخرى. وقوله: لا ضرر أضر من الجهل، ولا شر أشر من النساء. وقوله: لتلميذ له: يا بني إن كان لا بد لك من النساء، فاجعل لقاءك لهن كأكل الميتة لا تأكلها إلا عند الضرورة. وقوله: وقد قيل له: ما تقول في النساء؟ فقال: هن شجر الدفل له رونق وبهاء، فإذا أكله المر قتله. وقوله: لا يصدنك عن الإحسان جحود جاحد النعمة. وقوله: الجاهل من عثر بحجر مرتين. وقوله: اعلم أنك في أثر من مضى ساتر، وفي محل من مات مقيم، وإلى العنصر الذي بدأت منه تعود. وقوله: رب محترز من الشيء تكون منه آفته. وقوله: داووا الغضب بالصمت. وقوله لأهل الاعتبار: في صروف الدهر كفاية، وكل يوم يأتي عليك منه علم جديد. وله شعر باليونانية عرب فكان شعرا، وهو: [من المديد] إنما الدنيا وإن وسقت … حظرة من لحظ ملتفت وعاش نحو ثمانين سنة. ومنهم: [٧] أفلاطون (١) رجل ترى النجوم لديه أسافل، والخصوم بين يديه جوافل، والغيوم معتذرة إليه إذ

стр. 2664

أتته حوافل، يطأ الأراقم، ويطاول الخطب المتفاقم ويكف بعقله النوازي، ويجلب بعقائله الجوازي، وتقصر رؤية الأفكار إذا ارتجل وتقصي إذا ارتحل، وتقدم النظراء إليه، ثم لا ترى إلا مبلسة، وتقدم الآراء، ثم لا تنفذ إلا وسهامها مرسلة. قال ابن جلجل (١): هو من مدينة أثينا رومي فلسفي، يوناني، طبي، عالم بالهندسة، وطبائع الأعداد، وله في الطب كتاب بعثه إلى طيماوس تلميذه، وله في الفلسفة كتب وأشعار، وله في التأليف كلام لم يسبقه أحد إليه، ضبط به صنعة الديباج، وهو الكلام المنسوب إلى الخمس نسب التأليفية التي لا سبيل إلى وجود غيرها، ثم استشرف إلى علم العالم كله، وعرف موانع الأجزاء المؤتلفات الممتزجات باختلاف ألوانها وأصباغها وائتلافها على قدر الشبه، فوصل إلى علم التصوير فقامت له صناعة الديباج، وصناعة كل مؤتلف به، وله في الفلسفة كلام عجيب. وكان قد أخذ في أول أمره في تعلم علم الشعر واللغة، فبلغ من ذلك مبلغا عظيما إلى أن حضر يوما سقراطيس وهو يثلب صناعة الشعر فأعجبه ما سمعه منه، وزهد فيما كان عنده منه، ولزم سقراط، وسمع منه خمس سنين ثم مات سقراط، فقصد مصر للقاء أصحاب فيثاغورس. وكان يتبع سقراط في الأشياء المحسوسة، ويتبع فيثاغورس في الأشياء المعقولة، وكان يتبع سقراطيس في أمور التدبير، ثم رجع إلى بلده ونصب فيه بيتي حكمته، وعلم الناس، وفعل الجميل، وأعان الضعفاء، وكان حسن الأخلاق، كريم الأفعال، كثير الإحسان إلى كل ذي قرابة منه وإلى الغرباء، ثبتا، حكيما، صبورا، وكان يرمز حكمته، ويشير إليها ويتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة، وصنف عدة كتب، وكتبه يتصل بعضها ببعض أربعة أربعة يجمعها غرض واحد. ويخص كل غرض حد منها غرض خاص يشتمل عليه ذلك الغرض العام، ويسمى كل واحد منها، رابوع، وكل رابوع منها يتصل بالذي قبله. وكان محبا للخلوات والصحارى والوحدة، وكان في الأكثر لا يستدل على

стр. 2665

موضعه إلا بصوت بكائه، وكان يُسمع على ميلين، وكان منقوشًا على خاتمه: تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك. ومن كلامه قوله: للمادة على كل شيء سلطان. وقوله، وقد قيل له: لم لا تجتمع الحكمة والمال؟ فقال: لعز المال. وقوله: غاية الأدب أن يستحي المرء من نفسه. وقوله: إذا خبث الزمان كسدت الفضائل وضرّت، ونفقت الرذائل ونفعت، وكان خوف الموسر أشد من خوف المعسر. وقوله: العزيز النفس هو الذي لا يذل للفاقة. وقوله: الحسن الخلق من صبر على السييء الخلق. وقوله: أشرف الناس من شرفته الفضائل لا من تشرف بالفضائل. وقوله: الأمل خداع النفوس. وقوله: المشورة تريك طبع المستشار. وقوله: اطلب في حياتك العلم والمال والعمل الصالح، فإن الخاصة تفضلك بما تحسن، والعامة بما تملك، والجميع بما تعمل. وقوله، وقد سئل عند موته عن الدنيا، فقال: خرجت إليها مضطرًا، وعشت فيها متحيرًا، وها أنا أخرج منها كارهًا، ولم أعلم فيها إلا أنني لا أعلم. وعاش ثمانين سنة. ومنهم: [٨] أرسطوطاليس (١) هو ابن نيقوماخس ذهب مذهب فيثاغورس، رجل لا يقاس به أحد، ولا يقال إن مثله البحر فيخص بحد. أنواع العلماء عليه ضيوف، وأقوال الحكماء لديه زيوف،
следующие страницы →