← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

من أن تجعله لك عدوًا. وقوله: ما أخلق بالإنسان أن يفعل ما ينبغي لا ما يشتهي. وقوله: ما أحسن بالإنسان أن لا يخطئ، فإن أخطأ فما أكثر انتفاعه بأن يعلم بأنه أخطأ، ويحرص أن لا يعاود. وقوله: الدنيا دول، مرّة لك وأخرى عليك، فإن توليت، فأحسن وإن تولوك فَلنْ. وقوله: ليس الحكيم من حمل عليه بقدر ما يطيق، فصبر واحتمل، ولكن الحكيم من حمل عليه أكثر مما يحتمل فصبر. وقوله: إن أكثر الآفات إنما تعرض للحيوانات لعدمها الكلام، وتعرض للإنسان من قبل الكلام. وقوله: استعمل الفكر قبل العمل. وقوله: وقد نظر إلى شيخ يحب النظر في العلم ويستحيي أن يُرى متعلمًا: يا هذا أتستحي أن ترى في آخر عمرك أفضل منك في أوله؟ وقوله وقد قيل له: ما أحلى الأشياء؟ قال: ما يشتهيه الإنسان. ومنهم: [٦] سقراط (١) وهو المعروف بسقراط الحُب، والحُبّ وعاء من فخار كان يجلس فيه ويستغني به عن اللباس اتخذه رياشًا له دون اللباس. أعرض عن ملاذ الدنيا ورفضها، وفَرَّغ منها يديه ونفضها، وتجرد من الدنيا إلا جُبَّ، يستره، وجب يشهره كأنما يتوقى من مماطل الفجر إشراكًا خاتلة، ومن رواشق النجوم نبالًا قاتلة، فكان لا يستطيب من دياره مقيلا، ولا يستطيب لعثاره مُقيلًا، فلم يأو جدارًا ولا أطمًا، ولا ألجم رأسه عذارًا ولا خُطمًا حتى انتهى إلى ما بلغ، وشفى كلب الموت من دمه ما ولغ. قال أبو القاسم صاعد هو من تلاميذ فيثاغورس، واقتصر على العلوم الإلهية،

стр. 2662

وخالف اليونان في عبادة الأصنام، وحاج رؤسائهم بالأدلة، فنقدوا العالم عليه، واضطروا ملكهم إلى قتله، فأودعه السجن، ثم سقاه السم. وله وصايا شريفة، وآداب فاضلة، وحكم مشهورة، ومذاهب قريبة من فيثاغورس وبندقليس إلا أن له في العدد آراء ضعيفة، بعيدة عن محض الفلسفة، خارجة عن المذاهب المحققة. وكان لا يستودع الحكم الصحف والقراطيس تنزيهًا لها، ويقول: الحكمة طاهرة مقدسة غير فاسدة ولا دنسة، فلا ينبغي أن نستودعها إلا الأنفس الحية، وننزهها عن الجلود الميتة، ونصونها عن القلوب المتمردة، ولم يصنف كتابًا ولا أملى على أحد من تلاميذه ما أثبته في قرطاس، وإنما كان يلقنهم علمه تلقينًا. وكان من عادة ملوك اليونان إذا حاربوا أخرجوا معهم حكماءهم، فأخرج الملك سقراط معه في سفرة خرج فيها، وكان سقراط يأوي إلى زير مكسور يستكن فيه من البرد، وإذا طلعت الشمس خرج منه فجلس عليه يستدفئ بالشمس، ولهذا سمي سقراط الحب. ومن كلامه قوله: إملأ الوعاء طيبًا أي حكمة. وقوله: لا تأكل الأسود الذئب أي احذر الخطيئة. وقوله: لا تتجاوز الميزان أي لا تتجاوز الحق. وقوله: ازرع بالأسود، واحصد بالأبيض أي ازرع بالبكاء، واحصد بالسرور. وقوله: لا تشيلَنَّ الإكليل أي السنن الجميلة لا ترفعنها لا يحوط حياطة الإكليل للرأس. وقوله: عجبًا لمن علم فناء الدنيا كيف تلهيه عما ليس له فناء. وقوله: اتفاق النفوس باتفاق هممها، واختلافها باختلاف مرادها. وقوله: من بخل على نفسه، فهو على غيره أبخل. وقوله: ما ضاع من عرف نفسه، وما أضيع من جهل نفسه. وقوله: ستة لا تفارقهم الكآبة: الحقود والحسود، وحديث عهد بغنى، وغني يخاف الفقر، وطالب رتبة يقصر قدره عنها، وجليس أهل الأدب وليس منهم. وقوله: العقل مواهب والعلوم مكاسب. وقوله: اتقوا من تبغضه قلوبكم. وقوله: إذا وليت أمرًا بعد عنك الأشرار، فإن جميع عيوبهم منسوبة إليك. وقوله: إنما أهل الدنيا كصور في صحيفة، كلما نُشر بعضها، طوى بعضها. وقوله: ينبغي للعاقل أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب المريض.

стр. 2663

وقوله: طالب الدنيا قصير العمر، كثير الفكر. وقوله: من كان شريرا، فالموت سبب راحة الناس من شره. وقوله: إنما جعل للإنسان لسان واحد وأذنان، ليكون ما يسمعه أكثر مما يتكلمه. وسئل: أي الأشياء ألذ؟ فقال: استفادة الأدب، واستماع أخبار لم تكن سمعت. وقوله: أنفع ما اقتناه الإنسان الصديق المخلص. وقوله: الصامت ينسب إلى العي ويسلم، والساكت ينسب إلى الفضول ويندم. وقوله: من سره الزمان في حالة ساءه في أخرى. وقوله: لا ضرر أضر من الجهل، ولا شر أشر من النساء. وقوله: لتلميذ له: يا بني إن كان لا بد لك من النساء، فاجعل لقاءك لهن كأكل الميتة لا تأكلها إلا عند الضرورة. وقوله: وقد قيل له: ما تقول في النساء؟ فقال: هن شجر الدفل له رونق وبهاء، فإذا أكله المر قتله. وقوله: لا يصدنك عن الإحسان جحود جاحد النعمة. وقوله: الجاهل من عثر بحجر مرتين. وقوله: اعلم أنك في أثر من مضى ساتر، وفي محل من مات مقيم، وإلى العنصر الذي بدأت منه تعود. وقوله: رب محترز من الشيء تكون منه آفته. وقوله: داووا الغضب بالصمت. وقوله لأهل الاعتبار: في صروف الدهر كفاية، وكل يوم يأتي عليك منه علم جديد. وله شعر باليونانية عرب فكان شعرا، وهو: [من المديد] إنما الدنيا وإن وسقت … حظرة من لحظ ملتفت وعاش نحو ثمانين سنة. ومنهم: [٧] أفلاطون (١) رجل ترى النجوم لديه أسافل، والخصوم بين يديه جوافل، والغيوم معتذرة إليه إذ

стр. 2664

أتته حوافل، يطأ الأراقم، ويطاول الخطب المتفاقم ويكف بعقله النوازي، ويجلب بعقائله الجوازي، وتقصر رؤية الأفكار إذا ارتجل وتقصي إذا ارتحل، وتقدم النظراء إليه، ثم لا ترى إلا مبلسة، وتقدم الآراء، ثم لا تنفذ إلا وسهامها مرسلة. قال ابن جلجل (١): هو من مدينة أثينا رومي فلسفي، يوناني، طبي، عالم بالهندسة، وطبائع الأعداد، وله في الطب كتاب بعثه إلى طيماوس تلميذه، وله في الفلسفة كتب وأشعار، وله في التأليف كلام لم يسبقه أحد إليه، ضبط به صنعة الديباج، وهو الكلام المنسوب إلى الخمس نسب التأليفية التي لا سبيل إلى وجود غيرها، ثم استشرف إلى علم العالم كله، وعرف موانع الأجزاء المؤتلفات الممتزجات باختلاف ألوانها وأصباغها وائتلافها على قدر الشبه، فوصل إلى علم التصوير فقامت له صناعة الديباج، وصناعة كل مؤتلف به، وله في الفلسفة كلام عجيب. وكان قد أخذ في أول أمره في تعلم علم الشعر واللغة، فبلغ من ذلك مبلغا عظيما إلى أن حضر يوما سقراطيس وهو يثلب صناعة الشعر فأعجبه ما سمعه منه، وزهد فيما كان عنده منه، ولزم سقراط، وسمع منه خمس سنين ثم مات سقراط، فقصد مصر للقاء أصحاب فيثاغورس. وكان يتبع سقراط في الأشياء المحسوسة، ويتبع فيثاغورس في الأشياء المعقولة، وكان يتبع سقراطيس في أمور التدبير، ثم رجع إلى بلده ونصب فيه بيتي حكمته، وعلم الناس، وفعل الجميل، وأعان الضعفاء، وكان حسن الأخلاق، كريم الأفعال، كثير الإحسان إلى كل ذي قرابة منه وإلى الغرباء، ثبتا، حكيما، صبورا، وكان يرمز حكمته، ويشير إليها ويتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة، وصنف عدة كتب، وكتبه يتصل بعضها ببعض أربعة أربعة يجمعها غرض واحد. ويخص كل غرض حد منها غرض خاص يشتمل عليه ذلك الغرض العام، ويسمى كل واحد منها، رابوع، وكل رابوع منها يتصل بالذي قبله. وكان محبا للخلوات والصحارى والوحدة، وكان في الأكثر لا يستدل على

стр. 2665

موضعه إلا بصوت بكائه، وكان يُسمع على ميلين، وكان منقوشًا على خاتمه: تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك. ومن كلامه قوله: للمادة على كل شيء سلطان. وقوله، وقد قيل له: لم لا تجتمع الحكمة والمال؟ فقال: لعز المال. وقوله: غاية الأدب أن يستحي المرء من نفسه. وقوله: إذا خبث الزمان كسدت الفضائل وضرّت، ونفقت الرذائل ونفعت، وكان خوف الموسر أشد من خوف المعسر. وقوله: العزيز النفس هو الذي لا يذل للفاقة. وقوله: الحسن الخلق من صبر على السييء الخلق. وقوله: أشرف الناس من شرفته الفضائل لا من تشرف بالفضائل. وقوله: الأمل خداع النفوس. وقوله: المشورة تريك طبع المستشار. وقوله: اطلب في حياتك العلم والمال والعمل الصالح، فإن الخاصة تفضلك بما تحسن، والعامة بما تملك، والجميع بما تعمل. وقوله، وقد سئل عند موته عن الدنيا، فقال: خرجت إليها مضطرًا، وعشت فيها متحيرًا، وها أنا أخرج منها كارهًا، ولم أعلم فيها إلا أنني لا أعلم. وعاش ثمانين سنة. ومنهم: [٨] أرسطوطاليس (١) هو ابن نيقوماخس ذهب مذهب فيثاغورس، رجل لا يقاس به أحد، ولا يقال إن مثله البحر فيخص بحد. أنواع العلماء عليه ضيوف، وأقوال الحكماء لديه زيوف،

стр. 2666

طلع صباحه فطمى جدوله على الكواكب وطمسها وطمَّ جُرف نهاره المنهار حفر الغياهب ودمسها، وعُرِف فضله بالضرورة، وفعله بالمآثر المبرورة، وعني بمداواة الافهام فأبرأ سقيمها، وأنتج عقيمها، فشفى من لمم، وأسمع من صمم، وحاز بانضواء الاسكندر الذي هو أحد ملوك العالم إليه فخرًا أصبح به نَدُّه يَفْغَم، وضده يُرغم، إذ كان لا تناط لديه إشارته بإهمال، ولا تنال عنده إلا بالتعويل عليه أعمال، وحسب واصفه أن لا يجد غير قائل، ولا يُحد إلا ثلب الناس وهو قائل. ذكره أبو القاسم بن صاعد وقال: انتهت إليه فلسفة اليونان، وكان خاتم حكمائهم، وسيد علمائهم، وهو أول من خلص البرهان من الصناعات المنطقية، وصَوَّرها بالأشكال الثلاثة، وجعلها آلة العلوم النظرية حتى لقب بصاحب المنطق، وله في جميع العلوم الفلسفية كتب شريفة كلية وجزئية. قال ابن جلجل (١): كان فيلسوف الروم وعالمها، وجهبذها وتحريرها، وخطيبها وطبيبها، وكان أوحدًا في الطب، وغلب عليه علم الفلسفة. قال المبشر بن فاتك: كان أرسطو كثير التلاميذ من الملوك وأبناء الملوك وغيرهم، وعَدَّ منهم أناسًا منهم الإسكندر وسماه الاسكندروس. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان نيقوماخس أبو أرسطوطاليس طبيب فيلبس أبي الإسكندر، وكان كل من أبيه وأمه من ولد قلنينوس، وأخذ أرسطو عن أفلاطون، وكان أرسطو خليفة على دار التعليم. ولما قدم أفلاطون من صقلية انتقل أرسطو إلى لوقيون، واتخذ هناك دار التعليم المنسوبة إلى المشائين ثم رجع إلى مدينة الحكماء، ثم صار إلى مقدونيا يعلّم إلى أن تجاوز الإسكندر بلاد آسيا، ثم استخلف في مقدونيا، فسعى إليه بعض الكهنة في أرسطو ونسبه إلى الكفر لكونه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد، فشخص أرسطو إلى بلاده، وبقي بها إلى أن مات وهو ابن ثمانين سنة. ثم ان أهل أسطا نقلوا بدنه، وصَيَّروه في الموضع المعروف بالأرسطوطاليسي، وصيروا عنده مجتمعهم للمشاورة في جلائل الأمور، وكانوا يرون عنده تفريج أحزانهم، وإذا صعب عليهم شيء من فنون العلم، أتوا إلى مكان قبره فتناظروا ما بينهم فيظهر لهم ما أشكل، وكانوا يرون اجتماعهم عنده يذكي عقولهم، ويصحح فكرهم، وكانوا لا يزالون في أسف لفراقه، وحُزنٍ لما فقدوه من ينابيع حكمته. وذكر المسعودي أنه في بلرم من صقلية، وكان جليل القدر في الناس، مكرمًا عند

стр. 2667

ملوك زمانه، وكان يحسن السفارة عندهم للرعية حتى اتخذوا عمودًا ونقشوا عليه اسمه، وحُسن ما كان يصنعه معهم إلا فرد رجل غاب عن رأيهم في هذا العمود، وعاب أرسطو، وهم بإزالة نقش العمود فأمسك وقتل ثم عمدوا إلى عمود آخر. فزبروه بالبناء عليه كالأول، وذكروا المتعرض المخالف الذي قتل ولعنوه وتبرأوا منه. قال ابن أبي أصيبعة (١): إن الإسكندر لما ملك صار أرسطو إلى التبتل والتخلي مما كان فيه من الاتصال بالملوك والملازمة لهم، ولزم موضع التعليم وهو رواق المشائين، وأقبل على العناية بمصالح الناس، ورفد الضعفاء وأهل الفاقة، وتزويج الأيامى وعول اليتامى، ورفد طلبة العلم والتأدب مَنْ كانوا، وأي نوع من العلم والأدب طلبوا، والصدقة على الفقراء، ولم يزل في غاية لين الجانب والتواضع وحسن اللقاء للصغير والكبير، والقوي والضعيف. وأما قيامه بأمر أصدقائه فلا يوصف. وقال المبشر بن فاتك: إن أرسطو لما بلغ ثمان سنين حمله أبوه إلى بلد الحكماء، وضمه أبوه إلى الشعراء والبلغاء والنحويين، فأقام متعلمًا منهم تسع سنين. وكان اسم هذا العلم عندهم «المحيط» أعنى علم اللسان لحاجة جميع الناس إليه؛ لأنه المؤدي لكل حكمة، وبه يتحصل كل علم، ثم بلغه أن قومًا من الحكماء أزروا بعلم البلغاء واللغويين، وعنفوا المتشاغلين به، وزعموا أنه لا تحتاج إليه الحكمة؛ لأن النحويين معلمو الصبيان، والشعراء أصحاب أباطيل وكذب، والبلغاء أصحاب تمحل ومراء، فأدركته الحفيظة لهم فناضل عنهم، واحتج لهم، وقال: إن فضل الإنسان على البهائم بالنطق، وأحقهم بالأنسية لبلغهم فيه، وإذا كانت الحكمة أشرف الأشياء، فينبغي أن تكون العبارة عنها بأشرف المنطق، لأن العي يذهب بنور الحكمة، ويقطع عن الأداء، ويقصر عن الحاجة، ويُلبس على المستمع، ويفسد المعاني، فيورث الشبهة. ثم انتقل أرسطو إلى أفلاطون لتعلم العلوم الأخلاقية والسياسية والطبيعية والتعليمية والإلهية، وكان أفلاطون إذا استدعي منه الكلام، يقول: اصبروا حتى يحضر الناس، فإذا جاء أرسطو قال: تكلموا فقد حضر الناس، وربما كان يقول: اصبروا حتى يحضر العقل، فإذا حضر أرسطو، قال: تكلموا فقد حضر العقل. وقال حنين: كان منقوشًا على خاتم أرسطو: «المنكر لما لا يعلم أعلم من المقرر بما لا يعلم».

стр. 2668

ومن كلامه قوله: بالفكر الثاقب يُدرك الرأي العازب، وبالتأني تسهل المطالب، وبلين الكلمة تدوم المودة في الصدور، وبخفض الجناح تتم الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيش، ويكمل السرور، وبالإنصاف يحبُّ التواصل، وبالتواضع تكثر المحبة، وبالعفاف تزكو الأعمال، وبالعدل يقهر العدو، وبالحلم تكثر الأنصار، وبالرفق تستخدم القلوب. بالوفاء يدوم الإخاء. بالصدق يتم الفضل. الأيام تفيد الحكم، ومن الساعات تتولد الآفات. بالعافية يوجد طيب الطعام والشراب، وبحلول المكاره تتكدر النعم، وبالمن يدحض الإحسان، وبالجحود يستوجب الحرمان والبخيل ذليل وإن كان غنيًا، والجواد عزيز وإن كان مقلًا. الطمع الفقر الحاضر، واليأس الغنى الظاهر. لا أدري، نصف العلم. الأدب يغني عن الحسب. التقوى شعار العالم، والرياء لباس الجاهل. مقاساة الأحمق عذاب الروح. الاشتغال بالفائت يضيع الأوقات. التمني سبب الحسرة. الصبر تأييد العزم. صديق الجاهل مغرور. المخاطر خائب. من عرف نفسه لم يضع. المجرب أحكم من الطبيب. إذا فاتك الأدب فالزم الصمت. من لم ينفعه العلم لم يأمن من ضرر الجهل. من افتخر ارتطم. من عجل تورط. من تفكر سلم.

стр. 2669

من سأل علم. للعادة على أحد سلطان. كل شيء يستطاع نقله إلا الطباع. كل شيء يحتال له إلا القضاء. من عرف الحكمة لحظته العيون بالوقار. لا يؤتى الناطق إلا من سوء فهم السامع. الجزع عند مصائب الأحزان أحمد من الصبر. وصبر المرء على مصيبته أحمد من الجزع. ليس شيء أقرب إلى تغيير النعم من الإقامة على الظلم. من طلب خدمة السلطان بلا أدب خرج من السلامة إلى العطب. إذا أردت الغنى، فاطلبه بالقناعة، فإن من لم تكن له قناعة، لا يغنيه المال وإن كثر. لا تبطل لك عمرًا في غير نفع ولا تضع لك مالًا في غير حق، ولا تصرف لك قوة في غنى، ولا رأيًا في غير رشد. العالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان جاهلًا، والجاهل لا يعرف العالم؛ لأنه لم يكن عالمًا. اطلب الغني الذي لا يفنى، والحياة التي لا تتغير، والملك الذي لا يزول، والبقاء الذي لا يضمحل. أصلح نفسك لنفسك يكن الناس تبعًا لك. افترص من عدوك الفرصة، واعمل على أن الدهر ذو دول. لا تصادم من كان على الحق، ولا تجاذب من كان متمسكًا بالدين. لا فخر فيما يزول، ولا غنى فيما لا يثبت. لا تغفل فإن الغفلة تورث الندامة. لا ترج السلامة لنفسك حتى يسلم الناس من جورك، ولا تعاقب غيرك على أمر ترخص فيه لنفسك. اعتبر بمن تقدم، واحفظ ما مضى، والزم الصحة يلزمك النصر. الصدق قوام أمر الخلائق. الكذب داء لا ينجو من نزل به.

стр. 2670

من تجبر على الناس أحب الناس ذلته. من أفرط في اللوم كرهت حياته. من مات محمودًا كان أحسن حالًا ممن عاش مذمومًا. من نازع السلطان مات قبل يومه. أي ملك نازع السوقة هتك شرفه. من مات قل حاسده. الحكمة شرف من لا قديم له. سوء الأدب يهدم ما بناه الأدب. الجهد شر الأصحاب. النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك نقل عنك. الجاهل عدو نفسه فكيف يكون صديقًا لغيره. الوفاء نتيجة الكرم. لسان الجاهل مفتاح حتفه. الحاجة تفتح باب الحيلة. بترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل. ليس زيادة القوة بكثرة ما يرد البدن من الغذاء ولكن بكثرة ما يقبل منه. امتحن المرء في وقت غضبه لا في وقت رضاه، وفي وقت قدرته لا في وقت ذلته. خير الأشياء أجدها إلا المودات خيرها أقدمها. وكتب إلى الإسكندر: إذا أعطاك الله الظفر، فافعل ما أحب من العفو. وكتب إليه: الأردياء ينقادون بالخوف والخيار ينقادون بالحياء، فميز بين الطبقتين، واستعمل في أولئك البطش والخوف، وفي هؤلاء الأفضال والإحسان. وكتب إليه: ليكن غضبك بين المنزلتين لا شديدًا فاشيًا، ولا فاترًا ضعيفًا، فإن هذه من أخلاق السباع، وهذه من أخلاق الصبيان. * * *

стр. 2671

[مشاهير الفلاسفة في الجانب الشرقي] ومنهم: [٩] يعقوب بن إسحاق الكندي، أبو يوسف (١) فيلسوف العرب، من ولد الأشعث بن قيس، والأشعث من ولد معاوية الأكبر ابن الحارث الأصغر ابن معاوية بن الحارث الأكبر، وكان الأشعث ملكًا على كندة، وله صحبة، وللأعشى فيه مدائح، وكان من آبائه ملوك بالمشقر واليمامة والبحرين. وكان

стр. 2672

إسحاق بن الصباح على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان ابنه يعقوب لهذا عظيم المنزلة عند المأمون والمعتصم، وابنه أحمد أملاكه بالبصرة، وتأدب ببغداد. وكان عالمًا بالطب والفلسفة، والحساب، والمنطق، واللحون، والهندسة، وطبائع الأعداد، والنجوم، ولم نجد في الإسلام فيلسوفًا خلف أرسطو سواه. له تصانيف كثيرة في فنون العلم، خدم الملوك، وترجم كثيرًا من كتب الفلسفة، وبين ما جمجم على أهل المعرفة، واحجم على مثاورته كل قسورة، وخاتل دون مساورته كل ابن بهماء مقفرة، وأثرى بعلمه كل مملق أربى في يمه كل محملق، وقصر لديه حجة كل مناظر، ودرس محجة كل خاطر، ورد من عادى كندة من كنود الأبطال، وأكبد بفضلها كبود أهل المطال، حتى خشي من كاد كندة، وخزي بالقبيح لحسن ما عنده، فلو نُشِرَ ملكها الضليل لما فخر بلسانه قدر ما فخر بإحسانه، ولما حمل راية الشعراء بيده إلا بعد أخذ أمانه، ولا طلب ثأر أبيه ولو قدر عليه إلى زمانه. ذكره ابن أبي أصيبعة (١): وذكر من كلامه قوله في وصية: وليتق الله المتطبب ولا يخاطر فليس عن الأنفس عوض. وقوله: كل ما يجب أن يقال كان سبب عافية العليل وبرءه احذر أن يقال إنه كان سبب تلفه وموته. وقوله مما أوصى به ولده: يا بني الأب رب، والأخ فخ، والعم غم، والخال وبال، والولد كمد، والأقارب عقارب، وقول لا، يصرف البلاء، وقول نعم، يزيل النعم، وسماع الغناء برسام حادّ؛ لأن الإنسان يسمع فيطرب، فينفق فيسرف، فيفتقر فيغتم، فيعتل فيموت والدينار محموم فإن أصرفته مات، والدرهم محبوس فإن

стр. 2673

أخرجته فَرَّ، والناس سحرةٌ فخذ شيئهم واحفظ شيئك، ولا تقبل ممن قال اليمين الفاجرة تذر بالدار بلاقع. قلت: وهذا الكندي هو الذي حضر أبا تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم قوله فيه: [من الكامل] ما في وُقُوفك ساعة من باس وهو صاحب الواقعة معه فيها. وهي في موضعها من ذكر أبي تمام أشبه. ومنهم: [١٠] أبو العباس (١). أحمد بن الطيب السَّرْخَسِي مفَنَّن جليل المفاخر، متقن لعلوم الأوائل، وطرف من علوم الأواخر، هذا إلى خشن مناظرة، وحسن محاضرة، وبوادر أجوبة حاضرة، ونوادر ما أتت بحرارها أهل بادية ولا حاضرة، ومع هذا كله يزن عقله الجبال، ويوقر فضله الجمال، ويقتدي بفيضه البحر إلا أنه لا يمر، والسحاب إلا أنه الذي ينسكب ولا يدر. قال ابن أبي أصيبعة (٢): وهو ممن ينتمي إلى الكندي وعليه قرأ، وكان مفننًا في علوم القدماء والعرب، حسن المعرفة، جيد القريحة بليغ اللسان، مليح التصنيف، آخذًا في النحو والشعر، فصيح الشعر مليح النادرة، وسمع الحديث الشريف. وكان خليعًا ظريفًا، وولي حسبة بغداد أيام المعتضد، وكان قبل هذا يعلمه وينادمه، وكان يفضي إليه بأسراره، ويستشيره في أمور ملكه. وكان يغلب علم السرخسي على عقله، وقتله بحيلة دبّرها الوزير عليه حتى أخذ خط المعتضد بقتل رجال دَسَّه بينهم، فلما قتل سأل عنه المعتضد، فأخبره القاسم أنه قتل فأنكر خطه فأراه خطه، فسكت ومضى بعد أن بلغ السماء رفعة. ومنهم:

стр. 2674

[١١] كنكه الهندي (١) من أقدم الحكماء وأقوم القوم، يبث ما أنزل في الأرض من خير السماء، وأعلم الكل بما ينبت من العقاقير ذوات الأسماء، أخذ عنه الحكماء أصحاب النواميس، واستمد اليونان مما وصل من كتبه إلى أرسطاطاليس، وهو الذي لا يرتفع معه ذكر نابه ولا يقاومه قدر مشابه. قال ابن أبي أصيبعة (٢): إنه حكيم بارعٌ، من متقدمي حكماء الهند وأكابرهم، وله نظر في صناعة الطب، وقوى الأدوية، والطبائع المولدات وخواص الموجودات، وكان من أعلم الناس بهيأة العالم، وتركيب الأفلاك وحركات النجوم. وقال أبو معشر: إن كنكه هو المتقدم في علم النجوم عند جميع علماء الهند في سالف الدهر، وعدد كتبه. قلت: ومنها كتاب في أحداث العالم، والدور والقران، وهذا كتاب مجد لو وجد وهيهات. ومنهم: [١٢] صنجهل الهندي (٣) وهو ثانيه في الرتبة، وثالثه في صعود الهضبة، فلو نطقت النجوم، لما عدت شكره، أو العلوم، لما عدت إلا بره. قال ابن أبي أصيبعة (٤): كان من علماء الهند وفضلائهم الخبيرين بعلم الطب والنجوم. ومنهم: [١٣] أبو نصر الفارابي، محمد بن محمد بن أَوْزَلَغْ بن طَرْخَان (٥) من أهل مدينة فاراب من مدن الترك في أرض خراسان، وكان أبوه قائد جيش،

стр. 2675

وهو فارسي المنتسب، وكان ببغداد مدةً ثم انتقل إلى الشام، وأقام به إلى حين وفاته، وكان ﵀ فيلسوفًا كاملًا، وإمامًا فاضلًا، بحرًا منه يغرف، وحبرًا له يعرف، قد أتقن العلوم الرياضية زكي النفس قوي الذكاء، متجنبًا عن الدنيا، متقنعًا منها بما يقوم به أوده، ويسير سيرة الفلاسفة المتقدمين، وكان له قوة في صناعة الطب، وعلم الأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حاول جزئياتها. قال ابن أبي أصيبعة (١): وحدثني سيف الدين أبو الحسن علي بن الآمدي ﵀ أن الفارابي كان أول أمره ناطورًا في بستان بدمشق، وهو على ذلك دائم الاشتغال

стр. 2676

بالحكمة والنظر فيها، والتطلع إلى آراء المتقدمين وشرح معانيها. وكان ضعيف الحال حتى أنه كان في الليل يسهر بالمطالعة والتصنيف، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس. وبقي كذلك مدة. ثم إنه عظم شأنه وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه وكثرت تلاميذه، وصار أوحد زمانه وعلامة وقته. واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي وأكرمه إكرامًا كثيرًا، وعظمت منزلته عنده، وكان له مؤثرًا. ونقلت من خط بعض المشايخ أن أبا نصر الفارابي سافر إلى مصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، ورجع إلى دمشق، وتوفي بها في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، عند سيف الدولة علي بن حمدان وفي خلافة الراضي، وصلى عليه سيف الدولة في خمسة عشر رجلًا من خاصته. ويذكر أنه لم يتناول من سيف الدولة من جملة ما ينعم به عليه سوى أربعة دراهم فضة في اليوم يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه. ولم يكن معتنيًا بهيأة ولا مكسب. ويذكر أنه كان يغتذي بما في قلوب الحملان مع الخمر الريحاني فقط. ويذكر أنه كان في أول أمره قاضيًا، فلما شعر بالمعارف، نبذ ذلك، وأقبل بكليته على تعليمها، ولم يسكن إلى نحو من أمور الدنيا البتة. ويذكر أنه كان يخرج إلى الحراس في الليل من منزله يستضيء بمصابيحهم فيما يقرأه. وكان في علم صناعة الموسيقى وعملها قد وصل إلى غاياتها وأتقنها إتقانًا لا مزيد عليه. ويذكر أنه صنع آلة غريبة يسمع منها ألحانًا بديعة يحرك بها الانفعالات. ويذكر أن سبب قراءته للحكمة أن رجلًا أودع عنده جملة من كتب أرسطوطاليس، فاتفق أن نظر فيها، فوافقت منه قبولًا، وتحرك إلى قراءتها، ولم يزل إلى أن أتقنها فهمًا وصار فيلسوفًا بالحقيقة. ونقلت من كلام لأبي نصر الفارابي في معنى الفلسفة قال: اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل إلى العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلسوفيًا ومعناه إيثار الحكمة. وهو مركب من فيلا ومن سوفيا، ففيلا الإيثار وسوفيا الحكمة والفيلسوف مشتق من الفيلسفة، وهو على مذهب لسانهم فيلوسوفوس. فإن هذا التعبير هو تعبير كثير من الاشتقاقات عندهم، ومعناه المؤثر للحكمة والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته وغرضه من عمره الحكمة. وحكى أبو نصر الفارابي في ظهور الفلسفة ما هذا نصه قال: إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك اليونانيين، بعد وفاة أرسطوطاليس بالإسكندرية إلى آخر أيام المرأة. وأنه لما توفي بقي التعليم بحاله فيها إلى أن ملك ثلاثة عشر ملكًا، وتوالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة اثنا عشر معلمًا أحدهم المعروف بأندرونيقوس. وكان آخر هؤلاء الملوك المرأة فغلبها أوغسطس الملك من أهل رومية، وقتلها واستحوذ على

стр. 2677

الملك. فلما استقر له نظر في خزائن الكتب وصنعتها، فوجد فيها نسخًا من كتب أرسطوطاليس قد نسخت في أيامه وأيام ثاوفرسطس، ووجد المعلمين والفلاسفة قد عملوا كتبًا في المعاني التي عمل فيها أرسطو فأمر أن تنسخ تلك الكتب التي كانت نسخت في أيام أرسطو وتلاميذه، وأن يكون التعليم منها، وأن ينصرف عن الباقي. وحكم أندرونيقوس في تدبير ذلك، وأمره أن ينسخ نسخًا يحملها معه إلى رومية. فصار التعليم في موضعين وجرى الأمر على ذلك إلى أن جاءت النصرانية فبطل التعليم من رومية، وبقي بالإسكندرية إلى أن نظر ملك النصرانية في ذلك، واجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا العلم وما يبطل. فرأوا أن يعلم من كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية، ولا يعلم ما بعده؛ لأنهم رأوا أن في ذلك ضررًا على النصرانية، وأن فيما أطلقوا تعليمه لا يستعان به على نصرة دينهم، فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار، وما ينظر فيه من الباقي مستورًا إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية، وبقي بها زمانًا طويلًا، إلى أن بقي معلم واحد، فتعلم منه رجلان، وخرجا ومعهما الكتب، وكان أحدهما من أهل حران، والآخر من أهل مرو. فأما الذي من أهل مرو، فتعلم منه رجلان أحدهما إبراهيم المروزي والآخر يوحنا بن جيلان. وتعلم من الحراني الأسقف وفوتري وساروا إلى بغداد فتشاغل أيضًا بالدين، وأخذ فوتري في التعليم، وأما يوحنا بن جيلان فإنه تشاغل أيضًا بدينه وانحدر ابراهيم المروزي إلى بغداد فأقام بها. وتعلم منه متى بن يونان وكذلك يتعلم في آخر الأشكال الوجودية. وقال أبو نصر الفارابي عن نفسه أنه تعلم من يوحنا بن جيلان إلى آخر كتاب البرهان. وكان يسمى ما بعد الأشكال الوجودية الجزء الذي لا يقرأ إلى أن قرئ بعد ذلك، وصار الرسم بعد ذلك حيث صار الأمر إلى معلمي الإسلام أن يُقرأ من الأشكال الوجودية إلى حيث قدر الإنسان أن يقرأ. فقال أبو نصر إنه قرأ إلى آخر كتاب البرهان. وحدثني عمي رشيد الدين أبو الحسن علي بن الخليفة: أن الفارابي توفي عند سيف الدولة بن حمدان في رجب سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أخذ الصناعة عن يوحنا بن جيلان ببغداد، وكان في أيام المقتدر وكان في زمانه أبو البشر متى بن يونان وكان أسن من أبي نصر، وكان أبو نصر أحد ذهنًا منه وأعذب كلامًا. وتعلم أبو البشر متى من إبراهيم المروزي وتوفي أبو البشر في خلافة الراضي فيما بين سنة ثلاث وعشرين إلى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وكان يوحنا بن جيلان وإبراهيم المروزي قد تعلما جميعًا من رجل من أهل مرو.

стр. 2678

وقال الشيخ أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني في معلقاته: إن يحيى بن عدي أخبره أن متى قرأ إيساغوجي على إنسان نصراني، وقرأ قاطغورياس وباربميناس على إنسان يسمى روبيل، وقرأ كتاب القياس على أبي يحيى المروزي. وقال القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد في كتاب التعريف بطبقات الأمم: إن الفارابي أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن جيلان المتوفى بمدينة السلام في أيام المقتدر فبذ جميع أهل الإسلام فيها، وأربى عليهم في التحقيق بها. وشرح غامضها، وكشف سرها، وقرب تناولها، وجمع ما يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة، لطيفة الإشارة، منبهة على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم. وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمسة، وإفادة وجوه الانتفاع بها، وعرف طرق استعمالها، وكيف تصرف وجوه القياس في كل مادة منها. فجاءت كتبه في ذلك الغاية القصوى الكافية والنهاية الفاضلة. ثم له بعد ذلك كتاب شريف في إحصاء العلوم، والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه، ولا ذهب أحد مذهبه فيه. لا يستغنى طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به، وتقديم النظر فيه. وله كتاب في أغراض فلسفة أفلاطون، وأرسطوطاليس، يشهد له بالبراعة في صناعة الفلسفة والتحقيق بفنون الحكمة، وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر، وتعرف وجوه الطلب، اطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علمًا، وبين كيف التدرج من بعضها إلى بعض، ثم بدأ بفلسفة أفلاطون فعرف بغرضه منها، وسمى تواليفه فيها. ثم أتبع ذلك بفلسفة أرسطو فقدم له مقدمة جليلة، عرف فيها بتدرجه إلى فلسفته ثم بدأ بوصف أغراضه في تواليفه المنطقية والطبيعية كتابًا كتابًا، حتى انتهى به القول في النسخة الواصلة إلينا إلى أول العلم الإلهي والاستدلال بالعلم الطبيعي عليه. ولا أعلم كتابًا أجدى على طالب الفلسفة منها؛ فإنه يعرف بالمعاني المشتركة لجميع العلوم والمعاني المختصة بعلم علم منها. ولا سبيل إلى معاني قاطيغورياس وكيف بين الأوائل الموضوعة لجميع العلوم. ثم له بعد ذلك في العلم الإلهي والعلم المدني كتابان لا نظير لهما، أحدهما المعروف بالسياسة المدنية، والآخر المعروف بالسيرة الفاضلة عرف فيهما بجمل عظيمة من العلم الإلهي على مذهب أرسطوطاليس في مبادئ السنة الروحانية، وكيف يؤخذ عنها الجواهر الجسمانية على ما هي عليه من النظام واتصال الحكمة. وعرف فيها مراتب الإنسان وقواه النفسانية، وفرق بين الوحي والفلسفة، ووصف أصناف المدن الفاضلة، واحتياج المدينة إلى السيرة الملكية والنواميس النبوية. أقول: وفي التاريخ أن الفارابي كان يجتمع بأبي بكر بن السراج يقرأ عليه صناعة

стр. 2679

المنطق. وكان الفارابي يشعر أيضًا. وسأل بعضهم أبا نصر: من أعلم أنت أم أرسطو؟ فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلامذته. ويذكر عنه أنه قال: قرأت السماع لأرسطو أربعين مرة، وأرى أني محتاج إلى معاودته (١). ومن شعر أبي نصر الفارابي (٢): [من مخلع البسيط] لَمَّا رَأَيتُ الزَّمانَ نَكسا … وَلَيسَ في الصُّحبَةِ انتِفاعُ كُلُّ رَئيسٍ بِهِ مَلالُ … وَكُلُّ رَأسٍ بِهِ صُداعُ لَزِمتُ بَيتي وَصُنتُ عِرضًا … بِهِ مِنَ العِزَّةِ انتِفاعُ أشرَبُ مِمّا اِقتَنَيتُ راحًا … لَها عَلى راحَتي شُعاعُ لي مِنْ قَواريرِها نَدَامَى … وَمِنْ قَراقيرها سَمَاعُ وأجتني مِنْ حَديثِ قَومٍ … قَدْ أقفرت منهم البقاع وقال أيضًا (٣): [من المتقارب] أخي خَلٌّ حَيّزَ ذِي باطل … وكُن للحقائقِ في حَيِّز فما الدار دار خُلود لنا … ولا المرء في الأرضِ كالمعجز وهل نحن إلا خطوط وَقَعْنَ … على كُرة وقعَ مُستوفز يُنافس هذا لهذا على … أَقلَّ مِنَ الكَلِم الموجز محيط السماوات أولى بنا … فَلِمْ ذا التنافس في المركز ومنهم: [١٤] يحيى بن عدي، أبو زكرياء المنطقي (٤) حكيم علمه والودق شيئان، وقلمه والبرق سيان، كان أول حاله علمًا في ملته، ومعلمًا لأهل قبلته، وعرف بالمنطق مع أنه بعض علومه، ومن جملة ما دخل من الخصائص في عمومه، وأضاءت له من الأدب لمع تمَّمت فضائله، ونمت هلاله، والبدور الكوامل متضاءلة.

стр. 2680

قال ابن أبي أصيبعة (١): انتهت إليه الرياسة، ومعرفة العلوم الحكمية في وقته، وكان أوحد دهره في مذهب النصارى اليعقوبية، وكان كثير الكتابة، وكتب تفسير الطبري مرتين، وقال: لعهدي بنفسي أكتب في اليوم والليلة مائة ورقة وأقل. وأوصى أن يكتب على قبره: [من الخفيف] رُبَّ مَيْتٍ قد صار في العِلم حَيًّا … ومُبَقَّى قد ماتَ جَهْلًا وعِيّا فاقتنوا العلم كي تَنالُوا خُلودًا … لا تَعدُّو الحياة في الجَهْلِ شيا ومنهم: [١٥] أبو بكر، محمد بن زكرياء الرازي (٢) لم يبق علم ما أتى منه بجذوة، ولا عالم إلا ولديه حبوة. تفنن في أنواع العلوم، فقرأ منها ما أوقر حمل خاطره، وملأ إناء ماطره، وكان فكره المقترح شرر زناد، ونظره

стр. 2681

الملتمح شرك ازدياد، وفضله المنوّع جمّ المذاهب جماع المحاسن الذواهب، وأكثر النقل تقف عنده سلسلته وأعمق المشكل به تعرف مسألته. قال ابن أبي أصيبعة: مولده ومنشؤه بالري، وسافر إلى بغداد، وأقام بها مدةً وكان نهمًا في العلوم العقلية، مشتغلًا بها، وتعلم الأدب ونظم الشعر. قال: وكان سبب تعلمه الطب أنه لما أتى مدينة السلام، ودخل البيمارستان العضدي، فرأى الصيدلاني به فسأله عن الأدوية ومن كان المظهر لها، فقال له: إن

стр. 2682

أول ما عرف منها حياة العالم، وذلك أن رجلًا كان به ورم حار في ذراعه، فلما أشفى منه ارتاح إلى الخروج إلى شاطئ نهر، فحمل إليه وكان عليه نباته، فوضع يده عليه تَبَرُّدًا به، فخف ألمه بذلك، فاستطال وضعها عليه ثم أصبح ففعل ذلك فبرئ. فلما رأى الناس سرعة برئه، علموا أنه إنما كان بما وضع يده عليه فسموه حياة العالم، ثم جففوه. ثم لم يزل الرازي يسأل حتى حسن له التعليم، فتعلم. قال: والذي صح عندي أن الرازي كان أقدم زمانًا من عضد الدولة بن بويه، وإنما كان تردده إلى المارستان قبل أن يجدد. وقال ابن جلجل: إن الرازي كان في ابتداء أمره يضرب بالعود، ثم أكب على النظر في الفلسفة والطب، فبرع براعة المتقدمين. وقال صاعد إنما لم يوغل في العلم الإلهي، ولا فهم غرضه الأقصى فاضطرب رأيه، وتقلد آراء سخيفة، وانتحل مذاهب خبيثة، وذم أقوامًا لم يفهم عنهم، ولا اهتدى لسبيلهم، وكان يتنقل في البلدان، وكان كريمًا متفضلًا، بارًا بالناس، محسنًا إلى الفقراء، يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرضهم، وكان لا يفارق التسويد والتبييض، وكان في بصره رطوبة لكثرة أكل الباقلا ثم عمي آخر عمره. قال التنوخي: إنَّ غلامًا قدم الري وهو ينفث الدم، فأحضر إليه الرازي، فلم تظهر له علائم سل ولا قرحة، فسأله متى بدأ به المرض فقال: من الطريق، فسأله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبره أنها من الصهاريج ومستنقعات الأرض، فوقع في نفس الرازي أنه ابتلع علقة، وأنَّ نفث الدم منها، فقال له: إذا كان في غد جئتك فداويتك، ثم لا أنصرف عنك حتى تبرأ بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما آمرهم، فقال: نعم، فلما أصبح أتاه بطحلب كثير، وقال له: ابتلع هذا، فابتلع يسيرًا ثم قال: لا أستطيع، فأمر الغلمان بأن ينيموه على قفاه ويفتحوا فاه ثم جعل يبلعه الطحلب كرهًا، ويطالبه ببلعه والرجل يستغيث، والرازي لا يكف إلى أن ذرع الرجل القيء، فقذف ما في جوفه، وإذا به اعتلقت به العلقة؛ لأن الطحلب لما وصل إليها رمت إليه بالطبع والتفت عليه، ثم قام الرجل معافى. وقال ابن معروف: كان الرازي يقول: أنا لا أُسمّي فيلسوفًا إلا من علم صناعة الكيمياء؛ لأنه يكون قد استغنى عن الناس، وتنزه عما في أيديهم. وحكي: أن الوزير أكل عند الرازي أطعمة استطابها، فتحيل في مشترى طباخته، ثم لم يجد بطبيخها له ما في نفسه، فسألها عن السبب، فأخبرته أن قدور الرازي وماعونه كله ذهب وفضةٌ، فسأله أن يعلمه علم الكيمياء، فأنكره، فخنقه بوتر.

стр. 2683

ومن كلامه: قوله: الحقيقة في الطب غاية لا تدرك، والعلاج بالكتب دون عمل الحكيم الماهر برأيه خطر. وقوله: العمر يقصر عن الوقوف على فعل كل نبات في الأرض، فعليك بالأشهر مما أجمع عليه واقتصر على ما جربت. وقوله: الأمراض الحارة أقتل من الباردة لسرعة حركة النار. وقوله: ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدًا الصحة، وإن كان غير واثق بها، فمزاج البدن تابع لأخلاق النفس. وقوله: ينبغي للمريض أن يقتصر على واحد يثق به من الأطباء، فخطؤه في جنب صوابه يسير جدًا. وقوله: من يتطبّب عند كثير من الأطباء يوشك أن يقع في خطأ كل واحد منهم. وقوله: بانتقال الكواكب الثابتة في الطول والعرض تنتقل الأخلاق والمزاجات. وقوله: إن استطاع الحكيم أن يُعالج دون الأدوية فقد وافق السعادة. ومن شعره: [من الطويل] لَعَمْرِيَ ما أدري وقدْ أَذِنَ البِلَى … يُعاجل ترحالي إلى أين ترحالي وأينَ مَحلُ الرُّوح بعد خروجها … مِنَ الهيكل المنحل والجَسَدِ البالي (١) ومنهم [١٦] أبو سليمان السجستاني (٢) حكيم حكي من فضله العجائب، وجيء من سجله بالسحائب، وبعد في العلم

стр. 2684

الجم قليبه، وسعد بالسقيا به بعيده وقريبه انبعث طِبّه في العلل انبعاث النفوس في الأبدان، والشموس في البلدان ولم يزل حتى اطلع بعلم، واضطلع من كُلِّ مُهم، فاستعطفت الأجسام أرواحها، واستكفت المنايا رماحها، فأضحت به الصحة مضمونة، والسلامة محققة، وكانت مظنونة، اللهم إلا ما آن لبقية أنظرت، وآجال بها علمت نفس ما أحضرت، وتلك العقرب التي لا يتوقى لها دبيب، والداء الذي أعيا دواؤه كل طبيب. قال ابن أبي أصيبعة (١): هو أبو سليمان محمد بن طاهر بن بهرام المنطقي، وكان متقنًا للعلوم الحكمية مطلعًا على دقائقها، واجتمع بيحيى بن عدي وأخذ عنه، وكان له نظر في الأدب وشعر. ومنه قوله (٢): [من الكامل] لا تَحْسِدنَّ على تظاهرِ نِعْمَةٍ … شَخصًا تبيتُ له المُنُونُ بمَرصَدِ أو ليس بعد بلوغه آمالَهُ … يُفضي إلى عدم كأنْ لمْ يُوجَدِ لو كنتُ أَحسِدُ ما يُجاوِزُ خاطري … حَسَد النجوم على البقاء السرمدي وقوله (٣): [من الكامل] الجوع يُدفع بالرغيف اليابس … فعلامَ أُكثر حسرتي ووساوسي والموتُ أنصف حين ساوى حكمُهُ … بين الخليفة والفقير البائس وقوله (٤): أصبحت رمةً تزايلَ عنها … فَصُلُها الجوهري والعرضي وتلاشى كيانها الحَيَوانِيُّ … وأودى بناتها المنطقي والحواس الخمس التي كُنَّ فيها … ولإدراكهنَّ فِعْلٌ وَحِيُّ ذهبت تلكم الصفاتُ جَميعًا … ومُحالٌ أن يذهب الأزلي ومنهم: [١٧] ابن الخمار، وهو أبو الخير، الحسن بن سوار بن بابا (٥) طبيب شفى طبه الأمراض، وكفى قربه منافيًا للأعراض، لم يوجد في كلامه

стр. 2685

الفضول ولم يوجد إلا الفضول، وقع بحدسه الصائب على الوجع، واستعاد ذاهب الصحة وارتجع، وأحسن الاستدلال بالعلامات والاستقلال بعلاج من حيي ومات، ولم يزل، وما إن طُرَّ شاربه ولا استقل بحبله غاربه مُكبًَّا على الطلب، وقد وُكِّلَ به منه طرفًا لا يهجع، وإنسان عين بسوى فقد النظر لا يُفجع حتى انتقلت إلى أحناء صدره تلك الأوقار، وبقي على هذا حتى تقضت تلك اللبانات والأوطار. قال ابن أبي أصيبعة (١): كان نصرانيًا عالمًا بأصول صناعة الطب وفروعها، خبيرًا بغوامضها، كثير الدراية لها، ماهرًا في الحكمة، وكان في نهاية الذكاء والفطنة. قال ابن رضوان في حل شكوك الرازي على جالينوس ما هذا نصه: كما فعل في عصرنا هذا الحسن بن سوار بن بابا المعروف بابن الخمار، فإنه وصل بالطب إلى أن قبل له محمود الملك الأرض. وكان محمود عظيمًا جدًا، وذلك أن هذا الرجل فيلسوف حسن العقل، حسن المعرفة، حسن السياسة لفقهاء الناس، ورؤساء العوام، والعظماء، والملوك وكان إذا دعاه زاهد مشى إليه راجلًا، وقال له: جعلت هذا المشي كفارة لمروري إلى أهل الفسق والجبابرة، وإذا دعاه السلطان ركب إليه في زي الملوك والعظماء حتى ربما حجبه ثلاثمائة غلام تركب الخيل الجياد بالملابس البهية، ووفى الصناعة حقها في اللين للضعفاء، والتعاظم على العظماء. وهذه كانت طريق أبقراط وجالينوس وغيرهما من الحكماء. ومنهم: [١٨] أبو الفرج ابن هندو (٢) منقب عن البيان يكشف خبأه، ويبعث له في كل معنى نشأه، وينفث فيه روحًا

стр. 2686

كأنه يحسّن لكل فكرة نبأه، ويفتق أكمام الأدب فقل ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ (١) سر دقيق فتن الناس، وخَمرٌ يذهب بالبأس لا كالتي تدخل بالالتباس على الحواس، وسحر يستلذه الذوق، وينقطع عنده القياس، لو أنَّ للدهر رِفتَهُ لان قاسيه، أو للجافي ذكر العهد ناسه، أو للأمل ألقى إلى قبضة اليد مراسيه وما أغيره، شهادة، ولا أميره الحسنى إلا امتاز بزيادة، وكانت بضاعته من الطب غير مزجاة، وصناعته تحقق للمتطبب ما يترجاه لفضل تجلبب بشعاره، وجلب زيادة الحكمة إلى أشعاره، وعلو همته إلى علومها، وقراءة مادة كل علم على عليمها، إلى أن جنى ثمر الفنون وجرب كل شيء ولم يقدر على دفع المنون، وكان له بالخدم في صناعة الكتابة ارتزاق وبئست بضاعة أرزاق، إلا أنه لم يُقدر عليه بها قوته، وما كان لمرء لا يفوته، وبقى على تعلاته واختلاف علاته إلى أن أتاه هاذم الأعمار، ووافاه قادم الموت مبسوط الأعذار. قال ابن أبي أصيبعة (٢): هو الأستاذ السيد الجليل أبو الفرج علي بن الحسين بن هندو من الأكابر المتميزين في علوم الحكمة، والأمور الطبية، والفنون الأدبية، له الألفاظ الرائقة، والأشعار الفائقة، والتصانيف المشهورة، والفضائل المذكورة، وكان يخدم بالكتابة واشتغل على ابن الخمار، وكان من أفضل المشتغلين عليه. قال الثعالبي في اليتيمة فيه: هو مع ضربه في الآداب والعلوم بالسهام الفائزة، وملكه رق البلاغة والبراعة؛ فرد الدهر في الشعر وواحد أهل الفضل في صيد المعاني الشوارد، ونظم القلائد وترصيع الفرائد، مع تهذيب الألفاظ البليغة، وتقريب الأغراض البعيدة، ويذكر الذين يسمعون ويرون ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (٣). وأنشد له قوله (٤): [من الطويل] يقولون لي ما بالُ عَينِكَ إِذْ رأتْ … مَحاسنَ هذا الظَّبي أدمعها هطل فقلتُ زَنَتْ عَيني بطلعة وجهه … فكان لها مِنْ صَوبِ أَدْمُعِها غَسْلُ وقوله (٥): [من البسيط] قَوِّضُ خِيامَكَ عَنْ أَرضِ تُضأم بها … وجانبِ الذُّلَّ إِنَّ الذُّلَّ مُجتَنَبُ وارحل إذا كانت الأوطانُ مَنقصةً … فالمندلُ العَرْفُ في أوطانِهِ حَطَبُ وقوله (٦): [من المنسرح]

стр. 2687

إنْ رحتُ عَنْ بلدةٍ غَدوتُ إلى … أُخرى فما تستقر أحمالي كأنني فكرة الموسوس لا تَبقى … مدى لحظة على حال وقوله (١): [من الكامل] ماللمُعيل وللمعالي إنما … يسمو إليهنَّ الوحيد الفارد فالشمس تجتاب السماء فريدةً … وأبو بناتِ النَّعْشِ فيها راكدُ وقوله (٢): [من البسيط] قالوا اشتغل عنهم حينًا بغيرِهُمُ … وخادع النفس إنَّ النفس تنخدع قدْ صِيغَ قلبي على مقدار حبِّهِمُ … فما لحُبِّ سِواهُ فِيهِ مُتَّسَعُ وقوله (٣): [من البسيط] عارض وَرْدُ الحُدودِ وجنتَهُ … فاتفقا في الجمال واختلفا يزدادُ بالقَطْفِ وَرْدُ وجنته … وينقصُ الوَرْدُ كلَّما قُطِفا وقوله (٤): [من الطويل] تمنّيتُ مَنْ أهوى فلما لِقيتُهُ … بُهِتُ فلم أملك لسانًا ولا طرفا وقد كان في قلبي أمور كثيرةٌ … فلما التقينا ما نَطَقْتُ ولا حَرْفا وقوله (٥): [من مخلع البسيط] عابُوهُ لمَّا التَحَى فقُلنا … عِبُتْم وغبتمْ عَنِ الجَمالِ هذا غزال ولا عَجِيبٌ … تَوَلَّدُ المِسْكِ في الغَزَالِ وقوله (٦): [من البسيط] لا يُؤيسنَّكَ مِنْ مَجْدٍ تباعده … فإنَّ للمجد تدريجًا وترتيبا إنَّ القناة التي أبصرتَ رِفعتها … تَنمي وتصعد أنبوبًا فأنبوبا وقوله (٧): [من المنسرح] تَقولُ: لو كانَ عاشقًا دَنِفًا … إِذا بَدَتْ صُفرةٌ بخَديهِ لا تُنكريهِ فإنَّ صُفرَتَهُ … غَطَّتْ عليهِ دِماءُ عَينيهِ وقوله (٨): [من مخلع البسيط]

стр. 2688

كمْ مِنْ مَليح على أَذاهُ … يَسْتَلُّ مِنْ فَكَهِ حُساما صَبَّ قَذى القول في صماخي … فصارَ حِلمي له فداما وقوله (١): [من الطويل] يَسُرَّ زَمانِي أَنْ أُناط بجهدِهِ … وآنفُ أَنْ أُعزى إليه بجهله ويعجبني أَنْ أَخَرَّتني صُرُوفُهُ … فتأخِيرُها الإنسان بُرهانُ فَضْلِهِ فإنا رأينا قائم السيفِ كُلَّما … تَقَلَّدَهُ الإِنسانُ قُدَّامَ نَصْلِهِ وقوله (٢): [من الكامل] أوحى لعارضه العذارُ فَما … أَبَقى على ورعي ولا نُسكي فكأَنَّ نَمْلًا قد ديبنَ بِهِ … غُمستْ أَكارِعُهُنَّ فِي مِسْكِ وقوله (٣): [من المنسرح] ياشعرات جميعُها فِتَنٌ … يتَيهُ في كُنْهِ وصفها الفَطِنُ ما غَيَّروا مِنْ عِذاره سَفَها … قَدْ كانَ غُصْنًا فأورق الغُصنُ وقوله (٤): [من مجزوء الرمل] رب روض خلتُ آذر … يونَهُ لمَّا تَوَقَدْ ذَهَبًا أَشعلَ مِسكًا … في كوانين زَبَرْجَدْ وقوله (٥): [من المتقارب] عَجِبْتُ لقولنج للأمير … وأَنَّى ومن أين قد جاءَه وفي كل يوم لهُ حُقْنَةٌ … تفرغ بالزيت أمعاءة (٦) ومنهم: [١٩] الشيخ الرئيس، أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن سيناء (٧) رجل الدنيا وواحدها، وعديم النظراء وواجدها. ولد المعاني وولدها،

стр. 2689

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2690

وعقم القرائح ووأدها، لا يجيء أرسطو منه سينه، ولا أفلاطون في جبلته طينه، لو أنه في زمن اليونان، لجلس في صدر الرواق، ولاستقلت طوائف المشائين حوله المشي على الأحداق، لعلم جمع بين علوم الإسلام واليونان، ووقع على ما لا يلقط مثله من الأفنان، ولم يقنع إلا بكل عباب، ولا رضي من جنات التصانيف حتى دعي إليها من كل باب، لو قرن به الفارابي لَفَرَّ، أو الكندي لما كدَّ نفسه ولا كَر، بل لو تقدم في عصور الأوائل لتكلم، وسكت كل قائل، وأقرَّ كل طائر الصيت بأنه ما هو عنده طائل، علم أعلام ومملي كلام ومالئ طروس وأقلام، شعلة ذكاء. لم يبق شرق ولا

стр. 2691

غرب حتى أضاء فيه شعاعها، وامتد إليه شراعها، وأشرقت عليه شمسها، وانبسطت به شمسها وغلب عليه صيتها، وغُلَّ به عفريتها ومشت فيها الحكماء على قانونه، ورأت الشفاء بمضمونه، وعرفت الحكم بإشارته، وسلكت مثل النحل سُبُلَها ذُللًا بعبارته، وعلمت أنه فيلسوف الإسلام والمسلم إليه في كل علم بسلام، والمقدم في سائر الطبقات، والمعظم على الأوقات، والمحرم من العلم المحرم إليه في الميقات، كان ندرة في العالم، وزهرة في بني آدم والمفاض عليه من العلوم ما لا تُرْجَرُ بحاره، ولا تزخر إلا لج فوائد فرائده، وصدره محاره منبع العلم، وموضع الحلم، ومرتع الفضائل، ومربع الكرم، ووسمي الربيع، متضائل أعجوبة الزمان، وغريبة آل سامان، فخرت دولة ما وراء النهر منه بوزير شرف دستها، وصرَّف بجمعه لجهات الممالك شتها، وتقلد أمورها، وقلد المنّة بولايته أميرها، وتزيا بزي أرباب الدول، وأصبح في أصحاب الخول، واقتنى الغلمان الأتراك، ووقع بالحب في الإشراك، وكان غلمانه يلبسون الديباج المنسوج بالذهب، ويشدون مناطق الذهب، المرصعة بالجواهر، يزهر بهم جلوته، وتعمر خلوته. يبيت معهم الليالي في الحمام، ويبادر بتنعمه بهم صروف الحمام، حتى قال له ملكه: كيف تنهانا عن الاتيان في الحمام؟! فقال: لأن الملك يحب أن يعيش طويلًا، وأنا أحب أن أعيش طيبًا، وكان لا يملك صبرًا عن غلمانه، ولا يشغل إلا بهم فراغ زمانه حتى كانوا سبب حمامه، وجلب سمامه. وكان السبب في فعلتهم ومرشدهم في هذا إلى ضَلَّتهم أنهم سرقوا مالًا جليلًا، ثم خافوه، وسئموا فعله الطويل بهم وعافوه، فشابوا له درياق مثرود بطوس كان يستعمله بسم، أبي إلا أن يقتله، فتعلل به عامه حتى ساق الأجل إليه حمامه. وكانت الوزارة نقصًا عيب به، وأطلقت الحكماء ألسنتها فيه بسببها، وقالوا: أذل العلم ورضي من الفانية بالاستكثار، فقال: لي أسوة بأرسطو في صحبة الاسكندر، وفيما قاله نظر؛ لأن أرسطو كان معلمًا للإسكندر ومشيرًا، وابن سيناء كان مكلفًا ووزيرًا. قال ابن أبي أصيبعة (١): هو أشهر من أن يذكر، وفضائله أعظم من أن تسطر. قال: ونحن نقتصر في وصفه على قدر ما ذكره عن نفسه. ووصفه أبو عبيد الجوزجاني صاحبه من أحواله. والذي ذكره هو قال: كان أبي رجلًا من أهل بلخ، وانتقل إلى بخارى في أيام نوح بن منصور، واشتغل بالتصرف، وتولى العمل في أثناء أيامه بقرية

стр. 2692

يقال لها حريمين من ضياع بخارى، وهي من أمهات القرى، وبقربها قرية يقال لها أقسة، وتزوج أبي منها بوالدتي، وقطن بها وسكن، وولدت منها بها. ثم أولدت أخي بها، ثم انتقلنا إلى بخارى. وأحضرت معلم القرآن والأدب، وأكملت العشرة من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب، حتى كان يقتضي مني العجب. وكان أبي ممن أجاب داعي المصريين، وتقبل مذهب الاسماعيلية، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل على الوجه الذي يقولونه ويعرفونه هم، وكذلك أخي. وربما كانوا يذكرونه بينهم وأنا أسمع وأدرك ما يقولونه، ولا تقبله نفسي. وابتدأوا يدعونني إليه، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الهند، وأخذ يوجهني إلى رجل كان يبيع البقل، ويقوم بحساب الهند حتى أتعلمه منه. ثم جاء إلى بخارى أبو عبد الله البابلي وكان يدعي التفلسف، فأنزله أبي إلى دارنا رجاء تعليمي منه. وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد فيه إلى اسماعيل الزاهد، وكنت من أجود السالكين. وقد ألفت طرق المطالبة ووجوه الاعتراض على المجيب على الوجه الذي جرت عادة القوم به. ثم ابتدأت بكتاب إيساغوجي على البابلي. ولما ذكر لي حد الجنس، أنه هو المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ما هو، وأخذته في تحقيق هذا الحد بما لم يسمع بمثله، وتعجب مني كل التعجب وحذروا والدي من شغلي بغير العلم. وكان أي مسألة قالها لي أتصورها خيرًا منه، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه. وأما دقائقه فلم يكن عنده منها خبر. ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق. وكذلك كتاب إقليدس فقرأت من أوله خمسة أشكال أو ستة عليه، ثم توليت بنفسي حل بقية الكتاب بأسره. ثم انتقلت إلى المجسطي، ولما فرغت من مقدماته وانتهيت إلى الأشكال الهندسية، قال البابلي: تول قراءتها وحلها بنفسك، ثم أعرضها علي لأبين لك صوابه من خطئه، وما كان الرجل يقوم بالكتاب. فأخذت أحل ذلك الكتاب فكم من شكل ما عرفه إلا وقت ما عرضته عليه وفهمته إياه. ثم فارقني البابلي متوجهًا إلى كركانج، واشتغلت أنا بتحصيل الكتب في الفصوص والشروح، من الطبيعي والإلهي، فصارت أبواب العلم تنفتح علي. ثم رغبت في علم الطب، وصرت أقرأ الكتب الصعبة فيه؛ وعلم الطب فليس من العلوم الصعبة. فلا جرم أني برزت فيه في أقل مدة حتى بدأ فضلاء الطب يقرأون علي علم الطب. وتعاهدت المرضى فانفتح علي من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف وأنا مع ذلك اختلف إلى الفقه وأناظر إليه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ست عشرة سنة. ثم توفرت على العلم والقراءات سنة ونصفًا، فأعدت قراءة

стр. 2693

المنطق وسائر أجزاء الفلسفة وفي هذه المدة ما نمت ليلة واحدة بطولها ولا اشتغلت في النهار بغيره، وجمعت بين يدي ظهورًا، فكل حجة أنظر فيها أثبت مقدمات قياساته، ورتبتها في الظهور، ثم نظرت فيما عساها تنتج، وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في تلك المسألة، وكلما كنت اتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس، ترددت إلى الجامع، وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل، حتى فتح إلي المتغلق، وتيسر المتعسر. وكنت أرجع بالليل إلى داري وأدع السراج بين يدي، واشتغل بالقراءة، والدرس والكتابة. فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل اتضح لي وجوهها في المنام. وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني. وكل ما عملته في ذلك الوقت فهو الذي علمته لم أزدد فيه إلى اليوم حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي والرياضي ثم عدلت إلى الإلهي، وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة. فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين يومًا وصار لي محفوظًا. وأنا مع ذلك لا أفهم المقصود به، وأيست من نفسي وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه. وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوراقين، وبيد الدلال مجلد ينادي عليه. فعرضه علي فرددته متبرمًا، معتقدًا أن لا فائدة في هذا العلم. فقال لي: اشتر مني هذا؛ فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم، وصاحبه محتاج إلى ثمنه، فاشتريته وإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، فرجعت إلى بيتي، فأسرعت قراءته فانفتح علي في هذا الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه كان لي محفوظًا على ظهر القلب. وفرحت بذلك وتصدقت في ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء شكرًا لله . وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور، واتفق له مرض بلج الأطباء فيه، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على العلم والقراءة. فأجروا ذكري بين يديه، وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركتهم في مداواته، وتوسمت بخدمته، فسألته يومًا الإذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب، فأذن لي فدخلت دارًا ذات بيوت كثيرة في كل بيت صناديق من الكتب منضدة بعضها على بعض، في بيت منها كتب العربية والشعر، وفي آخر الفقه، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد. وطالعت فهرست كتب الأوائل وطلبت ما احتجت إليه منها. ورأيت من الكتب ما لا يقع اسمه على كثير من الناس قط، وما كنت رأيته من قبل ولا رأيته أيضًا من بعد.

стр. 2694

فقرأت تلك الكتب وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه. فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري، فرغت من هذه العلوم كلها. وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء. وكان في جواري رجل يقال له أبو الحسن العروضي فسألني أن أصنف له كتابًا جامعًا في هذا العلم، فصنفت له المجموع وسميته به وأتيت فيه على سائر العلوم سوى الرياضي، ولي إذ ذاك إحدى وعشرون سنة من عمري. وكان في جواري أيضًا رجل يقال له أبو بكر البرقي، خوارزمي المولد، فقيه النفس، متوجه في الفقه والتفسير والزهد، مائل إلى هذه العلوم؛ فسألني شرح الكتب، فصنفت له كتاب الحاصل والمحصول في قريب من عشرين مجلدًا، وصنفت له في الأخلاق كتاب سميته كتابه البر والإثم. وهذان الكتابان فلا يوجدان إلا عنده فلم يعر أحدًا أن ينسخ منه: ثم مات والدي وتصرفت بي الأحوال، وتقلدت شيئًا من أعمال السلطان ودعتني الضرورة إلى الإخلال ببخارى والانتقال إلى كركانج. وكان أبو الحسين المحب لهذه العلوم بها وزيرًا، وقدمت على الأمير بها، وهو علي بن المأمون وكنت على زي الفقهاء إذ ذاك بطيلسان تحت الحنك، وأثبتوا لي مشارفة دارة تقوم بكفاية مثلي. ثم دعت الضرورة إلى الانتقال إلى نسا، ومنها إلى مازر ومنها إلى طوس، ومنها إلى سمنيقان، ومنها إلى جاجرم رأس حد خراسان، ومنها إلى جرجان، وكان قصدي الأمير قابوس، فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس، وحبسه في بعض القلاع، وموته هناك، ثم مضيت إلى دهستان ومرضت بها مرضًا صعبًا، وعدت إلى جرجان، فاتصل أبو عبيد الجرجاني وأنشدت في حالي قصيدة فيها بيت القائل: [من الكامل] لما عظمت وليس مصر واسعي … لما غلا ثمني عدمت المشتري قال أبو عبيد الجرجاني: فهذا ما حكاه لي الشيخ من لفظه ومن ههنا شاهدت أنا من أحواله. كان بجرجان رجل يقال له أبو محمد الشيرازي يحب هذا العلم، وقد اشترى للشيخ دارًا في جواره أنزله بها، وأنا اختلف إليه في كل يوم أقرأ المجسطي وأستملي المنطق. وصنف لأبي محمد الشيرازي كتاب المبدأ والمعاد، وكتاب الأرصاد الكلية. وصنف هناك كتبًا كثيرة، كأول القانون، ومختصر المجسطي، وكثيرًا من الرسائل، ثم صنف في أرض الجبل بقية كتبه. كتاب المجموع مجلد، الحاصل والمحصول عشرون مجلدًا، الإنصاف عشرون مجلدًا، البر والإثم مجلدان الشفاء ثمانية عشر مجلدًا، الأرصاد الكلية مجلد، النجاة ثلاث مجلدات الهداية مجلد، المختصر المتوسط مجلد العلائي مجلد، القولنج

стр. 2695

مجلد، لسان العرب عشر مجلدات الأدوية القلبية مجلد بعض الحكمة المشرقية مجلد بيان ذوات الجهة مجلد كتاب المعاد مجلد كتاب المبدأ والمعاد مجلد. ومن رسائله: القضاء والقدر، الآلة الرصدية، غرض قاطيغورياس. المنطق بالشعر، قصائد في العظة والحكمة في الحروف. تعقب المواضع الجدلية. مختصر أو قليدس، مختصر في النبض بالعجمية، الحدود، الأجرام السماوية. الإشارة إلى علم المنطق، أقسام الحكمة في النهاية واللانهاية، عهد كتبه لنفسه، حي بن يقظان، في أن أبعاد الجسم غير ذاتية له. خطب الكلام في الهندبا، في أنه لا يجوز أن يكون شيء واحد جوهريًا وعرضيًا. في أن علم زيد غير علم عمرو. ورسائل له إخوانية وسلطانية. مسائل جرت بينه وبين بعض الفضلاء. ثم انتقل إلى الري بخدمة السيدة وابنها مجد الدولة، وعرفوه بسبب كتب وصلت معه تتضمن تعريف قدره، وكان مجد الدولة إذ ذاك قد غلبته السوداء، فاشتغل بمداواته، وصنف كتاب المبدأ والمعاد، وأقام بها إلى أن قصد شمس الدولة بعد قتل هلال بن بدر بن حسنويه وهزيمة عسكر بغداد. ثم اتفقت له أسباب أوجبت بالضرورة خروجه إلى قزوين، ومنها إلى همذان، واتصاله بخدمة كذبانويه والنظر في أسبابها. ثم اتفق معرفة شمس الدولة وإحضاره مجلسه بسبب قولنج قد أصابه، وعالجه حتى شفاه الله، وفاز من ذلك المجلس بخلع كثيرة، ورجع إلى داره بعدما أقام هناك أربعين يومًا بلياليها، وصار من ندماء الأمير. ثم اتفق نهوض الأمير إلى قرمسين لحرب عناز، وخرج الشيخ في خدمته، ثم توجه نحو همذان منهزمًا راجعًا. ثم سألوه تقلد الوزارة فتقلدها، ثم اتفق تشويش العسكر عليه، وإشفاقهم منه على أنفسهم، فكبسوا داره وأخذوه إلى الحبس، وأغاروا على أسبابه، وأخذوا جميع ما كان يملكه وسألوا الأمير، قتله، فامتنع منه، وعدل إلى نفيه إلى عز الدولة طلبًا لمرضاته، فتوارى في دار الشيخ أبي سعيد بن دحدول أربعين يومًا فتعاود الأمير شمس الدولة القولنج، وطلب الشيخ يحضر مجلسه، فاعتذر الأمير إليه بكل الاعتذار، فاشتغل بمعالجته، فأقام عنده مكرمًا مبجلًا. وأعيدت الوزارة إليه ثانية. ثم سألته أنا شرح كتب أرسطوطاليس، فذكر أنه لا فراغ له في ذلك الوقت. ولكن إن رضيت مني بتصنيف كتاب أورد فيه ما صح عندي من هذه العلوم بلا مناظرة مع المخالفين، ولا الاشتغال بالرد عليهم، فعلت ذلك فرضيت به. فابتدأ بالطبيعيات من كتاب سماه كتاب الشفاء، وكان قد صنف الكتاب الأول من القانون.

стр. 2696

وكان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم، وكنت أقرأ من الشفاء نوبة. وكان يقرأ غيري من القانون نوبة. وكان يقرأ فإذا فرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم وهيئ مجلس الشراب بآلاته، وكنا نشتغل به، وكان التدريس بالليل لعدم الفراغ من النهار خدمة للأمير، فقضينا على ذلك زمنًا، ثم توجه شمس الدولة إلى صارم لحرب الأمير بهاء الدولة، وعاوده القولنج قريب ذلك الموضع واشتد عليه، وانضاف إلى ذلك أمراض أخر جلبها سوء تدبير، وقلة القبول من الشيخ، فخاف العسكر وفاته فرجعوا طالبين به همدان في المهد، فتوفي في الطريق في المهد. ثم بويع ابن شمس الدولة، وطلبوا استيزار الشيخ فأبى عليهم وكاتب علاء الدولة سرًا يطلب خدمته، والمصير إليه، والانضمام إلى جوانبه. وأقام في دار أبي غالب العطار متواريًا، وطلبت منه اتمام كتاب كتاب الشفاء، فاستحضر أبا غالب، وطلب الكاغد والمحبرة فأحضرهما، وكتب الشيخ في عشرين جزءًا على ثمن بخط رؤوس المسائل. وبقي فيه يومين حتى كتب رؤوس المسائل كلها، بلا كتاب يحضره، ولا أصل يرجع إليه، بل من حفظه، وعن ظهر قلبه. ثم ترك الشيخ تلك الأجزاء بين يديه وأخذ الكاغد، فكان ينظر في كل مسألة، ويكتب شرحها، وكان يكتب في كل يومين خمسين ورقة حتى أتى على جميع الطبيعيات والإلهيات ما خلا كتابي الحيوان والنبات. وابتدأ بالمنطق فكتب منه جزءًا. ثم اتهمه تاج الملك بمكاتبته علاء الدولة، فأنكر عليه ذلك، وحث في طلبه فدل عليه بعض أعدائه، فأخذوه وأأدوه وأرسلوه إلى قلعة يقال لها فردجان وأنشد هناك قصيدة منها: [من الكامل] دُخُولٌ باليقين كما تَرَوهُ … وكلُّ الشَّك في أمر الخروج وبقي فيها أربعة أشهر. ثم قصد علاء الدولة همذان وأخذها، وانهزم تاج الملك ومر إلى تلك القلعة بعينها. ثم رجع علاء الدولة عن همذان، وعاد تاج الملك وابن شمس الدولة إلى همذان وحملوا معهم الشيخ إلى همذان ونزل في دار العلوي، واشتغل هناك بتصنيف المنطق من كتاب الشفاء، وكان قد صنف بالقلعة كتاب الهدايات، ورسالة حي بن يقظان، وكتاب القولنج. وأما الأدوية القلبية فإنه صنفها أول وروده إلى همذان، وكان قد تقضى على هذا زمان وتاج الملك في أثناء هذا يمنيه بمواعيد جميلة، ثم عنّ للشيخ التوجه إلى أصفهان، فخرج متنكرًا وأنا وأخوه وغلامان في زي الصوفية إلى أن وصلنا إلى طبران على باب أصفهان، بعد أن قاسينا شدائد في الطريق، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ، وندماء الأمير علاء الدولة وخواصه، وحمل إليه الثياب والمراكب الخاصة، وأنزل في محلة يقال لها كونكبيد في دار عبد الله بن بيبي،

стр. 2697

وفيها من الآلات والفرش ما يحتاج إليه. وحضر مجلس علاء الدولة فصادف من منزله الإكرام والإعزاز اللذين يستحقهما مثله. ثم رسم الأمير علاء الدولة ليأتي الجماعات مجلس النظر بين يديه بحضرة سائر العلماء على اختلاف طبقاتهم، والشيخ في جملتهم. فما كان يطاق في شيء من العلوم. واشتغل بأصفهان بتتميم كتاب الشفاء، ففرغ من المنطق والمجسطي، وكان قد اختصر أوقليدس والأرثماطيقي والموسقى. وأورد في كل كتاب من الرياضيات زيادات رأى أن الحاجة إليها داعية. أما في المجسطي فأورد عشرة أشكال في اختلاف المنظر وأورد في آخر المجسطي في علم الهيأة أشياء لم يسبق إليها، وأورد في أوقليدس شبهًا، وفي الأرثماطيقي خواص حسنة، وفي الموسيقى مسائل غفل عنها الأولون، وتم الكتاب المعروف بالشفاء ما خلا كتابي النبات والحيوان؛ فإنه صنفهما في السنة التي توجه فيها علاء الدولة إلى سابور خواست في الطريق. وصنف أيضًا في الطريق كتاب النجاة، واختص بعلاء الدولة، وصار من ندمائه إلى أن عزم علاء الدولة قصد همذان، وخرج الشيخ في الصحبة، فجرى ليلة بين يدي علاء الدولة ذكر الخلل الواقع في التقاويم المعمولة بحسب الأرصاد القديمة، فأمر الأمير الشيخ بالاشتغال برصد هذه الكواكب، وأطلق له من الأموال ما يحتاج إليه. وابتدأ الشيخ به وولاني اتخاذ آلاتها واستخدام صناعها حتى ظهر كثير من المسائل، فكان يقع الخلل في أمر الرصد لكثرة الأسفار وعوائقها. وصنف الشيخ بأصفهان الكتاب العلائي. وكان من عجائب أمر الشيخ أني صحبته وخدمته خمسًا وعشرين سنة، فما رأيته إذا وقع له كتاب مجدد ينظر فيه على الولاء، بل كان يقصد المواضع الصعبة منه والمسائل المشكلة، فينظر ما قاله مصنفه فيتبين مرتبته في العلم ودرجته في الفهم. وكان الشيخ جالسًا يومًا من الأيام بين يدي الأمير وأبو منصور الجبائي حاضر فجرى في اللغة مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت أبو منصور إلى الشيخ وقال له: أنت تقول أنك فيلسوف وحكيم، ولكن لم تقرأ من اللغة ما يرضي كلامك فيها، فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، واستهدى كتاب تهذيب اللغة من خراسان تصنيف أبي منصور الأزهري، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها، وأنشد ثلاث قصائد وضمنها ألفاظًا غريبة في اللغة. وكتب ثلاثة كتب أحدها على طريقة ابن العميد والآخر على طريقة الصاحب، والآخر على طريقة الصابئ، وأمر بتجليدها وإخلاق جلدها، ثم أوعز الأمير فعرض تلك المجلدة على أبي منصور الجبائي. وذكر إنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء وقت الصيد فنحب أن

стр. 2698

تتفقدها، وتقول لنا ما فيها، فنظر فيها أبو منصور وأشكل عليه كثير ما فيها. فقال له الشيخ إن ما تجهله من هذا الكتاب هو المذكور في الموضع الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كثيرًا من الكتب فيما يورده من اللغة المعروفة. ففطن أبو منصور أن تلك الرسائل من تصنيف الشيخ، وأن الذي حمله عليه ما جبهه به ذلك اليوم، فتنصل واعتذر إليه ثم صنف الشيخ كتابًا في اللغة سماه لسان العرب لم يصنف في اللغة مثله ولم ينقله إلى البياض حتى توفي فبقي على مسودته لا يهتدي أحد إلى ترتيبه. وكان قد حصل للشيخ تجارب كثيرة فيما باشرها من المعالجات عزم على تدوينها في كتاب القانون. من ذلك أنه صدع يومًا فتصور أن مادة تريد النزل إلى حجاب رأسه، وأنه لا يأمن من ورم يحصل فيه، فأمر بإحضار ثلج كثير، ودقه ولفه في خرقة، وأمر بتغطية رأسه بها، ففعل ذلك حتى قوي الموضع، وامتنع عن قبول تلك المادة وعوفي، ومن ذلك امرأة مسلولة بخوارزم أمرها أن لا تتناول من الأدوية سوى الخلنجبين السكري حتى تناولت على الأيام نحو مائة من وشفيت المرأة. وكان الشيخ قد صنف بجرجان المختصر الأصغر في المنطق، وهو الذي وضعه بعد ذلك في النجاة، ووقعت نسخة إلى شيراز، فنظر فيها جماعة من أهل العلم هناك، ووقعت لهم الشبهة في مسائل منها، فكتبوها على جزء. وكان القاضي بشيراز من جملة القوم، فأنفذ بالجزء إلى أبي القاسم الكرماني صاحب إبراهيم بن بابا الديلمي المشتغل بعلم المناظر، وأضاف إليه كتابًا إلى الشيخ أبي القاسم وأنفذها على يدي ركابي قاصد، وسأله عرض الجزء على الشيخ أبي القاسم فدخل على الشيخ عند اصفرار الشمس في يوم صائف، وعرض عليه الكتاب والجزء، فقرأ الكتاب ورده عليه، وترك الجزء بين يديه وهو ينظر فيه والناس يتحدثون. ثم رجع أبو القاسم، وأمرني الشيخ بإحضار البياض، وقطع أجزاء منها فسدت خمسة أجزاء كل واحد منها عشرة أوراق بالربع الفرعوني، وصلينا العشاء، وقدم الشمع، فأمر بإحضار الشراب وأجلسني وأخاه وأمرنا بتناول الشراب، وابتدأ هو بجواب تلك المسائل. وكان يكتب ويشرب إلى نصف الليل حتى غلبني وأخاه النوم، فأمرنا بالانصراف. فعند الصباح قرع الباب فإذا رسول الشيخ يستحضرني، فحضرته وهو على المصلى، وبين يديه الأجزاء الخمسة، فقال: خذها وصر بها إلى الشيخ أبي القاسم الكرماني، وقل له استعجلت في الإجابة عنها؛ لئلا يتعوق الركابي، فلما حملته تعجب كل العجب، وصرف الفيج وأعلمهم بهذه الحالة، وصار هذا الحديث تاريخًا بين الناس. ووضع في الآت الرصد ما لم يسبق إليه، وصنف فيها رسالة وبقيت أنا ثماني

стр. 2699

سنين مشغولًا بالرصد، وكان غرضي تبين ما يحيكه بطليموس عن قصته في الأرصاد، فتبين لي بعضها. وصنف الشيخ كتاب الإنصاف واليوم الذي قصد فيه السلطان مسعود إلى أصفهان نهب عسكره فيها الشيخ، وكان الكتاب في جملة النهب، وما وقف له على أثر. وكان الشيخ قوي القوى كلها، وكانت قوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب. وكان الشيخ يعتمد على قوة مزاجه حتى صار أمره في السنة التي حارب فيها علاء الدولة تاش فراش على باب الكرخ أخذ الشيخ قولنج، ومن حرصه على برئه إشفاقًا من هزيمة يدفع إليها، ولا يتأتى له المسير فيها مع المرض حقن نفسه في يوم واحد ثمان مرات، فتقرّح بعض أمعائه وظهر به سحج، وأحوج إلى المسير مع علاء الدولة، فأسرعوا نحو إيذج، فظهر به هناك الصرع الذي كان يتبع علته. ومع ذلك كان يدبر نفسه، ويحقن نفسه لأجل السحج ولبقة القولنج، فأمر يومًا باتخاذ دانقين من بزر الكرفس في جملة ما يحتقن به وخلطه به طلبًا لكسر الرياح، فقصد بعض الأطباء الذين كان يتقدم هو إليه بمعالجته، وطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم لست أدري عمدًا فعله أم أخطأ؛ لأنني لم أكن معه، فازداد السحج به من حدة ذلك البزر. وكان المثرود بطوس لأجل الصرع فقام بعض غلمانه، وطرح شيئًا كثيرًا من الأفيون فيه، وناوله، فأكله وكان سبب ذلك خيانتهم في مال كثير من خزانته، فتمنوا هلاكه؛ ليأمنوا عاقبة أعمالهم. ونقل الشيخ كما هو إلى أصفهان، فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي، وحضر مجلس علاء الدولة. ولكنه مع ذلك لا يتحفظ، ويكثر التخليط في أمر المعالجة ولم يبرأ من العلة كل البرء، فكان ينتكس ويبرأ كل وقت. ثم قصد علاء الدولة همذان، فسار معه الشيخ فعاودته في الطريق تلك العلة إلى أن وصل إلى همذان، وعلم أن قوته قد سقطت، وأنها لا تفي بدفع المرض، فأهمل مداواة نفسه وأخذ يقول المدبر الذي كان يدبرني قد عجز عن التدبير، والآن فلا تنفع المعالجة. وبقي على هذا أيامًا، ثم انتقل إلى جوار ربه. وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنة، وكان موته في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وكانت ولادته في سنة خمس وسبعين وثلثمائة. هذا آخر ما ذكره أبو عبيد من أحوال الشيخ الرئيس ﵀، وقبره تحت السور من جانب القبلة من همذان. وقيل: إنه نقل إلى أصفهان، ودفن في موضع على باب كونكند.

стр. 2700

ولما مات ابن سيناء من القولنج الذي [عرض له] قال فيه بعض أهل زمانه: [من المتقارب] رأيتُ ابن سينا يُعادي الرجال … وبالحبس ماتَ أَخسَّ المَماتِ فلمْ يَشْفِ ما نالَهُ بالشفاء … ولمْ يَنْجَ مِنَ مُوتِهِ بالنجاة وقوله بالحبس يعني انحباس البطن من القولنج الذي أصابه، والشفاء والنجاة يريد الكتابين من تأليفه، وقصد بهما بعض أصدقائه، وهو أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي. ومن كلامه قال: ليكن الله تعالى أوَّل فكرك وآخره، وباطن اعتبارك وظاهره، ولتكن عين نفس الرجل مكحولة بالنظر إليه، وقدمها موقوفة على المثول بين يديه؛ مسافرًا بعقله في الملكوت الأعلى، وما فيه من آيات ربه الكبرى. وإذا انحط إلى قراره، فلينزه الله تعالى في آثاره، فإنه باطن ظاهر، تجلى لكل شيء بكل شيء: [من المتقارب] فَفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ … تدل على أَنَّه واحد فإذا صارت هذه الحال له ملكة، انطبع فيها نفس الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت، فألف الأنس الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذ عن نفسه من هواها أولى، وفاضت عليه السكينة، وحقت به الطمأنينة. وتطلع إلى العالم الأدنى اطلاع راحم لأهله، مستوهن لحيله، مستخف لثقله، مستحسن به لعقله، مستضل لطرقه؛ وتذكر نفسه وهي بها لهجة، وببهجتها بهجة، فتعجب منها ومنهم تعجبهم منه، وقد ودعها، وكان معها كأن ليس معها. وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة، وأمثل السكنات الصيام، وأنفع البر الصدقة، وأزكى العمل الاحتمال، وأبطل السعي المراءاة. ولن تخلص النفس عن الدرن ما التفتت إلى قيل وقال، ومناقشة وجدال، وانفعلت بحال من الأحوال. وخير العمل ما صدر عن خالص نية؛ وخير النية ما ينفرج عن جناب علم؛ والحكمة أم الفضائل، ومعرفة الله أول الأوائل ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) ثم يقبل على هذه النفس المؤمنة بكمالها الذاتي فيحرسها عن التلطخ بما يشينها من الهيئات الانقيادية للنفوس الموادية التي إذا بقيت في النفس المزينة، كان حالها عند الانفصال كحالها عند الاتصال؛ اذ جوهرها غير مشاوب، ولا مخالط، وإنما يدنسها هيأة الانقياد لتلك الصواحب؛ بل يفيدها هيئات الاستيلاء والاستعلاء
следующие страницы →