← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وكان يجتمع كل ليلة في داره طلبة العلم، وكنت أقرأ من الشفاء نوبة. وكان يقرأ غيري من القانون نوبة. وكان يقرأ فإذا فرغنا حضر المغنون على اختلاف طبقاتهم وهيئ مجلس الشراب بآلاته، وكنا نشتغل به، وكان التدريس بالليل لعدم الفراغ من النهار خدمة للأمير، فقضينا على ذلك زمنًا، ثم توجه شمس الدولة إلى صارم لحرب الأمير بهاء الدولة، وعاوده القولنج قريب ذلك الموضع واشتد عليه، وانضاف إلى ذلك أمراض أخر جلبها سوء تدبير، وقلة القبول من الشيخ، فخاف العسكر وفاته فرجعوا طالبين به همدان في المهد، فتوفي في الطريق في المهد. ثم بويع ابن شمس الدولة، وطلبوا استيزار الشيخ فأبى عليهم وكاتب علاء الدولة سرًا يطلب خدمته، والمصير إليه، والانضمام إلى جوانبه. وأقام في دار أبي غالب العطار متواريًا، وطلبت منه اتمام كتاب كتاب الشفاء، فاستحضر أبا غالب، وطلب الكاغد والمحبرة فأحضرهما، وكتب الشيخ في عشرين جزءًا على ثمن بخط رؤوس المسائل. وبقي فيه يومين حتى كتب رؤوس المسائل كلها، بلا كتاب يحضره، ولا أصل يرجع إليه، بل من حفظه، وعن ظهر قلبه. ثم ترك الشيخ تلك الأجزاء بين يديه وأخذ الكاغد، فكان ينظر في كل مسألة، ويكتب شرحها، وكان يكتب في كل يومين خمسين ورقة حتى أتى على جميع الطبيعيات والإلهيات ما خلا كتابي الحيوان والنبات. وابتدأ بالمنطق فكتب منه جزءًا. ثم اتهمه تاج الملك بمكاتبته علاء الدولة، فأنكر عليه ذلك، وحث في طلبه فدل عليه بعض أعدائه، فأخذوه وأأدوه وأرسلوه إلى قلعة يقال لها فردجان وأنشد هناك قصيدة منها: [من الكامل] دُخُولٌ باليقين كما تَرَوهُ … وكلُّ الشَّك في أمر الخروج وبقي فيها أربعة أشهر. ثم قصد علاء الدولة همذان وأخذها، وانهزم تاج الملك ومر إلى تلك القلعة بعينها. ثم رجع علاء الدولة عن همذان، وعاد تاج الملك وابن شمس الدولة إلى همذان وحملوا معهم الشيخ إلى همذان ونزل في دار العلوي، واشتغل هناك بتصنيف المنطق من كتاب الشفاء، وكان قد صنف بالقلعة كتاب الهدايات، ورسالة حي بن يقظان، وكتاب القولنج. وأما الأدوية القلبية فإنه صنفها أول وروده إلى همذان، وكان قد تقضى على هذا زمان وتاج الملك في أثناء هذا يمنيه بمواعيد جميلة، ثم عنّ للشيخ التوجه إلى أصفهان، فخرج متنكرًا وأنا وأخوه وغلامان في زي الصوفية إلى أن وصلنا إلى طبران على باب أصفهان، بعد أن قاسينا شدائد في الطريق، فاستقبلنا أصدقاء الشيخ، وندماء الأمير علاء الدولة وخواصه، وحمل إليه الثياب والمراكب الخاصة، وأنزل في محلة يقال لها كونكبيد في دار عبد الله بن بيبي،

стр. 2697

وفيها من الآلات والفرش ما يحتاج إليه. وحضر مجلس علاء الدولة فصادف من منزله الإكرام والإعزاز اللذين يستحقهما مثله. ثم رسم الأمير علاء الدولة ليأتي الجماعات مجلس النظر بين يديه بحضرة سائر العلماء على اختلاف طبقاتهم، والشيخ في جملتهم. فما كان يطاق في شيء من العلوم. واشتغل بأصفهان بتتميم كتاب الشفاء، ففرغ من المنطق والمجسطي، وكان قد اختصر أوقليدس والأرثماطيقي والموسقى. وأورد في كل كتاب من الرياضيات زيادات رأى أن الحاجة إليها داعية. أما في المجسطي فأورد عشرة أشكال في اختلاف المنظر وأورد في آخر المجسطي في علم الهيأة أشياء لم يسبق إليها، وأورد في أوقليدس شبهًا، وفي الأرثماطيقي خواص حسنة، وفي الموسيقى مسائل غفل عنها الأولون، وتم الكتاب المعروف بالشفاء ما خلا كتابي النبات والحيوان؛ فإنه صنفهما في السنة التي توجه فيها علاء الدولة إلى سابور خواست في الطريق. وصنف أيضًا في الطريق كتاب النجاة، واختص بعلاء الدولة، وصار من ندمائه إلى أن عزم علاء الدولة قصد همذان، وخرج الشيخ في الصحبة، فجرى ليلة بين يدي علاء الدولة ذكر الخلل الواقع في التقاويم المعمولة بحسب الأرصاد القديمة، فأمر الأمير الشيخ بالاشتغال برصد هذه الكواكب، وأطلق له من الأموال ما يحتاج إليه. وابتدأ الشيخ به وولاني اتخاذ آلاتها واستخدام صناعها حتى ظهر كثير من المسائل، فكان يقع الخلل في أمر الرصد لكثرة الأسفار وعوائقها. وصنف الشيخ بأصفهان الكتاب العلائي. وكان من عجائب أمر الشيخ أني صحبته وخدمته خمسًا وعشرين سنة، فما رأيته إذا وقع له كتاب مجدد ينظر فيه على الولاء، بل كان يقصد المواضع الصعبة منه والمسائل المشكلة، فينظر ما قاله مصنفه فيتبين مرتبته في العلم ودرجته في الفهم. وكان الشيخ جالسًا يومًا من الأيام بين يدي الأمير وأبو منصور الجبائي حاضر فجرى في اللغة مسألة تكلم الشيخ فيها بما حضره، فالتفت أبو منصور إلى الشيخ وقال له: أنت تقول أنك فيلسوف وحكيم، ولكن لم تقرأ من اللغة ما يرضي كلامك فيها، فاستنكف الشيخ من هذا الكلام، وتوفر على درس كتب اللغة ثلاث سنين، واستهدى كتاب تهذيب اللغة من خراسان تصنيف أبي منصور الأزهري، فبلغ الشيخ في اللغة طبقة قلما يتفق مثلها، وأنشد ثلاث قصائد وضمنها ألفاظًا غريبة في اللغة. وكتب ثلاثة كتب أحدها على طريقة ابن العميد والآخر على طريقة الصاحب، والآخر على طريقة الصابئ، وأمر بتجليدها وإخلاق جلدها، ثم أوعز الأمير فعرض تلك المجلدة على أبي منصور الجبائي. وذكر إنا ظفرنا بهذه المجلدة في الصحراء وقت الصيد فنحب أن

стр. 2698

تتفقدها، وتقول لنا ما فيها، فنظر فيها أبو منصور وأشكل عليه كثير ما فيها. فقال له الشيخ إن ما تجهله من هذا الكتاب هو المذكور في الموضع الفلاني من كتب اللغة، وذكر له كثيرًا من الكتب فيما يورده من اللغة المعروفة. ففطن أبو منصور أن تلك الرسائل من تصنيف الشيخ، وأن الذي حمله عليه ما جبهه به ذلك اليوم، فتنصل واعتذر إليه ثم صنف الشيخ كتابًا في اللغة سماه لسان العرب لم يصنف في اللغة مثله ولم ينقله إلى البياض حتى توفي فبقي على مسودته لا يهتدي أحد إلى ترتيبه. وكان قد حصل للشيخ تجارب كثيرة فيما باشرها من المعالجات عزم على تدوينها في كتاب القانون. من ذلك أنه صدع يومًا فتصور أن مادة تريد النزل إلى حجاب رأسه، وأنه لا يأمن من ورم يحصل فيه، فأمر بإحضار ثلج كثير، ودقه ولفه في خرقة، وأمر بتغطية رأسه بها، ففعل ذلك حتى قوي الموضع، وامتنع عن قبول تلك المادة وعوفي، ومن ذلك امرأة مسلولة بخوارزم أمرها أن لا تتناول من الأدوية سوى الخلنجبين السكري حتى تناولت على الأيام نحو مائة من وشفيت المرأة. وكان الشيخ قد صنف بجرجان المختصر الأصغر في المنطق، وهو الذي وضعه بعد ذلك في النجاة، ووقعت نسخة إلى شيراز، فنظر فيها جماعة من أهل العلم هناك، ووقعت لهم الشبهة في مسائل منها، فكتبوها على جزء. وكان القاضي بشيراز من جملة القوم، فأنفذ بالجزء إلى أبي القاسم الكرماني صاحب إبراهيم بن بابا الديلمي المشتغل بعلم المناظر، وأضاف إليه كتابًا إلى الشيخ أبي القاسم وأنفذها على يدي ركابي قاصد، وسأله عرض الجزء على الشيخ أبي القاسم فدخل على الشيخ عند اصفرار الشمس في يوم صائف، وعرض عليه الكتاب والجزء، فقرأ الكتاب ورده عليه، وترك الجزء بين يديه وهو ينظر فيه والناس يتحدثون. ثم رجع أبو القاسم، وأمرني الشيخ بإحضار البياض، وقطع أجزاء منها فسدت خمسة أجزاء كل واحد منها عشرة أوراق بالربع الفرعوني، وصلينا العشاء، وقدم الشمع، فأمر بإحضار الشراب وأجلسني وأخاه وأمرنا بتناول الشراب، وابتدأ هو بجواب تلك المسائل. وكان يكتب ويشرب إلى نصف الليل حتى غلبني وأخاه النوم، فأمرنا بالانصراف. فعند الصباح قرع الباب فإذا رسول الشيخ يستحضرني، فحضرته وهو على المصلى، وبين يديه الأجزاء الخمسة، فقال: خذها وصر بها إلى الشيخ أبي القاسم الكرماني، وقل له استعجلت في الإجابة عنها؛ لئلا يتعوق الركابي، فلما حملته تعجب كل العجب، وصرف الفيج وأعلمهم بهذه الحالة، وصار هذا الحديث تاريخًا بين الناس. ووضع في الآت الرصد ما لم يسبق إليه، وصنف فيها رسالة وبقيت أنا ثماني

стр. 2699

سنين مشغولًا بالرصد، وكان غرضي تبين ما يحيكه بطليموس عن قصته في الأرصاد، فتبين لي بعضها. وصنف الشيخ كتاب الإنصاف واليوم الذي قصد فيه السلطان مسعود إلى أصفهان نهب عسكره فيها الشيخ، وكان الكتاب في جملة النهب، وما وقف له على أثر. وكان الشيخ قوي القوى كلها، وكانت قوة المجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب. وكان الشيخ يعتمد على قوة مزاجه حتى صار أمره في السنة التي حارب فيها علاء الدولة تاش فراش على باب الكرخ أخذ الشيخ قولنج، ومن حرصه على برئه إشفاقًا من هزيمة يدفع إليها، ولا يتأتى له المسير فيها مع المرض حقن نفسه في يوم واحد ثمان مرات، فتقرّح بعض أمعائه وظهر به سحج، وأحوج إلى المسير مع علاء الدولة، فأسرعوا نحو إيذج، فظهر به هناك الصرع الذي كان يتبع علته. ومع ذلك كان يدبر نفسه، ويحقن نفسه لأجل السحج ولبقة القولنج، فأمر يومًا باتخاذ دانقين من بزر الكرفس في جملة ما يحتقن به وخلطه به طلبًا لكسر الرياح، فقصد بعض الأطباء الذين كان يتقدم هو إليه بمعالجته، وطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم لست أدري عمدًا فعله أم أخطأ؛ لأنني لم أكن معه، فازداد السحج به من حدة ذلك البزر. وكان المثرود بطوس لأجل الصرع فقام بعض غلمانه، وطرح شيئًا كثيرًا من الأفيون فيه، وناوله، فأكله وكان سبب ذلك خيانتهم في مال كثير من خزانته، فتمنوا هلاكه؛ ليأمنوا عاقبة أعمالهم. ونقل الشيخ كما هو إلى أصفهان، فلم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي، وحضر مجلس علاء الدولة. ولكنه مع ذلك لا يتحفظ، ويكثر التخليط في أمر المعالجة ولم يبرأ من العلة كل البرء، فكان ينتكس ويبرأ كل وقت. ثم قصد علاء الدولة همذان، فسار معه الشيخ فعاودته في الطريق تلك العلة إلى أن وصل إلى همذان، وعلم أن قوته قد سقطت، وأنها لا تفي بدفع المرض، فأهمل مداواة نفسه وأخذ يقول المدبر الذي كان يدبرني قد عجز عن التدبير، والآن فلا تنفع المعالجة. وبقي على هذا أيامًا، ثم انتقل إلى جوار ربه. وكان عمره ثلاثًا وخمسين سنة، وكان موته في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وكانت ولادته في سنة خمس وسبعين وثلثمائة. هذا آخر ما ذكره أبو عبيد من أحوال الشيخ الرئيس ﵀، وقبره تحت السور من جانب القبلة من همذان. وقيل: إنه نقل إلى أصفهان، ودفن في موضع على باب كونكند.

стр. 2700

ولما مات ابن سيناء من القولنج الذي [عرض له] قال فيه بعض أهل زمانه: [من المتقارب] رأيتُ ابن سينا يُعادي الرجال … وبالحبس ماتَ أَخسَّ المَماتِ فلمْ يَشْفِ ما نالَهُ بالشفاء … ولمْ يَنْجَ مِنَ مُوتِهِ بالنجاة وقوله بالحبس يعني انحباس البطن من القولنج الذي أصابه، والشفاء والنجاة يريد الكتابين من تأليفه، وقصد بهما بعض أصدقائه، وهو أبو سعيد بن أبي الخير الصوفي. ومن كلامه قال: ليكن الله تعالى أوَّل فكرك وآخره، وباطن اعتبارك وظاهره، ولتكن عين نفس الرجل مكحولة بالنظر إليه، وقدمها موقوفة على المثول بين يديه؛ مسافرًا بعقله في الملكوت الأعلى، وما فيه من آيات ربه الكبرى. وإذا انحط إلى قراره، فلينزه الله تعالى في آثاره، فإنه باطن ظاهر، تجلى لكل شيء بكل شيء: [من المتقارب] فَفي كُلِّ شَيءٍ له آيةٌ … تدل على أَنَّه واحد فإذا صارت هذه الحال له ملكة، انطبع فيها نفس الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت، فألف الأنس الأعلى، وذاق اللذة القصوى، وأخذ عن نفسه من هواها أولى، وفاضت عليه السكينة، وحقت به الطمأنينة. وتطلع إلى العالم الأدنى اطلاع راحم لأهله، مستوهن لحيله، مستخف لثقله، مستحسن به لعقله، مستضل لطرقه؛ وتذكر نفسه وهي بها لهجة، وببهجتها بهجة، فتعجب منها ومنهم تعجبهم منه، وقد ودعها، وكان معها كأن ليس معها. وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة، وأمثل السكنات الصيام، وأنفع البر الصدقة، وأزكى العمل الاحتمال، وأبطل السعي المراءاة. ولن تخلص النفس عن الدرن ما التفتت إلى قيل وقال، ومناقشة وجدال، وانفعلت بحال من الأحوال. وخير العمل ما صدر عن خالص نية؛ وخير النية ما ينفرج عن جناب علم؛ والحكمة أم الفضائل، ومعرفة الله أول الأوائل ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١) ثم يقبل على هذه النفس المؤمنة بكمالها الذاتي فيحرسها عن التلطخ بما يشينها من الهيئات الانقيادية للنفوس الموادية التي إذا بقيت في النفس المزينة، كان حالها عند الانفصال كحالها عند الاتصال؛ اذ جوهرها غير مشاوب، ولا مخالط، وإنما يدنسها هيأة الانقياد لتلك الصواحب؛ بل يفيدها هيئات الاستيلاء والاستعلاء

стр. 2701

والرياسة. وكذلك يهجر الكذب قولًا وفعلًا حتى تحدث للنفس هيأة صدوقة، فتصدق الأحلام والرؤيا. وأما اللذات فيستعملها على إصلاح الطبيعة وإبقاء الشخص والنوع، والسياسة. أما المشروب فإن يهجر شربه تلهيًا بل تشفيًا وتداويًا؛ ويعاشر كل فرقة بعادته ورسمه؛ ويسمح بالمقدور والتقدير من المال؛ ويركب لمساعدة الناس كثيرًا مما هو خلاف طبعه. ثم لا يقصر في الاوضاع الشرعية، ويعظم السنن الالهية والمواظبات على التعبدات البدنية. ويكون دوام عمره إذا خلا وخلص من المعاشرين تطريه الرتبة في النفس والفكرة في الملك الأول وملكه، وكبس النفس عن عثار الناس من حيث لا يقف عليه الناس عاهد الله أنه يسير بهذه السيرة، ويدين بهذين الديانة، والله ولي الذين آمنوا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ومن شعر الشيخ الرئيس قاله في النفس وهي من أحسن قصائده وأشرفها (١): [من الكامل] هَبَطَتْ إليكَ مِنَ المَحلِّ الأرفعِ … وَرْقاءُ ذات تعزز وتمنع محجوبةٌ عَنْ كلِّ مُقلة عارفٍ … وهي التي سَفَرَتْ ولَمْ تَتَبرقع وصلت على كره إليكَ ورُبما … كَرهَتْ فِراقَكَ وهي ذاتُ تفجُعِ أبقت وما أيست فلما واصلتْ … أَلِفَتْ مُجاورة الخراب البلقع وأظنها نسيت عُهودًا بالحِمَى … ومنازلًا بفراقها لمْ تَقْنَعَ حتى إذا اتصلت بهاءِ هُبُوطِها … في مِيم مركزها بذاتِ الأَجْرَعَ عَلِقَتْ بها ثَاء الثقيل فأصبحت … بين المعالم والطلولِ الخُضَعَ وتظلُّ ساجعة على الدِّمَنِ التي … دَرَسَتْ بِتَكَرارِ الرِّياحِ الأَربع حتى إذا قرب المسير مِنَ الحِمَى … ودَنا الرَّواحُ إلى الفضاء الأوسع سَجَعَتْ وقَدْ كُشف الغطاء فأبصرت … ما ليس يُدرك بالعيون الهجع وغَدَتْ مُفارقة لكلِّ مُكلَّف … عنها حليف الترب غير مُشيع وغَدَتْ تُغرّد فوق ذروة شاهق … والعِلمُ يرفع كلَّ مَنْ لمْ يُرفَعَ فلأيّ شيءٍ أُهبطتْ مِنْ شاهق … سام إلى قَعْرِ الحضيض الأوضع إن كان أرسلها الإله لحكمة … طُويَتْ عَنِ الفَطِنِ اللبيب الأورع فهبوطها إن كان ضربة لازب … لتكون سامعةً لِما لم تسمع وتعود عالمة بكُلِّ خَفيةٍ … في العالمينَ فَخَرْقُها لمْ يُرقَع

стр. 2702

وهي التي قَطَعَ الزمانُ طَريقَها … حتى لقدْ غَرَبَتْ بغيرِ المَطلَعِ فكأنها بَرْقٌ تأَلَّقَ للحِمَى … ثُمَّ انطوى فكأنهُ لمْ يَلْمَعِ وقال في الشيب والحكمة والزهد (١): [من الوافر] أما أصبحت عن ليل التصابي … وقد أصبحتَ عَنْ ليل الشباب تنفس في عذارِكَ صَبحُ شَيبٍ … وعَسْعَسَ ليله فكم التصابي شهابك كان شيطانًا مَرِيدًا … فَرَجَمَ في مَشيبك بالشهاب وأسربَ مَنْ يزاة الدهرُ أَحوَى … على فَوْدي فألمًا بالغراب عَفَا رَسْمَ الشباب ورسم دارٍ … لهمْ عَهْدي به مَغْنَى رَبابِ فذاكَ ابيض مِنْ قَطَراتِ دمعي … وذاك اخضر من قطر السحاب هذا ينعى إليك النفس نَعيًا … وذالكم نشور للروابي كذا دُنياكَ تَرْأَبُ لا نصداع … مُغالطة وتبني للخراب ويعلق مُشمئز النفس عنها … بأشراكِ تَعوقُ عَنِ اضطراب فلولاها لعجلت انسلاخي … عَنِ الدنيا وإن كانت إهابي عَرَفْتُ عُقُوقَها فَسلَوتُ عنها … فلما عفتها أغريتها بي بُليتُ بعالم يعلو أذاه … سوى صبري ويسفُلُ عَنْ عِتابي وسُبل للصَّوابِ خِلاط قومٍ … وكم كانَ الصَّوابُ سِوى الصواب فَغَالَطهم ونفسي في مكانٍ … مِنَ العَلياء عنهم في حجاب ولستُ بمن يخلطه خلاط … متي اعتبرت أبانَ عَنْ تُرابِ إذا ما لَجَّتِ الأبصار نالت … خيالًا واشمأَزَّتْ عَنْ لبَابِ وقال أيضًا (٢): [من الكامل] خير النفوس العارفاتِ ذَواتها … وحقيقُ كِيميات ماهياتها وبم الذي حَلَّتْ ومِمَّ تكوَّنتْ … أَعضاءُ بِنيتها على هيئاتها نفس النبات ونفسُ حِسٌ رُكّبا … هَلًا كذاكَ سِماتُهُ كِسماتِها يا للرجالِ لِعِظمِ رُزْءٍ لم تزل … منه النفوس تَخُبُّ في ظلماتها وقال أيضًا (٣): [من الخفيف] هَذَّبِ النفس بالعُلومِ لِتَرقَى … وَذَرِ الكُلَّ فهي للكُلِّ بَيْتُ

стр. 2703

إنما النفس كالزجاجةِ والعِلـ … ـمُ سِراج وحِكْمَةُ اللهِ زَيْتُ وقال أيضًا (١): [من الرمل] صبَّها في الكأس صِرفًا … غَلَبَتْ ضَوء السِّراج ظنَّها في الكأس نارًا … فَطَفَاها بالمزاج وقال أيضًا (٢): [من الكامل] قُمْ فاسقنيها قهوة كدم الطلا … يا صاح بالقَدَحِ المَلا بين الملا خَمْرًا تَظَلُّ لها النصارى سُجَّدًا … ولها بنو عمران أخلصت الولا لو أنها يومًا وقد ولعت لهم … قالت: ألست بربُّكم؟ قالوا: بَلَى نظر إلى قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٣). وقال: [من الرمل] نَزَلَ اللاهوت في ناسوتها … كنزول الشمس في أَبْراجِ يُوْحِ قال فيها بعضُ مَنْ هام بها … مثل ما قالَ النصارى في المسيح هي والكأس وما مازجها … كأبٍ مُتَحِد وابن ورُوحِ وقال: [الطويل] شَرِبنا على الصوت القديم قديمة … لكل قديم أول هيَ أَوَّلُ ولو لم تكن في حيّز قلَتُ إنها … هي العلة الأولى التي لا تُعَلَّلُ وقال أيضًا، وقيل إنها للطغرائي: [من الكامل] عَجَبًا لِقَومٍ يَحْسِدُونَ فَضَائِلي … ما بين عاني إلى عالي عتبوا عليَّ فضلي وذمُّوا حكمتي … واستوحشُوا مِنْ نَقصِهِمْ وَكَمَالي إني وكيدهم وما عبثوا بِهِ … كالطَّوْدِ يحقر نَطْحَةَ الأوعال وقال أيضًا: [من الكامل] أشكو إلى الله الزمانَ بِصَرْفِهِ … أَبَلى جَديد قواي وهوَ جَديدُ وقال أيضًا وقيل إن هذه الأبيات إذا قيلت عند رؤية عطارد وقت شرفه، فإنها تفيد علمًا وخيرًا: [من الطويل] عُطارد قد والله طالَ تَرَدُّدي … مَساءً وصُبحًا كي أراك فأَغْنَمَا

стр. 2704

فها أنت فامددني لكي أُدرِكَ المُنَى … وأحوي العُلوم الغامضاتِ تَكَرُّما ووقني المَحْذُور والشر كله … بأمرِ مَليك خالق الأرض والسما (١) ومنهم: [٢٠] أبو الفرج، عبد الله بن الطيب، كاتب الجاثليق (٢) كان مع توسعه في الحكمة، وتتبعه لسرجها المضية في كل ظلمة، مصرًا على نصرانيته، معظمًا لأمور رهبانيته، ينقاد إلى خُدعها، ولا يخفى عليه أنها ضلال، ويتردد إلى بيعها ولا يعتريه ملال، ويعظم صورها الممثلة، ويظل عليها عاكفًا وإليها عاطفًا، وهو على يقين من أنها لا تنطق ولا تمسك عليه من خزائن رزقها ولا تنفق، على أنه كان إمامًا في الطبيعي لا يعدو علمه ولا يخاف عدمه، فأما من ذكر سواه فكثيرًا ما يجد من واساه. ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (٣): هو الفيلسوف الإمام العالم. كان متميزًا بين النصارى ببغداد، ويقرئ الطب في البيمارستان العضدي، جليل المقدار، واسع العلم، شرح كثيرًا من كتب أرسطو وأبقراط وجالينوس، وكانت له قوة في التصنيف، وأكثر ما كانت تؤخذ عنه إملاء من لفظه، وكان الرئيس يحمده في الطب ويذمه في الحكمة. وقال فيه: وكان يقع إلينا كتب يعملها الشيخ أبو الفرج بن الطيب في الطب ونجدها صحيحة مرضية خلاف تصانيفه في المنطق والطبيعات، وما يجري معها. وحكى ابن القف: أن رجلين أتيا من بلاد العجم للقراءة على ابن الطيب، فقيل لهما: إنه في الكنيسة للصلاة، فأتيا إليه في الكنيسة، فوجداه لابسًا ثوب صوف مكشوف الرأس، وبيده مبخرة فيها بخور، وهو يدور في الكنيسة يبخرها، فتأملاه

стр. 2705

وتحدثا بالفارسية، وأداما النظر إليه والتعجب من فعله هذا، وهو من أجل الحكماء، فكأنه رآهما وفهم عنهما ما هما فيه. فلما فرغ من شأنه لبس ثيابه المعتادة، وقربت له البغلة فركبها ومشت الغلمان حوله، فتبعاه وسألاه أن يقرئهما، فقال لهما: أحججتما قط، فقالا: لا، فقال: لا أقريكما حتى تحجا، فحجا ثم أتياه وقد علاهما الشحوب، ورؤوسهما محلقة فسألهما عن مناسك الحج وما فعلاه فيها، فأخبراه بها، فقال لهما: لما رميتما الجمار بقيتما عُراة موشحين وبأيديكما الحجارة وأنتما تهرولان وترميان بها، قالا: نعم، فقال: هكذا الأمور الشرعية، تؤخذ نقلًا لا عقلًا، فعرفا قصده وعجبا منه. ثم اشتغلا عليه وكانا من أجل تلامذته. ومنهم: [٢١] أبو الوليد، محمد بن محمد بن المجلي الجزري، المعروف بابن الصائغ (١) أثرى بالفضائل وما كنزها، وأثار علوم الأوائل وما ركزها، هذا مع أدب لا يُرنق، وطلب لبس ثوب نمر لا يبنق، وشعر هو شعاع بنت الزرجون، وشعاع الفجر المتفرق تحت أرز الدجون. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان إمامًا مشهورًا، وعالمًا مذكورًا، وفيلسوفًا مميزًا، وأديبًا مبرزًا، ويعرف بالعنتري؛ لأنه كان في صباه يكتب أحاديث عنترة العبسي. ومن كلامه قوله: تعلم العلم فإنه لو لم ينل به من الدنيا إلا الغنى عمن يستعبدك بحق أو باطل.

стр. 2706

تعلم العلم ليريك العالم يقادون بأزمة الجهل إلى الخطأ والصواب. الجاهل عبد لا يعتق إلا بالمعرفة. الحكمة سراج النفس فمتى عدمتها، عميت عن الحق. الحكمة دواء من الموت الأبدي. الشخص بلا علم كالجسد بلا روح. من أحب أن ينطق باسمه، فليكثر من العناية بعلمه. العالم المحروم أشرف من الجاهل المرزوق. الجاهل يطلب المال، والعالم يطلب الكمال. الغم ليل القلب والسرور نهاره، وشرب السم أهون من معاناة الهم. ومن شعره قوله: [من الكامل] لو كنت تعلم كلَّ ما علمَ الوَرَى حقًّا … لكنت صديق كُلِّ العالم لكنْ جَهِلْتَ فَصِرْتَ تحسبُ كلَّ مَنْ … يَهْوَى خلاف هواك ليس بعالم اسْتَحْيِ إِنَّ العقل أصبح ضاحكًا … مما تقول وأنت مثل النائم وقوله: [من الخفيف] قدْ كَشَفْتُ الأشياء بالفعل حتى … ظهرت لي وليس فيها التباس وعَرَفْتُ الرجال بالعِلم لمَّا … عَرَفَ العِلم بالرجال الناس وقوله: [من الكامل] لا تُدِنيَنَّ فتًى يَوَدُّكَ ظَاهِرًا … منه وضدُّ وُدَادِهِ في طَبْعِهِ واهجر صديقك إن تنكَّرَ وُدُّهُ … فالعضو يُحَسمُ داؤُهُ في قَطْعِهِ وقوله: [من الكامل] عَدِّلْ مِرَاجَكَ ما استطعت ولا تكن … كَمُسَوِّفٍ آذى به التخليط واحفظ عليكَ حَرارةً برطوبةٍ … تَبقى فَتَرْكُكَ حِفظها تَفْريط واعلم بأنَّكَ كالسراج بقاؤُهُ … ما دامَ في طَرْفِ الذُّبالِ سَلِيط وقوله في مليح تنقل بالرمان على الخمر: [من السريع] تُنَّقلَ الرُّمانُ إرَ الطّلا … مَخافَةً مِنْ ضَرَرِ السُّكر كأنَّه وهوَ خَبِيرٌ بِهِ … يُكسر الياقوت بالدر وقوله: [من مخلع البسيط]

стр. 2707

رأيتُ فوق الرئيسِ عِلْجًا … أسودَ يعلوه كالحمار يدفن في العاج آبنوسًا … ويُولِجُ الليل في النهار وقوله: [من مخلع البسيط] قد أقبلت غُولةُ الصَّبايا … تنظرُ مِنْ مَعْلَم النقاب فقلتُ مِنْ أعظمِ الرَّزايا … قُفْل على مَنْزِلٍ خَرَابِ وقال: [من الكامل] احفظ بني وصيتي واعمل بها … فالطب مجموع بنص كلامي قدم على طب المَريضِ عِنايةٌ … في حِفْظِ قُوَّتِهِ مَعَ الأيام بالشِّبْهِ تَحفظُ صِحَةً موجودة … والضّدُّ فِيهِ شِفاء كلِّ سَقام أقلل نكاحك ما استطعت فإنه … ماء الحياةِ يُراق في الأرحام واجعل طعامكَ كلَّ يومٍ مَرَّةً … واحذر طعامًا قبلَ هَضْم طعام لا تَحْفَرِ المَرَض اليسير فإنهُ … كالنارِ تُصبحُ وهيَ ذاتُ ضَرام وإذا تغير منك حال ظاهر … فاحتل لرجعةِ حَلٌّ كلِّ نظامٍ لا تهجرن القيء واهجر كلما … كَيموسه سبب إلى الأسقام إنَّ الحمى عون الطبيعةِ مُسْعِدٌ … شافٍ من الأمراض والآلام لا تشربنَّ عَقِيبَ أَكَلٍ عاجل … أو تأكلنَّ عَقِيبَ شُربِ مُدام والقيء يقطع والقيام كلاهما … بهما وليس بنوع كلِّ قِيامِ وخذ الدواء إذا الطبيعة كُدِّرَتْ … بالاحتلام وكثرة الأحلام إياك تلزم أكل شَيءٍ واحدٍ … فتقود نفسك للأذى بزمام وإذا الطبيعة منكَ نَقَّتُ باطنًا … فدواءُ ما في الجلد بالحَمامَ وتزيد في الأخلاط إن نقصت به … زادت فنقص فضلها بقوام والطب جملتُهُ إِذا حققتَهُ … حَلٌّ وعَقَد طبيعة الأجسام ولعقل تدبير المِزاج فضيلةٌ … يُشفى المريض بها وبالأوهام وهي تروى للرئيس ابن سينا، ولابن بطلان، والصحيح أنها لأبي الوليد (١). ومنهم:

стр. 2708

[٢٢] ابن الخطيب الرازي، ابن خطيب الري وهو: محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله الإمام فخر الدين (١). حبر الأعلام، وبحر الكلام، طالما أغصَّ المُناظر، وخص بالعجب كل ناظر، وقطف الكلام منوّرًا، وجلا سدف الظلام منورًا، ونظر في كل فن، وحضر له تحقيق في كل ظن، وجاء بحلية المناقب، وزينة النجوم الثواقب، وطاب بذكره كل سمر،

стр. 2709

وصدق منه حديث ابن عمر، هذا إلى توقير الملوك لجنابه، وتوفير خاطره الذي لو شاء لجنى به وتعظيم حل به الذرى، وحَلَّى ببعضه الورى، وخَلَّى سهلًا ما بين الثريا والثرى، لعلم قصر من لببه، ومَسَكَ الناس بسببه، وجال ما بين الخافقين، وجاب به فامتدت الجداول من منبعه، وعَدَّت يد الأنواء دون اصبعه، وسرى صيته، والرياح رواكد، وشرق في البلاد وغرّب، والنجوم إلى الصباح رواصد، وقطع في التصانيف النافعة شقق الأيام العريضة، وجعل جناح النسر في الليالي الطوال مثل جناح البعوضة، حتى طافت الأقطار، وطارت في كل مطار، وها هي الآن ملتزمة في الأيدي مثل خطوط الراح، وفي نظر العيون مثل فلق الصباح.

стр. 2710

وحدثني شيخنا قاضي القضاة جلال الدين القزويني، وقد جرى ذكره، قال: كانت الملوك تتقي حد لسانه حتى احتاج صاحب الألموت إلى إعمال الحيلة في مداراته، وتَسَبَّبَ لمال قبله منه، وأخافه لاستصلاح خاطره؛ لأنه كان لا يزال يبحث في فساد عقيدته، وتزييف أقواله فينفر الناس عن دعاته، ويرد بالحرمان مساعي سعاته. وإذا كان هذا فعله بصاحب الألموت، وهو الذي كان من عاداه يموت، فكيف كان من يتهيب الآجال، وما عنده إلا نساء في زي رجال. ذكره ابن أبي أصيبعة، فقال (١): أفضل المتأخرين وسيد الحكماء المتقدمين، قد أشرعت سيادته، واشتهرت في الآفاق مصنفاته وتلامذته، وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاثمائة تلميذ من الفقهاء وغيرهم، وكان خوارزم شاه يأتي إليه. وكان ابن الخطيب شديد الحرص على تحصيل العلوم الشرعية والحكمية، جيد الفطرة، حاد الذهن، حسن العبارة، كثير البراعة، قوي النظر في منازع الطب، ومباحثه، عارفًا بالأدب وشعوبه، وله شعر بالعربي والفارسي، وكان عبل البدن، ربع القامة كبير اللحية، وكان في صوته فخامة، وكان يخطب في بلدة الري، وغيرها من البلاد، ويتكلم على المنبر بأنواع من الحكمة، وكان الناس يقصدونه من البلاد، ويهاجرون إليه من كل ناحية على اختلاف مطالبهم في العلوم وتفننهم فيما يشتغلون به، فكان كل منهم يجد عنده النهاية القصوى فيما يرومه، وكان الإمام فخر الدين قد قرأ الحكمة على مجد الدين الجيلي بمراغة، وكان مجد الدين هذا من الأفاضل العظماء في زمانه، وله تصانيف جليلة. وحكى لنا القاضي شمس الدين الحبوني عن الشيخ فخر الدين ابن الخطيب أنه قال: والله إني لأتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز. وحدثني محيي الدين قاضي مرند قال: لما كان الشيخ فخر الدين بمرند أقام بالمدرسة التي كان أبي مدرسها، وكان يشتغل عنده بالفقه، ثم اشتغل بعد ذلك لنفسه بالعلوم الحكمية، وتميز حتى لم يكن أحد يضاهيه، واجتمعت به أيضًا بهمذان واشتغلت عليه، قال: وكان لمجلسه، جلالة عظيمة، وكان يتعاظم حتى على الملوك، وكان إذا جلس للتدريس يكون قريبًا منه جماعة من تلاميذه الكبار مثل زين الدين الكتبي، والمصري والقطب، وشهاب الدين النيسابوري، ثم يليهم بقية التلامذة، وسائر الخلق على قدر مراتبهم، فكان من يتكلم في شيء من العلوم يباحثونه أولئك

стр. 2711

التلامذة الكبار، فإن جرى بحث مشكل أو معنى غريب شاركهم الشيخ فيما هم فيه، ويتكلم في ذلك المعنى بما يفوق الوصف. وحدثني شمس الدين محمد الوتار الموصلي، قال: كنت في بلد هراة في سنة ست وستمائة، وقد كان قصدها فخر الدين بن الخطيب من بلد باميان، وهو في أبهة عظيمة، وحشم كبير، فلما ورد إليها تلقاه السلطان بها وهو حسين بن جرمين وأكرمه إكرامًا كثيرًا، ونصب له بعد ذلك منبرًا وسجادة في صدر الإيوان ليجلس في ذلك الموضع ويكون له يوم مشهود يراه فيه سائر الناس ويسمعون كلامه. وكنت ذلك اليوم حاضرًا مع جماعة من الناس وإلى جانبي شرف الدين ابن عُنين الشاعر ﵀، وذلك المجلس حفل جدًا بكثرة الناس، والشيخ فخر الدين في صدر الإيوان، وعن جانبه يمنة ويسرة صفان من مماليكه الترك متكئين على السيوف، وجاء إليه السلطان حسين بن جرمين صاحب هراة فسلم، وأمره الشيخ بالجلوس إلى جانبه أو قريبًا منه، وجاء إليه أيضًا السلطان محمود ابن أخت شهاب الدين الغوري صاحب كيروزكوه فسلم، وأشار إليه الشيخ بالجلوس في موضع آخر قريبًا منه من الناحية الأخرى، وتكلم الشيخ في النفس بكلام عظيم وفصاحة بليغة. قال: وبينما نحن عنده في ذلك الوقت وإذا بحمامة تدور في الجامع وخلفها صقر يكاد أن يقتنصها، وهي تطير في جوانب الجامع إلى أن عييت، فدخلت الإيوان الذي فيه الشيخ، ومرت طائرة بين الصفين إلى أن رمت نفسها عنده. فذكر لي شرف الدين بن عنين أنه عمل شعرًا على البديهة، ثم نهض لوقته واستأذنه في أن يورد ما قاله في المعنى، فأمره الشيخ، فقال (١): [من الكامل] جَاءَتْ سُلَيْمَانَ الزَّمانِ حَمَامَةٌ … والمَوتُ يَلمَعُ مِنْ جَنَاحَي خَاطِفِ مِنْ نَبَّأَ الوَرْقَاءَ أَنَّ مَحَلَّكُمْ حَرَمٌ … وأَنَّكَ مَلجًَا للخَائِفِ فطرب لها الشيخ فخر الدين وأدناه وأجلسه قريبًا منه، وبعث إليه، بعد ما قام من مجلسه، خلعة كاملة ودنانير كثيرة، وبقي دائمًا يحسن إليه. قال لي شمس الدين الوتار: لم ينشد قدامي لابن خطيب الري سوى هذين البيتين، وإنما بعد ذلك زاد فيها أبياتًا أخر. هذا قوله. وقد وجدت هذه الأبيات المزادة في ديوانه على هذا المثال (٢). [من الكامل] يا ابن الكرام المطعمينَ إِذا شَتَوا … في كلِّ مخمصة وثلج حاسف

стр. 2712

العاصمين إذا النفوس تطايرتْ … بين الصوارم والوشيج الراعف مَنْ نَبأ الورقاء أنَّ محلَّكُمْ … حَرَمُ وأَنَّكَ ملجا للخَائِفِ وفدت إليكَ وقَدْ تَدَانى حَتْفُها … فَحَبَوتَها ببقائها المستأنف ولو انها تحيا بمالٍ لانثنتْ … مِنْ راحتيك بنائل متضاعف جاءت سليمان الزمان بشجوها … والموتُ يلمع مِنْ جَناحي خاطف قَرْم لواه الفوتُ حتى ظِلُّهُ … بإزائِهِ يَجري بقلب رَاجِفِ قال: ومما حكاه شرف الدين بن عنين أنه حصل من جهة فخر الدين بن خطيب الري وبجاهه في بلاد العجم نحو ثلاثين ألف دينار، قال: ومن شعره فيه قوله وسيرها إليه من نيسابور إلى هراة. ويهنيه فيها بكون السلطان محمود خوارزم شاه ولاه أمور الوقوف والمدارس في سائر بلاد السلطان وهي مدن كثيرة يقول (١): [من الكامل] ريحَ الشَّمَالِ عَسَاكِ أَنْ تَتَحَمَّلي … خدمي إلى صَدْرِ الإمام الأفضل وقفي بواديه المُقدس وانظري … نُورَ الهُدى متألقًا لا يأتلي مِنْ دَوْحَةٍ فَخريَّةٍ عُمريّةٍ … طابتْ مَغارِسُ مَجْدِها المُتأثّل مكية الأنساب زاك أصلُها … وفُروعُها فوق السماك الأعزل واستمطري جدوى لديهِ فَطَالما … خَلَفَ الحَيا في كل عام مُمْحِل تغدو سحائبها تَعمُّ كما بَدَتْ … لا يُعرفُ الوَسْمِيُّ منها والوَلِي بحر تصدر في العلوم ومَنْ رَأَى … بحرًا تصدَّرَ قلبهُ في مَحْفِلِ ومُتَيَّمٌ في الله يسحب للتقى … والدين سريال العفافِ المُسبَلِ ماتتْ بهِ بِدَعْ تَمَادَى عُمرُها … دَهْرًا وكادَ ظَلامُها لا ينجلي فعلا به الإسلام أرفعَ هَضْبَةٍ … وَرَسا سِوَاهُ فِي الحَضِيضِ الأَسْفَلِ غلط امرو بأبي عليَّ قاسَهُ … هَيهاتَ قَصَّرَ عَنْ مَدَاهِ أَبو علي لو أنَّ رسطاليس يسمعُ لفظةً … مِنْ لفظه لعرتْهُ هِزَّةُ أَفْكَلِ ويحار بطليموس لو لاقاهُ … مِنْ برهانِهِ في كلِّ شكل مُشكل فلو انهم جُمِعُوا إليه تيقّنُوا … أنَّ الفضيلة لم تكن للأول وبه يبيت الحلم معتصمًا إذا … هَزَّتْ رياح الطيش صفحة يَذْبُلِ يَعِفُو عَنِ الذنب العظيم تكرمًا … ويَجُودُ مَسؤولًا وإِنْ لَمْ يُسأَلِ

стр. 2713

أرضى الإله بفضلِهِ ودفاعِهِ … عَنْ دِينِهِ وأَقَرَّ عَيْنَ المُرسَلِ يا أيها المولى الذي دَرَجَاتُهُ … تَرنو إلى فَلَكِ النوائبِ مِنْ عَلِ مامَنصبٌ إلا وقدرك فوقَهُ … فبمجدك السامي يهني ما تلي فَمَتَى أَرادَ اللهُ رِفعَةَ مَنِصبِ … أَفضَى إليك فنال أشرف منزل لا زال رَبْعُكَ للوفود محطةً … أبدًا وجُودُكَ كَيْفَ كلِّ مُؤَمِّل وحدثني نجم الدين يوسف بن شرف الدين علي بن محمد الاسفرايني، قال: وكان الشيخ الإمام ضياء الدين عمر والد الإمام فخر الدين من الري، وتفقه واشتغل بعلم الخلاف والاصول حتى تميز تميزًا كثيرًا، وصار قليل المثل، وكان يدرس بالري ويخطب في أوقات معلومة هنالك، ويجتمع عنده خلق كثير من حسن ما يورده في نطقه وبلاغته، حتى اشتهر بذلك بين الخاص والعام في تلك النواحي. وله تصانيف عدة توجد في الأصول وفي الوعظ وغير ذلك، وخلف ولدين أحدهما الإمام فخر الدين، والآخر هو الأكبر سنًا كان يلقب بالركن، وكان هذا الركن قد قرأ شيئًا من الخلاف والفقه والاصول إلا أنه كان أهوج كثير الاختلال، فكان أبدًا لا يزال يسير خلف أخيه الإمام فخر الدين، ويتوجه إليه في أي بلد قصده، ويشنع عليه، ويسفه المشتغلين بكتبه والناظرين أقواله، ويقول: ألست أكبر منه، وأكثر معرفة بالخلاف والاصول؟ فلم يقول الناس: فخر الدين، فخر الدين، ولا أسمعهم يقولون ركن الدين؟ وكان ربما صنف شيئًا بزعمه ويقول هذا [خير] من كلام فخر الدين، والجماعة يعجبون منه، وكثير منهم يصفونه ويهزؤون منه. وكان الإمام فخر الدين كلما بلغه شيء من ذلك صعب عليه، ولم يؤثر أن أخاه بتلك الحالة ولا أحد يسمع قوله. وكان دائم الإحسان إليه، وربما يسأله المقام في الري أو في غيره وهو يتفقده ويصله بكل ما يقدر عليه. فكان كلما سأله ذلك يزيد في فعله ولا ينقص من حاله. ولم يزل كذلك لا ينقطع عنه، ولا يسكت عما هو فيه، إلى أن اجتمع الامام فخر الدين بالسلطان خوارزمشاه، وأنهى إليه حال أخيه وما يقاسي منه، والتمس منه أن يتركه في بعض المواضع، ويوصي عليه أن لا يمكن من الخروج والانتقال عن ذلك الموضع، وأن يكون له ما يقوم بكفايته من كل ما يحتاج. فجعله السلطان في بعض القلاع التي له، وأطلق له إقطاعًا يقوم به كل سنة بما مبلغه ألف دينار، ولم يزل هنالك مقيمًا حتى قضى الله فيه أمره. قال: وكان الإمام فخر الدين علامة وقته في كل العلوم، وكان الخلق يأتون إليه من كل ناحية، وكان الخطيب أيضًا بالري. وكان له مجلس عظيم للتدريس. فإذا تكلم بذ القائلين.

стр. 2714

وكان عبل البدن باعتدال، عظيم الصدر والرأس، كث اللحية. ومات وهو في سن الكهولة، أشمط مغير اللحية. وكان كثيرًا ما يذكر الله تعالى ويستغفره، ويسأله الرحمة والقبول والتجاوز عن زلله ويقول: إنني حصلت من العلوم ما يمكن تحصيله بحسب الطاقة البشرية، وما بقيت أؤثر إلا لقاء الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم. قال: وخلف فخر الدين ولدين ذكرين أكبرهما يلقب بضياء الدين، وله اشتغال ونظر في العلوم، والآخر وهو الصغير لقبه شمس الدين وله فطرة فائقة وذكاء حاذق، وكان كثيرًا ما يصفه الإمام فخر الدين بالذكاء، ويقول: إن عاش هذا فإنه يكون أعلم مني، وكانت النجابة تتبين فيه من الصغر. ولما توفي الإمام فخر الدين بقي أولاده مقيمين في هراة، ولقب ولده الصغير بعد ذلك فخر الدين لقب والده، وكان الوزير علاء الملك العلوي متقلدًا الوزارة للسلطان خوارزمشاه، وكان علاء الملك عالمًا فاضلًا متقنًا لعلوم الأدب، ويشعر بالعربية وبالفارسية. وكان قد تزوج بابنة الشيخ فخر الدين، ولما جرى أن جنكلي خان ملك التتر قهر خوارزمشاه وكسره، وقتل أكثر عسكره، وبعد خوارزم شاه توجه علاء الملك قاصدًا إلى جنكز خان ومعتصمًا به فلما وصل إليه أكرمه وجعله من جملة خواصه عندما استولى التتر على بلاد العجم وخربوا قلاعها ومدنها وكانوا يقتلون في كل مدينة جميع من بها، ولا يبقوا أحدًا بها، تقدم علاء الملك إلى جنكز خان، وقد توجهت فرقة من عساكره إلى مدينة هراة ليخربوها، ويقتلوا من بها، فسأله أن يعطيه أمانًا لأولاد الشيخ فخر الدين ابن خطيب الري، وأن يجيبوهم مكرمين إليه، فوهب له ذلك، وأعطاهم أمانًا. ولما ذهب أصحابه إلى هراة، وشارفوا أخذها، نادوا فيها بأن لأولاد فخر الدين بن الخطيب الأمان، فلينعزلوا ناحية في مكان، ويكون هذا الأمان. وكان في هراة دار الشيخ فخر الدين هي دار السلطنة، كان خوارزمشاه قد أعطاها له وهي أعظم دار تكون وأنهاها وأكبرها وأبهاها زخرفة واحتفالًا. فلما بلغ أولاد فخر الدين ذلك، أقاموا بها مأمونين، والتحق بهم خلق كثير من أهاليهم وأقربائهم وأعيان الدولة وكبراء البلد، وجماعة كثيرة من الفقهاء وغيرهم ظنًا أن يكونوا في أمان لاتصالهم لأولاد فخر الدين، ولكونهم خصيصين بهم وفي دارهم، وكانوا خلقًا عظيمًا. فلما دخل التتر إلى البلاد وقتلوا من وجدوا بها وانتهوا إلى الدار نادوا بأولاد فخر الدين أن يرونهم، فلما شاهدوهم أخذوهم، وهم ضياء الدين وشمس الدين وأختاهما. ثم سارعوا بسائر من كان في الدار فقتلوهم عن آخرهم بالسيف. وتوجهوا بأولاد الشيخ فخر الدين من هراة إلى سمرقند، لأن ملك التتر جنكز خان في ذلك الوقت بها وعنده علاء الملك، قال: ولست أعلم ما تم لهم بعد ذلك.

стр. 2715

قال: وكان أكثر مقام الشيخ ﵀ بالري، وتوجه أيضًا إلى بلد خوارزم ومرض بها وتوفي في عقابيله ببلدة هراة، وأملى في شدة مرضه وصية على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصفهاني، وذلك في يوم الأحد الحادي وعشرين من شهر المحرم سنة ست وستمائة. وامتد مرضه إلى أن توفي يوم العيد غرة شوال من السنة المذكورة، وانتقل إلى جوار ربه رحمه الله تعالى. وهذه نسخة الوصية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يقول العبد الراجي رحمة ربه الواثق بكرم، مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي وهو في آخر عمره وعهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس، ويتوجه إلى مولاه كل واثق: إني أحمد الله تعلى بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهدتهم بل أقول كل ذلك من نتائج الحدوث والإمكان. فأحمده بالمحامد التي تستحقها إلهيته، ويستوجبها لكمال ألوهيته، عرفتها أو لم أعرفها؛ لأنه لا مناسبة للتراب مع جلال رب الأرباب؛ وأصلي على الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، وجميع عباد الله الصالحين. ثم أقول بعد ذلك: اعلموا إخواني في الدين، وإخواني في طلب اليقين أن الناس يقولون إن الإنسان إذا مات انقطع تعلقه عن الخلق، وهذا العالم مخصوص بوجهين: الأول أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سببًا لذلك، والدعاء له آثر عند الله. والثاني ما يتعلق بمصالح الأطفال والأولاد والمعارف وأداء المظالم والجنايات. أما الأول فاعلم أنني كنت رجلًا محبًا للعلوم فكنت أكتب في كل شيء شيئًا لا أقف على كميته وكيفيته سواء كان حقًا أو باطلًا أو غثًا أو سمينًا. إلا أن الذي نظرته في الكتب المعتبرة لي أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبر منزه عن مماثلة المتحيزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة. وقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن. إنه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات. وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك الأودية العميقة، والمناهج الخفية فلهذا أقول: كلما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجود وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء في القدم والأزلية والتدبير والفعالية، فذاك الذي أقول به وألقى الله تعالى به. وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض، فكل ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة المتفق

стр. 2716

عليها بين الأئمة المتبعين للمعنى الواحد، فهو كما هو. والذي لم يكن كذلك، أقول: يا إله العالمين إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، فلك ما مر به قلبي أو خطر ببالي فاستشهد علمك. وأقول: إن علمت مني أني أردت به تحقيق باطل أو إبطال حق، فافعل بي ما أنا أهله؛ وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقرير ما اعتقدت أنه هو الحق، وصورت أنه هو الصدق، فلتكن رحمتك معي فذاك جهد المقل، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في الزلة. فأعني، وارحمني، واستر زلتي وامح حوبتي يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين، ولا ينتقص بخطأ المجرمين. وأقول: ديني متابعة سيد المرسلين محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما. اللهم يا سامع الأصوات، ويا مجيب الدعوات، ويا مقيل العثرات، ويا راحم العبرات، ويا قيام المحدثات والممكنات. أنا كنت حسن الظن بك، عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت: أنا عند ظن عبدي بي. وأنت قلت ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (١) وأنت قلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (٢) فهب أني ما جئت بشيء فأنت الغني الكريم، وأنا المحتاج اللئيم. واعلم أنه ليس لي أحد سواك، ولا أجد أكرم منك ولا أحدًا محسنًا سواك، وأنا معترف بالزلة والقصور، والعيب والفتور، فلا تخيب رجائي، ولا ترد دعائي، واجعلني آمنًا من عذابك قبل الموت، وعند الموت، وبعد الموت، وسهل علي سكرات الموت، وخفف عني نزول الموت، ولا تضيق علي سبب الآلام والأسقام، فأنت أرحم الراحمين. وأما الكتب العلمية التي صنفتها واستكثرت من إيراد السؤالات على المتقدمين فيها، فمن نظر في شيء منها فإن طابت له تلك السؤالات فليذكرني في صالح دعائه، على سبيل التفضيل والإنعام، وليحذف القول السيئ؛ فإني ما أردت إلا تكثير البحث وتشحيذ الخواطر والاعتماد في الكل على الله تعالى. وأما المهم الثاني وهو إصلاح أمر الأطفال والعورات والاعتماد فيه على الله تعالى، ثم على نائبه في أرضه السلطان محمد. اللهم اجعله قرين محمد الأكبر في الدين والعلو، إلا أن السلطان الأعظم لا يمكنه أن يشتغل بمهمات الأطفال، فرأيت أن أفوض وصاية ولدي إلى فلان، وأمرته بتقوى الله تعالى، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ﴾ (٣).

стр. 2717

وسرد الوصية إلى آخرها، ثم قال: وأوصيه ثم أوصيه بأن يبالغ في تربية ولدي أبي بكر. فإن آثار الذكاء والفطنة ظاهرة عليه، ولعل الله تعالى يوصله إلى خير. وأمرته وأمرت تلامذتي وكل من لي عليه الحق أني إذا مت يبالغون في إخفاء موتي، ولا يخبرون أحدًا به، ويكفنوني ويدفنوني على الوجه الشرعي، ويحملونني إلى الجبل المصاقب لقرية مزرجان، ويدفنوني هناك. وإذا وضعوني في اللحد قرأوا علي ما قدروا عليه من آيات القرآن، ثم ينثرون علي التراب. بعد الإتمام ويقولون: يا كريم جاءك الفقير المحتاج إليك فأحسن إليه. وهذا منتهى وصيتي من هذا الباب، والله تعالى الفعال لما يشاء، وهو على ما يشاء قدير، وبالإجابة والإحسان جدير. ومن شعر فخر الدين ابن الخطيب أنشدني بديع الدين السكرهي مما سمعه من الشيخ فخر الدين ابن خطيب الري لنفسه فمن ذلك قال: [من الطويل] نهاية إقدام العُقولِ عقال … وأكثرُ سَعي العالمينَ ضَلال وأرواحنا في غفلةٍ مِنْ جُسومنا … وحاصل دُنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طُولَ عُمْرِنَا … سِوَى أَنْ جَمعنا فيه قيل وقالوا وكم قد رأينا من رجال ودولةٍ … فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد عَلَتْ شُرفاتها … فزالوا جميعًا والجبال جبال وقال: [من الطويل] فلو قنعت نفسي بميسورِ بُلغَةٍ … لما سبقت في المكرمات رجالها ولو كانت الدنيا مناسبة لها … لما استحقرت نُقصانها وكمالها ولا أرمن الدنيا بعين كَرَامةٍ … ولا أتَوقَّى سُوءَها واختلالها وذلك أني عارف بفَنَائِها … ومُستيقنُ تَرْحالَها وانحلالها أروم أمورًا يصغر الدهر عندها … وتستعظم الأفلاك طرق اتصالها وقال أيضًا: [الطويل] أرواحنا ليس تدري أينَ مَذْهَبُها … وفي التراب توارى هذه الجثث كَوْنُ يُرى وفساد جاءَ يتبعُهُ … اللهُ أَعلمُ مَا فِي خَلْقِهِ عَبَثُ (١) ومنهم:

стр. 2718

[٢٣] القطب المصري، وهو إبراهيم بن علي بن محمد السلمي، أبو إسحاق، الإمام قطب الدين (١) وكان قطب دائرة، ومركز شهب سائرة، ومظهر عجائب، ومشهر غرائب، ومبين فضائل، ومُفَنَّن خمائل، وآية فضل تدرس ومعالمها واضحة، وعلومها ناضحة، وهو وإن كان من الغرب مرماه، فإن في المشرق منماه، وهكذا صاحب تاريخ الأطباء وسماه، وما عدا في هذا واجبًا، ولا نكب عن الحق جانبًا إذ كان إنما استفاد المشرق وغاية المعلم الذي به ذكر، والفضل الذي عليه قصر. قال ابن أبي أصيبعة (٢): قديم أصله مغربي، وأتى مصر وأقام بها مدة، ثم سافر إلى بلاد العجم. ولقي الإمام الرازي فلزمه واشتغل عليه واشتهر هناك، وكان من أجل تلاميذ ابن الخطيب وأميزهم. وصنف كتبًا كثيرة في الطب والحكمة، وشرح الكليات بأسرها. قال: ووجدته في كتابه هذا يفضل المسيحي وابن الخطيب على ابن سيناء، قال: وهذا نص قوله: والمسيحي أعلم بصناعة الطب من أبي علي فإن مشايخنا كانوا يرجحونه على جمع عظيم ممن هم أفضل من أبي علي في هذا الفن. وقال أيضًا: عبارة المسيحي أوضح وأبين مما قاله الشيخ وغرضه في كتبه تقييد العبارة من غير فائدة وقال في تفضيل ابن الخطيب على ابن سينا: فهذا ما تنخل من كلام الإمامين الفاضلين العظيمين الإمام المتقدم، والإمام المتأخر عنه زمانًا، الراجح عليه علمًا وعملًا واعتقادًا ومذهبًا. وقتل القطب المصري في نيسابور فيمن قتله التتار بها رحمه الله تعالى. ومنهم:

стр. 2719

[٢٤] عبد اللطيف البغدادي، هو ابن يوسف [بن] محمد بن علي بن أبي سعيد، عرف بابن اللباد، موفق الدين، أبو محمد الموصلي الأصل، البغدادي المولد، ويعرف بالجدي المطجن (١) مُسَرَّحُ أَمَل، ومطمح علم وعمل، وزينة أرض ما هي في السماء لجدي ولا حَمَلُ، ناطح جديه الكباش فكسرها، ومزقها بظلفه ونسرها، إلى أن أخلى منها

стр. 2720

المظان، وأبدل بسواد المعزى بياض الضّان، وأعطاه أهل زمانه حقه في التعظيم وغمط، وناظر كل قرين وهو الجدي وغيره الذي سمط، فهادنته جناة الذئاب، وهابته جناة القرظ وطال عليهم الاياب، وجال في الجيل الأول وقد شمخ بقرنه، وسمج لقرنه، وجل فلم ينتسب إليه كل عنزي من عنزة، ولا حسب كفوءًا لقرنه كبش كتيبة، ولا حديد عنزة، وأنسى كل من تقدمه هديا، وفخر به كل بلد قدمه وقدمت دمشق جديًا، وعلم العلم أنه له منتصب، وقامت قامة بلده وقد قيل لها حدباء؛ لأنها تصحيفه إذا نصب. قال ابن أبي أصيبعة (١): كان مشهورًا بالعلوم، متحليًا بالفضائل، مليح العبارة، جيد التصنيف. وكان متميزًا في النحو واللغة والعربية، عارفًا بعلم الكلام والطب. وكان قد اعتنى كثيرًا بصناعة الطب لما كان بدمشق واشتهر بعلمها. وكان يتردد إليه جماعة من التلاميذ وغيرهم من الأطباء للقراءة عليه؛ وكان والده قد أشغله بصناعة الحديث في صباه. وكان يوسف والد الشيخ موفق الدين مشتغلًا بعلم الحديث، بارعًا في علوم القرآن والقراءات، محمودًا في المذهب والخلاف والأصول. وكان سليمان عم الشيخ موفق الدين فقيهًا مجيدًا. وكان الشيخ موفق الدين عبد اللطيف كثير الاشتغال لا يخلي أشياء من أوقاته من النظر في الكتب والتصنيف والكتابة والذي وجدته من خطه أشياء كثيرة جدًا بحيث إنه كتب من مصنفاته نسخًا متعددة، وكذلك صحبة كثيرة بالديار المصرية لما كان بها. وكان أبي وعمي اشتغلا عليه بعلم الأدب. واشتغل عليه عمي أيضًا بكتب أرسطوطاليس. وكان الشيخ موفق الدين كثير العناية بها، والفهم لمعانيها. وأتى إلى دمشق من الديار المصرية، وأقام بها مدة وكثر انتفاع الناس بعلمه. ورأيته في آخر مرة بدمشق، وهو شيخ نحيف الجسم، ربع القامة، حسن الكلام، جيد العبارة؛ وكانت مسطرته أبلغ من لفظه وكان ﵀ ربما تجاوز في الكلام لكثرة ما يرى في نفسه. وكان ينتقص الفضلاء الذين في زمانه وكثيرًا من المتقدمين. وكان وقوعه كثيرًا جدًا في علماء العجم ومصنفاتهم، وخصوصًا الشيخ الرئيس ابن سينا ونظرائه. ونقلت من خطه في سيرته التي ألفها ما هذا مثاله قال: «إني ولدت بدار الجدي في درب الفالوذج في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وتربيت في حجر الشيخ لا أعرف

стр. 2721

اللهو واللعب، وأكثر زماني مصروف في سماع الحديث، وأخذت لي إجازات من مشايخ بغداد وخراسان والشام ومصر. وقال لي والدي يومًا: قد سمعتك جميع عوالي بغداد. وكنت في أثناء ذلك أتعلم الخط، وأحفظ القرآن والفصيح، والمقامات، وديوان المتنبي ونحو ذلك، ومختصرًا في الفقه، ومختصرًا في النحو. فلما ترعرعت حملني والدي إلى كمال الدين عبد الرحيم الأنباري، وكان يومئذ شيخ بغداد، وله بوالدي صحبة قديمة أيام التفقه بالنظامية. فقرأت عليه خطبة الفصيح فهذي كلامًا كثيرًا متتابعًا فلم أفهم منه شيئًا، لكن التلاميذ حوله تعجبوا منه. ثم قال: أنا أجفو عن تعليم الصبيان احمله إلى تلميذي الوجيه [يقرأ عليه فإذا توسطت حاله قرأ علي. وكان الوجيه] عند بعض أولاد رئيس الرؤساء، وكان رجلًا أعمى من أهل الثروة والمروءة. فأخذني بكلتي يديه، وجعل يعلمني من أول النهار إلى آخره بوجوه كثيرة من التلطف، وكنت أحضر بحلقته بمسجد الظفرية، ويجعل جميع الشروحات لي ويخاطبني بها. وفي آخر الأمر أقرأ درسي ويخصني بشرحه. ثم نخرج من المسجد فيذاكرني في الطريق، فإذا بلغنا منزله أخرج الكتب التي يشتغل بها مع نفسه فأحفظه وأحفظ معه، ثم يذهب إلى الشيخ كمال الدين، فيقرأ درسه ويشرح له، وأنا أسمع. وتخرجت إلى أن صرت أسبقه في الحفظ والفهم، وأصرف أكثر الليل في الحفظ والتكرار، وأقمنا على ذلك برهة، كلما جاء حفظي كثر وزاد، وفهمي قوي واستثار، وذهني احتد واستقام، وأنا ألازم الشيخ وشيخ الشيخ. وأول ما بدأت حفظت اللمع في ثمانية أشهر، أسمع كل يوم شرح أكثرها مما يقرؤه غيري، وانقلب إلى بيتي فأطالع شرح الفارسي، وشرح الشريف عمر بن حمزة، وشرح ابن برهان، وكل ما أجد من شروحها. وأشرحها لتلاميذ بحضوري إلى أن صرت أتكلم على باب باب كراريس، ولا ينفد ما عندي. وحفظت أدب الكاتب لابن قتيبة حفظًا متقنًا. أما النصف الأول ففي شهور. وأما تقويم اللسان ففي أربعة عشر يومًا؛ لأنه كان أربع عشرة كراسة. ثم حفظت مشكل القرآن وغريب القرآن له، وكان ذلك في مدة يسيرة. ثم انتقلت إلى الإيضاح لأبي علي الفارسي فحفظته في شهور كثيرة، ولازمت شروحه، وتتبعته التتبع التام، وتبحرت فيه وجمعت ما قال الشراح. وأما التكملة فحفظتها في أيام يسيرة كل يوم كراسًا، وطالعت الكتب المبسوطة والمختصرات وواظبت على المقتضب للمبرد وكتاب ابن درستويه. في أثناء ذلك لا أغفل عن سماع الحديث والتفقه على شيخنا ابن فضلان بدار الذهب، وهي مدرسة معلقة بناها فخر الدولة بن المطلب. قال: وللشيخ كمال الدين مائة وثلاثون تصنيفًا، أكثرها في النحو وبعضها في

стр. 2722

الفقه وفي الأصولين وفي التصوف والزهد، وأتيت على أكثر تصانيفه سماعًا وقراءة. وشرع في تصنيفين كبيرين أحدهما في اللغة، والآخر في الفقه، ولم يتفق له إتمامها، وحفظت عليه طائفة من كتاب سيبويه وأكببت على المقتضب فأتممته. بعد وفاة الشيخ تجردت لكتاب سيبويه ولشرحه للسيرافي. ثم قرأت على أبي عبيدة الكرخي كتبًا كثيرة منها كتاب الأصول لابن السراج، والنسخة في وقف ابن الخشاب بالمأمونية. وقرأت عليه الفرائض والعروض للخطيب التبريزي، وهو من خواص تلاميذ ابن الشجري. وأما ابن الخشاب فسمعت بقراءاته معاني الزجاج على الكاتبة شهدة بنت الابري، وسمعت منه الحديث المسلسل وهو: «الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وقال أيضًا موفق الدين البغدادي: إن من مشايخه الذين انتفع بهم كما زعم ولد أمين الدولة بن التلميذ. وبالغ في وصفه وكثر، وهذا لكثرة تعصبه للعراقيين، وإلا فولد أمين الدولة لم يكن بهذه المثابة ولا قريبًا منها. وقال: إنه ورد إلى بغداد رجل مغربي طوال في زي التصوف له أبهة، وليس بمقبول الصورة عليه مسحة الدين، وهيأة السياحة، يتعقل لصورة من يراه يعرف بابن نائلي، يزعم أنه من أولا المتلثمة خرج من المغرب لما استولى عليها عبد المؤمن. فلما استقر ببغداد اجتمع إليه جماعة من الأكابر والأعيان، وحضر الرضي القزويني، ومشايخ الشيوخ. وكنت واحدًا ممن حضره فاقرأني مقدمة حساب، ومقدمة ابن بابشاذ في النحو، وكان له طريق في التعلم عجيب. ومن يحضره يظن أنه متبحر وإنما كان متطرفًا، لكنه قد أمعن في كتب الكيمياء والطلسمات وما جرى مجراها، وأتى على كتب جابر بأسرها، وعلى كتب ابن وحشية. وكان يخلب القلوب بصورته ومنطقة وإيهامه. فملأ قلبي شوقًا إلى العلوم كلها، واجتمع بالإمام الناصر لدين الله وأعجبه. ثم سافر وأقبلت على الاشتغال، وشمرت ذيل الجد والاجتهاد، وهجرت النوم واللذات، وأكببتُ على كتب الغزالي المقاصد والمعيار، والميزان، ومحك النظر. ثم انتقلت إلى كتب ابن سيناء صغارها وكبارها، وحفظت كتاب النجاة، وكتبت الشفاء وبحثت فيه، وحصلت كتاب التحصيل لبهمنيار تلميذ ابن سيناء وحصلت كثيرًا من كتب جابر بن حيان الصوفي وابن وحشية وباشرت على الصنعة الباطلة وتجارب الضلال الفارغة، وأقوى من أضلني ابن سيناء بكتابه في الصنعة الذي تمم به فلسفته التي لا تزداد بالتمام إلا نقصًا. قال: ولما كان في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، حيث لم يبق ببغداد من يأخذ

стр. 2723

بقلبي ويملأ عيني، ويحل ما يشكل عليّ، حتى دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي، لكن وجدت الكمال بن يونس جيدًا في الرياضيات والفقه متطرفًا في باقي أجزاء الحكمة، قد استغرق عقله وحسه حسرة الكيمياء وعملها، حتى صار يستخف ما عداها. واجتمع إلي جماعة كثيرة، وعُرضت عليَّ مناصب فاخترت منها مدرسة ابن مهاجر المعلقة ودار الحديث التي تحتها. وأقمت بالموصل سنة كاملة في اشتغال دائم متواصل ليلًا ونهارًا، وزعم أهل الموصل أنهم لم يروا أحدًا من قبلي مثل ما رأوا مني في سعة المحفوظ، وسرعة الخاطر وسكون الطائر، وسمعت الناس يلهجون في حديث الشهاب السهروردي المتفلسف، ويعتقدون أنه قد فاق الأولين والآخرين، وأن تصانيفه فوق تصانيف القدماء، فهممت لقصده، ثم أدركني التوفيق، وطلبت من ابن يونس شيئًا من تصانيفه، وكان أيضًا معتقدًا عليه فوقفت على التلويحات، واللمحة، والمعارج، فصادفت فيها ما يدل على جهل أهل الزمان، ووجدت لي تعاليق كثيرة لا أرتضيها هي خير من كلام هذا الأول. وفي أثناء كلامه يثبت حروفًا مقطعة يوهم بها أمثاله أنها من أسرار إلهية. قال: ولما دخلت إلى دمشق، وجدت فيها من أعيان بغداد والبلاد ممن جمعهم الإحسان الصلاحي، جمعًا كثيرًا، منهم: جمال الدين عبد اللطيف ولد الشيخ أبي النجيب، وجماعة بقيت من بيت رئيس الرؤساء، وابن طلحة الكاتب، وبيت ابن جهير، وابن العطار المقتول الوزير، واجتمعت بالكندي البغدادي النحوي، وجرى بيننا مباحثات، وكان شيخًا ذكيًا مثريًا، له جانب من السلطان، لكنه كان معجبًا بنفسه مؤذيًا لجليسه، جرت بيننا مباحثات فأظهرني الله عليه في مسائل كثيرة. ثم أني أهملت جانبه، فكان يتأذى بإهمالي له أكثر ما يتأذى به الناس منه. وعملت بدمشق تصانيف جمة منها: غريب الحديث الكبير، جمعت فيه غريب أبي عبيد القاسم بن سلام، وغريب ابن قتيبة، وغريب الخطابي، وكنت ابتدأته بالموصل، وعملت له مختصرًا سميته المجرد، وعملت كتاب الواضحة في إعراب الفاتحة نحو عشرين كراسًا، وكتاب الألف واللام، وكتاب رُبَّ، وكتابًا في الصفات الذاتية الجارية على ألسنة المتكلمين. وقصدت بهذه المسألة الرد على الكندي، ووجدت بدمشق الشيخ عبد الله بن بابلي نازلًا بالمأذنة الغربية، وقد عكف عليه جماعة، وتحدث الناس فيه له وعليه، وكان الخطيب الدولعي عليه، وكان من الأعيان له منزلة وناموس. ثم خلط ابن بابلي على نفسه فأعان عدوه عليه، وصار يتكلم في الكيمياء والفلسفة، وكثر التشنيع عليه. واجتمعت به وصار يسألني عن أعمال اعتقد أنها خسيسة

стр. 2724

نزرة، فيعظمها ويحتفل بها ويكتبها مني، فكاشفته فلم أجده كما كان في نفسي، فساء به ظني وبطريقه، ثم باحثته في العلوم فوجدت عنده منها أطرافًا نزرة، فقلت له يومًا: لو صرفت زمانك الذي ضيعته في طلب الصنعة إلى بعض العلوم الشرعية والعقلية كنت اليوم فريد عصرك، مخدومًا طول عمرك، وهذا هو الكيمياء لا ما تطلبه. ثم اعتبرت بحاله وانزجرت بسوء مآله، والسعيد من وعظ بغيره. فأقلعت ولا كل الإقلاع. ثم إنه توجه إلى صلاح الدين بظاهر عكا وشكا إليه الدولعي، وعاد مريضًا وحمل إلى البيمارستان فمات. وأخذ كتب المعتمد مشيخة دمشق وكان متيمًا بالصنعة. ثم أني توجهت إلى زيارة البيت المقدس، ثم إلى صلاح الدين بظاهر عكا واجتمعت ببهاء الدين بن شداد قاضي العسكر يومئذ، وكان قد اتصل به خبري بالموصل، فانبسط إليَّ وأقبل علي. وقال: نجتمع بعماد الدين الكاتب، وخيمته إلى خيمة بهاء الدين، فوجدته يكتب كتابًا إلى الديوان العزيز بقلم الثلث من غير مسودة. وقال: هذا كتاب إلى بلدكم، وذاكرني في مسائل في علم الكلام، وقال: قوموا بنا إلى القاضي الفاضل فدخلنا عليه، فرأيت شيخًا ضئيلًا كله رأس وقلب، وهو يكتب ويملي على اثنين، ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوة حرصه في إخراج الكلام، وكان يكتب بجملة أعضائه. وسألني القاضي الفاضل عن قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ (١) أين جواب إذا. وأين جواب لو في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ (٢) وعن مسائل كثيرة، ومع هذا فلا يقطع الكتابة والإملاء. وقال لي: ترجع إلى دمشق، وتجري عليك الجرايات، فقلت: أريد مصر، فقال: السلطان مشغول القلب بأخذ الفرنج عكا وقتل المسلمين بها، فقلت: لا بد لي من مصر، فكتب لي ورقة صغيرة إلى وكيله بها. فلما دخلت القاهرة جاء وكيله، وكان شيخًا جليل القدر، نافذ الأمر، فأنزلني دارًا قد أزيحت عللها، وجاءني بدنانير وغلة. ثم مضى إلى أرباب الدولة وقال: هذا ضيف القاضي الفاضل فدرت الهدايا والصلات من كل جانب. وكان كل عشرة أيام ونحوها تصل تذكرة القاضي الفاضل إلى ديوان مصر بمهمات الدولة، وعليها فصل فصل توكيد الوصية في حقي. فأقمت بمسجد الحاجب لؤلؤ أقرئ الناس، وكان قصدي في مصر ثلاثة أنفس ياسين السماني، والرئيس موسى بن ميمون اليهودي، وأبو القاسم الشارعي، وكلهم جاءوني. أما ياسين فوجدته محاليًا كذابًا، يشهد للساقاني

стр. 2725

بالكيمياء، ويشهد له الساقاني بالسيمياء، ويقول عنه أنه يعمل أعمالًا يعجز موسى بن عمران عنها. وأنه يحضر المضروب متى شاء، وبأي مقدار شاء، وبأي سكة شاء. وأنه يجعل ماء النيل خيمة، ويجلس فيها وأصحابه تحتها. وكان ضعيف الحال. وجاءني موسى فوجدته فاضلًا في الغاية قد غلب عليه حب الرياسة، وخدمة أرباب الدنيا. وعمل كتابًا في الطب جمعه من الستة عشر لجالينوس، ومن خمسة كتب أخر، وشرط أن لا يغير فيه حرفًا إلا أن يكون واو عطف أو فاء وصل، وإنما ينقله فصولًا يختارها. وعمل كتابًا لليهود وسماه كتاب الدلالة، ولعن من يكتبه بغير القلم العبراني. ووقفت عليه فوجدته كتاب سوء يفسد أصول الشرائع والعقائد بما يظن أنه يصلحها، وكنت ذات يوم بالمسجد، وعندي خلق كثير، فدخل شيخ رث الثياب، نير الطلعة، مقبول الصورة، فهابه الجميع، ورفعوه فوقهم، وأخذت في إتمام كلامي، فلما تصرم المجلس، جاء إمام المسجد وقال: أتعرف هذا الشيخ؟ هذا أبو القاسم الشارعي، فاعتنقته وقلت: إياك أتطلب، فأخذته إلى منزلي، وأكلنا الطعام، وتفاوضنا الحديث، فوجده كما تشتهي النفس، وتلذ العين. سيرته سيرة الحكماء العقلاء وكذا صورته. قد رضي من الدنيا بالقليل، لا يتعلق بشيء منها يشغله عن طلب الفضل، ثم لازمني فوجدته قيمًا بكتب القدماء، وكتب أبي نصر الفارابي، ولم يكن لي اعتقاد في هؤلاء؛ لأني كنت أظن أن الحكمة كلها حازها ابن سيناء وحشاها كتبه، فكنا إذا تفاوضنا الحديث أغلبه بقوة الجدل وفضل اللسن ويغلبني بقوة الحجة وظهور المحجة. وأنا فلا تلين قناتي لغمزه، ولا أحيد عن جادة الهوى والتعصب برمزه، فصار يجذبني شيئًا بعد شيء من كتب أبي نصر والاسكندر وثامسطيوس، يؤنس بذلك نفاري، ويلين عريكة شماسي حتى عطفت عليه أقدم رجلًا وأُخر أخرى. وشاع أن صلاح الدين هادن الفرنج، وعاد إلى القدس، فقادت الضرورة إلى التوجه إليه، فأخذت من كتب القدماء ما أمكنني، وتوجهت إلى القدس، فرأيت ملكًا عظيمًا يملأ العين روعة، والقلوب محبة. قريبًا بعيدًا، سهلًا مجيبًا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (١). وأول ليلة حضرته وجدت مجلسًا حفلًا بأهل العلم يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو يحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار وحفر الخنادق، ويتفقه في ذلك، ويأتي بكل معنى بديع. وكان مهتمًا في بناء سور بيت المقدس وحفر خندقه،

стр. 2726

يتولى ذلك بنفسه، ويحمل الحجارة على عاتقه، ويتأسى به جميع الفقراء والأغنياء، والأقوياء والضعفاء، حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضل؛ ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر، فيأتي داره، فيمد السماط فيأكل ويستريح. ويركب العصر ويرجع في المشاعل، ويصرف أكثره في ما يعمل نهارًا. فكتب لي صلاح الدين بثلاثين دينارًا في كل شهر على ديوان الجامع بدمشق وأطلق لي أولاده رواتب حتى تقرر لي في كل شهر مائة دينار. ورجعت إلى دمشق، وأكببت على الاشتغال وإقراء الناس بالجامع. وكلما أمعنت في كتب القدماء ازددت فيها رغبة، وفي كتب ابن سيناء زهادة. واطلعت على بطلان الكيمياء، وعرفت حقيقة الحال في وضعها، ومن وضعها، وكذب بها، وما كان قصده في ذلك. وخلصت من خلالين عظيمين موبقين. وتضاعف شكري لله تعالى على ذلك، فإن أكثر الناس إنما هلكوا بكتب ابن سينا وبالكيمياء. ثم إن صلاح الدين دخل دمشق، وخرج يودع الحجاج، ثم رجع فحم، فقصده من لا خبرة عنده فخارت القوى، ومات قبل الرابع عشر، ووجد الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء. وما رأيت ملكًا حزن الناس لموته سواه؛ لأنه كان محبوبًا يحبه البر والفاجر، والمسلم والكافر. ثم تفرق أولاده وأصحابه أيادي سبأ، ومزقوا في البلاد كل ممزق، وأكثرهم توجه إلى مصر لخصبها وسعة صدر ملكها. أقمت بدمشق وملكها الملك الأفضل وهو أكبر الأولاد في السن إلى أن جاء الملك العزيز بعساكر مصر يحاصر أخاه بدمشق، فلم ينل منه بغية. ثم تأخر إلى مرج الصفر لقولنج عرض له فخرجت إليه بعد خلاصه منه، فأذن لي في الرحيل معه، وأجرى علي [من] بيت المال كفايتي وزيادة. وأقمت مع الشيخ أبي القاسم يلازمني صباحًا ومساءً إلى أن قضى نحبه. ولما اشتد مرضه، وكان ذات الجنب عن نزلة من رأسه وأشرت عليه بدواء فأنشد: أذودُ الطَّير عَنْ شَجَرٍ … قَدْ بَلَوتُ المُرَّ مِنْ ثَمَرِه ثم سألته عن ألمه فقال: ما لجُرح بميت إيلام وكان سيرتي في هذه المدة، أنني أقرئ الناس في الجامع الأزهر إلى نحو الساعة الرابعة. وسط النهار يأتي من يقرأ الطب وغيره، وآخر النهار أرجع إلى الجامع، فيقرأ قوم آخرون. وفي الليل أشتغل مع نفسي. ولم أزل على ذلك إلى أن توفي الملك العزيز، وكان شابًا كريمًا شجاعًا، كثير الحياء لا يحسن قول لا. وكان مع حداثة سنه

стр. 2727

وشرة شبابه كامل العفة عن الأموال والفرج. أقول: ثم إن الشيخ موفق الدين أقام بالقاهرة بعد ذلك مدة، وله الراتب والجرايات من أولاد الملك الناصر صلاح الدين، وأتى إلى مصر ذلك الغلاء العظيم والموت الذي لم يشاهد مثله. وألف الشيخ موفق الدين في ذلك كتابًا ذكر فيه أشياء شاهدها أو سمعها ممن عاينها تذهل العقل، وسمى ذلك الكتاب كله «كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر». ثم لما ملك السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب الديار المصرية وأكثر الشام والشرق، وتفرقت أولاد أخيه الملك الناصر صلاح الدين، وانتزع ملكهم توجه الشيخ موفق الدين إلى القدس، وأقام به مدة. وكان يتردد إلى الجامع الأقصى ويشتغل الناس عليه بكثير من العلوم، وصنف هنالك كتبًا كثيرة. ثم إنه توجه إلى دمشق ونزل بالمدرسة العزيزية، وذلك في سنة أربع وستمائة، وشرع في التدريس والاشتغال، وكان يأتيه خلق كثير يشتغلون عليه ويقرأون أصنافًا من العلوم. وتميز في صناعة الطب بدمشق، وصنف في هذا الفن كتبًا كثيرة وعرف به. وأما قبل ذلك فإنما كانت شهرته بعلم النحو، وأقام بدمشق مدة وانتفع به الناس. ثم إنه سافر إلى حلب، وقصد بلاد الروم، وأقام بها سنين كثيرة، وكان في خدمة الملك علاء الدين داود بن بهرام صاحب أرزنجان. وكان مكينًا عنده، عظيم المنزلة، وله منه الجامكية الوافرة، والصلات المتواترة، وصنف باسمه عدة كتب. وكان هذا الملك عالي الهمة، كثير الحياء، كريم النفس. وقد اشتغل بشيء من العلوم. ولم يزل في خدمته إلى أن استولى على ملكه صاحب ارزن الروم، وهو السلطان كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان، فقبض على صاحب أرزنجان ولم يظهر له خبر. قال الشيخ موفق الدين عبد اللطيف: ولما كان في سابع عشر ذي الحجة من سنة خمس وعشرين وستمائة، توجهت إلى أرزن الروم، وفي حادي عشر صفر من سنة ست وعشرين وستمائة رجعت إلى أرزنجان من أرزن الروم، وفي نصف ربيع الأول توجهت إلى كماخ، وفي جمادى الأولى توجهت منها إلى دير زكي، وفي رجب توجهت منها إلى ملطية، وفي آخر رمضان توجهت منها إلى حلب. أقول: وأقام الشيخ موفق الدين بحلب والناس يشتغلون عليه، وكثرت تصانيفه. وكان له من شهاب الدين طغريل الخادم أتابك العسكر بحلب جاري حسن، وهو متخلي لتدريس صناعة الطب وغيرها، ويتردد إلى الجامع يسمع الحديث ويقرئ العربية. وكان دائم الاشتغال، ملازمًا للكتابة والتصنيف. ولما أقام بحلب قصدت أن

стр. 2728

أتوجه إليه واجتمع به فلم يتفق ذلك، وكانت كتبه أبدًا تصل إلينا ومراسلاته، وبعث إليَّ بأشياء من تصانيفه بخطه، وهذا نسخة كتاب كتبته إليه لما كان بمدينة حلب: «المملوك يواصل بدعائه وثنائه، وشكره وانتمائه إلى عبودية المجلس السامي المولوي، السيدي السندي، الأجلي الكبيري، العالمي الفاضلي، موفق الدين سيد العلماء في الغائبين والحاضرين، جامع العلوم المتفرقة في العالمين، ولي أمير المؤمنين. وأوضح الله به سبل الهدى والهداية، وأنار ببقائه طرق الدراية، وحقق بحقائق ألفاظه صحيح الولاية. ولا زالت سعادته دائمة البقاء، وسيادته سامية الارتقاء، وتصانيفه في الآفاق قدوة العلماء، وعمدة سائر الأدباء والحكماء المملوك يجدد الخدمة، ويهدي من السلام أطيبه، ومن الشكر والثناء أعذبه، وينهي ما يكابده من أليم التطلع إلى مشاهدة أنوار شمسه المنيرة، وما يعانيه من الارتياح إلى ملاحظة شريف حضرته الأثيرة، وما تزايد من القلق، وتعاظم عند سماعه قرب المزار من الأرق: [من الوافر] وأَبْرَحُ ما يكونُ الشوقُ يَومًا … إذا دَنَتِ الديار من الديار ولولا أمل قفول الركاب العالي، ووصول الجناب الموفقي الجلالي، لسارع المملوك إلى الوصول، ولبادر المبادرة بالمثول، ولجاء إلى شريف خدمته وفاز بالنظر إلى بهي طلعته. فيا سعادة من فاز بالنظر إليه، ويا بشرى من مثل بين يديه، ويا هناء من حظي بوجه إقباله عليه، ومن ورد بحار فضله روي من نميرها، واستضاء بشمس علمه، فسرى في ضياء منيرها، نسأل الله تعالى تقريب الاجتماع، وتحصيل الجمع بين مسرتي الأبصار والأسماع بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى. ومن مراسلات الشيخ موفق الدين عبد اللطيف أنه بعث إلى أبي في أول كتاب، وهو يقول فيه عنّي: ولد الولد أعز من الولد. وهذا موفق الدين ولد ولدي وأعز الناس عندي، وما زالت النجابة تتبين لي فيه في الصغر. ووصف واثنى كثيرًا. وقال فيه: «لو أمكنني أن آتي إليه بالقصد ليشتغل علي لفعلت». وبالجملة فإنه كان قد عزم أن يأتي دمشق ويقيم بها، ثم خطر له أنه كان يحج قبل ذلك، ويجعل طريقه على بغداد. وأن يُقدِّم بها للخليفة المستنصر بالله أشياء من تصانيفه. ولما وصل إلى بغداد مرض في أثناء ذلك. وتوفي ﵀ يوم الأحد ثاني عشر المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة، ودفن بالوردية عند أبيه، وذلك بعد أن خرج عن بغداد، وبقي غائبًا عنها خمسًا وأربعين عامًا. ثم إن الله تعالى ساقه إليها وأماته بها. ومن كلام موفق الدين عبد اللطيف، مما نقلته من خطه قال: «ينبغي أن تحاسب نفسك كل ليلة إذا أويت إلى فراشك، وتنظر ما اكتسبت في

стр. 2729

يومك من حسنة تشكر الله عليها، وما اكتسبت من سيئة تستغفر الله منها، وتقلع عنها. وترتب في نفسك ما تعمله في غدك من الحسنات، وتسأل الله تعالى الإعانة على ذلك». وقال: «أوصيك أن لا تأخذ العلوم من الكتب، وإن وثقت من نفسك بقوة الفهم. وعليك بالأستاذين في كل علم تطلب اكتسابه، ولو كان الأستاذ ناقصًا فخذ عنه ما عنده حتى تجد أكمل منه. وعليك بتعظيمه وترحيبه، وإن قدرت أن تفيده من دنياك فافعل، وإلا بلسانك وثنائك. وإذا قرأت كتابًا فاحرص كل الحرص على أن تستظهره، وتملك معناه، وتوهم أن الكتاب قد عدم، وأنك مستغن عنه، لا تحزن لفقده. وإذا كنت مكبًا على قراءة كتاب وتفهمه فإياك أن تشتغل بآخر غيره معه، واصرف الزمان الذي تريد صرفه في غيره إليه. وإياك أن تشتغل بعلمين دفعة واحدة، وواظب على العلم الواحد سنة أو سنتين أو ما شاء الله. فإذا قضيت وطرك فانتقل إلى علم آخر. ولا تظن أنك إذا حصلت علمًا فقد اكتفيت بل تحتاج إلى مراعاته؛ [ومراعاته] تكون بالمذاكرة والتفكر، واشتغال العلم بالتعليم والتصنيف. وإذا تصديت لتعلم علم أو للمناظرة فيه فلا تمزج به غيره من العلوم، فإن كل علم مكتف بنفسه مستغن عن غيره، فإن استعانتك في علم بعلم عجز عن استيفاء أقسامه كمن يستعين بلغة أخرى إذا ضاقت عليه أو جهل بعضها». وقال: «وينبغي للإنسان أن يقرأ التواريخ، وأن يطلع على السير وتجارب الأمم، فيصير بذلك في عمره القصير قد أدرك الأمم الخالية، وعاصرهم، وعرف خيرهم وشرهم». قال: «وينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول، فأقرأ سيرة النبي ﷺ ، وتتبع أحواله وأفعاله واقتف آثاره ما أمكنك، وبقدر طاقتك. وإذا وقفت على سيرته في مطعمه ومشربه، ومنامه، ويقظته، وتمرضه، ومعاملته مع ربه ومع أزواجه وأصحابه وأفعاله مع أعدائه، وفعلت اليسير من ذلك فأنت السعيد كل السعيد». قال: «وينبغي أن تكثر إيهامك لنفسك ولا تحسن الظن بها، وتعرض خواطرك على العلماء وعلى تصانيفهم، وتتثبت ولا تعجل ولا تعجب فمع العجب العثار، ومع الاستبداد الزلل. ومن يتردد إلى أبواب العلماء، لم يعرق في الفضيلة، ومن لم يخجلوه لم يبجله الناس، ومن لم يبكتوه لم يسد، ومن لم يحتمل ألم التعلم لم يذق لذة العلم، ومن لم يكدح لم يفلح. وإذا خلوت من التعلم والتفكير فحرك لسانك بذكر الله وبتسابيحه، وخاصة عند النوم، فتشربه لبك، ويتعجن في خيالك، وتتكلم به في منامك. وإذا حدث لك فرح أو سرور ببعض أمور الدنيا، فاذكر الموت وسرعة الزوال وأصناف المنغصات؛ وإذا حَزَبَكَ أمر، فاسترجع، وإذا اعترتك غفلة، فاستغفر، واجعل الموت نصب عينك، والعلم والتقى زادك إلى الآخرة. وإذا طلبت أن تعصي

стр. 2730

الله، فاطلب مكانًا لا يراك فيه. واعلم أن الناس عيون الله على العبد يريهم خيره وإن أخفاه، وشره وإن ستره فباطنه مكشوف الله، والله يكشفه لعباده. فعليك أن تجعل باطنك خيرًا من ظاهرك، وسرك أصح من علانيتك. ولا تتألم إذا أعرضت عنك الدنيا فلو عرضت لك لشغلتك عن كسب الفضائل. وقلما يتعلق في العلم ذو الثروة، إلا أن يكون شريف الهمة جدًا، وأن يثري بعد تحصيل العلم. وإني لا أقول: إن الدنيا تعرض عن طالب العلم بل هو الذي يعرض عنها؛ لأنَّ همته مصروفة إلى العلم فلا يبقى له التفات إلى الدنيا، والدنيا إنما تحصل بحرص وفكر في وجودها، فإذا غفل عن أسبابها، لم تأته وأيضًا فإن طالب العلم تشرف نفسه عن الصنائع الرذلة، والمكاسب الدنية، وعن أصناف [التجارات]، وعن التذلل لأرباب الدنيا والوقوف على أحوالهم. ولبعض إخواننا بيت شعر: [من الكامل] مَنْ جَدَّ في طَلَبِ العُلوم فَإِنَّهُ … شَرَفُ العُلوم دَنَاءَةُ التحصيل وجميع طرق مكاسب الدنيا تحتاج إلى فراغ لها وحذق فيها، وصرف الزمان إليها. والمشتغل بالعلم لا يسعه شيء من ذلك، وإنما ينتظر أن تأتيه الدنيا بلا سبب، وتطلبه من غير أن يطلبها طلب مثلها، وهذا ظلم منه وعدوان. ولكن إذا تمكن الرجل في العلم وشهر به خطب من كل وجه وعرضت عليه المناصب، وجاءته الدنيا صاغرة، وأخذها وماء وجهه موفور، وعرضه ودينه مصون. واعلم أن للدين عقبة وعرفًا ينادي على صاحبه، ونورًا وضياء يشرق عليه ويدل عليه، كتاجر المسك لا يخفى مكانه، ولا تجهل صناعته. وكمن يمشي بمشعل في ليل مدلهم. والعالم مع هذا محبوب أينما كان، وكيفما كان لا يجد إلا من يميل إليه، ويؤثر قربه ويأنس به، ويرتاح بمداناته. واعلم أن العلوم تغور، ثم تفور في زمان، وتغور في زمان بمنزلة النبات وعيون المياه، وتنتقل من قوم إلى قوم ومن صقع إلى صقع». وقال: «وإياك والهذر، والكلام فيما لا يعني؛ وإياك والسكوت في محل الحاجة، ورجوع النوبة إليك إما لاستخراج حق، أو اجتلاب مودة، أو تنبيه على فضيلة. وإياك والضحك مع كلامك، وكبر الكلام، وتنبيره بل اجمع كلامك سردًا بسكون ووقار، بحيث يستشعر منك أن وراءه أكثر منه، وأنه عن خميرة سابقة، ونظر متقدم». وقال: «إياك والغلطة في الخطاب، والجفاء في المناظرة. فإن ذلك يذهب ببهجة الكلام، ويسقط فائدته، ويعدم حلاوته، ويجلب الضغائن، ويمحق المودات، ويصير القائل مستثقلًا، سكوته أشهى إلى السامع من كلامه، ويثير النفوس على معاندته، ويبسط الألسن بمخاشنته وإذهاب حرمته». وقال: «لا تسترفع بحيث تستقل ولا تتنازل بحيث تستخس وتستحقر». ومن دعائه ﵀ قال: «اللهم أعذنا من شموس الطبيعة، وجموح النفس

стр. 2731

الردية. واسلس لنا مقاد التوفيق، وخذ بنا في سواء الطريق. يا هادي العمى؛ يا مرشد الضلال، يا محيي القلوب الميتة بالإيمان، يا منير ظلمة الضلالة بنور الإيقان؛ خذ بأيدينا من مهواة الهلكة، ونجنا من ردغة (١) الطبيعة، وطهرنا من درن الدنيا الدنية، بالإخلاص لك والتقوى. إنك مالك الآخرة والدنيا». وله تسبيح أيضًا: «سبحان من عم بحكمته الوجود، واستحق بكل وجه أن يكون هو المعبود. تلألأت بنور وجهك وجلالك الآفاق وأشرقت شمس معرفتك على النفوس إشراقًا وأي إشراق» (٢). ومنهم: [٢٥] ابن الخُوَيّي، أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى الشافعي، شمس الدين أبو العباس قاضي القضاة (٣) أوحد العلماء، مجموع الفضائل، دوحة مجد اخضر فرعها، ودَرَّ كالمعصرات

стр. 2732

ضرعها، ومدت الأفياء والظلال، وردَّت الأحياء والضال، طال على يد المجتني منعها، وطاب ثمرها المثمر ونبعها، جاءت له العلياء، وفاقًا، وجادت له السحب الرواء دفاقًا، فطنبت شمسه على السماء رواقًا، وتطلبت فواضله للنفاق أشواقًا، ثم حل لدن المعظم شرف الدين عيسى فحل بيت شرفه، وحل مكانًا في مقاعد غرفه، ثم لم يتحول من أفقه، ولا أضاء له ضوء نهار إلا بين أصيله وشفقه. قال ابن أبي أصيبعة (١): كان أوحد زمانه في العلوم الحكمية، وعلامة وقته في العلوم الشرعية، عارفًا بأصول الطب وغيره، حسن الصورة، كريم النفس، كثير الحياء، محبًا لفعل الخير، ملازمًا للصلاة والصيام وقراءة القرآن، اتصل بالملك المعظم عيسى فعرف فضله، وقرر له الراتب، وقرأ عليه الطلبة، وانتفعوا به، وكان حسن العبارة، قوي البراعة، فصيح اللسان، بليغ البيان، وافر المروءة، ظاهر الفتوة، أخذ عن القطب المصري، وأخذ المصري عن الإمام الرازي، ثم ولاه المعظم قضاء الشام، وكان عظيم التواضع، لطيف الكلام، يمشي إلى الجامع الأموي لأداء فرائض الصلوات في أوقاتها، ولم يزل على هذا حتى توفي في سن الشباب في سابع شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة. قلت: وحكى لي شيخنا الإمام شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب قال: لحقت جماعة أدركوا شمس الدين الخويي أيام قدومه دمشق، وحدثوني أنه قدم في زي فقير صوفي، وكان يلعب ببعض آلات الطرب حتى عرف بذلك، وكان يستدعى به لأجل ذلك، والملك المعظم صاحب دمشق إذ ذلك، فقيل له عنه، فأمر به فأحضر، ولعب بين يديه، فأعجبه لعبه لاتقان صنعته، فجعله من ندمائه، فلما تردد إليه ظهر له علمه، وتحقق لديه فضله، فاختصه بالمجالسة وقربه منه، فلما خلا القضاء عينه له فاستعفاه فألزمه به حتى وليه، فلما ولي القضاء انقطع عن الملك المعظم ففقده في أوقات أنسه فقال له: مالك انقطعت هذه الليالي، فجعل يعتذر والملك المعظم لا يقبل منه، ويحثه على الملازمة على عادته، فقال له: مولانا يعلم ما بقي يتعلق بي وبذمتي من أقضية المسلمين وعقودهم وما يجمل بي أن أظهر العدالة، وأبطن الفسق،

стр. 2733

وقد صرت قاضيًا. ومولانا مخير إن شاء تركت القضاء، وعدت إلى ما كنت عليه في خدمته، وإن شاء تركني على القضاء وأعفاني؛ لأخلص ذمتي وذمته. فقال: بل استمر على القضاء، ودع ما سواه، فكان غاية في الخير حتى كان كأنه لم يكن ذاك. ومنهم: [٢٦] الرفيع الجيلي، أبو حامد، عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل بن عبد الهادي (١) شجرة توقدت نارًا، وأوقدت شنارًا، فحنظلت ثمراتها، وأبرت سَمُراتُها، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، وينعها كأنه تلف لنفوس السلاطين، وذلك أنه والى عدو الدين، وتبعه في بعض ما يدين. صحب السامرة، وسحب في أنديتهم أذيال المسامرة، ولم يكن بزة بالرفيع، ولا زمنه بالربيع، فجد السامري في غيه، ومد له من حبال بغيه، وكان قد اتخذ له منه عجلًا جسدًا، واتحد به حتى تفقأ منه حسدًا، حتى سقط في مهواته، وسقى دمه الجبل بل لهواته.

стр. 2734

قال ابن أصيبعة (١). كان من الأكابر في الحكمة، وأصول الدين والفقه، والعلم الطبيعي، والطب، وكان فقيهًا بالعذراوية يشتغل بها، ثم ولي القضاء ببعلبك، وأقام بها، وكان صديقًا لأمين الدولة وزير الصالح اسماعيل، فلما ملك الصالح دمشق وتوفي قاضيها شمس الدين الخويي ولي عوضه، وارتفعت منزلته، ووقع بينه وبين أمين الدولة وأثرى، وكثر تظلم الناس منه، وشكواهم من سوء سيرته، فانتهى إلى أن قبض عليه وقتل. بُعِثَ إلى هوة عظيمة قريب بعلبك لا يعرف لها قرار تعرف بمغارة آدم، فكتف ودفع فيها. وقال بعض الذين كانوا معه: إنه لما دفع في تلك الهوة تحطم في نزوله، وكأنه تعلق في بعض جوانبها، قال: فبقينا نسمع أنينه نحو ثلاثة أيام، وكلما مر يوم يضعف ويخفى حتى تحققنا موته ورجعنا عنه. قلت: وقد حكى الثقات أنه كان يفتعل الحجة بشهود زور، كان أعدهم على الرجل ذي الجدة واليسار، ويكتبها لمن يطلب الرجل إلى مجلسه، ويدعي بالمبلغ عليه، فإذا أنكر أقام تلك البينة عليه، ثم يلزمه بالمال، فإذا قبض كان للسلطان النصف، وله ولأمين الدولة وللشهود والمدعي النصف، وجرى على هذا مدة ثم كان لا ينصف أمين الدولة، ففسد ما بينهما وقالوا: إنه لما كثر فعل مثل هذا من القاضي الرفيع عرف عليه، فصار ذوو المال يأتونه قبل افتعال الحجج، فيقدمون له ما يختص به فيسكت عنهم فإذا ذكرهم الأمين الخائن له دافع عنهم، فأوغر ذلك صدره وكدر له ورده وصليره حتى حالت به الحال، وآل إلى ما آل. وحكى لي شيخنا الإمام أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب قال: حدثني شيخنا قاضي القضاة ابن خلكان قال: كان الرفيع ذا كرم وسخاء، وكان جاريه لا يقوم ببعض كفايته، فكان يتجشم البلايا، ولقد ألجأته الضرورة إلى أن باع مرةً عمامته وانفق ثمنها، فلما أصبح وأراد الركوب إلى موكب السلطان، استعار ما لبسه وركب به. قلت: وقد رأيتُ كتبًا كثيرةً من كتب الأملاك والأوقاف، وفيها إسجالات على القاضي الرفيع، فلما اتصلت تلك الكتب بمن بعده من القضاة وصلوها إليهم بمن كان قبل الرفيع وأضربوا عنه، فلم ينفذ له حاكم جاء بعده حكمًا إلا كتابًا واحدًا كان في وقف مدرسة بالمدينة الشريفة النبوية، وأظن أنه سومح فيه لتيقن براءته من غرض في ذلك إذ كان لجهة بِرِّ، ولم يكن هو أول من حكم به، ولا أول من نفذ حكم من حكم به، ومع هذا لم أر من كبار أهل هذا الشأن إلا من عجب منه، وأحببت التنبيه على ذلك ليعرف عند الحاجة لئلا ينسى بتطاول المدد.

стр. 2735

ومنهم: [٢٧] الشهاب السهروردي (١) المقتول، والردي المختول، جاء بما سحر أعين الناس وحَيَّر الألباب، فحير الفطن، وحيز كل الأرض إلى محل الوطن بخوارق حملت على المخاريق، وأحلت دمه
следующие страницы →