← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

الردية. واسلس لنا مقاد التوفيق، وخذ بنا في سواء الطريق. يا هادي العمى؛ يا مرشد الضلال، يا محيي القلوب الميتة بالإيمان، يا منير ظلمة الضلالة بنور الإيقان؛ خذ بأيدينا من مهواة الهلكة، ونجنا من ردغة (١) الطبيعة، وطهرنا من درن الدنيا الدنية، بالإخلاص لك والتقوى. إنك مالك الآخرة والدنيا». وله تسبيح أيضًا: «سبحان من عم بحكمته الوجود، واستحق بكل وجه أن يكون هو المعبود. تلألأت بنور وجهك وجلالك الآفاق وأشرقت شمس معرفتك على النفوس إشراقًا وأي إشراق» (٢). ومنهم: [٢٥] ابن الخُوَيّي، أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى الشافعي، شمس الدين أبو العباس قاضي القضاة (٣) أوحد العلماء، مجموع الفضائل، دوحة مجد اخضر فرعها، ودَرَّ كالمعصرات

стр. 2732

ضرعها، ومدت الأفياء والظلال، وردَّت الأحياء والضال، طال على يد المجتني منعها، وطاب ثمرها المثمر ونبعها، جاءت له العلياء، وفاقًا، وجادت له السحب الرواء دفاقًا، فطنبت شمسه على السماء رواقًا، وتطلبت فواضله للنفاق أشواقًا، ثم حل لدن المعظم شرف الدين عيسى فحل بيت شرفه، وحل مكانًا في مقاعد غرفه، ثم لم يتحول من أفقه، ولا أضاء له ضوء نهار إلا بين أصيله وشفقه. قال ابن أبي أصيبعة (١): كان أوحد زمانه في العلوم الحكمية، وعلامة وقته في العلوم الشرعية، عارفًا بأصول الطب وغيره، حسن الصورة، كريم النفس، كثير الحياء، محبًا لفعل الخير، ملازمًا للصلاة والصيام وقراءة القرآن، اتصل بالملك المعظم عيسى فعرف فضله، وقرر له الراتب، وقرأ عليه الطلبة، وانتفعوا به، وكان حسن العبارة، قوي البراعة، فصيح اللسان، بليغ البيان، وافر المروءة، ظاهر الفتوة، أخذ عن القطب المصري، وأخذ المصري عن الإمام الرازي، ثم ولاه المعظم قضاء الشام، وكان عظيم التواضع، لطيف الكلام، يمشي إلى الجامع الأموي لأداء فرائض الصلوات في أوقاتها، ولم يزل على هذا حتى توفي في سن الشباب في سابع شعبان سنة تسع وثلاثين وستمائة. قلت: وحكى لي شيخنا الإمام شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب قال: لحقت جماعة أدركوا شمس الدين الخويي أيام قدومه دمشق، وحدثوني أنه قدم في زي فقير صوفي، وكان يلعب ببعض آلات الطرب حتى عرف بذلك، وكان يستدعى به لأجل ذلك، والملك المعظم صاحب دمشق إذ ذلك، فقيل له عنه، فأمر به فأحضر، ولعب بين يديه، فأعجبه لعبه لاتقان صنعته، فجعله من ندمائه، فلما تردد إليه ظهر له علمه، وتحقق لديه فضله، فاختصه بالمجالسة وقربه منه، فلما خلا القضاء عينه له فاستعفاه فألزمه به حتى وليه، فلما ولي القضاء انقطع عن الملك المعظم ففقده في أوقات أنسه فقال له: مالك انقطعت هذه الليالي، فجعل يعتذر والملك المعظم لا يقبل منه، ويحثه على الملازمة على عادته، فقال له: مولانا يعلم ما بقي يتعلق بي وبذمتي من أقضية المسلمين وعقودهم وما يجمل بي أن أظهر العدالة، وأبطن الفسق،

стр. 2733

وقد صرت قاضيًا. ومولانا مخير إن شاء تركت القضاء، وعدت إلى ما كنت عليه في خدمته، وإن شاء تركني على القضاء وأعفاني؛ لأخلص ذمتي وذمته. فقال: بل استمر على القضاء، ودع ما سواه، فكان غاية في الخير حتى كان كأنه لم يكن ذاك. ومنهم: [٢٦] الرفيع الجيلي، أبو حامد، عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل بن عبد الهادي (١) شجرة توقدت نارًا، وأوقدت شنارًا، فحنظلت ثمراتها، وأبرت سَمُراتُها، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، وينعها كأنه تلف لنفوس السلاطين، وذلك أنه والى عدو الدين، وتبعه في بعض ما يدين. صحب السامرة، وسحب في أنديتهم أذيال المسامرة، ولم يكن بزة بالرفيع، ولا زمنه بالربيع، فجد السامري في غيه، ومد له من حبال بغيه، وكان قد اتخذ له منه عجلًا جسدًا، واتحد به حتى تفقأ منه حسدًا، حتى سقط في مهواته، وسقى دمه الجبل بل لهواته.

стр. 2734

قال ابن أصيبعة (١). كان من الأكابر في الحكمة، وأصول الدين والفقه، والعلم الطبيعي، والطب، وكان فقيهًا بالعذراوية يشتغل بها، ثم ولي القضاء ببعلبك، وأقام بها، وكان صديقًا لأمين الدولة وزير الصالح اسماعيل، فلما ملك الصالح دمشق وتوفي قاضيها شمس الدين الخويي ولي عوضه، وارتفعت منزلته، ووقع بينه وبين أمين الدولة وأثرى، وكثر تظلم الناس منه، وشكواهم من سوء سيرته، فانتهى إلى أن قبض عليه وقتل. بُعِثَ إلى هوة عظيمة قريب بعلبك لا يعرف لها قرار تعرف بمغارة آدم، فكتف ودفع فيها. وقال بعض الذين كانوا معه: إنه لما دفع في تلك الهوة تحطم في نزوله، وكأنه تعلق في بعض جوانبها، قال: فبقينا نسمع أنينه نحو ثلاثة أيام، وكلما مر يوم يضعف ويخفى حتى تحققنا موته ورجعنا عنه. قلت: وقد حكى الثقات أنه كان يفتعل الحجة بشهود زور، كان أعدهم على الرجل ذي الجدة واليسار، ويكتبها لمن يطلب الرجل إلى مجلسه، ويدعي بالمبلغ عليه، فإذا أنكر أقام تلك البينة عليه، ثم يلزمه بالمال، فإذا قبض كان للسلطان النصف، وله ولأمين الدولة وللشهود والمدعي النصف، وجرى على هذا مدة ثم كان لا ينصف أمين الدولة، ففسد ما بينهما وقالوا: إنه لما كثر فعل مثل هذا من القاضي الرفيع عرف عليه، فصار ذوو المال يأتونه قبل افتعال الحجج، فيقدمون له ما يختص به فيسكت عنهم فإذا ذكرهم الأمين الخائن له دافع عنهم، فأوغر ذلك صدره وكدر له ورده وصليره حتى حالت به الحال، وآل إلى ما آل. وحكى لي شيخنا الإمام أبو الثناء محمود الحلبي الكاتب قال: حدثني شيخنا قاضي القضاة ابن خلكان قال: كان الرفيع ذا كرم وسخاء، وكان جاريه لا يقوم ببعض كفايته، فكان يتجشم البلايا، ولقد ألجأته الضرورة إلى أن باع مرةً عمامته وانفق ثمنها، فلما أصبح وأراد الركوب إلى موكب السلطان، استعار ما لبسه وركب به. قلت: وقد رأيتُ كتبًا كثيرةً من كتب الأملاك والأوقاف، وفيها إسجالات على القاضي الرفيع، فلما اتصلت تلك الكتب بمن بعده من القضاة وصلوها إليهم بمن كان قبل الرفيع وأضربوا عنه، فلم ينفذ له حاكم جاء بعده حكمًا إلا كتابًا واحدًا كان في وقف مدرسة بالمدينة الشريفة النبوية، وأظن أنه سومح فيه لتيقن براءته من غرض في ذلك إذ كان لجهة بِرِّ، ولم يكن هو أول من حكم به، ولا أول من نفذ حكم من حكم به، ومع هذا لم أر من كبار أهل هذا الشأن إلا من عجب منه، وأحببت التنبيه على ذلك ليعرف عند الحاجة لئلا ينسى بتطاول المدد.

стр. 2735

ومنهم: [٢٧] الشهاب السهروردي (١) المقتول، والردي المختول، جاء بما سحر أعين الناس وحَيَّر الألباب، فحير الفطن، وحيز كل الأرض إلى محل الوطن بخوارق حملت على المخاريق، وأحلت دمه

стр. 2736

للمريق، فأرى ما لا يُرى وصَوَّر ما لم يوجد، وأتى بما ادعاه بعض ذوي العقول الأفنة من المتصوفة من طي الزمان المكان، وجاء بما لم يكن في إمكان، فخيَّل ما لم يكن، وهون ما لم يهن، وأضل جبلًا كثيرًا، واستزل جبلًا كبيرًا، ولو طال لبثه أو خلى ماؤه الآجن حتى يطول مكثه لأكثر وأكبر البلية وساد، لكن الله سلّم وذبحه، وكان لو كلم جمادًا تكلم. قال ابن أبي أصيبعة (١): كان أوحد في العلوم الحكمية، جامعًا للفنون الفلسفية، بارعًا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح العبارة. لم يناظر أحدًا إلا به، ولم يباحث محصلًا إلا أربى عليه. وكان علمه أكثر من عقله. حدثني الشيخ سديد الدين بن عمر قال: كان شهاب الدين السهروردي قد أتى إلى شيخنا فخر الدين المارديني وكان يقول لنا: ما أذكى هذا الشاب وأفصحه، ولم أجد أحدًا مثله في زماني، إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوره واستهتاره، وقلة تحفظه أن يكون ذلك سببًا لتلافه. قال: فلما فارقت شهاب الدين السهروردي من الشرق، وتوجه إلى الشام وأتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء، ولم يجاره أحد، فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام. فتكلم معهم بكلام كثير بان له فضل عظيم، وعلم باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر وقربه، وصار مكينًا عنده مختصًا به، فازداد تشنيع أولئك عليه وعملوا محاضر بكفره وأرسلوها إلى دمشق إلى الملك الناصر صلاح الدين. وقالوا: إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر، وكذلك إن أطلق فهو يفسد كل ناحية كان فيها من البلاد. وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك، فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابًا في حقه بخط القاضي الفاضل وهو يقول فيه: إنَّ الشهاب السهروردي لابد من قتله، ولا سبيل أن يطلق، ولا يبقى بوجه من الوجوه. ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك، وأيقن أنه يقتل وليس له جهة إلى الإفراج عنه، اختار أن يقرر في مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله تعالى، ففعل به ذلك. وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب، وكان عمره نحو ست وثلاثين. قال الشيخ سديد الدين محمود بن عمر: لما بلغ شيخنا فخر الدين المارديني قتله قال لنا: أليس كنت قلت لكم عنه هذا من قبل، وكنت أخشى عليه منه.

стр. 2737

أقول: ويحكى عن شهاب الدين السهروردي أنه كان يعرف علم السيمياء، وله فيه نوادر شوهدت عنه من هذا الفن. من ذلك حدثني الحكيم إبراهيمبن أبي الفضل بن صدقة أنه اجتمع به وشاهد عنه ظاهر باب الفرج، وهم يتمشون إلى ناحية الميدان الكبير، ومعه جماعة من التلاميذ، وغيرهم، وجرى ذكر هذا الفن وبدائعه وما يعرف الشيخ منه وهو يسمع. فمشى قليلًا، وقال: ما أحسن دمشق وهذه المواضع. قال: فنظرنا وإذا من جهة الشرق جواسق عالية متدانية بعضها من بعض مُبيَّضة، وهي من أحسن ما يكون بناءً مزخرفًا، ولها طاقات كبار وفيها نساء أحسن ما يكون منهن، وأصوات المغاني والملاهي ورأينا أشجارًا ملتفة بعضها على بعض، وأنهارًا جارية كبارًا، ولم نكن نعرف ذلك قبل ذلك، فعجبنا من ذلك وانذهل الجماعة مما رأوا. قال: فبقي ذلك ساعة ثم غاب عنا، وعدنا إلى رؤية ما كنا نعرفه من طول الزمان. قال: إلا أنني في رؤية تلك الحالة العجيبة أحس في نفسي كأنني في سنة خفية لم يكن إدراكي كالحالة التي أتحققها مني. وحدثني بعض الفقهاء العجم قال: كنا مع الشيخ شهاب الدين عند القابون، ونحن مسافرون عن دمشق، فوجدنا قطيع غنم مع تركمان، فقلنا للشيخ: يا مولانا نريد من هذا الغنم رأسًا نأكله، فقال: معي عشرة دراهم خذوها واشتروا بها رأس غنم لكم. فأخذناها فاشترينا رأسًا من التركماني ومشينا فلحقنا رفيق التركماني وقال: ردوا الرأس وخذوا أصغر منه، فإن هذا ما عرف يبيعكم يسوى هذا الرأس الذي معكم أكثر من الذي قبض منكم. فتقاولنا نحن وإياه، ولما عرف الشيخ ذلك، قال لنا: خذوا الرأس واحشوا وأنا أقف معه وأرضيه، فتقدمنا وبقي الشيخ يتحدث معه ويمنيه، فلما أبعدنا قليلًا تركه وتبعنا وبقي التركماني يمشي خلفه ويصيح به، وهو لا يلتفت إليه، ولما لم يكلمه لحقه بغيظ وجذب يده اليسرى وقال: أين تروح وتخليني؟ وإذا بيد الشيخ قد انخلعت من عند كتفه، وبقيت في يد التركماني ودمه يجري من يده، فبهت التركماني، وتحير في أمره، ورمى اليد وخاف. فرجع الشيخ وأخذ تلك اليد بيده اليمنى ولحقنا. وبقي التركماني راجعًا وهو يلتفت إلينا حتى غاب. ولما وصل الشيخ إلينا رأينا في يده اليمنى منديله لا غير. وحدثني صفي الدين خليل بن أبي الفضل الكاتب قال: حدثنا الشيخ ضياء الدين بن صقر ﵀ أن في سنة تسع وتسعين وخمسمائة قدم إلى حلب شهاب الدين السهروردي، ونزل في مدرسة الحلاوية، وكان مدرسها يومئذ الشريف رئيس الحنفية افتخار الدين ﵀. فلما حضر شهاب الدين وبحث مع الفقهاء، كان لابس دلق، وهو مجرد بابريق وعكاز خشب، وما كان أحد يعرفه. فلما بحث تميز بين الفقهاء، وعلم افتخار الدين أنه فاضل فأخرج له منديلًا فيه ثوب عتابي وغلاله ولباس وبقيار، وقال

стр. 2738

لولده: تروح إلى هذا الفقير، وتقول له: والدي يسلم عليك ويقول لك أنت رجل فقير، وتحضر مجالس الفقهاء في الدرس، وقد أرسل إليك شيئًا تلبسه إذا حضرت. فلما وصل ولده إلى الشيخ شهاب الدين، وقال له ما أوصاه به، سكت ساعة وقال له: يا ولدي حُطَّ هذا القماش، وتفضل واقض لي حاجة. وأخرج له فص بلخش في قدر بيضة الدجاجة رمّاني اللون، ما ملك أحد في قدره ولونه، وقال: تروح إلى السوق، وتنادي على هذا الفص، ومهما جاب لا تطلق بيعه حتى تعرفني. فلما وصل إلى السوق قعد عند العريف، نادى على الفص، فانتهى ثمنه إلى خمسة وعشرين ألف درهم. فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهو يومئذ صاحب حلب وقال: هذا الفص قد جاب هذا الثمن، فأعجب الملك الظاهر قدره ولونه وحسنه فبلغ به إلى ثلاثين ألف درهم. فقال العريف: حتى أنزل إلى ولد افتخار الدين وأقول له. وأخذ الفص ونزل إلى السوق وأعطاه له، وقال له: تروح تشاور والدك على هذا الثمن. واعتقد العريف أن الفص من عند افتخار الدين، فلما جاء إلى شهاب الدين السهروردي وعرفه بالذي جاب الفص صعب عليه، وأخذ الفص وجعله على حجر وضربه بحجرٍ آخر حتى فتته وقال لولد افتخار الدين: خذ يا ولدي هذه الأثواب وارجع إلى والدك، وقبل يده عني وقل له لو أردنا الملبوس ما غلبنا عنه، فمضى إلى والده، وعرفه صورة ما جرى، فبقي حائرًا في قضيته. وأما الملك الظاهر، فإنه طلب العريف، وقال له: أريد الفص. فقال له: يا مولانا أخذه صاحبه ابن الشريف افتخار الدين مدرس الحلاوية فركب السلطان ونزل إلى المدرسة فقعد في الإيوان، وطلب افتخار الدين إليه وقال له: أريد الفص فعرفه أنه لشخص فقير نازل عنده. قال: فأفكر السلطان وقال: يا افتخار الدين، إن صدق حدسي فهذا شهاب الدين السروردي. ثم قام السلطان واجتمع بشهاب الدين وأخذه معه إلى القلعة، وصار له شأن عظيم. وبحث مع الفقهاء في سائر المذاهب وعجزهم، واستطال على أهل حلب، وصار يكلمهم كلام من هو أعلى منهم قدرًا، فتعصبوا عليه وأفتوا في دمه حتى قتل. وقيل: إن الملك الظاهر أرسل إليه من خنقه، قال: ثم إن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في دمه، وقبض على جماعة منهم واعتقلهم، وأهانهم وأخذ منهم أموالًا عظيمة. قال العدل بهاء الدين الديلمي: كنت أصحب الشيخ شهاب الدين السهروردي الحكيم بحلب، فلما اعتقل بقلعة حلب كنا نتردد إليه، وكان تحت القلعة شخص جزار، وكان كلما رآنا مترددين إلى الشيخ يسبه ويسبنا، فلما أكثر حكينا أمره للشيخ، فقال: احتالوا على أن تأخذوا طوله، وتأتوني به، فاحتالوا لذلك وأحضروه إليه، فأمرهم أن يقطعوا عصا على مقدار طوله فلما أحضروها حَزَّ فيها حزًا مثل الرأس، وأمر بعض تلامذته أن يأخذ معه سكينًا وإذا قال له: اضرب يضرب بها، فقعد الشيخ وجعل

стр. 2739

يقرأ شيئًا في نفسه، ثم قال لحامل السكين: اقطع فقطع من الموضع الذي حزه، وإذا صيحة هائلة تحت القلعة، فسألوا عنها، فقيل إن الشخص الجزار قد قتل أو كما قال. حدثني سديد الدين محمود بن عمر المعروف بابن رقيقة. قال: كان الشيخ شهاب الدين السهروردي لا يلتفت إلى ما يلبسه ولا له احتفال بأمور الدنيا. قال: وكنت أنا وإياه نتمشى في جامع ميافارقين، وهو لابس جبة قصيرة مضربة زرقاء، وعلى رأسه فوطة مفتولة، وفي رجليه زربول ورآني صديق لي، وهو إلى جانبي فقال: ما جئت تماشي إلا هذا الخربندار؟ فقلت له: اسكت هذا سيد الوقت، شهاب الدين السهروردي. فتعاظم قولي، وتعجب ومضى. وحدثني بعض أهل حلب قال: لما توفي شهاب الدين ﵀، ودفن بظاهر مدينة حلب، وجد مكتوبًا على قبره، والشعر قديم: [من البسيط] قد كان صاحب هذا القبر جوهرةٌ … مكنونةٌ قدْ براها اللهُ مِنْ شَرَفِ فلم تكن تعرف الأيام قيمتَهُ … فردَّها غَيَرةً منه إلى الصَّدَفِ ومن كلامه قال في دعاء: اللهم يا قَيَّام الوجود، وفائض الوجود، ومنزل البركات، ومنتهى الرغبات، نور النور، ومدبر الأمور، وواهب حياة العالمين، امددنا بنورك، ووفقنا لمرضاتك، وألهمنا رشدك، وطهرنا من رجس الظلمات، وخلصنا من غسق الطبيعة إلى مشاهدة أنوارك، ومعاينة أضوائك، ومجاورة مقربيك، وموافقة سكان ملكوتك. واحشرنا اللهم مع الذين أنعمت اللهم عليهم من الملائكة والصديقين، والأنبياء، والمرسلين. ومن شعره قوله: [من الكامل] أبدًا تحن إليكم الأرواح … ووصالكم ريحانها والراح وقلوب أهل ودادكم تشتاقُكُمْ … وإلى لذيذ وصالكم ترتاح وإذا هم كَفَّوا تحدَّث عنهم … عند الوُشاة المدمع السفاح فإلى لقاكم نفسه مشتاقةٌ … وإلى رضاكمْ طَرْفُهُ طَمَّاحُ عُوذوا بنُورِ الوَصلِ مِنْ غَسَقِ الجَفَا … فالهجرُ ليل والوِصال صباح وتمتعوا فالوقت طَابَ لكم وقد … رقَّ الشراب ودارت الأقداح وقوله: [من الوافر]

стр. 2740

أقولُ لجارتي والدمع جاري … ولي عزم الرحيل عن الديار ذريني أن أسير ولا تنُوحي … فإِنَّ الشُّهْبَ أَشْرَقُها السواري فإنّي في الظلام رأيتُ ضَوءًا … كأنَّ الليل زُيِّنَ بالنهار ولم أرض الإقامة في فلاة … وفوق الفرقدين رأيت داري ويأتيني من الجرعاء بَرقٌ … يذكرني بها قرب الديار وقوله: [الرمل] قُلْ لأصحاب رأوني ميتًا … فبكوني إذ رأوني حزنا لا تظنوني بأنّي مَيِّتُ … ليس ذاكَ المَيْتُ والله أنا أنا عُصفور وهذا قَفَصِي … طِرْتُ عنه فتخلّى بَدَنا وأنا اليوم أناجي مَلًا … وأرى الله عيانًا بهنا فاخلعوا الأنفسَ مِنْ أجسادِها … لتروا للحقِّ حَقًّا بيِّنَا لا تَرُعكم سكرةُ المَوتِ فما … هي إلا انتقال مِنْ هُنا (١) قلت: حدثني شيخنا أبو الثناء الكاتب الحلبي ﵀ عن أشياخه أن الشهاب السهروردي كان لا يقرُّ للملك الظاهر بمعرفة السيمياء وينكره ذلك، وكان الملك الظاهر لا يشك في أنه يعرف ذلك ويحب أن يراه، وكان لا يزال يقول له عن ذلك وهو ينكره ويجحد، فلما كان ذات يوم قال له: بالله يا مولانا أرني شيئًا من السيمياء، فقال له: بسم الله، وكان الملك الظاهر واقفًا على بركة يريد أن يغتسل فيها ثم إن الملك الظاهر نزل فغطس، ثم طلع ومملوكه واقف بيده منشفة، فلما خرج ناوله المنشفة فتنشف، ثم قال: أين أنا، فقال له ذلك المملوك: هنا في دارك وملكك بحلب، فقال: ويلك كم لي غائب عنكم، فقال: قدر ما غطست في الماء، فقال: ويلك أنا لي غائب عنكم سنين وغرقت فما طلعت إلا من ساحل بحر عدن، وتزوجت امرأة هناك من بيت خطاب، وأولدتها أولادًا فقال المملوك: أعيذك يا خوند بالله، وأعيذ عقلك، وكلما قال هذا يغتاظ الملك الظاهر، ويقول: ويلك تغالطني وتدهيني في عقلي، والمملوك يعيد قوله، فضحك السهروردي، ففطن الملك الظاهر، وقال له: هذه عملاتك معي، فقال له السهروردي: لا والله بل هذه عملاتك أنت مع نفسك. وأجريت ذكره مرةً مع الشيخ العارف جمال الدين الحويزاوي شيخ الشيوخ بالديار المصرية، فقال: كان رجلًا جليل القدر من أفراد العالم وفضلاء الدهر وأعيان

стр. 2741

أهل التصوف، وأخذ نفسه في أول حاله بالتجريد، واجتهد فيه، ولكن غلبت عليه شقاوته وجهل صباه، فقتل بسيف الشرع، ثم أنشد: [من الطويل] وذاك قتيل لا يُطَلُّ له دَم ومنهم: [٢٨] الخُسْرُوشَاهي، عبد الحميد بن عيسى، شمس الدين، أبو محمد (١) نسبة إلى قرية تعرف بخسروشاه من قرى تبريز. سَمَرُ حديث مُغرب، وقَمَرٌ مُشرق ومغرب، قدم الشام فكان أزين له من هشام، وحَلَّ في أم بلدانه حلول ابن ذي يزن في غمدانه، ونزل بالكرك، وأناخ نزول بالشاذياخ فأسعف وأعان، وذكر المنازل أهلها بين البلقاء ومعان، وأفاض في تلك المعالم الإحسان فوق آل غسان، استقدمه الناصر داود وقدمه تقديم الودود، فنشر علم علمه، وشرع مورد يمه، وجعل حوضه لمن يمتاح، وروضه لمن يرتاح، فغدت حضرته محطًا للركائب، ومحلًا للرغائب، فكثر من عنده الممتار، ورجع يشهده المشتار، ونمي عدد

стр. 2742

الفضلاء، وطمى مدد الفضل في ذلك الفضاء، وتزاحمت الملوك على خطبته، واستزارته من خطته، وهو بذروة ذلك الجبل ممتنع، وبيسير ذلك البلل مقتنع، ودأبه في زيادة علوم وإفادة خصوص وعموم، وأيامه بالفضائل مشحونة، ولياليه من الرذائل مصونة، ثم أتاه أجله، وحلَّ عليه من دين النعاء مؤجله، فاتصلت تلك الروح الزكية بعالمها، وخلصت من ظلم الدنيا ومظالمها. قال ابن أبي أصيبعة (١): هو إمام العلماء، وسيد الحكماء، قدوة الأنام، شرف الإسلام. تميز في العلوم الحكمية، وحرر الأصول الطبية، وأتقن الأحكام الشرعية ولم يزل دائم الاشتغال، جامعًا للفضل والإفضال. وكان شيخه الإمام فخر الدين بن خطيب الري وهو من أجل تلامذته. ومن حين وصل الشام اتصل بخدمة الملك الناصر داود بن المعظم، وأقام عنده بالكرك، وكان عظيم المنزلة عنده وله من الإحسان الغزير والإنعام الكثير. ثم أتي دمشق وتوفي بها في شوال سنة اثنتين وخمسين وستمائة. ودفن بجبل قاسيون. قال: رأيته يومًا وقد أتاه بعض فقهاء العجم بكتاب دقيق الخط ثمن البغدادي، معتزلي القطع. فلما نظر فيه صار يقبله ويضعه على رأسه، فسألته عن ذلك فقال: هذا خط شيخنا الإمام فخر الدين بن الخطيب ﵀. قلت: ولما كان الشيخ شمس الدين الخسروشاهي عند الملك الناصر داود بالكرك، كان جدي الصاحب جمال الدين أبو المآثر فضل الله وزيرًا عنده، واتحدت له صحبة بالشيخ، فأخذ معه ولده عمي الصاحب شرف الدين أبا محمد عبد الوهاب ﵀ وقدمه للشيخ، وقال: هذا ولدي وأعز ما أقدر عليه، وقد قدمته لك، فقبله منه قبولًا حسنًا، وأقرأه «الأربعين في أصول الدين»، وانتفع به. ثم لما أتى الأمير الكبير الكافل جمال الدين أبو الفتح موسى بن يغمور لزيارة الشيخ طلب منه عمي أن يكون عنده فآثره به، ثم اتصل بالملك الصالح أيوب بسببه على ما ذكرت ذلك في ترجمة عمي في «فواضل السمر». ورثى الخسروشاهي جماعة منهم العز الضرير منها: [من الطويل] أصابَ العُلا شمس العُلا عندما استوت … وأودى ببدر الفضل والبدر كامل فتًى بَنَّ كلَّ العالمين بصمته … فكيف إذا وافيته وهو قائل أتدري المنايا مَنْ رَمَتْ بسهامها … وأي فتى أودى وغال الغوائل رمت واحد الدنيا وبحرَ عُلُومِها … ومَنْ قصرت في الفضل عنه الأوائل

стр. 2743

ولو كان بالفضل الفتى يدفع الردى … لَمَا غَيَّبَتْ عبد الحميد الجنادل فبعدك شمس الدين أعوز عالم … وأبدى الدعاوى في المحافل جاهل (١) ومنهم: [٢٩] السيف الآمدي، علي بن [أبي] علي بن محمد بن سالم، سيف الدين أبو الحسن التغلبي الآمدي (٢) سيف لا يعرف التقليد، وسيل يشيب لهوله الوليد، توقّى كل مناظر حدّ مضربه، وعاد كل صادر بريق مشربه، ساجل فقطع غمار اللجج، وجادل فقطع حجاج الحجج،

стр. 2744

ولم يخل منهله من زحام، ولا تصرفه من زمام، فكم جاءت إليه الأفواج، وتزاحمت في بحره الأمواج، ونداه يسع، وجداه لا يدع، وجعل مدينة حماة سوقًا لفوائده، ومعدنًا لفرائده، وكان قصدها لا يعد إلا في معالي الرتب، ولا يزال يرحل إليه على كور وقتب، وهو على هذا الازدحام، وكثرة من حلق عليه وحام، لا يودع الحكم غير أهلها، ولا يدع للشفة إلا قدر نهلها، فكان لا يزال لديه شفيع لطالب، ومتوسل بخلائقه الأطايب، فلم يكن مثله سيف لا يزال يخدمه القلم، وينشر لعلمه على جناح الجوزاء العلم، وكانت ملوك زمانه تجله، ولو قدرت عرفت من نجاد ممالكها أين تحله، فقد كان سيفًا مشرفيًا، ومثقفًا سمهريًا، طالما طال المفارق والطلا، وطاب معدنه، فلم يحتج إلى تنميق الحمائل والحلى، هذا وليس به فلول من قراع الكتائب ولا ذهول، وبحره جم العجائب. قال ابن أبي أصيبعة (١): كان أذكى أهل زمانه، وأكثرهم معرفة بالحكمة والشريعة والمبادئ الطبية، بهي الصورة، فصيح اللسان، جيد التصنيف، خدم الملك المنصور صاحب حماة، وأقام عنده سنين ورتب له الرواتب السنية، فلما توفي أتى الملك المعظم عيسى فبالغ في الإنعام عليه وإكرامه، وولاه التدريس، وكانت الناس تتعجب له في المناظرة والبحث، وقل أن كان يشتغل في العلوم الحكمية. وتشفع العماد السلماسي بابن بصاقة اليد ليقرأه، فكتب إليه: [من البسيط] يا سيدًا جَمَّلَ اللهُ الزمانَ بِهِ … وأهله [من] جَميعِ العُجْمِ والعَرَبِ العبد يذكرُ مَولاهُ بما سَبَقَتْ … وُعُودُهُ لعماد الدينِ عَنْ كَثَبِ ومثلُ مَولايَ مَنْ جاءتْ مَوَاهِبُهُ … مِنْ غيرِ وعد وجدواه بلا طَلَبِ فأَصْفِ مِنْ بحرك الفيَّاضِ مَورِدَهُ … وأَغْنِهِ مِنْ كُنوزِ العِلْمِ لا الذهَبِ واجعل له نسبًا يُدلي إليكَ به … فلحمة العلم تَعْلُو لُحَمةَ النسب ولا تَكِلْهُ إلى كُتب تُنبته … فـ (السيفُ أَصدَق أنباءٌ مِنَ الكُتُبِ) (٢) ومنهم: [٣٠] البديع الأَصْطُرْ لابي، وهو بديع الزمان أبو القاسم، هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي (٣) حكيم فاق بتفنن علمه الحكماء، ولم يكف نظره فسيح الأرجاء حتى شق

стр. 2745

السماء، ولم يقنع باستقصاء أمزجة البشر حتى سأل عن أمزجة النجوم، وميز ذوات البشر وأمنها والوجوم، وأتقن عمل الاصطرلاب ليقوم تحريكه للعضادة مقام جسه للنبض، ونظره لما بين المشارق والمغارب بمحيط ما يجمع الأرض. هذا مع اتقان بقية فنون الحكمة، وما في غضون ذلك من الأمور المهمة. على انه لم يخل الأدب من لطيف نظر، وشريف ذكاء وقف به على ما لا تنافر من محاسن كل نفر. قال ابن أبي أصيبعة فيه (١): من الحكماء الفضلاء، والأدباء النبلاء، عالم، فيلسوف، متكلم، غلبت عليه الحكمة وعلم الكلام، والرياضي، وكان متقنًا لعلم النجوم والرصد، وكان أوحد أهل زمانه في علم الاصطرلاب وعمله، فعرف به. ومن بديع شعر البديع قوله: [من الهزج] قام إلى الشَّمْسِ بِآلاتِهِ … لِيَنْظُرَ السَّعْدَ مِنَ النَّحْسِ فقلتُ: أين الشمس؟ قالَ الفَتَى … في الثور. قُلتُ: الثور في الشمس وقوله [من المديد]: قيل لي: قد عشقته أمردَ الخَدّ … وقد قيل: إِنَّهُ نُكْريش قلتُ: فَرخُ الطَّاوُوس أَحسنُ ماكا … ن إذا ما علاه الريس

стр. 2746

وقوله: [من مجزوء الكامل] كن كيف شئت فإنني … قدْ صُغْتُ قلبًا مِنْ حَديدِ وقعدت أنتظرُ الكُسُو … ف وليس ذلك بالبعيد وقوله في جزع دان، وهو الذي يوضع في مجالس الكبراء لصب تكعيب القدح: [من المنسرح] إنِّي إذا ما قعدتُ في مَلا … عُدِدتُ مِنْ بعض آلة الفَرَحِ إذا تصدرت في مجالسِهِمْ … تَنَغَصُوا لي بفاضلِ القَدَح وقوله: [من السريع] هل عثرت أقلام خط العِذارُ … في مَشْقها. فالخالُ نَقْطُ العثار؟ أو استدار الخط لمَّا غَدَتْ … نقطتُهُ مركز ذاك المدار (١) ومنهم: [٣١] وهو أبو علي، الحسين بن عبد الله بن يوسف بن شبل (٢) البغدادي شبل حكيم رأي الدنيا بعين الاحتقار، ونظر كل ما فيها بذل الافتقار، وزخرت له

стр. 2747

بحار الحكم، فخاض لججها الغمار، وأذكيت له سرجها فجنى من غصونها المهل له الثمار، وتناهى نظره في المال، فلم يزد بصيرةً في الاعتبار، ولم يرد زيادة للاختبار، إلا أنه كان جريء اللسان، مسيء الإحسان، خرجت به الفلسفة إلى مهامهها العريضة، فضل في فجاجها الفيح، وظل في ذيل انفراجها الفسيح، ودام يخبط في سماء سماواتها، ويخطب ولا يلج خطبه اسماع أهل مداواتها، وأعذب مساع نطقه، ومسالك باطله المموه بحقه، تأدب بأدب الحياة في الوجنات، وذو الإغفاء في المقل السنات بألطف منه موقعًا، وأعطف لأعنة الأذنين إليه معًا، ولكنه لم يجد أذنًا، ولم يلق من يعير بصيرته فطنًا. قال ابن أبي أصيبعة (١): مولده ومنشؤه ببغداد، وكان حكيمًا فيلسوفًا، متكلمًا فاضلًا، أديبًا بارعًا، شاعرًا مجيدًا، ومن شعره قوله: [من الوافر] بربك أيها الفَلَكُ المُدارُ … أقصدًا ذا المسير أم اضطرار مدارك قُلْ لنا في أي شيء … ففي أفهامنا عنك انبهار وفيكَ نَرَى الفضاء. فهل فضاء … سوى هذا الفضاء بهِ تُدار وعندك تُرفع الأرواح أم هل … مع الأجسام يُدركها البَوَارُ وموج ذا المجرة أم فريد … على لُجَجِ الدروع لهُ أُوارُ وفيك الشمس رافعة شُعاعًا … بأجنحةٍ قَوادِمُها قِصارُ وطوق في النجوم مِنَ اللآلي … هلالُكَ أَمْ يَدفيها سَوارُ وشهب ذا الخواطبُ أمْ ذُبالِ … عليها المَرْخُ يُقْدَحُ والعَفَارُ وترصيع نُجومُكَ أَمْ حَبابٌ … يُؤلفُ بينه اللجج الغزار تمدُّ رُقُومَها ليلًا وتَطوِي … نهارًا مثل ما طوي الإزار فكم بصقالِها صَدِى البَرَايا … وما يَصْدا لمضربها غرار تباري (ثُمَّ) تَخْنِسُ راجعات … وتكنس مثل ما كَنَسَ الصُّوارُ فبينا الشرقُ يَقْذفها صُعُودًا … تلقاها من الغرب انحدار على ذا ما مَضَى وعليه يمضي … طِوَالٌ ما وآجال قصار وأيام تفرقنا مداها … لها أنفاسنا أبدًا شفار ودهر ينثر الأعمار نثرًا … كما للغُصْنِ بالوَرْدِ انتشار ودنيًا كُلما وَضَعَتْ جَنينًا … غَذاهُ مِنْ نَوائِبها ظُوارُ

стр. 2748

هي العشواء ما خبطت هشيمًا … هي العجماء ما جَرَحَتْ جُبارُ فمن يوم بلا أمس ليوم … بغير غد إليه ما يُسار ومن نفسينِ في أَخذ ورَدُّ … لروح المرء في الجسم انتشار فكم من بعد ما ألفت نفوس … جُسُومًا عَنْ مَجائِمِهَا تُطارُ وننتظر الرزايا والبلايا … وبعد فبالوعيد لنا انتظار؟ ونخرج كارهينَ ما دَخَلْنا … خُروجُ الضَّبِ أَخرَجَهث الوجارث ألم تكث بالجوارحش آنساتس … فكم بالقرب عاد لها نفار فإن يك آدم أشقى بنيه … بذنب ما له منه اعتذار ولم ينفعه بالأسماءِ عِلْمٌ … وما نَفَعَ السُّجُودُ ولا الجوار فأخرجَ ثُمَّ أُهبِطَ ثمَّ أَوَدَى … فتُربُ السَّافياتِ لَهُ شِعارُ فأدركه بعلم الله فيهِ … مِنَ الكَلمات للذنب اغتفار ولكن بعد غُفران وعَفوِ … يُعيَّرُ ما تَلا ليلًا نهار لقد بلغ العدو بنا مناهُ … وحَلَّ بآدم وبنا الصغار وَقَفْنا تائهين كقوم مُوسى … ولا عِجْلٌ أَضَلُّ ولا خُوَارُ فيا لَكِ لُقْمةً قدْ كانَ منها … علينا نِقْمَةٌ وعليه عار! نُعاقب في الظهور وما وُلِدنا … ويُذبح في حَشَا الأم الحوار فماذا الامتنان على وُجُودٍ … لغير الواجدين به الخيار؟ وكانت أنعمًا لو أنّ كُنَّا … نُخَيَّرُ قَبْلَهُ أو نُستشار أهذا الداء ليس لهُ دَواءٌ … وهذا الكَسْرُ ليس له انجبار تَحيَّرَ فيه كل دقيقِ فَهم … وليس لعُمْقِ جُرحِهِمُ انستار إذا التكوير غال الشمس عنًَّا … وغالَ كواكب الليل انتثار وبدلنا بهذي الأرض أرضًا … وطَوَّحَ بالسماوات انفطار وأذهلت المراضعُ عَنْ بَنِيها … لخيرتها وعُطلت العشار وعشى البدر مِنْ فَرَقٍ وذُعْرِ … خُسُوفٌ للتوعد لاسرار وسُيِّرتِ الجبال فكُنَّ كُنْبًا … مَهِيلاتٍ وسُجِّرَتِ البحار فأينَ ثَباتُ ذي الألباب مِنَّا … وأَينَ معَ الرُّجُومِ لنا اصطبار؟ وأينَ عُقول ذي الأفهام فيما … يُراد بنا وأين الاعتبار؟ وأين يغيب لُبُّ كان فينا … ضياؤُكَ مِنْ سَنَاهُ مُستعار؟ وما أرضُ عَصَتْهُ ولا سماء … ففيمَ يَغُولُ أنجُمَها انكدار؟

стр. 2749

وقد وافته طائعة وكانتْ … دُخانًا ما لثائره شرار قضاها سبعة والأرض مهدًا … دَحاها فهي للأموات دار فما لسمو ما أعلى انتهاء … ولا لسمُوكِ مَا أَرَسَى قَرَارُ ولكن كل ذا التهويل فيهِ … لِذي الألباب وعظ وازدجار ومنه قوله: [من الوافر] وكأنما الإنسان فيهِ عِبْرَةٌ … مُتلوّنًا. والحُسنُ فيهِ مُعار متصرفًا ولهُ القضاءُ مُصرِّفٌ … ومُكلَّفًا وكأنَّهُ مُختار وقوله: [من المتدارك] ثَقُلَتْ زُجاجات أتتنا فُرَّغًا … حتّى إذا مُلِئَتْ بِصِرْفِ الرَّاحِ خَفَّتْ فكادت أَنْ تَطير بما حَوَتْ … وكذا الجُسُومُ تَخِف بالأرواح وقوله: [من البسيط] قالوا: القناعةُ عِزُّ والعَفافُ عَنِّى … والذُّلُّ والعارُ حِرْصُ النفسِ والطَّمَع صَدْقتُمُ مَنْ رِضَاهُ سَدُّ جَوعَتِهِ … إِنْ لَمْ يُصبه بماذا عنه يقتنع؟ وقوله: [من البسيط] تلقَّ بالصبر ضيف الهَمِّ تَرْحَلُهُ … إِنْ الهُمُومَ ضيوفٌ أَكلها المُهَجُ فالخَطْبُ ما زادَ إلا وهوَ مُنتقِصُ … والأمرُ ما ضاق إلا وهو مُنفرج فَرَوْحِ النفس بالتعليل تَرْضَ بهِ … عسى إلى ساعةٍ مِنْ ساعَةٍ فَرَجُ وقوله: [من البسيط] بشنا إلى الدير من درني صَبَابَاتُ … فلا تَلُمْني فما تُغني الملامات فكم قضيتُ لبانات الشباب به … غُنْمًا وكمْ بَقِيَتْ عندي بَقِيَّاتُ ما أمكنت دولة الأفراح مُقبلة … فأَنعَمْ وَلَذَّ، فإنَّ العَيشَ تارات قم فاجل في فلكِ الظلماءِ شَمْسَ ضحى … بروجُها الدهر طاسات وكاسات تلوح في أذرع الساقينَ أَسوِرَةً … تِبْرًا. وفوقَ نُحورِ الشَّرْبِ جاماتُ قد وقع الدهر سطرًا في صحيفته … لا فارقت شاربَ الخَمرِ المَسرَّاتُ خذ ما تعجَّل، واترك ما وُعِدتَ بهِ … فِعْلَ اللبيب فللتأخير آفات (١) ومنهم:

стр. 2750

[٣٢] النصير الطوسي، محمد بن محمد بن الحسن، نصير الدين، أبو عبد الله، الطوسي الفيلسوف (١) رجل ما عرف أيامًا، ولا تبرقع بالحياء لثامًا، أقدم على خالقه، وحصل من السعي على خافقه، وتجاهر بالفسوق، وتظاهر بالتبضع من السوق، ولم يخف عاقبة التهور، ولا التدلي على الشريعة والتسور، فلم يزل في قبح أحدوثة، وطريق سبيل عهود منكوثة، على توسعه في العلم، ومعرفته بما به يستتم، فقد كان ذا فضائل غزيرة،

стр. 2751

وفواضل غزيزة، واستيلاء على عقول السلاطين، واستخفاء في كيد ولا تبلغه الشياطين، مع كرم عميم، وكر على مال، ولا يبقى معه عديم، وتظاهر بفراغ وطلب فصل رام مثله وراغ، ولكن الله إذا أرد لامريء أمرًا يسره لفعله، وقدره على فعله ليمضي سابق إرادته، ويقضي بشقاء العبد أو سعادته، ولهذا لج في عمهه ولم يبصر، ودام على غيه ولم يقصر، فما أقبل على اعتذار ولا أسمعه المشيب الإنذار. كان رأسًا في علم الأوائل، لا سيما في الأرصاد، والمجسطي؛ فإنه فاق الكبار. قرأ على المعين سالم بن بدران المصري المعتزلي الرافضي وغيره، وكان ذا حرمة وافرة، ومنزلة عالية عند هولاكو، وكان يطيعه فيما يشير به عليه، والأموال في تصريفه، فابتنى في مدينة مراغة قبة ورَصَدًا عظيمًا واتخذ في ذلك خزانة عظيمة، فسيحة الأرجاء، وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة، حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد، وقرر بالرصد المنجمين والفلاسفة والفضلاء، وجعل لهم الجامكية، وكان سمحًا، كريمًا، جوادًا، - حليمًا، حسن العشرة، غزير الفضائل، جليل القدر، ذا هيأة. حكى لنا شيخنا الأصفهاني: أنه أراد العمل للرصد، فرأى هولاكو كثرة ما ينصرف عليه، فقال: هذا العلم المتعلق بالنجوم ما فائدته؟ أيدفع ما قدر أن يكون؟ فقال: أنا أضرب لمنفعته مثالًا، القان يأمر من يطلع إلى أعلى هذا المكان، ويدعه يرمي من أعلاه طست نحاس كبيرًا من غير أن يعلم به أحدًا، ففعل ذلك، فلما وقع كانت له وقعة عظيمة هائلة رَوَّعَتْ مَنْ هناك، وكاد بعضهم يصعق، وأما هو وهولاكو فإنهما ما تغير عليهما شيء لعلمهما بأن ذلك واقع، فقال له: هذا العلم النجومي له هذه الفائدة يعلم المتحدث فيه ما يحدث، فلا يحصل له من الروعة والاكتراث ما يحصل للذاهل الغافل عنه، فقال: لا بأس بهذا، وأمره بالشروع فيه أو كما قيل.

стр. 2752

ومن دهائه ما حكاه لي عنه شيخنا الأصفهاني أيضا قال: إنه حصل له غضب على الجويني صاحب الديوان، وأظنه قال علاء الدين فأمر بقتله، فجاء أخوه إليه، وذكر له ذلك، فطلب منه إبطال ذلك، فقال: هذا القان وهؤلاء القوم إذا أمروا بأمر ما يمكن رده، خصوصا إذا برز إلى الخارج، فقال: لا بد من الحيلة في ذلك، فتوجه إلى هولاكو، وبيده عكاز وسبحة واصطرلاب، وخلفه من يحمل مبخرة والبخور يضرم، فرآه خاصة هولاكو الذين على باب المخيم، فلما وصل أخذ يزيد في البخور، ويرفع الاسطرلاب ينظر فيه ويضعه، ويسأل عن هولاكو ويقول: هو سالم، هو سالم، يكرر ذلك، ويقولون: نعم، فيحمد الله ويسجد، فلما رأوه يفعل ذلك دخلوا إلى هولاكو، وأعلموه وخرجوا إليه، فقالوا: ما الذي أوجب هذا؟ فقال: القان أين هو؟ قالوا له: جو، قال: طيب معافى موجود في صحة؟ قالوا: نعم، فسجد شكرا لله تعالى، وقال لهم: هو طيب في نفسه؟ قالوا: نعم، وكرر هذا ومثله، وقال: أريد أرى وجهه بعيني إلى أن دخلوا إليه وأعلموه بذلك، وكان وقت لا يجتمع به فيه أحد، فأمر بإدخاله، فلما رآه سجد وأطال السجود، فقال له: ما خبرك؟ قال: اقتضى الطالع في هذا الوقت أن يكون على القان قطع عظيم إلى الغاية، فقمت وعملت هذا وبخرت هذا البخور ودعوت بأدعية أعرفها أسأل الله صرف ذلك عن القان، والطالع يقتضي أن يحقن القان دماء كثيرة، ويفرج عن نفوس كثيرة ليحقن دمه ويفرج عنه، ويتعين الآن أن القان يكتب إلى ممالكه ويجهز الألجية في هذه الساعة إليها بإطلاق من في الحبوس والاعتقال، والعفو عمن له جناية أو أمر بقتله لعل الله أن يصرف هذا الحادث العظيم، ولو لم أر وجه القان ما صدقت، فأمر هولاكو في ذلك الوقت بما قال، وأطلق صاحب الديوان في جملة الناس، ولم يذكره النصير الطوسي، وهذا غاية في الدهاء بلغ به مقصده، ودفع عن الناس أذاهم، وعن بعض الناس إزهاق أرواحهم. قال أبو الصفاء (١): ومن حلمه ما وقفت على ورقة حضرت إليه من شخص من جملة ما يقول فيها له: يا كلب يا ابن الكلب، فكان الجواب وأما قوله لي كذا وكذا، فليس بصحيح لأن الكلب من ذوات الأربع وهو نابح، طويل الأظفار، وأنا فمنتصب القامة، بادي البشرة، عريض الأظفار ناطق ضاحك، فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص، وأطال في نقض كل ما قاله، هكذا برطوبة وتأن غير منزعج ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة.

стр. 2753

ومن تصانيفه «كتاب المتوسطات بين الهندسة والهيأة» وهو جيد إلى الغاية، و «مقدمة في الهيأة» وكتاب وضعه للنصيرية، وأنا أعتقد أنه ما يعتقده؛ لأن هذا فيلسوف، وأولئك يعتقدن إلهيّة علي، واختصر «المحصل» للإمام فخر الدين وهذبه وزاد فيه، وشرح «الإشارات» وردّ فيه على الإمام فخر الدين في شرحه، وقال: هذا جرح وما هو شرح. قال فيه: إني حررته في عشرين سنة وناقض فخر الدين كثيرًا. ولقد ذكره قاضي القضاة جلال الدين القزويني ﵀ يومًا، وأنا حاضر، وعظمه - أعني الشرح - فقلت: يا مولانا ما عمل شيئًا؛ لأنه أخذ شرح الإمام، وكلام سيف الدين الآمدي، وجمع بينهما، وزاده يسيرًا، فقال: ما أعرف للآمدي في الإشارات شيئًا، قلت: نعم كتاب صنفه وسماه «كشف التمويهات عن الإشارات والتنبيهات»، فقال هذا ما رأيته. ومن تصانيفه: «التجريد في المنطق»، و «أوصاف الأشراف»، و «قواعد العقائد» و «التلخيص في علم الكلام» و «العروض بالفارسية»، و «شرح الثمرة» لبطليموس و «كتاب مجسطي» و «جامع الحساب في التخت والتراب» و «الكرة» و «الأسطوانة» و «المغطيات» و «الظاهرات» و «الباطن» و «الليل والنهار» و «الكرة المتحركة» و «الطلوع والغروب» و «تسطيح الكرة» و «المطالع» و «تربيع الدائرة» و «المخروطات» و «الشكل المعروف بالقطائع» و «الجواهر» و «الأسطوانة» و «الفرائض على مذهب أهل البيت» و «تعديل العيار في نقد تنزيل الأفكار» و «بقاء النفس بعد بوار البدن» و «الجبر والمقابلة» و «إثبات العقل الفعال» و «شرح مسألة العالم» «رسالة الإقامة» «رسالة إلى النجم دبيران الكاتبي في إثبات واجب الوجود» و «حواشي على كليات القانون» و «رسالة ثلاثون فصلًا في معرفة التقويم» و «كتاب كرمان لاوين» و «الزيج الإيلخاني» وأكثر ما ورثه سبعون، وله شعر كثير بالفارسية. وقال الشمس بن المؤيد العرضي: أخذ النصير العلم عن الشيخ كمال الدين ابن يونس الموصلي والمعين سالم بن بدران المصري المعتزلي وغيرهما. قال: وكان منجمًا لأبغا بعد أبيه، وكان يعمل الوزارة لهولاكو من غير أن يدخل يديه في الأموال، واحتوى على عقله حتى أنه لا يركب ولا يسافر إلا في وقت يأمره به، ودخل عليه مرة ومعه كتاب مصور في عمل الدرياق الفاروق فقرأه عليه، وعظمه عنده، وذكر منافعه، وقال: إن كان منفعته كذا، فتسحق مفرداته في هاون ذهب، فأمر له بثلاثة آلاف دينار لعمل الهاون. وولاه هولاكو جميع الأوقاف في سائر بلاده، وكان له في كل بلد نائب يستغل

стр. 2754

الأوقاف، ويأخذ عشرها، ويحمله إليه ليصرفه في جامكيات المقيمين بالرصد، ولما يحتاج إليه من الأعمال بسبب الأرصاد. وكان للمسلمين به نفع خصوصا الشيعة والعلويين والحكماء وغيرهم، وكان يبرهم، ويقضي أشغالهم، ويحمل أوقافهم، وكان مع هذا كله فيه تواضع وحسن ملتقى. قال حسن بن أحمد الحكيم: سافرت إلى مراغة، وتفرجت في هذا الرصد، ومتوليه صدر الدين علي بن خواجا نصير، وكان شابا فاضلا في التنجيم والشعر بالفارسية، وصادفت الشمس ابن المؤيد العروضي والشمس الشرواني، وكمال الدين الأيكي، وحسام الدين الشامي، فرأيت فيه من آلات الرصد شيئا كثيرا، منها ذات الحلق، وهي خمس دوائر متخذة من نحاس الأولى دائرة نصف النهار، وهي مركوزة على الأرض، ودائرة معدل النهار، ودائرة منطقة البروج، ودائرة العرض، ودائرة الميل، ودائرة الدائرة الشمسية يعرف بها سمت الكواكب، وإسطرلاب يكون سعة قطره ذراعا، وإسطرلابات كثيرة وكتب كثيرة. قال: وأخبرني شمس الدين بن العرضي: أن النصير أخذ من هولاكو بسبب عمارة هذا الرصد ما لا يحصيه إلا الله، وأقل ما كان يأخذ بعد فراغ الرصد لأجل الآلات وإفراغها وإصلاحها عشرون ألف دينار خارجا عن الجوامك للحكماء والقومة. وقال الخواجا نصير الدين في الزيج الإيلخاني: إني جمعت لبناء الرصد جماعة من الحكماء منهم: المؤيد العرضي من دمشق، والفخر المراغي الذي كان بالموصل، والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس، والنجم دبيران القزويني، وابتدأنا ببنائه في سنة سبع وخمسين وستمائة في جمادى الأولى بمراغة، والأرصاد التي بنيت قبل، وعليها كان الاعتماد دون غيرها هو رصد ابن بحيش وله مبنيا ألف وأربعمائة سنة، وبعده رصد بطليموس، وله ألف ومائتا سنة وخمس وثمانون سنة، وبعده في ملة الإسلام رصد المأمون ببغداد وله أربعمائة سنة وثلاثون سنة، والرصد الثاني في حدود الشام، والرصد الحاكمي بمصر، ورصد بني الأعلم ببغداد، وافق فيها الرصد الحاكمي، ورصد ابن الأعلم ولهما مائتان وخمسون سنة. وقال الأستاذون: إن أرصاد الكواكب السبعة لا يتم في أقل من ثلاث وثلاثين سنة؛ لأن فيها يتم دور هذه السبعة، فقال هولاكو: اجتهد أن يتم رصد هذه السبعة في اثني عشر سنة، فقلت له: أجهد في ذلك. وكان النصير قد قدم من مراغة إلى بغداد، ومعه جماعة كثيرة من تلامذته وأصحابه، فقام بها مدة أشهر ومات، وخلف من أولاده صدر الدين علي، والأصيل، والفخر أحمد، وولي صدر الدين علي بعد أبيه غالب مناصبه، فلما مات ولي

стр. 2755

مناصبه أخوه الأصيل، وقدم الشام مع غازان، وحكم تلك الأيام في أوقاف دمشق، وأخذ منها جملة، ورجع مع غازان، وولي ولاية بغداد مديدة فأساء السيرة فعزل وصودر وأهين، فمات غير حميد. وأما أخوهما الفخر أحمد فقتله غازان لكونه أكل أوقاف الروم وظلم. ومنهم: [٣٣] القطب الشيرازي (١) رجلٌ يرجع إلى خير، وينتجع في أوّل وأخير، فلم يخل واديه من منتجع، ولا ناديه من حفل قوم مجتمع، وكان له من بني جنكزخان محل حُلّى بالمنن ترائبه، وخُلّى كمد داء الأنواء راتبه، حتى اصطفاه السلطان أحمد، فبعثه إلى الحضرة المنصورية رسولًا، وبلغه من المسرة بتلك المشاهد سولًا، فحالت الأقدار دون مراده، وأحلت له السُمام في مراده، فلم يبلغ الرسالة، ولا سوع له زمنه الذي أساله.

стр. 2756

وحدثني شيخنا الأصفهاني قال: كان لا يزال بينه وبين خواجا رشيد الوزير بغضاء تفرق اللحم، وتدب دبيب النار في الفحم، وكان لا يزال ينغص عليه مقرره، ولا يريه إلا مكدره، فكانت جدته لا تقوم بتكاليفه، ومواده لا تنهض بمصاريفه، على أنه كان ينسب إلى هنات ومعايب بينات على فضل ينتاب، وكرم لا يرد بعتاب. ومنهم: [٣٤] الشيخ صفي الدين الهندي (١) إمام لم يبق إلا من اعترف بسؤدده، واغترف منه بيده، واشترف به على ما أعيا العيان، وأخفى البيان، وقرب البعيد ولم يأن، وكان بحرًا يطفح، وقطرًا يسفح، يرجع

стр. 2757

إلى كرم سجايا لو قذف بها النار، لما اضطرمت، أو سجرت بها البحار لما التطمت، إلا أنه كان لا تطيعه العبارة إذا نطق، ولا يحذر صيب سيله إذا اندفق. أخذ عنه أكابر العلماء بدمشق كابن المراحل، وابن الزملكاني، وبلغوا به فوق الأماني، وحصل به ابن المرحل علومًا كانت نجايا الصدر، وأمن ابن الزمكاني أن يعرو النقص كماله كما يعرو البدر، ولولاه لما اتسع بالشام مجال الكلام، ولا طلعت للمعقول شمس تمحق الظلام، وكان على تدفق بحره، وتأنق سحره لا ينفث سحره في عقد الأقلام، ولا يكتب في نهايته إلا ما لا يرضى به في بدايته من الغلام. ومنهم: [٣٥] علي بن اسماعيل بن يوسف الإمام العلامة، القدوة العارف، ذو الفنون، الشيخ علاء الدين قاضي القضاة، شيخ الشيوخ أبو الحسن، القونوي، التبريزي (١) جمع الطريقتين، ونفع الفريقين، ولي المنصبين، ورعى في جانبيهما المخصبين، فعلا على الألى وارتقى أهل النقى وعلا على مجد ما وصل إليه ذو مجد، ودرس في الإقليمين فأعجب، وغرس فيهما كل غرس فأنجب، ولم يرد أهل العلم والصلاح إلا بقيته، ولا شهد أهل مصر والشام إلا أولويته ذللت له فيهما الرتب، وسهلت عليه الأماني فبلغ أقصى علاهما، وطاب به الواديان كلاهما.

стр. 2758

ولد سنة ثمان وستين وستمائة، وتوفي بدمشق سنة تسع وعشرين وسبعمائة في ذي القعدة، ودفن بسفح جبل قاسيون بتربة اشتريت له. تفقه وتفنن وبرع وناظر، وقدم دمشق أول سنة ثلاث وتسعين وستمائة، فرتب صوفيًا، ثم درس بالإقبالية، وسمع من أبي حفص بن القواس، وأبي الفضل بن عساكر وجماعة بمصر من الأبرقوهي وطائفة، واستوطن مصر، وولي مشيخة سعيد السعداء، وأقام عشرين سنة يصلي الصبح ويقعد للأشغال إلى أذان الظهر، وتخرج به الأصحاب، وانتفع به الطلبة خصوصًا في الأصول، وكان ساكنًا، وقورًا، حليمًا، مليح السمت والوجه، تام الشكل، حسن التعليم، ذكيًا، قوي اللغة والعربية، كثير التلاوة والخير. درس بالشريفية بالقاهرة، وبها كان سكنه واشتغاله ثم لما حضر قاضي القضاة القزويني إلى الديار المصرية عوضًا عن قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة عينه السلطان لقضاء قضاة الشام، فأخرج كارهًا وكان يقول لأصحابه الأخصاء سرًا: أخملني السلطان كونه لم يولني قضاء الديار المصرية، وليت كان عينني لذلك، وكنت سألته الإعفاء. ولما خرج إلى الشام حمل كتبه على البريد معه وأظنها كانت وقر خمسة عشر فرسًا أو أكثر، وباشر المنصب أحسن مباشرة بصلف زائد، وعفة مفرطة، ولم يكن له نهمة في الأحكام بل رغبته وتطلعه إلى الاشتغال والإفادة، وطلب الإقالة أولًا من السلطان، فما أجابه، وكان منصفًا في بحوثه، رضيًا معظمًا للآثار، ولم يغير هيأة التصوف. خرج له ابن طغريل وابن كثير ووصلهما بجملة، وشرح الحاوي في أربع مجلدات موجودة، وله «مختصر المنهاج» للحليمي سماه «الابتهاج» وله «التصرف شرح التعرف من التصرف». وكان يعرف الأصلين والمنطق وعلوم الحكمة، ويعرف الأدب، وكان مع مخالفته لابن تيمية وتخطئته له في أشياء كثيرة يثني عليه ويعظمه، ويذب عنه إلا أنه لما توجه من مصر إلى دمشق قال له السلطان: إذا وصلت خل نائب الشام يفرج عن ابن تيمية، قال: يا خوند على ماذا حبستموه؟ فقال: لأجل ما أفتى به في تلك المسألة.

стр. 2759

فقال: إنما حبس للرجوع عنها، فإن كان قد رجع أفرجنا عنه، فكان ذلك سبب تأخيره في السجن، وكان له ميل إلى محيي الدين بن العربي إلا أنَّ له ردودًا على أهل الإلحاد، وكان يتحدث على حديث أبي هريرة: «كنت سمعه الذي يسمع به»، ويشرحه شرحًا حسنًا ويبينه بيانًا شافيًا، وكان يكتب مليحًا قويًا جاريًا. قال أبو الصفاء (١): ورأيته يكتب بخطه على ما يقتنيه من الكتب التي فيها مخالفة السنة من اعتزال أو غيره: [من الهزج] عَرَفتُ الشرَّ لا للشَّرِّ لكن لتوقيه ومَنْ لا يعرفُ الشرَّ مِنَ الخير يقع فيه وكان يترسل جيدًا من غير سجع، ويستشهد بالآيات المناسبة والأحاديث والآيات اللائقة بذلك المقام، ومات بورم الدماغ بقي به أحد عشر، ومات في بستان ضمنه، وتأسف الناس لموته أسفًا كثيرًا: [من الكامل] عَمَّتْ فَضائلُهُ فعمَّ مُصابُهُ … فالناسُ فِيهِ كلُّهُمْ مَأْجُورُ كتب (٢) إلى ناصر الدين شافع، وقد طلب منه شيئًا من شعره: [من الكامل] غَمرتني المكارمُ الغُرُّ منكمْ … وتَوَالتْ عليَّ منها فُنُونُ شَرْطُ إحسانِكُمْ تَحقَّقَ عِندي … ليتَ شِعْري الجزاء كيف يكون يقبل اليد الشريفة لا زالت للمكارم مستديمة، وفي سبل الخيرات مستقيمة، وينهي أن بضاعة المملوك من كل الفنون مزجاة، لا سيما من الأدب فإنه فيه في أدنى الدرجات، وقد وردت عليه إشارة مولانا حرسه الله تعالى في طلب شيء من الشعر الذي ليس المملوك منه في عير ولا نفير، ولا حظي منه بنقير ولا قطمير (٣)، سوى ما نبذ من الهذيان، الذي لا يصلح لغير الكتمان، ولا يحفظ إلا للنسيان، والمسؤول من فضل مولانا، وكرمه المبذول أن يتم إحسانًا إليه بالستر عليه، فإنه وجميع ما لديه من سقط المتاع، ولا يعار لسقاطته ولا لنفاسته ولا يباع، والله يؤيد مولانا ويسعده، ويحرسه بالملائكة ويعضده. وكتب إليه وقد وقف على كتابه الذي سماه «مخالفة المرسوم في حل المنثور والمنظوم»: [من الطويل] مخالفة المرسوم وافقت المُنَى … وحازت مِنَ الإحسانِ حَصْل المفاضل

стр. 2760

أثارت على بُخْلِ الأثيرِ أَثارةً … مِنَ العِلمِ مَفْتُونًا بها كلُّ فاضل (١) ومنهم: [٣٦] القاضي جلال الدين القزويني، أبو المعالي، محمد ابن القاضي سعد الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن عمر بن أحمد الشافعي الدلفي (٢) قاضي القضاة، خطيب الخطباء، أوحد الأئمة، مفيد العلماء، عمدة الطالبين، لسان المتكلمين من ولد أبي دُلف، ومن مدد ذلك السلف، ومن بيت قضاء وإمامة، وضرائر بحر وغمامة. ولي أبوه وأخوه، وتشبهت النظراء ولم يواخوه، قدم مع

стр. 2761

أخيه الشام وناب عنه بمدينة دمشق واستوطنها، وولي الخطابة وسقى فننها، ورقى أعواد المنابر وهَزَّ غُصنها، وكان صدر المحافل إذا عقدت، وصير في المسائل إذا انتقدت، وإذا جمعت المجالس كان لسانها، وإذا نظرت المدارس كان إنسانها. وكان خرق اليدين وطلق الكرم وإن كان بالدين، وكان له من سلطاننا نظرة عناية ترمقه، وتكبت به البحر إذا أشبهه تدفقه، وكذلك كانت له من كافل الممالك تنكز حتى اتخذه في حجه رفيقًا، وجعله له إلى الله طريقًا، ثم تنكر له بحره، فكادت تنسفه أمواجه، وتلقيه في مهالكها فجاجه، ودام السلطان له على كرم سجيته وشيم أريحيته، فكتب إلى تنكز في توليته قضاء القضاء بالشام حين خلا منصبه، وتخلى له مخصبه، فأظهر تنكز له المعايب، وأساء محضره وهو غائب، فأصر السلطان على ولايته وصمم، وكمل بادي رأيه فيه وتمم، وطلبه إلى حضرته مكرمًا، وأحمد عنه نار النائرة متضرمًا، وأوفى عنه ما أثقل إصره من الديوان الذي اتخذها ذلك المنكر له عيبًا، وانتهب له غيبًا، ثم قدم دمشق جامعًا بين الخطابة والقضاء، وتصرف في الإنفاق والإمضاء، ثم لم تطل به المدة حتى طلبه السلطان إلى حضرته ثانيًا وولاه بحضرته القضاء، وأظهر به إذا كرهه نائبه الارتضاء، وكان له منه المنزلة الرفيعة، والمكانة التي ما ردت قط شفيعه حتى حدثت هنات وجنيت، نبات، فأعاده إلى الشام على القضاء، فما لبث حتى حل به صرف القضاء. وكان ممن قدم وحصل جانبًا صالحًا من الفقه واللغة، وعلم المعاني والبيان، وعلم الكلام، واعتنى به وبرع فيه، وأتقن علم الحكمة إتقانًا قل فيه من كان يدانيه، واشتهر بحسن البديهة في المجالس والمدارس ولم يك مقصرًا في شان، ولا ثانيًا من عنان، وتزيد في دمشق إكبابه على الاشتغال وطلب العلم وتحصيله وقراءة الكتب ومطالعتها ومذاكرة العلماء ومباحثتهم. حكى لي: أنه كان لشدة حرصه يحضر بعض خزائن الكتب المشهورة الموقوفة وكان خازنها لا يرى إخراجها إلى عارية أحد فكان يقنع منه بأن يجلس عنده يومه كله لمطالعة ما يحتاج إليه منها، وأنه دام على هذا سنين كثيرة. وهو من بيت تقدم أوّلوه، وتصرفوا في القضاء وولوه، وهم من أقرباء القاضي رضي الدين قاضي قزوين المبعوث منها هو وابن صاحب ختن إلى حضرة منكوتمرقان لإحضار طائفة لاقتلاع قلاع الاسماعيلية حين عم ضررهم، واستشرى شرهم، فبعث هولاكو بن تولي فتجاوز الحد وقتل ونسي العد، وكاد يبلغ بخيله أقصى المغرب، وبعث لأمر فجعله طلب ملك لنفسه. ولما قدم قاضي القضاة إمام الدين أبو حفص عمر قدم معه أخوه جلال الدين

стр. 2762

هذا، فلما ولي الحكم بدمشق ناب عنه، وسدد خلل أخيه لنقص علم كان فيه، ثم لما ولي ابن صصرى القضاء استنابه ثم خاف منه وقيل له إنه اتفق هو وجماعة من الفقهاء والصاحب أبي يعلى حمزة بن القلانسي، وطائفة من الرؤساء بدمشق على عمل محضر عليه يحكم فيه بفسقه، وأنه كتب وهيئ ليحكم به في صبيحة يومه، فسارع ابن صصرى إلى عزله، وعجل إعلامه به مع العدول الثقات، فبطل ما عملوا، وذهب الصباح بما كانوا بيتوا له، وبقي في قلب جلال الدلين من هذا ما لم يكن له معه حيلة، إلا أنه اتفق مع ابن الزملكاني على إدامة تبكيته في المجالس وإظهار جهله وتزييف كلامه وداما على هذا وكان يحتاج إلى أنه لا يزال يداريهما ويصانعهما ويضيفهما ويتفقدهما بالعطايا وهما على ما هما عليه من تتبع عثراته وتقصد مساويه. حكى لي الأمين سليمان الحكيم المتطبب قال: حضرت مرة عنده في بستانه بالسهم وهما عنده في يوم قد أضافهما فيه واحتفل، فقال لي: أقم اليوم عندنا فأقمت فرأيت من تنويع إكرامه لهما ما يتجاوز الوصف ورأيتهما يتغامزان عليه ويتحدثان فيه إذا قام بأنواع القبائح وينسبان إليه غرائب الفضائح، فلما انصرفا تقدمت إليه وقلت له: قد كان من إكرامك لهذين الرجلين ما لا يُحدّ وهما يفعلان كذا ويقولان كذا، فما الذي يحملك على إنفاق مالك على من تكون هذه أفعاله في حقك، وهذا باطنه في أمرك؟ فقال لي: يا أخي أنا والله أعلم منهما ما قلت، وفوق ما قلت وإنما كيف عملي، هذان رجلان إمامان عالمان فاضلان جريئان وما عندهما تقوى. هذا ابن القلانسي كما تعرف، وإذا أراد استشهد كل أهل دمشق بأن النهار ليل والليل نهار فعل ولم يعجز، وهذا قاضي القضاة التقي سليمان الحنبلي قاض بطاش، ويرى ضرري وضرر أمثالي من الشافعية قربة ولولا هذا والله ما داريتهما، ولكن احتاج مع وجود هذه البلايا إلى مداراتهما من خلف اذني. قال: فسكت وعلمت عذره. قلت: فلما مات ابن صصرى، وولي الزرعي خاب أمل جلال الدين وكان يظن أن المنصب لا يتخطاه، فكان هو وابن الزملكاني وابن القلانسي ممن حسنوا في أمره ما حسنوا حتى سلقته الألسنة، وتجنيت له الذنوب، وعزل، ثم صمم السلطان على ولاية جلال الدين، وتنكز يعيبه، وآخر ما عابه بما عليه من الدين وبولده عبد الله، وما هو عليه من سوء السيرة، فطلبه السلطان وأوفى دينه، وترك عبد الله مقيمًا بمصر، وأعاد جلال الدين إلى دمشق حاكمًا كما تقدم. فشرع في معاداة الكبراء وإسخاط قلوب الرؤساء، وراك المدارس بين الفقهاء، وطلب الفقهاء بالعرض، وبقي يقول للرجل تعرض وإلا تُعرض، وأتاه رجل من الفقهاء

стр. 2763

بأبيات فقال: الشعر للمجالس والفقه للمدارس، وبقي النائب يعجبه وقوع مثل هذا منه، ويظهر له الاستحسان له؛ ليغري به الناس ويملأ عليه الصدور، وكان يريد ذهاب روحه، فبينا هو في هذا إذ سأل قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الإقالة لكبر سنه وعجزه، فأقيل وصرف إلى بيته مكرمًا وطلب جلال الدين وولي قضاء القضاة بمصر عوضه، وولي ابنه بدر الدين محمد الخطابة بدمشق عوضه مضافًا إلى تدريس المدرسة الشامية الجوانية، فدخل جلال الدين في عين السلطان ومساه الحظ من خاطره، وصار يحدث السلطان في كثير من أمور الناس، وقضيت للناس على يده حوائج، ونجحت مطالب وبلغت مآرب، فكثر ولده عبد الله واقتني كرائم الخيل الثمينة، وصار يسابق بها الأمراء، وخدام الأدر السلطانية، ويخالط أولاد الأمراء، ويتوسع في الأبنية واقتناء الجواري الحسان والمطربات، ويتعرض إلى أمور كثيرة، وكان يحمل حب أبيه له على أنه لا يرده عنها، إلى أن فاض خاطر السلطان، وامتلأ عليه وطرد ابنه عنه، ثم توسل في إعادته، فأعيد ثم طرده، ثم توسل في إعادته فأعيد، ثم سعى النشو ناظر الخاص، وابن المرواني والي القاهرة عليه، وأطلقا فيه ألسنتهما وأوصلا به سعايتهما وسددا فيه نكايتهما، فعزله السلطان، وأراد تعريضه للهوان فنهض له فرد الدهر الأصفهاني، وقام معه قيام مثله من إفراد الدهر، وركب إلى سرياقوس، وكان السلطان قد خرج إليها بعد أن صرف جلال الدين عن القضاء، وأتى قوصون وكان قوصون لا يرى إلا أنه ولد له، فلما أتاه قام له وأكرمه، وقال له: قد جئت إليكم لأجتمع بالسلطان في مصلحة له ولكم ما أمكنني إخفاؤها عنكم، فقام قوصون لوقته وعرف السلطان بمجيئه بما قال، فأكبر السلطان مجيئه، وقال: قل له يعرفنا بالمصلحة التي رآها، فقال له، فقال: اعلم أن هذا القاضي جلال الدين قاض كبير ومشهور في الشرق والغرب، وقد زوج بناتكم، وزوجكم، وأثبت كتب أملاككم وأوقافكم، وحكم لكم أحكامًا كثيرة، ومتى عزل هكذا وخلى بلا قضاء مع كونه لم يعجز، ولا بلغ به الكبر، حصل هذا التطرق إليه، وإذا تطرق إليه انتقض عليكم جميع ما حكم لكم به. وقال له من هذا ومثله ما بلغه إلى السلطان، فقال: صدق الشيخ ولوه قضاء الشام كما كان، فأمر له به وجهزه إليه فأقام به مدة، وتنكز لا يبش به ولا يمكنه منعه، ثم حصل له استرخاء وفالج أبطله، فاستناب ولده الخطيب عنه في كل ما ولاه السلطان، وبقي يراجع في جلائل الأمور إلى أن مات، ودفن بمقابر الصوفية. وهو ممن أخذتُ عنه علم المعاني والبيان، وقلت أرثيه وكتبت بها إلى ولده الخطيب بدر الدين محمد: [من الطويل]

стр. 2764

أحقًا بأنَّ البحرَ خَفَّ مَعِينُه … وأَنَّ وقَوُرَ الطَّوْدِ خَفَّ رَزِينُهُ أحقًا بأنَّ السيف أغُمِدَ حَدُّهُ … بطيفِ كَرى ليستْ تَنامُ جُفُونُهُ أحقًا بأنَّ الشمس غاب ضياؤُها … وقد بانَ مِنْ بدر التمام جبينه أحقًا بأنَّ النَّوْءَ أَقلع نائيًا … وآلى يَمِينًا لا تجُودُ يَمينُهُ أحقًا بأنَّ الدُّرَّ آنَ ابتذالُهُ … وأَهوى مِنَ الجَفْنِ القريح ثمينه أحقًا بأنَّ العِلْمَ خَفَّ نَبَاتُهُ … وأَضحى فما فات عليهِ غُصُونُهُ أحقًا لقد غاض الندى بكمالِهِ … نَعَمْ ومَضَى تحتَ التَّرَابِ خَدِينُهُ أحقًا دعا داعي الرَّدى عَلَمَ الهُدى … أم الدهر بالعلياءِ جُنَّ جُنُونُهُ لقدْ خَرَّ في المحرابِ تقوى منيبة … وفي صدر إيوان القضاء مبينه مضى بجلال الدين كلُّ فضيلة … وأعظمها عند المفاخر دينه مضى طاهر الأثواب ما شانَ عِرضَهُ … حسودٌ إذا ما شاءَ شَينًا يَرِينُهُ مضى وهو ملءُ الدَّستِ صَدرًا مُعظمًا … يطولُ إليهِ شوقه وحنينه إذا ما يراع الخَطَّ صَرّ صريره … فما ذاك إلا للعويل أنينه نَعَى باسمه الناعي فما شك سامع … بأنَّ انقضاء الدهر قد حان حينه تغيَّرَ ضَوء الصبح يوم وفاتِهِ … فلم يبقَ في الآفاقِ مَنْ يَستبينُهُ كأن جلال الدين ما كانَ في الوَرَى … إمامًا لهم حتى أتته مَنونُهُ فتي دلفي في الأبُوَّةِ جَدُّهُ … أبو دُلفٍ هلْ شِبْهُهُ أو قرينه سَقَى قبرَهُ الوضاح مثلَ بَنانِهِ … سَكُوبُ الغَوادي لا تغبُ هُتُونُهُ يضاحكه بالسفح بارقُ ليلِهِ … تغازله تحت الظلام جُفُونُهُ فهل بعد هذا اليوم يَدَّخِرُ الفتى … بُكاءً عزيزًا عندَهُ لا يُهِينُهُ أرى الخطباء اليوم بعدَكَ أُلبِسوا … حِدادًا عليهم في الملابس جُونُهُ أرى منصب الحكم العزيز تضاءلت … معاليه وأرفضت عليكَ مُتُونه أرى المنبر العالي استكن لما به … وكان به فوق السُّها مستكينه أرى قلم الافتاء قد فات وقتُهُ … وكانَ نَضيرَ الغُصن تُجبَى فُنُونُهُ أرى منطق التدريس أُخرِسَ نُطْقُهُ … وأصبحَ إِنْ قال النُّهى لا تبينه أرى مجلس التصدير أقوتُ رِحَابُهُ … ولَمْ يَرْضَ إِيداع الصُّدُورِ ضَنينُهُ لقد أغلق التصنيف أبوابَ كُتْبِهِ … وأغفتْ لأحداث الزمان عيونه فَمَنْ للمُرَّبِّي خابَ ما كانَ يَرتَجي … وماتَ أريجي كريم يُعينُهُ لعمرك ما يُجدي الحنين على امريء … تَحُطُّ بأكناف القبورِ ظُعُونُهُ

стр. 2765

تمهل به يا حامل النعشِ إِنَّهُ … يُقطِّعُ أَصلابَ الرجالِ شُطُوتُهُ وهل يعلم الآتي إلى لَحْدِهِ بِهِ … بأنَّ الهلال المستنير دفينه لقدْ عُطِّلَ الدَّستُ الرحيب أمامَهُ … وفارقَهُ مأمونُه وأَمينه ووالله إنَّ الموتَ أكرم نازل … بِحُرِّ ولا يقضي عليه غبونه فهل ساكن في الدهر ليسَ يَسُوؤُهُ … ومُستأمِنٌ للدهر ليس يخُونُهُ وذو غَرَر بالموت ألا تغرُّه … أمانيه في الدنيا نَعَمْ وظَنُونُهُ لتبكِ المعالي بالدماء سواكبًا … أباها ويبكي للبكاءِ حَزينه فيا أيها الناعي رويدَكَ إِنَّهُ … يَوَدُّ بمَنْ ينُعَى لنا لو تكونُهُ غلطت أهل قاضي القضاةِ قَضَى ردّى … أم الشامُ بالزلزال هُدَّتْ حُصونُهُ ترفق ولا تبغي العُلا بوفاتِهِ … فذكراك ميعاد البكا وضَمِينُهُ لعل حزينًا يملك الصبر قلبُهُ … يَجودُ بصبر فاضل أستدينه فيا سائق الأظعان قد أَمَّ جِلْقًا … وفي التربةِ الفيحاء يلقى قرينه تعمَّد بنا تلك القبور فإننا … نَروُدُ بها روضًا جنيًا جنينه وقف بي على ذاك الضريح مُسلّمًا … فإنَّ فُؤادي في التراب رهينه إليك وإلا لا يئن صبابةً … كثيبٌ ولا تبدو عليهِ شُؤونُهُ تولى ابن إدريس ووَلَّيتَ ذاهبًا … فما عاد للتدريس حرزٌ يَصونُهُ تضعضعت الدنيا فلم يبقَ مذهبٌ … لَعَمْري لقدْ هَنَّ الجبالَ سُكُونُهُ فمَنْ بَعْدَهُ هَلْ في الطريقين سالِك … وهل لاحَ في الوجهين بِشْرٌ يَزينُهُ فكل طريق منهُ قَدْ سُدَّ مَذْهَب … وفي كل وجه بان عيب يشينه ولولا كرام من بنيهِ أَعزَّةٌ … لأوحش منه سيفه ووضِينُهُ ومَنْ مِثل بدر الدين بل ليسَ مِثْلُهُ … فما غاضَ بحر العلم وهوَ مَعِينُهُ فما مثلُ مَنْ قد ماتَ في الناس سيد … ولا مثل هذا الحي يحمي عرينه ويعز عليه أن يكتب إلى مولانا معزيًا، أو يسليه عمن لم يجد هو ولا جميع أهل الدنيا عنه مسليًا، وإنما هي عادة الأيام، وسنة الدين والإسلام، فالله يعظم أجر مولانا، ويرحم ميته، ويحسن عزاء الإسلام فيمن شيد بجهاده بناءه وثبته، فلقد كان والله من حماة الدين بسيفه وقلمه، وكماة الكلام في المدارس والمنابر بعمله وعلمه، فرحم الله تلك المزايا الكرام، وفتح لها أبواب الجنة، وأدخلها إليها بسلام، والعزاء مشترك، ومن نظر بعين الحقيقة علم أن الدهر أخذ أقل مما ترك. وتوفي في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين عن أربع وسبعين سنة.

стр. 2766

قلت: ولما ولي كراي المنصوري كفالة الشام أتاها وقد هبت به ريح العدو والمتنسم، والثغور قد استطار برعب من جاورها قلب بارقها المتبسم، طلب خيل الحجر التي جرت العادة بطلبها معونةً من البلاد إذا قدم العدو وعدم الهدو، ولم يكن الاضطرار قد بلغ إلى حد تطلب فيه المعونة، وتحمل به البلاد المؤونة، وشرع النجم ابن هلال في توزيع ذلك الطلب، وتفريغ ذلك الظلم الذي باء منه بسوء المنقلب، فطلب من جهات الملك والوقف ما كان يكون لها ثمنًا، واتخذها له مأكلة حتى كاد يتفقأ سمنًا، وكان أخا بطنة يأكل حتى يكاد يتبعج، وجرأة لا يبالي من أي باب منه على النار يتولج، فاجتمع أهل البلد إلى جلال الدين؛ لأنه إمامهم المتبع، ورأس المصلين في الجماعة وهم له تبع، فقام هو والعلامة مجد الدين أبو بكر التونسي في درء هذه المظلمة، وإخفاء نجم بن هلال الطالع في هذه الليلة المظلمة، فجمعا أهل الجامع الأموي ومن انضم تحت أعلام الخطابة، وأسرع إلى هذه الدعوة المجابة، وخرجوا بالمصحف العثماني والأثر النبوي، وكراي راكب في موكبه قد شمخ العجب بهامته، فحين رآهم سأل عنهم، فلما أخبر الخبر جن جنونه، وظن ظنونه، فأمر الحاجب أن يأتيهم فيأمرهم بالرجوع بالمصحف والأثر، ويتقشع سواد ذلك الجمع الذي حضر، ثم يأتيه منهم من يعي عنه الخطاب، ويسمع منه الجواب، فأتاه الخطيب والتونسي وقدما له الإنذار، وأغلظا ولا سيما التونسي في الإنكار، فأوما إلى الخطيب ليضربه بيده، وأمر بالتونسي فرمي وكشف عن جسده ثم ضربه ضربًا جاز أدنى الحد في عدده، فخرجا والناس تتحرق ولا ماء يطفي النار، وتتأكل لهم، ولا يجد من أنصار، وكان من العجب المقدر وغرائب الاتفاق التي تذكر أن السلطان كان قد أمر بإمساك كراي، وخرج المجهز لإمساكه، ثم بقي في وثاق المحبس إلى حين هلاكه ويقال: إن التونسي كتب في ذلك اليوم له من الحروف ما كان من أسباب ما حل به من الصروف. أتي كراي بخلعة السلطان، فركب بها وجلس في الإيوان، فأحضر محضر ذلك التشريف معه كتابًا قرى وهو في تلك الحال، وقد ظن أن الدهر عن طباعه قد استحال فإذا فيه المرسوم إلى الأمراء بإمساكه، فأمسك وقيد، والخلعة عليه ما حلت إزارها، ولا أرته عينه إلا ما كأنه غرارها، ولا أجدته إلا وفي نفعها ضرارها. وكان الخطيب قد كتب إلى السلطان كتابًا مضمونه: الحمد لله رافع السموات وبانيها، وساطح الأرض وداحيها، ومثبتها بالجبال وراسيها، ومزيح الملوك عن أسرتها وكراسيها. أرسل محمدًا ﷺ إلى الخلائق جميعًا دانيها وقاصيها، وبعد ذلك لما تقدم المرسوم الشريف العالي المولوي السلطاني

стр. 2767

الملكي الناصري أدام الله أيامه، وجعل النصر وراءه وأمامه، بأن يستخرج من الأملاك التي بالبلاد الشامية حق أربع شهور، ولا يعفى عن وقف ولا عما يكون ليتيم أو مسكين، فأردنا أن ننبه الذي رسم بأن الأوقاف لا تعفى، وأن يؤخذ من الجامع الشريف ما أخفى، فطلعنا في يوم الاثنين في شهر الاستغفار جميع علماء المسلمين وأئمة الدين، الذين قال رسول الله ﷺ في حقهم: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (١)، وقد حملنا على رؤوسنا كتاب الله المبين وأثر سيد الأولين والآخرين حتى نعلم أن الجامع لا يوجب لأن يؤخذ منه حبّة، ولا يتعرض إليه من في قلبه دين، فبدا إلينا حاجب الملك الذي ولاه أمور الدين، وجعله بجهله حاكمًا على المسلمين، ولم يمكنا من الدخول إلى نائب السلطنة المعظمة حتى نشكو إليه ضرر المساكين. شهد الله العظيم أنهم ما استهابوا ولا هابوا كلام ذي القوة المتين، إلا جودوا الضرب على الرؤوس والأكتاف والوتين، وقد طلع من كان قبلنا إلى الذي استفتح البلاد وكان كافرًا بالله العظيم، فنزل عن ظهر جواده، ومشى إليه خاضعًا متذللًا كالمسكين يتذلل وهو تذلل مستكين، وعفا عن العباد والبلاد وأوصى جيوشه أن لا يسعوا في الأرض مفسدين احترامًا لكتاب الله ولأثر سيد الأولين والآخرين فلما طلعنا ورددنا خائبين طلب نائب السلطنة إمامًا من أئمة المسلمين، وقد نفح الشيطان في معاطسه حين خلاه بما يحدث رهينًا أي رهين، وجلد ذلك الإمام وعمل شيئًا ما سبقه إليه أحدٌ من العالمين، وجعل يقول بجهله وقلة عقله، وقد أمر بقتله: أحرقني إن كان لك برهان من البراهين، فراقب ذلك الإمام مولاه ناداه في سره ونجواه: يا من لا يشغله شأن عن شان ولا تغلطه مسائل السائلين اقض بالحق على الظالم، يا ديان يوم الدين. أيها العبد الصالح إنا خشينا عليك أن تفتن كما فتن الذين من قبلك ثم تولوا مدبرين فإذا حكم رب السموات والأرض ونادى يوم القيامة أحضروا الظالمين، فكيف ينطق من قد افترى على العلماء والفقهاء وأئمة الدين وما احترم كتاب الله الذي أنزل فيه ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ (٢) فهذا الكتاب يجتمع عليه فقهاء الديار المصرية، ويحكمون فيمن لا يخاف يوم تنشر فيه الدواوين، وتحشر فيه الخلائق أجمعين، وينادي مناد من قبل الله : هذا يوم يجزي الله المتقين ويحشر فيه

стр. 2768

الظالمون. وقد علم سيدنا ومولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين وهو أعلم بمن كان قبله من الملوك والسلاطين بأن لا يوجب أن يؤخذ من العامة أموالهم ولا يتعرض إليهم من في قلبه من الملوك والسلاطين بأن لا يؤخذ من العامة أموالهم ولا يتعرض إليهم من في قلبه دين إلا إذا التقت الفئتان ونودي هذا يوم لا قبله ولا بعده وكانت أمراء الدولة قد اضمحل ما عندهم من الأموال والسلاح والخيل، فهنالك عمن تخلف عن ذلك اليوم فقد أمسى بما كسبت يداه، وهو رهين وأعلم أن ما يسبق أحد من خلق الله إلى الجنة غير المجاهدين، فيجب عليك أن تنصر كتاب الله وكلام الله وتأخذ الحق ممن افترى وطغى، فيقف على هذا الكتاب فقهاء الديار المصرية والسلام. ومنهم: [٣٧] السيد العبري، برهان الدين، عبيد الله بن محمد الحسيني العبري (١) الإمام العلامة ابن الإمام العلامة، لسان جُبِلَ على الكلام، وبيان جعل لكشف الظلام، سل على الباطل حسامه، وجذب من يده خطامه، ولي القضاء فأرضى، وأقام سنة وفرضًا، وهو على ما بلغنا حي يحيا به العالم، وتجلى به العواتم، ويكف نداه وينهم، ويأمر الدهر فيأتمر، ويقف الجواد دون مداه ويستمر. قال الدهلي: ولد بتبريز وهو الآن قد جاوز الستين إمام في العقليات منطقها وحكمتها وطبها، وله قوة عظيمة في الخلافيات والجدل. بحاث، مناظر في الغاية لم نر أحدًا يقدر على التدريس مثله، يلقي الدروس في علوم شتى أكثر من ثلاثين علمًا في

стр. 2769

مُشْكلاتُ الكُتُبِ لأَفَاضِلِ الزَّمَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يُنَاظِرْهُ أَحَدٌ إِلاَّ وَغَلَبَ مَعَهُ، وكان فقيهًا في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، عريقًا في أصوله وفروعه، مفتيًا لهم، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وحفظ «الحاوي» على ابن مصنفه جلال الدين محمد، وصار إمامًا في مذهبه أصلًا وفرعًا، يفتي في المذهبين، وولي قضاء القضاة بجميع مملكة إيران، شرح «الطوالع» و «المصباح» في الكلام، و «المنهاج» في أصول الفقه، و «إيلاقي» في الطب، ونقد «الصحائف» في الكلام، وعمل كتابًا في المنطق في يوم، وأخذ العلوم عن القاضي محيي الدين أبي الحسن بن أبي الفضل بن عبد الحميد بن محمد القزويني قاضي القضاة، وأخذ العقليات عن قطب الدين الشيرازي والعبيدي ووالده، وكان من جملة المحققين، وروى «جامع الأصول» عن القطب الشيرازي، و «شرح السنة» عن محيي الدين القزويني وروى عن أبيه عن شيوخه منهم العلامة سيف الدين الباخرزي، قال: وله نظم مليح، وخط حسن، وجاه عظيم، وحشمة في الغاية. وترجمته عند السلاطين أستاذ البشر العقد الحادي عشر. وله ابن هو شمس الدين محمد. قال الدهلي: هو المشتهر ببيرك. فاضل في أكثر العلوم، حسن الجد والخط والعبارة. ولد سنة عشر وسبعمائة، وأخذ عن السيد أكثر فضلاء الشرق ومنهم النصير الحلي، وروى عن «المشارق الروية» عن الصغاني. ومنهم: [٣٨] الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وهو محمود بن أبي القاسم بن أحمد، أبو الثناء (١) الإمام، العالم، العلامة، قدوة العلماء والحكماء والفقهاء والفقراء. وارث العلم والحكمة، واحد الدهر، معلم الوجود. شمس أضاءت، وسماء على الدنيا

стр. 2770

فاءت، وإمام قدم دمشق وهي تحكي بغداد زمان عمارتها، وقرطبة حيث استقلت بنو أمية بإمارتها، لكثرة نجوم العلماء الطالعة، وغيوم النعماء الهامعة، وابن تيمية ونياح قمره، وابن الزملكاني لفيف سمره، والخطيب القزويني والإجماع عليه في المعقول معقود، وحلق المسجد والفقهاء قعود، فلم يبق إلا أن اعترف بسؤدده، واغترف منه بيده، فخلف في فن الأصول فننها الرطيب، ونسي به ابن خطيب الري فضلا عن القزويني الخطيب، ولم يعد يُلتفت عليه بعد أن قدم في الأصول حلقة إقراء، ولا شكت الوجى إليه أقدام القرّاء. طلع صباحًا، وسطح مصباحًا، وأتى في زي تاجر جاء بمتاع، فكانت فرائد الدرر أهون أعلاقه، وكتم نفسه وضوء الشمس لا تخفى لوامع إشراقه، ونزل بدار ابن هلال، ودارة الهلال أحق بموضعه، وطلع بدمشق وأفق السماء أولى بمطلعه، وترددت إليه العلماء، وسعت إليه العظماء، وأقام ينشر العلوم، ويمد جناح الفضائل على العموم، ويعلم في علم الأوائل أن القطب عليه دار، وأن الطوسي وإن نشر جناح الطاووس، عجز عنه لما طار، وأن الآمدي امتد معه، فقصر في المضمار، وأن الفارابي لم ينجِه منه إلا الفرار، وأن ابن سيناء ما نجا سِيْنُه من حروفه وهي جمل الفَقَّار، هذا إلى علوم شرعية وفهوم لوذعية، ومعرفة بالفقه على مذهب الشافعي يجمع بين قوليه، ووجوه للأصحاب ناضرة ناظرة إليه، واختلاف في طرق الخراسانيين والعراقيين تتفرق وتتجمع عليه، مع علم حديث ما ابن شهاب فيه عنده إلا كالأعمش، وعربيَّة ما الجاحظ لديه فيها إلا كالأخفش، وحقيقة ما صاحب كل طريقة بالنسبة إليها معه إلا واقف في مجاز، وتبحر في تفسير جاء فيه بالإعجاز، وغير هذا من كرم ما البحر عنده إلا مبخل، ولا السيل المنصب من مكانه العالي إلا مخلخل، ولا الغمام إلا وقد تقطعت عُرَاهُ، وغمض جفن لأنه كراه، وقيدت إذا هم
следующие страницы →