← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

قلت: ولما ولي كراي المنصوري كفالة الشام أتاها وقد هبت به ريح العدو والمتنسم، والثغور قد استطار برعب من جاورها قلب بارقها المتبسم، طلب خيل الحجر التي جرت العادة بطلبها معونةً من البلاد إذا قدم العدو وعدم الهدو، ولم يكن الاضطرار قد بلغ إلى حد تطلب فيه المعونة، وتحمل به البلاد المؤونة، وشرع النجم ابن هلال في توزيع ذلك الطلب، وتفريغ ذلك الظلم الذي باء منه بسوء المنقلب، فطلب من جهات الملك والوقف ما كان يكون لها ثمنًا، واتخذها له مأكلة حتى كاد يتفقأ سمنًا، وكان أخا بطنة يأكل حتى يكاد يتبعج، وجرأة لا يبالي من أي باب منه على النار يتولج، فاجتمع أهل البلد إلى جلال الدين؛ لأنه إمامهم المتبع، ورأس المصلين في الجماعة وهم له تبع، فقام هو والعلامة مجد الدين أبو بكر التونسي في درء هذه المظلمة، وإخفاء نجم بن هلال الطالع في هذه الليلة المظلمة، فجمعا أهل الجامع الأموي ومن انضم تحت أعلام الخطابة، وأسرع إلى هذه الدعوة المجابة، وخرجوا بالمصحف العثماني والأثر النبوي، وكراي راكب في موكبه قد شمخ العجب بهامته، فحين رآهم سأل عنهم، فلما أخبر الخبر جن جنونه، وظن ظنونه، فأمر الحاجب أن يأتيهم فيأمرهم بالرجوع بالمصحف والأثر، ويتقشع سواد ذلك الجمع الذي حضر، ثم يأتيه منهم من يعي عنه الخطاب، ويسمع منه الجواب، فأتاه الخطيب والتونسي وقدما له الإنذار، وأغلظا ولا سيما التونسي في الإنكار، فأوما إلى الخطيب ليضربه بيده، وأمر بالتونسي فرمي وكشف عن جسده ثم ضربه ضربًا جاز أدنى الحد في عدده، فخرجا والناس تتحرق ولا ماء يطفي النار، وتتأكل لهم، ولا يجد من أنصار، وكان من العجب المقدر وغرائب الاتفاق التي تذكر أن السلطان كان قد أمر بإمساك كراي، وخرج المجهز لإمساكه، ثم بقي في وثاق المحبس إلى حين هلاكه ويقال: إن التونسي كتب في ذلك اليوم له من الحروف ما كان من أسباب ما حل به من الصروف. أتي كراي بخلعة السلطان، فركب بها وجلس في الإيوان، فأحضر محضر ذلك التشريف معه كتابًا قرى وهو في تلك الحال، وقد ظن أن الدهر عن طباعه قد استحال فإذا فيه المرسوم إلى الأمراء بإمساكه، فأمسك وقيد، والخلعة عليه ما حلت إزارها، ولا أرته عينه إلا ما كأنه غرارها، ولا أجدته إلا وفي نفعها ضرارها. وكان الخطيب قد كتب إلى السلطان كتابًا مضمونه: الحمد لله رافع السموات وبانيها، وساطح الأرض وداحيها، ومثبتها بالجبال وراسيها، ومزيح الملوك عن أسرتها وكراسيها. أرسل محمدًا ﷺ إلى الخلائق جميعًا دانيها وقاصيها، وبعد ذلك لما تقدم المرسوم الشريف العالي المولوي السلطاني

стр. 2767

الملكي الناصري أدام الله أيامه، وجعل النصر وراءه وأمامه، بأن يستخرج من الأملاك التي بالبلاد الشامية حق أربع شهور، ولا يعفى عن وقف ولا عما يكون ليتيم أو مسكين، فأردنا أن ننبه الذي رسم بأن الأوقاف لا تعفى، وأن يؤخذ من الجامع الشريف ما أخفى، فطلعنا في يوم الاثنين في شهر الاستغفار جميع علماء المسلمين وأئمة الدين، الذين قال رسول الله ﷺ في حقهم: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» (١)، وقد حملنا على رؤوسنا كتاب الله المبين وأثر سيد الأولين والآخرين حتى نعلم أن الجامع لا يوجب لأن يؤخذ منه حبّة، ولا يتعرض إليه من في قلبه دين، فبدا إلينا حاجب الملك الذي ولاه أمور الدين، وجعله بجهله حاكمًا على المسلمين، ولم يمكنا من الدخول إلى نائب السلطنة المعظمة حتى نشكو إليه ضرر المساكين. شهد الله العظيم أنهم ما استهابوا ولا هابوا كلام ذي القوة المتين، إلا جودوا الضرب على الرؤوس والأكتاف والوتين، وقد طلع من كان قبلنا إلى الذي استفتح البلاد وكان كافرًا بالله العظيم، فنزل عن ظهر جواده، ومشى إليه خاضعًا متذللًا كالمسكين يتذلل وهو تذلل مستكين، وعفا عن العباد والبلاد وأوصى جيوشه أن لا يسعوا في الأرض مفسدين احترامًا لكتاب الله ولأثر سيد الأولين والآخرين فلما طلعنا ورددنا خائبين طلب نائب السلطنة إمامًا من أئمة المسلمين، وقد نفح الشيطان في معاطسه حين خلاه بما يحدث رهينًا أي رهين، وجلد ذلك الإمام وعمل شيئًا ما سبقه إليه أحدٌ من العالمين، وجعل يقول بجهله وقلة عقله، وقد أمر بقتله: أحرقني إن كان لك برهان من البراهين، فراقب ذلك الإمام مولاه ناداه في سره ونجواه: يا من لا يشغله شأن عن شان ولا تغلطه مسائل السائلين اقض بالحق على الظالم، يا ديان يوم الدين. أيها العبد الصالح إنا خشينا عليك أن تفتن كما فتن الذين من قبلك ثم تولوا مدبرين فإذا حكم رب السموات والأرض ونادى يوم القيامة أحضروا الظالمين، فكيف ينطق من قد افترى على العلماء والفقهاء وأئمة الدين وما احترم كتاب الله الذي أنزل فيه ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ (٢) فهذا الكتاب يجتمع عليه فقهاء الديار المصرية، ويحكمون فيمن لا يخاف يوم تنشر فيه الدواوين، وتحشر فيه الخلائق أجمعين، وينادي مناد من قبل الله : هذا يوم يجزي الله المتقين ويحشر فيه

стр. 2768

الظالمون. وقد علم سيدنا ومولانا السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين وهو أعلم بمن كان قبله من الملوك والسلاطين بأن لا يوجب أن يؤخذ من العامة أموالهم ولا يتعرض إليهم من في قلبه من الملوك والسلاطين بأن لا يؤخذ من العامة أموالهم ولا يتعرض إليهم من في قلبه دين إلا إذا التقت الفئتان ونودي هذا يوم لا قبله ولا بعده وكانت أمراء الدولة قد اضمحل ما عندهم من الأموال والسلاح والخيل، فهنالك عمن تخلف عن ذلك اليوم فقد أمسى بما كسبت يداه، وهو رهين وأعلم أن ما يسبق أحد من خلق الله إلى الجنة غير المجاهدين، فيجب عليك أن تنصر كتاب الله وكلام الله وتأخذ الحق ممن افترى وطغى، فيقف على هذا الكتاب فقهاء الديار المصرية والسلام. ومنهم: [٣٧] السيد العبري، برهان الدين، عبيد الله بن محمد الحسيني العبري (١) الإمام العلامة ابن الإمام العلامة، لسان جُبِلَ على الكلام، وبيان جعل لكشف الظلام، سل على الباطل حسامه، وجذب من يده خطامه، ولي القضاء فأرضى، وأقام سنة وفرضًا، وهو على ما بلغنا حي يحيا به العالم، وتجلى به العواتم، ويكف نداه وينهم، ويأمر الدهر فيأتمر، ويقف الجواد دون مداه ويستمر. قال الدهلي: ولد بتبريز وهو الآن قد جاوز الستين إمام في العقليات منطقها وحكمتها وطبها، وله قوة عظيمة في الخلافيات والجدل. بحاث، مناظر في الغاية لم نر أحدًا يقدر على التدريس مثله، يلقي الدروس في علوم شتى أكثر من ثلاثين علمًا في

стр. 2769

مُشْكلاتُ الكُتُبِ لأَفَاضِلِ الزَّمَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يُنَاظِرْهُ أَحَدٌ إِلاَّ وَغَلَبَ مَعَهُ، وكان فقيهًا في مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀، عريقًا في أصوله وفروعه، مفتيًا لهم، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وحفظ «الحاوي» على ابن مصنفه جلال الدين محمد، وصار إمامًا في مذهبه أصلًا وفرعًا، يفتي في المذهبين، وولي قضاء القضاة بجميع مملكة إيران، شرح «الطوالع» و «المصباح» في الكلام، و «المنهاج» في أصول الفقه، و «إيلاقي» في الطب، ونقد «الصحائف» في الكلام، وعمل كتابًا في المنطق في يوم، وأخذ العلوم عن القاضي محيي الدين أبي الحسن بن أبي الفضل بن عبد الحميد بن محمد القزويني قاضي القضاة، وأخذ العقليات عن قطب الدين الشيرازي والعبيدي ووالده، وكان من جملة المحققين، وروى «جامع الأصول» عن القطب الشيرازي، و «شرح السنة» عن محيي الدين القزويني وروى عن أبيه عن شيوخه منهم العلامة سيف الدين الباخرزي، قال: وله نظم مليح، وخط حسن، وجاه عظيم، وحشمة في الغاية. وترجمته عند السلاطين أستاذ البشر العقد الحادي عشر. وله ابن هو شمس الدين محمد. قال الدهلي: هو المشتهر ببيرك. فاضل في أكثر العلوم، حسن الجد والخط والعبارة. ولد سنة عشر وسبعمائة، وأخذ عن السيد أكثر فضلاء الشرق ومنهم النصير الحلي، وروى عن «المشارق الروية» عن الصغاني. ومنهم: [٣٨] الشيخ شمس الدين الأصفهاني، وهو محمود بن أبي القاسم بن أحمد، أبو الثناء (١) الإمام، العالم، العلامة، قدوة العلماء والحكماء والفقهاء والفقراء. وارث العلم والحكمة، واحد الدهر، معلم الوجود. شمس أضاءت، وسماء على الدنيا

стр. 2770

فاءت، وإمام قدم دمشق وهي تحكي بغداد زمان عمارتها، وقرطبة حيث استقلت بنو أمية بإمارتها، لكثرة نجوم العلماء الطالعة، وغيوم النعماء الهامعة، وابن تيمية ونياح قمره، وابن الزملكاني لفيف سمره، والخطيب القزويني والإجماع عليه في المعقول معقود، وحلق المسجد والفقهاء قعود، فلم يبق إلا أن اعترف بسؤدده، واغترف منه بيده، فخلف في فن الأصول فننها الرطيب، ونسي به ابن خطيب الري فضلا عن القزويني الخطيب، ولم يعد يُلتفت عليه بعد أن قدم في الأصول حلقة إقراء، ولا شكت الوجى إليه أقدام القرّاء. طلع صباحًا، وسطح مصباحًا، وأتى في زي تاجر جاء بمتاع، فكانت فرائد الدرر أهون أعلاقه، وكتم نفسه وضوء الشمس لا تخفى لوامع إشراقه، ونزل بدار ابن هلال، ودارة الهلال أحق بموضعه، وطلع بدمشق وأفق السماء أولى بمطلعه، وترددت إليه العلماء، وسعت إليه العظماء، وأقام ينشر العلوم، ويمد جناح الفضائل على العموم، ويعلم في علم الأوائل أن القطب عليه دار، وأن الطوسي وإن نشر جناح الطاووس، عجز عنه لما طار، وأن الآمدي امتد معه، فقصر في المضمار، وأن الفارابي لم ينجِه منه إلا الفرار، وأن ابن سيناء ما نجا سِيْنُه من حروفه وهي جمل الفَقَّار، هذا إلى علوم شرعية وفهوم لوذعية، ومعرفة بالفقه على مذهب الشافعي يجمع بين قوليه، ووجوه للأصحاب ناضرة ناظرة إليه، واختلاف في طرق الخراسانيين والعراقيين تتفرق وتتجمع عليه، مع علم حديث ما ابن شهاب فيه عنده إلا كالأعمش، وعربيَّة ما الجاحظ لديه فيها إلا كالأخفش، وحقيقة ما صاحب كل طريقة بالنسبة إليها معه إلا واقف في مجاز، وتبحر في تفسير جاء فيه بالإعجاز، وغير هذا من كرم ما البحر عنده إلا مبخل، ولا السيل المنصب من مكانه العالي إلا مخلخل، ولا الغمام إلا وقد تقطعت عُرَاهُ، وغمض جفن لأنه كراه، وقيدت إذا هم

стр. 2771

الليل عن سراه. كل هذا إلى خلق به يتخلق الأبرار، وتتحقق صفات الأخيار، ويدل على ما وراءها من العمل لما فيه نعم عقبى الدار. كان في بلده جليلًا، وفي عدده كثيرًا، لا يجد مثله إلا قليلًا، صحب السلطان محمد بن خدابنده، وكان في سيارته من مدرسي السيارة، وهم جماعة كان يقرر أن يكونوا بالاردو حيث خيم السلطان، وكان من أنظار القطب الشيرازي وأمثاله، وأحسن حالًا منه عند خواجا رشيد لما كان يجده في نفسه على الشيرازي، ويرجى به طرفه من الغضاضة، ويتقصد به جناحه من الإهاضة، وكان يُعلي شيخنا الأصفهاني ويرفعه، ويزين به أفق المجالس ويطلعه، وكان يحاضره ويسامره، ويفيد العلم ويذاكره، وكان يجزل له العطاء، ويدر له الصلات، وينوه بذكره، وينبه على جلالة قدره، وقرأ عليه ابنه الوزير الكبير آخر وزراء الشرق بل ملك الرياسة بحكم الحق أمير محمد بن خواجا رشيد، وتخرَّج به وحصل، وقدم الشيخ الأصفهاني دمشق واستوطنها فارغًا من تلك البلاد على عظم مكانته فيها وامتلأ صدور أهلها بتعظيمه، وأقام والطلبة تتسامع به وتتواصل إليه، وتأتيه من كل جهة ومكان. وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يثني عليه أحسن الثناء ويصفه بالفضل الوافر والعلوم الجمة، قال لي: ما قدم البلاد علينا مثل الشيخ شمس الدين الأصفهاني. ورأيت شيخنا الأصفهاني قد زاره مرةً فقام إليه ومشى خطوات لتلقيه، وعرض عليه أن يجلس مكانه فأبى، وكنا في ذلك الوقت نقرأ عليه، ودخل وأنا أقرأ في المسح على الخفين من «العمدة» في الأحكام الصغرى، فقال ابن تيمية للأصفهاني: ما نتكلم وأنت حاضر. فقال له الأصفهاني: الله، الله يا مولانا، مولانا شيخ السنة وإمام العلماء. فقال لي ابن تيمية: ما فيها اليوم قراءة، اليوم يوم فراغ لسماع فوائد الشيخ، وأشار إلى الأصفهاني، فلبثت ساعةً رأيت مجمع البحرين ومطلع النيرين، فكانا فحلين يتصارعان، وسيفين يتقارعان، تركتهما وأنا أظن أن مكة قد انطبق أخشباها، وأن المدينة قد تلاقت حرتاها، ثم طفقت استثبت هل دمشق قد أنقع شرفاها، والأرض قد اجتمع طرفاها، ثم كنت لا أزال أسمع ابن تيمية يعظمه، وكذلك ابن الزملكاني، وأما الخطيب، فإلى غاية لا تبلغ. وقال ابن تيمية مرة في تقرير مدرس حضره جُلَّة العلماء وحضره الأصفهاني فتكلم رجل من أعيان العلماء فيه، فقال ابن تيمية: اسكتوا لنسمع ما يقول الشيخ وأشار إلى الأصفهاني، ثم قال: الشيخ شمس الدين بزرك، والبزرك هو الكبير باللغة الفارسية.

стр. 2772

ثم كان الخطيب لفرط محبته في الحكمة وعلم الكلام يدعو الأصفهاني إليه، ويدع من يقرأ بحضوره عليه ليستفيد، وجرى بينه وبين ابن جملة مرةً نزاع في حديث، وكان النقل مع الشيخ فيه، فوبخ ابن جملة على تجرئه على مثله، وغاية مثله أن يكون كأحد تلاميذه وطلبته الآخذين عنه، وأقام الشيخ سنين بدمشق كأنما هو مرفوع على الرؤوس الإفراط التعظيم والإجلال، ثم لما طلب الخطيب إلى مصر وولي القضاء بها كان لا يزال يتشوق ويتشوف إلى مقدمه عليه، ومقامه بمصر، فلما طلبني السلطان شركته في ذلك وزدت عليه، واتصل خبره بالسلطان وطلبه، وأقبل عليه وأكرم، وأدنى منه مجلسه وبسطه وآنسه وأمره بالمقام بحضرته، فأقام وأجرى عليه مرتبًا، وأبقى عليه معلوم التصدير بدمشق مع الإقامة بمصر للأشغال بها، ثم كنت يومًا أنا وقاضي القضاة الخطيب القزويني عند السلطان بالدركاه داخل باب مسجد رديني بالأدر السلطانية في عقد عُقد لبعض الحرم، فأجرى ذكر الشيخ الأصفهاني وكانت المدرسة المعزية بمصر المعروفة بمنازل العز قد شغرت فولاها له، ثم بنى الأمير قوصون له الخانقاه التي بالقرافة، وكان ينزل في كل وقت إليه ويقعد قدامه وبين يديه، ويقضي كل حوائجه، ويبعث بالجمل ليعمل بها أوقات، ويحضرها بنفسه، ويكون فيها مثل أحد تلاميذ الشيخ. وعظمت منزلة الشيخ عند السلطان، وكبرت مكانته في صدره حتى أمر قوصون أن يقول له: السلطان يقول لك: أنت عندنا كبير، ومكانتك تعرفها، ونريد أننا لا نرد عليك قط في شيء تطلبه منا، ونحن نوصيك بأنك لا تتحدث في اثنين، ثم مهما أردت قل يسمع منك، وهما عبد الله بن القاضي جلال الدين، وأوحد ابن أخي الشيخ مجد الدين الأقسرائي شيخ خانقاتنا بسرياقوس؛ فإن هذين الاثنين قد ثبت عندنا نحسهما، وما يمكن أن نقبل فيهما شفاعة. قلت: فكان الشيخ لهذا لا يرى التثقيل عند السلطان في شيء؛ لئلا يطلب ما يستثقل به ويقضيه رعاية له، ثم إن السلطان أبا سعيد بهادر خان بعث كتابًا إلى السلطان يطلب فيه إنفاذ الشيخ إليه لاشتياق الوزير أمير محمد وأهل البلاد إليه، وأكد في طلبه، وجاء قرينه كتاب من الوزير يقول فيه: إنه من أولاد الشيخ وتلاميذه، وكم يصبر الولد عن والده، والتلميذ عن شيخه، وسأل الصدقات السلطانية في تجهيزه، فقال لي السلطان: نحن والله ما نسمح بالشيخ، ولكن قولوا له قد بعث أبو سعيد يطلبك هو والوزير، وأهل تلك البلاد، وقد حَيَّوا السلطان بسببك، والسلطان قد جعل الأمر إليك، فقال الشيخ: لا والله ما أفارق ظل السلطان، ولا استبدل بهذه البلاد، فأنا ما فارقت تلك البلاد بنية من يعود إليها فأعجب السلطان هذا منه كل الإعجاب، ووقع منه

стр. 2773

أحسن المواقع، وجَلّ في صدره، وعَظُم في عينه، وعرف محله، وتحقق مكانته في بلاده، وأنه مع ذلك لم يزد إلا حيث استعلت كلمة الإسلام، وكانت مَباعِث الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم. ثم لما سعت نمال النميمة في القاضي جلال الدين وتحتّم عزله، وكاد يُفضى به الأمر إلى ما أعاذ الله منه نواب شريعته، وعلماء دينه الذي ارتضى، قام الشيخ في أمره حتى ولي قضاء الشام على ما تقدم ذكره في ترجمته. ولما طلب السلطان أعيان الفقهاء للارتياد بعد جلال الدين لم يفصل رأيًا حتى حضر الشيخ، وأخذ رأيه وكان هو المعظم في ذلك المجلس، والمقدم عند السلطان على ذلك الجمع الجَمّ ثم إن السلطان أمسك ابن صورة وكان على نظر الأهراء السلطانية، وكان الشيخ مُزَوَّجًا بابنته، وكان قد اتهم بأخذ مال جليل للسلطان، وقد أمسكه السلطان، وشدد عليه في الطلب، فأتى الشيخ بنفسه إلى قوصون بسببه فاعتذر إليه وقال: هذه ساعة غضب السلطان ما أقدر أُكلمه فيها، فقال له الشيخ: أنا أتحدث مع السلطان ثم أتاه وطلب الإذن عليه، فأذن له فدخل، فلما رآه وقف له وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقال له: في خير ما جاء الشيخ إلا في حاجة، فقال له: نعم. قال: ما هي؟ قال: ابن صورة، قال: خذه والله ما أقدر أردك، ولولاك لكان له حال آخر، فخرج الشيخ فأخذه وانصرف. قلت: وهو اليوم في مصر لإقراء أنواع العلوم الشرعية والعقلية وعلم المعاني والبيان، والنحو والعربية والإفتاء وإفادة الطلبة، والأذن لنبهاء الفقهاء بالإفتاء، وإنشاء أهل العلم والتحصيل حتى كثر عدد العلماء، واخضر به قلم الإفتاء، ولولاه لجف بموت من مات من العلماء؛ لأنه أذن لجماعة بمصر والشام وحلب، وتضرم به وقود الأذهان والتهب، وهو ممن قرأت عليه أصول الفقه وعلم المعاني والبيان، وممن أذن لي وأحسن وجاد بما أمكن. ولما رحل صاحبنا الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين أبو عبد الله محمد الشبلي الحنفي إلى الديار المصرية، كتب إليه بسببه كتابًا نسخته: الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، ومنهم واحد الدهر وكفى، سيدنا ومولانا ومبصرنا بمصالح آخرتنا وأولانا، ومتحفنا بما يقصر منه عن شكرنا أولانا، السيد العالم الرباني، المكمل لنقائص الصور والمعاني، المسلك على الطريقة، والمملك لأزمة الحقيقة، قطب الأولياء، وارث الأنبياء، الإمام المجتهد المطلق، والبحر المزيد المطبق الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والساعي ببلغ من مصالح الامة في أدنى يوم ما يعجز [عنه] في سنة، الحجة الواضحة، والمحجة

стр. 2774

اللائحة، آخر المجتهدين، شمس الدنيا والدين، مُعلِّم المتكلمين، إمام المتأخرين والمتقدمين [البسيط]. سَلْ عنه وانطقْ به وانظر إليهِ تَجِدْ … ملْءَ المسامع والأفواه والمُقَلِ لا زالت البصائر به مُنوَّرة والحدائق بسحبه منورة، والحقائق بعلمه مصورة، والشرائع بذبه عن حوزتها مسوّرة، والبحار الزواخر في مغيض صدره مغورة، وشمس السماء بضياء شمسه مكورة، وأرض القدماء لدى رياضه اليانعة مبوّرة، ومنابت الخط إذا نظرت إلى ميامن قلمه تشاءمت بكعاب رماحه المدورة، ودول الأيام تسعد بخيالات أيامه المطورة، ولا برحت السيوف تعنو لهممه، والسيوف تعزو النفع إلى كرمه، ولا فتى فتي الدهر وشيخ أبنائه، ولا انفك أنف كل معاند راغمًا بسار أنبائه، ولا كن مكان فوق فرق الفرقد إلا دون أدنى بنائه حتى يلتحق بالزمرة السعداء، ويلقى الله ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ (١). خدم بها المملوك على قصوره وخضوع أبياته التي كان يتطاول بها في العلياء إلى شوامخ قصوره، مذكرًا بعبودية قديمة لا يزال لها في كل حين بارقة على أطلاله، وقائلة في ظلاله، وحائمة على زلاله، ومتشوقة في آفاق الأقمار إلى مطلع هلاله، وملتفة إلى ما يغض الأبصار من بديع جلاله مع وثوقه بأنه إن أغب بتذكاره أو غاب، وسكت سعيه أو هدر يطلب رغاب لا يلوى لحظه من سيده مطال مطالب، ولا يغير عوائد تعهده، وراب مارب، ولا يبرح له ذاكر لا ينساه، ومؤانس له، والدهر قليل المواساة إلا صفوة إخوان بهم يُبل الرمق وقليل ما هم، ويقل القلق وهو كثير لولاهم، ومنهم السيد الأخ العزيز، الشيخ الجليل، الإمام العالم الفاضل الفقيه، المحدث المفنن، مجموع الفضائل، فلان الماثل على حضرته المشرفة بها، والخائض إليها ظلم الليالي، لا يبالي بجنح غيهبها، وهو على ما هو عليه من التحلي بالوفاء في الزمان الغادر والإنصاف بالصفاء في وقت يبدو فيه الكدر، وأوله ما يبدو من الشفق المحمر في لج الصباح الزاخر من ذوي الفضل المتعدد، والعلم المتجدد، والذهن الساطع، والرأي الصائب القاطع، واليد التي لم تقتصر به في التصنيف، ولم تعذر بسببه فيها تهب المسامع التشنيف، هذا إلى ذهن شفت سرائره، وعرفت أمائره، وتقى صلحت مضغة قلبه لتصلح سائره. وقد أم الآن الديار المصرية المحروسة التي هي الآن فلك شمسه، وحضرة قدسه، وموضع ثمار العلماء من غرسه، وقد حمل ظمأ إلى

стр. 2775

بحره، وشق ظلمه إلى فجره، وجاب الفيافي في طلب العلم لديه، واشتمل ذيول الفجاج لحصول الاشتمال عليه، وله أسوة بالعلماء الذين امتدت شمسه النيرة نجومهم، وقدحت مشكاته المضيئة فهومهم، وأمطرت سحبه الروية علومهم، وأطلق أذنه الشريف قلم فتاويهم، وشرف قدره المنيف همم معاليهم، ورعى إحسانه المطيف ذمم قصدهم، يقتحمون مناحل أيامهم، وجحافل لياليهم، وهو إن لم يكن أظهر منهم استحقاقًا، وأكثر لإحراز الفوائد استراقًا فما هو بدون جماعتهم ولا بأضعفهم طاقة عن جهة استطاعتهم والمملوك ممن يثني بين يدي مولانا عليه باستحقاقه، ويصفه بما لا يقدر أحد فيه على شقاقه، وسيظهر له ما يزكي شهادة المملوك في الثناء على فضله والشكر له، وإن لم يكن المملوك من رجال هذا المقام ولا من أهله، وإن لم يكن: [من الطويل] فقف وقفةً قُدَّامَهُ تَتَعَلَّمُ وفي هذا كفاية ومقنع، وغاية وممتع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكنت كتبت على يده نسخة إذن لي بالإفتاء، وهي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي رفع أقدار العلماء، ونقع بورد الشرائع غلل الظماء، ورفع بصباح الحق المنير دجى الظلماء، ونصب أعلام الأئمة ليهتدى بهم كنجوم السماء، نحمده على نعمه التي زينت بمجالس العلماء المعابد، وبينت فضل العلم إذ كان العالم الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تهتز بها الأقلام وتعتز ألوية الأئمة الأعلام، وتبتز بأيدي حماتها حملة العلم ضوال الإسلام. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي هدى به من الأضاليل، وحمى من الأباطيل، وفضله على الأنبياء، وجعل علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أئمة الهدى وأزمة الندى، وتتمة كل خير يبتدا، صلاةً متصلةً لا تنتهي إلى مدى، وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، فلما كان مراد العلم أخصب ما انتجع، وزمان الطلب أحق ما يبكى على فائته لو ارتجع، وهو الذي تشد إليه الرحال وتُجدَّ إليه الرجال، وتمتطى إليه الهمم، ويخاض الليل، وقتير الصباح ما دَبَّ في سواد اللمم، وتركب إليه الرياح، وتتخطى إليه الرماح، ولم يزل أهل الطلب تفارق فيه الكرى، وتُشَمِّرُ الأهداب للسرى وتنهض، وقد

стр. 2776

أقعد الحرمان أكثر الورى، وتجول في طلبه الآفاق، وتجوب البلاد والنجوم في اللحاق، وتفترق الدجى والقفر وهذا البحر، وهذا الرقراق، وتتفاوت في هذا ومثله رتب الطلب، وتتباين قصب العلم والطرب، ولأهل الحديث الشريف النبوي زاده الله شرفًا في هذا الوسع مجال، وأنجع ركائب تأتي عليها رجال عجال، ويزداد في توسيع ذيل الارتحال وتوسيع أردية الأصل قبل حط الرحال من تفقه في الدين وتنبه، وما له خدين واشتغل بمذهب أوّل الأئمة الإمام أبي حنيفة ﵁ حتى ود شقيق الشفق لو نسب إلى نعمانه، ورفيق أوّل السلف لو تأخر إلى زمانه، وظهر من فضائله ما وضح وضوح النهار، وأظهر فضوح البحر وفي قلبه النار، وجدل الأقران لما ناظر، وعلل السبب في رقة النسيم بلطائفه لما حاضر، وتفسح في هذا المذهب المذهب وأذكى ضرام فهمه فيه، فكاد يتلهب من دَلَّهُ علمه على أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وسبب السفور لجلاء كل مظلم إذا كان العلم هو الذي يتماثل في وجوب طلبه المسلمون، ويتفاضل في علو رتبه من قرأ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وفي الحديث «العلماء ورثة الأنبياء» وقد جاء «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وقال بعض السلف لرجل قال له: إلى متى يحسن بي التعلم، قال: ما حسنت بك الحياة. وطالب العلم نهم لا يشبع، ومغتنم لا يقنع، وإناء لا يمتلئ، ومجتهد لا يأتلي، فلما أخذ عن علماء بلده، ونقع بماء منهله الغدير، ولم يغترف غرفة بيده، لم يجد ذلك، وإن كان البحر الزاخر ناقعًا لأوامه، ولا ذلك الخصب الممتد، وإن أمري نافعًا لسوامه، ورأى أن تلك الرحاب الفساح في الطلب لا تسعه، وأن تلك المدد الطوال التي قضاها في التحصيل لا تقنعه، فأم مصر حرسها الله تعالى حيث هي المصر الجامع، والأفق التي تُزينه من علمائه النجوم الطوالع، وأتى لا يريد إلا العلم ولقاء أهله، والزيادة منه لو وجد مزيدًا من فضله، فلم يدع غمامًا يستسقى، ولا إمامًا عن مثله يُتلقّى، ولا من يمتاح له من قليب، ولا من يرتاح إليه على بعد، فكيف والمزار قريب حتى كادت ركائبه لا تنهض بما أوسقت، وسحائبه لا تبيض بما سقت، وكان فلان هو الذي استفاد وأفاد، وانتقى واستزاد، وضاهى في طلب العلم سرى الغمام، وباهي البدور الكوامل، وزاد في التمام الذي اقتحم الدجى لا ترهبه الأسنة، ولافح الرياح لا تزاحمه الأعنة، وفهم التنزيل، فسكنت نفسه المطمئنة، وعلم الحديث فسلك به طرقًا إلى العلم ليسلك الله له به طريقًا إلى الجنة طالما رفعت أعلام

стр. 2777

الدين بجداله الذي يمنع، وخضعت رؤوس الخصوم بجلاده الذي لا يقنع، ووضعت الملائكة أجنحتها له لأنه طالب علم رضي بما يصنع، وهو ممن حصل من كل علم غاية أو طرفًا، وحلَّ كل علًا وتبوأ غُرفًا، وأجاد في علم الفقه وتوجيهه، وعلم تشعب طرقه ووجوهه وعرف فيه وجوه الاختلاف، ووجوب الائتلاف، ووجود المقتضي للترجيح، والمرتضى فيما يفتى به على الصحيح، ومن أين استنبطت الأدلة، وعرف المعلول والعلة، وتردد إليَّ، وقرأ عليَّ، وبحث مع أفاضل العلماء لدي، وناظر بحضوري أماثل الفقهاء فملأ أذني، وتكرر حضوره عندي، وظهر لي من مدده السحابي أن محلته لا تكدى، ورأيته أهلًا للإفتاء والتدريس والتصدير وولاية المدارس وغير ذلك مما ينافس فيه من هذه الرتب العلية المنافس، وقد استخرت الله وأذنت له أن يطلق قلمه بالافتاء ويلحق بشأو الكهول في سن الفتاء، وأن يرشد الضلال، ويرشف من قلمه الزلال، ويتصدر لإشغال الطلبة، ونشر الفقه على ما يوافق في النص والقياس مذهبه واقفًا فيما يفتى به عند الصحيح الراجح والحق الواضح، والذي عليه نص مذهب إمامه أبي حنيفة ﵁، وأصحابه مما عليه الفتوى، وعلى ما ترشد إليه ما أوصيه به من التقوى، متيقنًا أنه أطال الله عمره يموت ويبقى ما كتبت يداه، وأن الفتيا إذا خرجت من يده ربما وقعت في أيدي عداه، ثم إن الله سيسأله عما كتب فليعد قبل أن يجيب على الفتوى الجواب، وليعد النظر مما يكتب به فمن أعاد النظر لم يعدم الصواب، والله تعالى يمد له أجلًا يسرى به في ليل الشبيبة حتى يرى صباح المشيب، ومهلًا لا تجف لأنديته ضرع ندى ولا يخمد لهيب، وأن يبقيه خلفًا في الإسلام وما ذلك من عوائد كرم الله بعجيب. والمسؤول من الله أن يوافق ولاة الأمور أعزهم الله بعز طاعته، وصرف كُلًا منهم في الخير وسع استطاعته لإعلاء قدره، واستجلاء بدره، واستملاء ما يكنه من العلم الجم في صدره، وأن يكثروا به في هذا الزمان عدد الفضل القليل، ويأثروا منه الأثر الجميل، ويقدموا منه مستحقًا لو أجالوا الفكر، لم يجدوا مثله في هذا الجيل؛ ليصلوا به حبلًا لولا مثل هذا في كل أوان لانقرض، ويقيموا بنيانًا لولا شبه هذا في كل مكان، لانتقض وينظروا لآخر الأمة في مد مدد العلم الذي لولا بقية العلماء، وهذا منهم، لم يخض. فلما وصلت إليه، تلقاها بالقبول وكتبها بخطه إذنًا له بالفتوى، وكتب إلي جوابه، فأجبته بما صورته: يقبل الباسط الأشرف الطاهر الزكي المولوي السيدي الإمامي العلامي العاملي الفريدي الأوحدي الحجي المسلكي العارفي المالكي المخدومي الشيخي

стр. 2778

الشمسي، علم الأعلام، شيخ مشايخ الإسلام، مفيد أهل مصر والعراق والشام، فرد الوجود ورد الجود، منشئ العلماء والمفتين، إمام المتكلمين سيف الحق، ملجأ الخلق، جامع الطرق، شمس الأفق، ولي أمير المؤمنين لا زالت الأيام رافلة في حبره، والأقلام ناقلة لخبره، والإعلام الشوامخ متضاءلة لدى كبره، والكرام تعترف بفضله الذي تعد معه عبرة الغمام من عبره، والأحكام لا تطبع حديد مواضيها إلا من زبره، والسهام لا تقطع آراؤها الصائبة قطع سيوفه ولا تحز حز إبره تقبيلا يؤدي حق شكره، ويوفي في بعض نذره، ويولي القبل قبلة إحسانه، ويوصي بنيه بأداء ما في ذمته فرضه، وعجز عن ذكره بلسانه، وينهي ورود المثال العالي فقام المملوك له ووقف على قدمه، ووقف لديه معرضا لخدمه، ونظر إليه فبهت وحاول شكر أدنى معروفه فصمت واستظل بظل غمامته، واستقل سرورا بسلامته، واستقبل الدهر برفع ملامته، وتأمل كرمه، ومد يده إلى مدامته، وأفضى منه إلى فضاء ملؤه الكرم، ورسيله البحر، وتلوه الديم، فترامى المملوك عليه، وكرع في غدير تلك الصحيفة، وأمن به وقد أوجس البرق في نفسه خيفة، وبايع مؤدبه الرشيد لما رآه المهدي مهديه خليفة وقلب وجهه في سماء ذلك السماح، وقلبه في سراء تلك المواهب التي لو جاراها البحر، قالت له إياك والطماح، وجنبه في نعماء تلك النعم التي خطت إليها الرياح، وتخطت الرماح، واستبق مضمونه ولسان محضره في وصف ندى عهده، وكرم لم يزل يعد منه يدا مجدده، وهدى فرق به النحر لما أبصر فرقده، ومعروف ما برحت تعرف به الأعلام وترف به الأعلام، وتصرف بالفتاوى الأقلام وتشرف القبل بالتهاوي إلى مواطن الإقدام، وتلك صدقات مولانا التي شملت من شهد علمه الشريف باستحقاقه، ولهذا أطلق فيه رسن قلمه، ونبه له وسن طرفه من حلمه، وأذن له في الإفتاء الذي آن لأن يشرق في أفقه بدره الطالع، ويشرق بغصص حسده عدوه الطامع، فجاء مسرورا من كريم جنابه، محبورا بإحسانه بعد أن حظي بالمثول في فنائه الرحيب، وأحسن عن المملوك في مثابة المولى الشيخ الفقيه الإمام العالم الكامل الفاضل الحافظ المحدث المتقن المفنن العلامة أوحد العلماء، جمال أهل الإفتاء، فخر المحدثين، شمس العصر بدر الدين الشبلي زاده الله فضلا ولله هو من مستحق قدم مولانا منه إماما، وأمطر طلبة العلم به غماما، وناوله قلم الإفتاء، وقد توشح بالمداد زماما، وكثر عدد العلماء به، وقد قلوا وأرشد السواد الأعظم ببدره الطالع، ولولاه لضلوا، وأهل الصدور التصدير منه من مطوى غلة المحاريب إحناء ضلوعها، وتجري السماء إذ لم تر مثله أعين دموعها، ووصل ووصف وأراه ما كساه، فما ظن إلا أنه عليه من ورق الجنة

стр. 2779

قد خصف، وذكر وشكر وما جاء إلا بالمعنى المتداول مما أجمع الناس عليه من إحسان مولانا، وهو يظن أنه قد ابتكر، وقال، وقال، وهيهات أن تبلغ البلاغة أو تحيط الفكر، وناول المملوك المثال العالي الذي لا مثال له إلا ما كتبه كاتب اليمين، وذهبه موقد جمر الشفق وكابت به الدر الثمين، وقبله وسابق نهب اللاثمين، وحلا بما تضمنه وإذا بالبحار الزواخر، والرياض الزواهر، والسحب إلا أنها سحب نيسان التي تولد الجواهر. والله الله في مسامحة المملوك في قصور هذا التمثيل، وفتور هذا التشبيه الذي كم له مثيل لشيء ما له مثيل، ولقد وقع هذا الإحسان بموقع من المملوك، وعم سائل القلوب وعد فصل النعم به إلا أنه غير محسوب، وأرى المملوك زمان مثوله بين يدي سيده حيث المزار قريب والزمان غر، ولو لا هذا لم يكن صنعه الجميل بغريب، وقد رام المذكور على طلاقة لسنه، وامتداد سنه، وقدرته على الكلام، وكثرة حسنة، أن يعترف المملوك بما أولاه من مننه المنوعة، ولا زاد على أنه اعتراف أنه لا يطيق واعتذر وها هو الآن قد تصدى لما أخذ عن مولانا علمه، وحرك له عزمه، وأحيا الله به موات أموات هذا المذهب، واستعاد فوات ما لو لم يدرك مولانا بقية آخر رمقه بهذا ومثله من العلماء، لكاد أن يذهب، وألسنة أهل دمشق كلها بالأدعية لمولانا موليهم هذه النعمة بسببه ناطقة، وبضائع صنائع مولانا في سوق شكرهم نافقه، والمملوك عنهم المترجم ولإدلاله قد طال ويقبل بثقيل المتهجم، والمملوك يستعرض المراسيم العالية التي هي طوالع السعود لا ما يدعيه المنجم، لا برحت طلبته مثرية المطالب مورية الهدى في الغياهب مجرية الأقلام بالإفتاء وفي آثارها، ولا تلحق زمن الكواكب. * * *

стр. 2780

[مشاهير فلاسفة المغاربة وحكمائها بالأندلس] ومن فلاسفة المغاربة وحكمائها ومتكلميها ممن كان بالأندلس: [٣٩] يحيى بن يحيى، المعروف بابن السمينة (١) كان من أهل قرطبة، أتقن العلم والحساب، وعلم التصور والاكتساب، وعانق الصبر والاحتساب، وعانى مهم الفن حتى أوتي أجره بغير حساب، فمات وآخر الحياة الموت، ونهاية الدرك الفوت، بعد خيرات آثرها، ومبرات بقيت وقد أكلت الأيام مؤثرها، وعمل صالح بلا اكتراث، وعلم نافع يبقى إذا انقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث. قال ابن أبي أصيبعة (٢): قال القاضي صاعد: إنه كان بصيرًا بالحساب، والنجوم، والطب، متصرفًا في العلوم، متفننًا في المعارف، بارعًا في اللغة، والعروض، ومعاني الشعر، والفقه، والحديث، والأخبار، والجدل، ورحل إلى المشرق ثم انصرف. قلت: وقد ذكره ابن المازري وقال: قدم علينا مصر حاجًا، وتسامع به الناس فأتوه من كل فج، وقرأوا عليه كتبه وغيرها، وحبوه بالذهب، وأنواع الحباء فلم يقبل لأحد شيئًا، وكان متقللًا من الدنيا، زاهدًا في حطامها، لا يزال يذكر الموت وهول المطلع، ويقول: ليت أمي لم تلدني. قال: وكان كثير الصدقة والبر ولاسيما إذا رأى ذا عجز ظاهر، ملازمًا للصلوات في أوقاتها، نزل في دار قريبة من المسجد الجامع ليقرب عليه أداء الفرائض في الجماعة، وكان إذا صلى ظهر عليه من الخشوع، وفيض الدموع ما يكاد يرحمه به من رآه، قال: وكان لا يزال ينشد: [من الطويل] إذا نظر الدُّنيا بَصيرٌ بحالِها … تيقَّنَ أنَّ الدَّهرَ جَمُّ المصائب

стр. 2781

فمنْ عارفٍ تصطادهُ باقتسارِها … وغرْبُها تصطادهُ بالرَّغائب فما ماؤُها إلاَّ سرابٌ بِقيعَةٍ … وما عيشُها إلاَّ تَحَلُّمٌ كاذب لَحَى اللهُ مُغْتَرًّا بها وبصرفها … وفي بعضها للمرءِ كلُّ العَجائب قال ابن المازري: وأظنُّها له. ومنهم: [٤٠] أبو القاسم، مسلمة بن أحمد ابن المرجيطي (١) من أهل قرطبة، مسح الأفلاك وقسمها خِطَطًا، ووسمها وما سامها شَطَطًا، وكان كأنه بعض كواكبها إشراقًا، وجواريها الكُنُس إشفاقًا، أشرق إشراق زهرها، وتدفق تدفق المجرة على زهرها، ونفض على الآفاق صبغة أصلها، وذرّ في مقلة الصباح زرقة كحلها، وكان بقرطبة حِلْيَةً لأيام بني مروان، وزينة لذلك الأوان، أعاد ذاهب زمانهم والركائب ترد عليهم، وترد وجوه النجائب إليهم. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان في زمان الحكم. وقال صاعد: كان إمام الرياضيين بالأندلس في وقته، وأعلم ممن كان قبله بعلم الأفلاك وحركات النجوم، وكانت له عناية بأرصاد الكواكب، وشغف «بالمجسطي» كتاب بطليموس، وله عدة كتب، وأنجب له ملأ من التلاميذ الأجلاء، ولم

стр. 2782

ينجب عالم بالأندلس مثلهم، ومنهم ابن السمح، وابن الصفار، وهو أول من أتقن علم الاصطرلاب بالمغرب - والزهراوي، والكرماني، وابن خلدون. قلت: وقد رأيت اصطرلابات من عمله عليها اسمه، وكانت غاية في الحسن للعروض التي عملت لها صفائحها، إلا أن كواكبها كانت تحتاج إلى تحريك لطول المدة منذ عملت. ورأيت له رسالة في المجنب والأفاقية كتبتها بخطي لإعجابي بها، ثم غالتها يد الضياع، وغالبت عليها غلبة الأيام التي لا تستطاع. ومنهم: [٤١] ابن السمح، أبو القاسم، أصبغ بن محمد بن السمح الغرناطي (١) المهندس حكيم تعرف له المبار، وطبيب تدفع به المضار، قيم بتركيب الأدوية، وتفاضل التفضيل والتسوية. أحيا الله به القوى الحيوانية، وحفظ النفس الإنسانية. سلك بنظره في الأبدان، وملك ما ليس لأحد به يدان، ونظر في تفاريق العضل، وتفاريع ما كفى من الأغذية وفضل، واستدل بالنبض على ما وراءه، وعرف دواءه على الحقيقة وداءه، بحدس صحيح حصر على ضيق المجاري واتساعها، وانحطاط الدرجات في الأدوية وارتفاعها، إلى غير ذلك من أسباب في علوم وحساب ونجوم وأمور كان بها يقوم. قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان في زمان الحكم. وقال صاعد: كان محققًا لعلم الأدب والهندسة، متقدمًا في علم هيأة الأفلاك،

стр. 2783

وحركات النجوم، وكانت له عناية بالطب، وتواليف حسان، وقال: أخبرني تلميذه أبو مروان الباسي أنه توفي بغرناطة. ومنهم: [٤٢] أبو الحكم الكرماني، وهو عمر بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي من أهل قرطبة (١): طبيب لا يدق عليه غامض، ولا يشق عليه خفاء وامض، وكان مقدما في التعاليم، ومعظما في الأقاليم، وجامعا من القوى النفسانية التقاسيم، وأجاد الكلام في أحكام الطب، وأحكام ما يحتاج إليه المستطب، وعرف في القوى الطبيعية المخدومة والخادمة، والبداية والخاتمة، إلى أن أبرز كل خفية وأحرز قد الكمية والكيفية، ولم يزل يعود بملاطفته ويعود بعاطفته، حتى انتعشت به الأرواح في أجسامها، وأمنت به من انتهاب الأقسام واقتسامها، وطردت الصحة الأمراض وقامت جواهر النفوس بالأعراض. قال ابن أبي أصيبعة (٢): هو أحد الراسخين في العدد والهندسة. وقال صاعد: إن تلميذه الحسين بن محمد المهندس المنجم قال: إنه ما ألفى أحدا يجاريه في علم الهندسة. ولا شق غباره في فك غامضها، وتبيين مشكلها واستيفاء أجزائها. ورحل إلى المشرق، وانتهى إلى حران، وعني هناك بطلب الهندسة، ثم رجع إلى الأندلس، واستوطن ثغر سرقسطة، وأدخل معه رسائل إخوان الصفا [وله عناية بالطب] ومجربات فاضلة فيه ونفوذ مشهور في الكلى والكي والقطع والشق والبط، وغير ذلك من أعمال الطب، ولم يكن بصيرا بالنجوم، ولا بالمنطق. ومنهم: [٤٣] ابن وافد (٣) بيت حكمة، ونبت حشمة، ورئيس طب، ومنية محب، عنيت الدول برفع

стр. 2784

أخمصه، ودفع منتقصه، وقدمته باستحقاقه لأن يكون مقدما، ويسدد رأيه ليفوت السمهري مقوما، فلهذا كان مجاريه لا يقدر له على لحاق، وحاسده ولو كان البدر لا يرى إلا في المحاق، بلطف لو سحب ردنه الروض لأبهج رقيمه، أو الأصيل المعتد لشفاه وما صح من النسيم سقيمه. لم تمد يد إلى مجاذبته، ولا طمع في مجانبته. قال ابن أبي أصيبعة (١): هو الوزير أبو المطرف، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكبير بن يحيى بن وافد بن مهند اللخمي أحد أشراف أهل الأندلس، وذوي السلف الصالح منهم، والسابقة القديمة فيهم. عني عناية بالغة بقراءة كتب جالينوس وتفهمها، ومطالعة كتب أرسطو وغيره من الفلاسفة وتعقلها. قال صاعد: وتمهر في تعلم الأدوية وصنف فيه كتابا جليلا لا نظير له، جمع فيه ما قاله ديسقوريدس وجالينوس في الأدوية المفردة، ورتبه أحسن ترتيب. قال: وأخبرني أنه عانى جمعه وترتيبه وتصحيح ما ضمنه من أسماء الأدوية وصفاتها، وتفصيل قواها وتجديد درجاتها نحوا من عشرين سنة، حتى كمل موافقا لغرضه، مطابقا لبغيته. وله في الطب منزع لطيف ومذهب شريف، كان لا يرى التداوي بالأدوية ما أمكن التداوي بالأغذية أو كان قريبا منها، ثم إذا اضطر إلى الأدوية لا يرى التداوي بالمركب ما أغنى المفرد بمفردها، فإن اضطر إلى المركب لم يكثر التركيب بل يقتصر على الأقل ما يمكنه منه. وله نوادر محفوظة وغرائب مشهورة في الإبراء من العلل الصعبة والأمراض المخيفة بأيسر العلاج. واستوطن طليطلة، وكان أيام ابن ذي النون. ومنهم: [٤٤] محمد بن يوسف المنجم (٢) أديب غلب عليه التنجيم، وعلا قدره فما حصر بالتقويم، وسير الشهب حتى

стр. 2785

صورها من توليد خاطره، وصيرها على لسانه بدلًا من ناظره، وحيرها حتى وقفت له فأصبحت قريحته منها متخيرة، وأضلتها بلألاء أنواره فظلت متحيرة. قال ابن رشيق (١): وشعره صحيح البناء، ملتئم الأجزاء، ملموم الثواء، كأنه قطعة واحدة. غلب عليه التنجيم كأبيه، وكتب ليعلى بن فرح، ثم لولده بعده، وامتدح نصير الدولة مرات. وأورد من شعره قوله (٢): [من الطويل] لَعَمْرِي لَئِنْ كُنَّا حَلِيفَيْ صِناعَةٍ … لَقَدْ سَبَقَتْ رِيشُ الخَوَافِي القَوَادِمُ فَقُلْ لِلَّذِي استَهْزَا بِنَا فِي فِعَالِهِ … مَقَالِي يَقْظَانٌ وَعِرْضُكَ نَائِمُ سَيَغْسِلُ عَنِّي المَاءُ فِعْلَكَ كُلَّهُ … وَقَوْلِي بَاقٍ وَالعِظَامُ رَمَائمُ تَدِبُّ على الأعضاء منه عَقاربُ … وتنفثُ في الأحشاء عنه أراقم فإن كان ذا عرض تلوح كُلُومُهُ … فعندي ضمادات له ومراهم ومنهم: [٤٥] أبو بكر بن باجة، ابن الصائغ، واسمه محمد بن يحيى الأندلسي (٣) أديب رمي من حالق، وبلي بحارق، ولم يقنع صاحب القلائد بأن يضع عليه سمة الفاسق، ذكره ويا بئس ما جاء به من سوقه النافق، قال فيه: رمد جفن الدين وكمد

стр. 2786

نفوس المهتدين به اشتهر سخفًا وجنونًا، وهجر مفروضًا ومسنونًا. قال ابن أبي أصيبعة (١): كان علامة في وقته في العلوم الحكمية، وبلي بمحن كثيرة وشناعات سيئة، وقصد هلاكه مرات. وكان حافظًا للقرآن الكريم. وقال ابن الإمام: كان في ثقابة الذهن. ولطف الغوص على تلك المعاني الشريفة الدقيقة أعجوبة دهره، ونادرة الفلك في زمانه. وكان من أجل نظار وقته أضرب عن النظر ظاهرًا لما لحقه من المطالبات في دمه بسببه. وأقبل على العلوم الشرعية فرأس فيها وزاحم لكنه لم يلح عليه ضياء هذه المعارف، ويشبه أنه لم يكن بعد أبي نصر الفارابي مثله في الفنون التي تكلم عليها من تلك العلوم، فإذا قارنت أقاويله فيها بأقاويل ابن سيناء والغزالي، وهما اللذان فتح عليهما بعد أبي نصر بالمشرق في فتح تلك العلوم، ودونها، بان لك الرجحان في أقاويله. وحسن فهمه. والثلاثة أئمة دون ريب. وأنشد له الفتح في القلائد قوله (٢): [من البسيط] يا سائقي حيث لا أسطيعُ أُدْرِكُهُ … ولا أقولُ غدًا أغدو فألقاه أما النهار فليلٌ ضمَّ شملتَهُ … على الصباح فأولاه كأخْرَاهُ أغر نفسي بآمالٍ مُزخرفَةٍ … منها لقاؤك والأيام تأباه وقوله (٣): [من الكامل] فَعَسَى أرى ذاكَ النَّعِيمَ وربُّهُ … فَرِحٌ وربُّ البؤس وهو سقيم هيهات ساوت بينهم أجداتهم … وتشابَهَ المَحسُودُ والمَرحُومُ وقوله (٤): [من الطويل] أقول لنفسي حين قابلها الرَّدى … فَرَاعَتْ فِرارًا منه تسري إلى يُمنى

стр. 2787

فرى يحملني بعض الذي تكرهينَهُ … فقد طالما عنيت بالفرار إلى الأهلى وقوله (١): [من الطويل] أسكان نعمان الأراكِ تَيَّقنُوا … بأنكم في ربع قلبي سُكَانُ ودوموا على حفظ الوُدادِ فإننا … بلينا بأقوام إذا التمنوا خانوا سل الليل عني من تناءَتْ دياركم … هل اكتحلت لي فيه بالنوم أجفان وهل أغمدت يومًا سُيوفُ بُرُوقِكُمْ … فَكَانَ لها إلا جُفوني أجفان ومنهم: [٤٦] المبشر بن فاتك، وهو الأمير محمود الدولة أبو الوفاء الأمري (٢) طبيب لو جس نبض البرق لما اختلف، أو لاطف ما ينافر من الطبائع لأتلف، أعرف باختلال الفروق من الخيال بالطروق، وأهدى إلى معالجة الداء الدوي من الطفل إلى الثدي، لو عالج النار لخمدها، أو البحار الجمدها، أو شكت إليه الفراقد طول السهر لرد عليها غمضها، أو السحب المتصيبة من الرُّحَضاء لأزال ممضها. تيسرت على يديه الممتنعات، وأمنت بحسن طبه التبعات، إلا أن أدواء المنية أعيته، وطوارف الأجل بيتته، فلم يجد لداء منيته طبًّا، ولا لرجاء أمنيته طبًا، هذا مع ما كان له من أسلاف وأمرة، وبيت كم لمعتفيه من طواف به وعمرة لكنه لم يدافع عنه زمرة، ولا تجلت عنه غمره. ذكره ابن أبي أصيبعة (٣) قال: كان من أعيان مصر وأفاضل علمائها يحب الفضائل والاجتماع بأهلها، واجتمع بجلة الحكماء وأهل الطب وأخذ عنهم، وكانت له خزائن كتب، وكان في أكثر أوقاته إذا نزل من الركوب لا يفارقها، وليس له دأب إلا المطالعة والتعليق يرى أن ذلك أهم ما عنده، فلما مات عمدت زوجته إلى الكتب فألقتها في بركة ماء كبيرة كانت في وسط الدار، ثم شيلت وقد غرق أكثرها، وإنما فعلت ذلك لحنقها على الكتب؛ لكونه كان يتشاغل بها عنها. ومنهم:

стр. 2788

[٤٧] الحفيد أبو بكر، محمد بن زُهر (١) فاضل متميز، وكامل إلى الأطباء متحيز، أخذ من كل علم بحظ وافر، وحق ما الفائز به إلى الظافر، وكان يقيس الأمور بأنظارها، ويحوزها من سائر الأطراف باستحضارها، فأطل على ربواتها، واطلع على هفواتها، حتى كان يعرف نبض البرق في اختلافه، ويحيط علمًا بكل موافق وخلافه. هذا إلى آداب ترق، ويهب لطفها النسيم ويسترق، ومات وفي يده أزمة الطب، وذهب هو والمستطب، ولم يدفع عن حوبائه تلك المعارف، ولا زادت من حينه الأجل المشارف، فاستوطن الترب مخليًا للترب ومخليًا للسرب، فاهًا ثم آهًا وويلاه لحسرات لا تتناهى كيف يأفل مثل قمره، وكيف ينقضي طيب سمره، وكيف يذهب مثله من العلماء، ويذهب من بين نجوم السماء، وطالما جلا الدجى، وأنهج طرق الحجا، وامتدت نحوه أيدي الخلفاء، واعتدت له بحسن الوفاء، وثنت العلياء له الوسائد وأخدمته الأيام والليالي ولائد. قال ابن أبي أصيبعة (٢) فيه: هو الإمام الوزير، الحكيم، الأديب، الحسيب،

стр. 2789

الأصيل مولده بمدينة إشبيلية ونشأ بها وتميز في العلوم، وأخذ الطب عن أبيه، وباشر أعمالها وكبر، ولم يتغير عليه سوى ثقل السمع. حفظ القرآن الكريم، وسمع الحديث الشريف، واشتغل بالأدب، وأتقن اللغة، وقال الشعر، وأجاد في الموشحات. وكان متين الدين ملازمًا للأمور الشرعية، قوي النفس، له جرأة في الكلام، ولم يكن في زمانه أعلم منه بالطب، لازم عبد الملك الباجي سبع سنين يشتغل عليه، وقرأ المدونة لسحنون في مذهب مالك، ومسند ابن أبي شيبة وكان يجذب قوسًا وزنه مائة وخمسين رطلًا بالإشبيلي، ورطلها مائة وستون درهمًا، وكان جيد اللعب بالشطرنج، وخدم الملثمين والموحدين، وبقي إلى أيام عبد الملك الناصر بن منصور يعقوب، ومات بمراكش. وحكي: أنه كان له صديق يلاعبه الشطرنج، فرآه يومًا منقبضًا فسأله عما به، فأخبره أن له بنتًا زوجها من رجل، وأنه يحتاج في جهازها إلى ثلاثمائة دينار، فقال له: العب، وما عليك فإن عندي ثلاثمائة دينار إلا خمسة، واستدعى بها فأعطاها له، فلما كان غير بعيد أتاه الرجل بالذهب، فقال له الحفيد ابن زهر: ما هذا؟ قال: بعت زيتونًا لي بسبعمائة دينار وقد اتيتك منها بثلثمائة إلا خمسة عوض ما أقرضتني وقد بقيت عندي البقية، فقال الحفيد: خذه إليك، فإني ما أعطيتكه على أن أعود فيه. فقال له الرجل: لا تفعل فإنني في سعة وترى ذا، فقال له ابن زهر أنت عدوي أو صديقي؟ قال: بل صديقك وأحب الناس فيك، فقال: إن الصديقين مالهما واحد فخذه، فإن لم تفعل عاديتك بسببه، فأخذه وشكر له. قال القاضي أبو مروان الباجي: وكان المنصور قد قصد أن لا يترك شيئًا من كتب المنطق والحكمة باقيًا في بلاده. وأباد كثيرًا منها بإحراقها بالنار وشدد في أن لا يرجع أحد يشتغل بشيء منها، وأنه متى وجد أحدًا ينظر في هذا العلم أو وُجد عنده شيء من الكتب المصنفة فيه، فإنه يلحقه ضرر عليه. ولما شرع في ذلك جعل أمره مفوضًا إلى الحفيد أبي بكر بن زهر، وأنه الذي ينظر إليه. وأراد الخليفة أنه إن كان عند ابن زهر وإنه الذي ينظر فيه المنطق والحكمة لم يظهر، ولا يقال عنه إنه يشتغل بها، ولا يناله مكروه بسببها، ولما نظر ابن زهر في ذلك، وامتثل أمر المنصور في جمع الكتب من عند الكتبيين، وغيرهم، وأن لا يبقى شيء منها، وإهانة المشتغلين بها. كان بإشبيلية رجل من أعيانها يعادي الحفيد ويحسده وعنده شر عظيم، فعمل محضرًا في أن ابن زهر دائم الاشتغال بهذا الفن والنظر فيه، وأن عنده شيئًا كثيرًا من كتبه، وجمع فيه شهادات كثيرة، وبعث إلى المنصور. وكان المنصور حينئذ في حصن الفرح وهو موضع

стр. 2790

بناه قريبًا من أشبيلية على ميلين منها صحيح الهواء بحيث بقيت الحنطة فيه ثمانين سنة لم تتغير من صحته. وكان أبو بكر بن زهر هو الذي أشار أن يبنيه المنصور في ذلك الموضع، ويقيم فيه في بعض الأوقات. فلما كان المنصور به، وقد أتاه المحضر نظر إليه، ثم أمر أن يقبض على الذي عمله، وأن يودع السجن ففعل به ذلك. وانهزم جميع الشهود الذين وضعوا خطوطهم فيه. ثم قال المنصور: إنني لم أترك ابن زهر في هذا إلا حتى لا ينسبه أحد إلى شيء منه، ولا يقال عنه. والله لو أن جميع أهل الأندلس وقفوا قدامي وشهدوا على ابن زهر بما في هذا المحضر لم أقبل قولهم، لما أعرفه في ابن زهر من متانة دينه وعقله. وحدثني أبو العباس أحمد بن محمد الإشبيلي قال: كان قد أتى إلى الحفيد اثنان يشتغلان عليه بصناعة الطب، فدخلا عليه يومًا وبيد أحدهما كتاب صغير في المنطق، فلما نظر إليه نهض حافيًا ليضربهما وانهزما وهو يتبعهما، ولم يرجع إلا من مسافة بعيدة، وانقطعا عنه أيامًا، ثم توسلا إليه واعتذارا وأظهرا التوبة مما فعلاه، فقبل عذرهما، وأذن لهما في الدخول عليه مستمرين في قراءة الطب على عادتهما، ثم بعد مدة أمرهما بحفظ القرآن، وقراءة التفسير والحديث والفقه وأمرهما بمواظبة الأمور الشرعية وآدابها وسننها، وعدم الإخلال بذلك حتى بقي ذلك لهما سجية وطبعًا وعادة قد ألفاها، ثم بعد ذلك أخرج لهما الكتاب بعينه، وقال لهما: الآن صلحتما القراءة هذا الكتاب وغيره من أمثاله، وابتدأ في إشغالهما فيه، فتعجبا من فعله ﵀. وهذا يدل على كمال عقله وتوفر مروءته. وحدثني القاضي أبو مروان الباجي قال: كان أبو زيد عبد الرحمن بن برجان وزير المنصور يعادي الحفيد ويحسده لما يرى من علو منزلته وعلمه فاحتال عليه في سم قدمه إلى الحفيد في بيض، وكانت عنده بنت أخته، وكانت أخته وابنتها هذه عالمتين بصناعة الطب والمداواة، ولهما خبرة جيدة بمداواة النساء، يدخلان على المنصور، لا يقبل للمنصور وأهله ولدًا إلا أخت الحفيد أو بنتها لما توفيت أمها. فلما أكل الحفيد وبنت أخته من ذلك البيض ماتا جميعًا، ولم ينفع فيهما علاج. قال: ولم يمت أبو زيد عبد الرحمن بن برجان إلا مقتولًا قتله بعض أقربائه. ومن شعره يتشوق إلى ولده: [من المتقارب] ولي واحد مثل فرخ القطا … صغير يُخلِّفُ قلبي لديه نأت عنه داري فيا وحشتي … لذاك الشخيص وذاك الوجيه تَشَوَّقَني وتَشَوَّقْتُهُ … فيبكي علي وأبكي عليهِ (١)

стр. 2791

[٤٨] محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف، الإمام العلامة المتقن، جامع أشتات الفضائل، ركن الدين، أبو عبد الله، ابن القوبع القرشي الهاشمي الجعفري المالكي التونسي (١) لبيب مبصر لا يخاف منه التخبيط، وطبيب مكثر لا يؤتى عليه من التخليط. أتقن العلم إتقانًا، ودرب العمل إذ كان لا يغب له إتيانًا، هذا إلى فضل متسع، وسبق وراءه كل متبع. جد في الطب، حتى كأن جُذيله المُحَكّك، وعُذيقه المُرجَّب لا يشكل وكان حين وخط المشيب عارضنه، وأسكت معارضه، أشد مما كان عارضة وأشد معارضة، فلم يمتد معه لمجادل نفسه، ولا رفع رأسه نحو مناظر إلا نكس، لثاقب فكرة حط عنها قناعها، وكثر لكل قريع الحزم قراعها، فتقهقر كل متقدم عن مكانه، وعلم أن دونه ما في إمكانه، لم أر له نظيرًا في مجموعه وإتقانه واستحضاره واطلاعه. كان مجيدًا في الأصول، والحديث والفقه، والأدب واللغة، والنحو، والعروض، وأسماء الرجال، والتاريخ، والشعر، يحفظ للعرب، والمولدين، والمتأخرين. غاية في الطب والحكمة، ومعرفة الخطوط خصوصًا خطوط المغاربة، قد مهر في ذلك وبرع، وإذا تحدث في شيء من ذلك كله تكلم على دقائقه وغوامضه ونكته حتى يظن سامعه إنما أفنى عمره في ذلك الفن. قال شيخنا العلامة قاضي القضاة أبو الحسن السبكي وهو ما هو: ما أعرف أحدًا مثل

стр. 2792

الشيخ ركن الدين أو كما قال. وقد رأى جماعة ما أتى الزمان لهم بنظير بعدهم مثل الشيخ. وحكى أبو الفتح بن سيد الناس: أنه لما قدم إلى الديار المصرية وهو شاب حضر سوق الكتب، وابن النحاس شيخ العربية حاضر وكان مع المنادي ديوان ابن هانئ المغربي، فأخذه الشيخ ركن الدين وأخذ يترنم بقول ابن هانئ: [من الكامل] فَتَكَاتِ لَحظِكِ أَمْ سُيوفَ أَبيكِ … وكؤوسَ خَمْرِكِ أَمْ مَرَاشِفَ فِيكِ وكسر التاء وفتح الفاء والسين والفاء، فالتفت إليه ابن النحاس وقال له: ماذا إلا نصب كثير. فقال له الشيخ ركن الدين بتلك الحدة المعروفة منه والمعرفة: أنا ما أعرف الذي يريد من رفع هذه الأشياء على أنها أخبار المبتدات مقدرة، أي: أهذه فتكات لحظك أم كذا أم كذا، وأنا الذي أقوله أغزل وتقديره أأقاسي فتكات لحظك، أم أقاسي سيوف أبيك، وأرشف كؤوس خمرك، أم مراشف فيك. فأخجل ابن النحاس، وقال: يا مولانا، فلم لا تتصدر وتشغل الناس؟ فقال استخفافًا بالنحو واحتقارًا: وايش هو النحو في الدنيا، أو كما قال. وحكى أيضًا قال: كنت أنا وابن الأكفاني نأخذ عليه في المباحث المشرقية، فأبيت ليلتي أفكر في الدرس الذي نصبح نأخذه عنه، وأجهد قريحتي، وأعمل بعقلي وفهمي إلى أن يظهر لي فيه شيء أجزم بأن المراد به هذا، فإذا تكلم الشيخ ركن الدين كنت أنا في واد، وهو في واد، أو كما قال. وحكى المراكشي قال: قال لي الشيخ ركن الدين: لما أوقفني ابن سيد الناس على السيرة التي عملتها علّمت فيها على مائة وأربعين موضعًا، أو ستة وعشرين، السهو مني، أو كما قال. ولقد رأيته مرات يواقف ابن سيد الناس في أسماء رجال ويكشف عليها فيظهر معه الصواب.

стр. 2793

قال أبو الصفاء (١): وكنت يومًا أنا وهو عند ابن سيد الناس فقال: قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: عمل ابن الخطيب أصولًا في الدين الأصول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٢) إلى آخرها، فنفر الشيخ ركن الدين وقال: قل له: يا عُرَّة، عمل الناس وصنعوا، وما أفكروا فيك، ونهض قائمًا، وولى مغضبًا. قال: وأخبرني الشيخ فتح الدين قال: جاء إليه إنسان يصحح عليه في أمالي القالي، فأخذ الشيخ ركن الدين يسابقه في ألفاظ الكتاب، فبهت ذلك الرجل فقال: لي نحو عشرين سنة ما كررت عليها، وكان إذا أنشده أحد شيئًا في أي معنى أنشد فيه جملة للمتقدمين والمتأخرين كأنه كان يكرر عليه تلك الليلة. وتولى نيابة الحكم للقاضي المالكي بالقاهرة مدة، ثم تركها تدينًا منه، وقال: يتعذر فيها براءة الذمة، وكان سيرته فيها حسنة مرضية، وكان يدرس في المدرسة المنكتمرية بالقاهرة، ويدرس الطب بالبيمارستان المنصوري، وينام أول الليل، ثم يستفيق قد أخذ راحة، وقد أخذ كتاب «الشفاء» لابن سيناء ينظر فيه لا يكاد يخل بذلك. قال الشيخ فتح الدين: قلت له يومًا: يا شيخ ركن الدين إلى متى تنظر في هذا الكتاب؟ فقال: إنما أريد أهتدي. وكان فيه سامة وملل حتى في لعب الشطرنج، يكون في وسط الدست، وقد نفضه وقطع لذة صاحبه، ويقول: سئمت، سئمت، وكذلك في بعض الأوقات في بحث وقد حرَّر لك المسألة، وكادت تنضج، فيترك الكلام ويمضي. وكان حسن التودد يتودد إلى الناس، ويهنئهم بالشهور والمواسم من غير حاجة إلى أحد؛ لأنه كان معه مال له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم، وكان يتصدق سرًا على أناس مخصوصين، ولثغته بالراء قبيحة يجعلها همزة، وكان إذا رأى أحدًا يضرب كلبًا أو يؤذيه يخاصمه وينهره، ويقول له: لم تفعل هذا؟ أما هو شريكك في الحيوانية. وكان خطه على وضع المغاربة وليس بحسن. وسمع بدمشق سنة إحدى وتسعين وستمائة على المسند تقي الدين بن الواسطي، واستجزته سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بالقاهرة باستدعاء فيه نثر ونظم فأجاب وأجاز وأجاد نظمًا ونثرًا. أنشدني لنفسه إجازة: [من الطويل] جَوَىً يَتَلَظَّى فِي الفُؤادِ اسْتِعَارُهُ … وَدَمْعُ هَتُونُ لا يُكَفُّ انْهِمَارُه يحاول هَذَا بَرْدَ ذَاكَ بِصَوبِهِ … وَلَيْسَ بِمَاءِ العَينِ تُطْفَأُ نَارُه

стр. 2794

ولوعًا بمن حاز الجمال بأسرِهِ … فحار الفؤاد المستهام إزاره كَلِفْتُ بهِ بَدري ما فوقَ طَوقِهِ … ودِعْصِيَّ ما يثنى عليه إزاره غزال لهُ صَدْري كِناسٌ ومَرْتَعٌ … ومِنْ حَبِّ قلبي شِيحُهُ وعَرَارُهُ جَرَى سابحًا ماء الشبابِ برَوضِهِ … فأزهر فيهِ وَرْدُهُ وَبَهارُهُ يَشِبُّ ضَرامًا في حَشايَ نعيمُهُ … فيبدو بأنفاس الصعادِ شَرارُهُ وينظم دمعي منه نظمَ مُؤَشَّرٍ … كَنَورِ الأَقاحي حَقَّهُ جُلناره يُعَلَّ بعذبٍ مِنْ بَرُوْدِ رُضابِهِ … تَفَاوِحَ فيهِ مِسكُهُ وعقاره ويُسهر أجفاني بوسنانَ أدَعَجْ … يُحيّرُ فكري غُنْجُه واحوراره حكاني ضعفًا أو حَكَى منهُ مَوْثقًا … وخَصْرًا نَحِيلًا غال صبري احتضاره مُعَنَّى بِرِدْفٍ لا يَنُوءُ بثقْلِهِ … فيا شَدَّ ما يَلْقَى مِنَ الجَارِ جَارُهُ تألف في هذا وذا غُصْنَ بانةٍ … تَوافَتْ بِهِ أَزهارُهُ وثِماره زلال ولكن أينَ منّي ورُودُهُ … وغُصْنُ ولكن أينَ مِنِّي اهتصاره وسلسال راحٍ صَدَّ عَنِّيَ كأسَهُ … وغُودَرَ عندي سُكْرُه وخُماره دَنَا ونأى فالدار غير بعيدةٍ … ولكنَّ بُعدًا صَدُّهُ ونفارُهُ وحينَ دَرَى إِنْ شَدَّ أسرى حبُّهُ … أحلَّ بيَ البَلْوَى وساء اقتداره منها: حَكَتْ ليلتي مِنْ فَقْدي النوم يومها … كما قد حَكَى ليلي ظلامًا نَهارُهُ كتمتُ الهوى لكن بدمعي وزفرتي … وسقمي تساوى سِرُّهُ وجِهارُهُ ثلاث سجلات عليَّ بأنني … أمام غرام قل فيكَ استتاره أُوري بنظمي في العِذارِ وتارةً … بمَنْ إِنْ يعين القرط اصفى سواره وجل الذي أهوى عَنِ الحَلْيِ رُتبةً … ولمّا يُقارب أنْ يَدُبَّ عِذارُهُ أراحة قلبي كيفَ منكِ عَذَابُها … وجنة قلبي كيفَ منكِ استعاره وتوفي الشيخ ركن الدين المذكور بالقاهرة في تاسع ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، واعتل يومين، ومضى إلى رحمة ربه الرحيم، ومولده سنة أربع وستين بتونس، وله من التصانيف التي دونها «تفسير سورة ق» في مجلدة، ولما تولى الإعادة في المدرسة الناصرية عمل درسًا في قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ (١) وعلق ما أملاه في ذلك، وكان ﵀ قد قرأ النحو على

стр. 2795

يحيى بن الفرح بن زيتون، والأصول على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس، وقدم مصر عام تسعين، وسمع بدمشق من ابن الواسطي، وابن القواس، وبحماة من المحدث ابن مزير. ومنهم: [٤٩] محمد بن إبراهيم المتطبب، صلاح الدين المعروف بابن البرهان الجرائحي (١) عالم لا يحصر بأمد، ولا يجيء البحر عنده غير ثمد، نظر في علوم الأوائل، ووجهه ما تلثم بعذاره، ولا بعد عهده بزمان أعذاره، ففتح أطباق تلك النواويس حتى استل علومها، وسأل عليمها، ونقل إلى حفظه خبايا أسرارها، وخفايا أسفارها، وحيي به ما مات في لحود رممها، وفات بخمود هممها، واستقل بتلك الأعباء، واستمل منه طرائف تلك الأعباء، فحصل ما كان طالبًا، وحسن ما جاء جالبًا. قرأ الطب على ابن النفيس وغيره، وقرأ الحكمة. وآخر ما قرأ كتاب «الشفاء» لابن سينا على شيخنا الأصفهاني، كان يتردد إليه من القاهرة إلى الخانقاة القوصونية بالقرافة التي لا يعنيه إلا القراءة عليه، ولم يزل حتى أكمله قراءة وبحثًا واستشراحًا. وكان طبيبًا حكيمًا، فاضلًا متفلسفًا، قائلًا بالروحانيات، له ميل إلى النجامة، ومخاطبات الكواكب، وتطلع إلى الكيمياء، يتحدث فيه ويصحح قول المتقدمين في صحتها. وحكى لي أنه كان يصحب ابن أمير يعرف بابن سنقر الرومي، وأنه كان يعملها وصحت معه طرف منها، وكان يحكى هذا عن ابن سنقر الرومي عجائب وغرائب منها أنه عمل له فسقية معقودة في تربة له بالقرافة لها منافس للهواء، فلما نجزت اتخذ له غذاء مركبًا مما يخف مقداره وتكثر تغذيته، ونزل إلى تلك الفسقية، وأمره بتعهده في كل أسبوع ويجدد له الماء، وأنه بقي يتعهده كذلك، وكلما أتاه بعد أسبوع وجده قد تزايد ضعفه عما فارقه عليه حتى كان رابع أسبوع، قال: أو خامسه - الشك مني - أتيته

стр. 2796

فوجدته قد غارت عيناه وخفت حسّه حتى ظننت أنه قد مات، فحملته أنا وآخر كان قد أطلعه على حاله معي، وأخرجناه ونقطنا في فمه نُقطًا من الشراب، وأذكينا عنده الأرابيخ لنغذوه بها ثم لم نزل نتعهده إلى أن نقطنا مرقة فروج في فمه، فأفاق ولم يكلمنا. ودمنا على هذا حتى كلمنا، وقال لي: لا جزاك الله خيرًا، حلت بيني وبين ما حاولته من الانتقال إلى ما كنت أريد الانتقال إليه إلى خير من هذا العالم. ثم قال: أدركني بفاصد، فقلت: والله لا أفعل، فقال: يا أخي لا تفعل أدركني به، ولا تدع ينزل من دمي إلا ما قل لترى العجب، فأتيته بفاصد فقصده، ولم أدعه ينزل من دمه إلا ما قل ثم شددت يده، فقال: أحفظ هذا الدم في زجاجة وسدَّ رأسها لا يفسد بالهواء، ففعلت ثم قال: ائتني بقرعة وانبيق، فأتيته به، فأداره ثم سكب ذلك الماء عليه، فاستحال فضةً بيضاء، فتركه عندي إلى أن عاد إلى معهود صحته وقويت قواه، ثم خرجنا إلى جهة الخارقانية، وكان له بها تعلق ثم أمرني أن أذهب إلى بلبيس لأبيع تلك الفضة، وآتيه من عرضها بمآكل، فذهبت بها إلى صايغ هناك فأريته إياها وأنا خائف وجل لا يظهر له منها عيب، فيظن أني أردت التحوير عليه، فأخذها واعتبرها فلما صحت معه سارع إلى مشتراها مني، فأخذت من الثمن شواء وحلوى وفاكهة وغير ذلك، وفضل معي ثمانمائة وثلاثون درهمًا أو كما قال فأتيته بذلك فأكلنا ثم قال: خذ الدراهم ولا جزاك الله خيرًا لكونك تسببت في عودي إلى تعب هذا العالم. قلت: وكان هذا الطبيب عارفًا بالطب علمًا لا عملًا، لا يحسن العلاج، ولا يطول روحه على العليل، كثير النزاقة، عديم التلطف، كارهًا لأطباء زمانه، لا يذكر أحدًا منهم، ولا يُذكر له إلا ذمه وأطلق لسانه في معايبه، وكان يقول: هؤلاء اليهود قد ارتفع رأسهم، وامتلأوا فوق وسعهم على جهلهم، وقلة حاصلهم يعني السديد الدمياطي، وفرج الله بن صغير، ولا يزال يتوقد غيظًا منهما وحسدًا لهما لرغبة السلطان والأمراء والكبراء فيهما أكثر منه، وما كان يحصل لهما من الخلع والإطلاقات، ويصل إليهما من دور السلطان والأمراء لإفراط ميل النساء إلى طبهما وملاطفتهما، ثم كان إذا ذمهما يقول لمن يثق به وهذا إبراهيم بن المغربي هو مادة عز هؤلاء اليهود، وكنز غناهم و به طاروا وحلقوا، وهذه ألفاظه بعينها. وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلةً واحدةً مؤقتة من الظهر إلى الظهر، وكان يحب لبن الضأن، ويكثر أكله صحبناه مرة في بلاد الصعيد، وكان هو قد تقدم مع طقز دمر إلى توتج الجارية في إقطاعه، وأخبرني أنه لم يأتدم في تلك السفرة على طول أيامها بشيء غير اللبن إلا مرات يسيرة. وقال: هو غذاء صالح للجسم به ألف من أول زمان الرضاع، وكان ينشفه

стр. 2797

ويلقى فيه طاقات من النعنع والملح ويأكله. وكان واسع النعمة، كثير المال، ومات أخوه وورث منه مالًا كثيرًا، فازداد ماله ضعفًا على ضعفه. وكانت له متاجر إلى إخميم وقوص وأسوان وسائر بلاد الصعيد، وكان يرى في نفسه الغضاضة لتقدم ابن المغربي عليه في رئاسة الأطباء، ويتشكى هذا إلى أصحابه، وسأل السلطان في الإعفاء من قطعه الخدمة، فقال: لا ما نعفيك أنت عندنا عزيز كريم، ونعرف أنك أفضل من إبراهيم يعني ابن المغربي وأحق، ولكن إبراهيم صاحبنا وله علينا حق خدمة وطيب قلب. فاستمر ورأى أنه لم يبق له إلا مصافاة ابن المغربي، فخطب إليه أخته، فتزوج بها لقصد الاستصلاح له لا للزواج. وكان رجلًا مسيكًا، مفرط البخل، مقترًا على نفسه، مضيقًا عليه مع عظيم القدرة والإمكان، وكان لا يأكل إلا من الظهر إلى الظهر كما ذكرناه أسوأ أكل، ويلبس أردأ ملبوس، ويركب حمير الكراء، ومع هذا كان من المعدلين يجلس مع الشهود الموقعين تحشمًا لا تكسبًا، وله وجاهة عند الأمراء والوزراء والكبراء والحكام، معظمًا في الصدور يشار إليه بالأنامل، ولم يصنف مصنفًا، ولا طلع له تلميذ، ولا عرف بغرابة في طبه، وعرّف الدولة بماله قبل موته، وخلف أموالًا جمة ورثها السلطان عنه. قلت: وقد كان ﵀ لنا صديقًا صدوقًا، وصاحبًا ملاطفًا، وكان يحدثني بدقيق أمره وجليله، ويطلعني على ما عنده من تقديم الرئيس جمال الدين إبراهيم بن المغربي عليه، وينسبه إلى أنه يتقصد قتله واغتياله بالسم، والأمر خلاف ما ظنه، وضد ما توهمه، ولم يكن جمال الدين ممن يخافه لمكانة جمال الدين المكينة عند السلطان، ولكرم خلائقه، وبعده من تقلد دم حرام لا سيما دم مثله. وقد كنت أقول له ليرجع عن سوء رأيه فيه وأوهامه، فلا يرجع ولا يفيد القول. ثم تزوج في آخر عمره بأخت جمال الدين على عدم حاجته بالنساء كما يقال، وأظهر الصفاء، وباطنه على كدره، واعتقد أنه لم يزل على هذا إلى انتهاء عمره. قلت: وحكى لي أنه جلس يومًا على حانوت العطار الذي كان يجلس عنده، وطلب منه شرابًا يشربه فناوله شرابًا مسمومًا، وقال: فلما شربته أحسست بالسم وبدت في علاماته، فأسرعت القيام إلى داري وأخذت خرزة بادزهر حيواني كانت عندي وسحلتها ثم أدفتُ السحالة بماء ورد على مسن، ثم لعقتها فزالت تلك الأعراض لوقتها، ولم يمض بياض ذلك النهار حتى أكلت طعامي. ولم يعين من دس ذلك عليه، وما أراد والله أعلم إلا جمال الدين ابن المغربي، وقد تقدم القول في بعد جمال الدين

стр. 2798

من ذلك. قلت: وقد كان ابن البرهان دخل اليمن واتصل بصاحبها الملك المؤيد داود ﵀ وخدمه مدة وحصل من جهته مالًا طائلًا كان منه أصل نعمته ورأس ماليته، ثم فارقه وعاد إلى مصر، وكانت كتبه لا تنقطع عنه وصلاته تصل إليه، وكان يعرض الكتب التي ترد عليه على السلطان، فيأمره بقضاء حوائجه، وكانت الكتب تتضمن طلب كتب طبية وعقاقير مصرية ومغربية مما يجل السلطان عن طلب ذلك منه، ويجهز إلى ابن البرهان ذهبًا لمشتراه، فكان يتولى ذلك ويقوم في هذه الخدمة بنفسه. قلت: ولقد قرأت كتبًا منها كلها بالخط المؤيدي، ومضمونه بعد البسلمة: كتابنا هذا إلى عند بابنا المعمور، وولينا العبد الشكور، الحكيم الجليل، الفاضل المعتمد، الثقة صلاح الدين معتمد الملوك والسلاطين أدام الله توفيقه ومراشده، وأسعد مقاصده، نأمره عنا بتسليم عادة أنعامه من حامله وهو مائتا دينار مصرية مع ما معها برسم مشتري الحوائج المطلوبة من الديار المصرية وهو ثلاثمائة دينار، وقد اشتملت التذكرة المجهزة طيها على ذكره، فيقف عليها وينجز المطلوب ويتخيره، ولا يقطع مطالعاته عن أبوابنا المعمورة إن شاء الله. هذه صورة الكتاب، ولفظه بنصه وعليه اسمه داود بن يوسف، وقد ذكرت ذلك ليعلم، فقد لا يخلو من فائدة. ومنهم: [٥٠] ابن الأكفاني، محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري، شمس الدين، أبو عبد الله السنجاري المولد والأصل المصري الدار (١) حكيم تكلم في الجوهر والعرض، وعرض أسباب الصحة والمرض، وبرهن على

стр. 2799

الطب وموضوعاته، والعلاج وتبعاته، دقق في العلم حتى أوضح معالمه الوضعية، وبين الفرق في القوى الطبيعية، وجال نظرًا في التشريح، وقال فيه بالصريح، وذكر ترتيب الشريان على المنازل، ومكان الصاعد والنازل بكلام جلاه، وكمال مكن علاه، ولهذا ساد في أهل عصره، وعاذ بالظفر من قام بنصره، وأهل مصر يظنون أنه لو لامس الماء لالتهب، أو لمس التراب لأحاله إلى الذهب، يدعي أن له علمًا يقلب الأعيان أسرع من إدراك العيان لعلوم لم يضرب دونها سترًا، وبيان أتقنه وإن من البيان لسحرا. ذكره الفاضل أبو الصفاء الصفدي وقال (١): فاضل، جمع أشتات العلوم وبرع في علوم الحكمة خصوصًا الرياضي فإنه إمام في الهيأة والهندسة والحساب له في ذلك تصانيف وأوضاع مفيدة. وقال: قرأت عليه قطعة جيدة من كتاب أو قليدس، وكان يحل لي فيه ما أقرأه عليه بلا كلفة كأنما هو ممثل بين عينيه، فإذا ابتدأت في الشكل شرع هو فيسرد باقي الكلام سردًا، وأخذ الميل ووضع الشكل في حروفه في الرمل على التخت وعبّر عنه بعبارة جزلة، فصيحة، بينة، واضحة كأنه ما يعرف شيئًا غير ذلك الشكل. وقرأت عليه مقدمة في وضع الأوقاف فشرحها لي أحسن شرح، وقرأت عليه أول الإشكالات، وكان يحل شرح النصير الطوسي بأجل عبارة وأحلى إشارة، وما سألته عن شيء في وقت من الأوقات مما يتعلق بالحكمة من المنطق والطبيعي والرياضي والإلهي إلا وأجاب بأحسن جواب كأنَّ ما كان البارحة يطالع تلك المسألة طول الليل. وأما الطب فإنه إمام عصره، وغالب طبه بخواص ومفردات يأتي بها وما يعرفها أحد؛ لأنه يغير كيفيتها أو صورتها حتى لا يعلم، وله إصابات غريبة في علاجه. وأما الأدب، فإنه فريد فيه يفهم نكته، ويذوق غوامضه، ويستحضر من الأخبار والوقائع والوفيات للناس قاطبة جملة كبيرة، ويحفظ من الشعر شيئًا كثيرًا إلى الغاية من شعر العرب والمولدين والمحدثين والمتأخرين. وله في الأدب تصانيف، ويعرف العروض والبديع جيدًا. وما رأيت مثل ذهنه توقد ذكاء بسرعة ما لها روية، وما رأيت فيمن رأيت أصح ذهنًا منه، ولا أذكر. وأما عبارته الفصيحة الموجزة الخالية من الفضول فما رأيت مثلها. كان ابن سيد الناس يقول: ما رأيت من يعبر عما في ضميره بعبارة موجزة مثله. انتهى.

стр. 2800

قال أبو الصفاء (١): لم أر أمتع منه، ولا أفكه من محاضرته، ولا أكثر اطلاعًا منه، على أحوال الناس وتراجمهم ووقائعهم ممن تقدمه، وممن عاصره. وأما أحوال الشرق ومتجددات التتار في بلادهم في أوقاتها، فكأنما كانت القصاد تجيء إليه والملطفات تتلى عليه بحيث إنني كنت أسمع منه ما لم أطلع عليه من الديوان، وأما الرقى والعزائم، فيحفظ منها جُملًا كثيرة، وله اليد الطولى في الروحانيات والطلاسم، وما يدخل في هذا الباب. قال: وقرأت عليه من تصانيفه «إرشاد القاصد إلى أسخى المقاصد» و «اللباب في الحساب» و «نخب الذخائر في معرفة الجواهر» و «غنية اللبيب عند غيبة الطبيب ومما لم أقرأه من تصانيفه كشف الرين في أمراض العين». قال: وأنشدني لنفسه: [من الكامل] ولقد عجبت لعاكس للكيميا … في طبّهِ قد جاء بالشنعاء يُلقي على العَينِ النُّحاس يحلّها … في لمحة كالفِضَّةِ البيضاء وله تجمل في بيته وملبسه ومركوبه من الخيل المُسوَّمة والبزة الفاخرة، ثم إنه اقتصر وترك الخيل وآلى على نفسه أن لا يطب أحدًا إلا ببيته أو في المارستان أو في الطريق، وهو غاية في معرفة الأصناف من الجواهر والقماش والآلات وأنواع العقاقير والحيوانات، وما يحتاج إليه البيمارستان ولا يشترى بالبيمارستان المنصوري شيء ولا يدخل إليه إلا بعد عرضه عليه، فإن أجازه اشتراه الناظر، وإن لم يجزه لم يشتر البتة، وهذا اطلاع كثير وخبرة تامة؛ لأن البيمارستان يريد كل ما في الوجود مما يدخل في الطب والكحل والجراح وغير ذلك. وأما معرفة الرقيق من المماليك والجواري فإليه المال في ذلك، ورأيت المولعين بالصنعة يحضرون إليه، ويذكرون له ما وقع لهم من خلل في أثناء أعمالهم، فيرشدهم إلى الصواب، ويدلهم على إصلاح ذلك الفساد، ولم أر شيئًا يعوز من كمال الأدوات غير أن عربيته ضعيفة، وخطه أضعف من مرضى مارستانه، ومع ذلك فله كلام حسن ومعرفة بأصول الخط المنسوب، والكلام على ذلك. انتهى ما ذكره أبو الصفاء. قلت: هذا رجل اجتمع بي وتردد إليَّ غير مرة، وجاريته الحديث كرة على كرة، وهو كما ذكره من الحديث الممتع والكلام المطمع، وقرأت عليه. ولقد كنت ألتقط من أثناء كلامه ثمرات الحكم، وأستدل له بمجاراته على سعة اطلاع ووفور مدد، ورأيت له في هذا ما لم أره لأحد، وكان يستجهل الأطباء، ويستبعد طرق معالجاتهم، ويستبشع كريه وصفاتهم، ويقول: أنا أعالج المرضى بما لا يستكره كهذه الأدوية الكريهة التي

стр. 2801

يصفها الأطباء، وأعطي القدر اليسير مما يستطاب، فيقوم مقام الكثير مما يعطونه مما لا يستطاب ويكون ما أعطيه من نوع الغذاء، وهو يقوم مقام الدواء. وحكى لنا القاضي ضياء الدين يوسف بن الخطيب أنه احتاج إلى استفراغ فعرض ما به على الأطباء واستوصفهم، فقالوا: هذا يحتاج إلى خمسة أيام تتقدم قبل استعمال دواء، وشرعوا في وصف دواء يشتمل على عقاقير كثيرة كريهة، فلم أجد لي قابلية على ما قالوه، فقلت: لابن الأكفاني، فقال يحصل الفصد، ثم أتاني ببرنية فيها شراب حماض، وقال: كلما أردت قيام مجلس إلعق من هذا الشراب لعقة، قال: فعلقت منه تسع لعقات، فقمت تسعة مجالس وزال ما كنت أشكوه ثم كنت في حين ألعق من ذلك الشراب، وكلما لعقت لعقة قمت مجلسًا لا يخالف عدد القيام عدد اللعقات، ولم يخرم معي هذا. وحكى لي الصدر مجد الدين السلامي نحو ذلك، ومع هذا كله وما لا يجحد فضله لا يقول أطباء مصر إلا أنه طرقي لا طبيب، وأي حسن ماله من يعيب. [من الكامل] كضرائرِ الحسناء قُلنَ لوَجهِها … حَسَدًا وبغضًا إنه لدميم * * *

стр. 2802

[أوائل الأطباء] فأما أول من استخرج الطب: فرجلان، لم يعد بعد معهما كارع في لجام، ولا بعدهما إلا خالع الألجام، جَليًَّا كل مبهم، وتجليًا كغرة الأدهم. فالأول: [١] اسقلنينوس (١) بن زيوس (٢) متطبب لا يقرب بأهل الجد إلا إذا هزل، ولا يقرب من مطمح النجم إلا إذا نزل، يجله من تعقله، ويجهله من ظن أنه مع البحار الزاخرة قد تملقه، عزت إليه الحكماء طبها، وأعزت خطبها لما أخذ عنه من علم جليل كما أعاذ من مندم، وصان من دم، وبصر أعمى، وآثر نعمى، وأحمد من نار سوء المزاج العائث ما تضرم حتى لم يبق جسم نحيل يتوجع، ولا أم عليل تتفجع، طب طب غير عاجز، وعلاج ولاج على العلل لا يرده حاجز، ترفو به الأعلاء ملابس صحتها، وترفل بطبه الأصحاء في مجرور ذيل فسحتها. وقد اتفق كثير من قدماء الفلاسفة والمتطببين على أنه أول من ذكر من الأطباء، وأول من تكلم في الطب عن طريق التجربة. وكان يونانيًا، ولليونان جزيرة كانت للحكماء من الروم ينزلونها فنسبوا إليها. وقال أبو معشر: بلدة من المغرب كانت تسمى أرغس، وكان أهلها يسمى أرغيزا، ثم سميت أنينا وسمي أهلها اليونان، وكان ملكها أحد ملوك الطوائف. وأول من اجتمع له ملك أنونيا من اليونانيين أنوليوس، وكان لقبه دقاطر، ووضع لهم سننًا كثيرة مستعملة عندهم. وقال أبو سليمان السجستاني: هو إمام الطب، وأبو أكثر الفلاسفة. قال:

стр. 2803

وينسب إليه إقليدس، وأفلاطون، وأرسطو، وأبقراط، وأكثر اليونانية. قال: وكان أبقراط هو السادس عشر من أولاده، يعني البطن السادس عشر، قال: وسولن أخوه هو أبو واضع النواميس. ويقال: إن اسقلنينوس انكشف له أمور عجيبة من أحوال العلاج بإلهام إلهي. ويحكى أنه وجد علم الطب في هيكل كان لهم برومية كان يعرف بهيكل أبلق ثم عرف به، وكان بيتًا يحجون إليه، وحج إليه جالينوس إذ عوفي من دبيلة قتالة عرضت له، وقد حكى صاحب تاريخ الأطباء: أنه كانت فيه صورة تكلمهم عندما يسألونه. وقال جالينوس: إن طب اسقلنينوس كان طبًا إلهيًا، وقال: إن قياس الطب الإلهي إلى طبنا قياس طبنا إلى طب الطرقات، وقال أبقراط: إن اسقلنينوس رفع في عمود من نور، وقيل: إنه كان يستسقى بقبره، وكان يسرج عليه كل يوم وليلة ألف قنديل، وكان الملوك من نسله، تدعى له النبوة. وكان من أولاده عالمين بالطب. وقال أبو الوفاء بن فاتك: إنَّ اسقلنينوس كان تلميذ هرمس، ويزعم أن هرمس هو إدريس ﵇، وقيل: بل كان اسقلنينوس تلميذ أغاثا ديمون المصري ومعنى اسمه السعيد الجد، ويزعم أنه أحد أنبياء اليونانيين. ويقال: إن اسقلنينوس هو البادي بصناعة الطب في اليونان، وعلمها بنيه وحظر عليهم أن يعلموها الغرباء. وقد خالف أبو معشر أهل هذا القول وقال: إنه لم يكن بالمتأله الأول في صناعة الطب ولا البدي بها بل أنه من غيره أخذ ولمنهج من قبله سلك، وكان يعلم الطب مشافهة، فلما تضعضع الأمر على أبقراط، وقلّ أهل بيته لم يأمن أن تنقرض الصناعة، فابتدأ في تأليف الكتب على جهة الإيجاز. ومن كلامه: من عرف الأيام لم يهمل الاستعداد. وقوله: كم من أمر أبغضت أوله له، وتبكي عند أواخره عليه. وقوله: المتعبد بغير معرفة كحمار الطاحون يدور ولا يبرح. وقوله: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها. وقوله: إني لأعجب ممن يحتمي من المآكل الرديئة مخافة الضرر، ولا يدع الذنوب مخافة الآخرة. وقوله: أكثروا من الصمت؛ فإنه سلامة من المقت، واستعملوا الصدق فإنه زين النطق.

стр. 2804

وقيل له: صف الدنيا، فقال: أمس أجل، واليوم عمل، وغدًا أمل. وأما الثاني فهو: [٢] أيلق ويقال أيلة (١) وهو تلو صاحبه، وصنو صوائبه، ومدرك وفاته، ومستدرك فواته، كم منعا جسومًا، وقطعا الأدواء حسومًا، ولأيلق في المجامع بشر يأتلق، وذكر بالمسامع يعتلق، ولم يقصر به دون رجاء يأس، ولا ضاق به مدى فتر في قياس. قال ابن جلجل (٢): إنه أول حكيم تكلم في الطب ببلد الروم والفرس، واستنبط كتاب الإغريقي لهيامس الملك، وتكلم في الطب وقاسه وعمل به، وكان بعد موسى ﵇ في زمان بذاق الحاكم، وله آثار عظيمة شنيعة، وهو بعد في كثرة العجائب مثل اسقلنينوس (٣). * * * ومن هنا نذكر ما وقع عليه قسم كل قسم: * * *

стр. 2805

[حكماء الجانب الشرقي] فأما أهل الجانب الشرقي، فمنهم: حكماء العرب، والسريان، والعراق، وما معه، والعجم، والهند، والشام، ونبدأ بحكماء العرب. [حكماء العرب] أطباء العرب ممن كانوا في أول ظهور الإسلام وما بعدهم، فمنهم: [٣] الحارث بن كَلَدَة الثقفي (١) طبيب العرب، وكانت له معرفة بما يحتاج إليه من مداواتها، وخبرة في طب أمراضها وأدوائها، أينع من نبعة البادية غصنه الفينان، وجمع إلى فصاحة
следующие страницы →