يصفها الأطباء، وأعطي القدر اليسير مما يستطاب، فيقوم مقام الكثير مما يعطونه مما لا يستطاب ويكون ما أعطيه من نوع الغذاء، وهو يقوم مقام الدواء.
وحكى لنا القاضي ضياء الدين يوسف بن الخطيب أنه احتاج إلى استفراغ فعرض ما به على الأطباء واستوصفهم، فقالوا: هذا يحتاج إلى خمسة أيام تتقدم قبل استعمال دواء، وشرعوا في وصف دواء يشتمل على عقاقير كثيرة كريهة، فلم أجد لي قابلية على ما قالوه، فقلت: لابن الأكفاني، فقال يحصل الفصد، ثم أتاني ببرنية فيها شراب حماض، وقال: كلما أردت قيام مجلس إلعق من هذا الشراب لعقة، قال: فعلقت منه تسع لعقات، فقمت تسعة مجالس وزال ما كنت أشكوه ثم كنت في حين ألعق من ذلك الشراب، وكلما لعقت لعقة قمت مجلسًا لا يخالف عدد القيام عدد اللعقات، ولم يخرم معي هذا.
وحكى لي الصدر مجد الدين السلامي نحو ذلك، ومع هذا كله وما لا يجحد فضله لا يقول أطباء مصر إلا أنه طرقي لا طبيب، وأي حسن ماله من يعيب. [من الكامل]
كضرائرِ الحسناء قُلنَ لوَجهِها … حَسَدًا وبغضًا إنه لدميم
* * *
стр. 2802
[أوائل الأطباء]
فأما أول من استخرج الطب:
فرجلان، لم يعد بعد معهما كارع في لجام، ولا بعدهما إلا خالع الألجام، جَليًَّا كل مبهم، وتجليًا كغرة الأدهم.
فالأول:
[١] اسقلنينوس (١) بن زيوس (٢)
متطبب لا يقرب بأهل الجد إلا إذا هزل، ولا يقرب من مطمح النجم إلا إذا نزل، يجله من تعقله، ويجهله من ظن أنه مع البحار الزاخرة قد تملقه، عزت إليه الحكماء طبها، وأعزت خطبها لما أخذ عنه من علم جليل كما أعاذ من مندم، وصان من دم، وبصر أعمى، وآثر نعمى، وأحمد من نار سوء المزاج العائث ما تضرم حتى لم يبق جسم نحيل يتوجع، ولا أم عليل تتفجع، طب طب غير عاجز، وعلاج ولاج على العلل لا يرده حاجز، ترفو به الأعلاء ملابس صحتها، وترفل بطبه الأصحاء في مجرور ذيل فسحتها.
وقد اتفق كثير من قدماء الفلاسفة والمتطببين على أنه أول من ذكر من الأطباء، وأول من تكلم في الطب عن طريق التجربة. وكان يونانيًا، ولليونان جزيرة كانت للحكماء من الروم ينزلونها فنسبوا إليها. وقال أبو معشر: بلدة من المغرب كانت تسمى أرغس، وكان أهلها يسمى أرغيزا، ثم سميت أنينا وسمي أهلها اليونان، وكان ملكها أحد ملوك الطوائف. وأول من اجتمع له ملك أنونيا من اليونانيين أنوليوس، وكان لقبه دقاطر، ووضع لهم سننًا كثيرة مستعملة عندهم.
وقال أبو سليمان السجستاني: هو إمام الطب، وأبو أكثر الفلاسفة. قال:
стр. 2803
وينسب إليه إقليدس، وأفلاطون، وأرسطو، وأبقراط، وأكثر اليونانية. قال: وكان أبقراط هو السادس عشر من أولاده، يعني البطن السادس عشر، قال: وسولن أخوه هو أبو واضع النواميس.
ويقال: إن اسقلنينوس انكشف له أمور عجيبة من أحوال العلاج بإلهام إلهي.
ويحكى أنه وجد علم الطب في هيكل كان لهم برومية كان يعرف بهيكل أبلق ثم عرف به، وكان بيتًا يحجون إليه، وحج إليه جالينوس إذ عوفي من دبيلة قتالة عرضت له، وقد حكى صاحب تاريخ الأطباء: أنه كانت فيه صورة تكلمهم عندما يسألونه.
وقال جالينوس: إن طب اسقلنينوس كان طبًا إلهيًا، وقال: إن قياس الطب الإلهي إلى طبنا قياس طبنا إلى طب الطرقات،
وقال أبقراط: إن اسقلنينوس رفع في عمود من نور، وقيل: إنه كان يستسقى بقبره، وكان يسرج عليه كل يوم وليلة ألف قنديل، وكان الملوك من نسله، تدعى له النبوة. وكان من أولاده عالمين بالطب.
وقال أبو الوفاء بن فاتك: إنَّ اسقلنينوس كان تلميذ هرمس، ويزعم أن هرمس هو إدريس ﵇، وقيل: بل كان اسقلنينوس تلميذ أغاثا ديمون المصري ومعنى اسمه السعيد الجد، ويزعم أنه أحد أنبياء اليونانيين.
ويقال: إن اسقلنينوس هو البادي بصناعة الطب في اليونان، وعلمها بنيه وحظر عليهم أن يعلموها الغرباء. وقد خالف أبو معشر أهل هذا القول وقال: إنه لم يكن بالمتأله الأول في صناعة الطب ولا البدي بها بل أنه من غيره أخذ ولمنهج من قبله سلك، وكان يعلم الطب مشافهة، فلما تضعضع الأمر على أبقراط، وقلّ أهل بيته لم يأمن أن تنقرض الصناعة، فابتدأ في تأليف الكتب على جهة الإيجاز.
ومن كلامه: من عرف الأيام لم يهمل الاستعداد.
وقوله: كم من أمر أبغضت أوله له، وتبكي عند أواخره عليه.
وقوله: المتعبد بغير معرفة كحمار الطاحون يدور ولا يبرح.
وقوله: فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها.
وقوله: إني لأعجب ممن يحتمي من المآكل الرديئة مخافة الضرر، ولا يدع الذنوب مخافة الآخرة.
وقوله: أكثروا من الصمت؛ فإنه سلامة من المقت، واستعملوا الصدق فإنه زين النطق.
стр. 2804
وقيل له: صف الدنيا، فقال: أمس أجل، واليوم عمل، وغدًا أمل.
وأما الثاني فهو:
[٢] أيلق ويقال أيلة (١)
وهو تلو صاحبه، وصنو صوائبه، ومدرك وفاته، ومستدرك فواته، كم منعا جسومًا، وقطعا الأدواء حسومًا، ولأيلق في المجامع بشر يأتلق، وذكر بالمسامع يعتلق، ولم يقصر به دون رجاء يأس، ولا ضاق به مدى فتر في قياس.
قال ابن جلجل (٢): إنه أول حكيم تكلم في الطب ببلد الروم والفرس، واستنبط كتاب الإغريقي لهيامس الملك، وتكلم في الطب وقاسه وعمل به، وكان بعد موسى ﵇ في زمان بذاق الحاكم، وله آثار عظيمة شنيعة، وهو بعد في كثرة العجائب مثل اسقلنينوس (٣).
* * *
ومن هنا نذكر ما وقع عليه قسم كل قسم:
* * *
стр. 2805
[حكماء الجانب الشرقي]
فأما أهل الجانب الشرقي، فمنهم: حكماء العرب، والسريان، والعراق، وما معه، والعجم، والهند، والشام، ونبدأ بحكماء العرب.
[حكماء العرب]
أطباء العرب ممن كانوا في أول ظهور الإسلام وما بعدهم، فمنهم:
[٣] الحارث بن كَلَدَة الثقفي (١)
طبيب العرب، وكانت له معرفة بما يحتاج إليه من مداواتها، وخبرة في طب أمراضها وأدوائها، أينع من نبعة البادية غصنه الفينان، وجمع إلى فصاحة
стр. 2806
العرب حكمة اليونان، ولخصت به العبارة التي لا تفهم، وخلصت خلاص ابن المهلب من الأدهم، وأخذ يعالج سكان البادية بما لا يبعد من أمزجتها، ولا يعد منه خروج عن محجتها مما تعهده في ديارها، وتتعهد به ملابس غيارها، وعُمّر مدة في صدر الإسلام وسطر عدة تحفظ له من حُرِّ الكلام، وهو الذي تعده أمة العرب سابق أطبائها وسابق أبنائها. وكفاه شُكرًا أن رسول الله ﷺ أجرى له ذكرًا.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان من الطائف، وسافر البلاد، وتعلم الطب بناحية فارس، وتمرن هناك، وعرف الداء والدواء. وكان يضرب بالعود تعلمه بفارس واليمن. وبقي أيام رسول الله ﷺ وأدرك سلطان معاوية. وقال له معاوية: ما الطب؟ فقال: الأزم، يعني الجوع. وفي الحديث أن عمر سأله، ما الدواء؟ فقال: الأزم. يعني الحمية. وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض بمكة مرضًا فعاده رسول الله ﷺ ، وقال: ادعوا له الحارث بن كلدة؛ فإنه رجل يطبب. فلما نظر إليه الحارث، قال: ليس عليه بأس اتخذوا له فريقة بشيء من تمر عجوة وحلبة يطبخان، فتحسّاها فبرئ.
وفد على كسرى أنوشروان، فلما وقف بين يديه قال له: من أنت؟ قال: الحارث بن كلدة الثقفي. قال: ما صناعتك؟ قال: الطب. قال: أعرابي أنت؟ قال: نعم، قال: فما تصنع العرب بطبيب مع جهلها، وضعف عقولها، وسوء أغذيتها؟ قال: أيها الملك، إذا كانت هذه صفتها، كانت أحوج إلى من يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل أمشاجها. فإن العاقل يعرف موضع دائه. ويحترز من الأدواء. قال كسرى: فكيف تعرف ما تورده عليها، ولو عرفت الحكم لم تنسب إلى الجهل، قال الحارث: الطفل يناغي فيداوى، والحية ترقى فتحاوى. ثم قال: أيها الملك، العقل من قسم الله تعالى قسمه ومعدم بين عباده، كقسمة الرزق بينهم. ومنهم مثر ومعدوم، وجاهل وعالم، وعاجز وحازم، ذلك تقدير العزيز العليم. فأعجب كسرى من كلامه، ثم قال: فما الذي تحمد من أخلاقها؟ ويعجبك من مذاهبها وسخائها؟ قال الحارث: أيها الملك لها أنفس سخية، وقلوب جرية، ولغة فصيحة، وألسن بليغة، وأنساب صحيحة، وأحساب شريفة، يمرق من أفواههم الكلام مروق السهم من نبعة الرام، أعذب من هواء الربيع، وألين من السلسبيل المعين، مطعمو الطعام في الجدب، وضاربو الهام في الحرب. لا يرام عزهم، ولا يُضام جارهم، ولا تستباح حريمهم، ولا يذل كريمهم، ولا يقرون بفضل للأنام، إلا للملك الهمام الذي لا يقاس به أحد، ولا يوازيه سوقة ولا ملك.
стр. 2807
قال: فاستوى كسرى جالسًا، وجرى ماء رياضة الحكم في وجهه، وقال لجلسائه: إني وجدته راجحًا، ولقومه مادحًا، وبفضلهم ناطقًا، وفي لفظه صادقًا. كذلك العاقل الذي أحكمته التجارب. ثم أمره بالجلوس، فجلس، ثم قال: كيف بصرك بالطب؟ قال: ناهيك، قال: فما أصل الطب؟ قال: الأزم. قال: فما الأزم؟ قال: ضبط الشفتين والرفق باليدين قال: أصبت قال: فما الداء الدوي؟ قال: إدخال الطعام على الطعام، هو الذي يفني البرية، ويهلك السباع في جوف البرية. قال: أصبت، قال: فما العلة التي لا تصطلم منها الأدواء؟ قال: هي التخمة، إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت. قال: فما تقول في الحجامة؟ قال: في نقصان الهلال في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة والعروق ساكنة، لسرور يفاجؤك، وهم يباعدك. قال: فما تقول في دخول الحمام؟ قال: لا تدخله شبعانًا؛ ولا تغش أهلك سكرانًا؛ ولا تقم بالليل عريانًا؛ ولا تقعد على الطعام غضبانًا؛ وارفق بنفسك، يكن أرخى لبالك؛ وقلل من طعامك، يكن أهنأ لنومك. قال: فما تقول في الدواء؟ قال: ما لزمتك الصحة فاجتنبه؛ فإن هاج داء، فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه، فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت، وإن تركتها خربت. قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه أهنأه، وأرقه امرأه، وأعذبه أشهاه. لا تشربه صرفًا فيورثك صداعًا، ويثير عليك من الأدواء أنواعًا. قال: فأي اللحمان أفضل؟ قال: الجداء الرضع الفتي. والقديد المالح مهلك للآكل. واجتنب الجزور والبقر. قال: فما تقول في الفواكه؟ قال: كلها في إقبالها وحين أوانها، واتركها إذا أدبرت وولت وانقضى زمانها وأفضل الفاكهة: الرمان والأترج؛ وأفضل الرياحين الورد والبنفسج، وأفضل البقول: الهندباء والخس. قال: فما تقول في شرب الماء؟ قال: هو حياة البدن وبه قوامه ينفع ما شرب منه بقدر، وشربه بعد النوم ضرر. أفضله أمراه، وأرقه أصفاه. ومن عظام انهار البارد الزلال لا يختلط بماء الآجام والآكام يدل على صرادع المشطان، ويتسلل عن الرضراض وعظام الحصى في الأبقاع. قال: فما طعمه؟ قال: لا يوصف له طعم إلا أنه مشتق من الحياة. قال: فما لونه؟ قال: اشتبه على الأبصار لونه؛ لأنه يجلو كل لون يكون فيه. قال: أخبرني عن أصل الإنسان ما هو؟ قال: أصله من حيث شرب الماء، يعني رأسه. قال: فما هذا النور في العينين؟ قال: مركب من ثلاثة أشياء: فالبياض شحم، والسواد ماء، والنظر ريح. قال: فعلى كم جُبل وطبع هذا البدن؟ قال: على أربع طبائع: المرة السوداء، وهي باردة يابسة؛ والمرة الصفراء، وهي حارة يابسة، والدم، وهو حار رطب؛ والبلغم، وهو بارد رطب. قال: فلم لم يكن من طبع واحد؟ قال: لو خلق من
стр. 2808
طبع واحد، لم يأكل ولم يشرب ولم يمرض ولم يهلك. قال: فمن طبيعتين، لو كان اقتصر عليهما؟ قال: لم يجز؛ لأنهما ضدان يقتتلان. قال: فمن ثلاث؟ قال: لم يصلح، موافقان ومخالف. فالأربع هو الاعتدال والقيام. قال: فأجمل لي الحار والبارد في أحرف جامعة؟ قال: كل حلو حار، وكل حامض بارد، وكل حريف حار، وكل مر معتدل، وفي المر حار وبارد. قال: فأفضل ما عولج به المرة الصفراء؟ قال: كل بارد لين؛ قال: فالمرة السوداء؟ قال: كل حار لين؛ قال: والبلغم؟ قال: كل حار يابس، قال: والدم؟ قال: إخراجه إذا زاد، وتطفئه إذا سخن بالأشياء الباردة اليابسة؟ قال: فالرياح؟ قال: بالحقن اللينة، والأدهان الحارة اللينة. قال: أفتأمر بالحقنة؟ قال: نعم، قرأت في بعض كتب الحكماء أن الحقنة تنقي الجوف، وتكسح الأدواء عنه، والعجب لمن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد. وإن الجهل كل الجهل من أكل ما قد عرف مضرته، ويؤثر شهوته على نهك بدنه. قال: فما الحمية؟ قال: الاقتصاد في كل شيء، فإن الأكل فوق المقدار يضيق على الروح ساحتها، ويسد مسامها. قال: فما تقول في النساء وإتيانهن؟ قال: كثرة غشيانهن رديء، وإياك وإتيان المرأة المسنة، فإنها كالشن البالي، تجذب قوتك، وتسقم بدنك. ماؤها سم قاتل، ونَفَسُها موت عاجل. تأخذ منك الكل، ولا تعطيك البعض. والشابة ماؤها عذب زلال، وعناقها غنج ودلال، فوها بارد، ريحها طيب، وهنها ضيق. تزيدك قوة إلى قوتك، ونشاطًا إلى نشاطك. قال: فأيهن القلب إليها أميل، والعين برؤيتها أسر؟ قال: إذا أصبتها المديدة القامة العظيمة الهامة؛ واسعة الجبين، اقناة العرنين؛ كحلاء نعساء؛ صافية الخد، عريضة الصدر، مليحة النحر، في خدها رقة، وفي شفتيها لعس، مقرونة الحاجبين، ناهدة الثديين، لطيفة الخضر والقدمين، بيضاء فرعاء جعدة، غضة بضة. تخالها في الظلمة بدرًا زاهرًا، تبسم عن أقحوان، وعن مبسم كالأرجوان، كأنها بيضة مكنونة، ألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأنزه من الفردوس والخلد، وأذكى ريحًا من الياسمين والورد. تفرح بقربها، وتسرك الخلوة معها. قال: فاستضحك كسرى حتى اختلجت كتفاه. قال: ففي أي الأوقات إتيانهن أفضل؟ قال: عند إدبار الليل يكون الجوف أخلى، والنفس أهدا، والقلب أشهى، والرحم أدفا. فإن أردت الاستمتاع بها نهارًا تسرح عينك في جمال وجهها، ويجتني فوك من ثمرات حسنها، ويعي سمعك من حلاوة لفظها، وتسكن الجوارح كلها إليها. قال كسرى: لله درك من أعرابي. لقد أعطيت علمًا، وخصصت فطنة وفهمًا. وأحسن صلته، وأمر بتدوين ما نطق به.
وقال الواثق بالله في كتابه المسمى «البستان»: إن الحارث بن كلدة مر بقوم وهم
стр. 2809
في الشمس، فقال: عليكم بالظل؛ فإن الشمس تنهج الثوب، وتنقل الريح، وتشحب اللون، وتهيج الداء الدفين.
ومن كلام الحارث: البطنة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وعودوا كل جسد بما اعتاد. - وقيل هو من كلام عبد الملك بن أبجر. وقد نسب قوم هذا الكلام إلى رسول الله ﷺ وأوله المعدة بيت الداء وهو أبلغ من لفظ البطنة -.
وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇: قال: «من أراد البقاء ولا بقاء، فليجود الغذاء، وليأكل على نقاء، وليشرب على ظماء، وليقل من شرب الماء؛ ويتمدد بعد الغداء ويتمشى بعد العشاء. ولا يبيت حتى يعرض نفسه على الخلاء. ودخول الحمام على البطنة من شر الداء، ودخلة إلى الحمام في الصيف خير من عشر في الشتاء. وأكل القديد اليابس في الليل معين على الفناء. ومجامعة العجوز تهدم أعمار الأحياء».
وروى حرب بن محمد قال: ثنا أبي، قال: قال لي الحارث بن كلدة: أربعة أشياء تهدم البدن: الغشيان على البطنة، ودخول الحمام على امتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز.
وروى داود بن رشيد عن عمرو بن معروف قال: لما احتضر الحارث بن كلدة اجتمع إليه الناس فقالوا: مرنا بأمر ننتهي إليه من بعدك. فقال: لا تتزوجوا من النساء إلا شابة، ولا تأكلوا الفاكهة إلا في أوان نضجها، ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء. وعليكم بالنورة في كل شهر، فإنها مذيبة للبلغم، مهلكة للمرة، منبتة للحم. وإذا تغذى أحدكم فلينم على إثر غذائه، وإذا تعشى، فليخط أربعين خطوة.
ومن كلام الحارث أيضًا، قال: دافع بالدواء ما وجدت مدفعًا، ولا تشربه إلا من ضرورة؛ فإنها لا تصلح شيئًا إلا أفسد مثله.
وقال سليمان بن جلجل: أخبرنا الحسن بن الحسين الأزدي قال: أخبرنا محمد بن سعيد، عن عبد الملك بن عمير، قال: كان أخوان من ثقيف من بني كنة يتحابان، لم ير قط أحسن ألفة منهما. فخرج الأكبر إلى سفر فأوصى الأصغر بامرأته؛ فوقعت عينه عليها يومًا ولم يتعمد رؤيتها، فهويها وضني. وقدم أخوه فجاء بالأطباء، فلم يعرفوا ما به، إلى أن جاءه بالحارث بن كلدة، فقال: أرى عينين تحتجبين، وما أدري ما هذا الوجع، وسأجرب، فاسقوه نبيذًا فلما عمل النبيذ فيه قال: [من الهزج]
أَلا رِفقًا ألا رِفقا … قَليلًا ما أَكُونَنَّه
ألما بي إلى الأبيا … تِ بالخِيفِ أَرْهُنَّة
غزالًا ما رأيت اليو … م في دُورِ بَني كَنَّه
стр. 2810
أسيلُ الخَدِّ مربوبٌ … وفي منطقه غُنَّهْ
فقالوا له: أنت أطب العرب. ثم قال: رُدّوا النبيذ عليه. فلما عمل فيه قال: [من مجزوء الخفيف]
أيها الجيرةُ سلّمُوا … وقِفُوا كي تُكَلَّموا
وتُقَضُّوا لُبانَةً … وتُحبُّوا وتَنْعَمُوا
خَرَجْتْ مُزَنَةٌ مِنَ الـ … بحرِ رَيَّا تُجَمْجِمُ
فيهماكنّتي وَتَزْ … عَمُ أَنِّي لها حَمُمُ
قال: فطلقها أخوه، ثم قال له: تزوج بها يا أخي، فقال له: لا والله لا تزوجتها، فمات وما تزوجها (١).
ومنهم:
[٤] النضر بن الحارث بن كلدة (٢)
وهو ابن خالة النبي ﷺ .
طبيب أثرت به تلك البلاد المقفرة، وأثر بطبه في أمزجة تلك الحمر المستنفرة. تبع طريق أبيه، وأضاف إلى تالد والده طريف تأتيه، ودرب العلاج حتى كاد يبرئ
стр. 2811
الأكمه، وكان يعرف بضياء الحس، ودرس الحكمة، ولم ينفعه من جهة الأمومة الشريفة النبوية قربه، ولم يمنعه وقد قضى عليه بالبعد ربه. قتل بسيف النبوة صبرًا، وعجل له مثوى في جهنم يسمى قبرًا.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان النضر قد سافر البلاد أيضًا كأبيه. واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، وعاشر الأحبار والكهنة. واشتغل وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، وأطلع على علوم الفلسفة وأجزاء الحكمة، وتعلم من أبيه، أيضًا، ما كان يعلمه من الطب وغيره. وكان النضر يؤاتي أبا سفيان في عداوة النبي ﷺ ، لكونه كان ثقفيًا، كما قال رسول الله ﷺ : قريش والأنصار حليفان، وبنو أمية وثقيف حليفان.
فكان النضر كثير الأذى والحسد للنبي ﷺ ، ويتكلم فيه بأشياء كثيرة، كما يحط من قدره عند أهل مكة، ويبطل ما أتى به. ولم يعلم لشقاوته، أن النبوة أعظم؛ والسعادة أقدر؛ والعناية الإلهية أجل؛ والأمور المقدرة أثبت. وإنما النضر اعتقد أن بمعلوماته وفضائله وحكمته يقاوم النبوة، وأين الثريا من الثرى والحضيض من الأوج، والشقي من السعيد؟ وما أحسن ما وجدت حكاية ذكرها أفلاطون في كتاب النواميس في أن النبي وما يأتي به لا يصل إليه الحكيم بحكمته، ولا العالم بعلمه. قال أفلاطون: وقد كان مارينوس، ملك اليونانيين الذي يذكر أوميرس الشاعر بأسه وجبروته، وما تهيأ لليونانيين في سلطانه، رمي بشدائد في زمانه، وخوارج في سلطانه، ففزع إلى فلاسفة عصره. فتأملوا مصادر أموره ومواردها، وقالوا له: قد تأملنا أمرك، فلم نجد فيه من جهتك شيئًا يدعو إلى ما لحقك، وإنما يتعلم الفيلسوف الإفراطات وسوء النظام الواقعين في الجزء. فأما ما خرج عنه، فليس تبحث عنه الفلسفة، وإنما يوقف عليه من جهة النبوة. وأشاروا عليه أن يطلب نبي عصره ليجتمع له مع علمهم ما ينبيء به، وقالوا: «إنه لا يسكن في البلدان العامرة، وإنما يكون في الأقاصي المقفرة بين فقراء ذلك العصر «فسألهم ما يجب
стр. 2812
أن يكون عليه رسله إليه، وما يكون دليلًا عليه؟» فقالوا: اجعل رسلك إليه من لانت سجيته، وظهرت قناعته، وصدقت لهجته، وكان رجوعه إلى الحق أحب إليه من الظفر به، فإن بين من استولى عليه هذا الوصف وبينه وصلة تدلهم عليه [عند مسقط رأسه ومنشأه، وسيرته في هذه المواضع، فإنك تجده زاهدًا في النعيم، راغبًا في الصدق، مؤثرًا للخلوة، بعيدًا من الحيلة، غير حظي من الملوك. ينسبوه إلى تجاوز حده والخروج عما جري عليه أهل طبقته. تتأمل فيه الخوف، وتخال فيه الغفلة. إذا تكلم في الأمر توهمت أنه عالم بأصوله، وليس يعرف ما يترقى إليه به (١)].
أقول: ولما كان يوم بدر والتقى المسلمون ومشركو قريش، وكانت عدتهم ما بين التسعمائة والألف، والمسلمون يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر. وأيد الله الإسلام ونصر نبيه ﷺ ، ووقعت الكسرة على المشركين وقتل في جملتهم صناديد قريش، وأسر جماعة من المشركين. فبعضهم استفكوا أنفسهم، وبعضهم أمر النبي ﷺ بقتلهم. وكان في جملة المأسورين النضر بن الحارث بن كلدة، فقتله ﵊ بعد منصرفه من بدر.
ومنهم:
[٥] عبد الملك بن أبجر (٢)
وهو من أفاضل الأطباء، وأماثل الألباء، وأهل العلم النافع، والتمييز بين المضار والمنافع، لقي حكماء المدن المُمصَّرة، واستضاء بتلك الفطن المبصرة، وأقام بين أهل الكتاب الأول، ثم خالط النصارى، وخالل منهم أنصارا، وقدم بينهم في شرائف الرتب، ووظائف الحكمة التي عنها يكتتب، ولازم الطلب حتى مهر، وداوم الاكتنان ببيت التدريس حتى ظهر.
قال ابن أبي أصيبعة (٣) وقد ذكره: كان طبيبًا عالمًا ماهرًا. وكان أول أمره مقيمًا بالإسكندرية؛ لأنه كان المتولي في التدريس بها من بعد الإسكندرانيين الذين تقدم ذكرهم، وذلك عندما كانت البلاد في ذلك الوقت لملوك النصارى. ثم إن المسلمين لما استولوا على البلاد وملكوا الإسكندرية، أسلم ابن أبجر على يد عمر بن عبد العزيز،
стр. 2813
وكان حينئذ أميرًا قبل أن تصل إليه الخلافة، وصحبه. فلما أفضت الخلافة إلى عمر، وذلك في صفر سنة تسع وتسعين للهجرة، نقل التدريس إلى أنطاكية وحران، وتفرق في البلاد، وكان عمر بن عبد العزيز يستطب ابن أبجر، ويعتمد عليه في صناعة الطب.
وروي عن ابن أبجر قال: دع الدواء ما احتمل بدنك الداء. وهذا من قول النبي ﷺ «سر بدائك ما حملك».
ومنهم:
[٦] ابن أثال (١)
كتابي ضيَّع أمانته، وباع بدنياه ديانته، كان لا يهاب اغتيال النفوس، واختتال مُهَج الرؤوس، طريقة خالف فيها شروط الأطباء، وخال أن يخفيها عن أذان الأبناء حتى قيلت فيه مُلَح الأشعار، ووسمت صيته بشنيع العار، وبقيت عليه قبائحها وذهب المعار.
قال ابن أبي أُصَيْبِعَة (٢): كان طبيبًا متقدمًا من الأطباء المتقدمين في دمشق، نصراني الدين. ولما ملك معاوية بن أبي سفيان دمشق اصطفاه لنفسه وأحسن إليه، وكان كثير الانقياد له والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلًا ونهارًا. وكان ابن أثال خبيرًا بالأدوية المفردة والمركبة وقواها، وما منها سموم قواتل. وكان معاوية يقربه لذلك كثيرًا.
ومات في أيام معاوية جماعة كثيرة من أكابر الناس والأمراء بالسم. ومن ذلك ما حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي: أن معاوية لما أراد أن يظهر العقد ليزيد قال لأهل الشام: «إن أمير المؤمنين قد كبرت سنه، ورق جلده، ودق عظمه، واقترب أجله، ويريد أن يستخلف عليكم فمن ترون»؟ فقالوا: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. فسكت وأضمرها. ودس ابن أثال النصراني الطبيب إليه، فسقاه سمًا، فمات. وبلغ ابن أخيه خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد خبره وهو بمكة، وكان أسوأ الناس رأيًا في عمه لأن أباه المهاجر كان مع علي ﵇ بصفين، وكان عبد الرحمن بن خالد مع معاوية. وكان خالد بن المهاجر على رأي أبيه، هاشمي المذهب. فلما قتل عمه عبد الرحمن مر به عروة بن الزبير، فقال: يا خالد! أتدع ابن أثال نقى أوصال عمك بالشام، وأنت بمكة مسبل إزارك تجره وتخطر فيه.
стр. 2814
متخايلًا؟ فحمي خالد ودعا مولى له يقال له نافع، فأعلمه الخبر، وقال له: «لا بد من قتل ابن أثال». وكان نافع جلدًا شهمًا، فخرجا حتى قدما دمشق، وكان ابن أثال يتمسى عند معاوية، فجلس له في مسجد دمشق إلى أسطوانة، وجلس غلامه إلى أخرى حتى خرج. فقال خالد النافع: إياك أن تعرض له أنت، فإني أضربه. ولكن احفظ ظهري واكفني من ورائي. قال: فشأنك فلما حاذاه وثب إليه خالد فقتله. وثار إليه من كان معه فصاح بهم نافع فانفرجوا. ومضى خالد ونافع وتبعهما من كان معه، فلما غشوهما حملا عليهم فتفرقوا، حتى دخل خالد ونافع زقاقًا ضيقًا ففاتا الناس. وبلغ معاوية الخبر، «فقال: هذا خالد بن المهاجر، انظروا الزقاق الذي دخل فيه». ففتش عليه فأتى به، فقال له: لا جزاك الله من زائر خيرًا: قتلت طبيبي؟ «فقال: قتلت المأمور وبقي الأمر». فقال له: «عليك لعنة الله، أما والله لو كان [تشهد] مرة واحدة لقتلتك به. أمعك نافع؟ قال: لا! قال: بلى والله، وما اجترأت إلا به». ثم أمر بطلبه فوجد، فأتى به فضرب مائة سوط، ولم يهج خالدًا بشيء أكثر من أن حبسه والزم بني مخزوم دية ابن أثال اثني عشر ألف درهم؛ أدخل بيت المال منها ستة آلاف وأخذ ستة آلاف، فلم يزل ذلك يجري في دية المعاهد حتى ولي عمر بن عبد العزيز، فأبطل الذي يأخذه السلطان، وأثبت الذي يدخل بيت المال.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي في كتاب «الأمثال»: إن معاوية بن أبي سفيان. كان خاف أن يميل الناس إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فاشتكى عبد الرحمن فسقاه الطبيب شربة عسل فيها سم فأحرقته. فعند ذلك قال معاوية: لا أجد إلا ما أفض عنك من تكره.
قال: وقال معاوية أيضًا حين بلغه أن الأشتر سقي شربة عسل فيها سم فمات: «إن لله جنودًا منها العسل».
ونقلت من تاريخ أبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي قال: لما كان في سنة ثمان وثلاثين بعث علي بن أبي طالب ﵁ الأشتر واليًا على مصر، بعد قتل محمد بن أبي بكر، وبلغ معاوية مسيره فدس إلى دهقان بالعريش، فقال: إن قتلت الأشتر فلك خراجك عشرين سنة، فلطف له الدهقان فقال: أي الشراب أحب إليك؟ فقيل: العسل. فقال: عندي عسل من عسل برقة، فسمه وأتى به فشربه فمات. فبلغ ذلك معاوية، فقال: لليدين والفم.
وفي تاريخ الطبري: أن الحسن بن علي ﵄ مات مسمومًا في أيام معاوية، وكان عند معاوية كما قيل دهاء؛ فدس إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس،
стр. 2815
وكانت زوجة الحسن، شربة وقال لها: إن قتلت الحسن زوجتك يزيد. فلما توفي الحسن، بعثت إلى معاوية تطلب قوله، فقال لها في الجواب: أنا أضن بيزيد.
وقال كثير (١) يرثي الحسن ﵁: [من السريع]
يا جَعْدَ بكِّيهِ ولا تسأمي … بُكاءَ حَقٌّ ليس بالباطل
لن تستري البيت على مثله … في الناسِ مِنْ حافٍ ومن ناعل (٢)
ومنهم:
[٧] أبو حكم (٣)
وكان من حذاق الحكماء، وسُباق أهل الطب القدماء، وله في علمه حقائق، وفي فهمه ما ينفد مدد الأعمار، وما ينتهي منه إلى دقائق وله في دمشق بقية ورثوا ما خلف من علمه، وخلى لبنيه لا يظلم أحد منهم في قسمه.
قال ابن أبي أصيبعة (٤): كان طبيبًا نصرانيًا، عالمًا بأنواع العلاج والأدوية، وله أعمال كثيرة مذكورة وصفات مشهورة. كان يستطبه معاوية بن أبي سفيان، ويعتمد عليه في تركيبات أدويته لأغراض قصدها منه.
وعمر أبو الحكم هذا عمرًا طويلًا حتى تجاوز المائة سنة.
قال يوسف بن إبراهيم: وحدثني عيسى بن حكم عن أبيه، أن جده أعلمه أنه كان حُمَّى عبد الملك بن مروان من شرب الماء في علته التي توفي فيها. وأعلمه أنه متى شرب الماء قبل نضج علته توفي. قال: فاحتمى عن الماء يومين وبعض الثالث. قال: فإني عنده لجالس وعنده بناته، إذ دخل عليه الوليد ابنه فسأله عن حاله وهو يتبين في وجه الوليد السرور بموته فأجابه بأن قال: [من الطويل]
ومُستخبرٍ عَنَّا يُريدُ بنا الرَّدَى … ومُستخبرات والدموعُ سَوَاجِمُ
وكان استفتاحه النصف الأول وهو مواجه الوليد، ثم واجه البنات عند قوله النصف الثاني، ثم دعا بالماء فشربه من ساعته (٥).
ومنهم:
стр. 2816
[٨] حكم الدمشقي (١)
ممن نمى وراثة أبيه، ودمى بفضله قلوب حاسديه، وأمسى على من ناواه شديد الشكيم، وأضحى وهو لا يُدعى إلا الحكم الحكيم.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان يلحق بأبيه في معرفته بالمداواة والأعمال الطبية والصفات البديعة. وكان مقيمًا بدمشق. وعمر أيضًا عمرًا طويلًا.
قال أبو يوسف بن إبراهيم: حدثني عيسى بن حكم أن والده توفي، وكان عبد الله بن طاهر بدمشق في سنة عشر ومائتين؛ وأن عبد الله سأله عن مبلغ عمر أبيه فأعلمه أنه عمره مائة وخمس سنين، لم يتغير عقله، ولم ينقص علمه. فقال عبد الله: عاش حكم نصف التاريخ.
قال يوسف: وحدثني عيسى أنه ركب مع أبيه حكم بمدينة دمشق، إذ اجتازوا بحانوت حجام وقد وقف عليه بشر كثير، فلما بصر بنا بعض الوقوف قال: أفرجوا هذا حكم المتطبب وعيسى ابنه. فأفرج القوم، فإذا رجل قد فصده الحجام في العرق الباسليق، وقد فصده فصدًا واسعًا، وكان الباسليق على الشريان، فلم يحسن الحجام تعليق العرق فأصاب الشريان. ولم يكن عند الحجام حيلة في قطع الدم. واستعملنا الحيلة في قطعه بالرفائد، ونسج العنكبوت والوبر، فلم ينقطع بذلك. فسألني والدي عن حيلة، فأعلمته أنه لا حيلة عندي. فدعا بفستقة فشقها وطرح ما فيها، وأخذ أحد نصفي القشر فجعله على موضع الفصد، ثم أخذ حاشية من ثوب كتان غليظ فلف بها موضع الفصد على قشر الفستقة لفًا شديدًا، حتى كان يستغيث المقتصد من شدته، ثم شد ذلك بعد اللف شدًا شديدًا، وأمر بحمل الرجل إلى نهر بردى، وأدخل يده في الماء ووطأ له على شاطئ النهر ونومه عليه، وأمر فحسى محات بيض نمرشت، ووكل به تلميذًا من تلامذته، وأمر بمنعه من إخراج يده من موضع الفصد من الماء إلا عند وقت الصلاة أو يتخوف عليه الموت من شدة البرد. فإن تخوف ذلك أذن له في إخراج يده هنيهة ثم أمره بردها، ففعل ذلك إلى الليل. ثم أمر بحمله إلى منزله ونهاه عن تغطية موضع الفصد، وعن حل الشد قبل استتمام خمسة أيام، ففعل ذلك. إلا أنه صار إليه في
стр. 2817
اليوم الثالث وقد ورم عضده وذراعه ورمًا شديدًا، فنفس من الشد شيئًا يسيرًا، وقال للرجل: «الورم أسهل من الموت». فلما كان في اليوم الخامس حل الشداد فوجدنا قشر الفستقة ملتصقًا بلحم الرجل. فقال والدي للرجل: «بهذا القشر نجوت من الموت، فإن خلعت هذا القشر قبل انخلاعه وسقوطه من غير فعل منك تلفت نفسك». قال عيسى: فسقط القشر في اليوم السابع وبقي في مكانه بدم يابس في حلقة الفستقة. فنهاه والدي عن العبث به، أو حك ما حوله، أو حت شيء من ذلك الدم. فلم يزل الدم يتحات حتى انكشف موضع الفصد في أكثر من أربعين ليلة وبرئ الرجل (١).
ومنهم:
[٩] عيسى بن حكم الدمشقي، المعروف بالمسيح (٢)
عُرف بهذا لما ظهرت من الآثار المسيحية على يديه العيسوية، ونقلت العجائب إلا أنها غير النبوية، وكان من فضلاء الأطباء، ونبلاء ذوي الأنباء.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): وهو صاحب الكناش الكبير الذي يعرف به وينسب إليه.
قال يوسف بن إبراهيم: وحدثني عيسى بن حكم أنه عرض لغضيض أم ولد الرشيد قولنج فأحضرته وأحضرت الأبح والطبري الحاسبين، وسألت عيسى مما يرى معالجتها به. قال عيسى: فأعلمتها أن القولنج قد استحكم بها استحكامًا إن لم تبادره بالحقنة لم يؤمن عليها التلف. فقالت للأبح والطبري: اختارا لي وقتًا أتعالج فيه. فقال لها الأبح: علتك هذه ليست من العلل التي يمكن أن يؤخر لها العلاج إلى وقت يحمده المنجمون، وأنا أرى أن تبادري بالعلاج قبل أن تعملي عملًا؛ وكذلك يرى عيسى بن حكم. فسألتني، فأعلمتها أن الأبح قد صدقها. فسألت الطبري عن رأيه فقال: القمر اليوم مع زحل، وهو في غد مع المشتري، وأنا أرى لك أن تؤخري العلاج إلى مقارنة القمر المشتري. فقال الأبح: أنا أخاف أن يصير القمر مع المشتري وقد عمل القولنج عملًا لا يحتاج معه إلى علاج. فتطيرت من ذلك غضيض وابنتها أم محمد وأمرتا بإخراجه من الدار وقبلت قول الطبري. فماتت غضيض قبل موافاة القمر المشتري. فلما
стр. 2818
وافي القمر المشتري قال الأبح لأم محمد: هذا وقت اختيار الطبري للعلاج فأين العليل حتى نعالجه؟ فزادتها رسالته غيظًا عليه ولم تزل سيئة الرأي فيه حتى توفيت.
قال يوسف: نزلت على عيسى بن حكم في منزله بدمشق سنة خمس وعشرين ومائتين؛ وبي نزلة صعبة، فكان يغذوني بأغذية طيبة ويسقيني الثلج فكنت أنكر ذلك، وأعلمه أن تلك الأغذية مضرة بالنزلة. فيعتل علي بالهواء ويقول: «أنا أعلم بهواء بلدي منك وهذه الأشياء مضرة بالعراق نافعة بدمشق». فكنت أغتذى بما يغذوني به. فلما خرجت عن البلد خرج مشيعًا لي حتى صرنا إلى الموضع المعروف بالراهب، وهو الموضع الذي فارقني فيه، قال: قد أعددت لك طعامًا يحمل معك يخالف الأطعمة التي كنت تأكلها. وأنا أمرك أن لا تشرب ماء باردًا، ولا تأكل من مثل الأغذية التي كنت تأكلها في منزلي شيئًا. فلمته على ما كان يغذوني به فقال: إنه لا يحسن بالعاقل أن يلزم قوانين الطب مع ضيفه في منزله. قال يوسف: وتجاريت وعيسى يومًا بدمشق ذكر البصل، فأفرط في ذمه ووصف معايبه. وكان عيسى وسلمويه بن بيان يسلكان طريق الرهبان، ولا يحمدان شيئًا مما يزيد في الباه، ويذكران أن ذلك مما يتلف الأبدان ويذهب بالأنفس. فلم أستجز الاحتجاج عليه بزيادة البصل في الباه. فقلت له: قد رأيت له في سفري هذا، أعني فيما بين سر من رأى ودمشق، منفعة. فسأل عنها، فأعلمته أني كنت أذوق الماء في بعض المناهل فأصيبه مالحًا فأكل البصل النيء ثم أعاود شرب الماء فأجد ملوحته قد نقصت. وكان عيسى قليل الضحك فاستضحك من قولي، ثم رجع إلى إظهار جزع منه، ثم قال: يعز علي أن يغلط مثلك هذا الغلط؛ لأنك صرت إلى أسمج نكتة في البصل وأعيب عيب فيه فجعلتها مدحًا. ثم قال: أليس متى حدث في الدماغ فساد فسدت الحواس، حتى ينقص حس الشم والذوق والسمع والبصر. فأعلمته أن الأمر كذلك. فقال لي: إن خاصية البصل إحداث فساد في الدماغ، فإنما قلل حسك بملوحة الماء ما أحدث البصل في دماغك من الفساد.
قال يوسف: وقال لي عيسى وقد شيعني إلى الراهب، وهو آخر كلام دار بيني وبينه: إن والدي توفي وهو ابن مائة سنة وخمس سنين لم يتشنج له وجه، ولم ينقص من ماء وجهه لأشياء كان يفعلها وأنا الآن مزودكها فاعمل بها؛ وهي: أن لا تذوق القديد، ولا تغتسل يديك ورجليك عند خروجك من الحمام أبدًا بماء بارد أبرد ما يمكنك، والزم ذلك، فإنه ينفعك. فلزمت ما أمرني به (١).
ومنهم:
стр. 2819
[١٠] بياذوق (١)
حكيمٌ ماهرٌ، وعليمٌ علمه ماهر، وحميم لا تبل به عين صديق، ولا يُعل تحلقه السلسل إلا الصَّفو رحيق، ولم يزل يقمع سلطان المرض علاجه، ويمنع وجهه النَّدي مناظرًا يثور عجاجه.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا فاضلًا، وله نوادر وألفاظ مستحسنة في صناعة الطب. وعمر، وكان في أول دولة بني أمية ومشهورًا عندهم بالطب. وصحب أيضًا الحجاج بن يوسف الثقفي، المتولي من جهة عبد الملك بن مروان، وخدمه بصناعة الطب وكان يعتمد عليه، ويثق بمداواته، وكان له الجامكية الوافرة والافتقاد الكثير.
ومن كلام بياذوق للحجاج قال: لا تنكح إلا شابة؛ ولا تأكل من اللحم إلا فتيًا نضيجًا؛ ولا تشرب الدواء إلا من علة؛ ولا تأكل الفاكهة إلا في أوان نضجها. وأجد مضغ الطعام، وإذا أكلت نهارًا فلا بأس أن تنام، وإذا أكلت ليلًا فلا تنم حتى تمشي ولو خمسين خطوة. فقال له بعض من حضر: إذا كان الأمر كما تقول فلم هلك بقراط؟ ولم هلك جالينوس وغيرهما، ولم أر واحدًا منهم فعل ذلك؟ قال: يا بني قد احتججت فاسمع! إن القوم دبّروا أنفسهم بما يملكون وغلبهم ما لا يملكون - يعني الموت - وما يرد من خارج كالحر والبرد والوقوع والغرق والجراح والغم وما أشبه ذلك.
وأوصى بياذوق أيضًا الحجاج فقال: لا تأكلن حتى تجوع. ولا تتكارهنَّ على الجماع. ولا تحبس البول. وخذ من الحمام قبل أن يأخذ منك.
وقال أيضًا للحجاج: أربعة تهدم العمر وربما قتلن: دخول الحمام على البطنة؛ والمجامعة على الامتلاء؛ وأكل القديد الجاف؛ وشرب الماء البارد على الريق، وما مجامعة العجوز ببعيدة منهن.
ووجد الحجاج في رأسه صداعًا فبعث إلى بياذوق وأحضره فقال: غسل رجليك بماء حار، وادهنهما، وخصي للحجاج قائم على رأسه فقال: والله ما رأيت طبيبًا أقل
стр. 2820
معرفة بالطب منك! شكا الأمير الصداع في رأسه، فتصف له دواء برجليه! فقال له: أما إن علامة ما قلت فيك بينة، قال الخصي: وما هي؟ قال: نُزعت خصيتاك، فذهب شعر لحيتك. فضحك الحجاج ومن حضر.
وشكا الحجاج ضعفًا في معدته وقصورًا في الهضم إلى بياذوق فقال: يكون الأمير يحضر بين يديه الفستق الأحمر القشر البراني ويكسر ويأكل من لبه، فإن ذلك يقوي المعدة. فلما أمسى الحجاج بعث إلى حظاياه وقال: إن بياذوق وصف لي الفستق. فبعثت إليه كل واحدة منهم صينية فيها قلوب فستق، فأكل من ذلك حتى امتلأ. وأصابته بعقبه هيضة كادت تأتي على نفسه. فشكا حاله إلى بياذوق، وقال: وصفت لي شيئًا أضر بي، وذكر له ما تناول فقال له: إنما قلت لك أن تحضر عندك الفستق بقشره البراني، فتكسر الواحدة بعد الواحدة، وتلوك قشرها البراني وفيه العطرية والقبض، فيكون بذلك تقوية المعدة. وأنت فقد عملت غير ما قلت لك. وداواه مما عرض له.
وقيل: ومن أخباره مع الحجاج، أنه دخل عليه يومًا فقال له الحجاج: أي شيء دواء أكل الطين؟ فقال: عزيمة مثلك أيها الأمير، فرمى الحجاج بالطين من يده ولم يعد إليه أبدًا.
وقيل: إن بعض الملوك لما رأى بياذوق وقد شاخ وكبر سنه، وخشي أن يموت ولا يعتاض عنه؛ لأنه كان أعلم الناس، وأحذق الأمة في وقته بالطب. فقال له: صف لي ما أعتمد عليه فأسوس به نفسي، وأعمل به أيام حياتي، فلست أمن أن يحدث عليك الموت، ولا أجد مثلك؛ فقال بياذوق: أيها الملك بالخيرات، أقول لك عشرة أبواب إن عملت بها، واجتنبتها لم تعتل مدة حياتك، وهذه عشر كلمات:
لا تأكل طعامًا وفي معدتك طعام، ولا تأكل ما تضعف أسنانك عن مضغه، فتضعف معدتك عن هضمه؛ ولا تشرب الماء على الطعام حتى تفرغ ساعتين؛ فإن أصل الداء التخمة، وأصل التخمة الماء على الطعام؛ وعليك بدخول الحمام في كل يومين مرة واحدة؛ فإنه يخرج من جسدك ما لا يصل إليه الدواء؛ وأكثر الدم في بدنك تحرس به نفسك؛ وعليك في كل فصل قيئة ومسهلة؛ ولا تحبس البول وإن كنت راكبًا؛ واعرض نفسك على الخلاء قبل نومك؛ ولا تكثر الجماع؛ فإنه يقتبس من نار الحياة فلتكثر أو تقل؛ ولا تجامع العجوز فإنه يورث الموت فجأة.
فلما سمع الملك ذلك أمر كاتبه أن يكتب هذه الألفاظ بالذهب الأحمر، ويضعه في صندوق من ذهب مرصع، وبقي ينظر إليه في كل يوم ويعمل به، فلم يعتل مدة حياته حتى جاءه الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه.
стр. 2821
وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب قال: قال الحجاج لابنه: يا بني إن بياذوق الطبيب كان قد أوصاني في تدبير الصحة بوصية كنت أستعملها، فلم أر إلا خيرًا. ولما حضرته الوفاة دخلت عليه أعوده، فقال: الزم ما كنت أوصيتك به وما نسيت منها فلا تنس: لا تشربن دواء حتى تحتاج إليه، ولا تأكلن طعامًا وفي جوفك طعام، وإذا أكلت فامش أربعين خطوة. وإذا امتلأت من الطعام فنم على جنبك الأيسر. ولا تأكلن الفاكهة وهي مولية، ولا تأكلن من اللحم إلا فتيًا، ولا تنكحن عجوزًا، وعليك بالسواك. ولا تتبعن اللحم اللحم. فإن إدخال اللحم على اللحم يقتل الأسود في الفلوات.
وقال أيضًا إبراهيم بن القاسم الكاتب من كتاب «أخبار الحجاج»: إن الحجاج لما قتل سعيد بن جبير ﵀، وكان من خيار التابعين، جرى بينهما كلام كثير، وأمر به فذبح بين يديه، وخرج منه دم كثير استكثره وهاله. فقال الحجاج لبياذوق طبيبه: ما هذا؟ قال: لاجتماع نفسه، وأنه لم يجزع من الموت، ولا هاب ما فعلته به. وغيره تقتله وهو مفترق النفس، يقل دمه لذلك.
ومات بياذوق بعدما أسن وكبر، وكانت وفاته بواسط في نحو سنة تسعين للهجرة.
ومنهم:
[١١] زينب طبيبة بني أود (١)
وكانت طبةً عارفة لا كما زعم ابن أبي أصيبعة، عالمة حليمة لا كما قال ابن سناء الملك في موشحته البديعة. متعت بالعلم فلم تحسّ فوتًا، ونفعت بطبها الأحياء، وكادت تنعش الموتى، ما عرفها إلا من شكر، ولا أنصفها من قاسها من الحكماء برجل، ولا الصارم الذكر.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كانت عارفة بالأعمال الطبية، خبيرة بالعلاج ومداواة آلام العين والجراحات، مشهورة بين العرب بذلك.
قال أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني الكبير أخبرنا كناسة عن أبيه عن جده قال: أتيت امرأة من بني أود لتكحلني من رمد كان قد أصابني، فكحلتني، ثم قالت: اضطجع قليلًا حتى يذوب الدواء في عينيك، فاضطجعت، ثم تمثلت قول الشاعر: [من الطويل]
стр. 2822
أَمُخْتَرمي ريبُ المَنونِ ولَمْ أَزُرْ … طبيب بني أود على النأي زينبا
فضحكت ثم قالت: أتدري فيمن قيل هذا الشعر؟ قلت: لا! قالت: في والله. أنا زينب التي عناها، وأنا طبيبة بني أود أفتدري من الشاعر؟ قلت: لا! قالت: عمك أبو سماك الأسدي (١).
* * *
أطباء السريان الكائنين في ابتداء الدولة العباسية
منهم:
[١٢] جرجس بن جبريل (٢)
طبيب طالما أصلح بين الصحة والمزاج، وأصبح وعليله لا يحتاج إلى العلاج، رزق من أبي جعفر المنصور إقبالًا على تجهمه، وصادف علاجه منه قبولًا على توهمه، وحظي منه بحظوة على قلة من حظي لديه بطائل، وحبي منه الجزيل على بخله بالنائل، وحمي من نزغات غضبه، وما قال هذا عنه سواه قائل.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): كانت له خبرة بصناعة الطب، ومعرفة بالمداواة وأنواع العلاج، وخدم المنصور، وكان حظيًا عنده، ونال من جهته أموالًا جزيلة، ونقل له كثيرًا من كتب اليونان إلى العربي.
قال فينون الترجمان: كان المنصور قد فسدت معدته وانقطعت شهوته، وبقي كلما عولج ازداد مرضًا، فتقدم إلى الربيع بأن يجمع الأطباء لمشاورتهم، فجمعهم، فسألهم عن طبيب ماهر، فقالوا: ليس أحد مثل جرجس رئيس أطباء جنديسابور، فأنفذ لإحضاره فاستمهله، فاعتقله، فأتاه المطران ورؤساء المدينة وأشاروا عليه بالخروج بعد أن أوصى ابنه بختيشوع بأمر البيمارستان وسائر أموره، فلما أتى حضرة المنصور أجلسه وسأله عن أشياء، أجابه عنها بسكون، فقال له: قد ظفرت منك بما كنت أحبه، وخلع عليه وأمر له بمنزل ونفقة، وحدثه بعلته ثم نظر إلى قارورة الماء، وأشار عليه بتخفيف
стр. 2823
الغذاء، ولاطفه حتى عوفي ثم لما دانى أجله مرض مرضًا ثقيلًا وأمر به المنصور، فحمل إليه حتى رآه، وعرض عليه الإسلام فأبى، وسأل أن يحمل إلى بلده ليدفن عند آبائه، فأعطاه عشرة آلاف دينار، ورده بعد أن استخلف لديه تلميذه عيسى بن سهل، فأساء السيرة، وبسط يده في المطارنة والأساقفة يأخذ أموالهم لنفسه حتى أنه كتب إلى مطران نصيبين يلتمس منه من آلات البيعة أشياء جليلة المقدار، وقال في كتابه إلى المطران: ألست تعلم أن أمر الملك بيدي إن شئت أمرضته وإن شئت عافيته،
فتلطف المطران في الصلة بالربيع، وأقرأه كتاب عيسى بن سهل، فأعلم الربيع المنصور به، فسلبه ما كان حصله ثم أمر بنفيه، وكتب إن كان جرجس حيًا يحضر، وإن كان قد مات يحضر ابنه، فصادف جرجس وقد وقع من السطح، وضعف ضعفًا عظيمًا، فقيل له، فأبى أن يجهز إلا إبراهيم تلميذه، فلما أتى المنصور استخلصه، ولم يزل معه حتى مات المنصور (١).
ومنهم:
[١٣] بختيشوع بن جرجس (٢)
كان لا يكفُفُ لهُ ألمَعية، ولا تلوذُ بعِيّ لَهُ لوذعية، ولا تزال إليه نهاره مبصرة، وسحائب مدده معصرة، ودنا من الخلفاء بحيث لا ترفع الستور، ولا ترتع اللحظات في غابة الليث الهصور، ورأس على أقرانه، وانبجس نهرًا لا يضرب الليل دونه بجرانه،
стр. 2824
وناظر الكبراء ونافر حتى الأمراء، وسار إمامًا في الأطباء، ولولاه لما ركبوا وراء.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان يلحق بأبيه في معرفته بالطب، وخدم الرشيد، وتميز في أيامه.
قال فينون الترجمان: لما مرض الرشيد أحضر بختيشوع من جنديسابور، وأحضر الأطباء لمناظرته، فقال أبو قريش، وكان رأس الأطباء ببغداد: يا أمير المؤمنين ليس في الجماعة من يقدر على الكلام مع هذا؛ لأنه هو وأبوه وأهل جنسه فلاسفة، فقال الرشيد لبعض الخدم: أحضر له ماء دابة ليختبره، فأتاه به، فقال: ليس هذا بول إنسان، فقال له أبو قريش: كذبت هذا بول حظية الخليفة، فقال له بختيشوع: أيها الشيخ الكريم إنه لم يبل هذا إنسان البتة، وإن كان على ما قلت، فلعلها قد صارت بهيمة، فقال له الرشيد: من أين علمت هذا، قال: لأنه ليس في قوام بول الإنسان ولا لونه ولا ريحه، فقال له: فما ترى أن يطعم صاحب هذا الماء، قال: الشعير، فضحك الرشيد ضحكًا شديدًا، وخلع عليه ووهبه مالًا وافرًا، وقال: ليكن رئيس الأطباء، ومروهم فليسمعوا له ويطيعوا (٢).
ومنهم:
[١٤] جبريل بن بختشوع (٣)
يُجَلُّ أن يقاس بالألفاء، وأن يقال اسمه إلا مع الخلفاء. عظم ثراؤه، وعَمَّ جداه أن يماثل به أرسطو ونظراؤه، وخلف ما يتجاوز الحدَّ، ويداني العد، مع نفقاته
стр. 2825
الموسعة، وصدقاته التي رفلت الأيام في حللها الموشعة حتى شرقت دونه النفوس بحسراتها، واختنقت القلوب بزفراتها حتى كانت الخلفاء تركب إلى منزله، وترغب في إكرام نزله، وهو بشمم لا يخضع عرنينه، ولا يخشع أنينه، ولا يطلع زهر الروض الجني إلا جنينه.
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان مشهورًا بالفضل، جيد التصرف في المداواة، عالي الهمة، سعيد الجد، حظيًا عند الخلفاء. وحصل من جهتهم من الأموال ما لم يحصله أحد من الأطباء.
قال الترجمان: إن أباه أفرده لجعفر بن يحيى، وكان قد اعتل فعالجه فبرئ في ثلاثة أيام، فأحبه جعفر مثل حب نفسه، وكان لا يصبر عنه، ثم تمطت حظية الرشيد ثم لم تقدر ترديدها، ولم يفد فيها طب الأطباء، فدل جعفر الرشيد على ابن بختيشوع، فأحضره وقال له: ما تعرف من الطب؟ فقال: أبرد الحار وأسخن البارد، وارطب اليابس، وأيبس الرطب، فضحك وقال: هذا، غاية ما يحتاج إليه فنبأه نبأ الجارية، فقال جبريل: لها عندي حيلة إن لم يسخط علي أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قال: تأمر بالجارية إلى ههنا بحضرة الجمع؛ لأعمل ما تراه وتمهل علي؛ ولا تعجل بالسخط. فأمر بها فأخرجت. فحين رآها جبريل مشى إليها ونكس رأسها وأمسك ذيلها كأنه يريد حلها سراويلها، فانزعجت الجارية، فاسترسلت أعضاؤها، وبسطت يدها إلى أسفل، وأمسكت ذيلها. فقال جبريل: قد برئت يا أمير المؤمنين. فقال الرشيد للجارية: ابسطي يدك يمنة ويسرة ففعلت. فعجب الرشيد ومن حضروا. وأمر له بخمسمائة ألف درهم، وعظمت منزلته عنده، وجعله رئيسًا على سائر الأطباء. وسئل عن سبب العلة، فقال: هذه الجارية انصب إلى أعضائها وقت الحركة خلط رقيق بالحركة وانتشار الحرارة، ولأجل سكون حركة الجماع بغتة جَمُدت الفضلة في بطون الأعصاب، وما كان يحللها إلا حركة مثلها. فأحببت إلى أن انبسطت حرارتها وانحلت الفضلة.
ولم يزل يزداد مكانة من الرشيد إلى أن مرض الرشيد بطوس مرض موته حبسه واستطب أسقف فارس، فقال له: مرضك كان من خطأ طبيبك كذبًا عليه، فأمر
стр. 2826
الرشيد بقتل جبريل، فلم يقبل منه الفضل بن الربيع، لأنه كان يئس من حياته، وأصاب تلك الأيام الفضل قولنج شديد فكان جبريل يعالجه فأفاق ثم لما صار الأمر إلى الأمين زاد تقريبه وضاعف مواهبه وكان لا يأكل ولا يشرب إلا بإذنه، ثم لما ملك المأمون كتب إلى الحسن بن سهل بأن يقبض عليه لكونه بعد الرشيد أتى الأمين ببغداد، ولم يأته بخراسان، فحبسه ابن سهل، ثم مرض ابن سهل فعالجه الأطباء، فلم ينتفع بذلك، فأخرج جبريل من الحبس، فعالجه في أيام يسيرة، فبرئ فوهب له مالًا وافرًا، وتلطف له مع المأمون فصفح عنه، واتخذ ميخائيل صهر جبريل بدلًا منه، وأكرمه كيادًا لجبريل، فمرض المأمون مرضًا صعبًا أعيا الأطباء علاجه، فقال أبو عيسى بن الرشيد للمأمون: يا أمير المؤمنين أحضر جبريل فإنه يعرف أمزجتنا منذ الصبا، فتغافل عنه، واحضر يوحنا بن ماسويه، فلما ضعفت قوة المأمون ذكر جبريل فأمر بإحضاره، فلما حضر غير تدبيره كله، فانصلح بعد يوم، واستقل بعد ثلاثة أيام، ثم بعد أيام يسيرة صلح صلاحًا تامًا، فسر به المأمون، وأمر له بألف ألف درهم، وألف كر حنطة، ورد عليه ما كان قبض له، وصار إذا خاطبه يكنه، ثم انتهى إلى أن كان لا يخرج عامل إلى عمله إلا بعد أن يلقى جبريل ويكرمه، وعلا محله وانحط من سواه.
وقال إسحاق بن علي الرهاوي إن يوحنا بن ماسويه أخبر أن الرشيد قال لجبريل بن بختيشوع وهو حاج بمكة: يا جبريل أعلمت أني دعوت لك والله في الموقف دعاء كثيرًا، ثم التفت إلى بني هاشم فقال: هل أنكرتم قولي؟ فقالوا: ذمي هو، فقال: نعم، ولكن صلاح بدني وقوامه به، وصلاح المسلمين بصلاحي، فقالوا: صدقت يا أمير المؤمنين.
وقال: قال ابن بختشوع: اشتريت ضيعة بسبعمائة ألف درهم، فنقدت بعض الثمن، وتعذر علي بعضه، فدخلت على يحيى بن خالد وعنده ولده، وأنا مفكر. فقال: أراك مفكرًا؟ فأخبرته، فدعا بالدواة وكتب: يعطى جبريل سبعمائة ألف درهم. ثم دفع إلى كل واحد من ولده، فوقع ستمائة ألف درهم قال: فقلت؛ جعلت فداك، قد أديت عامة الثمن، وإنما بقي أقله. قال: اصرف ذلك فيما ينوبك، ثم صرت إلى دار الرشيد. فلما رآني قال: ما أبطأ بك؟ فقلت: كنت يا أمير المؤمنين، عند أبيك وإخوتك، ففعلوا بي كذا وكذا، لخدمتي لك. قال: فما حالي أنا؟ ثم دعا بدابته فركب إلى يحيى، ثم قال: يا أبه أخبرني جبريل بما كان، فما كان حالي أنا من بين ولدك؟ فقال: يا أمير المؤمنين مر بما شئت يحمل إليه. فأمر لي بخمسمائة ألف.
وحكى سعيد بن إسحاق النصراني، قال: قال لي جبريل بن بختيشوع: كنت مع
стр. 2827
الرشيد بالرقة ومعه ولداه، المأمون ومحمد الأمين، وكان رجلًا كثير الأكل والشراب، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها، ودخل المستراح فغشي عليه، وأخرج فقوي عليه الغشي حتى لم يشك في موته. وأرسل إلي، فحضرت وجسست عرقه فوجدت نبضًا خفيًا، وقد كان قبل ذلك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدم، فقلت: لهم: يموت، إن لم يحجم الساعة. فأجاب المأمون إليه وتقدم الحجام، وتقدمت بإقعاده، فلما وضع المحاجم عليه ومصها، رأيت الموضع قد احمر، فطابت نفسي، وعلمت أنه حي. فقلت للحجام: اشرط. فشرط، فخرج الدم، فسجدت شكرًا لله. وجعل كلما خرج الدم يحرك رأسه؛ ويسفر لونه، إلى أن تكلم. وقال: أين أنا؟ فطيبنا نفسه وغديناه بصدر دراج، وسقيناه شرابًا، وما زلنا نشمه الأرابيج الطيبة، ونجعل في أنفه الطيب، حتى تراجعت قوته، وأدخل الناس عليه، ثم وهب الله له عافيته، فلما كان بعد أيام دعا صاحب حرسه، فسأل عن غلته في السنة فقال ثلثمائة ألف درهم فسأل صاحب شرطته فقال خمسمائة ألف درهم. وسأل حاجبه فقال: ألف ألف درهم. فقال لي: ما أنصفناك حيث غلات هؤلاء وهم يحرسوني من الناس على ما ذكروا، وأنت تحرسني من الأمراض، وتكون غلتك دونهم، ثم أمر بإقطاعي غلة ألف ألف درهم. فقلت: يا سيدي، مالي حاجة إلى الإقطاع، ولكن تهب لي ما اشتري لي به ضياعًا ففعل ذلك، فابتعت بهباته ضياعًا غلتها ألف ألف درهم، فجميع ضياعي أملاك لي لا أقطاع.
والذي صار إليه في أيام خدمته للخلفاء وهي نحو ثلاثين سنة جمل كثيرة. وجدته مدرجًا بخط كاتبه وفيه إصلاحات بخطه، فأما ما صرفه منه في مدة حياته في نفقاته تقريبًا فهو سبعة وعشرون ألف ألف، درهم وستمائة ألف درهم، وفي ثمن دور وبساتين ومنتزهات ورقيق ودواب سبعون ألف ألف درهم، وفي عمائر ثمانية آلاف ألف درهم، وفي ثمن ضياع اثنا عشر ألف ألف درهم، وفي ثمن جواهر وما أعده للذخائر خمسمائة ألف دينار، وخمسون ألف ألف درهم، وفي وجوه القرب وما كفله عن المصادرين ثلاثة آلاف ألف درهم، وما جحده أرباب الودائع له ثلاثة آلاف ألف درهم، ثم الذي خلفه بعد هذا عند وفاته لابنه بختيشوع، وجعل المأمون الوصي فيه فسلمه إليه عن آخره، ولم يتعرض إلى شيء منه، فتسعمائة ألف دينار.
وهذا جبريل هو الذي عناه أبو نواس (١) في قوله: [من مجزوء الرافر]
سألت أخي أبا عيسى … وجِبرِيلُ لَهُ عَقْلُ
стр. 2828
فَقُلْتُ الرَّاحُ تُعَجِّبي … فقالَ: كَثيرُها قَتلُ
فقلتُ لَهُ: فَقَدِّرْ لي … فقالَ وَقولُهُ فَصْلُ:
وَجَدْتُ طَبَائِعَ الإنْسَا … نِ أَرْبَعةً هي الأَصْلُ
فأَربَعةٌ لأَربعةٍ … لكلِّ طبيعةٍ رَطْلُ
وذكر أبو الفرج الأصفهاني للمأمون شعرًا قاله في جبريل وهو: [من الهزج]
ألا قل للذي ليس … على الإسلام والمله
لجبريل أبي عيسى … أخي الأنذال والفله
أفي طبك يا جبري … لُ ما يَشْفِي مِنَ الغُلَّه
غزال قدْ سَبَيَ عَقْلي … بلا جرم ولا زله
قال: والغناء فيه لتيم «خفيف الرمل».
ومن كلام جبريل: أربعة تهدم العمر: إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام. والشرب على الريق. ونكاح العجوز والتمتع في الحمام (١).
ومنهم:
[١٥] بختيشوع بن جبريل بن بختيشوع (٢)
عادى الكبار، وعادل البحار، وعاد النجوم في الأقطار، وأناف رتبة على أبيه، وكانت تزاحم الأطواد، وتزاح بها أعذار حساده ابن الزيات وابن أبي دؤاد، فلهذا قصد
стр. 2829
مرات بالغوائل، وأرصد تارات لعلق الحبائل، فلو لم تتذكر له سوابق المساعي، ويتدارك بالدرياق به سم الأفاعي، لما امتد به طلق نفسه ولا نفس عنه حلق حبسه، ثم صلح حاله، وقوي محالة، ونطق في مجالس الخلفاء لسانه، وصدق إحسانه، واستعاد أيامه الأول أترابًا، وأيامه الحسان وطالما هزته إطرابًا.
ذكره ابن أبي أصيبعة (١)، وقال فيه: كان سريانيًا نبيل القدر. وبلغ من عظم المنزلة والحال وكثرة المال، ما لم يبلغه أحد من سائر الناس الذين كانوا في عصره، وكان يضاهي المتوكل في اللباس والفرش.
وقال الترجمان: وكان ابن أبي دؤاد ومحمد بن عبد الملك الزيات يعاديانه ويغريان به الواثق فسخط عليه، وقبض على أمواله وضياعه، ونفاه إلى جندي سابور، فلما اعتل الواثق بالاستسقاء، بعث لإحضاره، ثم عاجل الواثق الموت قبل وصوله. ثم صلحت أيام المتوكل حاله إلى أن بلغ مبلغًا حسده عليه المتوكل، وقبض عليه.
قال: إن بختيشوع كان عظيم المنزلة عند المتوكل فأفرط في الإدلال عليه، فنكبه وقبض على أملاكه ونفاه إلى مدينة السلام. ثم عرض للمتوكل قولنج، فاستحضره واعتذر إليه، وعالجه فبرأ، فأنعم عليه ورضي عنه، وأعاد عليه ما كان له.
ثم جرت على بختيشوع مكيدة أخرى، فنكبه ووجه به إلى البصرة، ثم رده المستعين إلى وظيفة الخدمة، وأحسن إليه إحسانًا كثيرًا، فلما ولي المهتدي جرى مجرى المتوكل في أنسه بالأطباء، وكان بختيشوع لطيف المحل منه، وشكا إليه بختيشوع ما أخذ منه أيام المتوكل، فأمر بأن يدخل الخزائن، فكلما عرفه رد إليه، فلم يبق له شيء إلا أخذه وأطلق له كلما فاته وكتب برعاية أسبابه.
وقال بختيشوع للمهتدي في آخر أمره: يا أمير المؤمنين لي أربعون سنة لم افتصد ولا شربت دواء، وقد حكم المنجمون بأني أموت في هذه السنة، ولست أغتم لموتي، وإنما أغتم لمفارقتكم، فكلمه المهتدي بجميل وقال: قل أن يصدق المنجم، فلما انصرف كان آخر العهد به.
قال الحصري: تنازع إبراهيم بن المهدي وبختيشوع بين يدي أحمد بن أبي دؤاد في عقار بالسواد، فأغلظ عليه إبراهيم، فغضب أحمد بن أبي داؤد وقال: يا إبراهيم، إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا أمرًا، فليكن قصدك أممًا، وطريقك نهجًا،
стр. 2830
وريحك ساكنة، وكلامك معتدلًا، ووف مجالس الخلافة حقوقها. فإن هذا أليق بك، وأجمل بحسن مذهبك وشريف محتدك، ولا تعجلن، فرب عجلة تورث ريثًا، والله يعصمك من الزلل، وخطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم حكيم. فقال إبراهيم: أمرت، أصلحك الله بسداد، وحضضت على الرشاد، ولست بعائد إلى ما يثلم قدري عندك، ويخرجني من مقدار الواجب إلى الاعتذار؛ فها أنا معتذر إليك من هذه البادرة، اعتذار مقر بذنبه لأن الغضب لا يزال يستفزني بمراده، فيردني مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا فيك. وقد جعلت حظي من هذا العقار لبختيشوع وليت ذلك يفي بأرش الجناية عليه، ولن يتلف مال أفاد موعظة.
قال أبو محمد بدر بن أبي الأصبغ الكاتب: حدثني جدي، قال: دخلت على بختيشوع في يوم شديد الحر، وهو جالس في مجلس مخيّش بعدة طاقات من الخيش طاقان ريح بينهما طاق أسود وفي وسطها قبة عليها جلال من قصب مظهر بدبيقي قد صبغ بماء الورد والكافور والصندل. وعليه جبة يماني سعيدي مثقلة، ومطرف قد التحف به، فعجبت من زيه. فحين حصلت معه في القبة نالني من البرد أمر عظيم، فضحك وأمر لي بجبة ومطرف وقال: يا غلام، اكشف جوانب القبة، فكشف فإذا أبواب مفتوحة من جوانب الإيوان إلى مواضع مكبوسة بالثلج، فيخرج منه البرد الذي لحقني. ثم دعا بطعامه فأتي بمائدة في غاية الحسن عليها كل شيء حسن ظريف. ثم أتى بفراريج مشوية في غاية الحمرة، وجاء الطباخ فنفضها كلها فانتفضت وقال: هذه فراريج تعلف اللوز والبزر قطونا، وتسقى ماء الرمان. ولما كان في صلب الشتاء دخلت إليه يومًا والبرد شديد، وعليه جبة محشوة وكساء، وهو جالس في طارمة في الدار على بستان في غاية الحسن، وعليها سمور قد ظهرت به، وفوقه جلال حرير مصبغ، ولبود مغربية وانطاع أدم يمانية. وبين يديه كانون فضة مذهب مخرق، وخادم يوقد العود الهندي، وعليه غلالة قصب في نهاية الرفعة. فلما حصلت معه في الطارمة وجدت من الحر أمرًا عظيمًا، فضحك وأمر لي بغلالة قصب، وتقدم بكشف جوانب الطارمة، فإذا مواضع لها شبابيك خشب بعد شبابيك حديد، وكوانين فيها فحم الغضا، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق كما يكون للحدادين. ثم دعا بطعامه فاحضروا ما جرت به العادة في السرو والنظافة، واحضرت فراريج بيض شديدة البياض فبشعتها، وخفت أن تكون غير نضيجة ووافي الطباخ فنفضها فانتفضت، فسألته عنها فقال: هذه تعلف الجوز وتسقى اللبن الحليب، وكان بختيشوع بن جبريل يهدى البخور في درج ومعه درج آخر
стр. 2831
فيه فحم بتخذ من قضبان الأترج والصفصاف، وسقس الكرم المرشوش عليه عند إحراقه ماء الورد المخلوط بالمسك والكافور، وماء الخلاف والشراب العتيق. ويقول: أنا أكره أن أهدي بخورًا بغير فحم العامة، ويقال هذا عمل بختيشوع.
قال أبو محمد بدر بن أبي الأصبغ، عن أبيه عن أبي عبد الله محمد بن الجراح، عن أبيه: إن المتوكل قال يومًا لبختيشوع: ادعني فقال: السمع والطاعة، فقال: أريد أن يكون ذلك غدًا. قال: نعم وكرامة، وكان الوقت صائفًا، وحره شديدًا، فقال بختيشوع لأنسابه وأصحابه: أمرنا كله مستقيم إلا الخيش؛ فإنه ليس لنا منه ما يكفي.
فأحضر وكلاءه، وأمرهم بابتياع كل ما يوجد من الخيش بسر من رأى، ففعلوا ذلك وأحضروا كل من وجدوه من النجادين والصناع، فقطع لداره كلها صحونها وحجرها ومجالسها وبيوتها ومستراحاتها خيشًا حتى لا يجتاز الخليفة في موضع غير مخيش. وأنه أفكر في روائحه التي لا تزول إلا بعد استعماله مدة، فأمر بابتياع كل ما يقدر عليه بسر من رأى من البطيخ، وأحضر حشمه وغلمانه وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك البطيخ ليلتهم كلها، وأصبح وقد انقطعت روائحه. فتقدم إلى فراشيه فعلقوا جميعه في المواضع المذكورة، وأمر طباخيه بأن يعملوا خمسة آلاف جونة في كل جونة باب خبز سميد، ودست رقاق وزن الجميع عشرون رطلًا؛ وحَمَل مشوي وجدي بارد، وفائقة ودجاجتان مصدرتان، وفرخان ومصوصتان وثلاثة ألوان، وجام حلواء.
فلما وافاه المتوكل رأى كثرة الخيش وجدته، فقال: أي شيء ذهب برائحته؟ فأعاد عليه حديث البطيخ، فعجب من ذلك، فأكل هو وبنو عمه والفتح بن خاقان على مائدة واحدة. وأجلس الأمراء والحجاب على سماطين عظيمين لم ير مثلهما لأمثاله. وفرق الجون على الغلمان والخدم والنقباء والركابية والفراشين والملاحين وغيرهم من الحاشية، لكل واحد جونة، وقال: «قد أمنت ذمهم؛ لأنني ما كنت لو أطعموا على مائدة آمن أن يرضى هذا ويغضب الآخر، ويقول واحد شبعت ويقول آخر لم أشبع، فإذا أعطى كل إنسان جونة من هذه الجون كفته واستشرف المتوكل على الطعام فاستعظمه جدًا، وأراد النوم، فقال البختيشوع: أريد أن تنومني في موضع مضيء لا ذباب فيه، وظن أنه يتعنته بذلك، وقد كان بختيشوع تقدم بأن يجعل أجاجين الدبس في سطوح الدار ليجتمع الذباب عليه، فلم يقرب أسافل الدور ذبابة واحدة. ثم أدخل المتوكل إلى مرتفع كبير سقفه كله بكوّى فيها جامات يضيء البيت منها، وهو مخيش مظهر بعد الخيش بالدبيقي المصبوغ بماء الورد والصندل والكافور.
فلما اضطجع للنوم أقبل يشم روائح في نهاية الطيب لا يدري ما هي؛ لأنه لم ير
стр. 2832
في البيت شيئًا من الروائح والفواكهة والأنوار؛ ولا خلف الخيش لا طاقات ولا موضع يجعل فيه شيء من ذلك. فتعجب وأمر الفتح بن خاقان أن يتتبع حال تلك الروائح حتى يعرف صورتها. فخرج يطوف فوجد حول البيت من خارجه ومن سائر نواحيه وجوانبه أبوابًا صغارًا لطافًا كالطاقات محشوة بصنوف الرياحين والفواكه واللخالخ، والمشام التي فيها التفاح، والبطيخ المستخرج ما فيها، المحشوة بالنمام والحماحم اليماني المعمول بماء الورد والخلاف والكافور والشراب العتيق والزعفران الشعر. ورأى الفتح غلمانًا قد وكلوا بتلك الطاقات مع كل غلام مجمرة فيها ند يسجره ويبخر به البيت من داخله إزار مع اسفيذاج مخرج خرومًا صغارًا لا تبين تخرج منها تلك الروائح الطيبة العجيبة إلى البيت.
فلما عاد الفتح وشرح للمتوكل صورة ما شاهده كثر تعجبه، وحسد بختشوع على ما رآه من نعمته، وكمال مروءته، وانصرف من داره قبل أن يستتم يومه. وادعى شيئًا وجده من التياث بدنه، وحقد عليه ذلك، فنكبه بعد أيام يسيرة، وأخذ له مالًا كثيرًا لا يقدر، ووجد له في جملة كسوته أربعة آلاف سراويل دبيقي وسفري في جميعها تكك إبريسم أرميني. وحضر الحسين بن مخلد فختم على خزانته، وحمل إلى دار المتوكل ما صلح منها، وباع شيئًا كثيرًا. وبقي بعد ذلك حطب وفحم ونبيذ وتوابل، فاشتراه الحسين بن مخلد بستة آلاف دينار. وذكر أنه باع من جملته بمبلغ ثمانية آلاف دينار، ثم حسده حمدون ووشى إلى المتوكل. وبذل فيما بقي في يده ستة آلاف دينار. فأجيب إلى ذلك، وسلم إليه، فباعه بأكثر من الضعف. وكان هذا في سنة أربع وأربعين ومائتين.
قال فينون الترجمان: كان المعتز بالله قد اعتل في أيام المتوكل، علة من حرارة، وامتنع معها من أخذ شيء من الأغذية والأدوية. فشق ذلك على المتوكل كثيرًا، واغتم به. وصار إليه بختيشوع، والأطباء عنده وهو على حاله في الامتناع، فمازحه وحادثه، فأدخل المعتز يده في كم جبة وشي يمان مثقلة كانت على بختيشوع وقال: ما أحسن هذا الثوب! فقال بختيشوع: يا سيدي ما له والله نظير في الحسن وثمنه علي ألف دينار، فكل لي تفاحتين وخذ الجبة. فدعا بتفاح فأكل اثنتين، ثم قال له: تحتاج الجبة إلى ثوب يكون معها، وعندي ثوب هو أخ لها، فاشرب لي شربة سكنجبين، وخذه فشرب شربة سكنجبين، ووافق ذلك اندفاع طبيعته فبريء المعتز وأخذ الجبة والثوب، وصلح من مرضه، فكان المتوكل يشكر هذا الفعل أبدًا لبختيشوع.
قال ثابت بن قرة بن سنان بن ثابت: إن المتوكل اشتهى في بعض الأوقات
стр. 2833
الحارة أن يأكل مع طعامه خردلًا، فمنعه الأطباء من ذلك لحدة مزاجه، وحرارة كبده وغائلة الخردل. فقال بختيشوع: أنا أطعمك إياه وإن ضرك علي! فقال: افعل. فأمر بإحضار قرعة وجعل عليها طينًا وتركها في تنور واستخرج ماءها وأمر بأن يقشر الخردل ويضرب بماء القرع. وقال: إن الخردل في الدرجة الرابعة من الحرارة، والقرع في الدرجة الرابعة من الرطوبة فيعتدلان، فكل شهوتك. وبات تلك الليلة ولم يحس بشيء من الأذى، وأصبح كذلك. فأمر بأن يحمل إليه ثلاثمائة ألف درهم وثلاثون تختًا من أصناف الثياب.
قال إسحاق بن علي الرهاوي، عن عيسى بن ماسة قال: رأيت بختيشوع بن جبريل وقد اعتل، فأمر أمير المؤمنين المتوكل المعتز أن يعوده وهو إذ ذاك ولي عهد. فعاوده ومعه محمد بن عبد الله بن طاهر ووصيف التركي قال: وأخبرني إبراهيم بن محمد المعروف بابن المدبر أن المتوكل أمر الوزير شفاهًا، وقال له: اكتب في ضياع بختيشوع؛ فإنها ضياعي وملكي، ومحله منا محل أرواحنا من أبداننا.
وقال عبيد الله بن جبريل بن عبد الله بن بختيشوع: هذا المذكور مما يدل على منزل بختيشوع عند المتوكل وانبساطه معه. قال: من ذلك ما حدثنا به بعض شيوخنا، أنه دخل بختيشوع يومًا إلى المتوكل وهو جالس على سدة في وسط دار الخاصة، فجلس بختيشوع على عادته معه على السدة، وكان عليه دراعة ديباج رومي، وقد انفتق ذيلها قليلًا، فجعل المتوكل يحادث بختيشوع، ويعبث بذلك الفتق إلى أن بلغ إلى حد النيفق. ودار بينهما كلام اقتضى أن سأل المتوكل بختيشوع: بماذا تعلم أن المشوّش يحتاج إلى الشد والوثاقة؟ قال: إذا بلغ في فتق دراعة طبيبه إلى حد النيفق شددناه. فضحك المتوكل حتى استلقى على ظهره، وأمر له في الحال بخلع سنية ومال جزيل.
وقال أبو الريحان البيروني في كتاب «الجماهر في الجواهر» (١): «إن المتوكل جلس يومًا لهدايا النيروز، فقدم إليه كل عِلْق نفيس؛ وكل طريف فاخر. وإن طبيبه بختشوع بن جبريل دخل - وكان يأنس به - فقال له: ما ترى في هذا اليوم؟ فقال: لي مثل خرباشات (٢) الشحاذين إذ ليس قدروا قبل على ما معي، ثم أخرج من كمه درج أبنوس مطليًا بالفضة وفتحه عن حرير أخضر انكشف عنه ملعقة كبيرة جوهر، لمع منها شهاب، ووضعها بين يديه، فرأى المتوكل ما لا عهد له بمثله، وقال: من أين
стр. 2834
[لك] هذا؟ قال: من الناس الكرام، ثم حَدَثَ:
أنه صار إلى أبي من أم جعفر زبيدة في ثلاث مرات مائة ألف دينار بثلاث شكايات عالجها منه فيها: أحدها أنها شكت عارضًا في حلقها منذرة بالخناق، فأشار إليها بالفصد والتطفئة والتغذي بحسو وصفه، فأحضر على نسخة في غضارة (١) صينية عجيبة الصفة وفيها هذه الملعقة، فغمزني أبي على رفعها، ففعلت ولففتها في طيلساني وجاذبنيها الخادم. فقالت له: لاطفه وأمره بردّها، وعوضه منها عشرة آلاف دينار، فامتنعت، وقال أبي: يا ستي إن ابني لم يسرق قط، فلا تفضحيه في أول كراته لئلا ينكسر قلبه. فضحكت ووهبتها له.
وسئل عن الأخريين، فقال: إنها اشتكت إليه تغير النكهة - بإخبار إحدى بطانتها إياها - وذكرت أن الموت أسهل عليها من ذلك، فجوعها إلى العصر، وأطعمها سمكًا ممقورًا، وسقاها دردي نبيذ دقل (٢) بإكراه، فغثت نفسها وقذفت. وكرر ذلك عليها ثلاثة أيام ثم قال لها: تنكهي في وجه من أخبرك بذلك واستخبريه هل زال؟
والثالثة أنها أشرفت على التلف من فواق شديد كان يسمع من خارج الحجرة، فأمر الخدم بإصعاد خوابي إلى سطح الصحن وتصفيفها حوله على الشفير وملأها ماء، وجلس خلف كل حُبِّ خادم حتى إذا صفق بيده على الأخرى دفعوها دفعة إلى وسط الدار، ففعلوا وارتفع لذلك صوت شديد أرعبها، «فوثبت وزايلها الفواق».
قال أبو علي القباني: حدثني أبي قال: دخلت يومًا إلى بختيشوغ، وكان من أيام الصيف، وجلست فإذا هو قد رفع طرفه إلى خادمه وقال له: هات. فجاء بقدح فيه نحو نصف رطل شراب عتيق، وعلى طرف خلاله ذهب وشي أسود فمضغه، وشرب الشراب عليه، وصبر ساعة، فرأيت وجهه يتقد كالنار. ثم دعا بأطباق فيها خوخ جبلي في نهاية الحسن، فأقبل يقطع ويأكل حتى انتهى وسكن تلهبه، وعاد وجهه إلى حاله.
فقلت له: حدثني بخبرك؟ فقال: اشتهيت الخوخ شهوة وخفت ضرره فاستعملت الترياق والشراب حتى نقرت الحجر ليجيد الطحن.
ونقلت من بعض الكتب أن بختيشوع كان يأمر بالحقن، والقمر متصل بالذنب، فيحل القولنج من ساعته. ويأمر بشرب الدواء، والقمر على مناظرة الزهرة فيصلح العليل
стр. 2835
من يومه.
ولما توفي بختيشوع خلف عبيد الله ولده، وخلف معه ثلاث بنات. وكان الوزراء والنظار يصادرونهم ويطالبونهم بالأموال. فتفرقوا واختلفوا وكان موته يوم الأحد الثمان بقين من صفر سنة ست وخمسين ومائتين.
ومن كلام بختيشوع بن جبريل قال:
الشرب على الجوع رديء، والأكل على الشبع أردأ منه.
وقال: أكل القليل مما يضر، أصلح من أكل الكثير مما ينفع.
ولبختيشوع من الكتب: كتاب «الحجامة» على طريق المسألة والجواب (١).
ومنهم:
[١٦] جبريل بن عبيد الله بن بختيشوع (٢)
عالم أتقن علم الطبيعة، وأيقن في برء السقام ربيعه، بخاطر يجري عذبه سلسالا، وتجيء سحبه أرسالا، لا تلبث العلل معه، ولا تتشبث منه ببارقة مطمعه، علما وهبه، وعملا أطفأ ضرم المزاج وفرق لهبه.
قال ابن أبي أصيبعة (٣): كان فاضلا عالما متقنا لصناعة الطب، جيدا في أعمالها، حسن الدراية، وله تصانيف جليلة في صناعة الطب. وكانت أجداده في هذه الصناعة كل منهم أوحد زمانه وعلامة وقته.
وقال عبيد الله بن جبريل: كان جدي عبيد الله بن بختيشوع متصرفا، ولما ولي المقتدر إستكتبه بحضرته ثم مات، فقبض المقتدر على ماله ثم تقلبت بمخلفيه الأمور.
стр. 2836
إلى أن وصل جبريل بغداد، وما معه إلا النزر اليسير، فقصد طبيبًا يعرف بتزمره، وقرأ عليه، وكان من أطباء المقتدر وخواصه، وقرأ على يوسف الواسطي، ولازم المارستان ثم اتصل برسول صاحب فارس فطار ذكره إلى فارس وكرمان، وكان سبب خروجه إلى شيراز، واتصل بعضد الدولة وأهدى إليه رسالة في عصب العين، تكلم فيها بكلام حسن فحسن موقعه عنده، فقرر له جاريًا عليه، ثم تعرض لزوج خالة عضد الدولة مرض، فأنفذ إليه فشفي على يده، فأجزل عطاءه ورده مكرمًا ثم صحبه إلى بغداد وأجرى عليه رزقين في البيمارستان غير الجراية ثم عرض لابن عباد مرض صعب في معدته، فجهز له عضد الدولة بما يحتاج إليه، ثم بعث به إليه فلما أتى الري أحسن ابن عباد ملتقاه، وأكرم نزله، ثم امتحنه فظهر له فضله، فخلع عليه خلعًا سنية ثم أمره بعمل كناش يذكر فيه الأمراض التي تعرض من الرأس إلى القدم فعمل كناشه الصغير فحسن موقعه عنده، ثم وصله بما قيمته ألف دينار، ورفع أمره إلى عضد الدولة فزاد موضعه عنده فلما عاد من الري دخل بغداد بزي جميل وأمر مطاع وغلمان وحشم وخدم، وصادف من عضد الدولة ما يسره.
واستدعاه حسام الدولة إلى الموصل، وكانت له امرأة عليلة بمرض حاد، فأخذ في علاجها وأشار بحفظ القارورة، فاتفق أن كان عنده وإذا بجارية قد جاءت بالقارورة فنظر إلى الماء وقال لحسام الدولة: هذه المرأة تموت، فانزعج لذلك وصرخت الجارية، فقال لها: جرى في أمر هذه الإمرأة شيء لا أعلمه، فحلفت الجارية أنها لم تجاوز التدبير فقال: لعلكم خضبتموها بالحناء قالت: قد كان ذلك فحرد وقال لحسام الدولة: ابشر بعد ثلاثة أيام تبرأ فكان كما قال (١).
ومنهم:
[١٧] خصيب النصراني (٢)
خصيب لا يرتعي بكنفه المهزول، وطبيب لا يتوقى طبه إلا من هو عن الحياة معزول، عرف باختيان النفوس، وبيع عوالي المهج برخاص الفلوس، كم اجتثت شجرة … لو تركت لطالت سمراتها، وطابت ثمراتها، لا جرم أن جرمه أوبقه، وجره إلى محبسه،
стр. 2837
ثم ما فتح إلى غير قرارة القبر مطبقة.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال فيه (١): من أهل البصرة ومقامه بها، وكان فاضلًا في صناعة الطب جيد المعالجة.
قال محمد بن سلام الجمحي: مرض الحكم بن محمد المازني، فأتوه بخصيب الطبيب يعالجه، فقال فيه: [من مجزوء الرمل]
ولقد قلت لأهلي … إذ أتوني بخصيب
لِيسَ واللهِ خَصيب … للذي بي من طبيب
إنما يعرف دائي … من به مثل الذي بي
وقال ابن سلام: كان خصيب الطبيب نصرانيًا نبيلًا، فسقى محمد بن السفاح شربة دواء، وهو على البصرة، فمرض منها، وحمل إلى بغداد فمات بها، فاتهم خصيب، فحبس حتى مات. فنظر في علته إلى مائه وكان عالمًا، فقال قال جالينوس: إن صاحب هذه العلة إذا صار ماؤه هكذا لا يعيش، فقيل له إن جالينوس ربما أخطأ، فقال: ما كنت إلى خطئه قط أحوج إليه مني الآن، ومات من علته (٢).
ومنهم:
[١٨] عيسى المعروف بأبي قريش (٣)
عارف لا يعادل في طبه، ولا يعادى معه السقم لخطبه، ولا يؤخر في جدول، ولا يؤرخ زمان به عدل، وكان يرجع إليه فيما التبس، ويكاد يستطلق بتطبيبه السحاب إذا احتبس هذا بالدربة في معرفة قوى العقاقير، ولما سبق له به سعد المقادير.
ذكره ابن أبي أصيبعة وقال (٤): قال إسحاق بن علي الرهاوي فيما نقله في أن أبا قريش كان صيدلانيًا يجلس على موضع بباب قصر الخليفة، وكان دينًا صالحًا وأن الخيزران وجهت بمائها مع جارية لها إلى الطبيب، فلما خرجت رأت أبا قريش فأرته الماء، فقال لها: هذا ماء امرأة حبلى بغلام فرجعت بالبشارة فقالت لها الخيزران:
стр. 2838
ارجعي إليه واستقصي المسألة. فرجعت فقال لها: ما قلت إلا الحق. فلما كان بعد أربعين يومًا أحست الخيزران بالحمل، فوجهت إليه ببدره دراهم، وكتمت الخبر عن المهدي. فلما مضت الأيام ولدت موسى الهادي. فأعلمت المهدي وقاله له: إن طبيبًا على الباب أخبر بهذا منذ تسعة أشهر. وبعثت إليه بتحف كثيرة، وبلغ هذا جرجس، فأكذبه ثم حبلت بأخيه هرون الرشيد. فقال جرجس للمهدي: جرب أنت هذا الطبيب! فوجه إليه بالماء فلما رآه قال: هذا ماء ابنتي أم موسى، وهي حبلى بغلام آخر. فأثبت المهدي ذلك عنده فلما مضت الأيام، ولدت هارون، فلم يزل يطرح عليه الخلع وبدر الدراهم والدنانير حتى علت رأسه وصير موسى وهارون في حجره، وكناه أبا قريش لعينهما. وقال لجرجس: هذا شيء أنا بنفسي جربته. ثم صار نظير جرجس في الرتبة، وخلف اثنين وعشرين ألف دينار مع نعمة سنية.
وكثر تخم عيسى بن جعفر المنصور حتى كان يأتي على نفسه، فغم لذلك الرشيد، وقال لأبي قريش، فقال له: يا أمير المؤمنين إنه رزق معدة صحيحة، وبدنًا قابلًا، ودهرًا مسالمًا، والأبدان ما لم تختلط على أصحابها في أحوالهم لا يؤمن عليهم منها التلف، وإن لم تنظر له في موجدة تجدها عليه أو أحد عزيز عليه من حرمه، لم تأمن عليه، فقال: لا حيلة عندي في الموجدة عليه، ولكن احتل أنت، فذهب إليه، ثم جس عرقه وأعلمه أنه يضطر إلى محنته ثلاثة أيام قبل العلاج، فأمره بذلك، فلما فرغ منه في اليوم الثالث، قال له: إن الوصية مباركة، وهي غير مقدمة لأجل ولا مؤخرة له، فإن رأى الأمير أن يعهد، فإن لم يحدث حادث قبل أربعين يومًا عالجته في ذلك بعلاج لا يمضي عليه ثلاثة أيام حتى يبرأ، ونهض وقد امتلأ قلب الرجل فانحط كثير من لحمه، واستتر أبو قريش خوفًا من إفشاء الخبر، فلما كان يوم الأربعين صار إلى الرشيد، وقال: لا شك في نقصان بدن عيسى، فركب إليه الرشيد ودخل عليه ومعه أبو قريش، فوجدوا لحمه قد نقص نقصًا كثيرًا، فقال له عيسى بن جعفر: أطلق لي يا أمير المؤمنين قتل هذا الكافر، فقد قتلني بما أدخل علي من الروع، فقال له: يا أخي متعت بك بأبي قريش ردت إليك الحياة بعد الموت فاشكر الله، فنعم الحيلة احتال لك، وقد أمرت له بعشرة آلاف دينار، فأوصل أنت إليه مثلها، ففعل وانصرف أبو قريش إلى منزله بالمال، ولم يرجع إلى عيسى بن جعفر الشحم إلى أن فارق الدنيا (١).
ومنهم:
стр. 2839
[١٩] ابن اللجلاج (١)
عارف بالأسباب والعلامات، عالم إذا نعى العلى مات كأنما حدس كهانة، وظنه البعيد تمثل له عيانه، درب العلاج حتى عُرف بغلبة الظن إلى أن تتناهى الأعمار، وتتمادى مدد البقاء في هذه الدار، وزاد في التقريب، وكان كل شيء من عنده بمقدار.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): قال اسماعيل بن أبي سهل الطبيب عن أبيه قال: ترافقت أنا وابن اللجلاج أيام المنصور في حجته التي حج فيها، فكان إذا نام المنصور تنادمنا، فسألني ابن اللجلاج وقد عمل في النبيذ عما بقي من عمر المنصور، فأعظم أبي ذلك، وقطع النبيذ وجعل على نفسه ألا ينادمه ثم اصطلحا، فلما جلسا على نبيذهما، قال ابن اللجلاج لأبي سهل: سألتك عن علمك ببعض الأمور فبخلت به وهجرتني، ولست أبخل عليك فاسمعه ثم قال: إن المنصور رجل محرور وتزداد يبوسة بدنه كلما أسن، وقد حلق رأسه، وجعل مكان الشعر غالية وهو في هذا الحجاز يداوم الغالية، وما يقبل قولي في تركها، ولا أحسبه يبلغ إلى فيد حتى يحدث في دماغه اليبس ما لا يكون عندي، ولا عند أحد من المتطببين حيلة في ترطيبه. فليس يبلغ فيد، إن بلغها، إلا مريضًا؛ ولا يبلغ مكة، إن بلغها، وبه حياة. قال اسماعيل بن أبي سهل، قال لي أبي: فوالله ما بلغ المنصور فيد إلا وهو عليل؛ وما وافي مكة إلا وهو ميت، فدفن ببئر ميمون.
ومنهم:
[٢٠] عبد الله الطيفوري (٣)
هبت له رياح ثم سكنت، وتنبهت له عيون رباح ثم وسنت، وانتعش جده الخامل، ثم غلب عليه الخمول، ورنح غصنه المائل، ثم عاجله الذبول، وظن أن بارقته ممطرة، وقد رأى ركامها، وأمل زهامها فما سقته إلا رشاشا، ولا أقامته إلا وسقط يتغاشي.
стр. 2840
قال ابن أبي أصيبعة (١): كان حسن العقل، طيب الحديث على لكنة سوداء به، كانت في لسانه شديدة. وكان مولده في بعض قرى كسكر وكان من أحظى خلق الله عند الهادي.
قيل: كان مولى الخيزران، والأصح أنه كان مطببًا لأخيها طيفور فنسب إليه، لما وجه المنصور المهدي إلى الري لمحاربة من بها، حمل معه الخيزران وهي حامل بموسى، وخرج معها طيفور، والطيفوري معه، ولم تكن الخيزران شعرت بالحمل، فبعثت قارورة لها تريها الأطباء فأتت الجارية بها أبا قريش الصيدلاني، فقال: هذه قارورة حامل بغلام فأدت قوله إلى الخيزران، فسرت وعتقت عدة رقاب، وأعلمت المهدي فأحضره وسأله، فقال ذلك، فسر أكثر من سرورها ووصله كل منهما بمال جزيل، وأمره بلزوم الخدمة وترك خيمته وما كان فيها من متاع الصيادلة.
قال: فأراد طيفور أن ينفعني فبعث بي إلى الخيزران، وقال: هذا طبيبي ماهر بالطب فابعثي إليه بالماء ليراه، ففعلت ذلك، فقال لي: قل لها كما قال أبو قريش، فقلت: ذلك ما لا أقوله لأنني لا أكتسب بالمخرقة، ولكن هذه قارورة حامل، فأمرت لي بألف درهم، فلما وافت الري ولدت الهادي، فضممت إليه ودعيت بطبيبه وهو رضيع وفطيم، ثم ولدت أخاه الرشيد فكان مولده شؤمًا على الهادي؛ لأنه فاز بالخطوة دونه فأضرني ذلك في جاهي، فلما أدرك الهادي الخلافة رفع من شأني (٢).
ومنهم:
[٢١] إسرائيل بن زكريا الطيفوري، طبيب الفتح بن خاقان (٣)
كان يدل بتقدمه في فنه، ويدل على هذا غضبه على ملكه، وقد احتجم بغير إذنه لاشتداد معرفته بقوى الأمزجة، وقدر فاقة الأبدان الملية والمحوجة، وكان حسن الامتزاج يكاد يصلح بين نافر الاعتدال والمزاج.
ذكره ابن أبي أصيبعة (٤) وقال فيه: كان مقدمًا في صناعة الطب، جليل القدر عند