← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أخشى قُضَيِّبَ كرم أن ينازعني … فضل الخطام، إذا أسرعت إغذاذا فإن سَلِمتُ - وما قلبي على ثقة … من السلامة - لم أسلم ببغداذا ما أبعد الرشد من قلب تضمنه … قُطْرَبُّلٌ فَقُرى بنَّا فَكَلْواذا وفيه يقول الحسين بن الضحاك (١): [من الكامل] أَخَوَيَّ، هُبًا للصَّبُوح صَبَاحَا! … هبا ولا تَعِدَا النَّدِيمَ رَوَاحا هل تعذران بدير سرجس صاحبًا … بالصَّحو، أو تَريَانِ ذاك جناحا؟ إني أعيذُكُما بألفة بيننا … أن تَشْرَبا بقرى الفرات قراحا يا رُبَّ ملتَبِسِ الجُفُونِ بنومةٍ … نَبَّهتُه بالراح حين أراحا فكأنَّ رَيَّا الكاسِ حِينَ نَدَبْتُهُ … للكأس أنه في حشاه جباحا فأجاب يعثر في فُضُول ردائه … عَجْلانَ يَخْلِطُ بالعِثَار مزاحا فهَتَكتُ ستر مُجُونه بتَهِتُكِي … في كل مُلْهِية وَبُحتُ وَباحا ديارات الأساقف (٢) - قال الشابشتي: هذه الديارات بالنجف، ظاهر الكوفة، في أوّل الحيرة. وهي قباب وقصور، تسمى ديارات الأساقف، بحضرتها نهر يعرف بالغدير، عن يمينه قصر أبي الخَصِيب، وعن شماله السَّدِير. والديارات بين ذلك. قال: وقصر أبي الخصيب هذا، من أحسن متنزهات الدنيا، مُشْرفُ على النَّجَف والظهر كله. يُصعد من خمسين مرقاة إلى سطح حسن، ومجلس مُشْرِف. ثم يُصْعَد من خمسين مرقاة أخرى إلى سطح أَفْيَح ومجلس عجيب الصنعة. وهو منسوب إلى أبي الخصيب، مولى أبي جعفر المنصور. وأنشد في هذه الديارات لعلي بن محمد بن جعفر العلوي (٣) قوله (٤): [من مجزوء الكامل]

стр. 317

كم وَقفَةٍ لك بالخَوَرْ … نق لا توازى بالمواقف بين الغدير إلى السَّدِ … ير إلى ديارات الأساقف فمدارج الرهبان في … أطمار خائفة وخائف دِمَن كأن رياضها … يُكْسَيْنَ أعلام المطارف وكأنما غُدْرانها … فيها عُشُورٌ في مصاحف وكأنما أنوارها … تهتز بالريح العواصف طُرَرُ الوصائف يلْتَقِين … بها إلى طُرَرِ الوَصائف تَلْقى أوائلها أوا … خرها بألوان الزخارف بحرِيَّةٌ شَتَواتُها … بَرِّيةٌ فيها المصايف دير زُرَارة (١) - وهو بين الكوفة وحَمَّام أعْين على يمين الحاج من بغداد. نَزِةٌ، كثير الحانات والشراب. لا يخلو ممن يطلب اللهو واللعب، ويؤثر البطالة والقصف. قال الشابشتي: خرج يحيى بن زياد (٢) ومطيع بن إياس (٣) حاجين. فلما قربا من

стр. 318

زرارة، قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نقدم أثقالنا، ونمضي إلى زرارة، ونشرب في ديرها ليلتنا، ونتزوّد من خمرها، ونستوفى من مردها ما يكفينا إلى العودة، ثم نلحق بأثقالنا؟ ففعلا. وسار الناس، وأقاما. ولم يزل ذلك دأبهما، إلى أن عاد الحاج. فحلقا رؤوسهما، وركبا بعيرين، ودخلا مع الحاج، على أنهما قد حجا. وقال مطيع (١): [من الوافر] ألم تَرَنِي ويحيى إذ حججنا، … وكان الحج منْ خَيْرِ التجارة؟ خرجنا طالبي خَيْرٍ ودين، … فمال بنا الطريق إلى زراره فآب الناس قد غنموا وحجوا … وأبنا مُوقَرَيْنِ مِنَ الخَساره عُمر مرتومان (٢) - وهو بالأنبار، على الفرات. وهو عُمْرٌ كبير، كثير القلايات والرهبان عليه سور محكم البنيان كالحصن العظيم. والجامع ملاصقه. وله ظاهر حسن، ولا سيما في أيام الربيع؛ لأن صحاريه وسائر أرضه تكون كالحلل: لكثرة نوّاره، وطرائف أزهاره. ونزله كل من اجتاز به من الخلفاء. وفيه يقول كُشاجم (٣): [من الخفيف]

стр. 319

أَعْد يا صاحبي إلى الأنبار، … نَشَربُ الراحَ في شَبَاب النهار! واعمر العمر باللذاذة والقَصْفِ … وحث الكؤوس والأوتار! فاعْتَنِمْ غَفْلَة الزمان وبادر … واقْتَرِضْ لَذَّة الليالي القصار لا تُفَرِّط فإنها خُلَس العيـ … ش وبادر بَوَادِرَ المِقْدارِ! وأنشد الشابشتي له فيه يصف عودًا في يد محسنة (١): [من المنسرح] جاءت بعُودٍ كأَنّ نَغْمَتُه … صَوْتُ فتاةٍ تَشْكُو فِراقَ فتى دارت ملاويه فيه واختَلَفَتْ … مِثْلَ اختلاف الكَفَّيْنِ شُبِّكتا يا حُسْنَ صَوْتَيْهما، كأنهما … أُخْتانِ في صَنْعةٍ تَرَاسَلَتَا وهو على ذا ينوب إن سكَتَتْ … عنها، وعنه تنوب إن سكتا دير الأبلق (٢) - وهو بالأهواز. وحكى المدائني، قال: إنه اصطبح في دير الأبلق في جماعة من أصحابه، فلما سكر قال: [من السريع] يَوْمِي بدير الأبلق الفَرْدِ … ما أنت إلا جنة الخُلْدِ به وأمثال له لم يَزَلْ … يجوز العيس أبو الهندي [عُمر إتراعيل (٣). والشاهد فيه مار ميخائيل. قال ابن المستوفي (٤): بينه وبين كفر عزّى أقل من ميل. وهو عمار كبير وفيه

стр. 320

رهبان كثيرة، وله نهر يجري على بابه وكرم وشجر في شرقيه، ورحى عامرة تطحن فوق الكرم. وبإزائه تل دير زارج، إذا صعده الزائر أيام الربيع أشرف على سائر بلدة حزة. وفيه من ألوان الزهر وأنواع الأقاحي والشقائق وصنوف النور والزهر … يسر الناظرين ويقصر وصف الواصفين. وفي قلالي رهبانه جنينات حسان فيها آس مصر وشجر مريم وغير ذلك. قال: وحدثني محمد بن حمد الأصم، قال: كنتُ بكفر عزّى، فنزحت مع جماعة فيهم خير نلتمس موضعا نزها نجلس فيه ونقصف. فأجمع رأينا على قصد دير إتراعيل - وهو من كفر عزى على ميل - في أيام الربيع، فرأيناه في نهاية الحسن بما حوله وفيه، وهو مشرف على بلد حزة كله، فنزلناه وقصفنا فيه أياما متتابعة، وقلتُ فيه هذه الأبيات: [من مجزوء الوافر] عَمَرنا عُمْر إتراعيل … بالقَصْف وباللعب بِفَتْيان ذوي شرف … وقدْرِ وَذَوِي لُبٌ بغَوْا في كفر عزى نُز … هةً تبعثُ للشَّرْبِ فوافَوْا جَنَّةً مِنْ عُمْر … إتراعيل عنْ قُرْبِ وقد حُف برم و … بأشجار له غُلْبِ وأنهار يحاكي جر … يُهامسلولةَ القَضْبِ وروض راضه المُزْنُ … فأضحى وهو كالعضبِ رأوه كروس جُليت فـ … ي حُلَلٍ قُشْبِ فخلوا منه في منز … ل لهو مُونِي رَحْبِ ودارت نُجُب الأبطا … لِ مَجَّتْ بحلى الشرب على أوجه أعمار … على قُضْب على كُتُبِ فما ظنك بالعطشا … ن عند المَكْرَعِ العذب؟

стр. 321

قال فانصرفنا بعد أيام، وكلنا يود أن لا يزول منه: لطيبه وحسنه. قال ابن المستوفي: وليس بهذا الدير الآن شجر ولا ماء على بابه. وفيه بيعة حسنة وقناة قديمة ورحاه باقية، والماء الذي يدير … بعيد عن الدير؛ وفي كل عيد من أعياد النصارى يقام به سوق وتخرج إليه جماعة من إربل، ويزوره خلق من النواحي يكونون فيه مدة يومين أو أكثر وينصرفون عنه. دير باقوقا - ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل، قال: وهو إلى الآن باق، وفيه رهبان كثيرة. ذكر الشمشاطي (١) أنه وراء الزابي وله مزرعة إلى جانب داري وفيها بساتين وفيها تين أسود كبير. وبينه وبين الموصل سبعة فراسخ. وهو دير كبير. وكان أنشدني فيه أبو الحسين محمد بن ميمون الكاتب: [من الوافر] نزلتُ بدَيْرِ باقوقا وفيه … من الرهبان لي خِدْنٌ مُقيم فألحقني بصهباء شمول … يفوح بعنبر منها النسيم ونادمني برُهْبانِ ملاح … وفيهم شادنٌ حَسَنُ رخيم وسرنا عنه والأهواء فيه، … وهل شيء من الدنيا يَدُومُ؟] (٢) تتمة دير سعيد (٣) - وهو بالجانب الغربي من الموصل. مطل على دجلة، حسن البناء. حوله قلال كثيرة، حسنة العمارة، ظاهرة النضارة. في كل قلاية منها جنينات لرهبانه، فيها طرائف الرياحين وغرائب الشجر. كثير النرجس. وهو يقارب تل

стр. 322

باذع. وتراه في الربيع كالوَشِي المُلَمَّع، والحَلْي المرصّع وهو منسوب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان أصح ما قيل في نسبته إليه أنه ربما كان يتعهده أيام إمارته بالموصل. ويقال: إن لترابه أثرا في دفع أذى العقارب، وإن ماءه إذا رُش في دارٍ، قَلَّت العقارب بها. وحكي أن رهبانه ألزموا في وقت بجباية، فقاموا بثلثمائة ألف درهم. وللخالدي فيه شعر. منه (١): [من الوافر] ألا فاسْتَرْزِقِ الرحمن خيرا … وسر بالكأس نحْوَ السكر سيرا فأيَّامُ الهُمُومِ مُقَصَّصات … وأيام السُّرُورِ تَطِيرُ طَيرا وله فيه (٢): [من الخفيف] سَعِدَتْ صُحْبَتِي بديرِ سَعيد … يوم عيد في حسنه ألف عيد كم فَتَاةٍ مِثْل المَهاة، سلبنا … ها صليبًا من بَيْن نَحْرٍ وجِيدِ وغَرِير مثل الغزال حللنا … عَقْدَ زُنَّارِ خَصْرِهِ المَعْقُودِ وحططنا رحالنا بِفِناءِ الهَيْ … كل المونق البديع المَشِيدِ والروابي مُشَهَّراتٌ كَغِلْما … ن لنا في مُحَبَّرات البرود فخدود مثلُ الشَّقائق في اللَّوْ … نِ تَلِيها شَقَائِقٌ كالخُدُودِ وإذا ما الهزار غرد في الغُصْ … ن، حَكَتْهُ الأوتار في التغريد من رآنا - ونحن في الأرض صَرْعى … قال: قوم موتى بغيرِ لُحُود وله فيه (٣): [من المنسرح] قامَرَ بالنفس في هَوى قَمَرٍ … ونال وَصْلَ البُدُور بالبِدَرِ وافتض أبكار لَهْوِه طَرَبا … بينَ عَشَايا المُدام والبُكَرِ من لم يدر في ربى الحَدَائِق مِنْ … دَيْرِ سَعيد، رحاه لم تَدرِ مَسَرَّةٌ كيلُها بلا حَشَفٍ … وَلذَّةٌ صَفْوُها بلا كَدَرِ قد ضُرِبَتْ خَيْمةُ الغَمام لَنَا … ورش خيش النسيم بالمطر وعندنا عاتِقانِ حُمْراء كالش … مس وأُخرى صَفْراء كالقمر يا تاركًا طِيبَ يَوْمِه لِغَدٍ! … تَبِيع عَيْنَ السُّرُور بالأثر؟

стр. 323

وقوله (١): [من المنسرح] قد طفح القلب بالهُمُومِ فَإِنْ … طفت بكأس، فهاتِهَا تَطْفَحْ في جُنح ليل تُرى كُواكِبُهُ … وهي إلى الغُرْب، كلُّها جُنَّحْ نَراكَ تَنْسى سُرور يومك في … دير سعيد وظلّه الأَفْيَحْ على بساط من البنفسج قد … ألقى من الوَرْدِ فَوْقَهُ مَطْرَحْ وكأس راح يديرها قمر … لحاظه في قُلُوبِنا تَجْرَحْ قد كان فيما مضى يُعرِّض … بالوصل، ولكِنْ أَرَاه قد صَرَّح وقوله (٢): [من الهزج] فكَمْ مِنْ رَوْحَةٍ والشـ … مس لم تَدْنُ لتطفيل إلى دير سعيد أو … إلى دَيْرِ مَخَائيل بساق كَمَهاةٍ مُغْزَ … ل أدماء عُبُول ترى في وجهه وَجْهَ … ك للرقة من ميل فأَجْراهَا كَخَلْخَالٍ … من الياقُوتِ مَفْتُولِ شربناها على أوجـ … ـه حور كالتمائيل إذا شئن تمَنْطَقْنَ … جَمِيعا بالخلاخيل قال الخالدي: وأنشدني السريّ الرّفاء (٣) لنفسه فيه (٤): [من الكامل]

стр. 324

وقلالي الدير الذي لولا النوى … لم أَرْمِها بقلى ولا بعُقُوقِ محمرة الحيطانِ يَنْفَح طيبها … فكأَنَّها مَبْنِيَّةٌ بخَلوق فمتى أزورُ بَناتِ مُشرفة الذرى … فأرود بين النَّسْرِ والعَيوقِ؟ وأرى الصوامع في عَوارِبِ أُكُمها … مثل الهوادج في غَوَارِب نُوقِ؟ حمر تلوح خلالها بيض كما … فَصَّلْتَ بالكافُورِ سِمْطَ عَقِيقِ وحكى ابن المستوفي في تاريخ إربل، في ترجمة أبي حفص، عمر بن محمد بن الشحنة الموصلي النحوي، أنه نقل من مجموع بخطه، قال: كنتُ في يوم من أيام الربيع بدير في ظاهر الموصل، يعرف بدير سعيد. وكان فيه راهب من النبل، كنتُ آوي إليه إذا جئتُ الدير. فاتفق في ذلك اليوم أني خرجت من قلايته إلى بستان الدير ومعي جماعة من الكتاب، كنت أنس بهم. ونحن على لذتنا، وإذا قد أتانا رجُلٌ، فجلس واندفع يغني، ويقول هذا الصوت في الموضع الفلاني، ليرينا أنه يعرف صنعة الغناء. فأبرمني وأبرم الجماعة، واستثقلناه فسألني بعض الجماعة أن أقول فيه على طريق العبث شيئًا. فعملت في الحال: [من الطويل] ثقيل يُصِمُّ السمع من قُبْحِ صَوْتِهِ … وتعمى له أبصارنا والبصائر ولو لم يكن فوقَ البسيطة لم تَزَلْ … مزلْزَلةٌ بطنانها والظواهر تغنى فقلنا: هاتِفُ البَيْنِ قد دَعَا … بفُرْقَتِنا أو ريب دهر مبادر فيا ليت أن الله لم يك خالقي … ويا ليته دارت عليه الدوائر الدير الأعلى (١) - وهو بالموصل، في أعلى جبل، تُطِلّ على دجلة. يضرب المثل به في رقة الهواء، وحسن المُستشرف تحته. والجزائر تتفرق خُلْجانها وغُدْرانها بإزائه. ولم تزل الولاة تخرج إليه للطف الهواء، والنظر إلى الماء. ويقال: إنه ليس للنصارى دير مثله. وظهر عنده معادن الكبريت والمرقشيئا والقلفطار وأشياء من هذه الأنواع. ثم صانعت النصارى حتى أُبِطلَتْ، خوفًا من تثقيل السلطان. قال جعفر بن محمد الفقيه: اجتاز بنا بعض السنين أبو الحسين بن أبي البغل (٢)،

стр. 325

فنزلت عليه، وخرجتُ في غد يوم نزوله إليه. فجعل يصف من طيب الهواء فيه وطيب قراءة رهبانه أمرا عظيما. ثم أنشدني لنفسه فيه شعرًا: ولست أرضاه. ومما قال الخالدي فيه (١): [من الكامل] واستَشْرِفَتْ نَفْسِي إِلَى مُسْتَشْرَفٍ … للدير، تاه بحسنه وبطيبه مُتَفَرِّق آذِى دَجلة تحتَهُ … بغَدِيرِه وخليجه وقليبه فَنَعِمتُ بين رياضه وغياضه … وسَكِرْتُ بين شُرُوقِه وغُرُوبهِ عنى الجَمَالُ به فزاد الثَّغْرُ من … تفضيضه، والخَدُّ من تذهيبه واهتز غصن البان في زنّاره … وأضاء جيد الريم تحت صليبه وله (٢): [من المتقارب] فتكت فلا تأخُذَنْ مَنْ فَتَكْ … بما أخَذَ الجهل أو ما ترك أَدِرْها! السْتَ تَرى الدير في … بدائع من حُلَلٍ لم تُحَكْ؟ وبين البكور وبين الغُروب … وبين الرياض وبين البرك، غِنَاءٌ تُشَدُّ إليه الرحال، … بلَحْنٍ تُحَلُّ عليه التِّكَكْ دير مار مخايل (٣) وهو على ميل من الموصل. يركب دجلة في بقعة حسناء. يُطلّ على كروم وشجر. برّي بحري، سهلي جبلي. وبه قلالي كثيرة في غاية الظرف، محفوفة بأنواع الشجر، وأصناف الزهر. وله عيد يكون قبل الشعانين بأسبوع. تخرج إليه النصارى بنسائهم وصبيانهم. ويمر لهم فيه يوم وليلة، تتجاوب فيه ألحان الأغاني وقراءة الرهابين. وحكي أنه أريد به حفر بئر في بعض قلاليه، فأفضى الحفر إلى صندوق من حجر. فكشف، فإذا فيه ميت لم يتغير من جسمه شيء، وإذا ثيابه صحيحة. وعند رأسه صحيفة من صفر فيها كتابة قديمة لم يقفوا على قراءتها، ولكنهم علموا أن فيها ذكره. وقصد المسلمون انتزاعه منهم. ثم دارت النصارى حتى خُلّي لهم، فردوه إلى مكانه، وعفوا أثره.

стр. 326

قال الخالدي: والذي يُظن أنه كان ممن على دين المسيح ﵇ وأنه هرب بدينه، فمات في هذا الموضع، ودفن فيه. قال: وبين هذا الدير وبين الموصل وادٍ يُعرف بوادي زَمَّار، عليه رابية تُعرف برابية العقاب، تُشرف على دجلة والبساتين والجزائر والنهر. وهي غاية في الربيع. وقال فيه (١): [من المتقارب] ألَسْتَ تَرى التل يُبدي لنا … طرائف من صنع آذاره؟ وقد نقط الزهرُ خَدّ الثرى … بدِرْهَمه وبديناره وكتب في لازورد الدُّجى … بِزَنْجُفره وبزنجاره فلا تَلْقَ كأسًا بتأخيرها … ولا يومَ لهو بإنظاره قال: وكان جحظة قد أنشدني لنفسه في دير العلث قوله (٢): [من البسيط] سَقْيًا ورَعْيًا لدير العَلْثِ من وَطَنٍ! … لا ديرِ حَنَّةَ من ذاتِ الأكيراح أيام، أيام لا أصغى لعادلة، … ولا تردُّ عِنَانِي جَذْبَةُ اللاحي فاستحسنتها، وذكرت قول أبي نواس في دير حنة، وهي في عروضها وقافيتها، فقلتُ (٣): [من البسيط] مَحاسِنُ الدير تَسْبِيحِي ومِسْباحِي، … وخمره في الدُّجى صُبحي ومصباحي بُسْطُ البَنَفْسَج … تبسط في … صحون آسٍ وخَيْرِيَّاتِ تُفَّاح بدائع لا لَدَيْرِ العَلْثِ هُنَّ ولا … لدَيْرِ حَنَّةً من ذاتِ الأَكَيْراحِ حتى تخمرَ خَمارى بِمَعْرِفَتِي … وحبَّرَتْ مُلَحِي بالسُّكْر مَلاحِي أبا مَخايَال، لا تعدَمْ ضُحًى ودُجى … سجال كلِّ مُلِثُ الوَدَقْ سَحَاحٍ فإِنْ أُقِمْ سُوقَ إطرابي، فلا عَجَبٌ … هذا بذاك إذا ما قَامَ نُوَّاحي! قال: وكان في هذا الدير خمار، يقال له الحارث، ويكنى أبا الأسد، معروف بجودة الشراب؛ وكان المُجان من أهل الموصل يقصدونه. وكان له ابن حسن الوجه، مهَفْهَف القوام، خفيف الروح، يقال له عبد المسيح،

стр. 327

يسقينا ومعنا مغن مليح الغناء، غنّانا في شعر حسان بن ثابت (١)، قوله (٢): [من المنسرح] أنظر خَلِيلي ببطن حلق هل … تونس دون البلقاء من أحد؟ وهو صوت معروف في الأغاني. فاستحسنّاه، وكان معنا كاتب، له علي اياد، فقال لي: أُحِبُّ أن تعمل في عروض هذا الشعر شعرا تذكر فيه يومنا. فقلتُ (٣): [من المنسرح] لا وجُفُونٍ تَنُوس في العُقَدِ … وحُسْنِ ثغر يلوح كالبَرَدِ لا كنتُ ممن يُضِيعُ أَدْمُعَه … بين الأثافي والنوي والوتد أحسنُ من وقفة على طلل … قَفْرٍ وزَجْرِ العَيْرانة الأُجُدِ كأس مدام جلا المدير بها … أُمَّ الليالي وجَدَّة الأَبَدِ نشربها شُعْلةً بلا حَرَقٍ … ونَجْتليها رُوحًا بلا جَسَدِ هل أحد نالَ مِثْل لذتنا؛ … يا با مَخايَال ليلة الأحد؟ سفيًا لماخور حارت ولما … خُصَّ به من مَحَاسِنِ جُدد قلت له وابنُه يَطوف بها … عُمْرُك فينا عمارة البلد بابنك ذا في جمال صورته … صِرْتَ أبا الظَّبي لا أبا الأَسَدِ هات اسقنيها فإِنْ سَفَكْتَ دمي! … فما بقتلي عليكَ من قَوَدِ

стр. 328

فأقمنا يومنا ذلك، وبتنا فلما أصبحنا، أراد الكاتب الموصلي أن يذهب. وكان اليوم حسنًا لرقة غينه، وملاحة صحوه. وكان للرجل غلام يحبه، فأراد الركوب إلى ديوانه، فأنشدته أبيات شعر قُلتُها. فأمر بحط سروج بغاله، وأخذنا في شأننا. ومنها (١): [من المتقارب] بحمرة وجه لذاك الهلال … وفترة مُقلة ذاك الغزال صل اليوم بالأمس، إني أرى … له بالسُّعُودِ وجُوهَ اتصال هواء صَفَا، وهوى مِثْلُهُ … كخمْر دلال وماء زُلالِ وغيم توهمه كالنَّوى … وصحو حقيقته كالمُحال ومِثْلُ اليَواقِيتِ زَهْرُ الرُّبي … وقطر الندى بينها كاللآلي إذا ما دَنَتْ شمسه للذُّبُو … ل، أشرق نواره كالذُبَالِ وذا الدير تَسْعَى بِعَلانِهِ … شعانينه في صُنُوف الجَمَالِ وصَفْراء بائعها خاسر، … ولو حاز عن قَدَح بيت مال أيا با مخايال أفدى تراك … بنَفْسِي، ومالي، وعمي، وخالي فكم سكرة لِي قَبْلَ الأذا … ن بين دواليبه والدوالي تجول خُيول دواليبها … فتمْلأُ مَا وَرْدَ ذاك المَجَالِ وقوله فيه (٢): [من البسيط] بِما خَيَالٌ إِنْ حَاوَلَتْما طَلَبِي … فَأَنْتُما تَجِدَانِي ثُمَّ مَطْرُوحًا يا صاحِبِي هُوَ الْعُمْرُ الَّذِي جُمِعَتْ … فِيهِ الْمُنَى، فَاعْدُدُوا لِلدَّيْزِ أَوْ رُوحا بِرٌّ وَيَخْرُ بِهِ يَهْدِي نَسِيمُها … مِسْكًا بِماءِ الْوَرْدِ مَنْضُوحا يَجُرُّ صَيَّادَهُ الشَّبُّوطِ مُضْطَرِبًَا … حَبًّا، وَقَابِضُهُ الْيَعْفُورُ مَذْبُوحا [وَفِيهِ يقولُ أبو حَفْصٍ عمرُ بنُ الشِّحْنَةِ المَوْصِلِيُّ النَّحْوِيُّ، من قصيدةٍ: وَأَغْمِدْ إِلَى مَرَّ مِيخَائِيلَ فَإِنْ بِهِ … مَحَاسِنًَا لِسُرُورِ النَّفْسِ مِفْتَاحُ كَمْ فِيهِ مِنْ أَشْعَثَ بَادٍ شُخُوبَتُهُ … تَهَفْهُفُهُ بِنْتُهُ تِلْكَ الْأَكْبَرَاجُ وفيه يقول أيضًا: [من الكامل] يا مَرْ مخائيل، وإن بعد المدى، … سُقيتَ صَوْبَ سحائب وبَوَارِقِ

стр. 329

يا حبَّذا نُوَّارُ رَوْضِكَ إِذْ غَدَا … يَفْتَرُّ مِنْ دَمْعِ الغَمَامِ الدَّافِقِ مَغْنَى خَلَعتُ به العذار تصابيًا … في غُنْج أحداق وزُهر حدائق أيام أَجْرِى في ميادين الصبا … متخايلًا جَرْيَ الجَمُوحِ السَّابق وستأتي القصيدتان، إن شاء الله تعالى، في ترجمته مع النحاة. وبالله التوفيق!] (١) دير متى (٢) - وهو بالموصل، من الجانب الشرقي، على جبل شامخ، يعرف بجبل متى. يُشرف على رستاق نينوى والمرج. وهو حسن البناء، جيد الحصانة. وأكثر بيوته منقورة في الصخر، في نهاية الحسن والنظافة. ورهبانه لا يأكلون طعاما، إلا جميعًا: في بيت للشتاء، وبيت للصيف. ومتى جلس أحد في صحن هذا الدير، نظر إلى الموصل. وبينهما سبعة فراسخ. وله عدة أبواب مفرطة في الكبر، وكلها من حديد مُصْمت. و به صهريج عظيم يجتمع فيه ماء المطر، عمقه اثنا عشر ذراعا: لكل شهر ذراع من الماء. ويفتح هذا الصهريج من موضعين: في أعلاه وفي أسفله. فيخرج ماؤه من أسَدَيْن من صُفْر. وجملة أمره أنه عجيب عظيم في أمثاله. وحوله من الأشجار من سائر الثمار. وفي خارجه مغار في الجبل، فيها صناديق من صخر بأطباق لموتاهم، فمتى امتلأت خرج رأس الدير مع رهبانه يقرءون أناجيلهم، ويجمعون العظام البالية منها. ثم تطرح في فج داخل هذا المغار. قال: وبت ليلة فيه، مع بعض الرؤساء على شرب ولعب، فقلتُ (٣): [من الكامل] فلأشكرن لدير متى ليلةً … مَرْقتُ ظُلْمتَها ببدر مُشرِقِ حتى رأينا الليل قَوَّسَ ظهره … هَرَم وأثر فيه شَيْبُ المَفْرِقِ قال: وقرأت على باب دهليزه بيتين كُتِبا، وهما: [من البسيط] يا دَيرَ مَتى سَقَتْ أطلالَكَ الدِّيمُ! … وانهل فيكَ على سُكَانِكَ النِّعَمُ فما شفى غُلَّتي ماء على ظَمًَا … كما شَفَى حَرَّ قَلبي ماؤُكَ الشَّبِمُ دير الخنافس (٤) وهو دير صغير بالموصل، بالجانب الشرقي، على قلة جبل شامخ، يُشرف على أنهار نينوى وضياعها.

стр. 330

وفيه طلسم ظريف: يجتمع له في وقت من السنة الخنافس الصغار اللواتي كالنمل، حتى تسود حيطانه وبيوته وسقوفه وأرضه، مدّة ثلاثة أيام. ثم لا توجد. ولهذا سُمِّي دير الخنافس. قال الخالدي: وهذا معروف مشهور بالموصل. فإذا كانت تلك الأيام، أخرج الرهبان أمتعتهم منه، هربًا منها. وقال: ولا أعرف فيه شعرًا إلا ما قاله بعض بني عُروة الشيباني يرثي أخًا له، مات عنده، فدفن إلى جانبه. ومنه: [من الطويل] بقُرْبكَ يا دير الخَنَافِس حُفرة … بهاماجِدٌ رَحْبُ الذُّراع كَرِيمُ طَوَتْ منه هَمَّامَ بنَ مُرَّةَ في الرُّبى … لالٌ يُنِيرُ اللَّيْلَ، وهو بَهِيمُ سَقَاك وسَقَاهُ وسَمّى ضريحه … أَجَشُ من الغُرِّ العَذَابِ هَزِيمُ فيا دير أحسن ما استطعت جواره، فإني غادٍ عَنكَ، وهُو مُقِيمُ قال: فنساء بني عُروة جميعا تنوح عليه وعلى موتاهم بهذه الأبيات إلى اليوم؛ وإذا نزلت أحياؤهم به، نحروا عليه وأقاموا مآتم. دير باعربا (١) - وهو بين الموصل والحَدِيثة، على شاطيء دجلة، من الجانب الغربي. بإزاء جزائر كثيرة الشجر، قلما خلت من سبع. وهو جليل عند النصارى، وفيه قبور يعظمونها. وبناؤه عجيب. وارتفاع حائط هيكله نحو المائة ذراع، ما حوله بناءً يسنده. وله مزارع. وفيه بيت ضيافة ينزله من يجتاز عليه. قال الشيظمي (٢): لما انحدر سيف الدولة إلى العراق، نزل دير باعربا، وضرب مضربه على شاطئ دجلة، وتغدى ونام. فلما كان وقت العصر دخل الدير، وصعد سطحه. فرأى منظرا حسنا من بره وبحره وعلوّ مشترفه. فاستدعى شرابا، ودعا سقارة العواد، فغناه. وكان معه من الندماء أبو اسحاق اليسريّ. ثم استدعاني، وسقارة يغني بشعر غثّ في وزن بارد. فأمرني بأن أعمل في عروضه، فقلت بعد تمنّع، لكنه لا يجيء فيه الحسن: [من الرمل] شَرَفًا يا دير عرباء ومجدًا … بهما تُعْنى مدى الدَّهْرِ وتُعْمَرْ سترى ماءكَ هذا ماءَ وَرْدِ، … وترى صَحْنَك ذا مسكًا وعنبر

стр. 331

إذ على سطحك سيف الدولة القر … م الذي فاتَ الوَرى عزا ومَفخَرْ والذي إن سار في العسكر فردًا … فهو في إقدامه أَلفُ [و] عَسْكَرْ دير القيارة (١) - وهو فوق دير باعربا على جانب دجلة الغربي نُسب إلى عين فيه ومعدن، يستخرج منه القير. وتحته حَمَّةٌ عظيمة. يقصده من به علة أعيت الأطباء، فيقيم به خمسة أيام، مستنقعا في مائها، فيبرأ من علته ويشفى من النقرس ويبسط التشنج، ويزيل الأورام الجاسية والرياح الغليظة، ويلحم الجراحات. قال الخالدي: وسبيل من قصدها، أن يظل نهاره في مائها، ويأوي ليله هيكل ديرها، ويدهنه رهبانه بالطيبوث. فيشفى بإذن الله. وفيه عيون يخرج منها النفط والقير. فتُتَقَبَّل من السلطان بألوف دراهم في كل سنة. ومرافق هذا الدير كثيرة. قلتُ: وسنلم بذلك في موضعه. دير بارقانا - وهو فوق الحديثة، على جانب دجلة الشرقي. راكب للماء، في موضع نزه حسن وبناؤه محكم. وقلاليه كثيرة الشجر والزهر. وله بساتين ومباقل. ويقال: إنه ليس في سمك دجلة أسمن من سمك يصاد من شاطئه. قال الخباز البلدي (٢): اجتزت به فرأيت من حسنه ونضارة شجره، ما دعاني إلى المقام به والقصف فيه. وسألت رهبانه عن الشرب، فدلوني على راهب منهم. فرأيته ظريفا، وقلايته مليحة، وشرابه صافيا جدا. فابتعتُ منه، وأقمت عنده نهاري وليلتي. وقلتُ (٣): [من الوافر] أَلَا سَقْيًا لرقة بارقانا … وهَيكَلِه المشيد والقلالي فكم من سَدْفَةٍ باكرتُ فيها … مُعَصْفَرةً كمثلِ دَمِ الغزال فكم عانقت غُصنًا في اعتدال … بهِ، وَلثمت بدرًا في كمال

стр. 332

وجاد بما أَحَاوِلُ مِنه سكرا … وكان ممانعي طيف الخيال دير أبي يوسف (١) وهو قريب من بَلَدٍ. بينه وبينها نحو فرسخ. على شاطئ دجلة. وموضعه حسن معمور بالزيتون والسرو والآس والرياحين، مغروس الرُّبى بالنرجس وهيكله حسن البناء. وفيه عجائب من بدائع التصوير. ولرهبانه جِدَةٌ ونَعَمٌ. ولا يُعوزه كلَّ يوم قافلة تحط عنده لتأخذ خمرا. والمُجان تقصده للتنزه فيه بطنا بيرهم وعيدانهم وسائر ملاهيهم. قال الخالدي: خرجتُ في بعض السنين إلى بلد، مع كاتب لبعض أمرائنا فأحببتُ الشرب في دير أبي يوسف. فكتبت إليه (٢): [من المتقارب] بدير أبي يُوسُف خمرة … تَزِيدُ على لَهَبِ البارق ونَرْجِسُه كنسيم الحَبِيبِ … عنْدَ مُحِب له وامق فماذا ترى فيه قبل استماع … هماهم ناقوسه الناطق؟ لِتَقْنِ بِكْرًا خَلُوقية … تُخَبِّر عن حكمة الخالق ففعل. وأقمنا به ثلاثة أيام في ألذ عيش، وأصفى وقت. ثم انحدرنا منه. دير الشياطين (٣) وهو بالقرب من أوسل، بلدٌ على قطعة من الجبل على دجلة، في موضع حسن وهواؤه رقيق لطيف، وقلاليه عامرة كثيرة الأشجار. وأرضه كثيرة الرياض. وله سور يحيط به، ومشترف على سطح هيكله يُشرف على دجلة والجبل. وفيه يقول السري الرفاء (٤): [من البسيط] عصى الرشادَ فَقد ناداهُ مِنْ حِينِ … وراكض الغَيَّ في تلك الميادين ما حَنّ شَيْطانُه العاتي إلى بلد … إلا ليَقْرُب من دير الشياطين وفتيةٍ زَهَرُ الآداب بينهم … أبهى وأنضَرُ من زَهْر البساتين مشوا إلى الرَّاحِ مَشْيَ الرَّنِّ وَانْصَرَفُوا، … والسُّكْر يَمْشِي بهم مَشْيَ الفَرَازِين حتى إذا أَنْطَقَ الناقوس بينهم … مُزَيَّنُ الخَصْر رومي القرابين فحت أقداحها بيضُ السَّوالف في … حمر الغلائل في خُضْر الرياحين كأنها وبياض الماء يَقْرَعُها … وَرْدٌ يصافحه أوراقُ نَسْرِين

стр. 333

دير مرسرجس (١) وهو فوق بلد بثلاثة فراسخ، على قلة جبل عال. يبين للناظر من عدة فراسخ. قال الخالدي: وعلى بابه شجرةٌ لا يعرف أحد ما هي، لا يسقط ورقها عند سقوط ورق الشجر، ولها ثمرة تشبه اللوز. وفي جبله من الزرازير شيء عظيم، لا تفارقه صيفا ولا شتاء، لا يقدر على صيد شيء منها. وفي شعاب جبله أفاع كثيرة، تمنع من صيد طيره ليلا. قال: وفي أوديته حصى على شكل اللوز لا تغادره. قلت: ولعل هذه الشجرة هي التي ذكرها ابن وحشية، وقال إنها في الدنيا واحدة لا ثاني لها. وحكى الخالدي، قال: حدثنا الخباز البلدي، قال تقلّد بلدنا رجل من آل الفرات، وكان أديبًا شاعرًا. فاستخصني فما كنت أفارقه فرأى يوما هذا الدير وسألني عنه. فوصفته له. فأحب النظر إليه. فخرج وحملني معه. وكان ذلك في شتاء متصل المطر. فلما جئناه، رأينا في جبله من الغُدْران ما ملأ أفاويقه. فلما صعدنا سطح الهيكل، فكر ساعة ثم أنشدني لنفسه: [من البسيط] وهيكل تَبْرُزُ الدنيا لِمُشْرِفِهِ … حتى يُعايِن منها السهل والجبلا كأنّ صَبَّين باتا طول ليلهما … يستمطران على غُدْرانه المُقَلا دير صباعي (٢) وهو على شاطئ دجلة الشرقي، فوق تكريت بقليل. وهو كثير الرهبان. وله مزارع وجنينات ولرهبانه يسار وغنى. وفيه يقول بعض لصوص بني شيبان: [من الوافر] ألا يا ربِّ سَلَّم دَيْرَ صُبَّاعى … وزِدْ رُهْبانَ هَيْكله اجتماعا فكمْ جِناه أمواتا سعابًا … ورحنا منه أحياءً شباعا فيا للقصف ما أسرى نَبِيذا … ألذ طلًا وأحسنه شعاعا لِنعمتِهِ ومِنَّتِه علينا … عَمَرْناهُ وخَرَّبْنا الضياعا

стр. 334

عُمْر الزعفران (١) - وهو على رأس جبل مطلّ على نصيبين وديار ربيعة من جانب، وعلى طُورِ عَبْدِينَ وقَرْدى وبعض ديار بكر من جانب آخر؛ وبه كثير من الزعفران. وهو عجيب البناء، كثير الرهبان. وفيه جَنَّات لهم حسنة نضرة مملوءة بشجر البندق والفستق واللوز الفرك والزيتون والبطم. وماؤه من صهاريج يجتمع فيها ماء السماء والصهاريج منقورة في صخور. والثلج به ممكن. ولما نزل المتقي نصيبين استعذب ماءه واختاره على مائها وماء دجلة. قال الخالدي: ولهذا الدير بيوت للضيافة في عُلُو الهيكل. وللسور تسوير عجيب، وعليه أبواب من حديد مُصْمَت. قال: وشعر زعفرانه فائق. ومنه ومن العسل أكثر يسار رهبانه. قال: وكان الأمير أبو البركات يخرج إليه، وأخرج معه. فيقيم به على شُرب وسرور. وأمرني أن أعمل فيه شعرا. فقلت (٢): [من مجزوء الكامل] عطلت دارسة المغاني … وعَمَرتُ عُمر الزعفران وأقمت في غُرَفٍ لديه … كأنَّها غُرف الجنان وترى قنانينا مُقدّمـ … ـــة باس خسرواني ومعانقي ظبي وبد … رُ دُجُنَّة وقضيب بان والراح أحصَنُ جُنّةٍ … لك في مقارعة الزمان لا تأمننَّ صُروفه: … فالدهر ليس بذي أَمَانِ قال: وأنشدني الببغا (٣) لنفسه في هذا الدير (٤): [من الطويل] صَفَحْتُ لهذا الدَّهْرِ عَنْ سَيِّئاتِه … وعَدَّدْتُ يوم الديرِ مِنْ حَسَناتِهِ وصبحتُ عُمر الزعفران بصنجة … أعاشَتْ سُرُورَ القَلْبِ بعدَ مَمَاتِهِ وأَهْيَفَ فَاخَرْتُ الرياض بحسنه … فأَدْعَنَ صُغرا وَصْفُها لصفاتِهِ

стр. 335

فلما دجا الليل استعاد سنى الضُّحى … براح نأت بالليل عن ظُلُماتِهِ ونم إلينا دنها بضيائها … فكان كقَلْبِ ضاق عن خَطَراتِهِ وخوفني منه، فخِلْتُ صَلِيبَه … لشدّةِ ما نَخْشَاه بعض وُشَاتِهِ! وفيه يقول مُصْعَبٌ، الكاتب (١): [من البسيط] وقائل قال لي: أَقْصِر! فقلتُ له: … أما تراني بحبِّ المُرْدِ مَشْغولا؟ لا أعشق الأبيض المَنْفُونَ مِنْ سِمَنٍ؛ … لكِنَّني أعشق السمر المهازيلا فقال لي: أنت مجنون؟ فقلت له: … لا تُكْثِرنَّ عَليَّ القال والقيلا إني امرؤ أركَبُ المُهْرَ المُضَمِّر في … يوم الرهان، فدعني واركب الفيلا وكذلك قال: [من البسيط] دَبَيْبُ أَمْشِي على الكفَّينِ الْمِسُه … كمشي مُستَرِقٍ للسمع أسرارا فمرّ يَمْشُق في قِرْطَاسَة قَلَمِي … والليلُ مُلْقِ على الآفاق أستارا فقال لما انجلى عن عَيْنِهِ وَسَن … وقد رأى تكةً حُلَّتْ وأزرارا: يا راقد الليل مشرورًا بأوله … إن الحوادث قد يَطْرُقْن أسحارا دير باربيثا - وهو بنينوى، بأرض الموصل، على نهر الخازر، وبه بيت ضيافة. وله عند النصاري قدر جليل. قال الخالدي: رأيته في بعض السنين. وكان به راهب يقال له كوريال، من عُبَّاد النصارى فأضافنا أحسن ضيافة وأكرمنا أتم إكرام بالطعام الكثير، والشراب العتيق الواسع، وعلف الدواب، وأكثر فعظم في عيني؛ وعاتبته على الإسراف في فعله. فقال: هذا والله رسمنا مع كل من ينزل بنا! قال: وهذا الدير الذي قُتِل عنده عبيد الله بن زياد قتله إبراهيم بن الأشتر، على هذا النهر، وأنفذ برأسه إلى المختار في خبر يطول، وليس هذا موضعه. دير حنظلة (٢) - وهو بالحيرة، على نحو فرسخ منها، إلى المشرق. وموضعه

стр. 336

حسن، لما فيه من جنينات رهبانه وأشجارهم، وما يُلبسه الربيع من الرياض. وأنشد الخالدي فيه لغيره شعرًا، منه: [من الكامل] طَرَقَتْكِ سُعْدى بين شَطَّيْ بارق … نفسي الفداء لطيفها من طارق يا دير حنظلة المُهيج لي الهوى … هل تستطيعُ صَلاحَ قلب العاشِقِ؟ وقد ذكره أبو الفرج الأصبهاني، وأنشد لبعض الشعراء فيه رجزًا، منه: [من الرجز] بساحة الحيرة ديرُ حَنْظَلَه عليه أذيال السُّرُور مُسْبَلَهْ أحييت فيه ليلةً مُقْتَبَلَهْ وكأسُنا بين الندامى مُعْمَلَه والراح فيها مثلُ نَارٍ مُشْعَلَهْ دير الجائليق (١) - وهو قديم البناء، غربي دجلة، في عرض حربى. على الحد بين آخر السواد وبين أوّل أرض تكريت وفيه كانت الحروب بين عبد الملك بن مروان ومُصْعَب بن الزبير. فقال ابن قيس الرقيات (٢): [من الطويل]

стр. 337

لقد أورثَ المِصْرَيْنِ حُزنًا وذِلَّةٌ … قتيل بدير الجائليقِ مُقِيمُ فما قاتلت في الله بكر بن وائل … ولا صَدَقْتْ عِنْدَ اللِّقاءِ تَمِيمُ وحكي أنه كان به غلام أمرد نصراني من أهل الحيرة، يقال له عشير بن إليا الصَّيْرَفي. وكان يتعشقه بكر بن خارجة (١)، وفيه يقول من شعر له (٢): [من الوافر] أجِرْنِي مُتُّ قَبْلَكَ منْ هُمُومي! … وأرشدني إلى وجه الطريق فقد ضاقت علي جهاتُ أمْرِي … وأنت المستجار من المضيق وفيه يقول بيتين يحضرني منهما قوله: [من الرجز] زِنَّارُه في خَصْره مَعْقُودُ كأنّه من كبدي مقدودُ قال أبو الفرج: وكان دعبل (٣) يستحسنه ويقول: ليت هذين البيتين لي بمائة بيت

стр. 338

وفيه يقول محمد بن أبي أمية (١): [من الوافر] رأيتُكَ حِلْيَتَيْ دِينِ ودُنْيا … حياة للضجيع وللقرين بدا لي بعد ما سبَقَتْ يميني … بهَجْرِك أن أُكفّر عن يميني دير مَرْيُحَنَّا (٢) - وهو إلى جانب تكريت على دجلة، عامر بالقلايات والرهبان. مطروق مقصود منزل لكل مسافر وبه ضيافة قائمة على أقدار الناس. وله مزارع متسعة وغلات كثيرة. وهو للنُّسطورية (٣). وعلى بابه صومعة عبدون الراهب، وكان من

стр. 339

المَلَكيَّة (١). بناها فعرفت به. وفي هذا الدير يقول عمرو بن عبد الملك الورَّاق (٢): [من الهزج] أرى قلبِي قَدْ حَنَّا … إلى ديرِ مَرِي حَنّا إلى غيطانه الفيح … إلى بركته الغنا إلى أحسن خَلْقِ … اللهِ إِنْ قَدّس أو غنى فلما فد أبلج الصُّبْحُ … يَزَلْنَا بيننا دَنَّا فلما دارت الكاس … أدرنا بيننا لَحْنا فلما هجع السُّمَّا … رُ، نِمْنا فَتَعَانَقْنا قال الشابشتي: وكان عمرو هذا من الخلعاء الظرفاء المنهمكين في اللهو والتطرح في الديارات. ومما أنشد له في المجون قوله: [من مجزوء الرمل] أيها السائلُ عَنِّي … لست من أهل الصلاح أنا إنسان مُريب … أشتهي نيل الملاح عُمر أحويشا (٣) - وأحويشا بالسريانية الحبيس (٤). قال الشابشتي: وهذا العُمر بإسْعَرْد، من ديار بكر. وهذا العُمر مطل على أَرْزَنَ. وهو كبير جليل. فيه أربعمائة راهب في قلاليهم. وحوله بساتين وكروم. وهو في نهاية العمارة والنزهة وحسن الموقع وكثرة الفواكه والخمر ومنه يُحمل الخمر إلى البلدان.

стр. 340

وبقربه عين عظيمة تدير ثلاثة أرحاء. وإلى جانبه نهر يعرف بنهر الروم. وبه أنواع المُطْرِبين، وأنشد فيه اللبادي (١): [من الوافر] وفتيانٍ كَهمك منْ أُناسٍ … خفَافٍ في الغداة وفي الرَّوَاحِ نَهَضْتُ بهم، وستر الليل مُلْقَى … وضَوْء الصبح مقْصُوصُ الجَنَاحَ نوم بدير أخويشا غزالًا … غريب الحُسْن كالقَمَرِ الرِّياح فساعفنا الزمان بما أردنا، … فأَبْنا بالفلاح وبالنجاح عُمر كسكر (٢) - وهو أسفل من واسط، في الجانب الشرقي، في القرية المعروفة ببرخوى وفيه كرسي المطران. وهو عُمْرٌ كبير، كثير القلايات يُبَايِعُ عليها. ويحيط به بساتين كثيرة وغلات واسعة. وفيه يقول محمد بن حازم الباهلي (٣)، وكان قد قصده أيام مقام الحسن بن سهل بواسط (٤): [من البسيط] بعُمْرِ عَسكَرَ طَابَ اللَّهْوُ والطَّربُ … والباذكارات والأدوار والنُّخَبُ وفتية بذلوا للكأس أنفسهم … وأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب فلم يزل في رياض العُمر يعمرها … قَصْفا وتعْمُرُها اللذات والطرب والدهر قد طرفت عنا نواظره … فما تُروّعنا الأحداث والنُّوبُ قال الشابشتي: وأنشدني من مليح شعره قوله (٥): [من المجتث] صِلْ خَمْرَةً بِخُمارِ … وصل خُمارا بخمر وخُذ بحظك منها … كأسًا إلى حيث تدري قال: فقلت: إلى أين؟ ويحك! فقال إلى النار، يا أحمق! وأنشد له (٦): [من الخفيف]

стр. 341

جددًا مجلسا لعهد الشباب … وارعيا حُرمة الصبا والتصابي بكهول إذا استقرت حُمَيَّا الكاس … لم ينطقوا بغير الصواب مارسوا شِدَّة الزمان فلانوا … واستفادوا محاسن الآداب فاسقياني إذا تجاوبت الأو … تار كأسا لإدكار الشَّبَابِ دير الأَسْكُون (١) - ذكر مصَنِّفُ ديارات الحيرة (٢)، أنه راكب للنجف. قال: وهو أنزه دياراتها، وفيه قلالي وهياكل ورهبان يقيمون الضيافة لمن ورد عليهم. وهو حصن منيع. له سور عال، وباب من حديد. ومنه يهبط إلى غدير الحيرة. وأرضه رضراض ورمل أبيض. وله مشرعة تقابل الحيرة، لها درج إذا انقطع النهر كان منها شرب أهل الحيرة. قال: وإليه تجتمع النصارى في أعيادهم وفي كل يوم جمعة بعد صلاة الجمعة. فإذا كان يوم الشعانين (٣)، أتوه من كل ناحية، مع شما ميسهم بصلبهم وأعلامهم. فإذا استتموا فيه وفي القصر الأبيض والعلالي المدانية، خرج أسقفهم بهم إلى مكان يعرف بقبيبات الشعانين وهي قباب على ميل من ناحية طريق الشام فأقام بهم فيها يومهم ذلك إلى آخره. ولكل منهم يومئذ شأن يُغنيه. دير حنة (٤) - هو بالحيرة، من بناء نوح. [هكذا نقلته ولا أعرف من هو]. وإلى جانبه قائم. حكى أحمد بن عمر الكوفي، قال: كان بالكوفة رجل أديب ضعيف الحال، مهما وقع في يده من شيء، أتى به دير حنة فيشرب فيه حتى يسكر. ثم ينصرف إلى أهله، ويقول: يُعجبني من الغراب بُكُوره في طلب الرزق. وربما بات به، ويقول: [من المتقارب] تَطاوَلْ لَيلَك بالزاويه … وكانَ المُبِيتُ بها عافيه

стр. 342

ومن تحت رأسِكَ آجُرَّةٌ … وجَنْبُكَ مُلْقَى على باريه وذلك خير من الإنصراف … فتحكُمُ فيكَ بَنُو الزانية وتُصْبِحُ إما رهين السُّجُونِ … وإما قَتِيلًا على ساقيه قال: فوجد والله بعد أيام قتيلا على ساقية! وهو القائل: [من البسيط] ما لَذَّةُ العيشِ عندي غيرُ واحدةٍ … هي البُكُورُ إلى بعضِ المَواخِيرِ لخاملِ الذِّكْرِ مأمونٍ بَوَائِقُهُ … سهلُ القِيَادِ من الفَرَّهِ المَدَابِيرِ حتَّى يَحُلَّ على ديرِ ابنِ كَافِرَةٍ … من النصارى ببيعِ الخَمْرِ مشهورِ كأنَّما عُقِدَ الرَّأْيَارُ فوقَ نَفَا … وأغثمُ فوقَ دُجَى الظُّلْمَاءِ بِالنُّورِ وفيه قال الثرواني (١): [من الكامل] يومي بهيكل ديرِ حَنَّةَ لم يَزَلْ … غُرُّ السحاب تجود فيه وتمرعُ متجَوْشِنُ طورًا وطورًا شاهرًا … بِيضَ السُّيوف وتارة يتدرّع وكذلك قال فيه بكر بن خارجة الكوفي: [من الوافر] أَلَا سُقِي الخَوَريقُ من محل … ظريف الروض معشوق أنيق أقمت بديرِ حَنَّتِه زمانا … بسكر في الصبوح وفي الغَبُوقِ ومنا لابس إكليل زهر … ومختضبُ السَّوالف بالخَلُوقِ كأن رياضه حسنا ونورا … سحائب ذُهبتْ بسَنَى البروقِ كأن تقاطر الأشجار فيه، … إذا غسق الظلام، قِطارُ نُوق وماذا شئت من دُرّ الأقاحي … هناك ومن يَوَاقِيتِ الشَّقِيقِ وقد ذكر دير حنة أبو الفرج الأصفهاني وقال: ذكره أبو نواس في شعره، يعني في قوله (٢): [من البسيط] يا دير حنة من ذات الأكيراح! … مَنْ يَصْحُ عنك فإني لستُ بالصاحي يعتاده كُلُّ مجفو بعارفة … من الدهان عليه سحق أمساح في فتية لم يدع منهم تخوفهم … وُقُوع ما حَذِرُوه غير أشباح لا يَدْلُفُون إلى ماء بآنية … إلا اغترافا من الغدران بالراح

стр. 343

قال: والأكيراح (١) بلد نَزِه كثير البساتين والرياض والمياه. قال: وبالحيرة أيضًا موضع يقال له: الأكيراح فيه دير. والأكيراح قباب صغار يسكنها الرهبان. يقال للواحد منها الكِرْحُ. دير عبد المسيح (٢) - وهو بالحيرة. بناه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة (٣). ويقال إنه عمر دهرا طويلا، ولحق خالد بن الوليد، حين فتح الحيرة. وله معه خبر طويل. وحكى بعض أهل الكلام، قال: قرأت على حائطه مكتوبًا: [من الوافر] رأيت الدهر للإنسان ضدًا، … ولا يُنجي من الدهرِ الخُلُودُ ولا يُنْجِي من الآجال أرض … يَحُلَّ بها ولا قصرٌ مَشِيدُ وحكى آخر قال: قرأت على حائطه أيضًا: [من البسيط] هذي منازل أقوامٍ عَهِدْتُهُم … في خَفْضِ عَيْشٍ خَصِيبٍ ماله خَطَرُ دارت عليهم صُروف الدهر فانتقلوا … إلى القُبُورِ، فَلا عَين ولا أثر وقد ذكره الأصفهاني في أخبار لا حاجة فيها. وقال: وكان عبد المسيح قد بنى ديرا في بقعة بالحيرة يقال لها الجزعة. كان يترهب فيه حتى مات. ثم خرب الدير، وظهر فيه أزج معقود من حجارة. وظنوا فيه كنزا، ففتحوه، فإذا سرير رخام، عليه رجل ميت، وعند رأسه لوح فيه مكتوب: [من الوافر] حَلَبْتُ الدهر أشطُرَه حَيَاتِي … ونلْتُ من المنى فوق المزيد وكدتُ أنالُ في الشَّرَف الثريا؛ … ولكن لا سبيل إلى الخُلود دير الحريق (٤) هو بالحيرة. بناه النعمان بن المنذر على ولد كان له، عُدِيَ عليه واحرق فيه. وإلى جانبه قبة تعرف بقبة السُّنَّيق، و [قبة] تعرف بقبة غُصَيْن. وهما راهبان

стр. 344

نسبا إليهما. وهما بديعتا البناء. وفي الدير وفيهما يقول الثرواني: [من الكامل] دير الحَرِيقِ وقُبَّة السُّنِّيقِ … مَغْنى لحلف مُدامةٍ وفُسُوق وطن لفرقته شرقْتُ بدمعتي … ولرحلتي عنه غَصِصْتُ بريقي حكى حمزة بن أبي سلامة، قال: كان الثرواني جاري بالكوفة، وكان كثير الإلمام بالديرة، فباكرني في يوم شعانين وقال لي: اعزم بنا اليوم على الشرب في دير الحريق؛ لأنه يوم سيقصده فيه خلق. ولي به صديق من رهبانه ظريف، مليح القلاية، جيد الشراب. فهلم! ننزه أعيننا فيما نراه من الجواري والغلمان، ثم نعدل إلى قلاية صديقنا فنشرب على سطحها المشرف على الرياض. فخرجنا فرأينا من النساء والوصائف والولدان في الحُلي والحُلل ما لم أر مثله قط. فلم يزل يعبث ويتعرّض، ويقبل ويعانق - وكان معروفا بذلك - فما أحد ينكر عليه فعله، إلى بعد الظهر. ثم أتينا قلاية صديقه الراهب، فلقيه بالإكرام والترحيب. فدخلنا قلايته. فما رأينا أنظف من آلاتها، ولا أنضر من بستانها. ثم قدم لنا شيئًا من طعامه، فأصبنا منه. ثم صعدنا سطحها، وجلسنا ننظر إلى منظر يبهر حسنًا وجمالًا: من رياض وغدران وطير يصفر. ونحن نشرب حتى ثملنا ونمنا هناك. وغدونا على الكوفة. فقلت له: تترك هذا اليوم مع حسنه، عاطلا من حُليّ شعرك؟ فقال: لا والله! ولقد عملت في ليلتي هذه، هذه الأبيات. ثم أنشدني: [من الوافر] خرجنا في شعانين النصارى … وشيعْنا صَلِيبَ الجائليق فلم أرَ مَنْظَرا أحلى بعيني … من المتقينات على الطريق حملن الخوص والزيتون حتى … بلغن به إلى دير الحريق أكلناهن باللحظات عشقًا … وأضمرنا لهنَّ على الفسوق دير ابن مزعوق (١) - وهو بالحيرة، قريب دير الحريق. في أنزه البقاع زهرًا ورقيق هواء وتدفق ماء. وتشوّق إليه الشَّرواني من بغداد، فقال: [من الكامل] دير الحريق وبيعة المزعوقِ … بين الغَدِيرِ وقُبَّة السُّنّيقِ أشهى إلي من الصَّرَاة وطيبها … عند الصباح ومن دُجى البطريق يا صاح! فاجتنب الملام أما ترى … سَمِجا مَلامَك لي، وأنت صديقي؟ وقد ذكره أبو الفرج، وأنشد للثرواني فيه وفي دير فاثيون قوله: [من المنسرح]

стр. 345

قلت له والنجوم جانحة … في ليلة الفضح أوّل السَّحَرِ: هل لك في مار فاثيون وفي … دير ابن مزعوق غير مقتصر؟ يفيض هذا النَّسِيمُ من طَرَفِ الشامِ … ودر الندى على الشجر ونسأل الأرض عن بشاشتها … وعَهْدِها بالربيع والمطر قال: ودير فاثيون، (١) أسفل النجف، ودير ابن مزعوق بحذاء قصر عبد المسيح، بأعلى النجف. وفيه يقول الثَّرواني: [من الوافر] يُقِرُّ بفضل عَيْنِكَ لي بوَصْلٍ … وفعلك لي مُقِرٌّ بالجحود؟ فتُشَكِّكني، وأعلم أنَّ هذا … هوى بين التعطف والصُّدودِ وقال أيضًا: [من البسيط] كر الشراب على نشوان مصطبح … قد هب يشربها والديك لم يَصِحِ والليل في عسكر جم بوارقه … من النجوم وضوء الصبح لم يلح والعيش لا عيش الا أنْ تُباكِرَها … صهباء تقْتُلُ هم النفس بالفَرَحِ حتى يظل الذي قد بات يَشْرَبُها … ولا براح به يختالُ كالمرح دير مارت مريم (٢) - هو بالحيرة، من بناء المنذر. وهما ديران متقابلان، وبينهما مدرجة الحاج وطريق السابلة إلى القادسية. وهما مشرفان على النجف. ومن أراد الخَوَرْنَق عدل عن جادتهما، ذات اليسار. ومن شعر الثرواني فيهما: [من الوافر] دع الأيام تفعل ما أرادت، … إذا جادت بندمان وكاس ومارت مريم والصحن فيه … حديقتان منْ وَرْدٍ وآسِ وظبي في لواحظ مقلتيه … نُعاس من فتور لا نُعاس وخِلٌ لا يَحول عن التصابي … ذكور للمودة غير ناسي ومُحْتَضِنِ لطنبور فصيح … يغنيني بشعر أبي نواس: (وما اللذاتُ إلا أن تراني … صريعًا بين باطية وكاس) وقد ذكره أبو الفرج وقال: كان قَس يقال له يحيى بن حمار، ويقال له يوشع، تألفه الفتيان ويشربون على سطحه وفي قلايته على قراءة النصارى وضرب النواقيس. وفيه قال بكر بن خارجة، أو غيره: [من الكامل] بِتْنا بمارَتِ مَرْيَمٍ … سَفْيًا لمارَتِ مريم

стр. 346

ولقسّها يحيى المُهَيْنِمِ … بعد نوم النوم وليُوشَع ولخَمْرة … حمراء مثلَ العَنْدَمِ ولفتيةٍ حَفَّوا به … يَعْصُونَ لَوْمَ اللُّومَ يَسْقيهمُ ظَبي أغن … لَطِيفُ خَلْقِ المِعْصَمَ يرمي بعينيه القُلُو ب … كمثل رمي الأسهم قلاية القس (١) - وهي بالحيرة، في موضع حسن. وكان القس الذي تنسب إليه من ملاح النصارى. وكان ناسكًا، ثم صار فاتكًا. وفيه قيل: [من البسيط] قلاية القس! مالي عنكِ مُصطَبُر! … ومن إلى من لحاه فيكِ يعتذر؟ فكم لديك نسيم ذيلهُ عَبِقٌ … وكم لديك هواءٌ جَيْبُه عَطِرُ وتربة وغناء: ذي يَزُولُ بها … سقم السقيم، وذا يُجلى به البصر وماء مُزن بكف الريح تصقله … وكالمرايا تلى الأوشال والغدر وقد ذكره أبو الفرج وقال: [من الطويل] خليليّ مِنْ تَيْمِ وعِجْلِ، هُدِيتُما! … أضِيفا بحث الكأس يومي إلى أمسي وإن أنتما حييتماني تحيَّةً، … فلا تَعْدُوا رَيْحَانَ قلاية القس إذا ما به حيّيتُمانِي، فَاخْلُوا … حميدين دُونِي بالخَلُوق وبالوَرْسِ وإن قلتما: لا بدَّ من شُرْبِ دائر … ولم تعذراني في مطالٍ ولا حبس فمن قهوة حِيْرِيَّةٍ راهبيّة … عتيقة خَمْسٍ أو تزيد على خمس تجُرُّ على قرع المزاج إزارها … وتختال منه في مُصَبَّعَة العُرْس! دير حنة الكبير (٢) - قال الخالدي: هو بالحيرة في الأكيراح، غير دير حنة الذي قدمنا ذكره. يقال إنه بني حين بنيت الحيرة: وكان من أنزه الديرة، لكثرة بساتينه وتدفق مياهه. حكى جحظة عن بعض أهل الحيرة قال: اجتاز بنا عمر بن فرج الرخجي، منصرفًا من الحج. فتلقيناه وأعظمناه، وسرنا معه. فلما اجتاز بدير حنة، سألنا عنه فعرفناه به فقال مَنْ ذا الذي يقول: [من البسيط] يا دير حنةً مِنْ ذاتِ الأَكَيْراح! فقال له الحسين بن هشام الحيري: هذا لأبي نواس. أفتُحِبُّ أن أنشدك لشاعرنا

стр. 347

الثَّرْوَاني شيئًا يقرب من هذا المعنى، في هذا الدير؟ قال: قل. فأنشده: [من الهزج] على الريحان والرَّاحِ … وأيام الأكيراح وإبريق كطير الما … ء في لَجَّةِ ضَحْصَاحِ سلام يُسْكَر الصاحي … وما فيه فتى صاح ومن لي فيه بالسَّلْوَ ة … عن وَجْه ابن وَضَّاحِ؟ غزال صيع من … فِتْنَة أبدان وأرواح إذا راح إلى البيعة … في أثواب أماح ففي كفيه إفسادي … وفي كَفَّيه إصلاحي قال: فاستحسن الأبيات وأمر كاتبا معه بكتبها. وخلع على الحسين بن هشام، وأجازه. وحكى جحظة قال: زرتُ إبراهيم بن المدبر، وكان بالكوفة. فأكرمني، وأنس بي. وأقمت عنده ثلاثة أشهر. فجرى يومًا ذكر دير حنّة، فقال ابن المدبر: والله إني لأُحِبُّ أن أراه وأشرب فيه، فقد ذكر لي حُسنُه! فأين هو من الحيرة؟ فدله إسحاق بن الحسين العلوي عليه وقال له: في هذه الأيام ينبغي أن يُقصد، لأنها أيام ربيع ورياض معتمة بالزهر، والغدران والبادية بقربه، فلن نعدم أعرابيًا فصيحًا يطير إلينا، ونحن فيه، فيهدي إلينا بيض نعام، ويجني لنا الكمأة. فتقدم ابن المدبر إلى غلمانه بإعداد ما يُحتاج إليه. وخرج وخرجت حتى وافيناه. فإذا هو حسن البناء، والرياض محدقة به، ونهر الحيرة الذي يقال له الغدير بقرب منه. فضربت لنا خِيمٌ عنده. وخرج إلينا رهبانه، وحملوا إلينا مما عندهم من التحف واللطف فأكلنا وجلسنا نشرب. وغنيته بشعر أبي نُواس المتقدّم. فبينا نحن كذلك، إذا اجتاز بنا غلامٌ حَسَنٌ، عارضه كأنه بدر على غصن، معه مصحف من مصاحف النصارى كامل العقل، ساحر اللحظ واللفظ. فشرب ابن المدبر على وجهه رطلا، وسقاه قَدَحا. واستأذنه الغلام في النهوض، وقال: معي مصحف لا تتمّ للرهبان صلاة إلا بحضوره. وهذا وقت صلاتهم، وقد ضربوا الناقوس منذ ساعة. وأخذ عليه العهد في الرجوع إليه، وأمر له بمائة دينار. وعملتُ شعرًا صنعت فيه صوتًا. فما زال صوته طول مُقامه. وهو (١): [من السريع] فَدَيْتُ مَنْ مَر بنا مُسْرِعًا … يَسْعَى إلى الدير بأسفاره خَدَمتُ ربَّ الدير من أجله … حتى كأني بعض أخباره

стр. 348

حذرني النار ولم يَدْرِ ما … في القلب والأحشاء من ناره حيرني تفتيرُ أجفانه … وحلَّ عَقْدِي عَقْدُ زُنّاره وأقمنا بمكاننا ثلاثة أيام، ثم عدنا إلى الكوفة وقد عملت في تلك الأيام وغنّيت فيه (١): [من الهزج] وبالحيرة لِي يَوْمٌ، … ويوم بالأكراح إذا عزّ بنا الماء … مَزَجْنا الراح بالراح وحكى الربيع عن بعض أهل الحيرة قال: كان في دير حنة خمار يقال له مرعبدا، موصوف بجودة الخمر ونظافة الآنية وملاحة الحانة. فحكى مر عبدا قال: ما شعرتُ يومًا وقد فتحت حانوتي وجلست إلى جانب الهيكل، إلا بثلاثة فوارس قد أقبلوا من طريق السماوة في البرّ، حتى وقفوا عليّ، وهم متلثمون بعمائم الخز وعليهم حلل القصب. فسلموا عليّ وأسفر أحدهم وقال: أنت مرعبدا، وهذا دير حنة؟ قلت: نعم. قال: قد وصفت لنا بجودة الشراب والنظافة، فاسقني رطلا. فبادرت فغسلت يدي ثم نقرت الدنان ونظرتُ أصفاها فنزلته فشرب، ومسح يده وفمه بالمنديل. ثم قال: اسقني آخر: فغسلت يدي وتركت ذلك الدَّنّ وذلك القَدَح والمنديل ونقرت دنا آخر. فلما رضيتُ صفاءه، بزلتُ منه رطلا في قدح، وأخذت منديلا جديدا. فناولته إياه فشرب كالأول. ثم قال: اسقني رطلا آخر. فسقيته في غير ذلك القدح وغير ذلك المنديل. فشرب ومسح فمه ويده. وقال لي: بارك الله فيك! فما أطيب شرابك وأنظفك وأحسن أدبك! وما كان دأبي أن أشرب أكثر من ثلاثة أرطال. فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي إلى شرب رابع، فهاته فناولته إياه على تلك السبيل. فشرب وقال: لولا أسباب تمنع من بيتك لكان حبيبًا إلي جلوسي يومي هذا فيه. وولّى منصرفًا في الطريق الذي بدا منه. ورمى إلي أحد الراكبين اللذين كانا معه بكيس. فقلت وحق النصرانية! لا قبلته حتى أعرف الرجل. فقال: هذا الوليد بن يزيد بن عبد الملك! وصفت له، فأقبل من دمشق حتى شرب من شرابك ورأى ديرك والحيرة. ثم انصرف. فحللت الكيس فإذا هو أربعمائة دينار. دير هند (٢) - وهي بنت النعمان بن المنذر بناه لها أبوها لتتعبّد فيه. فلما فرغ منه،

стр. 349

خرجَتْ من قصر أبيها تُريده فأقامت في الطريق سنة تنزل المضارب في نُزَةٍ وصيد. والمسافة بين قصر أبيها وبينه نحو الفرسخ. وشق له بشر بن مروان نهرا من الفرات. ولم يزل النهر يجري حتى خرب الدير. وحكي أن النعمان كان يصلي به ويتقرب فيه، وأنه علق في هيكله خمسمائة قنديل من ذهب وفضة. وكانت أدهانها في أعياده من زنبق وبان وما شاكلهما من الأدهان، ويوقد فيه من العود الهندي والعنبر شيئًا يجل عن الوصف. وفيما حكى الكلبي أن النعمان دخله في بعض أعياده، فرأى امرأة تأخذ قربانا، أخذت بقلبه. فدعا الراهب الذي قرّبها وسأله عنها. فقال: هي امرأة حكم بن عمرو اللخمي. فلما انصرف النعمان دعا عدي بن زيد، كاتبه. وأوقفه على الخبر وقال له: كيف الحيلة؟ فقال له: إذا كان بكرة غدٍ وحضر الناس الباب، فابدأ به في الإذن وأجلسه معك على سريرك. ففعل النعمان ذلك وأذن للناس بعده. فجعلوا يتعجبون. وانصرفوا. فقال النعمان لعدي بن زيد: قد فعلتُ ما أشرتَ به، فَمَنْ؟ قال: إذا أصبحت فاكسه واحمله. ففعل. ثم قال: احمل حوائج العرب إليه. ففعل. ثم قال النعمان لعدي بن زيد: قد طال هذا! قال: إذا أصبحت، فإن عندك عشر نسوة، فطلق أبغضهن إليك. ثم قل له: قد طابت نفسي لك بما لم تطب به لولد ولا أخ. قد طلقت لك فلانة، فتزوجها. ففعل ذلك. وخرج وهو لابس من حُلل النعمان، ولديه ما حمله عليه. فجلس وحكم بين العرب، وعدي بن زيد بالباب جالس. فقال له اللخمي: ما أدري ما أكافيء به الملك؟ فعل معي وفعل. فقال له عديّ: ما أقدرك على مكافأته! قال: وما هو؟ قال: طلق امرأتك كما طلق لك امرأته. قال: قد فعلت. فأنفذها إلى النعمان. وفي ذلك يقول الشاعر: [من البسيط] عُلِّقْتها حُرَّةً حَوْراءَ ناعمةً … كأنها البدر في داج من الظلم ما في البريَّة من أُنثى تُعادِلها … إلا التي أخذ النعمان من حَكَم وقد ذكره أبو الفرج وقال: هند بنت النعمان صاحبة هذا الدير، هي الحُرَقَة. وهي التي دخلت على خالد بن الوليد. وآخر آمرها معه أنه أمر لها بمال ومعونة وكسوة. فقالت: ما لي إليه حاجة لي عبدان يزرعان مزرعة لي، أتقوَّت بها ما يُمسك رمقي. وقد اعتددت بقولك فعلا وبعرضك نقدا. فاسمع مني دعاءً أدعو به لك، كنا ندعو به لأملاكنا: شكرتُكَ يد افتقرت بعد غنّى، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه! قال: وهذا الدير يقارب دير بني عبد الله بن دارم بالكوفة، مما يلي الخندق.

стр. 350

وحكى الشابشتي: أن الحجاج قدم الكوفة فبلغه أن بين الحيرة والكوفة دير هند بنت النعمان، وهي متمكنة من عقلها ورأيها، فانظر إليها فإنها بقية. فركب، والناس معه، حتى أتى الدير، فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب: فاطلعت من ناحية الدير. فقال لها: يا هند! ما أعجب ما رأيتِ؟ قالت: خروج مثلي إلى مثلك لا تغترنَّ يا حجاج بالدنيا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة لأبي: [من الطويل] رأيتك من تَعْقِدْ له حبل ذمة … من الناس، يأمن سرجه حيثما ارتقى ولم نمس إلا ونحن أذل الناس. وقل إناء امتلأ إلا انكفأ. فانصر الحجاج مُغْصَبا. وأرسل إليها من يخرجها من الدير، ويستأديها الخراج. فأخرجت، ومعها ثلاث جوار من أهلها. فقالت إحداهن: [من الخفيف] خارجات يُسَقْنَ من دير هند … مُعلناتٌ بِذلَّةٍ وهَوانِ ليت شعري! أأوّلُ الحَشر هذا … أم محا الدَّهرُ غَيْرَةَ الفِتْيَانِ؟ فشد فتى من أهل الكوفة على فرسه. فاستنقذهن من رُسُل الحجاج. وتغيب. فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى. فقال: إن أتانا، فهو آمِنٌ؛ وإن ظفرنا به، قتلناه! فأتاه. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الغيرة. فوصله وخلاه. وكان سعد بن أبي وقاص حين فتح العراق، أتى هندًا، إلى ديرها. فخرجت إليه وعرض عليها نفسه في حوائجها. فقالت: سأحييك بتحية كانت ملوكنا تُحَيَّا بها «شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا مستك يد استغنت بعد فقر، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا نزع عن كريم نعمةً إلا جعلك سببا لردّها عليه!» قال: ثم جاءها المغيرة، لما ولاه معاوية الكوفة. فاستأذن عليها. فقيل لها: الأمير على الباب! فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ فقال: لا. قالت: أفمن أولاد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ فقال: المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتُكِ خاطبًا. قالت: والصليب ما جئتني رغبة في مال، ولا شغفا بجمال. ولكن أردت أن تقول: نكحتُ ابنة النعمان. وإلا فأي فخر في اجتماع شيخ أعور وعجوز عمياء؟ إذهب! فبعث إليها فقال: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب: أمسينا وليس في العرب أحد إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض أحد إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت: اختصم إليه رجلان، أحدهما ينميها إلى إياد والآخر ينميها إلى بكر بن هوازن. فقضى بها للإيادي، وقال: [من الرجز]

стр. 351

إِنْ ثَقِيفًا لم تكُنْ هَوَازِنا ولم تُناسب عامرًا ومازنا! قال المغيرة: أما نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء! دير اللج (١) - وهو بالحيرة. مما بناه النعمان بن المنذر. وهو من أنزه دياراتها وأحسنها بناءً: لما يُطيف به من البساتين. وكان النعمان يأتيه يتعبد فيه، ويستشفى به في مرضه. وفيه قيل: [من السريع] ياليلتي أصيب بها ليلة، … لو لم يَكُنْ قصرها الطيب بِتنا بدير اللج في حانة … شَرابُها في الكأس محبوب يُديرها هَضِيمُ الحَشَا … يحبّه الشبان والشيب حتى إذا ما الخمر مالَتْ بنا … جرت أمور وأعاجيب فما ترى ظنّك في شادن … بات إلى جانبه ذيب وقد ذكره أبو الفرج، فقال: كان النعمان يركب في كل أحد إليه، وفي كل عيد. معه أهل بيته خاصة من آل المنذر ومن ينادمه من أهل دينه عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب، وفي أوساطهم الزنانير المحلاة بالذهب المفصصة بالجوهر. وبين أيديهم أعلامٌ فوقها صلبان الذهب. فإذا قَضَوْا صلاتهم، انصرف إلى مُسْتَشْرفه على النُّجُب. فيشرب فيه بقية يومه إلى أن يُمسي، وخلع ووصل وحمل. وكان ذلك أحسن منظر وأشرفه. وأنشد فيه قول الشاعر: [من الطويل] سقى الله دير اللج خيرًا فإنَّه … على بُعْدِهِ مِنِّي إِليَّ حَبِيبُ قريب إلى قلبي بعيد مكانه … وكم من بَعِيد الدار وهو قريب دير بني علقمة (٢) - وهو دير بناه علقمة بن عدي اللخمي، بالحيرة. وفيه يقول عَدِيّ بن زيد، وفيه غناء (٣): [من السريع] نادمت في الدير بَنِي عَلْقَما … عاطيتهم مشمولةٌ عَنْدَمَا كأنَّ رِيحَ المسك في كأسها … إذا مَزَجْناها بماء السما دير هند الأقدم (٤) - وهي هند الكبرى بنت الحارث بن عمرو بن حجر،

стр. 352

الملك، أم عمرو ابن المنذر الملك. وحكى محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي عن أبيه قال: دخلت مع يحيى بن خالد، لما خرجنا مع الرشيد، إلى الحيرة. وقد قصدها ليتنزه بها ويرى آثار آل المنذر. فدخل دير هند الأكبر. وهو على طرف النجف: فرأى في جانب حائطه شيئًا مكتوبًا. فدعا بسلم فأحضر. وأمر بعض أصحابه بأن يصعد إليه، فيقرأه. فإذا فيه مكتوب: [من السريع] إنَّ بَنِي المُنْذِر عامَ انْقَضَوْا … بحيثُ شاد البيعة الراهب تَنْفَحُ بالمِسْك ذَفَارِيُّهم … وعَنْبرٌ يَقْطبه القاطب والقر والكتان أثوابهم … لم يَجْلُبِ الصوف لهم جالب والعز والمُلكُ لهم راهن … وقهوة ناجُودُها ساكب أضْحَوْا وما يرجوهم طالب … خيرا ولا يرهَبُهُمْ راهب كأنهم كانوا بها لُعْبَةً … سار إلى بَيْن بها راكب وأصْبَحُوا في طبقات الثرى … بعدَنَعيم لهم راتب شر البقايا مَنْ تَرى منهم … قُلْ وذُلُّ جَدُّه خائب فبكى الرشيد، حتّى جَرَت دموعه على لحيته. وقال: هذه سبيل الدنيا وأهلها! وانصرف عن وجهه ذلك. قبة الشنيق (١) - وهي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاج. وبإزائها قباب يقال لها السُّكُورَة، جميعها للنصارى. وعيد الشعانين بها نَزِه. يخرج فيه النصارى من السكورة إلى القبة في أحسن زيّ، عليهم الصلبان وبأيديهم المجامر. والقسوس والشمامسة على نَعَم واحد، متفق في الألحان، إلى أن يقضوا بغيتهم. ثم يعودون على هيأتهم. دير إسحاق (٢) - وهو بين حمص وسلميّة. في موضع حَسَن نَزِه، على نهر جار. وحوله كروم ومزارع، إلى جانب ضيعة صغيرة، يقال لها جذر. وهي التي ذكرها

стр. 353

الأخطل (١) في قوله: [من المديد] عتّقتها حِمْصُ أو جَذَرُ وفيه قال أبو عبد الرحمن الهاشمي، من أهل سَلَمِيَّة: [من الكامل] وافق أخاك تَجِدْهُ خير رفيق، … إن كنت لستَ عَنِ الصَّبَا بِمُفِيقِ وإذا مررت بدير إسحاق فقل: … جادتك غير سحائب وبُرُوقِ ديرٌ يُشَبَّه ماؤُه بهوائه … وهواؤه بلطافة المعشوق وكتب أبو عبد الرحمن إلى أخيه من دير إسحاق: [من البسيط] أما طربت لهذا العارض الطَّرِب؟ … أما رأيت الصبا والجو في لَعِبِ؟ تعانقا فكأنّ القطر بينهما … من فضةٍ، وكأن الزهر منْ ذَهَبِ ونحن في دير إسحاق ومَجْلِسُنا … يشكُو مَغِيبَك، فاحضره ولا تغب لنجعل اليوم عيدًا في ملاحتِهِ … ونقلب الهم بالأدوار في القلب وقال فيه: [من المتقارب] سلام على ليلة بالدُّوَيْرِ … تقضت كزائرة في الحلم أَتَتْنِي في طيلسان الضياء … ولم تَتَقَنَّع بنورِ الظُّلَم يعارض فيها ابتسام البروق … بُرُوقُ دِنان بها تَبْتَسِمْ وصفراء لم تبق إلا النحيف … منها الليالي وطول القدم تمززتها في ثياب الدُّجى … إلى أن تجلّى الدُّجى للهرم نزلنا بها وَسْطَ مُكوَّةٍ … مطارف من نسج أيدي الديم سقاني ابنُ قسيسها كأسها … على زَوْرة من حبيب أَلَمْ

стр. 354

وقال فيه: [من الطويل] أَتَطْمَا رِياضُ الدير من صوب ماطر … ولم أقر ضيف الليل أجفان ساهر؟ وقلتُ: سقى الصحراء بين عواقص … ذوائبها في سفحه ونواشر رحيم بأطفالِ العَرُوسِ يَضُمُّها … إذا ما انثنت ضمَّ الشَّفيق المحاذر فكم قلت للساقي، وقد فتح الندى … نواظرها: قُمْ هَاتِها لا تُنَاظِرِ يحن إلى الدير اشتياقي كأنما … يريني الصبا فيه بموقع ناظري دير ميماس (١) وهو بين دمشق وحمص على نهر ميماس. وإليه نُسب. وهو في رياض وبساتين، وعليه طواحين رومية. ويزعم رهبانه أن به شاهدًا من الحواريين. وحكى العسقلاني أنه كان لديك الجن (٢) غلام يهواه، وكان شديد الوجد به فخدعه قوم ومضوا به إلى دير ميماس، وسقَوْه نبيذًا. فبلغ ذلك الديك، فقلق. وقال (٣): قل لهضِيمِ الكَشْحِ مَياسِ: … اِرتَفَعَ العهد من الناس يا طاقة الآس التي لم تمد … إلا أذلتْ قُضُبَ الآس وثقت بالكاس وشُرَّابِها، … وحَتْفُ أمثالك في الكاس في دير ميماس، وما بُعْدَ ما … بين مُغيثيك ومِيمَاس لا بأس مولاي على أنها … نهاية المكروه والباس فاله ودع عنك أحاديثهم … سيُصبح الذاكر كالناسي وحكي أن أبا نواس، لما دخل حمص مارا بها، دعاه فتى من أدبائها إلى دير ميماس. ودعا معه أشجع السلمي (٤). فجلسوا يشربون، وأبو نواس يُنشدهم، له ولغيره.

стр. 355

فقال أشجع (١): [من المنسرح] صبحتُ وجه الصباح بالكاس … ولم تَعُقني مقالة الناس ونحنُ عِنْدَ المُدام أربعة … أَكْرَمُ صَحْبِ وخَيْرُ جُلاسِ نُدِيرُ حِمْصِيّةً مُعَتَقَةً … على نسيم النسرين والآس ولم يزل مُطربا ومنشدنا … أبو نُوَاسٍ في دير ميمَاس دير مُحَلّي (٢) - وهو بساحل جيحان، قريب المصيصة. وحكى أبو نصر النحوي أن أبا خالد الكاتب اجتاز بهذا الدير، ومعه ابن أبي زرعة الدمشقي الشاعر (٣). قال: فرأينا من حُسن رياضه، وتدفق مائه، وطيب هوائه، ونضرة أشجاره، منظرًا حسنًا. فقال ابن أبي زرعة: لقد حظر علينا أن نتجاوز هذا الموضع ولا نشرب فيه حتى نموت سكرا. فقلت له: ويحك! أنا مبادر في مُهِم. فقال: ما قدامك أهم من هذا. وثنى رجله، ونزل عن دابته. فنزلنا. ثم أتانا الرهبان بتحايا الورد والياسمين والتفاح. وأخرجوا إلينا شرابًا عتيقًا، في نهاية الصفاء والرقة، فابتعناه منهم. وأقمنا يومنا هناك في أنعم عيش وأحسنه. فلما أصبحنا، غَدَوْنَا. فأنشدني أبو زرعة لنفسه: [من المنسرح] ديرُ مُحلَّى مَحِلَّةُ الطرب … وصحنه صحن روضة الأدب والماء والخمر فيه قد سُبِكا … للصفو من فِضَّةٍ ومن ذهب لا ودموع الغمام روّق ذا … وتلك لم تُعْتَصر من العِنَبِ ووَرْدُه في الغصون تيمنى حُسْنًا … وتُفَّاحُه يُبَرِّحُ بي فلا تَلُمْني إذا جعلت إلى … حاناته ما حَبِيتُ مُنْقَلَبي
следующие страницы →