← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

[مشاهير أهل الغناء في بلاد المشرق] فمنهم: [١] ابن محرز (١) محرز لغاية، ومتبرّز في غواية، تردد بين الحرمين: مكة، والمدينة للقاء المحسنين، والإلقاء من المغنين. ثم لم يقنع حتى أتى بلاد فارس، وجنى من تلك المغارس، وأصبح لا يدع طرفًا به إلا انسجم، ولا مختارًا إلا مجموعًا فيه عربًا على عجم، فلم يبق في الغناء ناده حتى جازها، ولا شاذة أعجزت من قبله أهل الطرب حتى شازها كأنه لهذا خُلق، وبه استحق التقدم، وإن سبق، إلا أن داءه أزواه حتى كان تلقاء العيون، وما رمق. قال أبو الفرج؛ قال إسحاق: كان يسكن المدينة مرّة، ومكة مرة فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزّة الميلاء (٢) ثم يرجع [إلى] مكة، فيقيم بها ثلاثة أشهر. ثم صار بعد ذلك إلى فارس، فتعلّم ألحان الفرس، فأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام، فتعلّم ألحان الروم، فأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنهما، وفرج بعضهما ببعض، وألف منهما الأغاني التي صنعتها من أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع بمثله، وكان يقال له: صناج العرب.

стр. 3012

قال إسحاق: وكان ابن محرز قليل المخالطة للناس، فأخمل ذلك ذكره، فما يذكر الآن غناؤه، وأخذتْ كلّ غنائه جارية لصديق له من أهل مكة كانت تألفه، فأخذ الناسُ عنها. ومات بالجذام. قال إسحاق: خرج ابن محرز يريد العراق فلقيه حنين (١)، فقال: كم منتك نفسك من العراق؟، قال: ألف دينار، قال: فهذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف، واحلف أن لا تعود. قال إسحاق: ولم يعاشر الخلفاء، ولم يخالط الناس لأجل الداء الذي كان به؛ ولما شاع ما فعله حنين لأمه أصحابه، فقال: لو دخل العراق لما كان لي معه خبز آكله، ولا طرحت وسقطت إلى آخر الدهر. ومنهم: [٢] ابن عائشة (٢) طوى زمان الغناء بموت قرنائه، وأنسى إحسان المحسنين بغنائه، وأسس ما لم يشيد على بنائه، حتى كان مجمع أولئك العشاق، وطراز حواشي تلك الأيام الرقاق، وأَلِفَ من صغره مغازلة النساء، فجاءه على غنائه تلك الرقة، وبان في أصواته الشجية البكاء لتلك الفرقة، واتصل بالخلفاء اتصال أمثاله، واتصف بما فات من مراد الظرفاء منى آماله. قال أبو الفرج: قال الوليد بن يزيد لابن عائشة: يا محمد البغية أنت؟، قال: لا، ولكن كانت أمي يا أمير المؤمنين ماشطة، وكنت غلامًا، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا: ارفعوا هذا لابن عائشة، فغلبت على نسبي. قال إسحاق: أخذ الغناء عن معبد ومالك، ولم يموتا حتى ساواهما، وكان حسن الصوت يفتن كل من سمعه، وابتداؤه الغناء كان يضرب به المثل، فيقال: كأنه ابتداء ابن عائشة في الحسن.

стр. 3013

قال يحيى المكي: ثلاثة من المغنين كانوا أحسن الناس خلوقًا: ابن عائشة، وابن بيرق، وابن أبي اللباب. قال … ابن أبي عتيق يومًا: حلق ابن عائشة مخدشًا، فقال: من فعل بك هذا؟، فقال: فلان، فمضى ونزع ثيابه، وجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلابيبه، وجعل يضربه ضربًا شديدًا، والرجل يقول: ما لك تضربني؟ أي شيء صنعت؟ وهو لا يجيبه حتى فرغ منه، ثم خلاه، وأقبل على من حضر، فقال: أراد أن يكسر مزامير داود. شد على ابن عائشة، فخنقه وخدش حلقه. قال صالح بن حيان وذكر يومًا المغنين بالمدينة فقال: لم يكن بها أحد بعد طويس (١) أعلم من ابن عائشة، ولا أظرف مجلسًا، ولا أكثر طيبًا، وكان يصلح أن يكون نديم خليفة، وسمير ملك. قال إسحاق: كان ابن عائشة تائهًا سيئ الخلق، فإن قال له إنسان: تغن، قال: ألمثلي يقال هذا؟، فإن قال له قائل، وقد ابتدأ وهو يغني: أحسنت، قال: ألمثلي يقال: أحسنت؟ وسكت. وكان قليلًا ما ينتفع به، فسال العقيق مرّة، فدخل الماء عرصة سعيد بن العاص حتى ملأها فخرج الناس إليها وخرج ابن عائشة فيمن خرج فجلس على فرن الثنية، فبينا هم كذلك إذ طلع الحسن بن علي ﵉ على بغلة، وخلفه غلامان أسودان كأنهما الشياطين، فقال: امضيا رويدًا حتى تقفا بأصل الفرن الذي عليه ابن عائشة، فخرجا حتى فعلا ذلك، ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا ابن عائشة؟ فقال: بخير فداك أبي وأمي، قال: انظر من تحتك، فنظر فإذا العبدان فقال له: أتعرفهما؟ قال: هما حران لئن لم تغن مائة صوت لأمرتهما بطرحك، وهما حرّان لئن لم يفعلا لأنكلن بهما، ولآمرن بقطع أيديهما، فاندفع ابن عائشة يغني، وكان أول ما ابتدأ به صوت وهو (٢): [من الوافر] ألا لله درك من … فتي قومٍ إِذا رَهِبُوا ثم لم يسكت حتى غنّى مائة صوت، فقال: إنَّ الناس لم يسمعوا من ابن عائشة أكثر مما سمعوه ذلك اليوم، وكان آخر ما غنّى به (٣): [من البسيط]

стр. 3014

قُلْ للمنازل بالظَّهْرانِ قد حانا … أن تنطقي فتبيني اليوم تبيانا قال جرير: ما رؤي يومًا أحسن منه، وما بلغني أن أحدًا تشاغل عن غنائه بشيء، ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ، ولقد تبادر الناس من المدينة وما حولها حيث بلغهم الخبر؛ لاستماع غنائه، فما يقال: إنه ما رؤي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك اليوم، ولقد رفع الناس أصواتهم: أحسنت والله!، أحسنت والله!، ثم انصرفوا حوله يزفونه إلى المدينة. قال علي بن الجهم: حدثني رجل أن ابن عائشة كان واقفًا بالموسم متحيرًا فمر رجل من بعض أصحابه، فقال له: ما يقيمك ههنا؟، قال: إني أعرف رجلًا لو تكلّم، لحبس الناس، فقال له الرجل: ومن ذاك؟ قال: أنا، ثم اندفع يغني: (١) [من الوافر] جَرَتْ سُنْحًا فقلتُ لها: أجيرى … نوى مشمولة فمتى اللقاء قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل، ومدت الإبل أعناقها، وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به هشام (٢)، فقال: يا عدوَّ الله أردت أن تفتن الناس، فأمسك عنه. وكان تياهًا، فقال له هشام: ارفق بتيهك يا ابن عائشة، فقال: حق لمن كانت هذه مقدرة أن القلوب أن تبكيه. فضحك منه، وخلى سبيله. قال عمر بن شبة؛ قال شيخ من تنوخ كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد فرأيتُ عنده ابن عائشة قد غَنّاه (٣): [من الكامل] إنِّى رأيتُ عَشيَّةَ النَّفْرِ … حُوْرًا نَعَشْنَ عَزَائِمَ الصَّبْرِ مثل الكواكب في مطالعها … بعد العشاء أَطَفْنَ بالبَدْرِ وخرجت أبغي الأجر مُحتسبًا … فرجعت موقورًا مِنَ الوِزْرِ قال: فطرب حتى كفر وألحد، فقال: يا غلام اسقنا بالسماء الرابعة، وكان الغناء يعمل فيه عملًا يضل عنه رشده من بعده، ثم قال: أحسنت والله يا أمير المؤمنين أعد بحق فلان حتى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي فأعاد، فقام إليه، فلم يبق عضو من أعضائه إلا قبله وأهوى إلى هنه، وضمّ فَجذبه، فقال: و [الله] العظيم لا تريم حتى أقبله، فأبداه له فقبله، ثم نزع ثيابه، فألقاها على ابن عائشة، وبقي مجردًا إلى أن أتوه بغيرها، ووهب له ألف دينار، وحمله على بغلة، فقال: اركبها بأبي أنت

стр. 3015

وانصرف؛ فقد تركتني على مثل المِقْلَى من حرارة غنائك، فركبها على بساطه وانصرف. قال: وخرج ابن عائشة يومًا من عند الوليد بن يزيد وقد غناه (١): [من الوافر] أَبَعْدَكَ مَعقِلًا أرجو وحصنًا … قد اغيثني المعاقل والحصون قال: فأطرق وأمر له بثلاثين ألف درهم، وبمثل كارة القصار ثيابًا، فبينا ابن عائشة يسير إذا نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء وشرب النبيذ، فدنا من غلامه، وقال: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغني، فدنا منه فقال: جعلت فداك أنت ابن عائشة أم المؤمنين؟، قال: لا، بل أنا مولى لقريش وعائشة أمي، وحسبك هذا، ولا عليك أن تكثر. قال: وما هذا الذي أراه بين يديك؟ قال: المال والكسوة، قال: غنيتُ أمير المؤمنين صوتا فأطربه، فكفر وترك الصلاة، وأمر لي بهذا المال والكسوة، فقال: جعلت فداك، فهل تمن عليّ أن تسمعني ما أسمعته إياه، فقال له: ويلك أمثلي يكلّم بهذا في الطريق؟، قال: فما أصنع؟، قال: الحقني بالباب، وحراك ابن عائشة بغلة شقراء كانت تحته؛ لينقطع عنه، فغدا معه حتى أوفيا الباب كفرسي رهان، فدخل ابن عائشة، فمكث طويلًا طمعًا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل حتى قال لغلامه: أدخله؛ فلما أدخله، قال له: من أين صبك الله علي؟، قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهى هذا الغناء، قال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟، قال: وما ذلك؟ قال: مائة دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك، قال له: جعلت فداك إني لي لبنية ما في أذنها علم الله حلقة من الورق فضلًا عن الذهب، وإنَّ لي زوجة ما عليها شهد الله قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلعة والفقر الذي عرفتكهما، وأضعفت لي ذلك، لكان الصوت أحبّ إلي .. وكان ابن عائشة تياهًا لا يغني إلا لخليفة، أو لذي قدر جليل من إخوانه، فعجب منه، وغناه الصوت، فطرب طربًا شديدًا، وجعل يحرّك رأسه حتى ظنّ إنّ عنقه ستنقصف، ثم خرج من عنده ولم يزده شيئًا، وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل ابن عائشة عنه؟، فجعل يغيب عن الحديث، فعزم عليه الوليد، فعرفه فأمر بطلب الرجل فأحضره ووصله بصلةٍ سنية، وجعله من جملة ندمائه، ووكله بالسقي، فلم يزل معه حتى مات. قال يونس الكاتب (٢): كنا يومًا متنزهين بالعميق أنا وجماعة من قريش فبينا نحن [على] حالنا إذ أقبل ابن عائشة ومعه غلام من بني ليث وهو مُتكئ على يده؛ فلما رأى اجتماعنا وسمعني أغني جاءنا فسلّم، وجلس إلينا، وتحدث معنا، وكانت

стр. 3016

الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغني، فاقبل بعضهم على بعض يتحدثون بأحاديث كثيرة وجميلة وغيرهما، يستخرجون بذلك أن يطرب فيغني، فلم يجدوا عنده ما أرادوا، فقلت له أنا: حدثني بعض الأعراب حديثًا، ما كل الأحاديث، فإن شتئم، حدثكم إياه، قالوا: هات، قلت: حدثني هذا الرجل أنه مرَّ بناحية الربذة فإذا صبيان يتغاطسون في غدير، فإذا شاب جميل منهوك الجسم، وعليه آثار العلة، والنحول في جسمه بين وهو جالس ينظر إليهم، فسلّمت فردَّ السلام، وقال: من أين وضح الراكب؟، فقلتُ: من الحمى، قال: ومتى عهدك به؟ قلت: رائحًا، قال: وأين كان مبيبتك؟ قلت: ببني فلان قال: أوه، وألقى نفسه على ظهره، وتنفس الصعداء نفسًا، قلت: قد خُرق حجاب قلبه، ثم أنشأ يقول (١): [من الطويل] سَقي بَلَدَ أمستْ سُلَيمى تَحِلُّهُ … مِنَ المُزْنِ ما يُروى بِهِ ويُسيمُ وإن لم أكن من قاطنيه فإنَّهُ … يَحِلُّ به شَخصٌ عليَّ كريم ألا حبَّذا من [ليس] يعدلُ قُرْبَهُ … لَدَيَّ وإِنْ شَطَ المزارُ نَعِيمُ ومَنْ لامَني فيه حميم وصاحب … فَرُدَّ بِغَيْظِ صاحب وحَمِيمُ ثم سكت كالمغشي عليه فصحت بالصبيان، فأتوا بماء فصببته على وجهه، فأفاق، وأنشأ يقول (٢): [من الوافر] إذا الصب الغريب رأى خُشُوعي … وأنفاسي تزين بالخضوع ولي عين أضر بها التفاني … إلى الإجراع مطلقه الدموع إلى الخلوات يأنس فيك قلبي … كما أَنس الغريب إلى الجميع فقلت له: انزل فأساعدك، وأكثر عودي على نادي الحمى في حاجة إن كان لك أو رسالة؟، قال: جزيت الخير وصحبتك السلامة، امض لطلبتك فلو علمتك أنك تغني عني شيئًا، لكنت موضعًا للرغبة، وحقيقًا بإسعاف المسألة، ولكنك أدركتني في صبابة من الحياة يسيرة، فانصرفتُ وأنا لا أراه يمشي ليلته إلا ميتًا، فقال القوم: ما أعجب هذا الحديث؛ فاندفع ابن عائشة، فغنى في الشعرين جميعًا، فطرب وشرب بقية يومه، ولم يزل يغنينا إلى أن انصرفنا. قال: وتوفي ابن عائشة في أيام الوليد بن يزيد، وقيل في أيام هشام بن عبد الملك. قال المدائني: [حدثني] بعض أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من عند الوليد بن

стр. 3017

يزيد وقد أجازه، وأحسن إليه، فجاء بما لم يأت أحد بمثله من عنده؛ فلما قرب من المدينة، نزل بذي خشب - على أربع فراسخ من المدينة - وكان واليها إبراهيم بن هشام المخزومي - ولاه هشام وهو خاله - وكان في قصره هناك، فقيل له: أصلح الله الأمير! هذا ابن عائشة قد أقبل من عند الوليد، فلو سألته أن يقيم عندنا اليوم فيطربنا، وينصرف من غد، فدعاه فسأله المقام عنده فأجابه إلى ذلك؛ فلما أخذوا في شرابهم، أخرج المخزومي جواريه، فنظر ابن عائشة وهو يغمز جارية منهن، فقال لخادمه: إذا خرج ابن عائشة يريد حاجة، فارم به، وكانوا يشربون فوق سطح يشرف على بستان؛ فلما قام ليبول، رمى به الخادم من فوق السطح، فمات فقبره هناك. قال: وقال قوم: بل قدم المدينة فمات بها. قال: فلما مات قال [أشعب] (١): قد قلت لكم، ولكن لا يغني حذر من قدر، زوجوا ابن عائشة من ربيحة الساسانية، يخرج من بيتهما مزامير داود، فلم يفعلوا، وجعل يبكي، والناس يضحكون منه. [٣] حُنين الحيري (٢) مطرب لا يرتفع لديه رأس مطرق، ولا ينتفع معه أمل متشوّق، من سراة أهل الغناء وسراه الطرب للغناء يكاد سامعه يخرج من إهابه، ويحرق بالتهابه، ما حرّك عوده، إلا نعم، ولا بنت شفة إلا في نغم، لو سمعه جبل لتحرّك، أو دخل في أذن

стр. 3018

سوقة لظن أنه قد تملك وهو القائل (١): [من المنسرح] أنا حنين ومنزلي النَّجَفُ … وما نديمي إلا الفتى القصف أقرع بالكأس بطنَ باطيةٍ … مترعة تارة وأغرف من قهوة باكَرَ التّجارُ بها … بابَ يهود قرارها الخَزَفٌ فالعيش غَضُّ ومنزلي خَصِبٌ … لم يَعدُ لي شقوةٌ ولا عنف قال إسحاق: قيل لحنين: أنت تغني من نحو خمسين سنة ما تركت لكريم مالًا ولا عقارًا إلا أتيت عليه، فقال: بأبي أنتم إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلوموني أن اغلي بها الثمن؟ وكان حنين قد رحل إلى عمرو الوادي (٢)، وحكم الوادي (٣)، وأخذ منهما، وغنّى لنفسه في أشعار الناس فأحكم الصنعة، ولم يكن بالعراق غيره، فاستولى عليه من عصره. وقدم ابن محرز حينئذ إلى الكوفة، فبلغ حنينًا خبره، فخاف أن يعرفه الناس، فيستحلونه، ويسقط هو، فلقيه فقال: كم منتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار، قال: هذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف. قال: وكان بعض ولاة الكوفة في أيام بني أمية يذمّ الحيرة فقال له رجل من أهلها: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام؟، قال: وبماذا تمدح؟، قلت: بصحة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للحف والطلف. سهل وجبل، وبادية وبستان، بر وبحر، محل الملوك، ومرادهم ومسكنهم ومأواهم، وقدمتها - أصلحك الله - مخفًّا فأصبحت مثقلًا، ووردتها مقلًا فصارمتك مكثرًا، قال: وكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟، قال: تصير إليها، ثم ادع بما شئت من لذات العيش، فوالله لا أجوز بك الحيرة فيه، قال: فاصنع لي صنيعًا من قولك. قال: أفعل، فصنع لهم طعامًا، فأطعمهم من خبزها وسمكها وما صيد من وحشها، من ظباء ونعام، وأرنب وحبارى، وسقاهم ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمتها، ولم يستخدم لهم عبدًا ولا حرًّا إلا من مولداتها، ووصائف كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم غناهم حنين وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم، وأعشى

стр. 3019

همدان، لم يتجاوزهما، وحباهم برياحينها، ونقلهم بفواكهها، ثم قال: أرأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة، قال: لا، ولقد أحسنت في صفة بلدك، وأحسنت نصرته والخروج مما ضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم. قال عُبيد بن حنين الحيري: كان المغنون في عصر جدي أربعة نفر، ثلاثة بالحجاز، وهو وحده بالعراق، فالذين بالحجاز: ابن سريج، والغريض، ومعبد، وكان بلغهم أن حنينًا قد غنّى في هذا الشعر (١): [من الكامل] هَلا بَكَيْتَ عَلى الزَّمانِ الذَّاهِبِ … وَكَفَفْتَ عَنْ ذَمّ المشيبِ الآيبِ هَلا وَرُبَّ مُسَوِّفِينَ سَقَيْتُهُم … مِنْ خَمْرِ بابِلَ لَذَّةً لِلشّارِبِ بَكَّروا عَلَيَّ بِسُحْرَةٍ فَصَحِبْتُهُم … بإناءِ ذي كَرَمٍ كعَبُ الحالبِ بزجاجة ملء اليدين كأَنَّها … قنديلُ فِصح في كنيسة راهب قال: فاجتمعوا، فتذاكروا جدّي وقالوا: ما في الدنيا أهل صناعة شر منا. لنا أخ بالعراق، ونحن بالحجاز لا نزوره، ولا نستزيره اكتبوا إليه، فكتبوا إليه ووجهوا إليه نفقة، وقالوا: نحن ثلاثة، وأنت واحد، فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم؛ فلما كان على مرحلة من المدينة، بلغهم خبره فخرجوا يتلقونه، فلم ير يوم كان أكثر حشدًا ولا جمعًا يومئذ، ودخلوا المدينة فلما صاروا ببعض الطريق، قال لهم معبد: صيروا. قال ابن سريج: إن كان لك في اليسر والمروءة ما لمولاتي سكينة بنت الحسين، عطفنا إليك، فقال: ما لي من ذلك شيء، فعطفوا على منزل سكينة، فأذنت لهم إذنًا عامًا فغُصت الدار بهم، فصعدوا في السطح، وأمرت لهم بالأطعمة، فأكلوا، ثم سألوا جدي أن يغنيهم صوته: [من الكامل] هَلا بَكَيْتَ عَلَى الشَّبابِ الذّاهبْ فغناهم بعد أن قالوا، ابدأوا أنتم ما كنا لنقدمك حتى نسمع هذا الصوت، فغناهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتًا؛ فازدحم الناس على السطح، وأكثروا يسمعونه، فسقط الرواق على من تحته، فسلموا جميعًا، وأخرجوا أصحابه، سوى حنين، فإنه مات وحده تحت الهدم، فقالت سكينة: لقد كدّر حنين سرورنا، انتظرناه مدة طويلة كأننا كنا نسوقه إلى منيته (٢).

стр. 3020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3022

[٤] الغريض (١) لا يناضل على غرض، ولا يفاضل في عرض، كان أشجى من النوائح، وأهز لكريم من المدائح، لو أصغت إليه الحمائم، لخلعت عليه أطواقها، أو الحوائم لما بلت بغيره أشواقها، لا يدع عبرة لم تسكب، ولا حشاشة لم تسلب، ولا زمان صبا لم يذكر، ولا ذيول صبابة لم تسحب. أخذ الغناء في أول أمره عن ابن سريج؛ لأنه كان يخدمه؛ فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه، خشي أن يأخذ غناءه، فيغلبه بصوته، وحسن وجهه،

стр. 3023

فحسده واعتل عليه، وجعل يتجنى عليه فيطردوه. فشكا ذلك إلى مولياته، وأعلمهنَّ غرض ابن سريج في تنحيته إياه عنه، وأنه حسده على تقدمه فقلن له: هل لك أن تسمع نوحنا على قتلانا، فتأخذه وتغني عليه؟ قال: نعم، فأسمعنه المراثي، فاحتذاه، فخرج غناؤه عليها، وكان ينوح مع ذلك ويدخل المآتم، ويُضرب دونه الحجب، ثم ينوح فيفتن كل من سمعه. ولما كثر غناؤه اشتهاه الناس، وعدلوا إليه لما فيه من الشجا، وكان ابن سريج لا يغني صوتًا إلا عارضه، فغنى فيه لحنًا آخر؛ فلما رأى ابن سريج موضع الغريض، اشتدَّ عليه وحسده، فغنى الأرمال والأهزاج، فاشتهاها الناس، وقال الغريض: يا أبا يحيى قصرت الغناء وحذفته، قال: نعم يا مخنث جعلت تنوح على أبيك وأمك. قال إسحاق: سمعتُ جماعة من البصراء بالغناء قد أجمعوا على [أنّ] الغريض أشجى غناء، وابن سريج أحكم صنعة. قال بعض أهل العلم بالغناء: لو حكمت بين أبي يحيى وأبي زيد، لما فرقت بينهما. وإنما يفضل أبا يحيى بالسبق، فأما غير ذلك فلا، لأنَّ أبا زيد عنه أخذ ومن بحره اغترف، وكذلك قالت سكينة لما غنّى الغريض وابن سريج (١): [من الرجز] عَوجي علينا رَبَّةَ الهَوْدَجِ والله ما أفرّق بينكما، وما أنتما عندي إلا كمثل اللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان، لا يدرى أي ذلك أحسن. قال يونس الكاتب: أمر بعض أمراء مكة بإخراج المغنين من الحرم؛ فلما كانت الليلة التي عزم على النفي فيها، اجتمعوا في غدها إلى أبي قبيس، وكان معبد قد زادهم فبدأ فغنّى (٢): [من الطويل] أينَ لي من عليا مَعَدٍ هُدِيتُما … أَجدّ البُكا إن التفرق باكر فَمَا مكنا دام الجميل عليكُما … بثهال إلا أَنْ تُزَمَّ الأباعِرُ قال: فتأوّه أهل مكة، وأبوا، وتمحصوا، واندفع الغريض يغني ويقول (٣): [من الخفيف] أيها الرائح المجد ابتكار ..

стр. 3024

واندفع ابن سريج يغني ويقول (١): [من الخفيف] جَدِّدِي الوَصْلَ يا قَرِيبُ وجُودِي … لمُحِبٍّ خَيَالُهُ قَدْ أَلَمَّا فاندفع الصراخ في الدور بالويل والحرب، واجتمع الناس إلى الأمير يستعفونه من نفيهم فأعفاهم. قال أبو الفرج: أخبرني عبد الرحمن بن محمد السعدي قال: حضرت شيطا المغنية جارية علي بن جعفر ذات يوم وهي تغني (٢): [من الخفيف] ليسَ بينَ الرَّحِيلِ والبَينِ إلا … أنْ تَرُدُّوا جَمَالَهُمْ فَتُزَّمَا فطرب علي بن جعفر وصاح: سبحان الله لا يكون قربه ولا يشدونه ألا يعقلون بشعره ألا تسلمون على جار؟ هذه والله العجلة. قال إسحاق: بلغني أن سكينة حجت، فدخل إليها ابن سريج والغريض، فقال لها ابن سريج: يا سيدتي إني كنتُ صنعت صوتًا وحسنتُه، وتنوقتُ فيه، وخبأته لك في درج مملوء مسكًا، فنازعنيه هذا الفاسق - يعني العريض - وأردنا أن نتحاكم إليك فيه فأينا قدمتيه تقدم قالت: هاته، فغناها (٣): [من الرجز] عُوجِي علينا رَبَّةَ الهَوْدَجِ … إِنَّكِ إِنْ لم تفعلي تخرَّجِي فقالت: هاته أنت يا غريض فغناها إياه، فقالت: لابن سريج: أعده، فأعاده، فقالت: أعده يا غريض، فأعاده، فقالت: ما أشبهكما إلا بالجديين الحار والبارد، لا أدري أيهما أطيب؟ قال إسحاق: ولي قضاء مكة الأوقص المخزومي، فما رأى الناس مثله في عفافه ونبله، فإنه لنائم في جناح إذ مر به سكران يغني: [من الرجز] عُوجِي علينا ربة الهودج .. فلم يُجِدْهُ، فقال له: يا هذا شربت حرامًا، وأيقظت نيامًا، وغنيت خطأ؟ خذه عني، فأصلحه له، وانصرف. قال: خرج ابن أبي عتيق على نُجب له من المدينة قد أوقره من طرقها المأرب وغير ذلك فلقي فتى من بني مخزوم مقيلًا من بعض ضياعه، فقال: يا ابن أخي أتصحبني؟، قال: نعم، قال المخزومي: فمضينا حتى إذا قربنا من مكة جزناها فصرنا إلى قصر فاستأذن ابن أبي عتيق فأذن له فدخلنا فإذا رجل جالس كأنه عجوز ويداه

стр. 3025

مختضبة لا شك في ذلك فإذا هو الغريض قد كبر. فقال له ابن أبي عتيق: تشوقنا إليك وأهدى له ما كان معه، ثم قال: نحب أن نسمع: عوجِّي علينا ربة الهودج .. فقال: ادع فلانة جارية له فجاءت فغنت، فقال لها: ما صنعت شيئًا، ثم حلّ خضابه وغنّى: عوجِّي علينا ربة الهودج .. فما سمعت أحسن منه، فأقمنا عنده أيامًا كثيرة، وخبّازه قائم، وطعامه كثير. ثم قال ابن أبي عتيق: إني أريد الشخوص فلم يبق بمكة تحفة عدني ولا يماني ولا عود إلا أو قربه راحلته، فلما رحلنا وزرنا، صاح به الغريض: هي هي فرجعت إليه، فقال: ألم ترووا عن النبي ﷺ «يحشر من بقيعنا هذا سبعون ألفًا على صورة القمر ليلة البدر» فقال له ابن أبي عتيق: بلى، فقال: هذه من انتزعت فأحبّ أن تدفنها لي بالبقيع، فخرجنا والله ولم ندخل المدينة حتى دفناها بالبقيع. قال: خرج الغريض مع قوم، فغناهم هذا الصوت (١): [من الطويل] جرى ناصح بالود بيني وبينها … فقرَّبني يوم الخضاب إلى قتلي فاشتدّ سرور القوم، وكان معه غلام فأعجبه، وطلب إليهم أن يكلموا الغلام في الخلوة معه، ففعلوا وانطلق مع الغلام حتى توارى بصخرة؛ فلما قضى حاجته أقبل الغلام إلى القوم، وأقبل الغريض يتناول حجرًا حجرًا، ويقرع به الصخرة، ففعل ذلك مرارًا فقالوا: ما هذا يا أبا زيد؟، فقال: كأني بها وقد جاءت يوم القيامة رافعة ذيلها تشهد علينا بما كان معنا إلى جانبها، فأردت أن أجرح شهادتها على ذلك اليوم، والشعر الذي غناه لعمر بن أبي ربيعة (٢): [من الطويل] جر ناصح بالود بيني وبينها … فقربني يوم الخضاب إلى قتلي فقالت وأرخَتْ جانب الستر إنما … فتحدث غير ذي رقبة أَهْلي فقلت لهم: ما بي لهمْ مِنْ تَرَقَّبٍ … ولكن سري ليس يحمله مثلي قال الزبير: رأيت علماءنا جميعًا لا يشكون في أن أحسن ما يروون في حفظ السر قول ابن أبي ربيعة: ولكن سري ليس يحملُهُ مثْلِي قال المدائني: بلغني أن الفرزدق سمع عمر بن أبي ربيعة ينشد هذه القصيدة؛ فلما بلغ إلى قوله:

стр. 3026

فقُمن وقد أفهمنَّ ذا اللب أنَّما … فعلن الذي يفعلن من ذاك من أجلي فصاح الفرزدق وقال: والله هذا هو الذي أرادته الشعراء، فأخطأته، وبكت الديار. قال مصعب الزبيري (١): اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه، وحسن مجلسه وحديثه، فقالت سكينة: أنا لكن، به، فبعثت رسولًا إليه، ووعد الصورين ليلة سمتها له، فوافاها على راحلته، ومعه الغريض، فحدثهن حتى رأى الفجر، وحان انصرافهن، فقال لها: والله إني لمشتاق إلى قبر رسول الله ﷺ والصلاة في مسجده، ولكن والله لا أخلط زيارتكن بشيء، ثم انصرف إلى مكة فقال (٢): ألمم بزينب إنَّ البينَ قد أَفِدا … قَلَّ الثواءُ لئن كانَ الرَّحِيلُ غَدًا قَدْ حَلَّفتْ ليلةَ الصورين جاهِدَةً … وما على الحر إلا الصبر مجتهدا لأُختِها ولأخرى من مناصِفِها … لقد وجدتُ بهِ فوقَ الذي وَجَدَا لعمرها ما أُرَانِي إن نوى نَزَحَتْ … وهكذا الحبُّ إلا مَيِّتُ كَمَدًا قال: يا غريض إني أريد أن أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه ويبقى ذكره، فهل لك فيه؟ قلت: من ذاك ما أنت أهله؟ قال: إني قد قلت في الليلة التي كنا فيها شعرًا، فامض به إلى النسوة، فانشدهن ذلك وأخبرهن أني قد وجهت بك عامدًا. قال: نعم فحمل الغريض الشعر، ورجع إلى المدينة، فقصد سكينة وقال لها: جعلت فداك سيدتي ومولاتي إن ابا الخطاب أبقاه الله وجهني إليك قاصدًا، قالت: أوليس في خير وسرور وبركة؟ قال: نعم، قالت: وفيم وجهك أبو الخطاب - حفظه الله؟ قال: جعلت فداك إنَّ ابن أبي ربيعة حملني شعرًا، وأمرني أن أنشدك إياه، فقالت: هاته فأنشدها: [من البسيط] المم بزينب إنَّ البين قد أفدا … قَلَّ الثَّواءُ لئن كانَ الرَّحِيلُ غَدًا الشعر كله. فقالت: يا ويحه ما كان عليه أن لا يرحل في غد، فوجهت إلى النسوة، فجمعتهن وأنشدتهن الشعر، وقالت للغريض: هل عملت فيه شيئًا؟ قال: قد غنيت ابن أبي ربيعة قالت: فهاته فغناه الغريض، فقالت سكينة: أحسنت والله وأحسن ابن أبي ربيعة ولولا أنك سبقت وغنيته ابن أبي ربيعة لأحسنا جائزتك بأبياته. أعطه لكل ألف درهم، فأخرجت بأبياته أربعة آلاف درهم، فدفعتها إلي، وقالت سكينة: لو زادنا عمر لزدناك. قال محمد بن سلام: حجت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فجاءتها الثريا وأخواتها، ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن، وكان الغريض ممن جاء، ودخل النسوة

стр. 3027

عليها، فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد أعدتها لمن جاءتها، فجعلت كل واحدة تخرج ومعها جاريتها تحمل ما أمرت لها به عائشة، والغريض بالباب حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع، فقال الغريض: أين نصيبي من عائشة، فقلن له: أغفلناك، وذهبت عن قلوبنا، فقال: ما أنا ببارح من بابها، وآخذ بحظي منها، فإنها كريمة واندفع يغني بشعر جميل (١): [من الطويل] تذكرت ليلى والفؤاد عميدُ … وشَطَّتْ نَواها والمزار بعيد فقالت: ويلكم هذا مولى العبلات بالباب قد ذكر بنفسه هاتوه، فدخل، فلما رأته ضحكت، ثم قالت: لم أعلم بمكانك، ثم دعت بأشياء أمرت له بها، ثم قالت له: إن رأيت غنيتني صوتًا في نفسي، فلك حكمك، فغناها في شعر كثير (٢): [من الطويل] وما زلت من ليلى لَدُنْ طَرَّ شازي … إلى اليوم أُخفِي حُبَّها وأَدَاجِنُ وأَحْمِلُ في ليلى لقومٍ ضَغِينةٌ … وتُحْمَلُ في ليلى عَلَيَّ الضغائن فقالت: ما عدوت والله ما في نفسي، ووصلته وأجزَلته. قال إسحاق؛ فقلت لأبي عبد الله: فهل علمت هذين البيتين؟ ولم سألت الغريض ذلك؟، قال: نعم، حدثني أبي قال؛ قال الشعبي: دخلت المسجد فإذا بمصعب بن الزير على سرير جالس، والناس حوله، فسلمت ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي: ادن فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، ثم قال لي: إذا قمت فاتبعني، فجلس قليلًا ثم نهض، فتوجه نحو دار موسى بن طلحة، فتبعته فلما طعن في الدار التفت إلي، فقال: ادخل، فإذا حجلة وإنها لأول حجلة رأيتها لأمير، فقمت ودخلت الحجلة، فسمعت حركة كرهت الجلوس، ولم يأمرني بالانصراف، فإذا جاريته قد خرجت فقالت: يا شعبي إنَّ الأمير يأمرك أن تجلس، فجلست على وسادة، ورفع سجف الحجلة، فإذا أنا بمصعب بن الزبير، ورفع السجف الآخر فإذا أنا بعائشة بنت طلحة، فلم أر زوجة قط أحسن منهما مصعب وعائشة فقال مصعب: يا شعبي هل تعرف هذه؟، قلت: نعم، أصلح الله الأمير. قال: ومن هي؟ قلت: سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة، قال: ولكن هذه ليلى [التي] يقول فيها الشاعر: وما زلتُ من ليلى لدن طر شاربي .. ثم قال: قم إذا شئت، فقمت؛ فلما كان العشي، رُحتْ فإذا هو جالس في المسجد على سرير، فسلمت عليه، فلما رآني قال: ادن مني فدنوت حتى وضعت يدي على

стр. 3028

مرافقه، فأصغى لي، وقال: رأيت مثل ذلك الإنسان قط؟ قلتُ: لا والله، قال: أفتدري لم أدخلناك؟ قلت: لا، قال: لتحدث بما رأيت، ثم التفت إلى عبد الله بن فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم، وثلاثين ثوبًا وانصرف، وما انصرف أحد بمثل ما انصرفت، بعشرة آلاف درهم، وبمثل كارة القصار ثياب، وبنظرة من عائشة بنت طلحة. قال: وكانت عائشة بنت طلحة عند عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان أبا عذرتها، ثم هلك، وتزوجها مصعب بن الزبير فقتل، ثم تزوجها عمر بن عبد الله بن معمر فبنى بها بالحيرة، ثم انصرف عن سبع مرات تلك الليلة، فلقيته مولاة له حين أصبحن، فقالت: يا أبا حفص كَمُلتَ في كل شيء حتى في هذا. فلما مات ناحت عليه قائمة ولم تنح على أحد منهم. وكانت العرب إذا ناحت المرأة قائمة على زوجها علم أنها لا تريد أن تتزوج بعده، فقيل لها: يا عائشة ما صنعت هذا بأحد من أزواجك؟ قالت: إنه كان أقرب مني قرابة، وأردت أن لا أتزوج بعده. قال: وقدم يزيد بن عبد الملك مكة، فبعث إلى الغريض سرًا، فأتاه فغناه بهذا اللحن في شعر كثير (١): [من الطويل] وإني لأرعى قومها مِنْ جلالها … وإن أظهروا غِشًا نصحتهم جُهْدِي ولو حاربوا قومي لكنتُ لقومها … صديقًا ولمْ أَحْمِلْ على قومِها حِقْدِي فأشير إلى الغريض أن اسكت، وفطن يزيد فقال: دعوا أبا زيد يغني بما يريد، فأعاد عليه الصوت مرارًا، ثم قال: زدني مما عندك فغناه في شعر عمرو بن شأس الأسدي (٢): [من الطويل] فواندمًا على الشباب وواندم … ندمت وبان اليوم مني بغير ذم أردتُ غرارًا بالهوان مَنْ يُرِدْ … غِرارًا لعمري بالهوان فقد ظلم قال إسحاق: فحدث أبا عبد الله بهذا الحديث، وكنا قد أخذنا في أحاديث الخلفاء، ومن كان يسمع الغناء، فقال أبو عبد الله: كان قدم يزيد مكة وبعثه إلى الغريض سرًا قبل أن يستخلف، قلتُ له: فلم أشير إلى الغريض أسكت حيث غناه (٣):

стр. 3029

وإني لأرعى قومها من جلالها .. وما السبب في ذلك؟، قال: أنا أحدثك حديث أبي. قال: كان عبد الملك بن مروان أشدّ الناس حبًّا لعاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأته - وهي أم يزيد بن عبد الملك - فغضبت مرة على عبد الملك، وكان بينهما باب فأغلقته، فشق غضبها على عبد الملك، وشكاه إلى خاصته، فقال له عمرو بن بلال الأسدي: ما لي عندك إن رضيت؟، قال: حكمك، فأتى بابها، فجعل يتباكى، وأرسل إليها بالسلام، فخرجت إليه حاضنتها وجواريها، فقلن: ما لك؟ فقال: فزعت إلى عاتكة في أمر رجوتها له؛ فقد علمت مكاني من أمير المؤمنين معاوية، ومن أبيها بعده، فقلن: ومالك؟ قال: ابناي لم يكن لي غيرهما، فقتل أحدهما صاحبه، وقال أمير المؤمنين: أنا قاتل الآخر به، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا الولي، وقد عفوت، قال: لا أعود الناس هذه العادة. وقد رجوت أن يحيي الله ابني هذا على يدها، فدخلن عليها، فذكرن لها ذلك، فقالت: فكيف أصنع مع غضبي عليه وما أظهرت له؟، قلت: إذا والله يقتل، فلم نزل بها حتى دعت ثيابها، فأحضرتها، ثم خرجت نحو الباب وأقبل جريج الحصيني، فقال: يا أمير المؤمنين هذه عاتكة قد أقبلت، قال: ويلك ما تقول؟ [قال:] قد والله طلعت فأقبلت فسلمت، فلم يرد عليها¬ السلام، فقالت: والله لولا عمرو ما جئت. تعدى أحد ولديه على الآخر، وأردت قتل الآخر، وهو الولي وقد عفا، قال: إني أكره أن أعود الناس هذه العادة، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين قد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معاوية، ومن أمير المؤمنين يزيد؛ وهو بيايي. فلم تزل به حتى أخذت رجله فقبلتها، فقال: هو لك، فلم يبرحا حتى اصطلحا، ثم راح عمرو بن بلال على عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيت؟، قال: رأينا أثرك، فهات حاجتك، قال: مزرعة بعبيدها، وما فيها، وألف دينار، وفرائض لولدي وعيالي، قال: ذلك لك، ثم اندفع عبد الملك فتمثل بقول كثير: وإني لأرعى قومها من جلالها .. ثم فعلت عاتكة ما أرادت فلما غنّى يزيد هذا الشعر، كره مواليه إذ كان عبد الملك تمثل به في أمه. قال عبد الملك: وأما خبره لما غنى بشعر عمرو بن شاس، فإن ابن الأشعث لما قتل، بعث الحجاج إلى عبد الملك برأسه مع عرار بن عمرو بن شاس، فلما ورد به وأوكل كتاب الحجاج إليه، جعل عبد الملك يقرأه، وكلما شك في شيء سأل عرارًا عنه فأخبره فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده، فقال عبد الملك متمثلًا (١):

стр. 3030

وإن عرارا إن يكن غير واضح … فإني أحب الجون ذا المنكب العمم فضحك عرار من قوله ضحكا غاظ عبد الملك، فقال له: مم ضحكت ويلك؛ قال: ألا تعرف عرارا يا أمير المؤمنين الذي قيل فيه هذا الشعر؟، قال: لا، قال: فأنا والله هو، فضحك عبد الملك وقال: حقا وافق حكمه، وأحسن جائزته، وسرحه. قال أبو عبد الله: وإنما أراد الغريض يغني يزيد بتمثيلات عبد الملك، وسائر أموره. يونس الكاتب قال؛ حدثني معبد، قال: خرجت إلى مكة في طلب لقاء الغريض، وقد بلغني حسن غاية في لحنه (١): وما آنس ملأشياء لا أنس شادنا … بمكة مكحولا أسيلا مدامعه وقد كان بلغني أنه أول لحن صنعه، وأن الجن نهته أن يغنيه؛ لأنه فتن طائفة منهم من مكة لأجل ذلك وحسنه؛ فلما قدمت مكة سألت عنه، فدللت على منزله، فأتيته فقرعت الباب فما كلمني أحد، فسألت بعض الجيران، فقلت: هل في الدار أحد؟، قالوا: إن الغريض هناك، فرجعت فدققت الباب، فلم يجبني، فقلت: إن ينفعني غنائي يوما من الدهر نفعني اليوم فاندفعت فغنيت لحني في شعر جميل (٢): [من الطويل] علقت الهوى [منها] وليدا فلم يزل … إلى اليوم ينمى حبها ويزيد فوالله ما سمعت حركة الباب، فقلت: بطل سحري، وضاع تعبي، وجئت أطلب ما هو عسير علي، واحتقرت نفسي، وقلت: لم يتوهمني لضعف غنائي عنده، فما شعرت إلا بصائح يصيح بي: يا معبد أبلغني أفهم، وبلغ عني شعر جميل الذي تغني؛ يا شقي النجب، وغنى (٣): وما أنس ملأشياء لا أنس قولها … وقد قربت نضوى لمصر تريد ولا قولها لولا العيون التي ترى … أتيتك فاعذرني فدتك جدود خليلي ما أخفي من الوجد باطن … ودمعي بما قلت الغداة شهيد يقولون: جاهد يا جميل بغزوة … وأي جهاد غيرهن أريد لكل حديث بينهن بشاشة … وكل قتيل بينهن شهيد قال: فلقد سمعت شيئا لم أسمع قط أحسن منه، وقصر إلى نفسي وعلمت فضله علي، وقلت: إنه لحري بالاستتار من الناس ترفيها لنفسه وتعظيما لقدره، وإن مثله لا يستحق الابتدار، ولا أن يتداوله الرحال، فأردت الانصراف إلى المدينة راجعا؛ فلما

стр. 3031

كنت غير بعيد فإذا بصائح يصيح: يا معبد انظر أكلمك، فرجعت، فقال لي: إنَّ الغريض يدعوك، فأسرعت فرحًا، فدنوت من الباب، فقال: أتحب الدخول، فقلت: وهل إلى ذلك سبيل؟ فقرعت الباب، فقال لي: ادخل، فدخلت فإذا الشمس طالعة في بيته، فسلّمت فرد علي السلام، ثم قال: اجلسن فجلست فإذا أنبل الناس، وأحسنهم وجهًا وخلقًا، فقال: يا معبد كيف تطربت إلى مكة؟ فقلت: جعلت فداك، وكيف عرفتني؟، قال: بصوتك، قلت: وكيف ولم تسمعه؟ فقال: لما غنيت، عرفتك وقلت: إن كان معبد في الدنيا فهذا، فقلت: جعلت فداك كيف أحسنت بقولك: وما أنس ملأشياء لا أنس قولَها … وقد قربت نضوي لمصر تُريدُ فقال: علمت أنك تريد تسمع صوتي: وما أنس ملأشياء لا أنس شادِنًا … لمكةَ مكحولًا أسيلًا مدامعه فلم يكن إلى ذلك سبيل؛ لأنّه صوت قد نهيت أن أغنيه فغنّيتك هذا الصوت جوابًا لما سألت، فقلتُ: والله ما عدوت ما أردت، فهل لك من حاجة، فقال: يا أبا عباد لولا ملالة الحديث، وثقل إطالة الجلوس لاستكثرت منك فاعذرني فخرجت من عنده، وإنه لأجل الناس عندي، ورجعت فما رأيت إنسانًا وهو أعظم منه في عيني، وذكرت جميلًا وبثينة، فقلت: لئن أصبت إنسانًا يحدّثني بقصة جميل وقوله هذا الشعر، فسألت عن ذلك، فإذا الحديث مشهور، وقيل: إن أردت أن تخبر بما شاهدته، فأت بني حنظلة؛ فإن فيهم شيخًا منهم يقال له فلان، فيخبرك الخبر، فأتيت الشيخ فسألته، فقال: نعم بينا أنا في إبلي في الربيع إذ أنا برجل منطو على راحلته كأنه جان، فسلم علي ثم قال لي: فمن أنت يا أبا عبد الله - أحد بني حنظلة - قال: فنسبني حتى بلغت فخذي الذي أنا منه، ثم سألني عن بني عُذرة، فقلت: هل ترى ذلك الشيخ فإنهم نزلوا من ورائه، قال: يا أخا بني حنظلة هل لك من معروف تصنعه لي؟ فوالله لو أعطيتني ما أصبحت تسوق إليه من الإبل ما كنت أشكر مني لك عليه، فقلت: ومن أنت أولًا؟ فقال: لا تسألني من أنا، ولا أخبرك، إني رجل بيني وبين هؤلاء القوم ما يكون بين بني العم، فإن رأيت أن تأتيهم، فإنك تجد القوم في مجلسهم، فتنشدهم. بكرة أدام بحر حفيها عبلاء واسمةً فإن ذكروا لك شيئًا فذاك، وإلا استأذنتهم في البيوت، وقلت: إنَّ الصبي والمرأة يريان ما لا يرى الرجال، فتنشدهم ولا تدع أحدًا تصيبه عينك، ولا بيتًا من بيوتهم إلا وأنشدتها فيه، فأتيت القوم، فإذا بهم على جزرهم يقسمونها، فسلمت وانتسبت وذكرت لهم ضالتي، فلم يذكروا لي شيئًا، فاستأذنتهم في البيوت، وقلت: إنَّ الصبي والمرأة يريان ما لم ير الرجل، فأذنوا لي، فأتيت أقصى بيت، ثم استقريتها بيتًا بيتًا، فلا يذكرون لي شيئًا

стр. 3032

حتى انتصف النهار، وآذاني حرّ الشمس، وعطشت وفرغت من البيوت، وذهبت لأنصرف، فحانت مني التفاتة فرأيتُ ثلاثة أبيات، فقلت: ما عند هؤلاء إلا ما عند غيرهم، ثم قلت لنفسي: سوءةً ونوّى زعم أن حاجته تعدل مالي ثم أتيته فأقول: عجزت عن ثلاثة أبيات: فانصرفت عائدًا إلى أعظمها بيتًا، فإذا هو قد أرخى مقدمه ومؤخره، فسلمت فرد علي السلام، وذكرت لهم ضالتي، فقال: يا عبد الله قد أصبت ضالتك وما أظنك إلا وقد اشتد عليك الحر، واشتهيت الشراب، فقلت: أجل، فدخلت فأتتني بصحفة فيها تمر من تمر هجر، وقدح فيه لبن، والصحفة مصرية، والقدح مفضض لم أر إناء قط أحسن منه، فقالت: دونك، فأكلتُ وشربتُ من اللبن حتى رويت، ثم قلت: يا أمة الله ما أنست اليوم أكرم منك، ولا الحق بالفضل، فهل ذكرت من ضالتي ذكرًا، فقالت: أجل ترى هذه الشجرة فوق الشرف؟، قلت: نعم قال: فإن الشمس غربت أمس وهي تطيف حولها، ثم حال الليل بيني وبينها، فقمت وجزيتها الخير، وقلت: والله لقد تغديت وترويت، فخرجت حتى أتيت الشجرة، فأطفت بها، فوالله ما رأيت من أثر، فانصرفت إلى صاحبي فإذا هو متشح في الإبل بكسائه ورافع عقيرته يغني، فقلت: السلام عليك، قال: وعليك السلام. قال: ما وراءك؟ قلت: ما ورائي من شيء. قال: لا عليك، فأخبرني بما فعلت. قال: فقصصت عليه القصة حتى انتهيت إلى ذكر المرأة، وأخبرته بالذي صنعت. قال: قد أصبت ضالتك، فوجبت من قوله، ولم أجد شيئًا، ثم سألني عن صفة القدح والصحفة، فوصفتها له، فتنفس الصعداء، ثم قال: أصبت طلبتك، ثم ذكرت له الشجرة، وأنها رأتها تطيف بها، فقال: حسبك فمكثت حتى إذا أوت أبلي إلى مباركها دعوته إلى العشاء، فلم يدن وجلس عني بمزجر الكلب؛ فلما ظنّ أني قد نمت رمقته، فقام إلى عيبة له، فاستخرج منها بردن، فاتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، ثم انطلق عامدًا نحو الشجرة، واستبطنت الوادي فجعلت أحضر حتى إذا خفت أن يراني، أشحطت فلم أزل كذلك حتى سبقته إلى شجرات قريبة من تلك الشجرة حيث أسمع كل منهما، فاستترت بهنّ، وأقبل حتى إذا كان غير بعيد، قالت: اجلس. فوالله لكأنه لصق بالأرض، فسلم عليها وسألها عن حالها أكرم سؤال ما سمعته قط، وأبعده من كل ريبة، وسألته عن مثل مسألته، ثم أمرت الجارية، فقربت إليه طعامًا، فلما أكل، قالت: أنشدني ما قلت، فأنشدها (١): [من الطويل] علقتُ الهوى منها وليدًا ولم يزل … إلى اليوم ينمى حبها ويزيد ولم يزالا يتحدثان ما يقولان فحشًا ولا هجرًا حتى التفتت التفاتة، فرأت الصبح قد طلع، فودع كل منهما صاحبه أحسن وداع سمعته، ثم انصرفا فمضيت إلى إبلي،

стр. 3033

فاضطجعت، وكل واحد منهما يمشي خطوة، ويتلفت إلى صاحبه فجاء بعدما أصبحا فرفع برديه ثم قال: يا أخا بني حنظلة حتى متى تنام، فقمت وتوضأت وصليت، وأعانني عليها وهو أظهر الناس سرورًا، ثم دعوته إلى الغداء فتغدينا، ثم قام إلى عيبته ففتحها، فإذا فيها السلاح وبردان مما كسته الملوك، فأعطاني أحدهما، وقال: والله لو كان معي شيء ما ادخرته عنك، وحدثني حديثه، وانتسب إليّ فإذا جميل بن معمر، والمرأة بثينة، وقال لي: إني قد قلت أبياتًا في منصر في من عندهها، فهل لك في أن أنشدها لك، قلت: نعم (١). وما أنس ملأشياء لا أنس قولها … وقد قربت نضوى أمصر تريد الأبيات ثم ودعني وانصرفت، فمكث حتى أخذت إبلي مراتعها، ثم عمدت إلى دهن كان معي فدهنت به رأسي، ثم ارتديت بالبردة، وأتيت المرأة، فقلت: السلام عليكم، إني جئت أمس طالبًا، وجئت اليوم زائرًا، فتأذنون؟، فقالت: نعم فجعلت جارية تعول: يا بثينة عليه برد جميل، فجعلت أثني على ضيفي وأشكره، فقلت: إنه ذكرك، فأحسن الذكر، فهل أنت بارزة حتى أنظر إليك، قالت: نعم فلبست ثيابها، ثم برزت، ودعت لي بمطرف وقالت: يا أخي بني تميم والله ما ثوباك هذان بمشبهين، ودعت بعيبتها، وأخرجت لي ملحفة مروية مشبعة من العصفر، ثم قالت: أقسمت عليك لتقومن إلى كسْرِ البيت، لتلتحفن مدرعتك، ثم لتزرّن بهذه الملحفة فهي أشبه ببردك، فقمت ففعلت، وأخذت مدرعتي بيدي، فوضعتها إلى جانبي، وأنشدتها الأبيات، فدمعت عيناها، وتحدثنا طويلًا من النهار، ثم انصرفت إلى إبلي بملحفة بثينة وبردة جميل ونظرة من بثينة. قال: فجزيت الشيخ خيرًا، وانصرفت من عنده، وأنا أحسن الناس حالًا بنظرة إلى الغريض، واستماع غنائه، وعلم بحديث جميل وبثينة فيما غنيت أنا به، وفيما غنى به الغريض على حق ذلك وصدقه، فما رأيت قط، ولا سمعت بزوجين أحسن من جميل وبثينة، ومن الغريض ومني. قال: قدم الوليد بن عبد الملك مكة، فأراد أن يأتي الطائف، فقال: هل من رجل عالم يخبرني عنها؟ فقالوا: عمر بن أبي ربيعة، قال: لا حاجة لي به، ثم دعا فسأل، فذكروه إياه، ثم دعا فذكروه إياه، فقال: هاتوه فأتوا به فركب/ ٢٤/ معه، ثم جعل يحدثه، ثم حول عمر رداءه ليصلحه على نفسه فإذا على ظهره أثر، فقال الوليد: ما هذا الأثر؟ فقال: كنت عند جارية لي إذ جاءتني جارية برسالة جارية أخرى، وجعلت تسارني، فعضت التي كنت عندها منكبي فما وجدت ألم عضها من لذة ما كانت تلك

стр. 3034

تفت في أذني حتى بلغت ما ترى، فضحك الوليد، فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك به أمير المؤمنين؟، قال: ما زلنا في حديث الزناني حتى رجع. وكان حمل الغريض معه فقال له: يا أمير المؤمنين إنَّ عندي أجمل الناس وجهًا، وأحسنهم حديثًا، فهل لك أن تسمعه؟، فقال: هاته، فدعابه، فقال له: اسمع يا أمير المؤمنين أحسن شيء قلته، فاندفع يغني بشعر جميل (١): [من الكامل] إِنِّي لأحفظ سرَّكُمْ ويسركم … لؤ تعلمين بصالح أَنْ تُذكري ويكون يوم لا أرى لكِ مرسلًا … أَوْ نلتقي فيه عليَّ كأَشْهُرِ يا ليتني ألقى المنيةَ بَغْتَةً … إِنْ كانَ يوم لقائِكُمْ لَمْ يُقْدَرِ ما كُنْتُ والوعد الذي تَعِدِينَهُ … إلا كبرقِ سحابة لم تمطر تُقضى الديون وليسَ يَنْجِزُ عاجِلًا … هذا الغريم لنا وليس بمُعْسِرِ قال: فاشتد سرور الوليد بذلك، وقال: يا عمر هذه رقيتك، ووصله وكساه حوائجه. قال: وكانت وفاة الغريض في أيام سليمان بن عبد الملك، أو عمر بن عبد العزيز، ولم يتجاوزها، وكان موته باليمن؛ لأن الوليد كان ولى نافع بن علقمة مكة فهرب منه الغريض، فأقام باليمن، فاستوطنها مدّة، ثم مات بها. قال عمر بن شبة: زعم المكيون أن الغريض أتى بلادًا من بلاد الجن، فغنى ليلا (٢): [من الهزج] هُمُ رَكْبٌ لَقِي رَكْبًا … كَمَا قَدْ يُجْمَعُ السَّيْلُ فصاح به صائح: أكفف يا أبا مروان، فقد سفّهت حلماءنا وأصبيت سفهاءنا قال: فأصبح ميتًا. قال إسحاق، قال أبو قبيل: رأيت الغريض في عرس أو ختان لبعض مواليه، فقيل له:: تغنَّ، فقال: هو ابن زانية إن فعل، فقال له بعض مواليه: فأنت هو والله كذلك، قال: أفكذلك أنا؟ قال: نعم، قال: أنت أعلم، ثم أخذ الدف، فرمى به، ثم مشي مشية مواليه، لم أر أحسن منها، ثم غنى (٣): [من الطويل] تشرب لونَ الرازقي بياضُهُ … أو الزعفران خالط المسك رادعة فجعل يغنيه مقبلًا ومدبرًا حتى التوت عنقه، فخرَّ صريعًا، وما رفعناه إلا ميتًا، فظننا فالجًا عاجله.

стр. 3035

قال إسحاق: وحدثني ابن الكلبي عن أبي مسكين، قال: إنما نهته الجن أن يغني هذا الصوت (١): وما أنس ملأشياء لا أنس شادِنًا … بمكةَ مكحولًا أَسِيلًا مدامعة ومنهم: [٥] طويس (٢) كان مشؤوم الطلعة، مذموم السمعة، ما بُشِّر به، ولا بُشِّر بحظ جليل، ورزء ليس بقليل، ومصاب أبات الناس بليل طويل. جُرِّب فصح أنه مشوم، أن والدًا أو ولده ملوم، وأنه ممن لو وضع الملح في الطعام لفسد منه، ولو أبصره إبليس لحياه، وقال: فديت من لا يفلج لو مر بسوق النفاق لكسد، أو جاز الخمر الرحيق لفسد، أو دخل بين أخوين متحابين لداخل كلا منهما لأخيه الحسد، أو نظر نظرة في الطب لما قنع حتى يفرق بين الروح والجسد. فعجبًا إن عُدّ من أهل الإيمان، ووا أسفًا إذا لم يبق في حرِ أُمِّه إلى آخر الزمان. قال ابن الكلبي: أول من غنى بالعربي بالمدينة طويس، وهو أول من ألقى الخنث بها، وكان طويلًا أحول، وكان لا يضرب بالعود، وإنما ينقر بالدف، وكان ظريفًا عالمًا بالمدينة وأنساب أهلها، وكان يتقى لسانه. قال: وسئل عن مولده، فذكر أنه ولد يوم قبض رسول الله ﷺ وفطم يوم مات أبو بكر، وختن يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له يوم قتل علي ﵃. قال: وكانت أمه تمشي بين نساء الأنصار بالنميمة. قال: وأول غنائه وهزجه (٣): [من مجزوء الرمل]

стр. 3036

كيف يأتي من بعيد … وهو يُخفيه القريب لاح بالشام عشاء … وهو مشكاك هبوب قدْ بَرَاني الحبُّ َحتَّى … كِدْتُ منْ وَجْدٍ أَذُوبُ وهذا البيت يسمى الدائب. قال يونس: وكان أول من يغني بالمدينة غناء يدخل في إيقاع طويس. قال ابن الكلبي: كان بالمدينة مخنث يقال له النعاشي، فقيل لمروان: إنه لا يقرأ من القرآن شيئًا، فبعث إليه، وهو بالمدينة يومئذ، فأسمعوه أم الكتاب، فقال: والله ما أقرأ البنات، فكيف أمهنّ؟!، فقال: أتهزل لأم القرآن لا أم لك؟، فأمر به فقتل، وقال: من جاءني بمخنث، فله عشرة دنانير، فأخبر طويس، فهرب من وقته حتى نزل السويداء على ملن من المدينة، فلم يزل بها عُمْرَ [هـ] وعاش إلى ولاية الوليد بن عبد الملك. قال المدائني: كان عبد الله بن جعفر معه رفقة له في عشية من عشيات الربيع، فراحت عليهم السماء بمطر جَوْدٍ، فسال كل شيء، فقال لهم، عبد الله في العقيق، وهو متنزه أهل المدينة في أيام الربيع والمطر، فركبوا دوابهم، ثم انتهوا إليه، فوقفوا على شاطئه، وهو ويرمي بالزمل مثل الفرات. فإنه لينظرون إذ هاجت السماء، فقال عبد الله لأصحابه: ليس معنا جنة نستجن بها، وهذه سماء خليفة قبل ثيابنا، فهل لكم في منزل طويس؟ فإنه قريب منا، فنستكن فيه، فيحدثنا ويضحكنا، وطويس في النظارة يسمع كلام عبد الله بن جعفر، فقال له عبد الرحمن بن حسان: جعلت فداك وما تريد من طويس عليه غضب الله مخنث شائن لمن عرفه؟، فقال له عبد الله بن جعفر: لا تقل ذلك؛ فإنه خفيف مليح لنا فيه أنس، فلما استوفى طويس كلمهم يجعل إلى منزله، فقال لامرأته: ويلك قد جاء سيدنا عبد الله بن جعفر، فما عندك؟، قالت: تذبح هذه العفاف، وكانت عندها عليفة قد ربتها باللبن، واختبز رقاقًا فبادر ذبحها، وعجنت هي، ثم خرج، فتلقاه مقبلًا إليه، فقال له طويس: بأبي أنت وأمي هذه المطر فهل لك في المنزل لتسكن فيه إلى أن تكف السماء؟، قال: إياك أريد، قال: فامض يا سيدي على بركة الله، وجاء يمشي حتى جلسوا حتى أدرك الطعام، فقال: بأبي أنت وأمي تكرمني إذ دخلت منزلي أن تتعشى عندي، قال: هات ما عندك؟ فجاء بعناق سمينة ورقاق، فأكل كل القوم حتى تملوا، وأعجبه طيب طعامه؛ فلما غسلوا أيديهم قال: بأبي أنت وأمي أتمشى لك وأغنيك؟، قال: بلى يا طويس،

стр. 3037

فأخذ ملحفة فاتزر بها، وأرخى لها ذنبين، ثم أخذ المربع فتمشى وغنى (١): [من المديد] يا خَليلي يا بَني سُهُدي … لم تنم عيني ولم أكد كيفَ تَلْحُوني على رجل … ابنة تلتذهُ كَبِدِي قال: فطرب القوم، وقال: أحسنت والله يا طويس، ثم قال: يا سيدي أتدري لمن هذا الشعر؟، قال: لا أدري لمن هو؟ إلا أني سمعتُ شعرًا حسنًا قال: هو الفارعة بنت ثابت وهي تتعشق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنكس القوم رؤوسهم، وضرب عبد الرحمن برأسه، فلو شقت له الأرض، لدخل فيها. قال المدائني: حُدثت أن طويسًا تبع جارية فردعته، فلم ينقطع عنها، فلما جاوزت مجلس قوم وقفت وقالت: يا هؤلاء لي صديق ولي زوج، ولي مولى فسلوا هذا ما يريد مني؟ قال: أضيق ما وسعوه. قال المدائني: وكان طويس مولعًا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم، فقل مجلس اجتمع هذا الحيان، فغنى طويس إلا وقع فيه شر. قال المدائني قدم ابن سريج المدينة، فجلس يومًا في جماعة، وهم يقولون: أنت والله أحسن الناس غناء، إذ مرَّ بهم طويس فسمع قولهم، فاستل دفه ونقره وغنّى (٢): [من مجزوء الكامل] إن المخنثة التي … مَرَّت بنا قبل الصَّباح في حُلّة موشيةٍ … يمنية غَرْتَى الوشاح زين لمشهد فِطْرِهمْ … وتزينُهم يوم الأضاحي فقال ابن سريج: هذا والله أحسن الناس غناء إلا أنا. [٦] يزيد حوراء (٣) كان مطربًا لو مزج بغناه الماء لأسكر، أو قرع به المساء لما تنكر به، أو قرن به

стр. 3038

القدماء، وأنصف لم يكن معه أحد يذكر، ولهذا حسد حتى تحيل عليه، وتوصل إلى ما لديه، فأخذ ما كان به يمتاز، وترك ما عنده شيء أحد يعتاز، وعلى هذا كان مقدمًا، وكان سامعه كأنما يفتح منه إناء معدمًا. قال أبو الفرج: قدم على المهدي في خلافته فغناه، وكان حسن الصوت مليح الشمال؛ فذكر ابن خرداذبة: أن إبراهيم الموصلي حسده على شمائله وإشارته في الغناء، واشترى عدة جوار، وشاركه فيهن، وقال له: علمهن الغناء، فما رزق من ربح، فهو بيننا، وأمرهن يجعلن و كُدْهُنَّ أخذ إشارته ففعلن ذلك، وكان إبراهيم يأخذ عنهن هو وابنه، ويأمرهن بتعليم كل من يعرفه ذلك، حتى شهرها في الناس، فأبطل عليه ما كان منفردًا به في ذلك. قال إسحاق، قال يزيد حوراء: كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش، وكانت تمر بي جارية تختلف إلى الزرقاء تتعلم منها الغناء، فقلت لها يومًا: افهمي قولي، وردّي جوابي، وكوني عند ظني؛ فقالت: هات ما عندك، فقلت: بالله ما اسمك، قالت: ممنعة، فأطرقت طيرة من اسمها مع طمعي فيها، ثم قلت: باذلة أو مبذولة إن شاء الله، فاسمعي مني، وهي تبتسم، فقالت: إن كان عندك شيء، فقلت، فقلت (١): [من الطويل] لِيَهْنِكِ منهي أنني لستُ مُفْشيًا … هَواكِ إلى غَيْري ولو مُتُّ من حُبّي [و] لا مانحًا خُلْقًا سِواكِ مَوَدَّةً … ولا قائلًا ما عشتُ من حُبِّكُمْ حَسْبي قال: فنظرت إلي طويلًا، ثم قالت: أنشدك الله أعن فرط محبة، أو اهتياج غلمة؟، فقلت: لا والله إلا عن فرط محبة، فقالت: فَوَاللهِ رَبُ النّاسِ لا أَخْذُتْكِ الهَوى … ولا زُلْتِ مَخْصُوصَ المحَبَّةِ مِنْ قَلْبي فَشُقَّ بِي فَإِنّي قَدْ وَثِقْتُ ولا تَكُنْ … عَلَى غَيْرِ ما أَظْهَرْتُ لِي يَا أَخَ الحُبِّ قال: فوالله لكأنما أضرمت في قلبي نارًا، فكانت تلقاني في الطريق الذي كانت تسلكه فتحدثني أتفرج بها ثم اشتراها بعض أولاد الخلفاء، وكانت تكاتبني وتلاطفني دهرًا. قال عبد الله بن العباس الربيعي: كان يزيد حوراء نظيفًا ظريفًا، حسن شكلًا، لم يقدم من الحجاز أظرف، ولا أشكل منه، وكان يتعصب لإبراهيم الموصلي على ابن جامع، وكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل، وينبه على تقدمه وإحسانه، وكان

стр. 3039

يبعث ابنه إسحاق يأخذ عنه، وكان يزيد صديقًا لأبي مالك التميمي الأعرج ولا يكاد يفارقه، فمرض يزيد مرضًا شديدًا فاغتم عليه الرشيد، وبعث مسرورًا مرات يسأل عنه ثم مات، فقال أبو مالك (١): [من الخفيف] لمْ يُمَتَّعْ مِنَ الشَّباب يزيد … صار في التّرب وهو غَضٌ جديد فَكَأَنْ لم يكن يزيد ولمْ يَسْـ … ـخُ نديمًا يهُزُّهُ التَّعْرِيدُ [٧] عبد الرحمن الدف (٢) كان مغنيًا مُغنيًا، ومقرَّبًا للسرور مدنيًا، كان يُحيي أطايب الطرب، ويدني غرائب الرغب، لطرفه إلى القلوب خلوص، وبطربه مثل رقص القلوص، ما طرب وأبقى من إرب، إلا أن الجد لم يقل من عثاره، ولم يقد ظباء الحلميين لأخذ ثأره. قال أبو الفرج: كان منقطعًا إلى علي بن المهدي المعروف بريطة. قال عبد الصمد بن المعذل: غنّت جارية يومًا بحضرة الرشيد (٣): [من المنسرح] قُلْ لعلي أيا فتى العرب … وخيرَ نام وخيرَ مُنْتَسِبِ أعلاكَ جداك يا علي إذا … أقْصَر جَدٌ عن ذروة النَّسَبِ فأمر بضرب عنقها، فقالت: يا سيدي وما ذنبي، هذا الصوت عُلمتُه والله، وما أدري من قاله، ولا فيمن قيل؛ فعلم صدقها، فقال لها: عمن أخذتيه، قالت: عن عبد الرحمن الدفاف فأمر بإحضاره، وقال: يا ماص بظر أمه، أتغني في شعر تفاخر بيني وبين أخي؟ جردوه، فجردوه عن ثيابه، ودعا له بالسياط، فضرب بين يديه مائة سوط. قال عبد الرحيم: دخلت يومًا على ريطة وستارته منصوبة، فغنت جاريته (٤): [من الطويل] أناسٌ أَمِنَاهُمْ فَنَمُوا حديثنا … فلمَّا كَتَمْنَا السِّرَّ عنهم، تقوَّلُوا فقلت له: أرأيت ان أغنيك هذا الصوت، وفيه تمامه زيادة ببيت آخر، أي شيء

стр. 3040

عليك؟، قال: جعلتني هذه فغنيته: فلم يحفظوا الرد الذي كان بيننا … ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا قال: فنزع خلعته، فجعلها علي، وأقمت عنده بقية يومي على عربدة كانت فيها. [٨] ابن مسجح (١) سابق أغر وسارق ما غر، أول من تفطن لغناء فارس، وكان له في بلاد العرب الفارس أي بر من العجم، وألقى سمعه إلى أصواتها، وابتز أرواح طربها من لهواتها، ونقل ما تصور في خاطره من تلك الصور الأعجمية، والتماثيل التي لا ترى للعيون العمية إلى أن أبرزها عربا أبكارا، وأسكنها أسماعا وأفكارا، وأدارها شمولا لا يسمع عليها إنكارا، ثم منه أدهقت آنيتها، وسمعت قاصيتها ودانيتها. قال أبو الفرج، قال هاشم بن المرية: إن أول من غنى هذا الغناء العربي بمكة ابن مسجح، وذلك أنه مر بالفرس وهم ينصون المسجد الحرام فسمع غناءهم بالفارسية فنقله في شعر عربي، وهو الذي علم الغريض وابن سريج. قال: وهو أول من غنى الغناء الثقيل. وعاش ابن مسجح حتى لقيه معبد، وأخذ عنه في أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك. قال دحمان: كنت عاملا لعبد الملك بن مروان بمكة، فقيل: إن رجلا أسود يقال له: ابن مسجح قد أفتن فتيان قريش فأنفقوا عليه أموالهم، فكتب إليه: أن اقبض ماله وسيره، ففعل وتوجه ابن مسجح إلى الشام، فصحبه رجل له جوار مغنيات في طريقه، يقال له يزيد، فأخبره خبره، وقال: أريد الشام، قال له: فكن معي، فصحبه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها، فسألا عن أخص الناس بالأمير، قالوا: هؤلاء النفر من قريش من بني عمه، فوقف ابن مسجح عليهم وسلم، ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز؟، فنظر بعضهم إلى بعض، وكان عليهم موعد أن

стр. 3041

يذهبوا إلى قينة يقال لها: برق الأفق فتثاقلوا به إلا فتى منهم تذمم، فقال: أضيفك، وقال لأصحابه: انطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي، قالوا: بل تجيء معنا أنت وضيفك، فذهبوا جميعًا إلى بيت المغنية، فلما أتوا بالغداء، قال لهم سعيد: إني رجل أسود، ولعل فيكم من يقذرني وأنا أجلس فآكل ناحية، فاستحيوا منه، وبعثوا له بما أكل؛ فلما صاروا إلى الشراب، قال لهم مثل ذلك، ففعلوا، وأخرجوا جاريتين، فجلستا على سرير قد وضع لهما، فغنتا إلى العشاء ثم دخلتا وخرجت جارية حسنة الوجه والهيأة وهما معها، فجلست على السرير، وجلسا أسفل منها عن يمين السرير وشماله، قال ابن مسجح فتمثلت بهذا البيت، فقلت (١): [من الطويل] أَصُبْحٌ أَمْ مَصَابِيحُ بَيْعَةٍ … بَدَتْ لكَ خَلْفَ السِّجْفِ أَمْ أَنْتَ حَالِمُ فغضبت الجارية، وقامت وقالت: أيضرب مثل هذا الأسود في الأمثال فنظروا إلي نظرًا منكرًا، ولم يزالوا بها حتى غنت فقلت: أحسنت والله، فغضب مولاها، فقال: مثل هذا الأسود يقدم على جاريتي؟، فقال لي الرجل الذي أنا عنده: قم فانصرف إلى منزلي، فقد ثقلت على القوم، فذهبت لأقوم، فتذمم القوم، وقالوا: بل أقم وأحسن أدبك، فأقمت وغنَّتْ، وقلت: أخطأت وأسأت، ثم اندفعت فغنيت الصوت، فقالت الجارية: هو والله أبو عثمان سعيد بن مسجح، فقلت: أي والله أنا هو، والله لا أقيم عندكم، فوثب القرشيون، فقال أحدهم: هذا يكون عندي، فقلت: لا والله لا أقيم إلا عند سيدكم - يعني الرجل الذي أنزله عنده - وسألوه عما أقدمه فأخبرهم الخبر، فقال له صاحبه: أنا أسمر الليلة عند أمير المؤمنين فهل تحسن أن تحدو؟، فقلت: لا والله، ولكنّي أصنع حداءً، قال له: إن منزلي بحذاء أمير المؤمنين فإذا وقعت منه على طيب نفسه أرسلت إليك. ومضى إلى عبد الملك؛ فلما راه طيب النفس، أرسل إلى ابن مسجح، فأخرج رأسه من وراء شرف القصر، ثم حدا، فقال عبد الملك للقرشي من هذا؟ قال: رجل صحاري قدم علي، قال: أحضره، فأحضره، فقال له: احد فحدا، فقال له: هل تغني غناء الركبان؟ قال: نعم، قال: غنه، فغنى، فقال له: هل تغني الغناء المتقن؟، قال: نعم، قال: غنه، فتغنى فاهتز عبد الملك طربًا، ثم قال: أقسم أن لك في القوم اسمًا كبيرًا، فمن أنت؟، قال: أنا المظلوم المقبوض ماله، المسيّر عن وطنه، سعيد بن مسجح، قبض مالي عامل الحجاز، ونفاني، فتبسم عبد الملك، ثم قال: قد وضح غدر فتيان قريش أن ينفقوا

стр. 3042

عليك أموالهم، وأمنه، ووصله وكتب إلى عامله برد ماله، وأن لا يعرض له. قال: ومن غنائه القديم الذي صنعه (١): [من الكامل] أسلامُ إِنَّكِ قد ملكت فأَسْجِحي … قديملِكُ الحر الكريمُ فَيَسْجَحُ منّى على عانٍ أَطَلْتِ عَناءَهُ … في الغِلِّ عِنْدَكِ مَنْ يغش وينصح إنّي لأنصحكم وأعلمُ أَنَّهُ … سِيَّانَ عندكِ مَنْ يغش وينصح وإذا شكوت إلى سلامةَ حبَّها … قالتْ: أَجِدٌ منك ذا أم تمزح [٩] عُطْرُد (٢) وكان عطرد عطارديًا، لبقًا ذكيًا، أرضيًا، سماويًا، كان خُلق للسرور، وخُلي لبلابل الصدور، وكان رحيب الباع كثير الأتباع، لو لاطف الصخر لداب، ولو خضر يوم الفراق لطاب، لو غنى للجواد الممتد في طلقه لصَفَنَ، وللميت استغفر الله، لقام ينفض الكف لا يلد إلا به العزل، ولا يعد أحد من طبقته إلا إذا نزل. قال أبو الفرج، قال إسحاق: كان جميل الوجه، حسن الغناء، جيد الصنعة، طيب الصوت، حسن الزي، فقيهًا قارئًا للقرآن، وكان يغني مرتجلًا، وأدرك دولة بني العباس، وبقي إلى أيام الرشيد، وكان معدل الشهادة بالمدينة. قال إسحاق: ولي مسلمة بن عباد القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عباد بن مسلمة عطرد، وهو بها مقيم، قد قصد إلى سليمان بن علي، وأقام معهم، فأتى بابه ليلًا فدق عليه، ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج عطرد إليه؛ فلما رآه، ومن معه ارتاع، فقال: لا ترع (٣): [من الكامل] إنِّي قصدت إليكَ منْ أَهلي … في حاجة يأتي بها مثلي

стр. 3043

قال: وما هي أصلحك الله؟، فقال: لا طلبًا شيئًا إليكَ سِوَى … (حيّ الحمول بجانب العَزْلِ) (١) قال عطرد: على بركة الله. ولم يزل يغنيهم هذا، وغيره حتى أصبحوا. قال: ولي زيد الهاشمي المدينة، فأمر بأصحاب الملاهي، فحبسوا وحبس عطرد فيهم، وحضر لعرضهم، وشفع في عطرد رجال من المدينة، وأخبروه أنه من أهل الدين والمروءة، فخلى سبيله، وخرج فإذا هو بالمغنين قد أحضروا؛ ليعرضوا، فرجع إليه عطرد، فقال: أصلح الله الأمير على الغناء حبست هؤلاء؟، قال: نعم، قال: فلا تظلمهم، فوالله ما أحسنوا شيئًا منه قط، فضحك وأطلقهم جميعًا. [١٠] الأبجر (٢) وكان إذا طرب يفرط في لجاجته، ويُلهي العجول عن حاجته، ينهب حبّات القلوب نصبًا، ويأخذ حبا الملوكِ غصبًا، لو تغنّى ساعة عرفة لألهى الحجيج، أو ثنى يوم منى لأكثر الضجيج، لو قدمت الخمس الظوامي، وهو يترنم إلى الماء، لطوت جوانحها على الغلل الظلماء، وكان لا يرى إلا في هيأة تسرّ المبصر، وتسول للغوي أنه لا يقصر. قال أبو الفرج؛ قال إسحاق: لم يكن أحد أظرف منه ولا أحسن هيأة منه، كانت حلته بمائة دينار، وكان يقف بين المأزمين، ويرفع صوته، فيقف الناس له، ويركب بعضهم بعضًا. قال إسحاق: جلس الأبجر في ليلة يوم السابع من أيام الحج على قريب من التنعيم، فإذا عسكر جرار قد أقبل في آخر الليل، وفيه دواب تجنب، وفيها فرس أدهم حليته ذهب فاندفع يغني (٣): [من الطويل]

стр. 3044

عَرَفْتُ ديار الحي خاليةً قَفْرَى … كأَنَّ بها لما توههمتُها سَطْرا فلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا وصاح صائح: ويحك، أعد الصوت، فقال: لا والله إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار، وإذا الوليد بن يزيد - صاحب العسكر - فنودي: أين منزلك؟ ومن أين أنت؟ قال: أنا الأبجر ومنزلي على رأس زقاق الحرازين، فغدا إليه رسول الوليد بذلك الفرس، وأربعمائة دينار، وتخت من ثياب وشي، وغير ذلك، ثم أتي به الوليد فأقام عنده، وراح مع أصحابه عشية التروية، وهو أحسنهم هيأة، وخرج معه إلى الشام. قال عمر بن حفص بن كلاب: كان الأبجر مولانا، وكان إذا قدم المدينة نزل علينا، فقال لنا يومًا: أسمعوني غناء ابن عائشتكم هذا، فأرسلنا إليه، فجمعنا بينهما في بيت ابن هفان، فغنّى ابن عائشة، فقال الأبجر: كل مملوك لي حرّ إن غنيت معك إلا بنصف صوته، ثم أدخل إصبعه في شدقة، ثم غنّى، فسمع صوته من في السوق، فحشر الناس علينا، فلم يفترقا حتى تشاتما، وقال: كان ابن عائشة حديدًا جاهلًا. قال إبراهيم بن المهدي؛ حدثني ابن شعيب عن أبيه، قال: دعا الوليد بن يزيد ذات يوم المغنين، وكنت نازلًا معهم، فقلتُ للرسول: خُذني معهم، فقال: لم أؤمر بذلك، وإنما أمرت بإحضار المغنين، وأنت بطال لا تدخل فيهم، قلت له: والله أنا أحسن غناءً منهم، ثم اندفعت فغنيت فقال: لقد سمعتُ حسنًا، ولكني أخاف، فقلت: لا خوف عليك ولك مع هذا شرط، قال: وما هو؟، قلت: كل ما أصبته فلك شطره، فقال للجماعة: اشهدوا عليه فشهدوا، ومضينا فدخلنا على الوليد، وهو خائر النفس فغنّاه المغنون في كل فنّ من ثقيل وخفيف، فلم يتحرك ولا نشط، فقام الأبجر إلى الخلاء وكان خبيثًا واهيًا، فسأل الخادم عن خبره، وبأي شيء هو خائر النفس؟، فقال: بينه وبين امرأته كلام؛ لأنه عشق أختها. فغضبت عليه، وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها، وحلف لها لا يذكرها بمراسلة، ولا مخاطبة، وخرج على هذا الحال من عندها. وعاد الأبجر إلينا فما استقر به مجلسه حتى اندفع يغني (١): [من الطويل] فبيني فإني لا أبالي وأيقني … تصاعد باقي حُبِّكُمْ أَمْ تَصوبا أَلَمْ تعلمي أَنِّي عَزُوفٌ عَنِ الهوى … إذا صاحبي مِنْ غيرِ شيءٍ تَغَضَّبا فطرب وارتاح وقال: أصبت والله يا عبيد ما في نفسي وأمر له بعشرة آلاف

стр. 3045

درهم، وشرب حتى سكر، ولم يحظ أحد بشيء سوى الأبجر، فلما أيقنت بانقضاء المجلس، وثبت وقلت: يا أمير المؤمنين إن أردت أن تأمر من يضربني مائة الساعة، فضحك ثم قال: قبحك الله، وما السبب في ذلك؟ أخبرته بقصتي مع الرسول، فأريد أن أضرب مائة، ويضرب بعدي مائة، فقال: لقد ألطفت، بل أعطوه مائة دينار، وأعطوا الرسول: خمسين دينارًا من مالنا عوض الخمسين التي أراد أن يأخذها من أشعب، فقبضتها وقمنا، فما حظي أحد بشيء غيري، وغير الأبجر. قال إسحاق: حدثت أن الأبجر أخذ صوتًا من الغريض ليلًا، ثم دخل الطواف، فلقي عطاء بن أبي رباح يطوف، فقال له: يا محمد اسمع صوتًا أخذته في هذه الليلة من الغريض، فقال له: ويحك في هذا الموضع؟، فقال: كفرت برب هذه البنية لئن لم تسمعه مني سرًا إن لم أجهر به، فقال: هاته فغناه (١): [من الزجر] عُوجي علينا رِبَّةَ الهودج … إِنَّكِ إِنْ لم تفعلي تخرجي في الحج إِنْ حَجَّتْ وماذا مِنّى … وأَهلُهُ إِنْ هِيَ لَم تَحْجُج فقال له عطاء: الخير كله في منى وأهله، حجت أو لم تحج، فاذهب الآن. قال: وختن عطاء بنيه، أو بني أخيه، فكان الأبجر يختلف إليهم ثلاثة أيام يُغنّي. [١١] فريدة (٢) وكانت فريدة جمال، ووحيدة كمال، وبديعة حسن وإحسان، وفصيحة عود ولسان، ربيبة خدر، وشبيهة بدر، ومتقنة لضرب، ومحسنة لا يقاس بها من إذا أحسن، كان قد ضرب توقع الضرب فلا تبين أناملها اللمس، ويضرب بالدف فلا يُطن إلا أن البدر في يد الشمس، ولع بها الواثق أشد الولوع، وكان يضنّ بها على من بعده،

стр. 3046

ويجري الدموع. قال أبو الفرج، قال علي بن يحيى المنجم؛ حدثني محمد بن الحارث بن يُسْخُنَّر، قال: كانت لي في خدمة الواثق في كل جمعة نوبة، إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط للشرب/ ٣٥/ أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت، وكان رسمنا لا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته. فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذ أرسل الواثق قد هجموا علي، وقالوا لي: احضر، قلت: لخير؟، قالوا: خيرًا إن شاء الله، فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط ولعلكم غلطتم، قالوا: الله المستعان، لا تطوّل، وبادر فقد أمرنا أمير المؤمنين أن لا ندعك تستقر على الأرض، فدخلني فزع عظيم، وخفت أن يكون ساع سعى علي، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة في، فتقدمت لما أردت حتى وافيت الدار، فذهبت لأدخل من حيث كنت أدخل، فمنعت وأخذ بيدي الخادم، فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك من جزعي، ثم لم يزل يسلموني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن، ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه كذلك، ثم نظرت فإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجواهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه، وفي حجرها عود؛ فلما رآني، قال: جودت والله يا محمد. إلينا إلينا، فقبلت الأرض وقلت: خيرًا يا أمير المؤمنين؟، قال: خيرًا ما ترانا طلبت والله ثالثًا يؤنسنا، فلم أرد أحق بذلك منك بحياتي بادر، وكُل شيئًا، وعجل إلينا، فقلت: قد والله يا سيدي أكلت وشربت آنفًا، فقال: فاجلس، فجلست، وقال: هاتوا لمحمد رطلًا في قدح، فاندفعت وفريدة تغني (١): [من الطويل] أهابك إجلالًا وما بِكِ قُدْرَةٌ عليَّ … ولكن ملء عين حبيبها وما هجرتكِ النَّفْسُ إِنَّكِ عندها قليل … ولكنْ قَلَّ مِنْكِ نَصيبها فجاءت والله بالسحر الحلال، ثم إنَّ الواثق جعل يحادثها في خلال ذلك، وتُغني الصوت بعد الصوت، وأغني أنا أيضًا في خلال غنائها، فمر لنا يوم حسن ما مر لأحد مثله. فإنا لكذلك إذ رفع رجله، فضرب بها صدر فريدة ضربة فدحرجه من السرير إلى الأرض، وتفتت عودها، ومرت تصيح وبقيت كالمنزوع الروح لم أشك في أن عينه وقعت علي وقد نظرت إلى الأرض، وأطرقت أتوقع ضرب العنق، فإنا كذلك إذ قال: يا محمد فوثبت قائمًا، فقال: ويحك أرأيت ما أتفق علينا؟، قلت: يا سيدي الساعة

стр. 3047

تخرج روحي فقل لي: من أصابنا بالعين لعنه الله وما كان السبب؟ قال: لا والله ولكني فكرت في أن جعفرًا كان يقعد هذا المقعد ويقعد معه كما هي قاعدة معي فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت فسري عني، وقلت: بل يقتل جعفر ويحيا أمير المؤمنين أبدًا، وقبلت الأرض وقلت: الله الله يا أمير المؤمنين ارحمها، فأمر بردها، فقال لبعض الخدم الوقوف مرحى بها، فلم يكن بأسرع من أن أقبلت وفي يدها عودها، وعليها غير الثياب التي كانت عليها؛ فلما رآها جذبها إليه، وعانقها فبكت، وجعل يبكي واندفعت أنا في البكاء، وقالت: ما ذنبي يا مولاي؟، وبأي شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي فقالت: سألتك الله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي، وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت نفسك من الهم في هذا، وجعلت تبكي ويبكي، ثم مسحا أعينهما، ورجعت إلى لغناء، وأومأ إلي خدم، فمضوا وأحضروا أكياسًا فيها عينٌ ووَرِقٌ ورزم فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه، فأخرج منه عقدًا ما رأيت مثله قط، وألبسها إياه، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم، فوضعت بين يدي، وخمسة تخوت ثياب، وعدنا إلى أمرنا، وإلى أحسن ما كنا فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرقنا، وضرب الدهر مَنْ ضَرَبَهُ، وتقلد المتوكل الخلافة، فوالله إني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذ هجم علي رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت، وصرت إلى الدار، فأدخلت والله الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق بعينه، وعلى ذلك السرير وإلى جانبه فريدة؛ فلما رآني قال: ويحك ما ترى ما نحن فيه من هذه؟ أنا من غدوة أطلبها أن تغني، فتأبى ذلك، فقلت: سبحان الله تخالفين سيدك وسيد البشر. بحياته غنّي فضربت والله العظيم، واندفعت تغني (١): [من الوافر] مُقِيمٌ في ضَريحٍ لا يُرجَّى … إِيابٌ مِنهُ إِلاَّ في المعادِ فَلا تَبْعَدْ فَكُلُّ فَتَىً سَيَأْتي … عَلَيهِ المَوتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغَادِي ثم رمت بالعود إلى الأرض، ورمت نفسها عن السرير، وقامت تعدو، وهي تصرخ واسيداه، فقال: ويحك ما هذا؟ فقلت: ما أدري، قال: ويحك ما ترى؟، فقلت: أرى والله يا سيدي/ ٣٧/ أن أنصرف أنا، وتحضر هذه ومعها عودها، ويحضر غيرها من الجواري، فإنَّ الأمر يؤول إلى ما يحب أمير المؤمنين، قال: فانصرف في حفظ الله، فانصرفت، ولم أدر ما كانت القصة بعد ذلك.

стр. 3048

[١٢] الدلال (١) ألأم لئيم وأخبث زنيم، وأفنج مؤنث مذكر، وساع بين اثنين في منكر، سواء لديه شهوات الرجال والنساء، وبياض الصباح وظلمة المساء، قد انغمس في القبيح، وارتكس في الغش ذي النصيح، كان يسلك المنهجين، ويهتك الفرجين، ويهلك في الزوجين مع الوقوع فذهب مفتونًا، وخلّد في النار ملعونًا. قال أبو الفرج: لم يكن في المخنثين أحسن وجهًا ولا أنظف ثوبًا، ولا أظرف في الدلال؛ وهو أحد من خصاه ابن حزم؛ فلما فعل ذلك به قال: الآن ثم المخنث. قال: وكان إذا تكلّم أضحك الثكلى، وكان مبتلى بمخاطبة النساء، فكان كل من أراد خطبة من امرأة جليلة سأله عنها، وعن غيرها، فلا يزال يصف له واحدةً واحدةً حتى ينتهي إلى ما يعجبه منهن. قال مصعب الزبيري: أنا أعلم خلق الله بالسبب الذي من أجله خصي الدلال؛ وذلك أن القادم يقدم المدينة، فيسأل عن امرأة يتزوجها فيدل على الدلال، فإذا جاء فقال: صف لي من تعرف من النساء للتزوج، فلا يزال يصف واحدة واحدة حتى يوافق قوله، فيقول: كيف لي بذلك؟ فيقول: مهرها كذا وكذا، فإذا رضي بذلك أتاها الدلال، فقال لها: إني قد أصبت لك زوجًا وهو هيأته ويساره، ولا عهد له بالنساء وإنما قدم آنفًا، لا يزال بذلك يشوقها ويحركها حتى تطيعه فيأتي الرجل فيعلمه أنه قد أحكم ما أراد فإذا سوى الأمر تزوجته الامرأة، وقال لها: قد آن لهذا الرجل أن يدخل بك والليلة موعده وأنت مغتلمة شبقة جامة، فساعة يجامعك قد دفعت عليه مثل سيل العرم فيقذرك، ولا يعاودك، وتكونون من أشأم الناس على نفسك وعلى غيرك فتقول: ما أصنع؟، فيقول لها: أنت أعلم بدواء فرجك ودائه وما يسكن عليه، فتقول: ما أعرف شيئًا أشفى من الجماع فيقول لها: إن لم تخافي من الفضيحة فابعثي إلى بعض الزنوج حتى يقضي بعض وطرك ويكف عادية فرجك، فتقول: ويلك ولا كل هذا فلا تزال المحاورة بينهما حتى يقول: فكما جاء عليّ فأنا أقوم أخفف، وإني إلى التخفيف

стр. 3049

أحوج، فتقول المرأة: هذا ما لا أمر مستور فيجامعها حتى إذا قضى لذته منها، قال لها: أما أنت فقد استرحت وأمنت العيب، وبقيت أنا. ثم يجيء إلى الزوج فيقول له: قد وعدتها أن تدخل إليك الليلة، وأنت رجل غريب عَزَب، ونساء أهل المدينة يردن المطاولة، وكأني بك لما تقربها تفرغ وتقوم، فتبغضك وتمقتك، ولو أعطيتها الدنيا لا تنظر في وجهك بعدها. ولا يزال في مثل هذا القول حتى يعلم أنه قد هاجت شهوته، فيقول: تطلب زنجية تجامعها مرتين ثلاثة حتى يسكن عليك، فإذا دخلت الليلة بأهلك، لم يجر أمرك إلا جميلًا، فيقول له: أعوذ بالله من هذا الحال زنى وزنجية؟ لا والله ما أفعل، فإذا أكثر محاورته، فيقول له: قم فافعل بي أنا حتى تسكن غلمتك وشبقتك، فيفرح ويفعل ذلك مرة أو مرتين، فيقول له: قد استوى أمرك، وطابت نفسك، فتدخل على زوجتك فتجامعها مجامعة تملأها سرورًا ولذة. فيقرب المرأة قبل زوجها، والرجل قبل امرأته. فكان ذلك دأبه فبلغ سليمان بن عبد الملك - وكان غيورًا - فأمر بأن يخصى هو وسائر المخنثين، وقال: إنَّ هؤلاء لا يدخلون على نساء قريش ويفسدونهن، فورد الكتاب على ابن حزم. وقد قيل: إن الذي هيج سليمان بن عبد الملك على ما فعله بمن كان بالمدينة من المخنثين، أنه كان مستلقيًا على فراشه في الليل، وجارية إلى جانبه، وعليها غلالة ورداء معصفران، وعليها وشاحان من ذهب، وفي عنقها فضلات من حبّ اللؤلؤ وزبرجد وياقوت، وكان سليمان بها مشغوفًا، وفي عسكره رجل يقال له سمير الأيلي يغني، فلم يفكر سليمان في غنائه شغلًا بها، وإقبالًا عليها، وهي لاهية عنه لا تجيبه، مصغية إلى الرجل حتى طال ذلك على سليمان، فحوّل وجهه مغضبًا، وعاد إلى ما كان من همه بها، فسمع سميرًا يغني بأحسن صوت، وأطيب نغمة (١): [من البسيط] محجوبة سمعت صوتي فأرَّقَها … مِنْ آخر الليل لما طلها السَّحَرُ تدني على جِيدِها رُدْنَي مُعَصْفَرَة … والحَلْي منها على لَبَّاتِها خَضِرُ في ليلة النصف ما يدري مُضاجَعُها … أَوَجْهُها عنده أبهى أمِ القَمَرُ لو خُلّيتُ لَمَشَتْ نحوي على قَدَمٍ … يكادُ من رِقَّةٍ للمشي تنفطِرُ قال: فلم يشك سليمان أن الذي بها مما سمعت، وأنها تهوى سميرًا، فوجه من وقته بمن أحضره، ودعا لها بالسيف والنطع، وقال لها: والله لتصدقيني أو لأضربن عنقك؟، قالت: سلني عما تريد قال: أخبريني عما بينك وبين هذا الرجل،

стр. 3050

قالت: والله ما أعرفه، ولا رأيته قط، وأنا جارية منشأي الحجاز، ومن هنالك حملت إليك. والله ما أعرف بهذا البلد أحدًا سواك، فرق لها، وأحضر الرجل، فسأله عن مثل ذلك، وتلطف في المسألة، فلم يجد بينه وبينها شائبة، ولم تطلب نفسه بتخليته سويًا، فخصاه، وكتب إلى جميع عماله بذلك. قال: لما أخصى المخنثين مرّ بابن أبي عتيق، فقال: أخصيتم الدلال، والله لقد كان يجيد (١): [من الوافر] لمن رُبِّعَ بذاتِ الجِيْـ … ـشِ أمسى دارسًا خَلقا ثم رجع فقال: إنما أغني خفيفه، لستُ أغني ثقيله. قال حمزة النوفلي: صلى الدلال المخنث إلى جانبي فضرط ضرطة هائلة سمعها من في المسجد، فرفعنا رؤوسنا، وهو ساجد يقول في سجوده رافعًا صوته: سبح لك أعلاي وأسفلي، فلم يبق أحد في المسجد إلا فتن وقطع صلاته بالضحك. قال المدائني: اختصم شيعي ومرجئ، فجعل بينهما أول من يطلع فطلع الدلال، فقالا: يا أبا زيد أيما خير الشيعي أو المرجئ؟ قال: لا أدري إلا أن أعلاي شيعي، وأسفلي مرجيء. قال: قدم مخنث من مكة فجاء الدلال فقال له: يا أبا زيد دلني على بعض مخنثي المدينة أكايده وأمازحه وأحادثه قال: قد وجدته لك، وكان خيثم بن غزال صاحب شرطة زياد بن عبد الله جاره، وقد خرج في ذلك الوقت ليصلي في المسجد، فقال: الحقه في المسجد، فإنه يقوم فيه ليصلي ليرائي الناس، فإنك ستظفر بما تريد منه، فدخل المسجد وجلس إلى جانب ابن غزال، فقال: عجل صلاتك لا صلى الله عليك، قال خيثم: سبحان الله، فقال المخنث: سبحت في جامعه فراحه انصرفي حتى أتحدث معك، فانصرف خيثم من صلاته وعاد بالشرطة، فقال: خذوه، فأخذوه [فضربوه] مائة سوط وحبسوه. قال إسحاق: صلى الدلال يومًا خلف الإمام بمكة، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٢) قال الدلال: لا أدري والله فضحك أكثر الناس، وقطعوا الصلاة. قال: سأل رجل الدلال أن يزوجه امرأة، فزوجه، فلما أعطاه صداقها وجاء بها
следующие страницы →