← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 30189

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية

ابن فضل الله العمري

Полный текст (9 417 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

ويجري الدموع. قال أبو الفرج، قال علي بن يحيى المنجم؛ حدثني محمد بن الحارث بن يُسْخُنَّر، قال: كانت لي في خدمة الواثق في كل جمعة نوبة، إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط للشرب/ ٣٥/ أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت، وكان رسمنا لا يحضر أحد منا إلا في يوم نوبته. فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذ أرسل الواثق قد هجموا علي، وقالوا لي: احضر، قلت: لخير؟، قالوا: خيرًا إن شاء الله، فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط ولعلكم غلطتم، قالوا: الله المستعان، لا تطوّل، وبادر فقد أمرنا أمير المؤمنين أن لا ندعك تستقر على الأرض، فدخلني فزع عظيم، وخفت أن يكون ساع سعى علي، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة في، فتقدمت لما أردت حتى وافيت الدار، فذهبت لأدخل من حيث كنت أدخل، فمنعت وأخذ بيدي الخادم، فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك من جزعي، ثم لم يزل يسلموني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن، ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه كذلك، ثم نظرت فإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجواهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه، وفي حجرها عود؛ فلما رآني، قال: جودت والله يا محمد. إلينا إلينا، فقبلت الأرض وقلت: خيرًا يا أمير المؤمنين؟، قال: خيرًا ما ترانا طلبت والله ثالثًا يؤنسنا، فلم أرد أحق بذلك منك بحياتي بادر، وكُل شيئًا، وعجل إلينا، فقلت: قد والله يا سيدي أكلت وشربت آنفًا، فقال: فاجلس، فجلست، وقال: هاتوا لمحمد رطلًا في قدح، فاندفعت وفريدة تغني (١): [من الطويل] أهابك إجلالًا وما بِكِ قُدْرَةٌ عليَّ … ولكن ملء عين حبيبها وما هجرتكِ النَّفْسُ إِنَّكِ عندها قليل … ولكنْ قَلَّ مِنْكِ نَصيبها فجاءت والله بالسحر الحلال، ثم إنَّ الواثق جعل يحادثها في خلال ذلك، وتُغني الصوت بعد الصوت، وأغني أنا أيضًا في خلال غنائها، فمر لنا يوم حسن ما مر لأحد مثله. فإنا لكذلك إذ رفع رجله، فضرب بها صدر فريدة ضربة فدحرجه من السرير إلى الأرض، وتفتت عودها، ومرت تصيح وبقيت كالمنزوع الروح لم أشك في أن عينه وقعت علي وقد نظرت إلى الأرض، وأطرقت أتوقع ضرب العنق، فإنا كذلك إذ قال: يا محمد فوثبت قائمًا، فقال: ويحك أرأيت ما أتفق علينا؟، قلت: يا سيدي الساعة

стр. 3047

تخرج روحي فقل لي: من أصابنا بالعين لعنه الله وما كان السبب؟ قال: لا والله ولكني فكرت في أن جعفرًا كان يقعد هذا المقعد ويقعد معه كما هي قاعدة معي فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت فسري عني، وقلت: بل يقتل جعفر ويحيا أمير المؤمنين أبدًا، وقبلت الأرض وقلت: الله الله يا أمير المؤمنين ارحمها، فأمر بردها، فقال لبعض الخدم الوقوف مرحى بها، فلم يكن بأسرع من أن أقبلت وفي يدها عودها، وعليها غير الثياب التي كانت عليها؛ فلما رآها جذبها إليه، وعانقها فبكت، وجعل يبكي واندفعت أنا في البكاء، وقالت: ما ذنبي يا مولاي؟، وبأي شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي فقالت: سألتك الله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي، وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت نفسك من الهم في هذا، وجعلت تبكي ويبكي، ثم مسحا أعينهما، ورجعت إلى لغناء، وأومأ إلي خدم، فمضوا وأحضروا أكياسًا فيها عينٌ ووَرِقٌ ورزم فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه، فأخرج منه عقدًا ما رأيت مثله قط، وألبسها إياه، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم، فوضعت بين يدي، وخمسة تخوت ثياب، وعدنا إلى أمرنا، وإلى أحسن ما كنا فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرقنا، وضرب الدهر مَنْ ضَرَبَهُ، وتقلد المتوكل الخلافة، فوالله إني لفي منزلي في غير يوم نوبتي، إذ هجم علي رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت، وصرت إلى الدار، فأدخلت والله الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق بعينه، وعلى ذلك السرير وإلى جانبه فريدة؛ فلما رآني قال: ويحك ما ترى ما نحن فيه من هذه؟ أنا من غدوة أطلبها أن تغني، فتأبى ذلك، فقلت: سبحان الله تخالفين سيدك وسيد البشر. بحياته غنّي فضربت والله العظيم، واندفعت تغني (١): [من الوافر] مُقِيمٌ في ضَريحٍ لا يُرجَّى … إِيابٌ مِنهُ إِلاَّ في المعادِ فَلا تَبْعَدْ فَكُلُّ فَتَىً سَيَأْتي … عَلَيهِ المَوتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغَادِي ثم رمت بالعود إلى الأرض، ورمت نفسها عن السرير، وقامت تعدو، وهي تصرخ واسيداه، فقال: ويحك ما هذا؟ فقلت: ما أدري، قال: ويحك ما ترى؟، فقلت: أرى والله يا سيدي/ ٣٧/ أن أنصرف أنا، وتحضر هذه ومعها عودها، ويحضر غيرها من الجواري، فإنَّ الأمر يؤول إلى ما يحب أمير المؤمنين، قال: فانصرف في حفظ الله، فانصرفت، ولم أدر ما كانت القصة بعد ذلك.

стр. 3048

[١٢] الدلال (١) ألأم لئيم وأخبث زنيم، وأفنج مؤنث مذكر، وساع بين اثنين في منكر، سواء لديه شهوات الرجال والنساء، وبياض الصباح وظلمة المساء، قد انغمس في القبيح، وارتكس في الغش ذي النصيح، كان يسلك المنهجين، ويهتك الفرجين، ويهلك في الزوجين مع الوقوع فذهب مفتونًا، وخلّد في النار ملعونًا. قال أبو الفرج: لم يكن في المخنثين أحسن وجهًا ولا أنظف ثوبًا، ولا أظرف في الدلال؛ وهو أحد من خصاه ابن حزم؛ فلما فعل ذلك به قال: الآن ثم المخنث. قال: وكان إذا تكلّم أضحك الثكلى، وكان مبتلى بمخاطبة النساء، فكان كل من أراد خطبة من امرأة جليلة سأله عنها، وعن غيرها، فلا يزال يصف له واحدةً واحدةً حتى ينتهي إلى ما يعجبه منهن. قال مصعب الزبيري: أنا أعلم خلق الله بالسبب الذي من أجله خصي الدلال؛ وذلك أن القادم يقدم المدينة، فيسأل عن امرأة يتزوجها فيدل على الدلال، فإذا جاء فقال: صف لي من تعرف من النساء للتزوج، فلا يزال يصف واحدة واحدة حتى يوافق قوله، فيقول: كيف لي بذلك؟ فيقول: مهرها كذا وكذا، فإذا رضي بذلك أتاها الدلال، فقال لها: إني قد أصبت لك زوجًا وهو هيأته ويساره، ولا عهد له بالنساء وإنما قدم آنفًا، لا يزال بذلك يشوقها ويحركها حتى تطيعه فيأتي الرجل فيعلمه أنه قد أحكم ما أراد فإذا سوى الأمر تزوجته الامرأة، وقال لها: قد آن لهذا الرجل أن يدخل بك والليلة موعده وأنت مغتلمة شبقة جامة، فساعة يجامعك قد دفعت عليه مثل سيل العرم فيقذرك، ولا يعاودك، وتكونون من أشأم الناس على نفسك وعلى غيرك فتقول: ما أصنع؟، فيقول لها: أنت أعلم بدواء فرجك ودائه وما يسكن عليه، فتقول: ما أعرف شيئًا أشفى من الجماع فيقول لها: إن لم تخافي من الفضيحة فابعثي إلى بعض الزنوج حتى يقضي بعض وطرك ويكف عادية فرجك، فتقول: ويلك ولا كل هذا فلا تزال المحاورة بينهما حتى يقول: فكما جاء عليّ فأنا أقوم أخفف، وإني إلى التخفيف

стр. 3049

أحوج، فتقول المرأة: هذا ما لا أمر مستور فيجامعها حتى إذا قضى لذته منها، قال لها: أما أنت فقد استرحت وأمنت العيب، وبقيت أنا. ثم يجيء إلى الزوج فيقول له: قد وعدتها أن تدخل إليك الليلة، وأنت رجل غريب عَزَب، ونساء أهل المدينة يردن المطاولة، وكأني بك لما تقربها تفرغ وتقوم، فتبغضك وتمقتك، ولو أعطيتها الدنيا لا تنظر في وجهك بعدها. ولا يزال في مثل هذا القول حتى يعلم أنه قد هاجت شهوته، فيقول: تطلب زنجية تجامعها مرتين ثلاثة حتى يسكن عليك، فإذا دخلت الليلة بأهلك، لم يجر أمرك إلا جميلًا، فيقول له: أعوذ بالله من هذا الحال زنى وزنجية؟ لا والله ما أفعل، فإذا أكثر محاورته، فيقول له: قم فافعل بي أنا حتى تسكن غلمتك وشبقتك، فيفرح ويفعل ذلك مرة أو مرتين، فيقول له: قد استوى أمرك، وطابت نفسك، فتدخل على زوجتك فتجامعها مجامعة تملأها سرورًا ولذة. فيقرب المرأة قبل زوجها، والرجل قبل امرأته. فكان ذلك دأبه فبلغ سليمان بن عبد الملك - وكان غيورًا - فأمر بأن يخصى هو وسائر المخنثين، وقال: إنَّ هؤلاء لا يدخلون على نساء قريش ويفسدونهن، فورد الكتاب على ابن حزم. وقد قيل: إن الذي هيج سليمان بن عبد الملك على ما فعله بمن كان بالمدينة من المخنثين، أنه كان مستلقيًا على فراشه في الليل، وجارية إلى جانبه، وعليها غلالة ورداء معصفران، وعليها وشاحان من ذهب، وفي عنقها فضلات من حبّ اللؤلؤ وزبرجد وياقوت، وكان سليمان بها مشغوفًا، وفي عسكره رجل يقال له سمير الأيلي يغني، فلم يفكر سليمان في غنائه شغلًا بها، وإقبالًا عليها، وهي لاهية عنه لا تجيبه، مصغية إلى الرجل حتى طال ذلك على سليمان، فحوّل وجهه مغضبًا، وعاد إلى ما كان من همه بها، فسمع سميرًا يغني بأحسن صوت، وأطيب نغمة (١): [من البسيط] محجوبة سمعت صوتي فأرَّقَها … مِنْ آخر الليل لما طلها السَّحَرُ تدني على جِيدِها رُدْنَي مُعَصْفَرَة … والحَلْي منها على لَبَّاتِها خَضِرُ في ليلة النصف ما يدري مُضاجَعُها … أَوَجْهُها عنده أبهى أمِ القَمَرُ لو خُلّيتُ لَمَشَتْ نحوي على قَدَمٍ … يكادُ من رِقَّةٍ للمشي تنفطِرُ قال: فلم يشك سليمان أن الذي بها مما سمعت، وأنها تهوى سميرًا، فوجه من وقته بمن أحضره، ودعا لها بالسيف والنطع، وقال لها: والله لتصدقيني أو لأضربن عنقك؟، قالت: سلني عما تريد قال: أخبريني عما بينك وبين هذا الرجل،

стр. 3050

قالت: والله ما أعرفه، ولا رأيته قط، وأنا جارية منشأي الحجاز، ومن هنالك حملت إليك. والله ما أعرف بهذا البلد أحدًا سواك، فرق لها، وأحضر الرجل، فسأله عن مثل ذلك، وتلطف في المسألة، فلم يجد بينه وبينها شائبة، ولم تطلب نفسه بتخليته سويًا، فخصاه، وكتب إلى جميع عماله بذلك. قال: لما أخصى المخنثين مرّ بابن أبي عتيق، فقال: أخصيتم الدلال، والله لقد كان يجيد (١): [من الوافر] لمن رُبِّعَ بذاتِ الجِيْـ … ـشِ أمسى دارسًا خَلقا ثم رجع فقال: إنما أغني خفيفه، لستُ أغني ثقيله. قال حمزة النوفلي: صلى الدلال المخنث إلى جانبي فضرط ضرطة هائلة سمعها من في المسجد، فرفعنا رؤوسنا، وهو ساجد يقول في سجوده رافعًا صوته: سبح لك أعلاي وأسفلي، فلم يبق أحد في المسجد إلا فتن وقطع صلاته بالضحك. قال المدائني: اختصم شيعي ومرجئ، فجعل بينهما أول من يطلع فطلع الدلال، فقالا: يا أبا زيد أيما خير الشيعي أو المرجئ؟ قال: لا أدري إلا أن أعلاي شيعي، وأسفلي مرجيء. قال: قدم مخنث من مكة فجاء الدلال فقال له: يا أبا زيد دلني على بعض مخنثي المدينة أكايده وأمازحه وأحادثه قال: قد وجدته لك، وكان خيثم بن غزال صاحب شرطة زياد بن عبد الله جاره، وقد خرج في ذلك الوقت ليصلي في المسجد، فقال: الحقه في المسجد، فإنه يقوم فيه ليصلي ليرائي الناس، فإنك ستظفر بما تريد منه، فدخل المسجد وجلس إلى جانب ابن غزال، فقال: عجل صلاتك لا صلى الله عليك، قال خيثم: سبحان الله، فقال المخنث: سبحت في جامعه فراحه انصرفي حتى أتحدث معك، فانصرف خيثم من صلاته وعاد بالشرطة، فقال: خذوه، فأخذوه [فضربوه] مائة سوط وحبسوه. قال إسحاق: صلى الدلال يومًا خلف الإمام بمكة، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٢) قال الدلال: لا أدري والله فضحك أكثر الناس، وقطعوا الصلاة. قال: سأل رجل الدلال أن يزوجه امرأة، فزوجه، فلما أعطاه صداقها وجاء بها

стр. 3051

إليه ودخل بها؛ فلما قام يواقعها ضرطت قبل أن يطأها، فكسل عنها ومقتها، وأمر بها فأخرجت، وبعث إلى الدلال فعرفه ما جرى عليه، فقال له الدلال: فديتك هذا من غيرة نفسها، فقال: دعني منك، فإني قد أبغضتها، فاردد إلي دراهمي، فرد بعضها، فقال: لم رددت بعضها، وقد خرجت كما دخلت؟ قال: للروعة التي أدخلتها على أستها. فضحك وقال: أنت أقضى الناس وأفقههم. قال: خرج الدلال يومًا إلى نزهة مع فتية وكان معهم غلام جميل الوجه فأعجبه، وجلس يشرب، وسألوه أن يغنيهم فغناهم (١): [من الطويل] زُبيريَّةٌ بالعَرْج منها منازل … وبالخِيْفِ مِنْ أَدْنى منازلهمْ رَسْمُ أَسائِلُ عنها كلَّ ركب لقيتُهُ … وما لي بها مِنْ بَعْدِ مُكْثَتِها عِلْمُ أيا صاحب الجاماتِ مِنْ بَطْنِ أرمدٍ … إلى البخل مِنْ ودَّانَ ما فعلتْ نُعْمُ قال: فطرب القوم، وصاحوا فندر بهم السلطان، وتعادت الشرط، فأحسوا بالطلب فهربوا، وبقي الغلام والدلال ما يطيقان براحًا من فرط السكر، فأخذا وأُتي بهما أمير المدينة، فقال للدلال: يا فاسق، قال: من فمك إلى السماء، فقال: يا عدو الله ما وسعك بيتك حتى خرجت بهذا الغلام إلى الصحراء تفسق به؟، قال: لو علمت أنك تغار علينا، وتشتهي أن تفسق به سرًا ما خرجت به من بيتي، قال: جردوه واضربوه حدًا، قال: وأي شيء ينفعك هذا، وأنا والله أضرب في كل يوم حدودًا، قال: ومن يتولّى ذلك؟ قال: أيور المسلمين، قال: ابطحوه واجلسوا على ظهره، قال: أحسب أن الأمير قد اشتهى أن يراني كيف أناك، قال: أقيموه لعنه الله وأشهروه في المدينة مع الغلام، فأخرجا يدار بهما في السكك، فقيل له: ما هذا يا دلال؟، قال: اشتهى الأمير أن يجمع بين الرأسين، فجمع بيني وبين هذا ونادى علينا، ولو قيل له الآن: إنك قواد غضب، فبلغ خبره الوالي، فقال: خلوا سبيلهما، لعنة الله عليهما. قال: كان سليمان بن عبد الملك يبلغه نوادر الدلال وطيب حديثه، فوجه مولى له، وقال: جئني به سرًا، فنفذ المولى إليه وأعلمه ما أمر به، فخرج معه إلى الشام، فدخل على سليمان ليلًا، فقال: ويلك ما خبرك؟ قال: خنثت من القبل مرة يا أمير المؤمنين، فهل تريد أن تخنثني الكرة من الدبر؟ وقال: أغرب أخزاك

стр. 3052

الله، ثم قال له: غنّ، فغناه في شعر العرجي (١): [من الطويل] أفي رَسمِ دارٍ دَمعُكَ المُتَحَدِّرُ … سَقاها وما استبكأت ما ليس يخبرُ تغيَّر ذاكَ الرَّبعُ مِنْ بَعْدِ جِدَّةٍ … وكلُّ جديدٍ مرةً يتغيَّرُ فقال له سليمان: حُقَّ لك يا دلال أن يقال لك: أحسنت وأجملت، فوالله ما أدري أي أمريك أعجب: سرعة جوابك، أم حسن غنائك، وجودة فهمك، بل جميعًا عجب، وأمر له بصلة سنية، وأقام عنده شهرًا يشرب على غنائه، ثم سرحه إلى الحجاز. قال: كان الدلال لا يشرب النبيذ، فخرج مع قوم إلى منزه لهم، ومعهم نبيذ، فشربوا وسقوه عسلًا مجدوحًا، فكان كلّما تغافل، صبوا عليه نبيذًا، فلا ينكر حتى كثر ذلك، وسكر وطرب، فقال: اسقوني من شرابكم، فسقوه حتى ثمل، ونام عريانًا، فغطاه القوم بثيابهم، وحملوه إلى منزله ليلًا فنوموه وانصرفوا عنه، فأصبح وقد تلونت ثيابه فأنكر نفسه، فحلف ألا يغني أبدًا، ولا يعاشر من شرب نبيذًا، فوفى بذلك إلى أن مات، وكان يجالس المشيخة والأشراف، فيفيض معهم في أخبار الناس وأيامهم حتى قضى نحبه. [١٣] أبو سعيد (٢) مولى فائد، رجل حق وباطل، وزينة محلّى وعاطل، لم يحط بمروءته الغناء، ولا أثر في مروته العناء، وكان على اشتهاره بالغناء، ومداومته، وإقامة شوقه ومقاومته من رجال أهل المدينة عرضًا مصونًا، وجنبًا حصينًا، لا ينظر بعين نقيصة ولا يرى إلا والمسامع على أصواته حريصة؛ فكان لا يرى مسؤولًا، ولا يبرح يداوي بريئًا ومتبولًا. قال أبو الفرج الأصبهاني: ذكر أن أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التميمي قاضي المدينة لأبي جعفر المنصور، وكان مقدمًا لأبي سعيد، فقال له: يا أبا سعيد أنت القائل (٣): [من الطويل]

стр. 3053

لقدْ طُفْتُ سبعًا قلتُ لمَّا قضيتها … ألا ليتَ هذا لا علي ولا ليا يساءلني صحبي فما أَعْقِلُ الَّذي … يقولونَ من ذكر لليلى اعْتَرَانِيا قال: لعمر أبيك، إني لقائله، وإني لأدمجه إدماجًا من لؤلؤ؛ فَرَدَّ محمد بن عمران شهادته في ذلك المجلس، وقام أبو سعيد من مجلسه مغضبًا وحلف أن لا يشهد عنده أبدًا، فأنكر أهل المدينة ردّ شهادته، وقالوا لابن عمران: عرضت حقوقنا للبوار، وأموالنا للتلف؛ لأنا كنا نستشهد هذا الرجل لعلمنا ما كنت عليه - والقضاء من قبلك - من الثقة به وتقديمه وتعديله، فندم ابن عمران على ردّ شهادته ووجه إليه، فسأله حضور مجلسه والشهادة عنده، ليمضي شهادته، فامتنع، وذكر أنه لا يقدر على حضور مجلسه ليمين لزمه إن حضر حنث. قال، فكان ابن عمران إذا ادعى أحد عنده شهادة أبي سعيد، صار إلى منزله وإلى مكانه من المسجد حتى يسمع ويسأله عما يشهد به فيخبره. وكان محمد بن عمران عظيم اللحم، كبير العجز، صغير القدمين، دقيق الساقين، يشتد عليه المشي، وكان كثيرًا يقول: لقد أتعبني هذا الصوت، لقد طفت سبعًا، وأتعبني وأضر بي إضرارًا طويلًا، وأنا رجل ثقال ترددني لا إلى أبي سعيد؛ لأسمع شهادته. وتمام الأبيات (١): [من الطويل] إذا جئتَ بَابَ الشَّعْبِ شِعْبِ ابن عامرٍ … فَأَقْرِي غَزَالَ الشَّعْب مني سلاميا وقل لغزال الشعب هل أنتَ تارك … لسعيكَ أَمْ هل يُصبح القلب ثاويا لقد زادني الحجاج شوقًا إليكم … وإن كنتُ قبل اليوم للحج قاليا وما نظرت عيني إلى وجه قادم … مِنَ الحج إلا بل دمعي ردائيا قال إسحاق: حججت مع الرشيد فلما قربت من مكة، استأذنته في التقدم، فأذن لي، فدخلت مكة، فسألت عن أبي سعيد مولى، قائد، فقيل لي: هو بالمسجد الحرام، فأتيت المسجد، فدللت عليه فإذا هو قائم يصلي، فجلست قريبًا منه، فلما فرغ قال: يا فتى ألك حاجة؟ قلت: نعم تغنيني: لقد طفت سبعًا، فقال لي: أغنيك أحسن منه، قلت: أنت وذاك، فاندفع يغني شعره (٢): [من الخفيف] إن هذا الطويل من آلِ حَفْصٍ … أنشر المجد بعد ما كان ماتا وبناه على أساس وثيق … وعماد قد أثبتا إثباتا مثل ماقد بنوا له أَوَّلُوهُ … وكذا يُشْبِهُ النبات النباتا

стр. 3054

فأحسن فيه، فقلت: يا أبا سعيد، فغنني: لقد طفت سبعًا، قال: أو أغنيك ما هو أحسن منه، فقلت: أنت وذاك، فغنّى فاندفع وقال (١): [من الكامل] قدم الطويل فأشرقت واستبشرت … أرض الحجاز وبان في الأشجار إنَّ الطويل من آل حفص فاعلموا … ساد الحضور وساد في الأسفار فأحسن فيه، فقلت: أحسنت يا أبا سعيد فغنني: لقد طفت سبعًا، فقال: أو أغنيك ما هو أحسن (٢): [من الخفيف] أَيُّها السائل الذي يَخْبِطُ الأَر … ضَ دَعِ الناس أجمعين وراكا وأت هذا الطويل مِنْ آلِ حفصٍ … إنْ تخوفت غفلة أو هلاكا فأحسن فيه، فقلت: غنّ: قد طفت سبعًا، فقد أحسنت فيما غنيت، ولكني أحب أن تغنيني ما سألتك فيه، فقال: لا سبيل إلى ذلك؛ لأني رأيت النبي ﷺ في منامي وفي يده شيء لا أدري ما هو؛ وقد رفعه ليضربني به، وهو يقول: يا أبا سعيد لقد طفت سبعًا ما صنعت بأمتي هذا الصوت فقلت: بأبي أنت وأمي اغفر لي، فوالذي بعثك بالحق نبيًا لا غنيت هذا الصوت أبدًا، فردّ يده عني، وقال: عفا الله عنك أبدًا، ثم انتبهت وما كنت لأعطي رسول الله ﷺ شيئًا في منامي فأرجع فيه في يقظتي. قال إسحاق: فبكيت وقلت: لا تعد أبا سعيد في غنائه، فقال شيئًا إذا أردت أن تسمعه، فاسمعه من جارية البرامكة، فودعته وانصرفت. قال إبراهيم بن المهدي: كنت بمكة في المسجد الحرام فإذا شيخ قد طلع، وقد قلب إحدى نعليه على الأخرى، فسألت عنه، فقلت: من هذا؟، فقيل: هو أبو سعيد مول فائد، فقلت لبعض الغلمان: احصبوه، فحصبوه، فأقبل علي، وقال: ما يظن احدكم إذا دخل المسجد إلا أنه له، فقلت للغلام: ما يقول لك أبلغني، فقال له أبو سعيد: ومن مولاك حفظك الله؟، فقال: مولاي إبراهيم بن المهدي، فقام فجلس بين يدي، فقال: لا والله بأبي أنت وأمي ما عرفتك، فقلت: لا عليك أخبرني هذا الصوت (٣): [من المتقارب] أفاض المدامع قبلي الكَرَى … وقيل بكيرة لم تُرمس فقال: هو لي، وربّ هذا البيت لا تبرح حتى تسمعه، ثم قلب إحدى نعليه وأخذ

стр. 3055

بعقب الأخرى، وجعل يقرع بحرفيها على الأخرى، ويغنيه حتى أتى عليه، فأخذته منه. وهذا البيت من قصيدة يرثي بها أبو سعيد بني أمية الذين قتلهم عبد الله وداود ابنا علي بن عبد الله بن عباس (١): أولئك قومي أناخت بهم … نوائبُ مِنْ زمن مُتْعَسٍ إذا ركبوا زينة الموكبَينِ … وإِن جلسوا زينة المَجْلِسِ هم أرضعوني لريبِ الزَّمانِ … وهمْ الزَّقُوا الغَمَّ بالمِعْطَسِ قال: لما وضع رأس مروان بين يدي أبي عباس، خرّ لله ساجدًا، وقال: الحمد لله الذي أظفرني بك، وأظهرني عليك، ولم يُبقِ ثأري قبلك، وقبل رهطك أعداء الدين، ثم تمثل بقول ذي الإصبع العدواني (٢): [من البسيط] لو يشربون دمي لم يرو شاربهم … ولا دماؤهم للغيظِ ترويني قال: نظر عبد الله بن علي في القتال إلى فتى عليه أبهة الشرف، وهو يقاتل مستقبلًا، فناداه: يا فتى لك الأمان، لو كنت مروان بن محمد الأكبر، قال: إن أكنه فلست بدونه، قال: فلك الأمان من كنت، فأطرق، ثم قال (٣): [من المتقارب] أحل الحياة وكرة المماتِ … وكُلًا أَراه طِعامًا وَبِيلا فإن لم يكن غير إحداهما … فسيرًا إلى الموت سيرًا جميلا ثم قاتل حتى قتل، فإذا هو ابن مسلمة بن عبد الملك. قال الزبير: سبب قتل السفاح بني أمية بحضرته أن السفاح مدح بقصيدة، فأقبل على بعضهم، فقال: أين هذا مما مدحتم به؟ فقال: هيهات لا يقول والله أحد فيكم مثل ما قال ابن قيس الرقيات فينا (٤): [من المنسرح] ما نَقَمُوا مِنْ بني أُمَيَّةَ إ … لَّا أَنَّهم يحلمونَ إِنْ غَضِبُوا وأَنَّهم معدنُ الملوكِ ولا … تصلح إلا عليهم العرب فقال: يا ماصّ كذا وكذا، إنَّ الخلافة لفي شك بعد. خذوهم، فاخذوا، وقتلوا، ثم أمر ببساط فبسط عليهم، ودعا بالغداء، فجلس فوقه يأكل، وهم يضطربون تحته، فلما فرغ، قال: ما اعلم أني أكلتُ أكلةً قط كانت أطيب، ولا أهنأ من هذه في نفسي،

стр. 3056

فلما رفع الطعام قال: جرُّوا بأرجلهم، فالقوهم في الطريق، ليلعنوهم أمواتًا كما لعنوهم أحياء. قال: رأيتُ الكلاب تجرّ بأرجلهم، وعليهم سراويلات الوشي حتى أنتنوا، وحفرت لهم بئر، فألقوا فيها، وقال ابن هرمة في ذلك (١): [من البسيط] فلا عَفَا اللهُ عَنْ مروانَ مَظْلَمةً … ولا َأميَّةَ بئس المجلس النادي كانوا كعاد فأمسى اللهُ أَهْلِكَهُمْ … بمثل ما أهلك الماضينَ مِنْ عَادِ [١٤] فليح بن العوراء (٢) رجل طالما ندم نديمًا، وعادت صباه عقيمًا تمر به الراح مرورها بالخيف، ويقوم به السرور فيميل بالحنف، فكان يثقل على محاضره، وينغص على جليسه وناظره، لكنه كان من الجلة السوابق، وأهل التقدم المأخوذة عنهم الطريق. ما غنى إلا أطرب، ولا قال إلا أعرب. قال أبو الفرج الأصفهاني: قال محبور بن لهذا دعاني محمد بن سليمان، فقال: قدم فليح بن العوراء من الحجاز، وقد نزل عند مسجد ابن عنان، فسر إليه، وأعلمه إن جاءني قبل أن يدخل إلى الرشيد، خلعت عليه خلعة من ثيابي، ووهبت له خمسة آلاف درهم فمضيت فأخبرته بذلك، فأجابني إليه إجابة سرور به، نشيط له، وخرج معي، فعدل إلى حمام كان بقربه، فدعا القيم، فأعطاه درهمين، وسأله أن يجبه بشيء يأكله، ونبيذ يشربه، فجاءه بشراب، ورأس عجل، وشابي غليظ مسحوري رديء. فقلت: لا تفعل، وجهدت به أن لا يأكل، ولا يشرب إلا عند محمد بن سليمان، فلم يلتفت إلي، وأكل من ذلك الرأس، وشرب من ذلك النبيذ حتى طابت نفسه، وغنى القيم معه مليًا، ثم خاطب القيم بما أغضبه، وتلاحيا، وتواثبا، فأخذ القيم شيئًا على

стр. 3057

رأسه، فشجه حتى جرى دمه؛ فلما رأى الدم سائلًا على وجهه، اضطرب وجزع، ثم قام فغسل وجهه، وعاجله بصوفة محروقة، وزيت وعصابة، وتعمم وقام معي؛ فلما دخل دار محمد بن سليمان، ورأى الفرش والآلة، وحضر الطعام، ورأى سروره وطيبه، وحضر النبيذ وآلته، ومدَّت الستائر وغنّى الجواري، أقبل علي، وقال: يا محبور، سألتك الله أيُّما أحق بالعربدة، وأولى منزل القيم، أو مجلس الأمير؟، فقلت: وكأنه لا بد من عربدة، قال: لا والله ما لي منها بد، فأخرجها من رأسي هناك، فقلت: أما على هذه الشريطة، فالذي فعلت أجود، فسألني محمد بن سليمان عما كان منه، فأخبرته، فضحك ضحكًا كثيرًا، وقال: هذا الحديث والله أظرف وأطيب من كل غناء، وخلع عليه وأعطاه خمسة آلاف درهم. قال فليح بن العوراء: كان في المدينة فتى يعشق ابنة عم له فوعدته أن تزوره، وشكا إلي أنها تأتيه، ولا شي عنده، فأعطيته كسر دينار للنفقة، فلما زارته قالت له: من يلهينا؟، قال: صديق لي، ووصفني لها، ودعاني فأتيته، وكان أول ما غنيت (١): [من الوافر] مِنَ الخَفِرَاتِ لَمْ تَفْضح أخاها … ولم ترفع لوالها شنارا فقامت إلى ثوبها لتلبسه وتنصرف، فعلق بها وجهد أن تقيم، فلم تقم، وانصرفت، وأقبل عليَّ يلومني في أن غنيت ذلك الصوت، فقلت: لا والله، ما هو شيء أعتمد فيه مساءتك، ولكنه شيء اتفق، قال: فلم يبرح إذ غادر رسولها بعدها، ومعه صرة دفعها إلى الفتى، وقال له تقول لك ابنة عمك: هذا مهري ادفعه إلى أبي واخطبني، ففعل ذلك، وتزوجها. والبيت للسليك بن السلكة، وبعده: [من الوافر] كأن مجامع الأرداف منْها … نَقًا دَرَجَت عليه الريحُ هَارا يعاف وصال ذات البدرِ قلبي … ويَتَّبِعُ المُمنَّعةَ النَّوَارا ومنهم: [١٥] الهذلي (٢) كان من القدماء المشاهير، ومن أهل الغناء في المجاهير، لم يذكر معه أحد زاد

стр. 3058

في حسن الصنعة إلا انتقص، ولا مال إليه أحد نجوى سمعه إلا رقص، لو سمعه صاحبه أبو ذؤيب (١) لأنساه مُشكل بنيه، وسلاه إذ كان غناه في التسلي يغنيه، ولما عرف بأنه بين الشعراء يتفجع، ولما رئي إلا مسرورًا لا يقول (٢): [من الكامل] أَمِنَ المَنُونِ ورَيبِها تَتَوَجَّعُ قال أبو الفرج: كان فتيان قريش يعدون إليه، وقد عمل عمله بالليل، ومعهم الطعام والشراب والدراهم، فيقولون: قد جئنا، فيقول: الوظيفة الأخرى أنزلوا أحجاري، فيلقون ثيابهم ويأتزرون بأزرهم، وينقلون الحجارة وينزلونها ثم ينزل على شنخوب من شناخيب الجبل، ويجلسون تحته في السهل ويشربون وهو يغنيهم حتى المساء وكانوا كذلك مدة. قال إسحاق: زوج ابن سريج لما حضرته الوفاة الهذلي بابنته، فأخذ عنها أكثر

стр. 3059

غنائه، وادّعاه، فغلب عليه، وولدت ابنًا فلما يفع أجاز يومًا بأشعب (١)، وهو جالس في فتية من قريش، فوثب فحمله على كتفه وجعل يرقصه، ويقول: هذا ابن مزامير داود، فقيل له: ويلك ما تقول؟، ومن هذا الصبي؟، قال: أوما تعرفونه؟ هذا ابن الهذلي من ابنة ابن سريج، ولد على عود، واستهل على غناء بملوى، وشُدّت سرته بزمر، وختن بمصراب. [١٦] مالك بن السمح (٢) مطرب لو لم يَضُمّه معبد إليه، لكان نظيره، أو يزيد عليه. طرح أصواته، فحفظها، وسجا حساده وأحفظها، وأخذ جوائز الأمراء، وحصل جزيل الثراء، وكان يُرمى بحمق ربما أدّاه إلى صواب الرأي وهداه، وسبب حياته ومد مداه، وأحياه ليميت به عداه. قال أبو الفرج الأصفهاني - رحمه الله تعالى - قال الورد: كان مالك بن أبي السمح من طيّئ، فأصابتهم حطمة في بلادهم بالجبلين، فقدمت به أمه وأخوه، وأخوات أيتام لا شيء لهم، وكان يسأل الناس عن باب حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكان معبد منقطعًا إلى حمزة يكون عنده يغنيه، فسمع مالك بن أبي السمح غناءه، فأعجبه واشتهاه، وكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل، فلا يطوف

стр. 3060

بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئًا، ولا يريم فينصرف إلى أمه، ولم يكسب شيئًا فتضربه، وهو مع ذلك يرنّم بألحان معبد ويؤديها دورًا دورًا، نغمًا بغير لفظ ولا روى شيئًا من الشعر، وجعل كلما غدا وراح رآه ملازمًا لبابه، فقال لغلامه: أدخل هذا الغلام الأعرابي إليّ، فأدخله إليه، فقال له حمزة: من أنت يا غلام؟، قال: أنا غلام من طيئ، أصابتنا حطمة بالجبلين، فحطتنا إليكم، ومعي أم لي وأخوة، وإني لزمت بابك، فسمعت من دارك صوتًا أعجبني، فلزمت بابك من أجله، فقال: هل أنت تعرف منه شيئًا؟، قال: أعرف لحنه كله، ولا أعرف الشعر قال: إن كنت صادقًا، إنك لتفهم ودعا بمعبد، فأمره أن يغني صوتًا فغنّاه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟ قال: نعم، قال: هاته، فاندفع فغنّاه، وأدّى نغمته بغير شعر، يؤدى مداته، ولياته، وعطفاته، ونبراته، وتعليقاته، لا يخرم حرفًا، فقال لمعبد: خذ هذا الغلام، وخرجه فليكونن له شأن. قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك، وإلا عدل إلى غيرك، وكانت محاسنه منسوبة إليه، فقال صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرني به. ثم قال حمزة لمالك: كيف وجدت ملازمتك لبابنا؟، قال: والله، ثم والله، ما شبعت على بابك شبعة قط، ولا انقلبت إلى أهلي منه بخير، فأمر له ولإخوته وأمه بمنزل، وأجرى لهم رزقًا وكسوة، وأمر لهم بخادم يخدمهم، وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكًا معه في مجلسه، وأمر معبدًا أن يطارحه. فلم يلبث أن مهر وحذق، وكان ذلك بعقب مقتل هدبة بن خشرم (١)، فخرج مالك يومًا، فسمع امرأة تنوح على زياد

стр. 3061

الذي قتله هدبة بشعر أخي زياد (١): [من الطويل] أَبَعْدَ الَّذي بالنعفِ نعفِ كُويكب … رهينة رمس ذي تراب وجندل أُذكِّرُ بالبقيا على ما أَصَابَني … وبقيايَ أَنِّي جَاهِدٌ غير مُوْتَلي فلا يدعني قومي كَرِيمًا لحُرَّةٍ … لئنْ لمْ أُعَجِّلْ ضَرْبَةً أَوْ أُعَجَّل فغنى في هذا الشعر لحنين أحدهما نحا فيه نحو المرأة في زوجها، ورفئه وأصلحه، وزاد الأخرى نحا فيه نحو معبد في غنائه، ثم دخل على حمزة، فقال: أيها أمير إني صنعت غناء سمعته من بعض أهل المدينة ينشده فأعجبني، فإن أذن الأمير، غنيته فيه فقال: هات فغناه اللحن الذي نحا فيه نحو معبد فطرب حمزة، وقال: أحسنت يا غلام هذا الغناء غناء معبد وطريقته، فقال: لا تعجل أيها الأمير، واسمع مني شيئًا آخر ليس من غناء معبد، ولا من طريقته، فقال: هات فغناه باللحن الذي يشير فيه بنوح المرأة، فطرب حمزة حتى ألقى حلة كانت عليه قيمتها مائة دينار، ودخل معبد، فرأى حلة حمزة عليه فأنكرها، وعلم حمزة بذلك، فأخبر معبدًا بالسبب، فأمر مالكًا فغناه/ ٤٩/ الصوت، فقال: قد كرهت أخذها، فيتعمد غنائي، ويدعيه لنفسه، فقال له حمزة: لا تعجل واسمع غناء صنعة ليس من شأنك، ولا من طريقتك، وأمره أن يغني اللحن الآخر، فغناه، فأطرق معبد، فقال حمزة، والله لو تفرد بهذا، لضاهاك، ثم يتزايد على الأيام، وكلما كبر هو زاد، وكلما شخت أنت، نقصت فلأن يكون منسوبًا إليك أجمل، فقال معبد، وهو منكسر: صدق الأمير، فأمر حمزة له بخلعة من ثيابه وجائزة حتى طابت نفسه، وسكن فقام مالك على رجله، فقبل رأس معبد، وقال له: يا أبا عباد ما سمعت من غنائي بالله العظيم لا أغني لنفسي شيئًا أبدًا ما دمت حيًا، فإن

стр. 3062

غلبتني نفسي فغنيت شعرًا استحسنته، لأنسبه إليك، فطب نفسًا، وارض عنّي، فقال له معبد: أو تفعل هذا وتفي به؟، قال: أي والله وأزيد، وكان مالك بعد ذلك إذا غنى صوتًا، فسئل عنه، قال: هذا المعبد ما غنيت لنفسي شيئًا قط، وإنما أخذ غناء معبد، فأنقله إلى الأشعار وأحسنه، وأزيد فيه، وأنقص منه. قال ابن عائشة: حضرت الوليد بن يزيد يوم قتل، وكان مالك بن أبي السمح معنا، وكان أحمق الخلق، فلما قتل الوليد، قال: اهرب بنا، فقلت: وما يريدون منا، فقال: وما يؤمنك أن يأخذوا رأسينا، فيجعلوا رأسه بينهما؛ ليخفوا أمرهم بذلك؟، قال ابن عائشة: فما رأيت منه عقلًا قط قبل ذلك اليوم. وفي مالك بن أبي السمح يقول الحسين بن عبد الله بن العباس (١): [من المنسرح] أبيضُ كالبدرِ أَوْ كما يلمعُ الـ … بارقُ في حالكٍ مِنَ الظُّلَمِ مَنْ ليسَ يَعْصِيكَ إنْ رشدتَ ولا … يعصيك حق الإسلام والحرم فيقال: إنَّ مالكًا قال له: والله ولا إن غويت أيضًا أغضبك. [١٧] دحمان الأشقر (٢) نفق على الخلائف، ونفذ من برّهم باللطائف حتى سمت به نفسه إلى رتب الصعود، وطلب ما لم ينله إلا ولاة العهود، وكان له على المهدي نفاق وبكرمه المجدي أراق، وكان أطرب من سُمع، وأطيب من عليه جُمع، كان إذا غنّى كأنما يستل الأكباد ويسلب في كل لحن قطعة من الفؤاد. قال أبو الفرج؛ كان يقول: ما رأيت باطلًا أشبه بحق من الغناء. ويقال: إن دحمان شهد عند عبد العزيز بن حنظلة - وهو يلي القضاء - لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق شهادة، فأجازها، وعدله، فقال العراقي: إنه

стр. 3063

دحمان، قال: أعرفه، ولو لم أعرفه، لسألتُ عنه، فقال: إنه يغني ويعلم الجواري الغناء، قال: غفر الله لنا ولك، وأينا لا يتغنّى؟ اخرج إلى الرجل من حقه. قال عمر بن شبه: بلغني أن المهدي أعطى دحمان في ليلة خمسين ألف دينار وذلك أنه غناه من شعر الأحوص (١): [من الوافر] قُطُوفُ المشي إن تمشي … تَرَى في مِشْيِهَا حُرَقا فطرب واستخفّه السرور حتى قال لدحمان: سلني ما شئت؟، قال: ضيعتان بالمدينة يقال لهما: أركا، وغالب. فأقطعه إياهما، فلما خرج التوقيع إلى ابن عبد الله وعمر بن بزيغ راجعا المهدي فيه، وقالا: إنَّ هاتين الضيعتين لم يملكهما قط إلا خليفة، وقد استقطعهما ولاة العهود في أيام بني أمية، فلم يعطوهما. فقال: والله لا أرجع عنها إلا بعد أن يرضى. فصولح على خمسين ألف دينار. قال إسحاق: مرّ دحمان الأشعر المغنّي، وعليه رداء جيد، فقال له بعض من حضر: بكم اشتريت هذا يا أبا عمر، فقال (٢): [من الخفيف] [ما] ضَرَّ جيراننا إذ انْتَجَعُوا [١٨] سياط (٣) كان سرورًا للسّامع، وشجًا لابن جامع، لا يزال يعنطه، ويرهق باقي دمائه ويفنطه، ولم يكثر عدّ أصواته التي صنّفها وأبياته في الأنغام التي ألفها، إلا أنه يكثر فيها الصناعة، ويظهر فيها البراعة، ويطرب بها ما لا يطرب اليراعة، وكانت أخباره قلائل، وآثاره عليه دلائل. قال أبو الفرج، قال إسحاق: ولقب هذا اللقب؛ لأنه كان كثيرًا ما يغني (٤): [من الوافر]

стр. 3064

كأنَّ مُزاحفَ الحَيَّاتِ فيها … قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثارَ السِّياطِ قال المهدي يومًا وهو يشرب لسلامة الأبرش: جئني بسياط، وعِقال، وحِبال. فارتاع كل من حضر، وظنَّ جمعيهم أنه يريد الإيقاع بهم، فجاءه بسياط المغني، وعِقال المدائني - الذي كان يوقع عليه - وحبال الزامر، فجعل الندماء يشتمونهم، والمهدي يضحك. قال: دخل ابن جامع على سياط، وقد نزل به الموت فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: أن لا تزد في غنائي شيئًا ليس منه. دعه رأسًا برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتًا. [١٩] ابن جامع (١) مُطرب جليل، ومُطِر ما عنده قليل، لم يقصر عن إسحاق، فما جَمَع، ولا تأخر فيما لم يعلق به طمع، وكان لا يرى إلا أن يكون طيره، وأن يعد نظيره، وله في كل حديث إذا شاء نصيب، وكلام مُصيب، إلا أن الغناء كان عليه العِلْم الذي به عُرف والسبب الذي لولاه لما كان عليه عكف. قال أبو الفرج: كان حسن السَّمت، كثير الصلاة، قد أخذ السجود في جبهته، وكان يعتم بعمامة سوداء على قُلنسوة، ويلبس لباس الفقهاء، ويركب حمارًا مريسيًا في زي أهل الحجاز، فبينما هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الإذن عليه، إذ أقبل أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس، فوقف ابن جامع إلى جانبه، فالتفت إليه أبو يوسف فرأى سمته وحلاوة هيأته، فقال له: أمتع الله بك، توسمت فيك الحجازية؟ قال: أصبت قال: فمن أي قريش؟، قال: من بني سهم، قال: فأي الحرمين منزلك؟، قال: مكة، قال: فمن لقيت من فقهائهم؟، قال: عمن شئت. ففاتحه

стр. 3065

الحديث، فوجد عنده ما أحبّ، فأعجب به، ونظر الناس إليهما، فقالوا: هذا القاضي قد أقبل على المغني، وأبو يوسف لا يدري أنه ابن جامع، فقال أصحابه: لو أخبرناه عنه، ثم قالوا: لا لعله لا يعود إلى مرافقه بعد اليوم، فلم نغمه، فلما كان في الإذن الثاني ليحيى غدا عليه الناس، وغدا عليه أبو يوسف، فنظر ابن جامع، فلما رآه ذهب، فوقف إلى جانبه، فحادثه كما فعل؛ فلما انصرف قال له - بعض أصحابه: أيها القاضي تعرف هذا الذي ترافقه وتحادثه؟، قال: نعم، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء، قالوا: هذا ابن جامع المغني، قال: إنا لله، قالوا: إنَّ الناس قد شهدوا مرافقته، فأنكروا ذلك من فعلك؛ فلما كان الإذن الثالث جاء أبو يوسف، ونظر إليه فتنكبه، وعرف ابن جامع أنه قد أنذر، فجاء حتى وقف وسلّم عليه، فرد أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه، ثم انحرف عنه، فدنا منه ابن جامع، وعرف الناس القصة، وكان ابن جامع جهيرًا، فرفع صوته، ثم قال: يا أبا يوسف ما لك تعرض عني؟ أي شيء أنكرت؟ قالوا لك ابن جامع المغني فكرهت مرافقتي، أسألك عن مسألة، فاصنع ما شئت. وأقبل الناس نحوهما مستمعين، فقال: يا أبا يوسف، لو أن أعرابيًا جلفًا وقف بين يديك، فأنشدك بجفاء وغلظة من لسانه، فقال وحكى الأعرابي (١): [من البسيط] يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلياءِ فالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطالَ عَلَيها سالِفُ الأَبَدِ أكنت ترى بذلك بأسًا؟ قال: لا، وقد روي عن رسول الله ﷺ في سماع الشعر، وقد روى عنه الحديث. قال ابن جامع: فإن قلت هكذا، ثم اندفع يغني فيه حتى أتى عليه، ثم قال: يا أبا يوسف رأيتني زدت فيه أم نقصت؟، قال: عافاك الله، إعفنا من هذا، قال: يا أبا يوسف، أنت صاحب فتيا، هل زدته، أم حسنته بألفاظي، فحسن في السمع، ووصل إلى القلب؟ ثم تنحى عنه ابن جامع. قال: دعا الرشيد يومًا جعفر بن يحيى، وابن جامع عنده، فلم يزل يغنيهما يومهما، ثم انصرف؛ فلما كان من الغد دخل إبراهيم الموصلي على جعفر بن يحيى، فسأله عن يومه، فقال له: إنه لم يزل ابن جامع يغنينا إلا أنه كان يخرج عن الإيقاع؛ وهو في قوله هذا يريد أن يطيب نفس إبراهيم، قال؛ فقال إبراهيم: أنت تريد أن تطيب نفسي بما لا تطيب إلا بالله. ما ضرط ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بالإيقاع، فكيف يخرج عن الإيقاع في الغناء؟!

стр. 3066

كان ابن جامع برًا بوالدته، وكانت مقيمة بمكة، فدعاه إبراهيم بن المهدي، فأظهر كتابًا إلى أمير المؤمنين في نعي والدته، فجزع لذلك جزعًا شديدًا، وجعل يعزيه جميع من حضر، وجاءوا بالطعام، فلم يتركوه حتى أكل وشرب، وسألوه الغناء، فامتنع، فقال له إبراهيم: إنك ستبذل هذا لأمير المؤمنين، فابذله لإخوانك، واندفع يغني (١): [من البسيط] كم بالدُّروب وأرض الشامِ مِنْ قدم … ومن مصارع قوم ما هُمُ قُبِرُوا يعتدها ومَنْ تُقْدَرْ مَنيَّتُهُ … بقُنْدهارَ يُرجمُ دُونَهُ الخَبَرُ وجعل إبراهيم يستزيده حتى صلح له، ثم قال: لا والله ما كان مما أخبرناك شيئًا، فإنما مزحنا معك، فطابت نفسه، ثم قال له إبراهيم: ردّ عليه الصوت فغناه فلم يكن من الغناء الأول في شيء، فقال إبراهيم: خذه الآن علي، فأداه إبراهيم على السماع، فقال له ابن الجامع: أحبّ أن تطرحه أنت علي كذلك.

стр. 3067

قال ابن جامع: ضمني الدهر ضمًا شديدًا بمكة، فانتقلت عنها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يومًا ولا أملك إلا ثلاثة دراهم، فهي في كمي إذ أنا بجارية حميراء على رقبتها جرّة تريد الركي تستقي، وهي ترنّم بصوت شجي (١): [من الطويل] شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا … فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا وذاك بأنَّ النومَ يَغْشَى عيونَهُمْ … سراعًا ولا يَغْشَى لنا النوم أَعْيُنا إذا ما دَنا الليلُ المضر بذِي الهَوَى … جزعنا وهم يستبشرونَ إذا دَنَا فلو أنَّهم كانوا يلاقون مثل ما … تلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا قال: فأخذ الغناء بقلبي، ولم يُدر لي منه حرف، فقلت: يا جارية ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك؟ فلو شئت أعدت قالت: حبًّا وكرامة ثم اندفعت فغنته، فوالله ما دار لي منه حرف فقلت أحسنت فلو تفضلت فأعدتيه مرة أخرى، فقطبت وكلحت، وقالت: ما أعجب أحدكم لا يزال يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها فضربت يدي إلى الثلاثة دراهم، فدفعتها إليها، وقلت لها: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي، فأخذتها كالكارهة وقالت: أنت الآن تريد أن تأخذ مني صوتًا أحسبك ستأخذ عليه ألف دينار، وألف دينار، قال: واندفعت تغني فأعملت فكري في غنائها حتى بان لي الصوت، وانصرفت مسرورًا إلى منزلي أردده حتى خفَّ على لساني، ثم إني لما خرجت أريد بغداد، دخلتها، فنزل بي المكاري على باب المحول، ولا أدري أين أتوجه، ولا من أقصد، فما زلت أمشي مع الناس حتى أتيت الجسر، فعبرت، ثم انتهيت إلى الشارع بالميدان، فرأيت مسجدًا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعًا، فقلت: مسجد قوم سراة فدخلته، وحضرت صلاة المغرب، فصليت، وأقمت مكاني حتى صليت العشاء الآخرة على جوع وتعب، وانصرف أهل المسجد، وبقي رجل يصلي خلفه جماعة من الخدم، وفحول ينتظرون فراغه، فصلى مليًا، ثم التفت إلي، فقال لي: أحسبك غريبًا، فقلت: أجل، فقال: متى كنت في هذه المدينة؟، فقلت: آنفًا، وليس لي بها منزل ولا، معرفة، وليست صناعتي، من الصنائع المذكورة لأهل الخير، قال: وما صناعتك؟ قلت: الغناء، فوثب مبادرًا، فدخل، ووكل بي بعض من معه، فسألت الموكل بي فقال: هذا سلام الأبرش. قال: فانتهى إلى قصر من قصور الخليفة، وجاز بي من مقصورة إلى مقصورة حتى أدخلني إلى مقصورة في آخر الدهليز ودعا بطعام فأتيت بمائدة عليها طعام من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت. فإني

стр. 3068

لكذلك، إذ سمعت ركضًا من الدهليز، وقائلًا يقول: أين الرجل، قال: ها هو ذا، قال: ادعوا بغسول وخلعة وطيب، ففعل ذلك بي، وحملت على دابة إلى دار الخليفة، فعرفتها بالتكبير والحرس والنيران، فجاوزت مقاصير عدّة حتى صرت إلى دار قوراء فيها أسرة في وسطها، قد أضيف بعضها إلى بعض. قال: فأمرني الرجل بالصعود فصعدت وإذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجورهن العيدان، وفي حجر الرجل عود، فرحب الرجل بي، وإذا مجالس خالية كان فيها قوم قد قاموا عنها، فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر، فقال الرجل تغنّ، فانبعث يغني بصوت فيه لي وهو (١): [من البسيط] لم تمش ميلًا ولم تركب على قتب … ولم ترَ الشَّمْسَ إِلا دُونَهَا الكِلَلُ تمشي الهوينا كأنَّ الشمسَ تُوحِشُهَا … مَشْيَ اليَعَافِيرِ في جنباتِهِ الوَهَلُ فغنّى بغير إصابة، وأوتار مختلفة، ودساتين مختلفة، ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تليه، فقال: تغني،، فغنت بصوت لي كانت فيه أحسن حالًا من الرجل، وهو (٢): [من البسيط] يا دار أضحتْ خَلاءً لا أنيس بها … إلا الظباء وإلا الماشط الفَرَدُ أين الذين إذا ما زرتهم جَذِلوا … وطارَ عَنْ قلبي الأشواقُ والكَمَدُ ثم عاد الخادم إلى الجارية الثانية، فاندفعت تغني بصوت لحكم الوادي، وهو (٣): [من الطويل]

стр. 3069

فوالله ما أدري أيغلبني الهوى … إذا جَدَّ جِد البين أم أنا غالبه فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى … فمثلُ الذي لاقيت يغلب صاحبة ثم عاد الخادم إلى الجارية الثالثة، فغنته بصوت لحنين وهو (١): [من الطويل] مررنا على قيسيَّةٍ عامرِيَّةٍ … لها بَشَرٌ صافي الأديم هجان فقالت وألقت جانبَ السِّترِ دُونَها … مِنَ أَيَّةِ أَرضِ أَمْ مَنِ الرَّجُلانِ فقلت لها إما تميم فأسْرَتي … هُدِيْتِ وإما صاحبي فيماني رفقانِ ضَمَّ السَّفْرُ بيني وبينَهُ … وقَدْ يلتقي الشتى فيأتلفان قال: ثم خرج الخادم، فقال: تغنَّ عافاك الله، فغنيت بصوت الرجل على غير غنائه، فإذا الخادم قد خرج، فقال لي: ويحك لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي، فانصرف عني، ثم عاد فقال: كذبت هذا الغناء لابن جامع. ودار الدور فلما انتهى إلي، غنيته بصوت الجارية الثانية، فخرج الخادم، فقال: ويحك لمن هذا الغناء؟ فقلت: لي، فرجع وخرج، فقال: كذبت هذا لابن جامع، ودار الدور، فلما انتهى إلي الغناء تغنيت بصوت لي لا يعرف إلا بي وهو (٢): [من الكامل] عوجي علي وسلمي حَبْرُ … فيمَ الصُّدُودُ وَأَنْتُمُ سَفْرُ ما نلتقي إلا ثلاث منى … حتى يفرق بيننا النفْرُ قال: فتزلزلت والله الدار عليهم، وخرج الخادم، فقال: ويحك لمن هذا الغناء، فقلت: لي فرجع ثم خرج، فقال: كذبت هذا الغناء لابن جامع، فقلت: أنا إسماعيل بن جامع، قال: فما أشعر إلا وأمير المؤمنين وجعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم، فقال له الفضل بن الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك فلما صعد السرير وثبت قائمًا، فقال لي: ابن جامع؟، فقلت: ابن جامع جعلت فداك يا أمير المؤمنين، فقال لي: ويحك متى كنت في هذه المدينة؟، فقلت: آنفًا دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين، قال: اجلس، ويحك يابن جامع غن، ومضى هو وجعفر بن يحيى، فجلسا في بعض تلك المجالس، وقال لي: ابشر يابن جامع، وابسط أملك، فدعوت له، ثم قال: غنني يا ابن جامع غنني فخطر ببالي صوت الجارية، فاندفعت أغنية، فنظر الرشيد إلى جعفر، وقال: أسمعت كذا قط؟، قال جعفر: لا والله

стр. 3070

ما خرق مسامعي قطّ مثله، فرفع الرشيد رأسه إلى خادم له بالقرب منه فدعا بكيس فيه ألف دينار، فرمى به إليّ، فصيّرته تحت فخذي، ودعوت لأمير المؤمنين، فقال جعفر: يا ابن جامع ردّ على أمير المؤمنين الصوت، فرددته، وتزيدت في غنائي، فقال له جعفر: يا سيدي ما تراه كيف يتزيد في الغناء؟ هذا خلاف ما سمعناه أولًا، وإن كان الأمر في اللحن واحدًا، ثم دعا بكيس آخر فيه ألف دينار، فجاءني به، فصيّرته تحت فخذي، وقال: تغنَّ يا إسماعيل ما حضرك، فجعلت: أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري، فأغنيه، فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس الليل فقال: أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك، فأعد على أمير المؤمنين الصوت - يعني صوت الجارية - فغنيت به، فدعا بكيس ثالث فيه ألف دينار، قال: فذكرت ما كان من قول الجارية، فتبسمت فقال: يا ابن الفاعلة مم تتبسم؟ فجثوت على ركبتي، وقلت: يا أمير المؤمنين: الصدق منجاة، فقال بانتهار قل؛ فأقصصت عليه خبر الجارية، فقال: صدقت قد يكون هذا. وقام فنزل عن السرير، وبقيت لا أدري أين أقصد، فابتدرني فراشان، فصارا بي إلى دار قد أمر لي بها أمير المؤمنين، ففرشت، وجعل فيها جميع ما يكون في مثلها من آلة جلساء الملوك وندمائهم، فدخلت بغداد فقيرًا، وأصبحت من جلة أهلها ومياسيرهم. قال: كان ابن جامع يُعِد [صيحة الصوت] (١) قبل أن يصنع عمود اللحن. قال ابن جامع: لولا أن القمار، وحبّ الكلاب قد شغلاني، ما تركت أحدًا من المغنين يأكل خبزًا. قال: أهدى رجل إلى ابن جامع كلبًا، فقال: ما اسمه؟، قال: لا أدري، فأخرج دفترًا فيه أسماء الكلاب، فجعل يدعوه باسم اسم حتى أجابه. [٢٠] [٢٠] جميلة (٢) مغنية المدينة ومُغْنِيَة أهلها عن كل زينة، وكان بيتها منتدى الظرفاء، ومنتأى

стр. 3071

الشرفاء، وفتنة لأهل القريتين، ومظنّة لسكان الحرَّتين، لا يفتأ فتيان الحي تبغي ائتلافها، وتولي الود ورادها وألأفها. ونوت نية صالحة في ترك الغناء، فما تركت، وكثر عليها فلو لم تكف لأصبحت المدينة وكم فيها مهجة سفكت. قال أبو الفرج، قال إسحاق: بلغني أنَّ جميلة قعدت يومًا على فرش لها، وقالت لآذنتها: لا تحجبي عنا أحدًا، واقعدي على الباب، وكل من مر، فاعرضي عليه مجلسي، ففعلت وذلك حتى غصّت الدار بالناس، فقالت جميلة: اصعدوا إلى العلالي، فصعدت جماعة حتى امتلأت السطوح، وتعالى النهار، واشتد الحرّ، فاستسقى الناس الماء، فدعي لهم بالسويق، فشرب من أراد، وقام على رؤوسهم الجواري بالمناديل والمرواح الكبار، ثم قالت: إني رأيت في منامي شيئًا، فأزعجني، وقد خفت أن يكون قد قرب أجلي، وليس ينفعني إلا صالح عملي، وقد رأيت أن أترك الغناء كراهة أن يلحقني منه شيء عند ربي، فقال قوم منهم: نفعك الله، وثبت عزمك، وقال آخرون: لا حرج عليك، وقال الشيخ منهم: قد تكلّمت الجماعة، و ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (١) فاسمعوا قولي وانصتوا، ثم حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ثم قال: يا معشر أهل الحجاز إنكم متى تخاذلتم فشلتم، وثب عليكم عدوكم، وظفر بكم، فلا تفلحوا بعدها أبدًا، قد انقلبتم على أعقابكم لأهل العراق وغيرهم فمن لم يزل ينكر عليكم ما هو وراثة فيكم، لا ينكره عالمكم، ولا يدفعه عائدكم، وأكثر ما يكون الجلوس عنه الزهد في الدنيا؛ لأنَّ الغناء من أكبر اللذات، وأسر للنفوس من سائر .. للشهوات، يحيي القلب ويزيد في العقل، ويسرّ النفوس، ويفسح في الرأي، ويسرّ به العين، ويفتح به الحصون، وتذلل به الجبابرة حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه، ويبرئ المرض، ومن مات عقله، وقلت شهوته. يزيد أهل الثروة غناء وأهل الفقر قناعة ورضًا، ومن تمسك به، كان عالمًا، ومن فارقه، كان جاهلًا. وكيف يستحسن تركه، ولا يستعان على النشاط في عبادة ربنا إلا به، فما زاد أحد عليه حرفًا، ولا أنكر ذلك عليه، وعاد كل بالخطأ على نفسه، وأقرَّ له بالفضل. ثم قال لجميلة: أوعيت ما قلت، ووقع في نفسك ما ذكرت؟ قالت: أجل وأنا أستغفر الله، قال:

стр. 3072

فاختمي مجلسنا، وفرقي جمعنا بصوت واحد فغنت هذا البيت (١): [من الطويل] أفي رَسْمِ دارٍ دَمْعُكَ المُتَرَقْرِقُ … سقاها وما استنطاقُ ما ليس يَنْطِقُ فقال الشيخ: حسن والله. أمثل هذا يترك؟ فبم يشاهد الرجال، لا والله، ولا كرامة للشيطان، ثم قام الناس معه، وقال: الحمد لله الذي [لم] يفرق جماعتنا على إنكار حسن ولا جحود فضيلة، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا جميلة. ومن مشهور غناء جميلة صنعتها في بيتين لامرئ القيس وهما (٢): [من الطويل] ولما رأت أَنَّ الهَجِيرَ يَضُرُّها … وأَنَّ البَيَاضَ في فرائِصْها دامي تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتي عِنْدَ ضارِحٍ … يَفيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامي [٢١] معبد (٣) رأس الجماعة وأساس الطرب، الذي لا يمل أحد سماعه، وهو الذي ينشئ السامع، وينسى حديث سواه خروق المسامع، ويأتي بالبدائع التي يضرب دونها أعناق الرجال المطامع، ويتفرد بالصنائع التي لم يقع على مثلها عين، وما طهرتها بالمدامع. سمعت منه الأصوات، وقرعت به اللهوات، وجاء بكل المراد، فلم يدع عرضًا للعريض، ولا شهوة لشهوات أكرم به من معبد لم ير مثله من يمشي بنظره في الجامع كتاب أبي الفرج، وطلب الزيادة وصعد الدرج، بل ولو زاد في شدة الأسر، وحلق حتى حام على النسر. وما قصبات السبق إلا لمعبد (٤)

стр. 3073

قال أبو الفرج الأصفهاني؛ قال إسحاق: كان معبد يقول: لقد صنعت ألحانًا لا يقدر أن يغنيها شبعان، ولا يقدر سقاء يحمل القربة على الترنم بها حتى يقعد مستوفرًا، ولا القاعد حتى يقوم. قال إسحاق؛ قيل لمعبد: كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء، قال: أرتحل قَعُودي، وأوقع بالقضيب على رحلي، وأترنّم عليه بالشعر حتى يتبين لي الصوت. فقال له: ما أبين هذا في غنائك. قال ابن الكلبي: قدم ابن سريج والغريض المدينة يتعرضان لمعروف أهلها؛ فلما شارفاها، تقدما ثقلهما، ليرتادا منزلًا حتى إذا كانا بالعسيلة، وهي جبانة على طرف المدينة يغسل فيها الثياب، وإذا هما بغلام ملتحف بإزار، وطرفة على رأسه، وبيده حبالة يتصيد بها الطير، وهو يغني هذا الصوت (١): [من البسيط] القَصْرُ فالنَّخلُ فالجمَّاءُ بينهما … أشهى إلى القلبِ مِنْ أبوابِ جَيرُونِ فإذا الغلام معبد؛ فلما سمعاه، مالا إليه، فاستعاداه منه فسمعا شيئًا لم يسمعا مثله قط، فأقبل أحدهما على الآخر، فقال: هل سمعت مثل هذا قط، قال: لا والله، قال: فما رأيك؟، قال ابن سريج: هذا غناء غلام يتصيد الطير، فكيف بمن في الحومة يُغني المدينة؟ أما أنا فثكلت والدته إن لم يرجع مكرًا راجعين. قال إسحاق: أخبرت عن معبد أنه كان بعث إلي بعض أمراء مكة بالشخوص إليه، فشخصت قال: فتقدمت غلامي في بعض الطريق واشتد علي الحر والعطش، فانتهيت إلى خباء، وفيه غلام أسود، وإذا حباب ماء قد بردت، فملت إليه، وقلت: يا هذا اسقني من الماء شربة، قال: لا، قلت: تأذن لي في أن أكن ساعة، فأنخت ناقتي، ولجأت إلى ظلها، واستترت به، وقلت: لو أخذت لهذا الأمير شيئًا أقدم عليه، ولعلي أيضًا إن حركت لساني أن يبتل حلقي بريقي، فيخف عنّي بعض ما أجده من العطش، فترنمت صوتي:

стр. 3074

القصر فالنخلُ فالجماءُ بينهما … أشهى إلى القلب من أبواب جَيْرُون فلما سمعه الأسود، ما أشعر إلا وهو قد حملني حتى أدخلني خباء، وقال: بأبي أنت وأمي، هل لك في سويق السلت بهذا الماء البارد، قلت: قد منعتني أول من ذلك شربة ماء تجربني، قال: فسقاني حتى رويت وأقمت عنده إلى وقت الرواح؛ فلما رأيت الرحلة، قال: بأبي أنت وأمي الحر شديد، ولا آمن عليك مثل هذا الذي أصابك، فتأذن لي في أن أحمل قربة من ماء على عاتقي، وأسعى بها معك، فكلما عطشت سقيتك صحنًا، وغنيتني صوتًا، قال؛ قلت: ذلك لك، قال: فأخذ قربة، فملأها ماءً باردًا من ذلك الماء، وحملها على عاتقه، وركبت أنا راحلتي، فأقبل يسقيني شربة، وأغنيه صوتًا حتى بلغت المنزل الذي أردت، ولحقت بغلامي وثقلي. قال إسحاق: حدثني سياط عن يونس الكاتب، قال: كان معبد قد علم جارية من جواري الحجاز الغناء تسمّى ظبية الوادي، وعني بتخريجها، فاشتراها رجل من أهل العراق، فأخرجها إلى البصرة، وباعها هناك، فاشتراها رجل من أهل الأهواز، فأعجب بها، وذهبت به كل مذهب، وغلبت عليه، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده زمانًا، فأخذ جواريه أكثر غنائها، وكان لمحبته وأسفه عليها لا يزال يسأل عن معبد، وأين مستقره، ويظهر التعصب له، والميل إليه، والتقديم لغنائه على سائل أغاني أهل عصره إلى أن عُرف ذلك منه، وبلغ معبدًا خبره، فخرج إليه، فلما قدم البصرة، صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك اليوم إلى الأهواز، فلم يجد إلا سفينة الرجل، وليس يعرف أحدهما صاحبه، فأمر الرجل الملاح، فأجلسه معه في مؤخر السفينة، ففعل ذلك وانحدر؛ فلما صاروا في نهر الأبلة، تغدوا وشربوا، وأمر جواريه يغنين، ومعبد ساكت وهو بثياب السفر، وعليه فرو وخفّان غليظان، إلى أن غنّت إحدى جواريه صوت معبد في شعر النابغة (١): [من البسيط] بانت سعاد وأمسى حبلُها انْصَرَما … واحْتَلَّتِ الغور والأجزاعَ مِنْ أَضَما ولم تجد أداءه، فصاح معبد: يا جارية هذا ليس بمستقيم، فقال مولاها - وقد غضب -: وأنت ما يدريك الغناء ما هو؟ لم لا تمسك، وتلزم شأنك؟ فأمسك، ثم غنت صوتًا من غناء غيره، وهو ساكت لا يتكلم حتى غنت صوتًا آخرًا لمعبد في شعر عبد الرحمن بن أبي بكر (٢): [من الرمل] يا بنة الجودي قَلبي كَئيبُ … مُستهام عندها ما يُثِيبُ

стр. 3075

فأخلَّتْ ببعضه، فقال معبد: يا جارية قد أخللت بهذا الصوت إخلالًا بينًا، فغضب الرجل، وقال: ويلك ما أنت والغناء ألا تكف عن الفضول؟ فأمسك، فغنت إحداهن في شعر كثير وقالت (١): [من الطويل] خليلي عُوجا فابكيا ساعةً مَعِي … على الربع نقضي حاجةً ونُودِّعِ فلم تصنع شيئًا، فقال معبد يا هذه ما تقوين على أداء صوت واحد؟، فغضب الرجل وقال: أقسم بالله لئن عاودت لأخرجنك من السفينة، فلما سكن الجواري اندفع معبد يغني الصوت الأول فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل! فأعده، فقال: لا والله ولا كرامة، ثم غنّى الثاني، فقلن لسيدهن هذا والله أحسن الناس غناء، فاسأله أن يُعيد علينا ولو مرة واحدة، لعلنا نأخذ منه، فوالله إن فاتنا، لم نجد مثله أبدًا، فقال الرجل: قد أسلفناه مكروهًا، فاصبرن حتى نداويه، ثم غنى الثالث، فزلزلت عليهم الأرض، فوثب الرجل، فقبل رأسه وقال: يا سيدي أخطأنا عليك، ولم نعرف موضعك وسأله أن يختلط معه، ففعل. وسأل: من أين أخذ جواريه الغناء، فأعلمه، فقال معبد: وإنك لأنت هو فتعرفني؟ قال: لا والله، قال معبد: أنا معبد وإليك قدمت من الحجاز والله لا قصرت في جواريك. فأكب على يديه ورجليه، ثم خلع الرجل عليه عدة خلع، وأعطاه من وقته ثلاثمائة دينار وطيبًا وهدايا، وانحدر معه إلى الأهواز، فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه، وما أخذنه عنه، ثم ودعه وانصرف إلى الحجاز. قال؛ قال الوليد بن يزيد يومًا: لقد اشتقت إلى معبد، فوجه إليه البريد إلى المدينة، فأتاه بمعبد، وأمر به فجلس والبركة بينهما مملوءة بالخمر والماء، وستر مرخى، فقال: غَنّ يا معبد، فقال (٢): [من البسيط] لَهْفِي على فِتْيَةٍ دانَ الزمان بهم … فما أصابَهُمُ إلا بما شاءوا ما زال يغدو عليهم ريب دهرهمُ … حَتَّى تَفَانَوا وريبُ الدَّهْرِ غراء أبلى فراقهم عيني فأَرَّقَها … إنَّ التفرق للأحباب بَكَّاءُ فغناه إياه، فرفع الوليد الستر، ونزع ملاءة مطيبة كانت عليه، وقذف بنفسه في البركة، فنهل فيها نهلة، ثم أتي بأثواب غيرها وتلقوه بالمجامر والطيب، ثم قال: يا معبد غنني، فقال: [من مجزوء الكامل]

стр. 3076

ولو ان دون لِقَائِها … جَبَلًا بمزلقة هِضابَة لأتيتُها إِنَّ المُحِـ … ـبَّ إِذَا نأى طال اكتِئابَه ولو أن دون لِقَائِها … ضِر غامَة كالرمح نابة لأتيتُها بالسيف لـ … ـكن لا أخاف ولا أَهَابه فغناه إياه. قال: فرمى نفسه، فنهل منها نهلة كان فيها النقصان، ثم أتي بأثواب غيرها، وتلقوه بالمجامر والطيب، ثم قال لي: غنني يا معبد، فقلت (١): [من الكامل] يا ربعَ مالك لا تجيبُ مُتَيَّما … قد عاج نحوكَ زائرًا ومُسلّما جادتْكَ كُلُّ سحابَةٍ هَطَالَةٍ … حَتَّى تُرَى عَنْ زهرهِ مُتَبَسِّما قال: فدعا له بخمسة عشر ألف دينار فصبّها بين يديه، ثم قال: انصرف إلى أهلك واكتم ما رأيت. قال: قال يزيد بن عبد الملك يومًا لمعبد: يا عباد أريد أن أخبرك عن نفسي وعنك، فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تحاش أن تردّه عليَّ فقد أذنت لك، فقال: يا أمير المؤمنينن لقد وضعك ربك بموضع لا يعصيك إلا ضال، ولا يرد عليك إلا مخطئ. فقال: إنَّ الذي أجده في غنائك، لا أجده في غناء ابن سريج. أجد في غنائك مبانه وفي غنائه انحناتا ولينًا، فقال: والذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، وأرضاه لعباده، وجعله أمينًا على أمة نبيه محمد ﷺ ما عدا صفتي وصفة ابن سريج، وكذا يقول ابن سريج، وأقول، ولكن إن رأى أمير المؤمنين أن يُعلمني هل وضعني ذلك عنده؟ فليفعل، قال: لا والله، ولكني أوثر الطرب على كل شيء. قال: يا سيدي كلما كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء، أذهب أنا إلى الكامل التام، فأغرب أنا ويشرق هو، فمتى نلتقي؟. قال: فتقدر أن تحكي رقيق ابن سريج؟ قال: نعم، فصنع لحنًا في الخفيف (٢): [من الهزج] ألا له أم و … لدت أختُ بني سهمِ هشام وأبو عد … منافٍ وَمَدْرَهُ الخَصْمِ وذو الرمحين أشبال … على القوة والحزم فهذان يذودان … وذا عن كَثَبٍ يَرْمي وغناه فرد عليه أولًا، فأعاد ثم قال: أعد فأعاد، فاستخفه، ثم قال لجواريه،

стр. 3077

افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويقول (١): [من مجزوء الرجز] يا دار دوريي … يا قوم أموني آليت منذُ حِيْنِ … حقًا لتصْرِميني إن لم تُواصلوني … بالله فارحميني لم تذكري يميني قال: فلم يزل يدور كما تدور الصبيان، ويدورون معه حتى خر مغشيًا عليه ما يعقل، ولا يعقلن، فابتدره الخدم، فأقاموا من كان على ظهره من الجواري، وحملوه حتى أدخلوه. قال إسحاق: أخبرت عن حكم الوادي. قال: كنت أنا وجماعة من المغنين نختلف إلى معبد نأخذ منه، ونتعلم فغنانا يومًا ما صنعه وأعجب به هو: [من البسيط] القصر فالنَّخلُ فالجماءُ بينهما … أشهى إلى القلبِ مِنْ أبوابِ جَيْرُونِ فاستحسناه، وكنت أول من أخذه عنه ذلك اليوم، فاستحسنه مني، وأعجبته نفسه، فلما انصرفت عملت فيه لحنًا آخر، وبكرتُ إلى معبد مع أصحابي، وأنا معجب بلحني؛ فلما تغنينا أصواتنا، قلت له: إني قد عملتُ بعدك لحنًا في الشعر الذي غنيت فيه. واندفعت فغنيته لحني، فوجم معبد ساعة يتعجب منه، ثم قال: قد كنت أمس أرجى مني اليوم لك وأنت اليوم أبعد من الفلاح، قال حكم الوادي: فأنسيت - علم الله - صوتي منذ تلك الساعة، فما ذكرته إلى وقتي هذا. [٢٢] ابن سريج (٢) مطرب كان في أصحابه من أهل الانتهاء نظير موافقة ابن سريج في الفقهاء لم يكن إلا من يذعن بتقدمه، ويهابه فلا يكلمه إلا [عند] تبسمه، ويفتح وما سمعه، ويلتقط ويتشطط بأمانته، ويشترط ويُصلح خلله الكثير منه باليسير، ويتخذ منه ما يُلقيه في

стр. 3078

اصواته كالأسير، وكان لأهل مكة البطحاء ضنانة، وبسببه تهتك نسبه صيانة، تتقيل لضلاله، وتقيل في ظلاله، وعلى هذا مضى عبّاد الحجاز، كانوا لا يرون بالغناء بأسًا، ولا يرون أوقات أنسهم لغيره مقياسًا. قال أبو الفرج، قال إسحاق: أصل الغناء أربعة نفر: مكيان ومدنيان، فالمكيان: ابن سرج، وابن محرز؛ والمدنيان: معبد ومالك. قال إبراهيم: أدركت يونس الكاتب فحدّثني عن الأربعة: ابن سريج، وابن محرز، ومعبد، والغريض، فقلت له: من أحسن الناس غناءً؟، قال: أبو يحيى، قلت: عبيد بن سريج، قال: نعم، قلت: وكيف ذلك؟، قال: إن شئت فسرت، وإن شئت أجملت، قلت: أجمل، قال: كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني لكل إنسان ما يشتهي. قال إسحاق: وسألت هشام بن مرية، وكان عُمِّرَ، وكان حاذقًا بالغناء، فقلت له: من أحذق الناس بالغناء؟، فقال لي: تحب الإطالة والاختصار؟، فقلت: أحبّ اختصارًا يأتي عليَّ سؤالي، فقال: ما خلق بعد النبي داود ﷺ أحسن صوتًا من ابن سريج، ولا صاغ الغناء أحذق منه، ويدل على ذلك أنَّ معبد كان إذا أعجبه غناؤه، قال: أنا اليوم سريجي. قال: وكان ابن أبي عتيق يسوق في كل عام بدنة ينحرها عنه، ويقول: هذا بأقل حقه علينا. قال أبو نافع الأسود - وكان آخر من بقي من غلمان ابن سريج: إذا أعجزك القرشي أن تطرب فغنه غناء ابن سريج في شعر ابن أبي ربيعة، فإنك ترقصه. قال جحظة: حدثني علي بن يحيى، قال: أرسلني محمد بن الحسن بن مصعب إلى إسحاق أسأله عن لحنه، ولحن ابن سريج في (١): [من الطويل] تشكى الكميت الجر لما جهدته أيهما أحسن؟ فصرت إليه، فسألته عن ذلك، فقال لي: يا أبا الحسن، والله، لقد أخذت بخطام راحلته فذعرتها، وأنخت بها، وقمت بها فما بلغني، فرجعت إلى محمد بن الحسن، فأخبرته، فقال: والله إنه ليعلم أن لحنه أحسن من لحن ابن سريج، ولقد تحامل لابن سريج على نفسه تفضيل القدماء. قال إبراهيم بن المهدي: حدّثني إبراهيم الموصلي، قال: حدثني الزبير بن

стр. 3079

دحمان عن أبيه: إن معبدًا تغنى في شعر عبد الرحمن بن حسان (١): [من الرمل] رُبَّ قلب بهموم وفِكَرْ … مِنْ حبيب هاجَ حَزني والسهر يومَ أَبصرتُ غُرابًا واقعًا … شَرِّ ما طار على شرِّ الشَّجَر فعارضه مالك، فغنّى في أبيات من هذا الشعر: وجَرَتْ لِي ظبية يتبعها … لينُ الأظلاف مِنْ جو البَقَرْ كُلَّما كَفْكَفْتُ منها عَبْرَةً … فاضَتِ العينُ بمنهَل دُرَرْ قال: فتلاحيا جميعًا فيما صنعاه من هذين الصوتين. قال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أجود صنعة منك. قال: فتنافرا إلى ابن سريج إلى مكة، فلما قدماها سألا عنه، فأخبرا أنه خرج يتطرف بالحناء في بعض بساتينها فاقتصا أثره حتى وقفا عليه، وفي يده الحناء، فقالا له: إنا خرجنا إليك من المدينة؛ لتحكم بيننا في صوتين صنعناهما، فقال لهما: ليغنّ كل واحد منكما صوتين. فابتدأ معبد، فغنى لحنه، فقال له: أحسنت والله على سوء اختيارك للشعر. ويحك ما حملك على ما صنعت هذه الصنعة الحسنة في حزن وسهرٍ، وهموم وفكر أربعة ألوان من الحزن في بيت واحد، وفي البيت الثاني شرّان في مصراع واحد، وهو شر ما طار على شر الشجر، ثم قال لمالك: هات صوتك فغنّاه مالك، فقال: أحسنت والله ما شئت، فقال له مالك: وإنما هو ابن سهر، فكيف تراه يا أبا يحيى إذا حال عليه الحول. قال دحمان: فحدثني معبد أن ابن سريج غضب عند ذلك غضبًا شديدًا، ثم رمى بالحناء من يده وأصابعه، ثم قال: يا مالك لي تقول هذا؟ هو ابن شهره اسمع ابن ساعته، ثم قال: يا أبا عباد أنشدني القصيدة التي تغنيتما منها، فأنشدته القصيدة حتى انتهيت إلى قوله: يُنكر الأيمن ما يعرفه … غيرَ أَنْ يسمعَ مِنْهُ بِخَبَرْ فصاح بأعلى صوته: هذا خليلي، وهذا صاحبي، ثم تغنى فيه، فانصرفا مغلوبين مفضوحين من غير أن يقيما بمكة ساعة واحدة. قال: لما ضاد ابن سريج الغريض وتلاحيا، جعل ابن سريج لا يغني صوتًا إلا عارضه الغريض يغني فيه لحنًا غيره، وكانت في بعض أطراف مكة في دار يأتيها كل جمعة، ويجتمع إليها ناس كثيرة، فيوضع لكل واحد منهما كرسي يجلس عليه، ثم يتقاضيان الغناء، ويترددانه فلما رأى ابن سريج موقع الغريض وغناءه من الناس، لقربه

стр. 3080

من النوح، وشبهه به مال إلى الأرمال والأهراج، فاستخفها الناس، وقال له الغريض. يا أبا يحيى قصرت الغناء وحذفته، وأفسدته قال: نعم يا مخنث، جعلت تنوح على أبيك وأمك إلى أن تقول هذا. والله لأغنين غناء ما غنّى أحد أثقل منه، ولا أجود، ثم غنى: [من الطويل] تشكى الكميت الجري لما جهدته قال إسحاق حدثني شيخ من موالي المنصور قال: قدم علينا المدينة فتيان من بني أمية يريدون مكة، فسمعوا معبدًا ومالكًا، فأعجبوا بهما، ثم قدموا مكة، فسألوا عن ابن سريج، فوجدوه مريضًا، فأتوا صديقًا له، فسألوه أن يسمعهم غناءه، فخرج معهم حتى دخلوا عليه فقالوا: نحن فتيان من قريش أتيناك مسلمين عليك، وأجبنا أن نسمع غناءك، فقال: أنا مريض كما ترون قال: إن الذي نكتفي به منك تشير، وكان ابن سريج أديبًا، ظاهر الخلق عارفًا بأقدار الناس فقال: يا جارية هاتي جلبابي وعودي، فأتته جارية بخامة، فشدها على وجهه، وكان يفعل ذلك إذا تغنى لقبح وجهه، ثم أخذ العود فغناهم حتى اكتفوا، ثم ألقى العود، وقال: معذرة، قالوا: قد قبل الله عذرك، وأحسن إليك، ومسح على ما بك من الضر، ثم انصرفوا يتعجبون مما سمعوا، فمروا بالمدينة منصرفين، قسمعوا من معبد ومالك، فجعلوا لا يطربون، فقال أهل المدينة، نقسم بالله لقد سمعتم ابن سريج بعدنا، قالوا: أجل لقد سمعناه فسمعنا ما لم نسمع مثله قط، ولقد نقص إلينا ما بعده. قال إسحاق: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة، قال: قدم جرير ونحن يومئذ شبان، فطلب الشعر، فاحتشدنا له، ومعنا الشعراء. فبينا نحن عنده، إذ قام لحاجته، فأقمنا لم نبرح، وجاءنا الأحوص الشاعر من قبل على حمار، فقال: أين هذا؟، قلنا قام لحاجته فما حاجتك إليه؟ قال: إني أريد أن أعلمه أن الفرزدق أشرف منه وأشعر، قلنا: ويحك لا تعرض له فانصرف وخرج جرير، فلم يكن بأسرع من أن أقبل الأحوص، فوقف عليه، فقال: السلام عليك فقال: وعليك السلام، فقال: يا ابن الخطفي الفرزدق أشرف منك وأشعر، قال جرير: من هذا؟، قلنا: الأحوص بن محمد، قال: نعم هذا الخبيث ابن الخبيث، أنت القائل (١): [من الطويل] يقرُّ بعيني ما يقرُّ بعينها … وأحسنُ شيء ما به العين قرَّتِ قال: نعم، قال: إنه يقر عينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، فيقر ذلك بعينك؟

стр. 3081

قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة، فانصرف، فبعث إليهم بتمر وفاكهة، وأقبلنا على جرير نساءله، وألح عليه أشعب، فقال له: والله إني لأراك أقبحهم وجهًا وأظنك ألأمهم حسبًا، وقد أبرمتني منذ اليوم، فقال: إني والله أنفعهم لك، قال: ويحك وكيف ذلك؟، قال: إني أملح شعرك، وأجيد مقاطعه ومبادئه، قال: قل ويحك فاندفع، فنادى بلحن ابن سريج (١): [من الكامل] يا أخت ناجية السَّلامُ عليكم … قبل الرحيل وقبل لوم العُذَّلِ لو كنتُ أعلم أنَّ آخرَ عهدِكُمْ … يومُ الرَّحيلِ فعلتُ ما لَمْ أَفْعَلِ فطرب جرير، وجعل يزحف حتى مسَّتْ ركبته ركبته، وقال: لعمري، لقد صدقت إنك لأنفعهم لي ولقد حسنته، وأجهدته، وأحسنت والله، ووصله وكساه، فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت، قلنا له: كيف لو سمعت واضع هذا؟ قال: وإن له واضعًا غير هذا؟ قلنا: نعم، قال: وأين هو؟ قلنا بمكة، قال: فلست بعازم حجًا حتى أبلغه. فمضى ومضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته، وكنت فيهم، فقدمنا مكة، فأتيناه جميعًا، فإذا هو في فتية من قريش كأنهم المها مع ظرف كثير فرحبوا به، وأدنوا مجلسًا وسألوه عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر فرحبوا بجرير، وأدنوه، وسروا بمكانه وعظم ابن سريج موضع جرير، وقال: سل ما تريد جعلت فداك [قال: أردت] أن تغنيني لحنًا سمعته بالمدينة أزعجني إليك، قال: وما هو؟ قال: يا أخت ناجية السلام عليكم … فغناه ابن سريج، وبيده قضيب يوقع به وينكت فوالله ما سمعت شيئًا أحسن من ذلك، فقال جرير: لله دركم يا أهل مكة. ماذا أعطيتم؟ والله لو أن نازعًا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم يسمع هذا صباحًا ومساء، كان أعظم الناس حظًا ونصيبًا. وكيف، ومع هذا بيت الله الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقة ألسنتكم، وحسن شارتكم، وكثرة فوائدكم. قال إسحاق: كان ابن سريج جالسًا، فمر به عطاء، وابن جريج، فحلف عليهما بالطلاق أن ينغنيهما على أنهما إن نهياه عن الغناء بعد أن يسمعا منه تركه أبدًا، فوقفا له، وغناهما (٢): [من المديد] أُخوتي لا تبعدوا أبدًا … وبَلَى والله قد بعدوا فغشي على ابن جريج، وقام عطاء، فوقف.

стр. 3082

قال إسحاق: كان ابن سريج عند بستان ابن عامر فغنى بلحنه في هذا الشعر (١): [من مجزوء الوافر] لِمَنْ نَارٌ بأعلى الخِبـ … ـتِ دُونَ البَيْنِ مَا تَخْبُو أَرِقْتُ لذكرِ مَوقِعِها … فَحَنَّ لذكرها القَلْبُ فجعل الحُجَّاج يركب بعضهم بعضًا حتى جاء إنسان من آخر القصرات، فقال: يا هذا قد قطعت على الحجاج، وحبستهم، والوقت ضاق فاتق الله، وقم عنهم، فقام وسار الحجاج. قال إسحاق، قال ابن معمر: دخلت على ابن سريج في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت يا أبا يحيى؟، قال: أصبحتُ والله كما قال الشاعر (٢): [من الوافر] كَأنّي مِنْ تَذكَّر ما أُلاقي … إذا ما أَظْلَمَ اللَّيلُ البَهِيمُ سقيمٌ مَلَّ منه أَقاربُوهُ … وأَسْلَمَهُ المُداوي والحَمِيمُ ثم مات. قال إسحاق:، قال ابن لقمة: لما احتضر ابن سريج، نظر إلى بنته تبكي فبكى، وقال: إن من أكبر همي أنت وأخشى أن تضيعي بعدي، قالت: لا تخف، فما غنيت شيئًا إلا وأنا أغنيه، قال: هاتي، فاندفعت تغني أصواتًا، وهو مصغ إليها، فقال: أصبت ما في نفسي، وهونت عليّ أمرك، ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلي فزوجه إياها، فأخذ عنها أكثر غناء أبيها وانتحله، فهو الآن ينسب إليه. قال إسحاق: وأخبرني هشام بن المرته: أنَّ قادمًا قدم المدينة، فسار معبدًا بشيء، فقال معبد أصبحت أحسن الناس غناء، فقلنا أو لم تكن كذلك، قال: لا، ثم قال: أتدرون ما خبرني به هذا؟ قالوا: لا، قال: أعلمني أن عبيد بن سريج مات، ولم أكن أحسن الناس غناء، وهو حي. قال إسحاق، قال كثير بن كثير السهمي يرثيه (٣): [من البسيط] ما اللهو عِنْدَ عُبَيْدٍ حِينَ تُخبرُهُ … مَنْ كَانَ يَلْهُو بِهِ مِنهُ بمطلب للهِ قَبْرُ عُبيد ما تضمَّنهُ … مِنْ لذَّةِ العيش والإحسانِ والطَّرَبِ لو الغريضُ ففيهِ مِنْ شَمائِلِه … مَشَابِهُ لَمْ أَكُنْ فِيهِ بذي أرَبِ

стр. 3083

قال مصعب الزبيري: حدثني شيخ من المكيين قال: كان ابن سريج قد أصابه الريح الجنبية، فألى يمينًا أن لا يغني، ونسك، ولزم المسجد حتى عوفي، ثم خرج، وبه بقية من العلة، فأتى قبر النبي ﷺ وموضع مصلاه؛ فلما قدم المدينة، نزل على بعض إخوانه من أهل النسك والقراءة، وكان أهل الغناء يأتونه فيسلمون عليه، ولا يأذن لهم في الجلوس بالمحادثة له، فأقام بالمدينة حولًا حتى لم يحس في علّته بشيء، وأراد الشخوص، فبلغ سكينة بنت الحسين فاغتمت اغتمامًا شديدًا، وضاق صدرها، وكان أشعب يخدمها وكانت تأنس به وتضاحكه، فقالت: ويلك إن ابن سريج شاخص، وقد دخل المدينة منذ حول، ولم أسمع من غنائه لا قليلًا ولا كثيرًا، وتعذر ذلك عليّ، فكيف الحيلة في الاستماع منه، ولو صوتًا واحدًا؟، فقال لها أشعب: جعلني الله فداك، أنى لك بهذا والرجل زاهد، ولا حيلة لك فيه؟ فارفعي طمعك، والحسي بوزك حلاوة فمك، فأمرت بعض جواريها، فوطئت بطنه حتى كادت تخرج أمعاؤه، وخنقته حتى كادت تزهق روحه، ثم أمرت فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجًا عنيفًا، فخرج، واغتم غمًا شديدًا، وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك فيه. فأتى منزل ابن سريج ليلًا فطرقه. قيل له: من هذا؟، قال: أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائل من أنفه وجبهته على لحيته، وثيابه ممزقة، وبطنه وصدره وقد عصرهما الدوس والخنق، ومات الدم فيهما، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه، فقال: ما هذا ويحك؟ فقص عليه قصته، فقال ابن سريج: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١)، ماذا نزل بك، والحمد لله الذي سلّم نفسك، لا تعودن إلى هذا أبدًا، قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولا بد لي منها ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنيها، ويكون ذلك سببًا إلى أن ترضى عني؟ قال ابن سريج. لا يكون ذلك أبدًا بعد أن تركته. قال أشعب: فديتك قد قطعت أملي، ورفعت رزقي، وتركتني حيران في المدينة لا يقبلني أحد، وهي ساخطة علي، فالله الله، وأنا أنشدك الله أن تحملت هذا الأمر، وإن كان إثمًا. فقال ابن سريج والله لا يكون ذلك أبدًا. فلما رأى أشعب أن ابن سريج قد تم على الامتناع، قال في نفسه: لا حيلة لي وهذا خارج، وإن خرج، فصرخ صرخة أذن لها [أهل] المدينة ونبه الجيران من رقادهم، وأقام الناس من فرشهم؛ ثم سكت، فلم يدر الناس ما القضية عند خفوت الصوت، بعد أن قد راعهم، فقال ابن سريج: ويلك ما هذا؟. قال: والله لئن لم تصر

стр. 3084

معي إليها، لأصرخ صرخة ثانية لا يبقى بالمدينة أحد إلا صار بالباب، ثم لأفتحنه ولأرينهم ما بي، ثم أُعْلِمَنَّهُم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان - يعني غلامًا كان لابن سريج شهر به -ومنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى، ففعلت بي هذا غيظًا وتأسفًا، وأنك إنما أظهرت النسك والقراءة، لتظفر بحاجتك منه، وأهل مكة والمدينة يعلمون بحاله، فقال ابن سريج أغرب خزاك الله، فقال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو، وإلا فما أملك صدقة وامرأته طالق ثلاثًا إن أنت لم تنهض معي في هذه الليلة لأفعلن، فلما رأى ابن سريج الجدّ منه، قال لصاحبه: ويحك ما ترى ما وقعنا فيه؟، وكان صاحبه الذي نزل عليه ناسكًا، فقال: ما أدري ما أقول فيما وقع بنا من هذا الخبيث، وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل، وقال لأشعب: أخرج من منزل الرجل، فقال: رجلي مع رجلك، فخرجا فلما صارا ببعض الطريق، قال ابن سريج لأشعب: امض عنّي، قال: والله لئن لم تفعل ما قلت، لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس، ولأقول: إنك أخذت مني سوارًا من ذهب لسكينة على أن تجيئها، فتغنيها سرًا، وأنك كابرتني عليه وجحدتني، وفعلت بي هذا الفعل. فوقع ابن سريج فيما لا حيلة فيه، فقال: امض لا بارك الله فيك، فمضى معه، فلما صارا إلى باب سكينة، قرع الباب، فقيل: من هذا؟، فقال أشعب: جاء ابن سريج، ففتح الباب، ودخلا إلى حجرة من دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أذن لهما، فدخلا إلى سكينة،، فقالت: يا عبيد ما هذا الجفاء؟ فقال: قد علمت بأبي أنت وأمي ما كان مني، قالت: أجل فتحدث ساعة وقص عليها ما صنع أشعب، فضحكت وقالت: لقد أذهب ما كان مني عليه، وأمرت لأشعب بعشرة دنانير وكسوة، ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت وأمي؟، قالت: وأين تريد؟، قال: المنزل، قالت: برئت من جدي إن برحت من داري ثلاثة أيام، وبرئت من جدي إن لم تغن إن خرجت من داري شهرًا، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرًا إن لم أضربك كل يوم عشرًا، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني إن شفعت فيك أحدًا، قال عبيد: واسخنة عيناه، واذهاب توبتاه، وافضيحتاه، ثم اندفع يغني (١): [من الخفيف] أستعين الذي بكفيه نفعِي … ورجائي على التي قتلتني قالت سكينة: هل عندك من صبر؟ ثم أخذت دملجًا من ذهب كان في عضدها، وزنته أربعون مثقالًا فرمت به إليه، فقالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل،

стр. 3085

ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزة الميلاء (١)، فأقرئها السلام، وأعلمها أن عُبيدًا عندنا، فلتأتنا متفضلة بالزيارة، فأتاها أشعب، فأسرعت المجيء، فتحدثوا باقي ليلهم، ثم أمرت عبيدًا وأشعب، فباتا في حجرة مع مواليها؛ فلما أصبحت هيئ لهم غداؤهم، وأذن لابن سريج، فدخل فقعد بالقرب منها مع أشعب في مواليها، وقعدت هي مع عزّة وخواص جواريها؛ فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عزّة إن رأيت أن تغنينا، قالت: إي وعيشك. فعنت لحنها في شعر عنترة العبسي (٢): [من الكامل] حيِّيتَ مِنْ ظَلَلٍ تقادَمَ عهدُهُ … أَقْوَى وأقفرَ بَعْدَ أُم الهيثم إن كنتِ أَزْمَعْتِ الفِراقَ فَإِنَّما … زُمَّتْ ركابكُم بليل مظلم فقال ابن سريج: أحسنت والله يا عزّة، وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمت به إلى عزّة، وقالت: صيري هذا في يدك، ففعلت، ثم قالت لعبيد: هات فغناها، فقالت: أحسنت ما سمعت البارحة. فقالت: لا بد أن تغنينا في كل يوم لحنًا؟ فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع غنّى (٣): [من البسيط] قالت: مَنْ أنتَ على ذكر فقلتُ لها … أنا الذي ساقَهُ للحَيْنِ مقدار قد حان منك فلا يبعد بكِ الدَّارُ … بين وفي البَيْنِ للمتبول إضرار ثم قالت لعزّة في اليوم الثاني: أغنّي، فغنت لحنها في شعر الحارث بن خالد المخزومي (٤): [من الطويل] وقرَّتْ بها عيني وقد كنتُ قبلها … كثيرًا بكائي مشفقًا من صُدُودِها وبشرة جود مثل تمثال بَيْعَةٍ … تَظَلُّ النَّصارى حولها يوم عيدها فقال ابن السراج: والله ما سمعت مثل هذا حسنًا قط وطيبًا، ثم قالت لابن سريج: هات فغنّي بشعر عمر بن أبي ربيعة (٥): [من مجزوء الوافر] أَرِقْتُ فلمْ أَنَمْ طَرَبا … وَبِتُّ مُسمَّدًا نصبا لِطَيْفِ أَحَبٌ خَلْقِ اللهِ … إنسانًا وإنْ غَضِبا فلم أَرْدُدْ مقالتها … ولم أك عاتبًا عَتَبا فقالت سكينة: قد علمتُ ما أردت بهذا، قالت: وقد شفعناك وإنما كانت يميني على ثلاثة/ ٧٢ أيام، فاذهب في حفظ الله وكلاءته، ثم قالت لعزة: إذا شئت. وأمرت
следующие страницы →