قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة، فانصرف، فبعث إليهم بتمر وفاكهة، وأقبلنا على جرير نساءله، وألح عليه أشعب، فقال له: والله إني لأراك أقبحهم وجهًا وأظنك ألأمهم حسبًا، وقد أبرمتني منذ اليوم، فقال: إني والله أنفعهم لك، قال: ويحك وكيف ذلك؟، قال: إني أملح شعرك، وأجيد مقاطعه ومبادئه، قال: قل ويحك فاندفع، فنادى بلحن ابن سريج (١): [من الكامل]
يا أخت ناجية السَّلامُ عليكم … قبل الرحيل وقبل لوم العُذَّلِ
لو كنتُ أعلم أنَّ آخرَ عهدِكُمْ … يومُ الرَّحيلِ فعلتُ ما لَمْ أَفْعَلِ
فطرب جرير، وجعل يزحف حتى مسَّتْ ركبته ركبته، وقال: لعمري، لقد صدقت إنك لأنفعهم لي ولقد حسنته، وأجهدته، وأحسنت والله، ووصله وكساه، فلما رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت، قلنا له: كيف لو سمعت واضع هذا؟ قال: وإن له واضعًا غير هذا؟ قلنا: نعم، قال: وأين هو؟ قلنا بمكة، قال: فلست بعازم حجًا حتى أبلغه. فمضى ومضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته، وكنت فيهم، فقدمنا مكة، فأتيناه جميعًا، فإذا هو في فتية من قريش كأنهم المها مع ظرف كثير فرحبوا به، وأدنوا مجلسًا وسألوه عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر فرحبوا بجرير، وأدنوه، وسروا بمكانه وعظم ابن سريج موضع جرير، وقال: سل ما تريد جعلت فداك [قال: أردت] أن تغنيني لحنًا سمعته بالمدينة أزعجني إليك، قال: وما هو؟ قال:
يا أخت ناجية السلام عليكم …
فغناه ابن سريج، وبيده قضيب يوقع به وينكت فوالله ما سمعت شيئًا أحسن من ذلك، فقال جرير: لله دركم يا أهل مكة. ماذا أعطيتم؟ والله لو أن نازعًا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم يسمع هذا صباحًا ومساء، كان أعظم الناس حظًا ونصيبًا. وكيف، ومع هذا بيت الله الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقة ألسنتكم، وحسن شارتكم، وكثرة فوائدكم.
قال إسحاق: كان ابن سريج جالسًا، فمر به عطاء، وابن جريج، فحلف عليهما بالطلاق أن ينغنيهما على أنهما إن نهياه عن الغناء بعد أن يسمعا منه تركه أبدًا، فوقفا له، وغناهما (٢): [من المديد]
أُخوتي لا تبعدوا أبدًا … وبَلَى والله قد بعدوا
فغشي على ابن جريج، وقام عطاء، فوقف.
стр. 3082
قال إسحاق: كان ابن سريج عند بستان ابن عامر فغنى بلحنه في هذا الشعر (١):
[من مجزوء الوافر]
لِمَنْ نَارٌ بأعلى الخِبـ … ـتِ دُونَ البَيْنِ مَا تَخْبُو
أَرِقْتُ لذكرِ مَوقِعِها … فَحَنَّ لذكرها القَلْبُ
فجعل الحُجَّاج يركب بعضهم بعضًا حتى جاء إنسان من آخر القصرات، فقال: يا هذا قد قطعت على الحجاج، وحبستهم، والوقت ضاق فاتق الله، وقم عنهم، فقام وسار الحجاج.
قال إسحاق، قال ابن معمر: دخلت على ابن سريج في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت يا أبا يحيى؟، قال: أصبحتُ والله كما قال الشاعر (٢):
[من الوافر]
كَأنّي مِنْ تَذكَّر ما أُلاقي … إذا ما أَظْلَمَ اللَّيلُ البَهِيمُ
سقيمٌ مَلَّ منه أَقاربُوهُ … وأَسْلَمَهُ المُداوي والحَمِيمُ
ثم مات.
قال إسحاق:، قال ابن لقمة: لما احتضر ابن سريج، نظر إلى بنته تبكي فبكى، وقال: إن من أكبر همي أنت وأخشى أن تضيعي بعدي، قالت: لا تخف، فما غنيت شيئًا إلا وأنا أغنيه، قال: هاتي، فاندفعت تغني أصواتًا، وهو مصغ إليها، فقال: أصبت ما في نفسي، وهونت عليّ أمرك، ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلي فزوجه إياها، فأخذ عنها أكثر غناء أبيها وانتحله، فهو الآن ينسب إليه.
قال إسحاق: وأخبرني هشام بن المرته: أنَّ قادمًا قدم المدينة، فسار معبدًا بشيء، فقال معبد أصبحت أحسن الناس غناء، فقلنا أو لم تكن كذلك، قال: لا، ثم قال: أتدرون ما خبرني به هذا؟ قالوا: لا، قال: أعلمني أن عبيد بن سريج مات، ولم أكن أحسن الناس غناء، وهو حي.
قال إسحاق، قال كثير بن كثير السهمي يرثيه (٣): [من البسيط]
ما اللهو عِنْدَ عُبَيْدٍ حِينَ تُخبرُهُ … مَنْ كَانَ يَلْهُو بِهِ مِنهُ بمطلب
للهِ قَبْرُ عُبيد ما تضمَّنهُ … مِنْ لذَّةِ العيش والإحسانِ والطَّرَبِ
لو الغريضُ ففيهِ مِنْ شَمائِلِه … مَشَابِهُ لَمْ أَكُنْ فِيهِ بذي أرَبِ
стр. 3083
قال مصعب الزبيري: حدثني شيخ من المكيين قال: كان ابن سريج قد أصابه الريح الجنبية، فألى يمينًا أن لا يغني، ونسك، ولزم المسجد حتى عوفي، ثم خرج، وبه بقية من العلة، فأتى قبر النبي ﷺ وموضع مصلاه؛ فلما قدم المدينة، نزل على بعض إخوانه من أهل النسك والقراءة، وكان أهل الغناء يأتونه فيسلمون عليه، ولا يأذن لهم في الجلوس بالمحادثة له، فأقام بالمدينة حولًا حتى لم يحس في علّته بشيء، وأراد الشخوص، فبلغ سكينة بنت الحسين فاغتمت اغتمامًا شديدًا، وضاق صدرها، وكان أشعب يخدمها وكانت تأنس به وتضاحكه، فقالت: ويلك إن ابن سريج شاخص، وقد دخل المدينة منذ حول، ولم أسمع من غنائه لا قليلًا ولا كثيرًا، وتعذر ذلك عليّ، فكيف الحيلة في الاستماع منه، ولو صوتًا واحدًا؟، فقال لها أشعب: جعلني الله فداك، أنى لك بهذا والرجل زاهد، ولا حيلة لك فيه؟ فارفعي طمعك، والحسي بوزك حلاوة فمك، فأمرت بعض جواريها، فوطئت بطنه حتى كادت تخرج أمعاؤه، وخنقته حتى كادت تزهق روحه، ثم أمرت فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجًا عنيفًا، فخرج، واغتم غمًا شديدًا، وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك فيه. فأتى منزل ابن سريج ليلًا فطرقه. قيل له: من هذا؟، قال: أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائل من أنفه وجبهته على لحيته، وثيابه ممزقة، وبطنه وصدره وقد عصرهما الدوس والخنق، ومات الدم فيهما، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه، فقال: ما هذا ويحك؟ فقص عليه قصته، فقال ابن سريج: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١)، ماذا نزل بك، والحمد لله الذي سلّم نفسك، لا تعودن إلى هذا أبدًا، قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولا بد لي منها ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنيها، ويكون ذلك سببًا إلى أن ترضى عني؟ قال ابن سريج. لا يكون ذلك أبدًا بعد أن تركته. قال أشعب: فديتك قد قطعت أملي، ورفعت رزقي، وتركتني حيران في المدينة لا يقبلني أحد، وهي ساخطة علي، فالله الله، وأنا أنشدك الله أن تحملت هذا الأمر، وإن كان إثمًا. فقال ابن سريج والله لا يكون ذلك أبدًا. فلما رأى أشعب أن ابن سريج قد تم على الامتناع، قال في نفسه: لا حيلة لي وهذا خارج، وإن خرج، فصرخ صرخة أذن لها [أهل] المدينة ونبه الجيران من رقادهم، وأقام الناس من فرشهم؛ ثم سكت، فلم يدر الناس ما القضية عند خفوت الصوت، بعد أن قد راعهم، فقال ابن سريج: ويلك ما هذا؟. قال: والله لئن لم تصر
стр. 3084
معي إليها، لأصرخ صرخة ثانية لا يبقى بالمدينة أحد إلا صار بالباب، ثم لأفتحنه ولأرينهم ما بي، ثم أُعْلِمَنَّهُم أنك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان - يعني غلامًا كان لابن سريج شهر به -ومنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى، ففعلت بي هذا غيظًا وتأسفًا، وأنك إنما أظهرت النسك والقراءة، لتظفر بحاجتك منه، وأهل مكة والمدينة يعلمون بحاله، فقال ابن سريج أغرب خزاك الله، فقال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو، وإلا فما أملك صدقة وامرأته طالق ثلاثًا إن أنت لم تنهض معي في هذه الليلة لأفعلن، فلما رأى ابن سريج الجدّ منه، قال لصاحبه: ويحك ما ترى ما وقعنا فيه؟، وكان صاحبه الذي نزل عليه ناسكًا، فقال: ما أدري ما أقول فيما وقع بنا من هذا الخبيث، وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل، وقال لأشعب: أخرج من منزل الرجل، فقال: رجلي مع رجلك، فخرجا فلما صارا ببعض الطريق، قال ابن سريج لأشعب: امض عنّي، قال: والله لئن لم تفعل ما قلت، لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس، ولأقول: إنك أخذت مني سوارًا من ذهب لسكينة على أن تجيئها، فتغنيها سرًا، وأنك كابرتني عليه وجحدتني، وفعلت بي هذا الفعل. فوقع ابن سريج فيما لا حيلة فيه، فقال: امض لا بارك الله فيك، فمضى معه، فلما صارا إلى باب سكينة، قرع الباب، فقيل: من هذا؟، فقال أشعب: جاء ابن سريج، ففتح الباب، ودخلا إلى حجرة من دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أذن لهما، فدخلا إلى سكينة،، فقالت: يا عبيد ما هذا الجفاء؟ فقال: قد علمت بأبي أنت وأمي ما كان مني، قالت: أجل فتحدث ساعة وقص عليها ما صنع أشعب، فضحكت وقالت: لقد أذهب ما كان مني عليه، وأمرت لأشعب بعشرة دنانير وكسوة، ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت وأمي؟، قالت: وأين تريد؟، قال: المنزل، قالت: برئت من جدي إن برحت من داري ثلاثة أيام، وبرئت من جدي إن لم تغن إن خرجت من داري شهرًا، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرًا إن لم أضربك كل يوم عشرًا، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني إن شفعت فيك أحدًا، قال عبيد: واسخنة عيناه، واذهاب توبتاه، وافضيحتاه، ثم اندفع يغني (١): [من الخفيف]
أستعين الذي بكفيه نفعِي … ورجائي على التي قتلتني
قالت سكينة: هل عندك من صبر؟ ثم أخذت دملجًا من ذهب كان في عضدها، وزنته أربعون مثقالًا فرمت به إليه، فقالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل،
стр. 3085
ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزة الميلاء (١)، فأقرئها السلام، وأعلمها أن عُبيدًا عندنا، فلتأتنا متفضلة بالزيارة، فأتاها أشعب، فأسرعت المجيء، فتحدثوا باقي ليلهم، ثم أمرت عبيدًا وأشعب، فباتا في حجرة مع مواليها؛ فلما أصبحت هيئ لهم غداؤهم، وأذن لابن سريج، فدخل فقعد بالقرب منها مع أشعب في مواليها، وقعدت هي مع عزّة وخواص جواريها؛ فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عزّة إن رأيت أن تغنينا، قالت: إي وعيشك. فعنت لحنها في شعر عنترة العبسي (٢): [من الكامل]
حيِّيتَ مِنْ ظَلَلٍ تقادَمَ عهدُهُ … أَقْوَى وأقفرَ بَعْدَ أُم الهيثم
إن كنتِ أَزْمَعْتِ الفِراقَ فَإِنَّما … زُمَّتْ ركابكُم بليل مظلم
فقال ابن سريج: أحسنت والله يا عزّة، وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمت به إلى عزّة، وقالت: صيري هذا في يدك، ففعلت، ثم قالت لعبيد: هات فغناها، فقالت: أحسنت ما سمعت البارحة. فقالت: لا بد أن تغنينا في كل يوم لحنًا؟ فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع غنّى (٣): [من البسيط]
قالت: مَنْ أنتَ على ذكر فقلتُ لها … أنا الذي ساقَهُ للحَيْنِ مقدار
قد حان منك فلا يبعد بكِ الدَّارُ … بين وفي البَيْنِ للمتبول إضرار
ثم قالت لعزّة في اليوم الثاني: أغنّي، فغنت لحنها في شعر الحارث بن خالد المخزومي (٤): [من الطويل]
وقرَّتْ بها عيني وقد كنتُ قبلها … كثيرًا بكائي مشفقًا من صُدُودِها
وبشرة جود مثل تمثال بَيْعَةٍ … تَظَلُّ النَّصارى حولها يوم عيدها
فقال ابن السراج: والله ما سمعت مثل هذا حسنًا قط وطيبًا، ثم قالت لابن سريج: هات فغنّي بشعر عمر بن أبي ربيعة (٥): [من مجزوء الوافر]
أَرِقْتُ فلمْ أَنَمْ طَرَبا … وَبِتُّ مُسمَّدًا نصبا
لِطَيْفِ أَحَبٌ خَلْقِ اللهِ … إنسانًا وإنْ غَضِبا
فلم أَرْدُدْ مقالتها … ولم أك عاتبًا عَتَبا
فقالت سكينة: قد علمتُ ما أردت بهذا، قالت: وقد شفعناك وإنما كانت يميني على ثلاثة/ ٧٢ أيام، فاذهب في حفظ الله وكلاءته، ثم قالت لعزة: إذا شئت. وأمرت
стр. 3086
لها بحلّةٍ حسنةٍ، ولابن سريج بمثلها، وانصرفت عزّة، وأقام ابن سريج حتى انقضت ليلته وانصرف ذاهبًا إلى مكة.
قال أبو يوسف بن إبراهيم: حضرت أبا إسحاق إبراهيم بن المهدي وعنده إسحاق الموصلي، فقال إسحاق: غنّى ابن سريج ثمانية وستين صوتًا، فقال له ابن المهدي: ما تجاوز قط ثلاثة وستين صوتًا، ثم جعلا يتناشدان الصحيح حتى بلغا ثلاثة وستين صوتًا، وهما متفقان في ذلك، ثم أنشد إسحاق بعد ذلك خمسة أصوات، فقال له ابن المهدي: صدقت هذا من غنائه، ولكن لحن هذا الصوت نقله من لحنه في الشعر الفلاني، ولحنه الثاني من لحنه الفلاني حتى عدّ له الخمسة أصوات، فقال له إسحاق: صدقت، ثم قال له إبراهيم: ابن سريج كان رجلًا عاقلًا أديبًا، وكان يعاشر الناس بما يشتهونه، فلا يغنيهم صوتًا يمدح به أعداءهم، ولا صوتًا عليهم فيه عار، أو غضاضة، ولكنه يغنيك بتلك الألحان إلى أشعار في أوزانها والصوتان واحد لا ينبغي أن يعتد بها في صوتين عند التحصيل، ثم اتفقا أن قدما من غنائه ثمانية أصوات؛ فالأول (١): [من الرمل]
فإذا ما عَثَرَتْ في مِرْطِها … نهضت باسمي وقالت يا عُمَرْ
والثاني (٢): [من مجزوء الخفيف]
حَيّا أُمَّ يَعْمَرٍ … قَبْلَ شَحْطٍ مِنَ النَّوى
والثالث (٣): [من الكامل]
فتركتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ … ما بينَ قُنَّةِ رأسِهِ والمِعْصَمِ
والرابع (٤): [من الطويل]
فلم أرَ كالتّجميرِ منظر ناظر … ولا كليالي الحج يفتن ذا هوى
والخامس (٥): [من الرجز]
عُوجِي علينا ربة الهودج … إِنَّكِ إِنْ لم تفعلي تخرجي
والسادس (٦): [من الهزج]
ألا هل هاجكَ الأظعا … نُ إِنْ جاوزنَ مُطَلحا
والسابع (٧): [من السريع]
стр. 3087
تَنَكَّرَ الإِثْمِدُ لا تَسمَعُهُ … مِنْ غيرِ أَنْ تَسمَعَ عَنهُ الخَبَرْ
والثامن (١): [من الطويل]
ومِنْ حُبِّ ذاتِ الخالِ أَعلمتُ نَاقَتي … أُكلِّفُها سَيرَ الكَلالِ معَ الظَّلْعِ
[٢٣] أبو كامل (٢)
من أجل من ذكره أبو الفرج وحدث عن بحره، ولا حرج طلع بدره في الدولة الأموية شرقا، ولمع بارق سحبه الروية مبرقا، وخرج بالحناء وأدلج والحظ يسوق إبله بغير الحداء، ودخر من فواضل تلك الأيام ما كان يجد فيه ريحًا، ويجيد به مديحًا، وتأسف إذ لا يجد من مُمِيح ولا يلقى من نازح ولا سنيح، ولا يرى من يشتري الحمد بالثمن البخس، ولا الربيح.
قيل: إنه غنى الوليد ذات يوم (٣): [من الخفيف]
جَنَّباني أَذاةَ كُلِّ لَئِيمٍ … إنَّهُ ما عَلِمْتُ شَرُّ نَدِيمِ
فطرب الوليد حتى خلع عليه ثيابه كلها حتى قلنسية وشي كانت عليه. وكان أبو كامل يصونها ولا يلبسها إلا من عيد إلى عيد ثم يمسحها بكمه ويرفعها ويبكي ويقول: إنما أرفعها لأني أجد فيها ريح سيدي الوليد.
وللوليد بن يزيد أشعار كثيرة فمنها ما يُغنى به (٤): [من مجزوء المتقارب]
سَقَيتُ أبا كامِلٌ … مِنَ الأَصفرِ البابِلِي
وسَقَيتُها مَعبدا … ً وَكُلُّ فَتَّى بابِلِي
لي المُحضُ مِنْ وُدِّهِمْ … وَيَغمرهُم نائلي
وَما لامني فيكُمُ … سِوَى حاسد جاهلي
قال: وكان المعتضد إذا غنّي هذا الصوت، يقول للجلساء: أما ترون شمائل الملوك في الشعر ما أبينها، يعني بقوله:
стр. 3088
لِيَ المُحَضُّ مِنْ وُدِّهِمْ … وَيَغْمرهُمْ نَائِلِي
[٢٤] إسماعيل بن الهربذ (١)
ملتقط فوائد، ومحصل فرائد، تتعب ألف رائد، يبرر إلى محاسن المقال، وينظر إليه لا إلى من قال: يأخذ الغناء لا من الأمة الوكعاء، وينوي الغناء عن الأمة الخلعاء، وكان من أفراد أهل الطرب، ووراد ما منع منه من موارد الطلب.
وذكر ابن عساكر من أخباره ما ليس هذا مُوْضِعُه، ولا الذي يجب مُرْقِلُه، ولا مُوْضِعُه.
قيل: إنه قدم مكة على الرشيد وعنده [ابن] جامع، وإبراهيم، وابنه إسحاق، وفليح، وغيرهم. والرشيد يومئذ خائر به خمار شديد، فغنى ابن جامع، ثم فليح وإبراهيم، فما حركه أحد منهم، ولا أطربه فاندفع الهربذ يغنّي، فعجبوا من إقدامه في تلك الحال على الرشيد، فغن (٢): [من الكامل]
يَا رَاكِبَ العِيْسِ التي … وَخَدتْ إلى البيت الحرام
قُلْ للإمَامِ أَخِي الإمَا … مِ ابْن ابْنِ الإمَامِ أبِي الإمَامِ
زَيْنَ البَرِيَّةِ إِذْ بَدَا … فِيكُمْ كمِصباحِ الظَّلامِ
جَعَلَ الإلهُ الهربذي … فداكَ مِنْ بين الأنامِ
قال: فكاد الرشيد يرقص، واستخفّه الطرب حتى ضرب بيده ورجليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، فقال له: يا أمير المؤمنين لهذا الصوت خبر، فإن أذن لي أمير المؤمنين، حدثته. قال: حدث. قال: كنت مملوكًا لرجل من آل الزبير، فدفع إلي درهمين أبتاع له بهما لحمًا، فخرجت، فلقيت جارية على رأسها جرة مملوءة من ماء العقيق، وهي تغني بهذا اللحن في شعر غير هذا الشعر في وزنه ورويه، فسألتها أن تلعمنيه، فقالت: لا وحق القبر إلا بدرهمين، فدفعت إليها الدرهمين، فعلمتنيه، فرجعت إلى مولاي بغير لحم، فضربني ضربًا مبرحًا شغلت بنفسي معه، فأنْسيت الصوت، ثم دفع إلي در همين آخرين؛ لابتاع لهما لحمًا، فلقيت الجارية، فسألتها أن
стр. 3089
تُعيدُ الصوت، فقالت: لا والله إلا بدرهمين. فدفعتهما إليها، فأعادته مرارًا عليّ. أخذته؛ فلما رجعت إلى مولاي أيضًا ولا لحم معي، قال: ما القضية في هذين الدرهمين؟، فصدقته عن القصة، وأعدت عليه الصوت، فقبل بين عيني، وأعتقني، فرحلت إليك بهذا الصوت، وقد جعلت لك اللحن في هذا الشعر، فضحك، ثم قال. دع الأول وتناسه، وأقم على هذا الشعر بهذا اللحن، وأما مولاك، فإني أدفع إليه بكل درهم ألف دينار، ثم أمر بذلك، فحمل إليه من وقته.
ومما غنّى به إسماعيل الهربذي، الوليد بن يزيد بن عبد الملك (١): [من الهزج]
سُلَيْمى تِلْكَ في العَيْرِ … قِفِي أُخْبرُكِ أَوْ سِيري
إِذا مَا أَنْتَ لمْ تَرْتِي … لِصَبِّ القَلْبِ مَغْمُورِ
فلَمَّا أَذَّنَ الصُّبحُ … بِأَصْواتِ العِصَافِيرِ
خَرَجْنا نَتْبَعُ الشَّمْـ … ـسَ عُيونًا كَالقَواريرِ
وفينا شاذِنٌ أَحْوَ … رُ مِنْ حُورِ اليَعَافِيرِ
[٢٥] أبو دلف (٢)
القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير العجلي أحد قواد المأمون، ثم
стр. 3090
المعتصم من بعده، ضرب الهام بسيوفه حتى زواها، والجيوش بصفوفه حتى سواها، وعاطى الأعداء كؤوس الدماء، وعامر الأمور البعيدة للأدناء، فاستقل ملكًا مهابًا، وفلكًا كما أطلع شهابًا، وسح سحابه وهطل، وصح أن اسم من يقدمه بطل، فأصبحت به تضرب المثل، وتركب السبل، فدعته ألسنة الآمال، وبايعته نفائس الآجال، وملئت ساحته بالركائب وملأت سماحته بالرغائب، وكان يطعن الطعنة النجلاء، ويرشق السهم بنظر النظرة الكحلاء، ويقتاد الحصان يزل اللبد عن صهواته، ويتشكى ساقط الرمح بعد مهواته. سكن الجبال، وسكب على الكفار الوبال، وسلت وكلت عنه النبال، ورعت الخلفاء منه نصيحًا، ودعت منه فصيحا، واستنبطت لأدوائها منه
стр. 3091
مسيحًا، وأعدت لأعدائها منه مشيحًا، وكان بسقام الخلافة طبًا خبيرًا، وبالانتقام لها مبيدًا مبيرًا، وهو مع هذه الصرامة التي تتآكل منها النار، والشهامة، التي يتفتح بها شجر القناء بالجلنار أرقّ من النسيم شمائل، وأرق من الغيد بوصف البانة المتمايل، يوفي في كل مقام حقه، وكل مقال صدقه، ويضحي به البؤس، ويضحك الزمان العبوس، حضر مع مواليه للمنادمة، وقد بذل لهم لبلوغ المنى دمه، وكان يُغنّى له بالأصوات، ويعنى في كل شعر له موات، وكان قوي القريحة مما لا يدرك مهله، ولا يظن البحار إلا نهله.
قال أبو الفرج: وكان أحمد بن أبي دؤاد ينكر أمر الغناء إنكارًا شديدًا فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني، فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك فستر المعتصم أحمد بن أبي دؤاد عليه من موضعه، والكراهة ظاهرة في وجهه؛ فلما رآه قال أحمد: سوءةً لهذا من فعل أبعد الستين، وهذا المحلّ تضع نفسك بما أرى؟ فخجل أبو دلف وسور وقال: إنهم أكرهوني على الغناء قال: أفأكرهوك على الإحسان فيه.
قال أحمد بن عبيد الله كنا عند المبرد يومًا، وعنده فتى من ولد أبي البختري؛ وهو ابن أبي وهب بن عمار القاضي له جمال ظاهر، وفتى من ولد أبي دلف العجلي شبيه في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البختري أعرف لجدك قصة من الكرم حسنة لم يسبق إليها، قال: وما هي؟ قال: دعا رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقي نبيذًا غير الذي يشربون، فقال فيهم (١): [من المتقارب]
نبيذان في مجلس واحد … لإيثارِ مُثْرٍ على مُقْتِرِ
فلو كان فعلك ذا في الطعام … لزمت قياسك في المسكر
ولو كنت تطلب شأو الكرام … فعلت كفعل أبي البختري
تتبع أخوانه في البلاد … فأغنى المقل عن المكثر
فبلغت الأبيات أبا البختري، فبعث إليه ثلاثمائة دينار. قال ابن عمار؛ فقلت له: قد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى أحسن من هذا، قال: وما فعل؟، قال: بلغه أن رجلًا افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال (٢): [من البسيط]
إليكِ عنِّي فقد كلَّفتني شَطَطًَا … حمل السلاح وقول الدارعين قَفِ
تمشي المنايا إلى قوم فأكرهها … فَكَيْفَ أَمشي إليها عاري الكتف
حسبتُ أَنَّ نَفَادَ المال غيَّرني … وأَنَّ روحِيَ في جنبي أَبي دُلَفِ
стр. 3092
فبلغت الأبيات أبي دلف، فأحضره، وقال: كم أملت أن تعيش عشرين سنة؟
قال: فأمر بإعطائه ألف دينار، قال: فأريت وجه ابن أبي دلف يتهلل وانكسر ابن أبي البختري انكسارًا شديدًا في شعر أبي دلف. وله فيه صنعة قوله (١): [من الوافر]
بنفسي يا جنان وأنتِ منّي … مكانَ الرُّوحِ في جسد الجبانِ
ولو أني أقول مكان نفسي … خشيتُ عليكِ بادرة الزمان
لإقدامي إذا ما الخيل حامتْ … وهاب كماتها جَرّ الطَّعانِ
حدث المبرد، قال: دخل علي بن جبلة الشاعر على أبي دلف فأنشده قصيدته التي يقول فيها (٢): [من المديد]
إنما الدنيا أبو دُلَفٍ … بينَ باديهِ ومُحْتَضَره
فإذا ولى أبو دلف … ولت الدنيا على أَثَرَة
يا أولاء الأرض إن فسدت … ومجبر العُسْرِ مِنْ يُسْرِه
لست أدري ما أقولُ لهُ … غيرَ أَنَّ الأرضَ في خَفَرِه
كلُّ مَنْ في الأرضِ مِنْ عَرَبٍ … بين باديهم إلى حَضَرِه
مُستعيرٌ منكَ مَكْرُمَةً … يكتسيها يومَ مُفْتَخَرِهْ
فاستحسنها القوم، وقالوا: أيها الأمير ما هذه من قبله، وما هي إلا من بحر كانت رقيق الطبع، فقال له أبو دلف: ألا تسمع ما يقولون؟ قال: بلى أصلح الله الأمير قال: والذي يصدقك، قال: أن أعطي صدورًا فأردفها بأعجاز فضحك أبو دلف، وقال: أنصفت وبالغت، ثم تناول أبو دلف القلم والبياض وكتب (٣): [من الرجز]
ريعت لمنشور على مَفْرِقِهِ … ذَمَّ لها عهد الصبا حين انتسب
إهرام شيب جدد في رأسه … مكروهة الجدة أنضاء العَقِبْ
ثم ناوله ذلك، وقال: ابن لي عليه أبياتًا، وقد أجلتك فيه حولًا، فقال: أيها الأمير تأمر فيفرغ لي بيت حتى يكون أجلى للشك، فأمر أبو دلف أن يُخلى له بيت، ثم ركب أبو دلف إلى المأمون، وخرج معه متصيدًا فرجع آخر النهار؛ فلما نزل لم ينزع سواده. قال: ليت شعري ما خبر علي بن جبلة الشاعر، قال: أيها الأمير إنه زعم إنه فرغ من عمل القصيدة، فقال: ويحكم أخرجوه إلي فأخرج، فقال أبو دلف: هيه يا علي ما عملت؟ قال: قد فرغت، قال: هات ويحك بيض وجهي عند من زعم أنك
стр. 3093
لست بشاعر، فأنشأ يقول (١): [من الرجز]
أشْرَقنَ في أسودَ أَزْرَيْنَ بِهِ … كَانَ دُجاه لهوَى البِيْضِ سَبَبُ
فاعْتَقْنَ أَيامَ الغواني والصبا … عَنْ مَيّتٍ مَطْلَبُهُ حي الأدب
لم يرتدع مرعويًا حينَ ارْعَوَى … لكن يد لم تَتَّسِعُ لمطلب
لم أر كالشَّيْبِ وَقارًا يحتوى … أو كالشباب الغض كلًا يستكب
كان الشبابُ لَمَّةً أَزْهَى بها … وصاحبًا غَمْرًا عزيز المُصْطَحَبْ
إذ أنا أَجْرِي دَدَنا في غيّهِ … لا أَعْتِبُ الدَّهْرَ إِنْ الدهرُ عَتَبْ
أبعد شأو اللهو عن أخذنا … وأقصِدُ الجُود وراء المحتجب
وأَذْعَرُ الرَّبربَ عَنْ إبطاله … با عوجي دلفي المُنتسب
مطردًا يرتج في أقطاره … كالماء جالت فيه ريح فاضطرب
تحسبُهُ أقعد في استقبالِه … حتَّى إذا استدبرته قلت أكب
فهو على أرضافه وضمره … يقصر عنه المَحْزَمانِ واللَّبَبْ
يقول فيه جنب إذا استوى … وهو كمين القدح ما فيهِ خَبَبْ
إذا تمنينا به صدَّقَهُ … وإنْ تمنّى فَوْقَهُ الغيرُ كَذَبْ
لم يبلغ الجُهْدَ بهِ راكبه … ويبلغ الرمح به حيث طلب
ثُمَّ اقتضى ذاك كأن لم نغنه … وكلُّ بُقيًا فإلى يوم العطب
فحمل الدهر ابن عيسى قاسمًا … ينهض به أبلج فراج الكُرَبْ
كرونق السيف انبلاجًا بالنَّدَى … أو كغراريه على أَهْلِ الرِّيب
الأوسنَتْ عَيْنُ َرأَتْ رؤيَتَهُ … فأيقظته نوبةٌ مِنَ النوب
لولا ندى القاسم كُنَّا هَمَلًا … لمْ يُعتَقَدْ مَجْدٌ وَلَمْ يُرْعَ حَسَبْ
ولم يقم بيوم بؤس وندى … ولا تلقى حَسَبٌ إِلى حَسَبْ
تكاد تبدي الأرض ما يُضْمِرُهُ … إِذا تَنَادى خيلهُ هَلًا وَهَبْ
وتستقل أملًا وخيفَةً … إذا استقلَّ وَجْهُهُ وإِن قَطَبْ
وهو وإن كان ابن فرعي وابل … فبمساعيهِ تَرَقَّى في الحَسَبْ
ا واحد الدنيا ويا باب النَّدى … ويا مُجيبَ الرَّغْبِ في يوم رَهَبْ
لولاك ما كان سدّى ولا ندى … ولا قريش عُرِفَتْ ولا عَرَبْ
خُذْها امتحانًا مِنْ مَلِيٍّ بالثَّنَا … لكنَّهُ غيرُ مَلِيٌّ بالنَّسَبْ
стр. 3094
وقُرَّ بالأرض أو استُنفِرْ بها … أنت عليها الرَأْسُ والنَّاسُ ذَنَبْ
فتهلل وجه أبي دلف سرورًا به، وقال له: أحسنت أنت، ومثلك فليمدح الملوك، ثم أمر له بمائة ألف درهم، وخلعة سنية، وفرس من مراكبه الخاصة، واعتذر إليه من التقصير.
وقدم أبو الشِّمَقْمَق (١) على أبي دلف؛ فلما دخل عليه سلم فرد عليه¬ السلام، ثم قال: ليس يمنعني منك أبا الشمقمق ملوك هذه الدنيا، قال: وما ألزمتهم؟، قال: تزعم أن كفك عن الهجاء يقوم مقام المدح، وليس والله تأخذ مني صلة، أو تمدحني. قال: قد مدحتك أيها الأمير، قال: هات.
فأنشأ يقول (٢): [من السريع]
مِنْ مَلَكِ الموت إلى قاسم … رسالة في بطن قرطاس
فقال أبو دلف: ويلك ما في بطن القرطاس.
قال (٣):
يا فارس الهيجاء يوم الوغى … مُرْني بِمَنْ شئتَ مِنَ الناسِ
فقال أبو دلف: أحسنت والله، فأسألك الآن بالله هل هجوتني؟ فقال: أيها الأمير سألتني بعظيم، نعم قد هجوتك. قال: فأنشدني. قال: على أن تؤمني، قال: أنت في أمان الله تعالى.
فأنشده يقول: [من مجزوء الخفيف]
قد بلوناك بالحرو … بِ فلم تأتِ طائلا
стр. 3095
وسألناك نائلًا … فوجدناك سائلا
فقال أبو دلف: هجوتني قبل أن أستوجب الهجاء، فقال: أصلح الله الأمير، صيرته عدّة، وهو ثوب نسجته، ووضعته في تخت، فإن احتجتم إليه نشرته، وإلا كان مطويًا. فضحك أبو دلف، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: دعه يكون مطويًا.
وقال القاسم بن عيسى المعروف بأبي دلف: [من الطويل]
وقالوا بلاد الشام أرض تقدَّسَتْ … فما بالنا في أرضنا لا نُقَدَّسُ
فلا شوقنا فان ولا الهمُّ مُنقضٍ … ولا هَدْأَةٌ تَغْشَى العيونَ فَتَنْعَسُ
وقال أيضًا (١): [من الخفيف]
عاقني عَنْ وَدَاعِكَ الأَشغالُ … وأمورٌ جَرَتْ عَلَيَّ ثِقَالُ
في بلاد يذل فيها عزيزُ النَّفْسِ … حتَّى تُهينه الأنذال
حيث لا مدفع بسيفٍ مِنَ الضَّيْ … ـم وَلَا للجِيادِ فيها مَجَالُ
ومما ذكره أبو الفرج: أنّ الأفشين كان عرض لأبي دلف، واعتل له باطنه ذوي بدانة، ومليء بالعمل على إرادته، ولم يزل يغري به المعتصم، ويرمي جانبه السليم منه بما يصم حتى أسر إليه قتل أبي دلف، وأمر فيه بأمر يقضي به إلى التلف، فأخذه إليه وعفى على آثاره، وعمى بصراء أخباره، فأتى الخبر ابن أبي دؤاد، وقد خيم الليل وطنب، وأسكت من أنب، ولم يبق إلا وقد أوثق بالرتاج، ولا أحد إلا وجفنه قد طعم النوم أو احتاج، فخاف إن أخر إلى بكرة عده أن تفوت فيه الحيلة، وأن يودعه سر تلك الليلة الثقيلة، فدعا بجماعة من عدول الشهود، ونهض بهم إلى باب الأفشين حتى طرقه، واستفتح علقه، ثم دخل عليه هجمًا، وانقض شيطانه في تلك الليلة رجمًا، وقال له: هؤلاء الشهود شهود أمير المؤمنين، وأنا قاضيه ورسوله إليك في أمر هو من وراء تقاضيه، وهو يأمرك بالإمهال في أمر أبي دلف، وأنك لا تعجل عليه، ولا تمد يدك ببطش إليه، وها هو لديك حي يرزق، سالم الأعضاء قادرًا على المضاء، وها أنا قد أبلغتك رسالة أمير المؤمنين، وهؤلاء يشهدون، وفي بكرة غد لشهادتهم عند أمير المؤمنين يؤدون. وكان قد أحضر أبا دلف ليقتله في تلك الساعة، والسيف مصلت قد أظمأه له وأجاعه، ثم كر ابن أبي دؤاد راجعًا، وترك الأفشين فاجعًا، وكان ابن أبي دؤاد قد فعل هذه الأعجوبة، وأتى لإبقاء نفس تلك المسلم بهذه الأكذوبة، والمعتصم لم يخاطبه فيه ببنت شفة ولا أراه من جنى نخلته له ثمرة ولا حشفة، فلم يكن
стр. 3096
له هم إلا أن انتظر آخر الليل حتى طار غرابه، وجرّد عن سيف النهار قرابه، وشرع الفجر ينفجر، والأفق بملاءة الصباح يعتجر، وبكر إلى دار الخلافة، والمعتصم قد انفتل عن المحراب، ولمح ابن أبي دؤاد، فما استراب، فتقدم إليه، وقص عليه القصة، والمعتصم يسمع، وحدّثه بما كادت له مقلته تدمع، وقال له: يا أمير المؤمنين إني لم أخنك في عمري سوها، ولا أتيت بمثلها ونفس وما سواها، ولو لم تكن إنقاذ ولي من أوليائك، وسخر بقاؤه من حلوق أعدائك، لما فعلتها ولا اجترأت على أمير المؤمنين وقلتها، فضحك أمير المؤمنين ضحك معجب بجميل صنعه، معجل إلى عدم منعه، وقال له: قد أجزت ما قلت أيها القاضي وما فعلت، ثم بعث رسله إلى الأفشين يأمره بإحضار أبي دلف، فما نشب أن أحضره وسنا إطلاقه، ثم لم يبرح ابن أبي دؤاد حتى أعاده إلى منزله وعاد الأفشين، وأماته بعلته.
قال ابن خلكان (١): كان أبو دلف كريمًا، سريًا جوادًا، ممدحًا، شجاعًا، مقدامًا، ذا وقائع مشهورة، وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء الفضلاء، وله صنعة في الغناء، وصنف عدة كتب في البزاة والصيد، والسلاح، وسياسة الملوك، وغير ذلك، ومدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وفيه يقول بكر بن النطاح (٢): [من الكامل]
يا طالبًا للكيمياء وعِلمِه … مَدْحُ ابن عيسى الكيمياء الأعظم
لو لم يكن في الأرض إلا درهم … ومدحته لأتاك ذاك الدرهم (٣)
ويحكى أنه أعطاه على هذين البيتين سبعين ألف درهم، فأغفله قليلًا، ثم دخل عليه وقد [ابتاع بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلة]، فأنشده (٤): [من الطويل]
بك ابتعت في نهر الأُبَلَّةِ قريةً … عليها قصيرٌ بالرُّحَامِ مَشِيدُ
إلى جنبها أُخت لها يعرضونها … وعندك مال للهبات عتيد
فقال له: وكم ثمن هذه الأخت؟، فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له، ثم قال: تعلم أنَّ نهر الأبلة عظيم، وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى،
стр. 3097
وإن فتحت هذا الباب، اتسع الخرق، فاقنع بهذه، ونصلح عليها، فدعا له، وانصرف.
وقد ألم أبو بكر محمد بن هاشم (١) أحد الخالديين معنى قول أبي بكر النطاح المذكور في البيتين الأولين، فقال (٢): [من الكامل]
وتيقَّنِ الشُّعراءُ أنَّ رجاءَهُمْ … في مأمن بكَ مِنْ وقوع الياس
ما صح علم الكيمياء لغيرِهِمْ … فيمنْ عَرَفْنا من جميع الناس
تعطيهم الأموال في بِدَرٍ إذا … حَمَلُوا الكلام إليك في قرطاس
وكان أبو دلف قد لحق أكرادًا قطعوا الطريق في عمله، فطعن فارسًا، فأنفذت الطعنة إلى فارس آخر وراءه رديفه، فنفذ فيه السنان، فقتلهما، فقال في ذلك ابن النطاح (٣): [من الكامل]
قالوا وينظم فارسين بطعنة … يومَ الهياج ولا نراه كليلا
لا تعجبوا فلو أنَّ طول قناتِهِ … ميلًا إذا نظم الفوارس ميلا
وكان أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن صلح مولى بني هاشم أسود مشوّه الخلق قصيرًا، فقالت له امرأته: يا هذا إنَّ الأدب أراه قد سقط نجمه، وطاش سهمه، فاعمد إلى سيفك، ورمحك، وقوسك، وادخل مع الناس في غزواتهم، عسى الله أن ينفعك من الغنيمة بشيء. فأنشد يقول (٤): [من البسيط]
مالي ومالك قد كلفتني شَطَطًا … حَمْلَ السّلاح وقول الدارعين قف
أَمِنْ رجال المنايا خلتني رجلًا … أُمسي وأصبح مشتاقًا إلى التَّلَفِ
تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها … فكيف أمشي إليها بارزَ الكَتِفِ
ظننت أنَّ نزالَ القِرْنِ مِنْ خُلُقِي … أَوْ انَّ قلبي في جَنْبي أبي دُلَفِ
стр. 3098
فبلغ خبره أبا دلف فوجه إليه ألف دينار.
وكان أبو دلف لكثرة عطائه قد ركبه الديون، واشتهر ذلك عنه، فدخل عليه بعضهم وأنشده (١): [من الوافر]
أيا رَبَّ المنائح والعَطايا … ويا طَلْقَ المُحيا واليدين
لقدْ خُبّرتُ أَنَّ عليك دينًا … فَزِدْ في رقم دينكَ واقضِ دَيْنِي
فوصله، وقضى دينه.
ودخل عليه بعض الشعراء وأنشده (٢): [من البسيط]
الله أجرى مِنَ الأرزاق أكثَرَها … على يديك بعلم يا أبا دُلَفِ
ما خط لا كاتباه في صحيفته … كما تخطط لا في ساشرِ الصُّحُفِ
باري الرياح، فأعطى وهي جارية … حتّى إذا وَقَفَتْ أَعطى ولمْ يَقِفِ
وكان أبوه قد شرع في عمارة مدينة الكرج، وأتمها هو، وكان بها أهله وعشيرته وأولاده، وكان قد مدحه بها بعض الشعراء، فلم يحصل منه ما في نفسه، فانفصل عنه وهو يقول (٣): [من الطويل]
دعيني أجوب الأرض في فلواتها … فما الكرج في الدنيا ولا النَّاسُ قاسم
وهذا مثل قول بعضهم (٤): [من البسيط]
فإِنْ رِجَعْتُمْ إلى الإحسان فهوَلَكُمْ … عبد كما كان مطواع ومذعان
وإِنْ أَبَيْتُمْ فأرض الله واسعة … لا الناسُ أنتم ولا الدُّنيا خُراسان
ولما قدم أبو دلف من الكرج، صنع الأمير علي بن عيسى بن ماهان مائدة، ودعاه إليها، وكان قد احتفل بها غاية الاحتفال، فجاء بعض الشعراء؛ ليدخل الدار على ابن عيسى، فمنعه البواب، فتعرض الشاعر لأبي دلف، وقد قصد دار علي بن عيسى، وبيده جزازة، فناوله إياها، فإذا فيها (٥):
قل له إن لقيتَهُ … مُتَأَن بلا وَهَجْ
جئت في ألف فارس … لغداء مِنَ الكَرَج
ماعلى الناس بعدها … في الدناءاتِ مِنْ حَرج
فرجع أبو دلف، وحلف أنه لا يدخل الدار، ولا يأكل منها شيئًا؛ وقيل: إن
стр. 3099
الشاعر هو عباد بن الحر.
وقيل إنَّ أبا دلف لما مَرِضَ مَرَضَ موته، حجبَ الناس عن الدخول إليه، لثقل مرضه، فاتفق أنه أفاق في بعض الأيام، فقال لحاجبه: من بالباب من المحاويج؟ فقال: عشرة من الأشراف، قد وصلوا من خراسان، ولهم بالباب عدة أيام، لم يجدوا طريقًا، فقعد على فراشه واستدعاهم؛ فلما دخلوا، رحب بهم، وسألهم عن أحوالهم، وبلادهم، وسبب قدومهم، فقالوا: ضاقت بنا الأحوال، وسمعنا بكرمك، فقصدناك، فأمر خازنه، بإحضار بعض الصناديق، وأخرج منه عشرين كيسًا، من كل كيس ألف دينار، ودفع إلى كل واحد منهم كيسين، ثم أعطى كل واحد منهم مؤونة طريقه، وقال لهم: لا تمسوا الأكياس حتى تصلوا بها سالمة إلى بلادكم، واصرفوا هذا في مصالح الطريق. ثم قال: ليكتب لي كل واحد منهم خطه أنه فلان بن فلان حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب ﵁ ويذكر جدته فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنها - ثم يكتب: يا رسول الله إني وجدت إضاقة وسوء حال في بلدي، فقصدت أبا دلف العجلي، فأعطاني ألفي دينار كرامة لك، وطلبًا لمرضاتك، ورجاء لشفاعتك. فكتب كل واحد منهم ذلك، وتسلم الأوراق، وأوصى من يتولى تجهيزه إذا مات أن يضع تلك الأوراق في كفنه حتى يلقى بها رسول الله ﷺ ويعرضها عليه.
وحكي عنه أنه قال: من لم يكن مغاليًا في التشيع فهو ولد زناء، فقال ولده دلف له: يا أبتي لست على مذهبك، فقال له أبوه: لما وطئت أمك، وعلقت بك ما كنت بعد استبرأتها، فهذا من ذلك؛ والله أعلم.
ومع هذا فقد حكى جماعة من أرباب التاريخ: أن دلف بن أبي دلف قال: رأيتُ في المنام آتيًا أتاني، فقال لي: أجب الأمير، فقمت معه، فأدخلني دارًا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة السقوف والأبواب، وأصعدني على درج منها، ثم أدخلني غرفة منها في حيطانها أثر النيران، وإذا في أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي وهو عريان، واضع رأسه بين ركبتيه، فقال لي كالمستفهم: دلف؟، فقلت: دلف، فأنشأ يقول (١): [من الخفيف]
أبلغن أهلنا ولا تُخْفِ عَنْهُمْ … ما لَقِينا في البَرْزَخَ الخَنَّاقِ
قدْ سُئِلنا عَنْ كُلِّ ما قَدْ فَعَلْنا … فَارْحَمُوا وحشتي وما قَدْ أُلاقي
стр. 3100
ثم قال: أفهمت؟، قلت: نعم فأنشد (١): [من الوافر]
فَلَو كُنَّا إِذا مُتنا تُرِكنا … لكان الموت راحة كُلِّ حَيٍّ
ولكنَّا إِذَا مُتنا بُعثْنا … ونُسألُ بعدَهُ عَنْ كُلِّ شي
ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم، وانتبهت.
توفي ببغداد سنة ست وعشرين ومائتين.
[٢٦] البُرْذَان (٢)
فقيه نزل الغناء منزلة حسن الإنشاد، وبنى منزله على بيوته وشاد، حكم في القضاء، وحتم فيه بالإمضاء، ولم ينكر أنه يعرف الغناء، ويقطف منه اجتناء، لم يَرَ بأسًا بتصحيح الأصوات، وتنقيح أناشيد الأبيات تكميلًا لما حصل ذكره من فنون، وحصن صدره من مكنون حتى تجلت به أولى الليالي الغوابر، وأقالت الأيام الغوابر وكان كأنما التطم به بحران، وانقاد الفضل كله بالجران، وأعاد دجى الليل، وقد طلع بدره الطالع، وهو بدران.
قال إسحاق: قدم إليه رجل خصمًا له يدّعي عليه حقًا، فوجب الحاكم عليه، فأمر به إلى الحبس، فقال: أنت بغير هذا أعلم منك بهذا، فقال: ردّوه، فردوه، فقال: لعلك تعني الغناء؟ أي والله إني لعارف به، ومهما جهلت، فإني موجب الحق عليك عالم، اذهبوا به إلى الحبس، ليخرج إلى غريمه من حقه.
قال سباط: رأيت البردان بالمدينة يتولّى سوقها، وقد أسن، فقلت: يا عم إني قد رويت لك صوتًا صنعته، فأردت أن تصححه لي فقال: لعله (٣): [من الخفيف]
كم أتى دون عهد أم جميل
قلت: نعم، فقال: قم بنا، ومال إلى دار في السوق، ثم قال عنه، فقلت: بل تتم يا عم إحسانك وتغنيني أنت به، فإن سمعته كما أقوله غنيته، وإن فيه مصطلحًا استعدته، فضحك وقال: أنت لست تريد تصحيح غناء، إنما تريد أنك تقول إنك ستغني
стр. 3101
وأنا شيخ، وقد انقطعت وأنت شاب، فقلت للجماعة: إن رأيتم أن تسألوه يشفعه فيما طلبت منه. فسألوه فاندفع فغناه، وأعاده ثلاث مرات، فما رأيت أحسن من غنائه حتى كبر سنه ونقصان صوته، ثم قال: غنّه، فغنيته، فطرب الشيخ حتى بكى، وقال: اذهب يا بني، فأنت أحسن الناس غناء، وإن عشت؛ ليكونن لك شأن.
[٢٧] سائب خاثر (١)
مطرب حرّك بغنائه معاوية الحكيم، وحرض على الإنفاق عبد الله بن جعفر الكريم، وأحدث للعرب ما لم تكن تعهد، ونفث، فلم يكن يخلو من نفثاته بيت، ولا معهد. اقترح في الغناء، وفتح فيه للبناء، تقيل عن الفرس غرائب الضروب، وغرائز الفكر التي ترنح كل طروب، وحظي لدى أشراف المدينة لغناء كل محل حباهم، ويحل مثل رباهم، إلا أنه جرى جري الجواد وترك الكل للجواد.
كان قدم إلى المدينة رجل فارسي يعرف ببسيط يغني بها، فأعجب عبد الله بن جعفر، فقال سائب خائر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربي، ثم غدا على عبد الله بن جعفر وقد صنع (٢): [من الكامل]
لِمَنْ الديار رسومُها قَفرُ
стр. 3102
وهذا أول صوت غُنِّي به في الإسلام من الغناء المتقن في الصنعة.
قال: ثم اشترى عبد الله بن جعفر بسيطًا بعد ذلك، فأخذ عن سائب خاثر الغناء العربي، وأخذ عن سائب أيضًا ابن سريج، وجميلة ومعبد، وعزة الميلاء، وغيرهم.
قال: وفد عبد الله بن جعفر على معاوية، ومعه سائب خاثر، فوقع له في جواريه، ثم عرض عليه حاجة لسائب خاثر، فقال معاوية: من هذا؟، فقال: رجل من أهل المدينة ليثي ويروي الشعر، قال: أو كل من روى الشعر ازداد فضله؟. قال: إنه يحسنه، قال: وإن أحسنه قال: أفأدخله إليك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فلما دخل قام على الباب، فرفع صوته ثم غنّى (١):
لمن الديار رُسومُها قَفْرُ … لَعِبَتْ بها الأرياحُ والقَطْرُ
فالتفت معاوية إلى عبد الله، وقال: أشهد لقد حسنه. وقضى حوائجه.
قال: أشرف معاوية ليلًا على منزل يزيد ابنه، فسمع صوتًا أعجبه، واستخفه السماع، فاستمع قائمًا حتى مل، ثم دعا بكرسي، فجلس عليه، واستمع بقية ليلته؛ فلما أصبح غدا عليه يزيد، فقال له: يا بني من كان جليسك البارحة؟، قال: أي جليس يا أمير المؤمنين؟، وتجاهل عليه، فقال: عرّفني، فإنّه لم يخف علي شيء من أمرك، قال: سائب خائر، قال: فاخثر له يا بني من برك، فما بمجالسته بأس.
قال ابن الكلبي: وفد معاوية المدينة في بعض ما كان يفد، فأمر حاجبه بالإذن للناس، فخرج الحاجب، ثم رجع، فقال: ما بالباب من أحد؟، قال: وأين الناس؟،
قال: عند عبد الله بن جعفر، فدعا معاوية ببغلته، فركبها، ثم توجه إليهم؛ فلما جلس، قام سائب خائر ومشى بين السماطين، وتغنّى (٢):
لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحى … وأسيافنا يقطرنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَما
فطرب معاوية وأصغى إليه حتى سكت، وهو مستحسن لذلك، ثم قام، وانصرف.
قال: وقتل سائب خائر يوم الحرة؛ فلما عرضت أسماء من قتل على يزيد بن معاوية، مرَّ به اسمه، فقال: إنا لله، وبلغ القتل إلى سائب خائر إلى طبقته، ما أظن أنه بقي بالمدينة من أحد، ثم قال: قبحكم الله يا أهل الشام، تجدهم صادفوه في حديقة، أو حائط مستترًا، فقتلوه؟!
стр. 3103
وحدث مويلك عن ابنه قال: قال لي سائب خائر يوم الحرة: هل أسمعك شيئًا صنعته، فغناني (١): [من الطويل]
لِمَنْ طَلَلٌ بَيْنَ الكراع إلى القَصْرِ … يُغيّرُ عَنَّا لونُهُ سُبُلَ القَدْرِ
قال: فسمعت عجبًا متعجبًا من ذكر أهله وولده، فقلت: فما يمنعك من الرجوع إليهم، فقال: أما بعد شيء سمعته ورأيته من يزيد بن معاوية، فلا. ثم تقدم، فقاتل حتى قتل.
وتمام الصوت:
سِوَى خامِداتِ ما يَرُمْنَ وهامِدٍ … وأَشْعَثَ ترميه الوليدة بالفهر
[٢٨] عبد الله بن جدعان (٢)
سيد تيم في الجاهلية، ومشيد المفاخر الجلية، شرفه رسول الله ﷺ بدخول داره، وطرفه مطارف فخاره، وكان قد أتى كسرى ملك آل ساسان، وسمع عنه غناء الحسان، وشدا جانبًا مما سمع، واحتذى منه ما لو حلم جمع، وإنما كان هو وسادات العرب يتغنى غناء الركبان، ويتأنى به خلا الفضلاء، ورؤوس الكثبان.
وقد ذكره أبو الفرج في أبناء صوب ذكر، وصوب من بارقة الجنوبي مبتكر.
قالت عائشة، قلت لرسول الله ﷺ : ابن جدعان في الجاهلية كان يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل تلك نافعة له، قال: لا؛ لأنه لم يقل: اللهم اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
قال: قدم أمية بن أبي الصلت (٣) على عبد الله بن جدعان، فقال عبد الله، أمر ما
стр. 3104
أَتى بك؟ فقال أمية: كلاب غرماء قد نبحتني ونهشتني، فقال له عبد الله: قدمت علي، وأنا عليل من حقوق لزمتني، فانظرني قليلًا بحم ما في يدي، وقد ضمنت قضاء دينك ولا أسألك مبلغه قابل، فأقام أمية أيامًا ثم قال (١): [من الوافر]
أَأَذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤُكَ إِنَّ شَيمَتكَ الحَياءُ
وعِلْمُكَ بالأُمورِ وأَنْتَ قَرْمٌ … لكَ الحَسَبُ المُهَذَّبُ والثَّناءُ
كريم لا يغيرُهُ صَبَاحٌ … عَنِ الخُلُقِ السَّنِي ولا مساء
يُباري الريح مكرمةً وجُودًا … إذا ما الكلبُ أَجْحَرَهُ الشَّتاءُ
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
فلما أنشد أمية هذا الشعر، كانت عنده قينتان فقال لأمية: خذ إحداهما، فأخذ إحداهما وانصرف، فمر بمجلس من مجالس قريش، فلاموه على أخذها، وقالوا: لقد كفيته عائلًا، ولو رددتها، فإنَّ الشيخ محتاج إلى خدمتها، كان ذلك أقرب لك عنده فوقع الكلام في أمية موقعًا، وندم فرجع لردها إليه؛ فلما أتاه بها، قال ابن جدعان: لعلك إنما رددتها؛ لأن قريشًا لاموك على أخذها، ووصف لأمية ما قال القوم له، فقال له أمية: والله ما أخطأت يا أبا زهير، فقال عبد الله: فما الذي
стр. 3105
قلت في ذلك؟ فقال أمية (١): [من الطويل]
وليس بشين لامرئ بذل وجهه … إليك كما بعض السؤالِ يَشِينُ
فقال عبد الله لأمية، خذها - يعني الأخرى - فأخذهما جميعًا، وانصرف.
قال الحسن المروزي: سألت سفيان بن عيينة، فقلت: يا محمد ما تفسير قول رسول الله ﷺ كان دعاء أكثر الأنبياء قبلي بعرفة: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» وإنما هو ذكر وليس فيه من الرجاء شيء. فقال لي: أعرفت حديث مالك بن الحويرث يقول الله - جل ذكره - «إذا شغل عبدي ثناؤه عليَّ عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين؟»، قال: نعم، أنت حدثتنيه عن منصور عن مالك بن الحويرث. قال: فهذا تفسير ذلك! ثم قال: أعلمت ما قال أمية بن أبي الصلت حين خرج إلى ابن جدعان يطلب نائله؟، قلت: لا أدري، قال: قال فيه (٢):
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إنَّ شيمتك الحياء قذ كفاني
إذا أثنى عليك المرءُ يومًا كفاهُ … مِنْ تعرضه الثناء
ثم قال سفيان: فهذا مخلوق بسبب الجود، قيل له: يكفينا من مسألتك أن نثني عليك ونسكت حتى تأتي حاجتنا، فكيف بالحق .
وكان ابن جدعان ممن حرم على نفسه الخمر في الجاهلية؛ وذلك أن أمية شرب معه؛ فلما أصبح رأى بعين أمية أثرًا، فقال: ما هذا؟، فعرفه أنه فعل به فأعطاه عشرة آلاف درهم دية عينه، وقال: الخمر علي حرام.
[٢٩] متيّم الهشامية (٣)
كانت متيّم سرور، ومديم غرور، لو مرّت بأم خشف سانح، سلبت منها ما في
стр. 3106
الجوانح. كانت لبني هاشم سرّة البطحاء، ومسرة أهل الروحاء. نشأت في تلك البيوت يمتع بحلولها، ويحدّ لحاظها في غلولها. إذا غنت، تجدد صبوة الهرم، وتشبّ صفحة الماء فيضطرم، لا تحلو بادي سراة لها من ذكر لا ينصرف سراه، ولا يتفرق مجمع أولها فضل عليه مجمع ودامت.
قال أبو الفرج: كلم علي بن هشام متيما بشيء، فأجابته جوابًا لم يرضه، فدفع في صدرها، فغضبت، ونهضت، وتثاقلت عن الخروج إليه، فكتب إليها (١): [من الطويل]
فليتَ يَدي بانتْ غَدَاةَ مددتُها … إليكِ فلمْ تَرْجِعْ بكف وساعِدِ
فإن يُرجع الرحمان ما كان بيننا … فلستُ إلى يوم التنادي بعائد
قال: فتمادى غضبها، وترضاها، فلم ترض، فكتب إليها: إلا دلال يدعو إلى الآمال، ورب هجر دعا إلى صبر، وإنما سمي القلب قلبًا لتقلبه، ولقد صدق العباس بن الأحنف (٢) حيث يقول (٣): [من الخفيف]
ما أراني إلا سأهجرُ مَنْ ليـ … سَ يَرَاني أقوى على الهِجْرَانِ
ملني واثقًا يُحسن وفائي … ما أضر الوفاء بالإنسان
قال: مرّت متيّم في نسوة، وهي متخفية، بقصر علي بن هشام بعد أن قتل؛ فلما رأت بابه مغلقًا لا أنيس به، وقد علاه التراب، وقد طرحت في أفنيته المزابل، وقفت
стр. 3107
عليه وتمثلت (١):
يا منزلًا لمْ تَبْلَ أطلاله … حاشا لأطلالِكَ أَنْ تَبْلَى
لم أبكِ أطلالك لكنني … بكيتُ عيشي فيكَ إذْ ولى
قد كان لي فيك هوى مرةً … غيبَهُ التَّرْبُ فَمَا مَلًا
فصرتُ أبكي بعده جاهدًا … عند ادكاري حيثُ إذ حلًا
والعيش أولى ما بكاهُ الفَتَى … لا بُدَّ للمحزون أَنْ يَسْلى
قال: ثم بكت حتى سقطت من قامتها، وجعل النسوة يقلن لها نفسك؛ فإنك تؤخذين الآن. فبعد لأي احتملت بين امرأتين حتى جاوزت الموضع.
[٣٠] سَلامَة القَسِّ (٢)
وكانت شمس كواكب، وأنس لاعب لو قابلت البدر، لاستتر، أو هابت النسيم، لفتر، وقد طالت منّى وطابت جنّى، وعرفت بالقس؛ لأنَّ بها لا يقاس، لأنَّ كل قلب لها دير أو كناس، أوفقت الغوادي، وبدت كالقمر البادي إلى غناء تخليس الجليس، وتحبيس الظعائن وقد شدت العيس، يغني عن منة الأوتار، وزنة الإعلان عند بلوغ الأوطار.
قال أبو الفرج: إنما سميت سلامة القس؛ لأنَّ رجلًا يعرف بعبد الرحمن بن عمار الجشمي من قراء أهل مكة، كان يلقب القس لعبادته وأنه مر بمنزل أستاذ سلامة، فسمع غناءها فهويها وهويته، وشغف بها، واشتهر حتى غلب عليها لقبه. وفيها يقول (٣): [من الوافر]
стр. 3108
أهابُكِ أَنْ أقولَ بَذَلْتُ نفسي … وَلَوْ أَنِّي أُطِيعُ القلب قالا
حياء منك حتى سُلَّ جسمي … وشق علي كتماني وطالا
قال إسحاق: كانت حبابة وسلامة من قيان أهل المدينة، وكانتا حاذقتين، ضاربتين، طريفتين، وكانت سلامة أحسنهما غناء، وحبابة أحسنهما وجهًا، وكانت سلامة تقول الشعر، وكانت حبابة تعاطاه فلا تحسنه.
قال أيوب بن عباية: كانت سلامة أحسنهما غناءً؛ وهي المقدمة، فلما صارتا إلى يزيد بن عبد الملك، ورأت حبابة إيثار يزيد لها، ومحبته إياها استخفت لسلامة، فقالت لها: يا أخية نسيت فضيلتي عليك، ويلك أين تأديب الغناء، وأين خلق التعليم، أنسيت قول جميلة وهي تطارحنا وتقول لك: خذي اتقان ما أطارحك من أختك سلامة، ولا تزالين بخير ما بقيت لك، وكان أمركما مؤتلفًا، قالت: صدقت يا أخت، والله لا عُدت إلى شيء تكرهينه، فما عادت إلى مكروه، وماتت حبابة، وعاشت سلامة بعدها زمانًا طويلًا.
قال: لما قدم عثمان بن حيان المري المدينة واليًا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنك وليت المدينة على كثرة من الفساد، فإن كنت تريد أن تصلح، فظهرها من الغناء والزناء، فصاح في ذلك، وأجل أهله ثلاثًا يخرجون فيها من المدينة، وكان ابن أبي عتيق غائبًا؛ فلما كان آخر ليلة من الأجل، قدم قال: لا أدخل على منزلي حتى أدخل على سلامة القس، فدخل عليها، فقال: ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلم عليكم، قالوا: ما أغفلك عن أمرنا، وأخبروه الخبر، فقال: اصبروا الليلة، فقالوا: نخاف لا يمكنك شيء، قال: إن خفتم شيئًا، فأخرجوا في السحر، ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيان، فأذن له وذكر عيينة أنه جاء لقضاء حقه ثم جزاه خيرًا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزناء، وقال: لا تكون عملت عملًا هو خير لك من ذلك، قال عثمان: قد فعلت وأشار به علي أصحابك. قال: قد أصبت، ولكن ما تقول أكرمك الله في امرأة كانت هذه صناعتها، وكانت تكره على ذلك، ثم تركته، وأقبلت على الصوم والصلاة والخير، وإني رسولها إليك تقول: أتوجه إليك وأدعو بك أن تخرجني من جوار رسول الله ﷺ ومسجده. قال: فإني أدعها لك، ولكلامك. قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك، وتسمع كلامها، وتنظر إليها؛ فإن رأيت أن مثلها ينبغي أن تترك تركتها، قال: نعم، فجاء بها، وقال: احملي معك سبحة، وتخشعي ففعلت؛ فلما دخلت عليه حدّثته، فإذا هي أعلم الناس بالأخبار والأحاديث، فأعجب بها، وحدثته عن آبائه وأمورهم، ففكر لذلك فقال لها ابن أبي
стр. 3109
عتيق: اقرأي على الأمير، فقرأت له، فقال: إحدي للأمير، ففعلت، فكثر عجبه بها، فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها؟ فلم يزل يزين لها شيئًا بعد شيء حتى أمرها بالغناء، فقال لها ابن أبي عتيق عند ذلك غن (١): [من الطويل]
سَدَدْنَ خَصَاصَ الخَيْمِ لما دخَلْنَهُ … بِكُلِّ لَبان واضح وجَبِيْنِ
فغنته، فقام عثمان من مجلسه، فقعد بين يديها، ثم قال: لا والله ما مثل هذه من يخرج، فقال له ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس يقولون: أقرّ سلامة، واخرج غيرها، قال: فدعوهم جميعًا، فتركوا، وأصبح الناس يتحدثون بذلك، يقولون: كلم ابن أبي عتيق في سلامة، فتركوا جميعًا.
قال ابن أبي أويس: كان يزيد بن عبد الملك [يقول]: ما يقرّ بعيني ما أوتيت من أمر الخلافة حتى اشتروا سلامة وحبابة، فأرسل فاشترينا، فلما اجتمعنا عنده، قال: أنا والله كما قال الشاعر (٢): [من الطويل]
فألقتْ عصاها فاستقر بها النَّوى … كما قَرَّ عَينًا بالإياب المسافر
فلما توفي يزيد رثته سلامة، وهي تنوح على قبره (٣):
لا تملنا إن خَشَعْنا … أَوْ هَمَمْنا بخشوع
إذ فقدنا سيدًا كا … ن لنا غيرَ مُضِيعِ
قدْ لَعَمْرِي بِتُّ لَيْلي … كأخي الداء الوجيع
كلما أبصرتُ رَبعًا … خاليًا فاضتْ دُمُوعِي
[٣١] عبيد الله بن عبد الله بن طاهر (٤)
توشح بالأدب وترشح للطلب واقتنى الجواري، وأخذهن بالإحسان، وألقى
стр. 3110
عليهن الأصوات، وأبقى لهن حياة في الأموات، ولم يكن يذكر بالغناء إلا جواريه، ولا يظهر، ولو فعل لم يكن أحد يباريه، وإنما كان كلفا بالشعر، والإحسان قريضه، ومحاسن تصريحه وتعريضه، وهو فرع من تلك الخضراء، وبقية من تلك الدولة الغراء.
قال أبو الفرج، قال جحظة: كان المعتضد بصوت الصنعة لساعي، فأرسل إلى عبيد الله يقسم بأن يأمرها بزيارته، ففعل.
قال جحظة: فحدثني من حضر من المغنيات ذلك المجلس يخدمن المعتضد، قلن: دخلت علينا، وما منا إلا من يرفل في الحلي والحلل؛ وهي في أثواب ليست كأثوابنا، فاحتقرناها؛ فلما غنت، احتقرنا أنفسنا، ولم يزل كذلك حالنا إلى أن صارت في أعيننا كالجبل، وصرنا كلا شيء، قال: ولما انصرفت أمر لها المعتضد بمال وكسوة، ودخلت على مولاها، فجعل يسألها عن خبرها، وما استطرفت مما رأت، وما استغربت مما سمعت؟ فقالت: ما استحسنت هناك، ولا استغربته من غناء، ولا غيره إلا عودا محفورا من عود، فإني استظرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن دخل إلى دار الخلافة، فلم تمتد عينه إلى شيء استحسنه إلا عودا؟
стр. 3111
قال بعضهم: كنت عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وعنده أخوه محمد يأمره بإحضاري، وتقليدي القضاء، وقد بلغتُ هذا السن وأتولى القضاء بعدها، وبعدما قد رويت: مَنْ ولي القضاء، فقد ذبح بغير سكين؟ فقال محمد: فتلحق أمير المؤمنين بسر من رأى، وتسأله: إعفاءك، قال: افعل، فأمر له بمال ينفقه، وبظهر يحمله، ويحمل ثقله.
ثم قال: إن رأيت يا أبا عبد الله أن تفيدنا منك شيئًا قبل أن نفترق. قال: انصرفت من عمرة المحرم، فبينما أنا بالعرج، إذ أنا بجماعة مجتمعة فأقبلت إليهم فإذا أنا برجل كان يتقبض الظباء، وقد وقع ظبي في حبائله، فذبحه، فانتفض في يده، فضرب بقرنه صدره، فمات.
وأقبلت فتاة كأنها المهاة؛ فلما رأت زوجها ميتًا، شهقت، وقالت (١): [من البسيط]
يا حِصنُ جَمَّعَ أحشائي وقَلْقَلَها … رَدَاكَ يا حصن لولا غُرَّةٌ جَلَلُ
أضحت فتاة بني نهدٍ عَلانية … وبعلُها فوق أيدي القومِ مُحْتَمَلُ
قال: ثم شهقت فماتت؛ فما رأيت أعجب من الثلاثة: الظبي مذبوح، والرجل ميت جريح، والفتاة ميتة حرّى. قال: فأمر له عبيد الله بمال أجزاه، ثم أقبل على أخيه محمد فقال له: أما إنّ الذي أخذنا من الفائدة من خبر حَسَن، وفي قولها:
أضحت فتاة بني نهد علانيةً
تريد ظاهره أكثر مما أعطيناه من الصلة.
ومن شعر عبيد الله بن طاهر (٢): [من الطويل]
فانفق إذا أيسرتَ غير مُقَصِّر … وانفق إذا خيلتَ أَنَّكَ مُعْسِرُ
فلا الجود يُفني المال والجَدُّ مُقْبِلُ … ولا البُخْلُ يبقي المال والجَدّ مُدْبِرُ
[٣٢] محمد بن الحارث بن بُسْخُنَّر (٣)
رئيس طرب يستحيي صوته الورقاء إذا ناحت وذات اللقاء إذا باحت، طالما
стр. 3112
صبّ الدموع دمًا، وصدَّ الثاكل أن يتذكر عدمًا، لو باكى السيل لاستوقفه إذ جرى، أو شاكي المُسهَّد لأشغله عن الكرى، راق الخلفاء كأس غنائه، واتخذوه لذماء الروح أجل غذائه، فكانوا لا يرون سرورًا بغيره يتم، ولا حبورًا بسواه يلم.
قال أبو الفرج: كان قديمًا يغني بالمعزفة، وكانت تحمل معه [إلى] دار الخلافة، فمرّ غلامه بها يومًا، فقال قوم: كانوا جلوسًا على الطريق: مع هذا الغلام مصيدة الفأر، فقال بعضهم: لا هذه معزفة محمد بن الحارث، فحلف يومئذ بالطلاق والعتاق لا يغني بمعزفة أبدًا آنفةً أن ينسبه التي يغني بها بمصيدة الفار، فصار يغني مرتجلًا، وكان أحسن الناس أخذًا للغناء، وأحسنهم أداءً.
قال أبو عبد الله الهاشمي: سمعت إسحاق المصعبي يقول للواثق، قال لي إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما قدر أحد أن يأخذ شيئًا مستويًا إلا محمد بن الحارث، فقال له الواثق: حدثني إسحاق عن إسحاق الموصلي بكذا وكذا، قال: قد قال لي إسحاق مرارًا، قال له الواثق، فأي شيء أخذت من صنعته أحسن عندك، فقال - وهو يزعم أنه لم يأخذ منه أحد قط - هذا الصوت كما أخذته وهو هذا (١): [من الطويل]
إذا المرء قاسى الدهر وابيضَّ رَأْسُهُ … وتُلَّم تثليم الإناء جوانبة
فليس له في العيش خير وإن بكى … على العيش أَوْ رَجَّي الَّذِي هُوَ كَاذِبُهْ
فأمره الواثق أن يغنيه إياه، فأحسن واستعاده الواثق منه، فاستحسنه، وأمره برده مرارًا حتى أخذه الواثق، وأخذه جواريه والمغنون.
وذكر يحيى المنجم: أن إسحاق غنّى بحضرة الواثق (٢): [من الطويل]
ذكرتُكِ إِذْ مرَّت بنا أم شادِنٍ … أَمامَ المَطايا نَشْرَئِبُّ وَتَسْنَحُ
стр. 3113
مِنَ الوُلَّفاتِ الرَّملِ أَدماءُ حُرَّةٌ … شُعَاعُ الضُّحَى مِنْ مَتْنِها يَتَوَضَّحُ
فأمر الواثق أن يعيده على الجواري، وأحلفه بحياته أن ينصح فيه، فقال: لا يستطعن الجواري أن يأخذنه مني، ولكن يحضر محمد بن الحارث، فيأخذه مني، ويأخذنه الجواري منه، فأحضره، وألقاه عليه، فأخذه منه، وألقاه على الجواري.
قال أحمد بن الحسن بن هشام: جاءني محمد بن الحارث بن بُسْخُنَّر يومًا، فقال لي: قم حتى أطفل بك على صديق لي حر، وله جارية أحسن خلق الله تعالى وجهًا وغناء، فقلت: أنت طفيلي وتطفل بي. هذا والله أحسن حال، وقمت معه، فقصد بي دار رجل من فتيان سر من رأى كان لي صديقًا، ويكنى أبا صالح، وقد غيرت كنيته على سبيل القلب، فلقب أبا الصالحات، وكان ظريفًا، حسن المروءة، ويضرب بالعود على مذهب الفرس ضربًا حسنًا، ولم يكن منزله يخلو من طعام وشراب؛ لكثرة من يقصده من إخوانه؛ فلما طرق بابه قلت: فرجت عن صديقي، فدخلنا، وقدم إلينا طعامًا نظيفًا، فأكلنا وأحضر النبيذ، وأحضر جاريته، فغنت غناء حسنًا، ثم غنت صوتًا كانت أخذته من محمد بن الحارث من صنعته، والشعر لابن أبي عيينة (١): [من الكامل]
ضُيِّعَتْ عَهْدَ فَتًى لِعَهْدِكِ حَافِظٌ … فِي حِفْظِهِ عَجَبٌ وفي تَضْيِيعِكِ (٢)
إِنْ تَقْتُلِيهِ وتَذْهَبِي بِفُؤَادِهِ … فَبِحُسْنِ وَجْهِكِ لا بِحُسْنِ صَنِيعِكِ
فطرب محمد بن الحارث ونقطها بدنانير مُسَيَّفة كانت في خريطته، ووجه بغلامه، فجاءها ببرنية فيها غالية، فغلفها منها، ووهبها الباقي، وكان معنا أخ لمحمد بن الحارث يكنى أبا هارون، ظريف، طيب، فطرب، ونعر، ونخر، وقال لأخيه: والله إني أريد أن أقول لك شيئًا في السرّ، وأسألك أن تخبرني هل فيه حرج؟، قال: قله
стр. 3114
علانية، قال: لا يصلح، قال: والله ما بيني وبينك شيء إني إن أقوله جهرًا. فقله، قال: أشتهي أن تسأل أبا الصالحات أن ينيكني فعسى صوتي أن ينصلح، ويطيب غنائي، فضحك أبو الصالحات وخجلت الجارية، وغطت وجهها.
قال أبو العباس: حدثني محمد بن الحارث بن يُسْخُر عن أبيه، قال: قال لي الرشيد: أنا على أن أتغدى عندك في غد. قال: فضاق علي من الأرض العريض فجئت إلى عبد الملك بن صالح، وقلت له: قد وقعت في بلية، قال: وما هي؟ قلت: زعم الرشيد أنه يتغدى عندي غدًا، فقال: اذهب ففرغ جهدك للقلايا والمعلكة، ولا تحفل بسوى ذلك، قال: ففعلت؛ فلما جاءني، قال: دعني من تخليطك، وهلم إلي بقلايا ومعلكة، قال: فجئت بها، فقال: ضع يدك على رأسي واحلف لتصدقني، قال: فوضعت يدي على رأسه وحلفت قال: من أشار عليك بهذا؟، قلت: عبد الملك بن صالح، قال: أما والله لو طولب بالعشرة آلاف التي عليه لما تفرغ لفضول الرأي.
قال محمد بن الحارث: كنت مع المأمون، وهو يريد بلاد الروم، ومعه عدة من المغنين فجلس يومًا والمعتصم والعباس، فبعث إلى المأمون بأصل شاهسفوص، وقد لف على رأسه حرير فجاءني الغلام، وقال: أعد الصوت فأخذته وشممته، ووثبت فغنيته قائمًا، ووضعت الأصل بين يدي، وقلت للمغنين: حكم لي أمير المؤمنين عليكم بالحذق بالغناء، قال: وكيف وقد دفع إليَّ لواء الغناء من بينكم؟، قالوا: ليس كما ذكرت، ولكن حياك إذ أطربته، والرسول قائم فانصرف بالخبر، فما لبث أن رجع، فقال كما قلت.
قال صنع محمد بن الحارث لحنًا في (١): [من مجزوء الكامل]
أصبحتُ عبدًا مسترقًا … أبكي الألى سكنوا دمشقا
أعطيتهم قلبي فَمَنْ … يبقى بلا قلب فأَبْقَى
وطرحه على المسدود الطنبوري، فوقع له موقعًا حسنًا، واستحسنه محمد بن الحارث منه، فقال له: أتحب أن أهبه لك؟، قال: نعم، قال: قد فعلت، فكان المسدود يغنيه ويدعيه، إنما هو لمحمد بن الحارث.
قال: دعا إسحاق بن إبراهيم المصعبي المأمون فصار إليه معه المعتصم وعبد الله بن طاهر وسائر جلسائه ومغنيه؛ فلما جلس المأمون على شرابه كان ممن حضر
стр. 3115
المجلس من المغنين محمد بن الحارث، وقد شاع في المأمون الطرب فغناه (١): [من المنسرح]
لو كانَ حَوْلِي بنو أُميَّةَ لَمْ … يَنطِقْ رجالٌ أَرَاهُمْ نَطَقُوا
قال: فغضب المأمون، ودارت عينه في رأسه، وكان لا يكاد يغضب، فإذا غضب، بلغ غاية الغضب، ثم التفت إليه، فقال: تغنيني في وقت سروري، وساعة طربي في شعر تمدح فيه أعدائي، وأنت مولاي وربيب نعمتي؟! ادعوا أحمد ابن هشام، وكان على حرسه، وكان المأمون لا يمضي إلى موضع إلا ومعه صاحب شرطته وحرسه، وكان أحمد قاعدًا في حرّاقة على باب إسحاق في دجلة، فجاء أحمد حتى مثل بين يديه، وكان عبد الله بن طاهر قد قام ليجدد وضوءًا فقال أحمد: خذه إليك فاضرب عنقه وانتسفه من الأرض، ومرَّ به مبادرًا لينفذ أمره فيه، ولم يتهيأ لإسحاق كلام المأمون فيه وعدل إلى عبد الله بن طاهر، فأخبره الخبر، وقال: إن تهيأ هذا في منزلي يوم فخري وسروري كانت سنة عليّ، وعلى أهلي فهدأ أحمد، فسأله أن يتوقف، ويبادر إلى أمير المؤمنين يسأله العفو عنه، فقال عبد الله بن طاهر لأحمد في التوقف عنه، وجاء حتى قام بين يدي المأمون، وهو على غضب، فأمره بالجلوس، فأبي، فقال: ولم؟، قال: يا أمير المؤمنين نعمك عليّ جليلة، ومننك لدي نفيسة، وفي نفسي وأهلي عظيمة، وهذا يوم شرفت فيه ابن عمي إسحاق بزيارته، ورفعت بذلك من قدره، وأعلنت من ذكره، وقد كان من هذا الجاهل ما كان فلم في سعة خلق أمير المؤمنين، وكرم عفوه أن يعود عليه بفضله، والطّول بصفحه، ولا يخرجه إلى ما خرج من الأمر بقتله، فإنّ هذا شيء إن تهيأ في منزل خادمه كان سُبّة عليه وعلينا إلى آخر الدهر، هذا إلى حرمة محمد وخدمته، وأن الذي تم عليه كان بسوء الاتفاق لا العمد، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعود بحلمه، ويراجع ما عوّد الله خدمه من العفو والإقالة.
قال: قد فعلت، وأمر بردّه إلى مجلسه، فجاء فوقف بين يديه، فقال: إياك ومعاودة مثل ما كان منك. وأخذ في لهو ولعب وسرور.
[٣٣] عبد الله بن طاهر (٢)
ملك علا علوّ النجوم، وجاد جواد الغيوم، وأجاد في كل ضرب من الإحسان،
стр. 3116
وكانت أيامه أيام الورد في نيسان، مُحلى النجاد بأدب حلّ منه النجاد، ووقار رأى
стр. 3117
الطود إليه الافتقار، وهو من أبناء الشيعة العباسية في رأس فرقها، ومجمع طرقها، صعدت فيها حدوده الذروة، وسعدت لتمسكها بالعروة.
وكان عبد الله يتكلم الغناء وهو معبده وغريضه، ويده فيه لا تقصر به ولا نهوضه، إنما كان يخاف الأزراء، ويعد أصواته المنسوبة إليه الأرزاء.
قال أبو الفرج: ذكر المبرد أن المأمون أعطى عبد الله بن طاهر مال مصر لسنة خراجها وضياعها، فوهبه كله، وفرقه على الناس، ورجع صفرًا من ذلك فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يومًا بعد مقدمه، فأنشده (١): [من البسيط]
نَفسي فِداؤُكَ والأَعْناقُ خاضِعَةٌ … لِلنائِباتِ أبيًا غَيرَ مُهْتَضَمِ
إليك أقبلت مِنْ أرضِ أَقمتُ بها … حَولَين بعدك في شوق وفي ألم
أَقْفُو مساعِيَكَ اللاتي خُصِصْتَ بها … حَذْوَ الشُّراكِ على مثل من الأدم
فكان فضلي فيها أنَّني تَبَعٌ … لما سَنَنْتَ مِنَ الإحسانِ والكَرَمِ
فضحك المأمون، وقال: أما والله ما نفست عليك مكرمة نافلتها، ولا أحدوثة
стр. 3118
حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك، افتقرت ولم تقدر على لم شعثك، ولا إصلاح حالك، وزال ما كان في نفسه.
وقال غيره: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر، سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر، فلم يزل حتى أجاز بها ثلاثة آلاف ألف دينار ونحوها، فأتاه معلى الطائي، وقال: أعلموه ما صنع، وكان واجدًا عليه، فوقف بين يديه تحت المنبر، وقال: أصلح الله الأمير، أنا معلى الطائي، وقد بلغ مني ما كان منك من جفاء، وغلظة، فلا يغلظن على قلبك، ولا يستخفنّك الذي بلغك، أنا الذي أقول (١): [من البسيط]
يا أعظم الناس عفوًا عند مقدرة … وأعظم الناس عند الجود للمال
لو أصبح النيل يجري ماؤُه ذَهبًا … لما أشرت إلى خزن بمثقال
وهي عدة أبيات، فضحك عبد الله بن طاهر، وقال: يا أبا السمراء أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها، فأقرضه، فدفعها إلى معلى الطائي.
قال محمد بن الفضل الخراساني - أحد قواد عبد الله بن طاهر -: لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفتخر فيها بمآثر أبيه وأهله، ويفخر بفضلهم، وبقتلهم المخلوع عارضه محمد بن زياد الأموي الحصني - من ولد مسلمة بن عبد الملك - فأفرط في السب، وتجاوز قبح الردّ، وتوسط بين القوم وبين بني هاشم فأربى في التوسط، وكان فيما قال فيه (٢): [من المديد]
يا بن بنتِ النار يوقدها … ما لحادِيهِ سَرَاوِيلُ
مَنْ حُسَيْنٌ مَنْ أبوك ومَنْ … مُصْعَبٌ غالتكُمُ غُوْلُ
نَسَبٌ في الفَخْرِ مُؤْتَشَبٌ … وأُبُوَّاتٌ أَراذِيلُ
وهي قصيدة طويلة؛ فلما ولي عبد الله بن طاهر، ورُدّ إليه أمر الشام، علم الحصني أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده، فثبت في موضعه وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابه، وكل ما يملك في موضعه، وفتح باب حصنه، وجلس عليه يتوقع من عبد الله بن طاهر أن يوقع به؛ فلما شارفنا بلده، وكنا على أن نصبح، دعاني عبد الله في الليل، فقال: أنت عندي الليلة ولتكن فرسك عندك لا تردّ؛ فلما كان في السحر أمر غلمانه وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر أنا وخمسة من خواص غلمانه، وسار حتى أصبح الحصن، فرأى بابه مفتوحًا، ورآه جالسًا مسترسلًا،
стр. 3119
فقصده، وسلَّم عليه، ونزل عنده وقال: ما أَحَلَّك ههنا، وحملك على أن فتحت بابك، ولم تتحصّن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنحَّ عن عبد الله بن طاهر مع ما في نفسه عليك وما بلغه عنك، فقال: إن الذي قلت لم يذهب علي، وإنما تأملت أمري، وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب، وغرة الحداثة، وأني إن هربت لم آمنه، فباعدت البنات والحرم واستسلمت بنفسي وكل ما أملك؛ فإني من أهل بين قد أسرع القتل فينا، ولي فيمن مضى أسوة، فإن الرجل إذا قتلني وأخذ مالي، وشفى غيظه، لم يجاوز ذلك إلى الحرم، ولا له فيهن إرب ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته. قال: فوالله ما اتقاه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته، ثم قال: أتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا عبد الله بن طاهر، وقد أمَّن الله، خوفك، وحقن دمك، وصان حريمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجلت إليك وحدي إلا لتأمن من خوف، وأن لا تخالط عفوي عنك روعة. فبكى الحصني، وقام يقبل رأسه وضمه إليه عبد الله، وأدناه، ثم قال: أما الآن، فلا بد من عتاب يا أخي، جعلت فداك. قلت شعرًا في قومي أفخر بهم، لم أطعن فيه على حسبك، ولا ادعيت فضلًا عليك، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك، فهم القوم الذين ثأرك عندهم، وكان يسعك السكوت، وإن لم تقترف لم تسرف فقال: أيها الأمير قد عفوت، فاجعله العفو الذي لا يخالطه تثريب، ولا يكدر صفوه تأنيب، قال: قد فعلت، فقم بنا ندخل منزلك حتى نوجب عليك حقًا بالضيافة، فقام مسرورًا فدخلنا منزله، ودعا بالطعام الذي كان أعده لنفسه فأكلنا، وجلسنا نشرب في مشترف له، وأقبل الجيش، وأمرني عبد الله أن أتلقاهم فأرحلهم، ولا يُترك أحد منهم في البلد، ثم دعا بدواة، فكتب له يسوغه خراجه سبع سنين، وقال: إن نشطت لنا فالحق بنا وإلا فأقم مكانك، فقال: أنا أتجهز، وألحق الأمير، ففعل، ولحق بمصر. ولم يزل عبد الله بن طاهر لا يفارقه حتى دخل العراق، فودعه، وأقام ببلده.
قال ابن خرداذبة: كان موسى بن خاقان مع عبد الله بن طاهر، وكان نديمه وجليسه، وكان له مؤثرًا مقدمًا، فأصاب معه معروفًا كثيرًا، وأجازه جوائز سنية، ثم إنه وجد عليه في بعض الأمر، فجفاه، فرجع موسى إلى بغداد، فكتب إليه (١): [من السريع]
إن كان عبدُ اللهُ خلَّانا … لا مُبْدِيًا عُرْفًا وإحْسَانا
стр. 3120
فَحَسْبُنَا اللهُ رَضِينَا بِهِ … ثُمَّ بعبدِ اللهِ مَوْلَانَا
يعني بعبد الله الثاني المأمون، وتغنت فيه جارية لحنًا من الثقيل الأول، وسمعه المأمون منها، فاستحسنه، ووصله وإياها، فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فغاظه، وقال:
أجل صنعنا المعروف إلى غير أهله، فضاع.
[٣٤] معبد اليقطيني (١)
مطرب كم أخذ عنه صوت، ومجيد كم استدرك به لمعبد الأول فوت، وإن قيل:
وَمَا قَصَبَاتُ السَّبْقِ إِلَّا لِمَعْبَدِ
وغنى الأول أنه أعرب قيل ذلك له، وللثاني منه ما أطرب، ثم صل لبيبًا، وقتل كثيبًا، وفعل بالغناء ما يفعل بالناي. كان أطيب من العود أنفاسًا وأقرب إيناسًا، يختلب الألباب، ويستلب العقول للأحباب، ويجتلب الهوى لذكر زينب اجتلاب الرباب.
قال أبو الفرج، قال عبد الله بن أبي سعيد: حدثني معبد غلام ابن يقطين. قال:
كنت منقطعًا إلى البرامكة أخدمهم وألازمهم، ولا أفارقهم، فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا بابي يدق، فخرج غلامي، ثم رجع، فقال: على الباب فتى ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل علي شاب ما رأيت أحسن وجهًا، ولا أنظف ثوبًا، ولا أجمل زيًا منه عليه آثار السقم ظاهرة، فقال لي: إني أخاف لقاك مذ مدة فلا أجد إليه سبيلًا. إن لي حاجة، قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي، ثم قال: أسألك أن تقبلها، وتصنع في بيتين قلتهما لحنًا تغنيني به، قلت: هاتها، فأنشدني (٢):
[من البسيط]
وَاللَّهِ يَا طَرْفِيَ الجَاني عَلَى بَدَنِي … لَتُطْفِئَنَّ بدَمْعِي لَوْعَةَ الحَزَنِ
أَوْلَا أَبُوحُ حَتَّى تُحَجَّبُوا سَكَنِي … فَلَا أَرَاهُ وَلَوْ أُدْرِجْتُ في كَفَنَي